المهمات وأن الأمة في كل زمان ومكان في أشد الحوجة إليها، بل في أشد الضرورة إلى ذلك..
ويتلخص الكلام في الدعوة إلى الله في أمور:
الأمر الأول: حكمها وفضلها.
الأمر الثاني: كيفية أدائها وأساليبها.
الأمر الثالث: بيان الأمر الذي يدعى إليه.
الأمر الرابع: بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها، فنقول وبالله المستعان وعليه التكلان وهو المعين والموفق لعباده .
الأمر الأول: بيان حكم الدعوة إلى الله وبيان فضلها:
أما حكمها، فقد دلت الأدلة من الكتاب السنة على وجوب الدعوة إلى الله ، وأنها من الفرائض، والأدلة في ذلك كثيرة، منها قوله سبحانه ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ومنها قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)
стр. 14177
ومنها قوله :
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ومنها قوله سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) فبين سبحانه أن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله وهم أهل البصائر، والواجب كما هو معلوم هو اتباعه والسير على منهاجه ﵊ كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٣) وصرح العلماء أن الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة، فإن كل قطر وكل إقليم يحتاج إلى الدعوة وإلى النشاط فيها فهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملا صالحا جليلا.
стр. 14178
وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المعين بالدعوة على التمام صار الإثم عاما وصار الواجب على الجميع، وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه، أما بالنظر إلى عموم البلاد فالواجب أن يوجد طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا في أرجاء المعمورة تبلغ رسالات الله وتبين أمر الله بالطرق الممكنة، فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة وأرسل الكتب إلى الناس وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله .
وفي وقتنا اليوم قد يسر الله أمر الدعوة أكثر بطرق لم تحصل لمن قبلنا، فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر من طرق كثيرة، وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة عن طريق الإذاعة، عن طريق التلفزة، عن طريق الصحافة، من طرق شتى، فالواجب على أهل العلم، والإيمان وعلى خلفاء الرسول أن يقوموا بهذا الواجب وأن يتكاتفوا فيه وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله ولا يخشوا في الله لومة لائم ولا يحابوا في ذلك كبيرا ولا صغيرا ولا غنيا ولا فقيرا، بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله، وقد يكون ذلك فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي
стр. 14179
عن المنكر فإنه يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، فإذا كنت في مكان ليس فيه من يقوى على هذا الأمر ويبلغ أمر الله سواك، فالواجب عليك أنت أن تقوم بذلك، فأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك فإنه يكون حينئذ في حقك سنة، وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافسا في جميع الخيرات ومسابقا إلى الطاعات، ومما احتج به على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (١) الآية.
قال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية وجماعة؛ ما معناه:
ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم تدعوا إلى الله وتنشر دينه وتبلغ أمره ، ومعلوم أيضا أن الرسول ﵊ دعا إلى الله وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته، وقام الصحابة كذلك ﵃ وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم، ثم لما هاجروا قاموا بالدعوة أكثر وأبلغ، ولما انتشروا في البلاد بعد وفاته ﵊ قاموا بذلك أيضا ﵃ وأرضاهم كل على قدر طاقته وعلى قدر علمه، فعند قلة الدعاة، وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة الجهل، كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته، وإذا
стр. 14180
كان في محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها من تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة؛ لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على يد سواه.
ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله، وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون، وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة.
وبهذا يعلم من كونها فرض عين، وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف، فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام؛ لأنه وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم.
أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة، فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يبلغوا الدعوة ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس، يجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل أحد باللغة التي يعرفها، باللغة العربية وبغيرها، فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق التي تقدم بيانها، طرق الإذاعة
стр. 14181
والتلفزة والصحافة وغير ذلك من الطرق التي تيسرت اليوم ولم تتيسر في السابق، كما أنه يجب على الخطباء في الاحتفالات وفي الجمع وفي غير ذلك أن يبلغوا ما استطاعوا من أمر الله ، وأن ينشروا دين الله حسب طاقتهم وحسب علمهم؛ ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد وإنكار الرسالات وإنكار الآخرة، وانتشار الدعوة النصرانية في كثير من البلدان وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظرا إلى هذا، فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضا عاما وواجبا عاما على جميع العلماء وعلى جميع الحكام الذين يدينون بالإسلام، فرض عليه أن يبلغوا دين الله حسب الطاقة والإمكان بالكتابة والخطابة والإذاعة وبكل وسيلة استطاعوا، وألا يتقاعسوا عن ذلك أو يتكلوا على يزيد أو عمرو، فإن الحاجة بل الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك؛ لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصد عن سبيل الله والتشكيك في دينه ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله ، فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضل وهذا النشاط الملحد بنشاط إسلامي وبدعوة إسلامية على شتى المستويات وبجميع
стр. 14182
الوسائل وبجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده من الدعوة إلى سبيله.
فضل الدعوة:
وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات وأحاديث كثيرة، كما أنه ورد في إرسال النبي ﷺ الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة والثناء عليهم وأنه لا أحد أحسن قولا منهم وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم على حسب مراتبهم في الدعوة والعلم والفضل، فأنت يا عبد الله يكفيك شرفا أن تكون من أتباع الرسل ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) المعنى: لا أحد أحسن قولا منه؛ لكونه دعا إلى الله وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه، يعني: دعا إلى الحق وعمل به، وأنكر الباطل وحذر منه وتركه، ومع ذلك صرح بما هو عليه لم يخجل، بل قال: إنني من المسلمين، مغتبطا وفرحا بما من الله به عليه، ليس كمن
стр. 14183
يستنكف عن ذلك أو يكره أن ينطق بأنه مسلم أو بأنه يدعو إلى الإسلام لمراعاة فلان أو مجاملة فلان ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل المؤمن الداعي إلى الله؛ القوي الإيمان، البصير بأمر الله يصرح بحق الله، وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرح بأنه مسلم وبأنه يدعو إلى الإسلام ويغتبط بذلك ويفرح به، كما قال ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) فالفرح برحمة الله فرح الاغتباط فرح السرور أمر مشروع، أما الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر والمرح هذا هو المنهي عنه، كما قال في قصة قارون ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢) هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم، وهذا هو الذي ينهى عنه ... أما فرح الاغتباط والسرور بدين الله والفرح بهداية الله والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم، فأمر مشروع وممدوح ومحمود، فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة وأنها من أهم القربات ومن
стр. 14184
أفضل الطاعات، وأن أهلها في غاية الشرف وفي أرفع مكانة، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأكملهم في ذلك خاتمهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١) فبين سبحانه أن الرسول يدعو على بصيرة وأن أتباعه كذلك، فهذا فضل الدعوة، وأن أتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، والبصيرة هي العلم بما يدعو إليه وما ينهي عنه، وفي هذا شرف لهم وتفضيل، وقال النبي الكريم ﵊: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٢) » رواه مسلم في الصحيح، وقال ﵊: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٣) » أخرجه مسلم أيضا، وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله ، وصح عنه ﵇ أنه قال لعلي رضي الله
стр. 14185
عنه وأرضاه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (١) » متفق على صحته. وهذا أيضا يدلنا على فضل الدعوة إلى الله وما فيها من الخير العظيم وأن الداعي إلى الله جل وعلا يعطي مثل أجور من هداه الله على يديه ولو كانوا آلاف الملايين، تعطى أيها الداعية مثل أجورهم، فهنيئا لك أيها الداعية إلى الله بهذا الخير العظيم، وبهذا يتضح أيضا أن الرسول ﵊ يعطى مثل أجور أتباعه، فيا لها من نعمة عظيمة يعطى نبينا ﵊ مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة، لأنه بلغهم رسالة الله ودلهم على الخير ﵊ وهكذا الرسل يعطون مثل أجور أتباعهم عليهم الصلاة والسلام وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك، فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.
كيفية الدعوة:
أما كيفية الدعوة وأسلوبها فقد بينها الله في كتابه الكريم وفيما جاء في سنة نبيه ﵊ ومن أوضح
стр. 14186
ذلك قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها يبدأ أولا بالحكمة، والمراد بها الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق والداحضة للباطل؛ ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى بالقرآن؛ لأنه الحكمة العظيمة؛ لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه، وقال بعضهم: معناه بالأدلة من الكتاب والسنة، وبكل حال فالحكمة كلمة عظيمة معناها الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة، تطلق على النبوة، وعلى العلم والفقه في الدين، وعلى العقل والورع وعلى أشياء أخرى وهي في الأصل، كما قال الشوكاني ﵀، الأمر الذي يمنع عن السفه، هذه هي الحكمة، والمعنى: أن كل كلمة، وكل مقالة تردعك عن السفه، وتزجرك في الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح صحيح في نفسه فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة، وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم
стр. 14187
كما في قوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) يعني السنة، وكما في قوله سبحانه ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) الآية، فالأدلة الواضحة تسمى حكمة، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة كما تقدم، ومن ذلك حكمة التي تكون في فم الفرس وهي بفتح الحاء والكاف سميت بذلك؛ لأنها تمنع الفرس من المضي في السير إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.
فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل وتدعوه إلى الأخذ بالحق والثأر به والوقوف عند الحد الذي حده الله ، فعلى الداعية إلى الله أن يدعو بالحكمة ويبدأ بها ويعتني بها ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفاء والاعتراض فدعوته بالموعظة الحسنة بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد
стр. 14188
لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو، وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر الله جل وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولا لينا وهو أطغى الطغاة، قال الله جل وعلا في أمره لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١) وقال الله سبحانه في نبيه محمد ﵊ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢) الآية، فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيما في الدعوة بصيرا بأسلوبها لا يعجل، ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله ، أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع، كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة؛ لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم، وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر، وإنما الواجب والمشروع هو الأخذ بما بينه في
стр. 14189
آية النحل؛ وهي قوله سبحانه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (١) الآية. إلا إذا ظهر من المدعو العناد والظلم فلا مانع من الإغلاظ عليه كما قال الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، وقال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٣)
أما الشيء الذي يدعى إليه ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام فهو الدعوة إلى صراط الله المستقيم وهو الإسلام وهو دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (٤) فسبيل الله جل وعلا هو الإسلام والصراط المستقيم وهو دين الله الذي بعث به نبيه محمدا ﵊ هذا هو الذي تجب الدعوة إليه، لا إلى مذهب فلان ولا إلى رأي فلان، ولكن إلى دين الله، الصراط المستقيم الذي بعث الله به نبيه وخليله محمدا ﵊ وهو ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﵊ وعلى رأس
стр. 14190
ذلك الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة والإيمان به وبرسله والإيمان باليوم الآخر، وبكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو أساس الصراط المستقيم وهو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ومعنى ذلك: الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة وأمر آخر الزمان وغير ذلك ويدخل في ذلك أيضا الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إلى غير ذلك، ويدخل أيضا في ذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ بما شرع الله في الطهارة والصلاة والمعاملات والنكاح والطلاق والجنايات والنفقات والحرب والسلم وفي كل شيء؛ لأن دين الله دين شامل يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق وعن سيء الأعمال، فهو عبادة وقيادة، يكون عابدا ويكون قائدا للجيش، عبادة وحكم، يكون عابدا مصليا صائما، ويكون حاكما
стр. 14191
بشرع الله منفذا لأحكامه ، عبادة وجهادا، يدعو إلى الله ويجاهد في سبيل الله من خرج عن دين الله، مصحف وسيف، يتأمل القرآن ويتدبره وينفذ أحاكمه بالقوة ولو بالسيف إذا دعت الحاجة إليه، سياسة واجتماع، فهو يدعو إلى الأخلاق الفاضلة والأخوة الإيمانية، والجمع بين المسلمين والتأليف بينهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) فدين الله يدعو إلى الاجتماع وإلى السياسة الصالحة الحكيمة التي تجمع ولا تفرق، تؤلف ولا تباعد، تدعو إلى صفاء القلوب واحترام الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ولعباده، وهو أيضا يدعو إلى أداء الأمانة والحكم بالشريعة وترك الحكم بغير ما أنزل الله ، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) وهو أيضا سياسة واقتصاد، كما أنه سياسة وعبادة وجهاد، فهو يدعو إلى الاقتصاد الشرعي المتوسط، ليس رأسماليا غاشما ظالما لا يبالي بالمحرمات ويجمع المال بكل وسيلة وبكل طريق، وليس اقتصادا شيوعيا إلحاديا لا يحترم
стр. 14192
أموال الناس ولا يبالي بالضغط عليهم وظلمهم والعدوان عليهم، فليس لهذا ولا هذا، بل هو وسط بين الاقتصادين ووسط بين الطريقين وحق بين الباطلين، فالغرب عظموا المال وغلوا في حبه وفي جمعه حتى جمعوه بكل وسيلة، وسلكوا فيه ما حرم الله ، والشرق من الملحدين من السوفييت ومن سلك سبيلهم لم يحترموا أموال العباد، بل أخذوها واستحلوها ولم يبالوا بما فعلوا في ذلك، بل استعبدوا العباد واضطهدوا الشعوب وكفروا بالله وأنكروا الأديان؛ وقالوا لا إله والحياة مادة، فلم يبالوا بهذا المال، ولم يكترثوا بأخذه بغير حله، ولم يكترثوا بوسائل الإبادة والاستعباد على الأموال والحيلولة بين الناس وبين ما فطرهم الله عليه من الكسب والانتفاع، والاستفادة من قدراتهم ومن عقولهم وما أعطاهم الله من الأدوات، فلا هذا ولا هذا.
فالإسلام جاء ليحفظ المال واكتسابه بالطرق الشرعية البعيدة عن الظلم والغشم والربا وظلم الناس والتعدي عليهم، كما جاء باحترام الملك الفردي والجماعي، فهو وسط بين النظامين وبين الاقتصادين وبين الطريقين الغاشمين، فأباح المال ودعا إليه ودعا إلى اكتسابه بالطرق الحكيمة من غير أن يشغل كاسبه عن طاعة الله ورسوله وعن أداء ما أوجب الله عليه؛ ولهذا قال عز
стр. 14193
وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وقال النبي ﵊: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٢) » وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (٣) » وقال ﵊: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من سؤال الناس أعطوه أو منعوه (٤) » «وسئل ﷺ أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور (٥) » وقال ﵊: «ما أكل أحد طعاما أفضل من أن يأكل من عمل يده وكان نبي الله داود يأكل من
стр. 14194
عمل يده (١) » فهذا يبين لنا أن نظام الإسلام في المال نظام متوسط، لا مع رأس المال الغاشم من الغرب وأتباعه، ولا مع الشيوعيين الملحدين الذين استباحوا الأموال وأهدروا حرمات أهلها، ولم يبالوا بها واستعبدوا الشعوب وقضوا عليها واستحلوا ما حرم الله منها، فلك أن تكسب المال وتطلبه بالطرق الشرعية وأنت أولى بمالك وبكسبك بالطريقة التي شرعها الله وأباحها جل وعلا، والإسلام أيضا يدعو إلى الأخوة الإيمانية وإلى النصح لله ولعباده وإلى احترام المسلم لأخيه، لا غل ولا حسد ولا غش ولا خيانة ولا غير ذلك من الأخلاق الذميمة، كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) وقال النبي ﵊: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله (٤) » الحديث، فالمسلم أخو المسلم يجب عليه احترامه وعدم احتقاره
стр. 14195
ويجب عليه إنصافه وإعطائه حقه من كل الوجوه التي شرعها الله ، قال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (١) » وقال ﷺ : «المؤمن مرآة أخيه المؤمن (٢) » فأنت يا أخي مرآة أخيك وأنت لبنة من البناء الذي قام عليه بنيان الأخوة الإيمانية، فاتق الله في حق أخيك واعرف حقه وعامله بالحق والنصح والصدق، وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تأخذ جانبا دون جانب، لا تأخذ العقيدة وتدع الأحكام والأعمال، ولا تأخذ الأعمال والأحكام وتدع العقيدة، بل خذ الإسلام كله، خذه عقيدة وعملا وعبادة وجهادا واجتماعا وسياسة واقتصادا وغير ذلك، خذه من كل الوجوه كما قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) قال جماعة من السلف معنى ذلك: ادخلوا في السلم جميعه يعني
стр. 14196
في الإسلام، يقال للإسلام سلم؛ لأنه طريق السلامة وطريق النجاة في الدنيا والآخرة فهو سلم وإسلام، فالإسلام يدعو إلى السلم، يدعو إلى حقن الدماء بما شرع من الحدود والقصاص والجهاد الشرعي الصادق فهو سلم وإسلام وأمن وإيمان؛ ولهذا قال جل وعلا ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) أي ادخلوا في جميع شعب الإيمان، لا تأخذوا بعضها وتدعوا بعضا، عليكم أن تأخذوا بالإسلام كله، ولا تتبعوا خطوات الشيطان يعني المعاصي التي حرمها الله ، فإن الشيطان يدعو إلى المعاصي وإلى ترك دين الله كله، فهو أعدى عدو؛ ولهذا يجب على المسلم أن يتمسك بالإسلام كله وأن يدين بالإسلام كله وأن يعتصم بحبل الله وأن يحذر أسباب الفرقة والاختلاف في جميع الأحوال، فعليك أن تحكم شرع الله في العبادات وفي المعاملات وفي النكاح وفي الطلاق وفي النفقات وفي الرضاع وفي السلم والحرب ومع العدو والصديق وفي الجنايات وفي كل شيء، دين الله يجب أن يحكم في كل شيء، وإياك أن توالي أخاك؛ لأنه وافقك في كذا وتعادي الآخر؛ لأنه خالفك في رأي أو في مسألة، فليس هذا من الإنصاف فالصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في الصفاء بينهم والموالاة
стр. 14197
والمحبة ﵃ وأرضاهم، فالمؤمن يعمل بشرع الله ويدين بالحق ويقدمه على كل أحد بالدليل، ولكن لا يحمله ذلك على ظلم أخيه وعدم إنصافه إذا خالفه في الرأي في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، وهكذا في المسائل التي قد يختلف في تأويل النص فيها فإنه قد يعذر، فعليك أن تنصح له وأن تحب له الخير ولا يحملك ذلك على العداء والانشقاق وتمكين العدو منك ومن أخيك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الإسلام دين العدالة ودين الحكم بالحق والإحسان، دين المساواة إلا فيما استثنى الله ، ففيه الدعوة إلى كل خير، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والإنصاف والعدالة والبعد عن كل خلق ذميم، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢)
стр. 14198
والخلاصة أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله ولا يفرق بين الناس، وألا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب أو لقبيلة دون قبيلة أو لشيخه أو لرئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه واستقامة الناس عليه وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان، جاءت الفرقة والاختلاف حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى ألا يصلي مع من هو من على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي ولا الحنفي خلف المالكي ولا خلف الحنبلي، هكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء ومن اتباع خطوات الشيطان، فالأئمة أئمة هدى، الشافعي ومالك وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها؛ لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم وأن تترحم عليهم وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى، فتقول:
стр. 14199
مذهب فلان أولى بالحق بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق لكل حال لا يخطئ لا هذا غلط.
عليك أن تأخذ بالحق وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا وفلانا، وعليك ألا تتعصب وتقلد تقليدا أعمى، بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك فتأخذ بالحق وترشد إليه وترضى به إذا طلب منك وتخاف الله وتراقبه جل وعلا وتنصف من نفسك، مع إيمانك بأن الحق واحد وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد أعني مجتهدي أهل السنة، أهل العلم والإيمان والهدى كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ .
أما المقصود من الدعوة والهدف منها:
فالمقصود والهدف: إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإرشادهم إلى الحق حتى يأخذوا به وينجوا من النار وينجوا من غضب الله، وإخراج الكافر من ظلمة الكفر إلى النور والهدى وإخراج الجاهل من ظلام الجهل إلى نور العلم، والعاصي من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، هذا هو المقصود من الدعوة كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١)
стр. 14200
فالرسل بعثوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ودعاة الحق كذلك يقومون بالدعوة وينشطون لها؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولإنقاذهم من النار ومن طاعة الشيطان ولإنقاذهم من طاعة الهوى إلى طاعة الله ورسوله.. أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها، فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثيرة، منها: الإخلاص، فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه ، كما قال سبحانه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) فعليك أن تخلص لله ، هذا أهم الأخلاق، هذا أعظم الصفات أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة.
الأمر الثاني: أن تكون على بينة في دعوتك أي على علم، لا تكن جاهلا بما تدعو إليه ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (٣)
стр. 14201
فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة وإياك أن تتكلم فيما لا تعلم، فالجاهل يهدم ولا يبني ويفسد ولا يصلح، فاتق الله يا عبد الله، إياك أن تقول على الله بغير علم، ولا تدعو إلى شيء إلا بعد العلم به والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فلا بد من بصيرة وهي العلم، فعلى طالب العلم وعلى الداعية أن يتبصر فيما يدعو إليه وأن ينظر فيما يدعو إليه ودليله، فإن ظهر له الحق وعرفه ودعا إلى ذلك سواء كان ذلك فعلا أو تركا فيدعو إلى الفعل إذا كان طاعة لله ورسوله، ويدعو إلى ترك ما نهى الله عنه ورسوله على بينة وبصيرة.
الأمر الثالث: من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليها أيها الداعية أن تكون حليما في دعوتك رفيقا فيها متحملا صبورا، كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام، إياك والعجلة، إياك والعنف والشدة، عليك بالصبر عليك بالحلم عليك بالرفق في دعوتك، وقد سبق لك بعض الدليل على ذلك، كقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)
стр. 14202
وقوله سبحانه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (١) الآية، وقوله جل وعلا في قصة موسى وهارون: فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه (٢) » فعليك يا عبد الله أن ترفق في دعوتك ولا تشق على الناس ولا تنفرهم من الدين ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار، عليك أن تكون حليما صبورا سلس القياد لين الكلام طيب الكلام حتى تؤثر في قلب أخيك وحتى تؤثر في قلب المدعو وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها ويتأثر بها ويثني عليك بها ويشكرك عليها، أما العنف فهو منفر لا مقرب ومفرق لا جامع..ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية: العمل بدعوته وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس
стр. 14203
ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه أو ينهي عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون، فهم دعاة الحق يعملون به، وينشطون فيه، ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه موبخا اليهود على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه (٤) » هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف
стр. 14204
ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله نعوذ بالله من ذلك، فمن أهم أخلاق وأعظمها في حق الداعية: أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهي عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل وسيرة حميدة وصبر ومصابرة وإخلاص في دعوته واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس وفيما يبعدهم من الباطل، ومع ذلك يدعو لهم بالهداية، هذا من الأخلاق الفاضلة أن يدعو لهم بالهداية ويقول للمدعو: هداك الله، وفقك الله لقبول الحق، أعانك الله على قبول الحق، تدعوه وترشده وتصبر على الأذى، ومع ذلك تدعو له بالهداية، قال النبي ﵊ لما قيل عن دوس أنهم عصوا، قال: «اللهم اهد دوسا وائت بهم (١) » تدعو له بالهداية والتوفيق بقبول الحق وتصبر وتصابر في ذلك ولا تقنط ولا تيأس ولا تقل إلا خيرا، ولا تعنف ولا تقل كلاما سيئا ينفر من الحق، ولكن من ظلم وتعدى له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)
стр. 14205
فالظلم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى له حكم آخر؛ في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره، ويكون تأديبه على ذلك حسب مراتب الظلم، لكن مادام كافا عن الأذى فعليك أن تصبر عليه وتحتسب وتجادله بالتي هي أحسن وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان.
وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لحسن الدعوة إليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، ويجعلنا من الهداة المهتدين والصالحين المصلحين، إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 14206
واجب المسلمين تجاه دينهم ودنياهم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤) أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن
стр. 14207
يوفقنا جميعا لما يرضيه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأشكره سبحانه على ما من به من العمل في سبيل الله. وفي طاعته جل وعلا، والتواصي بالحق، وأسأله جل وعلا أن يعيننا جميعا على ما فيه رضاه، ويعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. أما عن الفتاوى واستنباطها من كتاب الله؟ ومن سنة رسول الله ﷺ ، فأقول: إن هذا هو الواجب على أهل العلم، وهو الذي نفعله ونهدف إليه، ونحرص على تطبيق فتاوانا عليه، ولكنني لست معصوما، فقد يقع الخطأ مني، ومن غيري من أهل العلم، ولكني لا آلو جهدا في تطبيق ما يصدر مني على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ولا آلو جهدا في استنباط ما دل عليه كتاب الله. وسنة رسوله ﷺ في كل ما يصدر مني، من قليل أو كثير. هذا هو جهدي، وأسأل الله أن يجعل ذلك موفقا ومصيبا للحق.
وأما ما يتعلق بسؤال أهل العلم، والاستفتاء منهم، فهذا أمر معلوم قد شرعه الله لعباده فإن الله جل وعلا أمر بسؤال أهل العلم، وأسأل الله أن يجعلنا وسائر إخواننا من أهل العلم النافع، والعمل الصالح. فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)
стр. 14208
وروي عنه ﷺ أنه قال في قوم أفتوا بغير علم: «ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال (١) » . فالواجب على طالب العلم، وعلى كل مسلم أشكل عليه أمر من أمور دينه أن يسأل عنه، ذوي الاختصاص من أهل العلم، وأن يتبصر، وأن لا يقدم على أي عمل بجهل يقوده إلى الضلال. فعلى المسلمين أن يسألوا، وعلى أهل العلم أن يبينوا. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل في بيان الحق، والدعوة إليه، والإفتاء به. وعلى جميع المسلمين أن يسألوا عما أشكل عليهم. وأن يستفتوا أهل العلم.
وأهل العلم هم علماء الكتاب والسنة، وهم الذين يرجعون في فتاواهم إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . هؤلاء هم أهل العلم وليس أهل العلم من يقلد الرجال ولا يبالي بالكتاب والسنة، إنما العلماء هم الذين يعظمون كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ويرجعون إليهما في كل شيء، هؤلاء هم أهل العلم.
стр. 14209
وعلى طالب العلم أن يتأسى بهم، ويجتهد في سلوك طريقهم، وعلى عامة المسلمين أن يسألوهم عما أشكل عليهم في أمر دينهم ودنياهم، لأن الله جل وعلا بعث الرسل لإصلاح أمر الدين والدنيا جميعا، ولا سيما خاتمهم وإمامهم، وأفضلهم نبينا محمد ﷺ ، فإن الله بعثه للناس عامة للجن والإنس، وجعل رسالته عامة، وفيها صلاح أمر الدنيا والآخرة، وفيها صلاح العباد والبلاد في كل شيء، فيها خلاصهم من كل شر، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بدنياهم، وأمر معاشهم، وفيها صلاحهم فيما يتعلق بطاعة ربهم وعبادته، وأداء حقه، وترك ما نهى عنه، وفيها صلاحهم في كل ما يقربهم من الله، ويباعدهم من غضبه، ، وفيها صلاحهم بتوجيه العباد وإرشادهم إلى ما ينفعهم، ويهديهم إلى الطريق السوي، ويبعدهم عن طريق النار، وطريق الهلاك والدمار. فالمسلمون عليهم واجبات تتعلق بدينهم، وبالاستقامة عليه كما شرع الله، وكما أمرهم الله. فإن الله خلقهم ليعبدوه، وأرسل الرسل بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وهذه هي العبادة التي أمرهم الله بها، في قوله
стр. 14210
سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) وفي قوله سبحانه وبحمده: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢) وفي قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)
والله بعث رسوله محمدا ﷺ ، كما بعث الرسل قبله، بعثه بالدعوة إلى هذه العبادة، وللدعوة إلى هذا الدين، بعثه إلى الثقلين الجن والإنس رحمة للعالمين، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦) بعثه معلما ومرشدا وهاديا إلى طريق النجاة، معلما لهم كل ما فيه صلاحهم ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وجعله خاتم
стр. 14211
الأنبياء. ليس بعده نبي ولا رسول، ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب كافر، بإجماع أهل العلم والإيمان، فمن ادعى أنه نبي أو أنه أوحي إليه بشيء كالقاديانية فهو كافر بالله، ضال مضل، مرتد عن دين الإسلام، إذا كان يدعي الإسلام، فهو ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)
وقد تواترت عنه ﵊ الأحاديث الصحيحة، بأنه خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، فالواجب على جميع الثقلين اتباعه، والاستقامة على دينه، والتفقه في ذلك، والسير على ذلك حتى الموت، وهذه العبادة التي خلقوا لها، لا بد أن يتفقهوا فيها، ولا بد أن يعرفوها بالأدلة من الكتاب والسنة، فهم خلقوا ليعبدوا الله، وتفسير هذه العبادة يؤخذ عن الله، وعن رسوله ﷺ .
وقد فسرها الله في كتابه العظيم، وفسرها نبينا ﵊، فأصلها توحيد الله والإخلاص له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)
стр. 14212
هذا أصل هذه العبادة، فأصلها توحيد الله وتخصيصه بالعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وبهذا أنزلت الكتب جميعها من الله ، لبيان هذه العبادة، كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٢) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٣)
فالكتب المنزلة من السماء، وآخرها القرآن، كلها تدعو إلى توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه.
والرسل كلهم جميعا كذلك يدعون إلى توحيد الله وطاعة أوامره، وترك نواهيه، واتباع شريعته والحذر مما نهى عنه .
فعلى جميع المكلفين من إنس وجن، وعرب وعجم، ورجال ونساء، عليهم جميعا أن يعبدوا الله وحده وأن ينقادوا لما جاء به نبيه محمد ﷺ ، قولا وعملا، فعلا وتركا. فأصل الدين وأساسه هو شهادة أن لا إله ألا الله. وأن محمدا رسول الله.
وهذا هو أصل هذه العبادة وأساسها، أن يعبد الله وحده،
стр. 14213
دون كل ما سواه: بالدعاء والرجاء والخوف، والنذر والذبح، وسائر العبادات، كما قال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧)
فالعبادة حق الله لا تصلح لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لصنم ولا لجن ولا لوثن، ولا غير ذلك، بل هو حق الله عليك أن تعبده وحده بدعائك ورجائك، وخوفك وذبحك ونذرك وصلاتك، وصومك وحجك وصدقاتك، وغير ذلك، لأنه سبحانه هو المعبود بالحق، وما سواه معبود بالباطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٨)
стр. 14214
وكان العرب وغيرهم من الأمم، إلا من رحم الله، وهم قليل حين بعث محمد ﷺ ، كانوا على الشرك بالله، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء. ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة على صورة فلان وفلان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد القبور، ومنهم من يعبد النجوم، ويستغيث بها، وينذر لها إلى غير ذلك.
فبعث الله هذا النبي العظيم، ﷺ ، يدعوهم إلى توحيد الله، وينذرهم من هذا الشرك الوخيم، فقام بذلك أكمل قيام ﵊. ودعا إلى الله وأرشد إلى دينه جل وعلا، الذي رضيه للناس، وعلم الناس توحيد الله.
стр. 14215
مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، يدعو فيها إلى توحيد الله والإخلاص لله، وترك عبادة ما سواه جل وعلا.
ويعد مضي عشر سنين فرض الله عليه الصلوات الخمس، قبل أن يهاجر أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، وتجاوز السماوات السبع جميعا، ورفع إلى مستوى فوق ذلك ﵊، وكلمه الله جل وعلا، وأوحى إليه الصلوات الخمس، فنزل بها ﵊، وعلمها الناس، وقام بها المسلمون في مكة، ثم هاجر ﵊ إلى المدينة