وعلى الناصح والداعي إلى الله أن يتحرى الأوقات المناسبة والأسلوب المناسب لا سيما مع الوالدين؛ لأنهما ليسا مثل بقية الأقارب، فلهما شأن عظيم وبرهما متعين حسب الطاقة قال الله جل وعلا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) الآية، هذا وهما كافران، فكيف بالوالدين المسلمين، فإذا كان الوالدان الكافران يصحبهما الولد بالمعروف ويحسن إليهما؛ لعله يهديهما بأسبابه. فالمسلمان أولى وأحق بذلك. فإذا كان الوالد يتكاسل عن الصلاة في المسجد، أو يتعاطى شيئا من المعاصي الأخرى كالتدخين أو حلق اللحية أو الإسبال أو غير ذلك من المعاصي التي يقع فيها فإن الواجب على الولد أن ينصح بالحسنى، ويستعين على ذلك بمن يرى من خيار أهل البيت، وهكذا مع الوالدة والأخ الكبير وغيرهما من أهل البيت حتى يحصل المطلوب.
стр. 14667
٦٤ - عليكن بالأمر بالمعروف ولو غضب من تأمرونه (١)
س: الأخوات اللاتي رمزن لأسمائهن بـ أأ أ - ع - م م م من المجمعة في المملكة العربية السعودية يقلن في سؤالهن: إذا حاولنا منع النميمة والغيبة بين الناس، فإن من نأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر يقوم بسبنا، ويغضب علينا، فهل علينا إثم بسبب غضبه، حتى لو كان أحد الوالدين؟ وهل نمنعهم أم ندع ما لا يعنينا في هذا الأمر الهام، أفيدونا أفادكم الله؟
جـ: من أهم الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)
فأوضح سبحانه في هذه الآية أن من صفات المؤمنين والمؤمنات الواجبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣) الآية، وقال النبي ﷺ : «من
стр. 14668
رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١) » رواه مسلم في صحيحه، والآيات والأحاديث في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذم من ترك ذلك كثيرة، فالواجب عليكن وعلى كل مؤمن ومؤمنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو غضب من أنكرتم عليه ولو سبكن، فلا بد من الصبر تأسيا بالرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم بإحسان، كما قال الله يخاطب نبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) الآية، وقال : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) ولاشك أن صلاح المجتمع واستقامته إنما يكون بالله سبحانه ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن فساده وتمزقه وتعرضه للعقوبة العامة من أعظم أسبابه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ثبت عن
стр. 14669
رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (١) » وقد حذر الله سبحانه عباده من سيرة الكفار من بني إسرائيل في قوله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) فنسأل الله أن يوفق جميع المسلمين حكاما ومحكومين للقيام بهذا الواجب على خير وجه، وأن يصلح أحوالهم، وأن يعيذ الجميع من أسباب غضبه وانتقامه إنه سميع مجيب.
стр. 14670
س: ما حكم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 14671
وهو يستطيع ذلك؟ (١)
جـ: حكمه أنه عاص لله ولرسوله ضعيف الإيمان وعليه خطر عظيم من أمراض القلوب وعقوبتها العاجلة والآجلة كما قال الله سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٤) » وقال ﵊: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٥) » رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بهذا الواجب العظيم على الوجه الذي يرضيه.
стр. 14672
وجوب نصح المؤمنة لأختها:
س ٧: إذا كان المنكر الذي تراه الأخت المؤمنة: الاختلاط وعدم الحجاب، فكيف تنصحهم؟ (١) .
ج ٧: تنصحهم، تقول لأختها في الله: الواجب عليك عدم الاختلاط، وعدم السفور والاهتمام بأمر التحجب عن الرجال الذين ليسوا محارم لك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣) الآية.
فتأتي بالآيات والأحاديث التي في المقام، وفيها إيضاح المطلوب والتحذير مما يخالف الشرع المطهر، وتوضح لأخواتها في الله أن الواجب علينا جميعا أن نحذر مما حرم الله، ونتعاون على البر والتقوى، ونتواصى بالحق والصبر عليه.
стр. 14673
٦٧ - الواجب على رجال الهيئة أن يوضحوا الحق للجاهل ويرشدوه
الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد: (١) الواجب على رجال الهيئة وعلى الدعاة إلى الله سبحانه من أهل العلم أينما كانوا أن يوضحوا الحق للجاهل وأن يرشدوه إلى ما غلط فيه وجهل سواء كان في العقيدة أوفي أحكام عباداته من صلاة أو حج أو غيرهما.
فالواجب على رجل الهيئة والداعي إلى الله والمدرس في المسجد الحرام وغيره أن يوضح للحجاج ما قد يجهلون، ويرشدهم إلى الحق ولكن بالأسلوب الحسن والرفق، والحكمة وعم الشدة أو العنف؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق وأقرب إلى فهمه، هو أقرب إلى السنة، قال الله جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٢)
стр. 14674
وقال لموسى وهارون ﵉ لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١) وقال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه (٢) » .
وإني أوصي رجال الهيئة بالرفق والصبر والتحمل، والعلاج بالأسلوب الحسن، وهكذا الدعاة إلى الله المرشدون إليه، وهكذا العلماء في كل مكان، عليهم جميعا أن يتحروا الرفق والصبر، والتوجه بالأسلوب الحسن الواضح، وباللغات التي يفهمها المخاطب، حتى يستفيد بقلب مقبل وصدر منشرح.
أما العنف والشدة فهذا ينفر من الحق، ويسبب الصدود عنه والمخاصمة، إلا من ظلم وتعدى على رجل الهيئة أو الداعية فهذا يرفع أمره إلى ولاة الأمور بالطريقة المتبعة حسب التعليمات الموجودة.
والواجب علينا جميعا الصبر والتحمل والعلاج بالحكمة والتي هي أحسن مهما أمكن كما قال الله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣)
стр. 14675
ولأن هذا كما قد جاءت به السنة وجاء به القرآن دلت عليه التجارب مع الناس. دلت على أن الحكمة والأسلوب الحسن أنفع وأقرب إلى قبول الحق، وأن الشدة والغلظة والأساليب العنيفة تنفر من الحق وتباعد عن المطلوب.
نسأل الله للجميع التوفيق، وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 14676
٦٨ - من أظهر المعاصي وجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
س: هل يجوز الكلام مع من مارس الزنا ولم يتب بعد؟ (١) .
ج: من أظهر المعاصي كالزنا والخمر والربا والتدخين والإسبال وحلق اللحى وغير ذلك من المعاصي فإن الواجب نصيحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ لقول الله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢)
стр. 14677
وقوله سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) وروى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه خطب الناس، بعد وفاة النبي ﷺ ، وقال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها في غير موضعها، وهي قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٢) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٣) » .
ويستفاد من هذا الحديث الشريف، ومن هذه الخطبة من أبي بكر الصديق ﵁: أن من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، مع القدرة لا يكون مهتديا الهداية الكاملة، بل هو
стр. 14678
ناقص الهداية، وقد ذم الله الكفار من بني إسرائيل ولعنهم؛ لما عصوا واعتدوا على حرمات الله ولم يتناهوا عن المنكر، في قوله سبحانه ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٣) » رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وروى مسلم أيضا في صحيحه عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن
стр. 14679
ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (١) » .
والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، فالواجب على المسلمين من العلماء والأمراء وغيرهم، التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، عملا بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وعملا بقول الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) وقوله : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٤) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٥)
والإنكار باليد يكون من ولاة الأمور ومن الهيئات المعينة لذلك من جهة ولي الأمر، ومن الرجل مع أهل بيته من أولاد وغيرهم، ومن جميع من له ولاية على من يتعاطى المنكر، وعلى غيرهم الإنكار باللسان والقلب حسب الطاقة، لما تقدم من
стр. 14680
حديث أبي سعيد ﵁، ولقول الله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)
وأسأل الله أن يوفق جميع المسلمين من الحكام والمحكومين لكل ما فيه رضاه وأن يصلح قلوبهم وأعمالهم، وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن ينصر بهم الحق وأهله، ويخذل بهم الباطل وأهله، إنه على كل شيء قدير، وهو سبحانه ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلا به.
стр. 14681
٦٩ - صلة الأرحام. . العصاة (١) .
س: رجل له أرحام يتخلفون عن أداء الصلاة جماعة في المسجد ويقعون في كثير من المعاصي والمنكرات فكيف يمكن لهذا الرجل أن يصل أرحامه وهم مقيمون على تلك المحرمات وكيف يمكن كذلك أن يبر والديه إن كانوا على هذه الحال؟
стр. 14682
ج: الواجب عليه أن يصلهم بالمال إن كانوا فقراء ويحسن إليهم، وعليه أن ينصحهم ويوجههم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر سواء كان ذلك مع الوالدين أو الإخوة أو الأخوال أو الأعمام أو غيرهم، فالواجب عليه دعوتهم إلى الله ونصيحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر باللطف والرفق والأسلوب الحسن لعل الله يهديهم بأسبابه، وإذا كانوا فقراء ساعدهم بالمال وإذا كان عنده زكاة أعطاهم من الزكاة إذا كانوا ليسوا بآباء ولا أولاد، إنما هم أخوة أو أعمام أو نحو ذلك، والمقصود أنه يتألفهم بالمال والكلام الطيب، وإذا كانوا والديه أو أولاده فعليه أن ينصحهم بالكلام الطيب والأسلوب الحسن ويجتهد في دعوتهم إلى الله ونصيحتهم، والرفق بهم وبيان سوء ما فعلوا ويستعين في ذلك بأقاربه الآخرين كإخوته أو أعمامه حتى يساعدوه في هذا الأمر، لعل الله يهدي هؤلاء بأسبابهما، لأنه إذا كان وحده قد لا يستجيبون له فإذا كان معه بعض أقاربه فلعلهم يستجيبون ولعل الدعوة تنفع، فإذا صمموا على المنكر ولم يستجيبوا فله هجرهم، لكن عليه أن يعمل الأصلح مهما أمكن إلا الوالدين فليس له هجرهم ولكن عليه أن يجتهد في برهما وصحبتهما بالمعروف لعل الله يهديهما بأسبابه لقول الله في سورة لقمان:
стр. 14683
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) فأمر سبحانه في هذه الآية الكريمة بصحبة الوالدين بالمعروف وإن كانا كافرين فدل ذلك على عظم حقهما وعلى وجوب برهما والاجتهاد في صلاحهما، وإن كانا كافرين، وأما الأولاد فعليه تأديبهم إن استطاع إذا لم تنفع فيهم النصيحة لقول النبي ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع (٣) » .
والله ولي التوفيق.
стр. 14684
٧٠ - الدين النصيحة
س: سائل يطلب شرح حديث: «الدين النصيحة (١) » (٢) .
ج: هذا حديث عظيم رواه مسلم في الصحيح من حديث
стр. 14685
تميم الداري وله شواهد عند غير مسلم، يقول ﷺ : «الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » .
فهذا الحديث العظيم يدل على أن الدين هو النصيحة وذلك يدل على عظم شأنها لأنه جعلها الدين كما قال النبي ﷺ : «الحج عرفة (٢) » .
وهذا الحديث يدل على أن النصيحة هي الدين وهي الإخلاص في الشيء والصدق فيه حتى يؤدى كما أوجب الله فالدين هو النصيحة في جميع ما أوجب الله وفي ترك ما حرم الله وهذا عام يعم حق الله وحق الرسول وحق القرآن وحق الأئمة وحق العامة.
والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية به والحرص على أن يؤدى كاملا تاما لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهب ناصح، أي ليس فيه غش.
стр. 14686
ويقولون أيضا: عمل ناصح، يعني ليس فيه غش.
وهكذا يجب أن يكون المؤمن في أعماله ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالنصيحة لله توحيده والإخلاص له وصرف العبادة له جل وعلا من صلاة وصوم وحج وجهاد وغير ذلك يعني أن يعمل في غاية من الإخلاص لله، لا يعبد معه سواه بل يعبده وحده ينصح في هذه العبادة ويكملها مع الإيمان به وبكل ما أمر به وهكذا ينصح في أداء ما فرض الله عليه وترك ما حرم الله عليه يؤدي ذلك كاملا لعلمه بحق الله وأن الله أوجبه عليه فهو يخلص في ذلك يعتني به.
وهكذا في حق القرآن يتدبره ويتعقله ويعمل بما فيه من أوامر وينتهي عن النواهي وهو كتاب الله العظيم وحبله المتين، فالواجب العناية به والنصح في ذلك قولا وعملا وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي والوقوف عند الحدود التي بينها الله في القرآن الكريم حتى لا تخل بشيء من أوامر الله في القرآن وحتى لا ترتكب شيئا من محارم الله مع الإيمان بأنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود هذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢)
стр. 14687
وقال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١) وقال ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه كلام الله سبحانه وأنه منزل من عنده، فالمؤمن يؤمن بهذا كله وهكذا المؤمنة ويعتقد كل منهما أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود خلافا للجهمية ومن سار في ركابهم المبتدعة.
وهكذا النصح للرسول ﷺ يكون بطاعة أوامره واجتناب نواهيه والإيمان بأنه رسول الله حقا وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين مع الدفاع عن سنته والذب عنهما كل هذا من النصح للرسول ﷺ وهكذا العناية بأحاديثه ﷺ وبيان صحيحها من سقيمها والذب عنها والامتثال لها والوقوف عند الحدود التي حددها الله ورسوله كما قال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٣) الآية.
هذه النصيحة للرسول ﷺ ، وما زاد على ذلك من الواجبات وترك المحرمات كان كمالا للنصيحة وتماما لها.
стр. 14688
فالحاصل أنه بعنايته بما أمر الله به ورسوله وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله من الحقوق يكون قد نصح لله ولكتابه ولرسوله بأداء فرائض الله وترك محارم الله والوقوف عند حدود الله والإكثار من الثناء عليه وذكره وخشيته جل وعلا كل هذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ .
أما النصيحة لأئمة المسلمين فبالدعاء لهم والسمع والطاعة لهم في المعروف والتعاون معهم على الخير وترك الشر وعدم الخروج عليهم، وعدم منازعتهم إلا أن يوجد منهم كفر بواح عليه برهان من الله ، كما جاء ذلك في حديث عبادة بن الصامت ﵁ في مبايعة الأنصار للنبي ﷺ .
ومن النصيحة لهم توجيههم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والرفق وسائر الطرق المعتبرة؛ عملا بهذا الحديث الصحيح وبقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤)
стр. 14689
وأما النصيحة لعامة المسلمين فإنها تكون بتعليمهم وتفقيههم في الدين ودعوتهم إلى الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة الحدود عليهم والتعزيرات الشرعية كل هذا من النصيحة لهم، والله ولي التوفيق.
стр. 14690
٧١ - إنكار البدع والمعاصي بالأدلة الشرعية
س: عندما ننكر الأخطاء والبدع التي يقع فيها من له تأثير على الناس وتنتشر بدعته خصوصا العقدية ويغالي فيه، عندما ننكر بدعه يتصدى لنا البعض بدعوى أن الحق يتطلب ذكر الحسنات والعيوب، وأن جهاده في الدعوة وقدمه يحول دون نقده علنا، نرجو بيان المنهج الحق، هل يلزم ذكر الحسنات وهل السابقة في الدعوة تعفي من ذكر أخطائه المشتهرة والمترددة بين الناس؟ (١) .
ج: الواجب على أهل العلم إنكار البدع والمعاصي الظاهرة، بالأدلة الشرعية وبالترغيب والترهيب والأسلوب الحسن ولا يلزم عند ذلك ذكر حسنات المبتدع، ولكن متى ذكرها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لمن وقعت البدعة أو المنكر
стр. 14691
منه، تذكيرا له بأعماله الطيبة، وترغيبا له في التوبة فذلك حسن، ومن أسباب قبول الدعوة والرجوع إلى التوبة، وفق الله الجميع.
стр. 14692
٧٢ - الدخول في الأسواق التي فيها منكرات
س: هل يجوز للمسلم أن يدخل سوقا تجاريا وهو يعلم أن في السوق نساء كاسيات عاريات وأن فيه اختلاطا لا يرضاه الله ؟ (١) .
ج: مثل هذا السوق لا ينبغي دخوله إلا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أو لحاجة شديدة مع غض البصر والحذر من أسباب الفتنة حرصا على السلامة لعرضه ودينه وابتعادا عن وسائل الشر، لكن يجب على أهل الحسبة وعلى كل قادر أن يدخل مثل هذه الأسواق لإنكار ما فيها من المنكر عملا بقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) الآية، وقوله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣)
стр. 14693
والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقول النبي ﷺ : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (١) » رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن أبي بكر الصديق ﵁ بإسناد صحيح. ولقوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والله ولي التوفيق.
стр. 14694
٧٣ - من المحرمات تبرج النساء في الأسواق وإظهار الزينة
س: كنت في السوق لأشتري بعض حاجياتي وإذا بامرأة في كامل الزينة بالعباءة ورأيت رجلا يوبخها ويحذرها، هل يجوز له ذلك أو أن ما له شغل بها؟
ج: الواجب على جميع المؤمنين والمؤمنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الناس إلى ما أوجب عليهم، وتحذيرهم مما حرم الله عليهم، ومن المحرمات تبرج النساء في الأسواق وإظهار المحاسن والزينة، قال الله تعالى في سورة الأحزاب، يخاطب أزواج النبي ﷺ ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) قال علماء التفسير رحمهم الله تعالى: التبرج إظهار المحاسن والمفاتن، وقال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة، ويقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم
стр. 14695
يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (١) » أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري الأنصاري ﵁. والإنكار باليد يكون من ولاة الأمور ومن يوظفونه في ذلك. ومن صاحب البيت مع أهل بيته والسيد مع مماليكه، والوالد مع أولاده ونحوهم، والإنكار باللسان يكون من المؤمنين والمؤمنات حسب القدرة، مع مراعاة الأسلوب الحسن وعدم الغلظة لقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) وقوله لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، لما بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٣) وقوله سبحانه يخاطب النبي ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤) الآية. والله ولي التوفيق.
انتهى الجزء السابع والعشرون ويليه بمشيئة الله تعالى الجزء الثامن والعشرون ويحتوي على كتاب ملحقات العقيدة.
стр. 14696
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد وفق الله وسدد في إخراج كتاب سماحة شيخنا، العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، وقد وصل المجموع عند الطبع إلى الجزء الثامن والعشرين في كتاب ملحقات العقيدة ، ويليه بمشيئة الله الجزء التاسع والعشرون ثم الثلاثون، في ملحقات كتابي الطهارة والصلاة، وذلك أنه تم جمع وعرض عدد من المقالات والفتاوى لسماحته، إبان حياته ﵀، ولم يتم وضعها في أماكنها بعد أن طبعت الأجزاء السابقة، وقد رأى سماحته ﵀، أن تجمع وتطبع في نهاية الكتاب باسم ملحقات، وإنفاذا لتوجيهاته ﵀ أجلت تلك المقالات والفتاوى، لتكون في آخر المجموع، وسوف يتبع هذا المجموع فهارس عامة، جاء هذا التنويه ليدرك القارئ السبب.
أسأل الله تعالى أن يغفر لشيخنا مغفرة واسعة، ويسكنه فسيح جناته آمين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 14697
صفحة فارغة
стр. 14698
كتاب ملحقات العقيدة
стр. 14699
صفحة فارغة
стр. 14700
١ -
عقيدة أهل السنة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا، وإمامنا، وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه، إلى يوم الدين. أما بعد: (١)
فإن الله جل وعلا خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بها ، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) ، فخلقهم للعبادة وتكفل بأرزاقهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) وأرسل الرسل جميعا لهذا الأمر
стр. 14701
العظيم؛ ليدعوا الناس إلى عبادة الله، ويأمروهم بها، ويوضحوها لهم، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) هكذا جميع الرسل، بعثوا لهذا الأمر العظيم؛ ليأمروا الناس، أن يعبدوا الله وحده دون كل ما سواه، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) .
وهذه العبادة التي خلقوا لها، وأرسلت الرسل بها، أمرهم بها سبحانه في مواضع من كتابه العظيم، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) ، وقال في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤) ، وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٥) ، وقال في سورة البينة:
стр. 14702
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ، وقال سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) .
فهذه العبادة التي خلقوا لها، قد أمروا بها، وبينت لهم في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﵊، وبعث الله بها الرسل جميعا. . . وخاتمهم، وأفضلهم، وإمامهم، نبينا محمد ﵊، بعث بذلك، بعثه الله يدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده والإخلاص له، ومكث في مكة بضع عشرة سنة، ثلاث عشرة سنة، يدعو الناس إلى توحيد الله وطاعة الله، يأمرهم أن يعبدوا الله وحده، وأن يخلعوا عبادة ما سواه، من الأصنام والأوثان والملائكة والأنبياء وغير ذلك، يقول: «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (٣) » ، فأجابه الأقل، وأنكر دعوته الأكثرون، ولم يزل صابرا داعيا إلى الله ، حتى أمره الله بالهجرة إلى
стр. 14703
المدينة بعد ما اشتد أذى المشركين له وللذين انقادوا لما جاء به ﵊، فهاجر إلى المدينة ومكث بها عشر سنين يدعو إلى الله، ويعلم الناس شريعة الله، وأنزل الله عليه القرآن العظيم، بعضه في مكة وبعضه في المدينة وبينه للناس وأرشد الناس إلى ما دل عليه القرآن، وبين لهم ما أوحى الله إليه في ذلك، فإن الله أعطاه وحيين: القرآن، والوحي الثاني: السنة.
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (١) ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٢) - يعني محمدا ﵊ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤) فالله أوحى إليه القرآن وأوحى إليه السنة، وهى أحاديثه ﵊ وما بينه للأمة من شرع الله، فتلقى الصحابة ﵃ عنه هذا الدين العظيم، دين الإسلام، ونقلوه إلينا غضا طريا، وهكذا نقله التابعون عن الصحابة وهكذا أتباع التابعين، ولم يزل أهل العلم ينقلون هذا العلم، من جيل إلى جيل ومن قرن إلى قرن، ويكتبون فيه الكتب الكثيرة، ويوضحون للناس دعوة نبيهم ﵊،
стр. 14704
وما بينه الكتاب العظيم القرآن من دين الله، فعقيدة المسلمين التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، هي ما بين الله لعباده في كتابه العظيم، وبينه رسوله ﵊، وتلقاه الصحابة عن نبيهم ﵃، وبلغوه للناس، هو دين الله وهو توحيد الله وطاعته، واتباع رسوله وترك ما نهى عنه والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو دين الله وهذا هو العقيدة التي درج عليها سلف الأمة، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، الإيمان بالله ورسوله والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، والعمل بذلك قولا وعملا وعقيدة، عن محبة وانقياد وإخلاص وموالاة ومعاداة، فالإيمان بالله ورسوله: هو الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، من الطاعات القولية والفعلية.
على المؤمن أن يتلقى ذلك عن كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، كما تلقاه أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعده من السلف الصالح وقد بينه ﷺ في أحاديث كثيرة، شرح للناس دين الإسلام والإيمان والإحسان، وأوضح للناس أوامر الله ونواهيه قولا وعملا.
стр. 14705
فعقيدة أهل السنة والجماعة هي العمل بكل ما أخبر الله به ورسوله، وبكل ما أمر الله به ورسوله، عن إيمان صادق وإخلاص لله، ومحبة ورغبة ورهبة، فهم يؤدون أوامر الله، وينتهون عن نواهي الله، ويقفون عند حدود الله عن إيمان بالله ورسوله، وعن إخلاص وصدق، وعن رغبة ورهبة لا رياء ولا سمعة، ولا نفاقا ولكن عن إيمان وعن صدق.
وهذه العبادة التي خلقوا لها سماها الله إسلاما، وسماها إيمانا وسماها تقوى، وسماها هدى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) ، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٣) ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥) ، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٦) .
فهي إيمان وإسلام وهدى، وتقوى وبر وصلاح وإصلاح،