← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تطرح رواية من هو أقل حفظا، وأدنى عدالة، والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل بها. فكيف بوصية لا يعرف صاحبها، الذي نقلها عن رسول الله ﷺ ، ولا تعرف عدالته وأمانته، فهي والحالة هذه حقيقة بأن تطرح ولا يلتفت إليها، وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع، فكيف إذا كانت الوصية مشتملة على أمور كثيرة تدل على بطلانها، وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله! وقد قال النبي ﷺ : «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعدة من النار (١) » وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يقل، وكذب عليه كذبا صريحا خطيرا، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة، وينشر للناس كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ لأن من نشر باطلا بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها، حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه، وتكذيبه لنفسه؛ لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) فأوضح في هذه الآية الكريمة: أن من كتم شيئا من الحق لم تصح توبته من ذلك إلا بعد الإصلاح والتبيين، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة ببعث رسوله محمد ﷺ ، وما أوحى الله إليه من الشرع الكامل، ولم يقبضه إليه إلا بعد الإكمال والتبيين، كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٤) الآية

стр. 212

ومفتري هذه الوصية قد جاء في القرن الرابع عشر، يريد أن يلبس على الناس دينا جديدا، يترتب عليه دخول الجنة لمن أخذ بتشريعه، وحرمان الجنة ودخول النار لمن لم يأخذ بتشريعه، ويريد أن يجعل هذه الوصية التي افتراها أعظم من القرآن وأفضل، حيث افترى فيها: أن من كتبها وأرسلها من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة. وهذا من أقبح الكذب ومن أوضح الدلائل على كذب هذه الوصية، وقلة حياء مفتريها، وعظم جرأته على الكذب؛ لأن من كتب القرآن الكريم وأرسله من بلد إلى بلد، أو من محل إلى محل، لم يحصل له هذا الفضل إذا لم يعمل بالقرآن الكريم، فكيف يحصل لكاتب هذه الفرية وناقلها من بلد إلى بلد. ومن لم يكتب القرآن ولم يرسله من بلد إلى بلد، لم يحرم شفاعة النبي ﷺ إذا كان مؤمنا به، تابعا لشريعته، وهذه الفرية الواحدة في هذه الوصية، تكفي وحدها للدلالة على بطلانها وكذب ناشرها، ووقاحته وغباوته وبعده عن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ من الهدى. وفي هذه الوصية - سوى ما ذكر - أمور أخرى كلها تدل على بطلانها وكذبها، ولو أقسم مفتريها ألف قسم، أو أكثر على صحتها، ولو دعا على نفسه بأعظم العذاب وأشد النكال، على أنه صادق لم يكن صادقا، ولم تكن صحيحة، بل هي والله ثم والله من أعظم وأقبح الباطل، ونحن نشهد الله سبحانه، ومن حضرنا من الملائكة، ومن اطلع على هذه الكتابة من المسلمين - شهادة نلقى بها ربنا : أن هذه الوصية كذب وافتراء على رسول الله ﷺ أخزى الله من كذبها وعامله بما يستحق. ويدل على كذبها وبطلانها، سوى ما تقدم أمور كثيرة: الأول منها: قوله فيها: (لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفا على غير دين الإسلام) ؛ لأن هذا من علم الغيب، والرسول ﷺ قد انقطع عنه الوحي بعد وفاته، وهو في حياته لا يعلم الغيب فكيف بعد وفاته؛ لقول

стр. 213

الله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (١) الآية وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يذاد رجال عن حوضي يوم القيامة، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: (٤) » الثاني: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية وأنها كذب، قوله فيها: (من كتبها وكان فقيرا أغناه الله، أو مديونا قضى الله دينه، أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية) إلى آخره، وهذا من أعظم الكذب، وأوضح الدلائل على كذب مفتريها، وقلة حيائه من الله ومن عباده؛ لأن هذه الأمور الثلاثة لا تحصل بمجرد كتب القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب هذه الوصية الباطلة!، وإنما يريد هذا الخبيث التلبيس على الناس، وتعليقهم بهذه الوصية حتى يكتبوها ويتعلقوا بهذا الفضل المزعوم، ويتركوا الأسباب التي شرعها الله لعباده، وجعلها موصلة إلى الغنى وقضاء الدين، ومغفرة الذنوب، فنعوذ بالله من أسباب الخذلان وطاعة الهوى والشيطان. الأمر الثالث: من الأمور الدالة على بطلان هذه الوصية، قوله فيها: (ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة) وهذا أيضا من أقبح الكذب، ومن أبين الأدلة على بطلان هذه الوصية، وكذب مفتريها، كيف يجوز في عقل عاقل، أن يكتب هذه الوصية التي جاء بها رجل مجهول في القرن الرابع عشر، يفتريها على رسول الله ﷺ ويزعم أن من لم يكتبها يسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن كتبها كان غنيا بعد الفقر، وسليما من

стр. 214

الدين بعد تراكمه عليه، ومغفورا له ما جناه من الذنوب!! سبحانك هذا بهتان عظيم، وإن الأدلة والواقع يشهدان بكذب هذا المفتري، وعظم جرأته على الله، وقلة حيائه من الله ومن الناس، فهؤلاء أمم كثيرة لم يكتبوها، فلم تسود وجوههم، وهاهنا جمع غفير لا يحصيهم إلا الله قد كتبوها مرات كثيرة، فلم يقض دينهم، ولم يزل فقرهم، فنعوذ بالله من زيغ القلوب، ورين الذنوب، وهذه صفات وجزاءات لم يأت بها الشرع الشريف لمن كتب أفضل كتاب وأعظمه وهو القرآن الكريم، فكيف تحصل لمن كتب وصية مكذوبة مشتملة على أنواع من الباطل، وجمل كثيرة من أنواع الكفر، سبحان الله ما أحلمه على من اجترأ عليه بالكذب. الأمر الرابع: من الأمور الدالة على أن هذه الوصية من أبطل الباطل، وأوضح الكذب قوله فيها: (ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار، ومن كذب بها كفر) ، وهذا أيضا من أعظم الجرأة على الكذب، ومن أقبح الباطل، يدعو هذا المفتري جميع الناس، إلى أن يصدقوا بفريته، ويزعم أنهم بذلك ينجون من عذاب النار، وأن من كذب بها يكفر، لقد أعظم والله هذا الكذاب على الله الفرية، وقال - والله - غير الحق. إن من صدق بها هو الذي يستحق أن يكون كافرا لا من كذب بها؛ لأنها فرية وباطل وكذب لا أساس له من الصحة، ونحن نشهد الله على أنها كذب، وأن مفتريها كذاب، يريد أن يشرع للناس ما لم يأذن به الله، ويدخل في دينهم ما ليس منه، والله قد أكمل الدين وأتمه لهذه الأمة من قبل هذه الفرية بأربعة عشر قرنا فانتبهوا: أيها القراء والإخوان، وإياكم والتصديق بأمثال هذه المفتريات، وأن يكون لها رواج فيما بينكم، فإن الحق عليه نور لا يلتبس على طالبه، فاطلبوا الحق بدليله، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، ولا تغتروا بحلف الكذابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم آدم وحواء، على أنه لهما من الناصحين، وهو أعظم الخائنين وأكذب الكذابين، كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف حيث قال

стр. 215

سبحانه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (١) فاحذروه واحذروا أتباعه من المفترين، فكم له ولهم من الأيمان الكاذبة، والعهود الغادرة، والأقوال المزخرفة للإغواء والتضليل! عصمني الله وإياكم وسائر المسلمين من شر الشياطين، وفتن المضلين، وزيغ الزائغين، وتلبيس أعداء الله المبطلين، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويلبسوا على الناس دينهم، والله متم نوره، وناصر دينه، ولو كره أعداء الله من الشياطين وأتباعهم من الكفار والملحدين. وأما ما ذكره هذا المفتري من ظهور المنكرات، فهو أمر واقع، والقرآن الكريم والسنة المطهرة قد حذرا منها غاية التحذير، وفيهما الهداية والكفاية، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمن عليهم باتباع الحق، والاستقامة عليه والتوبة إلى الله سبحانه من سائر الذنوب، فإنه التواب الرحيم القادر على كل شيء. وأما ما ذكر عن شروط الساعة، فقد أوضحت الأحاديث النبوية ما يكون من أشراط الساعة، وأشار القرآن الكريم إلى بعض ذلك، فمن أراد أن يعلم ذلك وجده في محله من كتب السنة، ومؤلفات أهل العلم والإيمان، وليس بالناس حاجة إلى بيان مثل هذا المفتري وتلبيسه، ومزجه الحق بالباطل وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 216

كلمة في المعضد من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم زاده الله من العلم والإيمان آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد، فكتابكم المؤرخ في ١٤\١\١٣٨٥ هـ وصل وصلكم الله بهداه، وقد سرني علم صحتكم الحمد لله على ذلك، كما سرني أيضا ما أبديتموه من الملاحظة على جوابي في المعضد ورغبتكم في بحث الموضوع من جميع النواحي إلى آخره. وأفيدكم أن الأسباب تختلف وتتنوع كثيرا مع قطع النظر عن الاعتقاد، فمنها ما هو جائز، ومنها ما هو مكروه ويجوز عند الحاجة، ومنها ما هو محرم، وإن كان الفاعل يعتقد أنها أسباب وأن الشافي هو الله وحده. فمن الأول: ما يتعاطاه الناس اليوم من الأدوية المباحة، كتناول الحبوب والإبر والضمادات، والأدهان ضد الأمراض التي يقرر الأطباء علاجها بذلك، وكالأشعة الكهربائية فهذه وأشباهها من الأسباب الجائزة، التي جربت وعرف نفعها من دون مضرة، إذا اعتقد متعاطيها أنها أسباب وأن الشفاء من الله وحده، ومن الأسباب المكروهة الكي؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الشفاء في ثلاث كية نار وشرطة محجم وشربة عسل وما أحب أن أكتوي (١) » وفي لفظ آخر «وأنا أنهى أمتي عن الكي (٢) » . أخذ العلماء من هذا الحديث الشريف كراهة الكي، وأنه إنما يستعمل عند الحاجة، وينبغي أن يكون آخر الطب، عند تعذر أو تعسر غيره، ومن النوع الثالث: وهو التداوي بالأسباب المحرمة، التداوي بالخمر ولحوم السباع، وأشباه ذلك من الأطعمة

стр. 217

والأشربة المحرمة فهذه الأشياء لا يجوز التداوي بها، ولو زعم بعض الناس أن فيها نفعا، ولو اعتقد أن الله هو الشافي وأنها أسباب، وما ذلك إلا للأدلة الدالة على تحريم التداوي بالنجاسات والمحرمات، ولو قدر أن فيها بعض النفع؛ لأن ضرره أكبر؛ ولأنه ليس كل ما فيه نفع يباح استعماله، بل لا بد من أمرين: أحدهما: أن لا يرد فيه نهي خاص عن الشارع ﵊. والأمر الثاني: أن لا تكون مضرته أكبر من نفعه، فإن كانت مضرته أكبر لم يجز استعماله، وإن لم يرد فيه نهي؛ لأن الشرع الكامل ورد بتحريم ما يغلب ضرره، كالخمر، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: «عباد الله تداووا ولا تتداووا بحرام (١) » وفي لفط آخر: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وصح عنه ﷺ «أن رجلا سأله عن الخمر يصنعها للدواء فقال له النبي ﷺ ليست بدواء ولكنها داء (٢) » ومما تقدم تعلمون أن المعيار في التحليل والتحريم ليس هو اعتقاد الإنسان، وإنما المعيار هو الأدلة الشرعية؛ لأن الإنسان قد يعتقد أن الشفاء من الله، ويتعاطى أسبابا محرمة كأهل الشرك فإنهم يتعلقون بآلهتهم ويعبدونها من دون الله، ويقولون إنها تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم لديه، ولا يعتقدون أنها تتصرف بذاتها في شفائهم، أو رد غائبهم أو الدفاع عنهم، كما قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) الآية، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٥) والأدلة في هذا المعنى كثيرة، وقد يتعاطى الإنسان أسبابا هي في نفسها جائزة، كالرقية الشرعية، وتناول الحبوب، والإبر المشتملة

стр. 218

على المواد المباحة، فيحرم عليه تناولها إذا اعتقد أنها هي الشافية وليس ربه وخالقه، وأنه هو الذي بيده الشفاء. إذا عرف هذا فمسألة المعضد، هل تلحق بالأسباب الجائزة كالإبر والحبوب، أو المكروهة كالكي ونحوه؟ أو تلحق بالأسباب المحرمة، كتعليق التمائم والحلقات والخيوط والودع، على الأولاد عن العين أو الجن أو بعض الأمراض؟ وكتعليق الأوتار على الدواب كما كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، وقد زجرهم النبي ﷺ عن ذلك وأخبر أنه من الشرك، مع أنهم يعتقدون أن الله سبحانه هو النافع الضار، وهو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يكشف الضر ويجلب النفع، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) فهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه ﷺ أن يسأل المشركين عن هذه الأشياء وأخبر أنهم سيقولون أن فاعلها هو الله وحده ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢) المعنى أفلا تتقون الله في ترك الشرك به، وأنتم تعلمون أنه سبحانه هو المتصرف في هذه الأمور والمدبر لها وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي دالة على أن المشركين يؤمنون بأن الله سبحانه هو النافع الضار، وهو الكاشف للضر، الجالب للنفع، وهو الذي يحيي ويميت، ويدبر الأمر، ولكنهم يعبدون آلهتهم من الأصنام والأشجار والأنبياء والأولياء والملائكة، بقصد الوساطة والشفاعة، وهكذا ما يتعاطونه من تعليق التمائم

стр. 219

والأوتار والحلقات، والخيوط على الأولاد والدواب، هو من باب الأسباب عندهم، لا أنها شافية بنفسها، ولكنها لما كانت أسبابا محرمة، تقتضي تعلق قلوبهم بها، والتفاتهم إليها، وغفلتهم عن الله سبحانه، أنكرها عليهم النبي ﷺ وزجرهم عنها، ولأنها قد تجرهم إلى شرك أكبر، وفساد أعظم، ومن أجل ذلك اختلفت وجهة نظر المشايخ الذين بحثت معهم موضوع المعضد، هل يلحق بالأسباب الأخيرة؟ وقد بينت في الجواب الذي أرسلت صورته لكم، أن الأقرب إلحاقه بالأسباب الأخيرة المحرمة؛ لأنه من جنس الحلقات والتمائم والأوتار التي جاء فيها النهي؛ لأن الذين تعاطوها من أهل الجاهلية، ومن سلك سبيلهم، إنما استعملوها لظنهم أن فيها نفعا جعله الله فيها وخصها به، وإن كان الله هو النافع الضار، لكنه سبحانه خلق في مخلوقاته أنواع النفع، وأنواع الضرر، وفاوت بين ذلك على مقادير مختلفة، فمن أجل ذلك وقع الناس فيما وقعوا فيه، من تعاطي الأسباب الجائزة والمحرمة، ولا سبيل إلى التمييز بين هذا وهذا، إلا من طريق الشرع المطهر، فما عرف أنه من جنس الأسباب المحرمة فهو محرم، وإن قدر فيه بعض النفع، وما عرف أنه من جنس الأسباب الجائزة فهو جائز، وإن كان فيه بعض الضرر، إذا كانت منفعته أكثر، وما عرف أن الشرع نهى عنه ومنع منه فالواجب تركه مطلقا، كالخمر ولحوم السباع، ومعلوم أن لبس المعضد يبقى على الإنسان كما تبقى الحروز والتمائم، الأيام والليالي والسنوات، بخلاف الحبة التي يأكلها، ويفرغ منها، وبخلاف الإبرة التي يستعملها وينتهي منها، فليس المعضد من جنس هذه الأشياء، بل هو أشبه بلبس الحلقة التي ورد فيها حديث عمران بن حصين المذكور في الجواب الذي أشرفتم عليه، وهو أشبه أيضا بلبس التمائم والودع والأوتار، ومما تقدم تعلمون وجهة نظري ونظر المشايخ الذين قالوا بمنع لبسه، والله أعلم.

стр. 220

ومما يؤيد ذلك أن تعاطي لبسه قد يفضي بالناس إلى لبس كل ما جاء من الغرب، مما يدعى فيه النفع، حتى تعظم المصيبة ويكبر الخطر، ويغفل الناس عما جاء به الشرع المطهر، في تنويع الأسباب وتفصيلها، ووجوب التحرز مما حرم الله منها، واسأل الله سبحانه أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين لما فيه رضاه، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من مضلات الفتن، إنه على كل شيء قدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 221

الأسورة النحاسية (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ سلمه الله وتولاه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد وصلني كتابكم الكريم وصلكم الله برضاه، وأشرفت على الأوراق المرفقة المتضمنة بيان خصائص الأسورة النحاسية التي حدثت أخيرا لمكافحة (الروماتيزم) ، وأفيدكم أني درست موضوعها كثيرا، وعرضت ذلك على جماعة كثيرة من أساتذة الجامعة ومدرسيها، وتبادلنا جميعا وجهات النظر في حكمها، فاختلف الرأي، فمنهم من رأى جوازها؛ لما اشتملت عليه من الخصائص المضادة لمرض (الروماتيزم) ، ومنهم من رأى تركها؛ لأن تعليقها يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية، من اعتيادهم تعليق الودع والتمائم والحلقات من الصفر، وغير ذلك من التعليقات التي يتعاطونها، ويعتقدون أنها علاج لكثير من الأمراض، وأنها من أسباب سلامة المعلق عليه من العين، ومن ذلك ما ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (٢) » وفي رواية «من تعلق تميمة فقد أشرك (٣) » وعن عمران بن حصين ﵄، «أن النبي ﷺ رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال " ما هذا؟ " قال من الواهنة فقال النبي ﷺ " إنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (٤) » وفي حديث آخر «عن النبي ﷺ أنه في بعض أسفاره أرسل رسولا يتفقد إبل الركب ويقطع كل ما علق عليها من قلائد الأوتار التي كان يظن أهل الجاهلية أنها تنفع إبلهم وتصونها» فهذه الأحاديث وأشباهها يؤخذ منها أنه لا ينبغي أن يعلق شيئا من التمائم أو الودع أو الحلقات، أو الأوتار أو أشباه ذلك من الحروز كالعظام والخرز ونحو ذلك لدفع البلاء أو رفعه.

стр. 222

والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة، وعدم استعمالها سدا لذريعة الشرك، وحسما لمادة الفتنة بها والميل إليها، وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به، واعتمادا عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك، وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم، وعما اشتبه أمره وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (١) » وقال ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢) » ولا ريب أن تعليق الأسورة المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان، فهو إما من الأمور المحرمة الشركية، أو من وسائلها، وأقل ما يقال فيه أنه من المشتبهات، فالأولى بالمسلم والأحوط له أن يترفع بنفسه عن ذلك، وأن يكتفي بالعلاج الواضح الإباحة، البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين، واسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يمن علينا جميعا بالفقه في دينه والسلامة مما يخالف شرعه، إنه على كل شيء قدير، والله يحفظكم والسلام.

стр. 223

التحذير من الرقى المخالفة للشرع من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين في منطقة الفرع وغيرها من ضواحي المدينة المنورة، وفقهم الله للفقه في الدين آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد: فقد بلغني أنه يوجد بجهتكم رقية (للعقرب) وغيرها من ذوات السم، مشتملة على أنواع من الشرك فوجب على تنبيهكم عليها، وتحذيركم منها. وهذا نص بعض ما بلغني من الرقية المشار إليها: (بسم الله يا قراءة الله، بالسبع السماوات، وبالآيات المرسلات، التي تحكم ولا يحكم عليها، يا سليمان الرفاعي، ويا كاظم سم الأفاعي، ناد الأفاعي، باسم الرفاعي، أنثاها وذكرها، طويلها وأبترها، وأصفرها وأسودها، وأحمرها وأبيضها، صغيرها وأكبرها، ومن شر ساري الليل وماشي النهار، استعنت عليها بالله وآيات الله وتسعة وتسعين نبيا، وفاطمة بنت النبي، ومن جاء بعدها من ذريتها) انتهى. هذا بعض ما بلغني ولها صور كثيرة، لا تخلو من الشرك، وهذه الرقية فيها أنواع من الشرك، مثل قوله: (بالسبع السماوات) ومثل قوله: (يا سليمان الرفاعي، يا كاظم سم الأفاعي، ناد الأفاعي، باسم الرفاعي) ، ومثل قوله: (استعنت عليها بالله وآيات الله وتسعة وتسعين نبيا، وفاطمة بنت النبي ومن جاء بعدها من ذريتها) وقد دل القرآن الكريم والسنة المطهرة على أن العبادة حق لله وحده، وأنه لا يدعى إلا الله، ولا يستعان إلا به، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة (٣) » وقال عليه

стр. 224

الصلاة والسلام: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله (١) » والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعانة بالجمادات، كالسماوات والكواكب والأصنام والأشجار ونحو ذلك، بل ذلك من الشرك، كما أجمعوا أنه لا يجوز دعاء الأموات والاستعانة بهم، أو الاستغاثة أو نحو ذلك، سواء كانوا أنبياء أو أولياء أو غيرهم؛ لأن «الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (٢) » ، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ وهذه الرقية فيها الاستعانة بالسماوات والاستعانة بكثير من الأموات، من الأنبياء وغيرهم، وفيها الاستعانة بالرفاعي، وهذا كله من الشرك، فالواجب على جميع المسلمين الحذر من هذه الرقية، وأشباهها من الرقى المشتملة على الشرك، والتواصي بترك ذلك، والتحذير منه، والاكتفاء بالرقى، وبالتعوذات الشرعية ففيها الغنية والكفاية، مثل آية الكرسي، وسورة قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وغير ذلك من الآيات القرآنية، وهكذا التعوذات والدعوات الشرعية، كالاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وقول المسلم في الصباح والمساء: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (٣) » ثلاث مرات، ومثل قوله في رقية المريض واللديغ: «اللهم رب الناس مذهب البأس، رب الناس واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما (٤) » «باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين أو حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك (٥) » . ثلاث مرات وهكذا قراءة الفاتحة على المريض واللديغ من أعظم أسباب الشفاء، ولا سيما مع التكرار لذلك بصدق وإخلاص لله سبحانه، في طلب الشفاء منه، والإيمان الصادق بأنه سبحانه هو الشافي لا يقدر على الشفاء من جميع الأمراض غيره .

стр. 225

وأسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يعيذنا جميعا من كل ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 226

وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم سبحانه، وسنة نبيهم ﷺ إلى من بعدهم، بغاية الأمانة والإتقان، والحفظ التام للمعاني والألفاظ ﵃ وأرضاهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان. أما بعد: فقد أجمع العلماء قديما وحديثا على أن الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام في كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم سنة رسول الله ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ثم إجماع علماء الأمة. واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس، وجمهور أهل العلم على أنه حجة إذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر: أما الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز، وقد دل كلام ربنا في مواضع من كتابه على وجوب اتباع هذا الكتاب والتمسك به، والوقوف عند حدوده، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤)

стр. 227

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله ﷺ آمرة بالتمسك بالقرآن والاعتصام به، دالة على أن من تمسك به كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال، ومن ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه قال في خطبته في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (٥) » رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيح مسلم أيضا عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به (٦) » فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي (٧) » وفي لفظ «قال: في القرآن: هو حبل الله من تسمك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلال (٨) » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي إجماع أهل العلم والإيمان من الصحابة ومن بعدهم على وجوب التمسك بكتاب الله والحكم به والتحاكم إليه، مع سنة رسول الله ﷺ ، ما يكفي ويشفي عن الإطالة في ذكر الأدلة الواردة في هذا الشأن. أما الأصل الثاني من الأصول الثلاثة المجمع عليها: فهو ما صح عن رسول الله ﷺ وأصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان، يؤمنون بهذا الأصل الأصيل، ويحتجون به ويعلمونه الأمة، وقد ألفوا في

стр. 228

ذلك المؤلفات الكثيرة، وأوضحوا ذلك في كتب أصول الفقه والمصطلح، والأدلة على ذلك لا تحصى كثرة، فمن ذلك ما جاء في كتاب الله العزيز من الأمر باتباعه وطاعته، وذلك موجه إلى أهل عصره ومن بعدهم؛ لأنه رسول الله إلى الجميع، ولأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، حتى تقوم الساعة، ولأنه ﵊ هو المفسر لكتاب الله، والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها وما يجب فيها، ولم يعرفوا تفصيل أحكام الصيام والزكاة، والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات، وما أوجب الله بها من حدود وعقوبات. ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) وقال تعالى في سورة النساء أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣) وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله، إذا كانت سنته لا يحتج بها، أو كانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل، ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به، وقال في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤)

стр. 229

وقال فيها أيضا: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فكيف يكل الله سبحانه إلى رسوله ﷺ تبيين المنزل إليهم، وسنته لا وجود لها أو لا حجة فيها، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) وقال تعالى في السورة نفسها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) وقال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) وفي هذه الآيات الدلالة الواضحة على أن الهداية والرحمة في اتباعه ﵊، وكيف يمكن ذلك مع عدم العمل بسنته، أو القول بأنه لا صحة لها، أو لا يعتمد عليها، وقال في سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥) وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٦) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على وجوب طاعته ﵊، واتباع ما جاء به، كما سبقت الأدلة على وجوب اتباع كتاب الله، والتمسك به وطاعة أوامره ونواهيه، وهما أصلان متلازمان، من جحد واحدا منهما فقد جحد الأخر وكذب به، وذلك كفر وضلال، وخروج عن دائرة

стр. 230

الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ في وجوب طاعته، واتباع ما جاء به، وتحريم معصيته، وذلك في حق من كان في عصره، وفي حق من يأتي بعده إلى يوم القيامة، ومن ذلك ما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله (١) » وفي صحيح البخاري عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٢) » . وخرج أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (٣) » . وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح: عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (٤) » . وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معدي كرب ﵁ يقول: «حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (٥) » أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته، أن يبلغ شاهدهم غائبهم، ويقول لهم: «رب مبلغ أوعى من سامع (٦) » ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب من يبلغه أوعى له ممن سمعه (٧) » فلولا أن سنته حجة على من سمعها وعلى

стр. 231

من بلغته، ولولا أنها باقية إلى يوم القيامة، لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه ﵊ وعلى من نقلت إليه بالأسانيد الصحيحة. وقد حفظ أصحاب رسول الله ﷺ سنته ﵊ القولية والفعلية، وبلغوها من بعدهم من التابعين، ثم بلغها التابعون من بعدهم، وهكذا نقلها العلماء الثقات جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، وجمعوها في كتبهم، وأوضحوا صحيحها من سقيمها، ووضعوا لمعرفة ذلك قوانين وضوابط معلومة بينهم، يعلم بها صحيح السنة من ضعيفها، وقد تداول أهل العلم كتب السنة من الصحيحين وغيرهما، وحفظوها حفظا تاما، كما حفظ الله كتابه العزيز من عبث العابثين، وإلحاد الملحدين، وتحريف المبطلين، تحقيقا لما دل عليه قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ولا شك أن سنة رسول الله ﷺ وحي منزل، فقد حفظها الله كما حفظ كتابه، وقيض الله لها علماء نقادا، ينفون عنها تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عنها كل ما ألصقه بها الجاهلون والكذابون والملحدون؛ لأن الله سبحانه جعلها تفسيرا لكتابه الكريم، وبيانا لما أجمل فيه من الأحكام، وضمنها أحكاما أخرى، لم ينص عليها الكتاب العزيز، كتفصيل أحكام الرضاع، وبعض أحكام المواريث، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، إلى غير ذلك من الأحكام التي جاءت بها السنة الصحيحة ولم تذكر في كتاب الله العزيز. ذكر بعض ما ورد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها.. في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما توفي رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فقال له

стр. 232

عمر ﵁ كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟ " فقال أبو بكر الصديق أليست الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (١) » ، وقد تابعه الصحابة ﵃ على ذلك، فقاتلوا أهل الردة حتى ردوهم إلى الإسلام، وقتلوا من أصر على ردته، وفي هذه القصة أوضح دليل على تعظيم السنة، ووجوب العمل بها. وجاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأله عن ميراثها، فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء، وسأسأل الناس. ثم سأل ﵁ الصحابة: فشهد عنده بعضهم بأن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس، فقضى لها بذلك، وكان عمر ﵁ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله، فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله، فبسنة رسول الله ﷺ ، ولما أشكل عليه حكم إملاص المرأة، وهو إسقاطها جنينا ميتا، بسبب تعدي أحد عليها، سأل الصحابة ﵃ عن ذلك، فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة ﵄: بأن النبي ﷺ قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة. فقضى بذلك ﵁. ولما أشكل على عثمان ﵁ حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد ﵄: أن النبي ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها: أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله. قضى بذلك ﵁، وهكذا قضى بالسنة في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولما بلغ عليا ﵁ أن عثمان ﵁ ينهى عن متعة الحج أهل علي ﵁ بالحج والعمرة جميعا، وقال: لا أدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس. ولما احتج بعض الناس على

стр. 233

ابن عباس ﵄ في متعة الحج، بقول أبي بكر وعمر ﵄ في تحبيذ إفراد الحج، قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء!! أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر، فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالفهما لقول من دونهما، أو لمجرد رأيه واجتهاده!. ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر ﵄ في بعض السنة، قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين ﵄: حدثنا عن كتاب الله. وهو يحدثهم عن السنة، غضب ﵁ وقال: إن السنة هي تفسير كتاب الله، ولولا السنة لم نعرف أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث، والفجر ركعتان، ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة إلى غير ذلك، مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة ﵃ في تعظيم السنة ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدا. ومن ذلك أيضا أن عبد الله بن عمر ﵄ لما حدث بقوله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١) » قال بعض أبنائه: والله لنمنعهن. فغضب عليه عبد الله وسبه سبا شديدا، وقال: أقول قال رسول الله وتقول: والله لنمنعهن. «ولما رأى عبد الله بن المغفل المزني ﵁، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ بعض أقاربه يخذف، نهاه عن ذلك وقال له: إن النبي ﷺ نهى عن الخذف، وقال: " إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوا، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين ". ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال: والله لا كلمتك أبدا، أخبرك أن رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف ثم تعود (٢) » . وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل، أنه قال: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال. وقال الأوزاعي ﵀: السنة قاضية على الكتاب، أي تقيد ما أطلقه، أو بأحكام لم تذكر في الكتاب، كما في قول الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)

стр. 234

وسبق قوله ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه (١) » وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي ﵀ أنه قال لبعض الناس: (إنما هلكتم في حين تركتم الآثار) يعني بذلك الأحاديث الصحيحة. وأخرج البيهقي أيضا عن الأوزاعي ﵀ أنه قال لبعض أصحابه: إذا بلغك عن رسول الله حديث، فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله تعالى، وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري ﵀ أنه قال: (إنما العلم كله، العلم بالآثار) ، وقال مالك ﵀: (ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله ﷺ ، وقال أبو حنيفة ﵀: (إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين) . وقال الشافعي ﵀ (متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب) . وقال أيضا ﵀: (إذا قلت قولا وجاء الحديث عن رسول الله ﷺ بخلافه، فاضربوا بقولي الحائط) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ لبعض أصحابه: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا، وقال أيضا ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله ﷺ ، يذهبون إلى رأي سفيان، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله ﵊، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) ، وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال في قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى السنة. وأخرج البيهقي عن الزهري ﵀

стр. 235

أنه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وقال موفق الدين ابن قدامة ﵀ في كتابه روضة الناظر، في بيان أصول الأحكام، ما نصه: (والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله ﷺ ، وقول رسول الله ﷺ حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره) . انتهى المقصود، وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) أي: عن أمر رسول الله ﷺ ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » . أي: فليخش وليحذر من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك. كما روى الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها (٥) » أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وقال السيوطي ﵀ في رسالته المسماة: (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) ما نصه: (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) انتهى المقصود. والآثار عن

стр. 236

الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم في تعظيم السنة، ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدا، وأرجو أن يكون في ما ذكرنا من الآيات والأحاديث والآثار كفاية ومقنع لطالب الحق، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه، والسلامة من أسباب غضبه، وأن يهدينا جميعا صراطه المستقيم إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

стр. 237

وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الداعي إلى طاعة ربه، المحذر عن الغلو والبدع والمعاصي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد اطلعت على المقال الذي نشر بجريدة (إدارت) الأردوية الأسبوعية، الصادرة في مدينة كانفور الصناعية بولاية أترابراديش، في صفحتها الأولى، والمتضمن: حملة إعلامية ضد المملكة العربية السعودية وتمسكها بعقيدتها الإسلامية، ومحاربتها للبدع، واتهام عقيدة السلف التي تسير عليها الحكومة، بأنها ليست سنية، مما يهدف به كاتبه إلى التفرقة بين أهل السنة، وتشجيع البدع والخرافات. وهذا لا شك تدبير سيئ، وتصرف خطير، يراد به الإساءة إلى الدين الإسلامي، وبث البدع والضلالات، ثم إن هذا المقال يركز بشكل واضح على موضوع إقامة الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وجعله منطلقا للحديث عن عقيدة المملكة وقيادتها. لذا رأيت التنبيه على ذلك، فأقول مستعينا بالله تعالى: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره، بل يجب منعه؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، ولأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولم يأمر به لنفسه، أو لأحد ممن توفي قبله من الأنبياء، أو من بناته أو زوجاته، أو أحد أقاربه أو صحابته. ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ولا التابعون له بإحسان، ولا أحد من علماء الشريعة والسنة المحمدية في القرون المفضلة. وهؤلاء هم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حبا لرسول الله ﷺ ، ومتابعة لشرعه ممن بعدهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.

стр. 238

وقد أمرنا بالاتباع ونهينا عن الابتداع، وذلك لكمال الدين الإسلامي، والاغتناء بما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتلقاه أهل السنة والجماعة بالقبول، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته. وفي رواية أخرى لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » وقال ﵊ في حديث آخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تسمكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٣) » «وكان يقول في خطبته يوم الجمعة: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٤) » ففي هذه الأحاديث تحذير من إحداث البدع، وتنبيه بأنها ضلالة، تنبيها للأمة على عظيم خطرها، وتنفيرا لهم عن اقترافها والعمل بها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥) وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٩) وهذه الآية

стр. 239

تدل دلالة صريحة، على أن الله قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، ولم يتوف نبيه ﵊ إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين، وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح أن كل ما يحدثه الناس بعده، وينسبونه إلى الدين الإسلامي، من أقوال وأعمال، فكله بدعة مردودة على من أحدثها، ولو حسن قصده. وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن السلف الصالح بعدهم، التحذير من البدع والترهيب منها، وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول ﵊، والمحذرة من البدع والمنفرة منها. وإحداث مثل هذه الاحتفالات بالمولد ونحوه يفهم منه: أن الله لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على الله وعلى رسوله، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة، ويباعد من النار، إلا بينه لأمته، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (٢) » رواه مسلم في صحيحه، ومعلوم أن نبينا ﵊ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي ارتضاه الله سبحانه

стр. 240

لعباده، لبينه الرسول ﷺ للأمة، أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك، علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته، كما تقدم ذلك في الأحاديث السابقة. وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها، عملا بالأدلة المذكورة وغيرها، ومعلوم من القاعدة الشرعية أن المرجع في التحليل والتحريم، ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وإذا رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله ، وجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأمرنا باتباع الرسول فيه. وإذا رددناه أيضا إلى سنة رسول الله ﷺ ، لم نجد أنه فعله ولا أمر به، ولا فعله أصحابه ﵃، فبذلك نعلم أنه ليس من الدين، بل من البدع المحدثة، ومن التشبه الأعمى بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم. وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه، أن الاحتفال بجميع الموالد ليس من دين الإسلام في شيء، بل هو من البدع المحدثات، التي أمرنا الله سبحانه ورسوله ﵊ بتركها والحذر منها.

стр. 241

ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. ثم إن غالب هذه الاحتفالات - مع كونها بدعة - لا تخلو في أغلب الأحيان، وفي بعض الأقطار من اشتمالها على منكرات أخرى، كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور. وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك، وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء، ودعائه والاستغاثة به وطلب المدد منه، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور التي تكفر فاعلها، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٣) » وقال ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (٤) » أخرجه البخاري في صحيحه، ومما يدعو إلى العجب والاستغراب، أن الكثير من الناس ينشغل ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عما أوجب الله عليه، من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأسا، ولا يرى أنه أتى منكرا عظيما. ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين. وأغرب من ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن

стр. 242

الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة. ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع (٣) » فهذه الآية والحديث الشريف، وما جاء بمعناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات، إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم: التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم، من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان. أما الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهي من أفضل القربات، ومن الأعمال الصالحات، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا (٥) » وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكدة في آخر كل صلاة، بل واجبة عند الكثير من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة، وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة، منها ما بعد الأذان، وعند ذكره ﷺ ، وفي يوم الجمعة وليلتها، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة. هذا ما أردت التنبيه عليه نحو هذه المسألة، وفيه كفاية إن شاء الله لمن فتح الله عليه وأنار بصيرته. وإنه ليؤسفنا جدا أن تصدر مثل هذه الاحتفالات البدعية، من مسلمين متمسكين بعقيدتهم، وحبهم لرسول الله ﷺ . ونقول لمن يقول بذلك: إذا كنت سنيا ومتبعا لرسول الله ﷺ ، فهل فعل ذلك هو أو أحد من صحابته الكرام،

стр. 243

أو التابعين لهم بإحسان، أم هو التقليد الأعمى لأعداء الإسلام، من اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم. وليس حب الرسول ﷺ يتمثل فيما يقام من احتفالات بمولده، بل بطاعته فيما أمر به، وتصديقه فيما أخبر به، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. وكذا بالصلاة عليه عند ذكره، وفي الصلوات وفي كل وقت ومناسبة. وليست الوهابية حسب تعبير الكاتب بدعا في إنكار مثل هذه الأمور البدعية، بل عقيدة الوهابية: هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والسير على هديه، وهدي خلفائه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان، وما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين والهدى، أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله، وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحت بها الأخبار النبوية، وتلقتها صحابة رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم. يثبتونها ويؤمنون بها ويمرونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويتمسكون بما درج عليه التابعون، وتابعوهم من أهل العلم والإيمان والتقوى، وسلف الأمة وأئمتها، ويؤمنون بأن أصل الإيمان وقاعدته هي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، ويعلمون بأن هذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، كائنا من كان، وأن هذا هو الحكمة التي خلقت لها الجن والإنس، وأرسلت لها الرسل وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب لله وحده، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وأن هذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن الأنبياء على دين الإسلام، وبعثوا بالدعوة إليه، وما يتضمن من الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره، أو دعاه ودعا غيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان

стр. 244

مستكبرا عن عبادته قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وعقيدتهم مبنية أيضا على تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، ونبذ البدع والخرافات، وكل ما يخالف الشرع الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ . وهذا هو الذي يعتقده الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ويدين لله به، ويدعو إليه، ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى إثما مبينا، وقال ما ليس له به علم. وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين، وأبدى رحمه الله تعالى من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة، والمؤلفات الجليلة، على كلمة الإخلاص والتوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، وما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله ، على وجه الكمال المنافي للشرك دقيقه وجليله، ومن عرف مصنفاته وما ثبت عنه، وعرف واشتهر من دعوته وأمره وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته، تبين له أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين والهدى، من إخلاص العبادة لله وحده، ونبذ البدع والخرافات، وهذا هو الذي قام عليه حكم السعودية، وعلماؤها يسيرون عليه والحمد لله، وليست الحكومة السعودية متصلبة إلا ضد البدع، والخرافات للدين الإسلامي، والغلو المفرط الذي نهى عنه الرسول ﷺ ، والعلماء والمسلمون بالسعودية وحكامهم يحترمون كل مسلم احتراما شديدا، ويكنون لهم الولاء والمحبة والتقدير، من أي قطر أو جهة كان، وإنما ينكرون على أصحاب العقائد الضالة ما يقيمونه من بدع وخرافات وأعياد مبتدعة، وإقامتها والاحتفال بها، مما لم يأذن به الله ولا رسوله، ويمنعون ذلك؛ لأنه من محدثات الأمور وكل محدثة بدعة، والمسلمون مأمورون بالاتباع لا بالابتداع، لكمال الدين الإسلامي واستغنائه بما شرعه الله

стр. 245

ورسوله ﷺ ، وتلقاه أهل السنة والجماعة بالقبول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومن نهج نهجهم. وليس منع الاحتفال البدعي بمولد الرسول ﷺ ، وما يكون فيه من غلو أو شرك ونحو ذلك عملا غير إسلامي، أو إهانة لرسول الله ﷺ ، بل هو طاعة له وامتثال لأمره، حيث قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (١) » وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (٢) » . هذا ما أردت التنبيه عليه في المقال المشار إليه. والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السنة، والحذر من البدعة، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 246

وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والتحذير مما يخالفهما الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله بعث نبيه ﷺ بالهدى ودين الحق، كما قال سبحانه في سورتي التوبة والصف: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) وقال في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٢) قال علماء التفسير ﵏: الهدى: هو ما بعث الله به نبيه ﷺ من العلوم النافعة، والأخبار الصادقة، ودين الحق: هو ما بعثه الله به من الأعمال الصالحة، والأحكام العادلة، وقد بين الله سبحانه أن الإيمان بما بعث به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق، والعمل بذلك، هو الصراط المستقيم الذي من سار عليه، واستقام عليه، وصل إلى شاطئ السلامة، وفاز بالجنة والكرامة، ومن حاد عنه واتبع هواه، باء بالصفقة الخاسرة، وسوء المصير، وقد أمر الله جميع العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن اتباع السبل التي تفضي بهم إلى صراط الجحيم، فقال في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) وأشار بقوله وأن هذا، إلى ما سبق أن أمر نبيه ﷺ أن يتلوه على الناس، ويبينه لهم، ليعقلوا ويتذكروا، وذلك في قوله سبحانه:

стр. 247

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ثم قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣) الآية. فبين بهذا: أن امتثال هذه الأوامر والنواهي، هو الصراط المستقيم الذي أمر باتباعه، وبدأها سبحانه بالتحذير من الشرك وبيان تحريمه على الأمة، وذلك لأنه أعظم الذنوب وأشهر الجرائم، ولأن ضده وهو التوحيد هو أعظم الفرائض وأهم الواجبات، وذلك هو أساس الملة. وقاعدة الصراط المستقيم، وهو الذي بعث الله به جميع الرسل، وأنزل به جميع الكتب، وخلق من أجله الثقلين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦) وقد أمر الله عباده بذلك في مواضع كثيرة من كتابه، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٧) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٨) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٩) وأرشد عباده في سورة الفاتحة، أن يقروا بذلك لله سبحانه

стр. 248

فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ قال لمعاذ: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» . الحديث وقال ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٥) » خرجه البخاري في صحيحه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، فهي تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله، وتثبتها بحق لله وحده، كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٦) ثم ذكر سبحانه حق الوالدين، وهو الإحسان إليهما وعدم عقوقهما، ثم نهى عن قتل الأولاد من أجل الإملاق، وهو الفقر وأخبر أنه سبحانه هو الذي يرزق الوالدين والأولاد. وكان من عادة بعض أهل الجاهلية قتل أولادهم خشية الفقر، فنهى عباده عن فعل ذلك، لما فيه من الظلم والعدوان وسوء الظن بالله ، ثم نهى عن قربان الفواحش ظاهرها وباطنها، وهي المعاصي كلها، ثم خص من ذلك قتل النفس بغير حق لعظم هذه الجريمة، وسوء عاقبتها أكثر من غيرها من المعاصي التي دون الشرك، ثم نهى عن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشده، وذلك حين يبلغ ويرشد، ثم أمر بالوفاء بالكيل والميزان بالقسط وهو العدل، لما في بخس المكيال والميزان من الظلم والعدوان، وأكل المال بالباطل، ثم أمر بالعدل في القول بعد ما أمر بالعدل في الفعل، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٧) والمعنى:

стр. 249

أن العدل في جميع الأقوال والأفعال مع القريب والبعيد، والحبيب والبغيض، طاعة لله سبحانه، وتنفيذ لحكمه، وضده: هو الظلم في القول والعمل، ثم أمر عباده سبحانه بالوفاء بعهده الذي عهد إليهم في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، وذلك يشمل جميع ما شرعه لعباده من الفرائض، والأحكام والأقوال والأعمال، وما نهاهم عنه سبحانه، كما نص على ذلك أئمة التفسير، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) فعلم بهذا: أن صراطه سبحانه هو العمل بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والإيمان بكل ما جاء به رسوله ﷺ من العلوم النافعة، والأخبار الصادقة، والشرائع والأحكام، ظاهرا وباطنا، خلافا لأهل النفاق، وقد أرشد سبحانه عباده في سورة الفاتحة، إلى أن يسألوه الهداية إلى هذا الصراط لشدة ضرورتهم إلى ذلك، وبين سبحانه أنه هو طريق المنعم عليهم، المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢) وقد دلت الأحاديث المرفوعة، والآثار عن الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان، على أن السبل التي نهى الله عن اتباعها، هي البدع والشبهات والشهوات المحرمة، والمذاهب والنحل المنحرفة عن الحق، وسائر الأديان الباطلة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (٤) »

стр. 250

ومما يحسن التنبيه عليه: أنه ذكر في ختام الآية الأولى من الآيات الثلاث المذكورة آنفا: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وفي ختام الآية الثانية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وفي ختام الآية الثالثة: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) قال بعض علماء التفسير، الحكمة في ذلك والله أعلم، أن من تدبر كتاب الله ، وأكثر من تلاوته، حصل له التعقل للأوامر والنواهي، والتذكر لما تشتمل عليه من المصالح العظيمة، والعواقب الحميدة في الدنيا والآخرة، وبذلك ينتقل إلى التقوى: وهي فعل الأوامر وترك النواهي، اتقاء لغضب الله وعقابه، ورغبة في مغفرته ورحمته والفوز بكرامته، وهذا معنى عظيم، وذلك من أسرار كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لكونه تنزيلا من حكيم حميد، لا تخفى عليه خافية، ولا يعجزه شيء، وهو العالم بأحوال عباده ومصالحهم، لا إله غيره ولا رب سواه، وقد أخبر سبحانه أن ما أوحى الله به إلى نبيه ﷺ ، هو روح تحصل به الحياة الطيبة، ونور تحصل به البصيرة والهداية، كما أخبر أن رسوله الكريم يهدي إلى صراطه المستقيم، الذي أوضحه في الآيات الثلاث التي ذكرنا آنفا، وذلك في قوله في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٥) فأوضح سبحانه أن الوحي الذي أوحاه إلى نبيه ﷺ من الكتاب والسنة،
следующие страницы →