أسباب نصر الله للمؤمنين على أعدائهم (١)
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله في أشرف بقعة من بقاع الدنيا وهي: مكة المكرمة للتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى وبيان أسباب انتصار المسلمين على أعدائهم وبيان ضد ذلك، وأسأل الله جل وعلا أن يجعله لقاء مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح ولاة أمر المسلمين جميعا، ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفقهم لتحكيم شريعته بين عباده، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد وأن يصلح لهم البطانة، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل، ويجعلهم من الهداة المهتدين إنه خير مسئول، ثم إني أشكر إخواني القائمين على هذا النادي
стр. 3047
وعلى رأسهم معالي الأخ الدكتور \ راشد بن راجح مدير جامعة أم القرى، ورئيس النادي على دعوتهم لي لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يبارك في الجميع، وأن يصلح أحوالنا جميعا ويجعلنا من دعاة الهدى وأنصار الحق إنه سميع قريب.
أيها الإخوة في الله ذكر معالي الدكتور: راشد حفظه الله في المقدمة أنني رئيس هيئة كبار العلماء، وأحب التصحيح فإن الرئاسة للهيئة محصورة في خمسة من كبار السن من الأعضاء تدور بينهم الرئاسة كل واحد في السنة الخامسة يأتيه الدور وأنا واحد منهم، ولست رئيس الهيئة ولكني واحد من رؤساء الهيئة، أما ما يتعلق بموضوع المحاضرة وهي " أسباب نصر الله للمؤمنين ".
فالله جل وعلا جعل للنصر أسبابا وجعل للخذلان أسبابا، فالواجب على أهل الإيمان في جهادهم وفي سائر شئونهم أن يأخذوا بأسباب النصر ويستمسكوا بها في كل مكان في المسجد وفي البيت وفي الطريق وفي لقاء الأعداء وفي جميع الأحوال، فعلى المؤمنين أن يلتزموا بأمر الله، وأن ينصحوا لله ولعباده، وأن يحذروا المعاصي التي هي من أسباب الخذلان، ومن المعاصي التفريط في أسباب النصر الأسباب الحسية التي جعلها الله أسبابا لا بد منها، كما أنه لا بد من الأسباب الدينية، فالتفريط في هذا أو هذا سبب الخذلان والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١)
стр. 3048
هذه الآية العظيمة خطاب لجميع المؤمنين أوضح فيها سبحانه أنهم إذا نصروا الله نصرهم .
ونصر الله من المؤمنين هو: اتباع شريعته ونصر دينه والقيام بحقه، وليس هو سبحانه في حاجة إلى عباده بل هم المحتاجون إليه كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٢) ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (٣) فالناس كلهم جنهم وإنسهم ملوكهم وعامتهم كلهم في حاجة إلى ربهم وكلهم فقراء إلى الله والله سبحانه هو الغني الحميد، فنصره سبحانه هو نصر شريعته وهو نصر دينه هذا هو نصره، نصر ما بعث به رسوله وأنزل به كتابه الكريم، فإذا قام المسلمون بنصر دينه والقيام بحقه ونصر أوليائه نصرهم الله على عدوهم ويسر أمورهم وجعل لهم العاقبة الحميدة كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥) والصبر والتقوى يكونان: بنصر الله، والقيام بدينه سبحانه، والتواصي بذلك في السر والجهر في الشدة والرخاء في حال الجهاد وما قبله وما بعده وفي جميع الأحوال.
ولما حذر سبحانه من اتخاذ البطانة من دون المؤمنين في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٦)
стр. 3049
بين سبحانه في آخر الآيات أنهم إذا صبروا واتقوا لم يضرهم أعداؤهم فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١) وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢) وفي الأخرى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤)
فنصر الله جل وعلا باتباع شريعته والصبر على ذلك كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥) وهذا مثل قوله ﷺ لابن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك (٦) » فمن حفظ الله بحفظ دينه والاستقامة عليه والتواصي بحقه والصبر عليه نصره الله وأيده على عدوه وحفظه من مكائده، وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) والمؤمنون هم الذين استقاموا على دين الله وحافظوا على حقه وابتعدوا عن مناهيه كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٨) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٩) فالمؤمنون هم المتقون وهم أولياء الله، وهم أنصار دين الله ينصرهم الله ويحميهم من كيد أعدائهم
стр. 3050
ويجعل لهم العاقبة ، ويقول سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢) هؤلاء هم المنصورون وهم الموعودون بالعاقبة الحميدة.
ثم أوضح سبحانه صفات الناصرين له فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣) أي: أقدرناهم ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٤) يعني: حافظوا على هذه وهذه كما أمر الله، فأقاموا الصلاة كما أمر الله بأركانها وواجباتها وغير ذلك من شئونها، وأدوا الزكاة طيبة بها نفوسهم كما شرع الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وهذا يعم جميع الأوامر والنواهي فيدخل في المعروف: الصيام والحج والجهاد وبر الوالدين وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله، ويدخل في المنكر كل ما نهى الله عنه من أنواع الشرك وسائر المعاصي، فالمؤمنون يوحدون الله ويؤمنون به إيمانا صادقا، ويلتزمون بتوحيده والإخلاص له وتصديق أخباره وأخبار رسوله ﵊ وبالقيام بحقه كما أمر، ومع ذلك يحذرون ما نهى عنه ويبتعدون عما حرمه عليهم رغبة فيما عنده وطلبا لمرضاته جل وعلا وحذرا من عقابه ، فهؤلاء هم المؤمنون حقا وهم المتقون المذكورون في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥)
فربنا ينوع العبارات في صفات المؤمنين وترجع إلى شيء واحد كما قال
стр. 3051
تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١) فيدخل في هذا الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر ما أمر الله به ورسوله، كما يدخل في ذلك من باب أولى توحيد الله والإيمان به والإيمان برسوله ﵊، وتصديق أخبار الله ورسوله كلها داخلة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٢) كما أنها داخلة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) فالصبر والتقوى يشتمل على فعل جميع الأوامر وترك النواهي.
وهكذا قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤) يشمل فعل الأوامر وترك النواهي، فإن هذا هو النصر لله بفعل أوامره وترك نواهيه عن إيمان وعن إخلاص لله وتوحيد له سبحانه وإيمان برسوله ﷺ ، لا عن مجرد شجاعة وحمية، ولا ليقال إنه كذا وكذا، ولا لمقصد آخر غير اتباع الشرع، فالنصر لدين الله يكون بطاعة الله وتعظيمه والإخلاص له والرغبة فيما عنده والعمل بشريعته يريد ثوابه وإقامة دينه، فمن كان بهذه الصفة فهو من المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥) ويقول فيهم جل وعلا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٦) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٧) يعني بذلك العاقبة الوخيمة وهي اللعنة وسوء الدار، فالعاقبة الوخيمة هي النار والطرد من رحمة الله؛ لأنهم لم ينصروا الله ولم ينصروا دينه، فالظالمون لا تنفعهم المعاذير
стр. 3052
ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم القيامة.
بخلاف من نصر دين الله واستقام عليه فلهم الرضا والكرامة والعاقبة الحميدة وذلك بالنصر في الدنيا والفوز في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
فالرسل وأتباعهم وهم المؤمنون لهم النصر في الدنيا بإظهارهم على عدوهم وتمكينهم من عدوهم وجعل العاقبة الحميدة لهم ضد عدوهم، وفي الآخرة لهم النصر بدخول الجنة والنجاة من النار والسلامة من هول اليوم العظيم، ويقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) هؤلاء هم أنصار الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وهم الذين نصروا دين الله واستقاموا عليه، فالآيات والأحاديث يفسر بعضها بعضا ويدل بعضها على معنى بعض، فأنصار الله هم المؤمنون، وهم المتقون، وهم الصابرون الصادقون، وهم الأبرار، وهم الذين إذا مكنوا في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات المذكورون في هذه الآية من سورة النور، وهم الذين قاموا بهذين الأمرين، آمنوا بالله ورسوله، آمنوا بأن الله ربهم وهو معبودهم الحق خصوه بالعبادة وآمنوا بأسمائه وصفاته واستقاموا على دينه قولا وعملا وعقيدة، هؤلاء هم المؤمنون، هم
стр. 3053
أنصار الله، هم أنصار دينه، وهم المتقون، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (١) وهم المؤمنون الذين ذكروا في قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وهم المذكورون في قوله جل وعلا: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ (٤) الآية، وفي قوله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥) وهم الموعودون بالاستخلاف في الأرض والتمكين لدينهم وإبدالهم بعد الخوف أمنا وبعد الذل عزا.
فعليك يا عبد الله أن تعرف هذا المعنى جيدا وأن تعمل به حتى تكون من أنصار الله، وحتى تحصل لك العاقبة الحميدة التي وعد الله بها أنصاره، فالله وعد أنصاره بالنصر والعاقبة الحميدة والتمكين في الأرض وأن يبدلهم بخوفهم أمنا لما أخافوا أعداءه من أجله، وصبروا على دينه، وجاهدوا في الله وقدموا أنفسهم في سبيله سبحانه رخيصة يرجون رحمته ويخافون عقابه، قد باعوها لله وسلموها لله عملا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٦) الآية، فهؤلاء هم أنصار الله الذين ثبتوا على دينه واستقاموا عليه قولا وعملا في الأمن والخوف في الشدة والرخاء، جاهدوا لله وصبروا فجعل الله لهم العاقبة الحميدة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧) وعدهم بالهداية وأنهم هم المحسنون المنصورون، ولما توافرت هذه الأسباب في الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله
стр. 3054
عليهم في يوم بدر نصروا على الكفار وهم أضعافهم، أضعافهم في القوة والعدد ومع ذلك نصروا عليهم بأنهم حققوا هذه الصفات، نصروا دين الله بالقول والعمل، وصبروا في لقاء الأعداء وصدقوا، فمكنهم الله وهزم عدوهم وجعل لهم العاقبة الحميدة، وهكذا في يوم الأحزاب صدقوا وصبروا وصابروا صبرا عظيما مع كون الكفار أضعاف المسلمين.
فصبر المسلمون وهم محاصرون حتى نصرهم الله بأمر من عنده على عدوهم بجنود لم يروها حتى زلزلهم وردهم خائبين لم ينالوا خيرا بسبب صبر الصحابة ونبيهم ﷺ على طاعته وجهاد أعدائه، وهكذا في يوم الفتح نصر الله المسلمين على عدوهم وفتحوا مكة وهزموا الشرك وأعوانه وجيش هوازن فضلا منه سبحانه وتأييدا لأوليائه، وهكذا حصل للصحابة في قتالهم للروم وفارس وغيرهما صبروا وجاهدوا فأفلحوا ونصروا وجعل الله لهم العاقبة الحميدة، فصاروا قادة الناس وملوك الأرض، وسنة الله سبحانه هذه سائرة في عباده إلى يوم القيامة، من نصره نصره، ومن حاد عن دينه خذله، ولما جرى ما جرى يوم أحد من الخلل أصيب المسلمون وهم أفضل خلق الله في أرض الله، فيهم نبيهم ﷺ أفضل الخلق، وهم بعده وبعد الأنبياء أفضل الخلق، وفيهم الصديق ﵁ أفضل الأمة بعد الرسول ﷺ ، وفيهم عمر أفضل الأمة بعد النبي وبعد الصديق، وفيهم بقية الأخيار.
أصيب المسلمون بسبب الخلل الذي حصل من الرماة لما أخلوا بما أوجب الله عليهم من الصبر لأعداء الله ولزوم الثغر الذي
стр. 3055
يخشى منه فدخل العدو عليهم، وكان الرسول ﵊ قد أمر الرماة أن يلزموا موقعهم وأن لا يبرحوه وإن رأوا العدو يتخطف المسلمين وإن رأوا المسلمين نصروا لا هذا ولا هذا، فعليهم أن يلزموا مكانهم.
فلما انهزم العدو يوم أحد ورآهم الرماة انهزموا ظنوا أنها الفاصلة فأخلوا بمواقعهم، وحاول أميرهم أن يثنيهم عن ذلك فخالفوه ظنا منهم أن الكفار لا عودة لهم وأنهم قد انهزموا انهزاما كاملا فدخل العدو على المسلمين وصارت النكبة على المسلمين والقتل والجراحات والهزيمة حتى حاولوا قتله ﷺ فأنجاه الله من شرهم وأصابه جراحات وكسروا رباعيته ﵊ إلى غير هذا مما أصابه ﵊، وقتل سبعون من الصحابة وأصاب بعض من بقي جراحات، وأنزل الله فيهم : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (١) أي: يقتلونهم بإذن الله ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ (٢) يعني بذلك الرماة ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣) تنازعوا في الأمر واختلفوا ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ (٤) بترك الموقع الذي أمركم الرسول ﷺ بلزومه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ (٥) من هزيمة العدو، والجواب محذوف تقديره سلط العدو عليكم. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ (٦) الآية.
المقصود أنهم أصيبوا بسبب الخلل الذي وقع منهم في موقف عظيم لا بد منه في سياسة الجهاد من حفظ الثغور وحفظ المنافذ التي ينفذ منها العدو، فحفظ الثغور التي يدخل منها العدو على المسلمين وحفظ المنافذ التي يدخل منها العدو على الجيش
стр. 3056
وقت اللقاء لا بد فيه للجيش بأن يكون عنده عناية بذلك وعنده حذر وعنده حرص على سد كل ثغر يمكن أن ينفذ منها العدو على المسلمين ليضرهم أو يأتيهم من خلفهم، ولما استنكر المسلمون هذا الأمر وهذا الحدث المؤلم من الجراح والقتل وقالوا لماذا أصبنا؟ ولماذا جرى هذا؟ وفيهم رسول الله ﷺ ، وفيهم خيرة الله من عباده بعد الأنبياء أنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (١) قد أصبتم مثليها يعني يوم بدر قتلوا سبعين من الكفار وأسروا سبعين وحصلت جراحات في الكفار كثيرة ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ (٢) يعني استنكرتم من أين أصبنا؟ قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) وهذا يفيد أن معصية بعض الجيش وإخلال بعض الجيش بالأسباب مصيبة للجميع فأصيبوا بسبب بعضهم، وهكذا الناس إذا رأوا المنكرات وشاعت ولم تغير عمت العقوبات، قال النبي ﷺ : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (٤) » أخرجه الإمام أحمد ﵀ بإسناد صحيح عن الصديق ﵁.
والمقصود أن الواجب على الأمة التآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى والصدق في ذلك في كل بلد وفي كل قرية وفي كل قبيلة عليهم أن يتناصحوا ويتواصوا بالحق والصبر عليه ويتعاونوا على البر والتقوى ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر حتى لا تصيبهم كارثة بسبب ذنوبهم وأعمالهم، يقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦) أي: جنس الإنسان ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧) هؤلاء هم الرابحون وهم المنصورون فلا بد من
стр. 3057
هذه الصفات الأربع: الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر في الجهاد وغيره.
وفي المدن والقرى وفي القبائل لا بد من هذه الخصال الأربع، فمن أراد نصر الله والسلامة لدينه وأراد حسن العاقبة فليتق الله وليصبر على طاعة الله وليحذر محارم الله أينما كان، هذا هو سبب نصر الله له وهو من أسباب نجاته في الدنيا والآخرة، فالرجل في بيته وفي المسجد وفي الطريق وفي السيارة والطائرة والقطار وفي محل البيع والشراء وفي الجهاد وفي كل مكان، يجب عليه أن يتقي الله وأن ينصر دين الله بقوله وعمله وفي جهاده وفي جميع شئونه، وهكذا المرأة في بيتها وفي كل مكان عليها أن تتقي الله وأن تنصر دين الله بقولها وعملها حسب الطاقة لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) وقول النبي ﷺ : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم (٣) » متفق على صحته.
فالمرأة تبذل النصيحة مع الزوج ومع الأولاد ومع من في البيت من أقارب وخدم ومع الجيران ومع الزميلات ومع الجليسات ترجو بذلك ما عند الله من المثوبة، وأن ينفع بها عباده، وكل واحد من الرجال عليه أن يتقي الله وينصر دينه في قوله وعمله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عن صدق وإخلاص ورغبة ورهبة كما قال سبحانه في سورة الأنبياء عن عباده الصالحين:
стр. 3058
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١) وقال في سورة المؤمنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٦) فهذه أسباب النصر، هذه أسباب حماية الله لعباده من كل سوء وأسباب نصره لهم، وهي من أعظم الأسباب في دخول الجنة والنجاة من النار.
ولا بد مع هذا كله من الحرص على الأسباب الدينية والحسية التي يعلم أنها من أسباب النصر لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٧) ويقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٨) الآية، ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٩)
وهذا هو الواجب على المؤمنين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم عند القتال، وأن يعدوا له ما استطاعوا من قوة من السلاح والعدد، والحرس الجيد، وتكون الملاحظات جيدة، والثغرات مسدودة، والسلاح محمول عند الحاجة
стр. 3059
حتى ولو كانوا في الصلاة، فلا يجوز أن يقول المجاهد أنا مؤمن ويكفي، بل لا بد من الأسباب الحسية المعنوية، فالرسول ﷺ وهو أفضل المؤمنين وأكمل المتوكلين، والصحابة أفضل المؤمنين بعد الأنبياء، ومع هذا كله أصابهم ما أصابهم يوم أحد لما أخل الرماة بالشيء الذي يجب عليهم وأخلوا بالموقف الذي أمروا بلزومه.
فالمعاصي من أسباب الخذلان، كما أن معصية الرماة سبب الهزيمة يوم أحد، وهكذا المعاصي كلها في كل وقت من أسباب الخذلان إذا ظهرت ولم تنكر تكون من أسباب الخذلان وتسليط الأعداء، وحصول الكثير من المصائب، كما أنها من أسباب قسوة القلب وانتكاسه نعوذ بالله من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢)
فالمعصية إذا ظهرت ضرت العامة إذا لم تنكر ولم تغير. فالمؤمنون مأمورون بالاستقامة على تقوى الله والجهاد لأعداء الله، وأن يصبروا على التقوى والعمل الصالح أينما كانوا مع الإيمان بأن الله سبحانه سوف ينصرهم ويمكنهم من عدوهم، ويجعلهم بعد خوفهم في أمن وعافية وبعد القلق في استقرار وراحة بسبب إيثارهم حقه ونصرهم دينه وتعاونهم على البر والتقوى وصدقهم في ذلك ونصحهم لله ولعباده، ومتى أخلوا بشيء فليعلموا أنه خطر عليهم،
стр. 3060
وأنه متى أصابهم مصيبة بسبب الخلل فمن عند أنفسهم كما قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٢) وهو القائل سبحانه في سورة آل عمران بعد ما ذكر كيد الكفار: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣) وهو القائل سبحانه في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٤) الآية، وفي سورة محمد يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥) وأعظم العدو الشيطان، فهو أعظم العدو للإنسان فإنه يجري منه مجرى الدم، فعليك أن تجاهده بتقوى الله وترك معصيته، وأن تحذر مكائده ووساوسه، وأن تكثر من الاستعاذة بالله منه مع الإكثار من الحسنات والحذر من السيئات في جميع الأوقات، فهذا هو طريق السلامة من شره ومكائده بتوفيق الله وإعانته.
ولا بد مع ذلك من جهاد النفس، والإكثار من ذكر الله، والاستقامة على دينه، والحفاظ على حدوده. والحذر من مكائد عدو الله في كل زمان ومكان.
يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٦) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٧)
стр. 3061
ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١) ويقول : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢) ويقول سبحانه عن زوجة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) يقول في سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٥) فهذه أسباب النصر، وهذه أسباب النجاة من الأعداء، وهذه أسباب السلامة من مكائد الأعداء جنهم وإنسهم، حضرهم وبدوهم، قريبهم وبعيدهم، وهي أسباب النصر عليهم، والسلامة من مكائدهم وهي أن تتقي الله في جميع الأحوال، وأن تحافظ على دينه، وأن تحذر معصيته أينما كنت في الجهاد وغيره، هذه أسباب حفظ الله لك، وحفظ الله لدينه بك، ونصر الله لك على عدوك وخذلان عدوك.
ومتى فرط المؤمنون في هذه الأمور فهم في الحقيقة ساعون في تأييد عدوهم في نصره عليهم، والمعنى أن معاصي الجيش عون لعدوهم عليهم كما جرى يوم أحد فعلى المؤمنين جميعا في أي مكان أن يتقوا الله، وأن ينصروا دينه، وأن يحافظوا على شرعه، وأن يحذروا من كل ما يغضبه في أنفسهم، وفيمن تحت أيديهم وفي مجتمعهم كل على حسب طاقته كما قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦)
стр. 3062
فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لما فيه رضاه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، وأن يعيننا على حفظ أنفسنا من شر جميع أعدائنا، وأن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين جميعا لما يرضيه ولما يمكنهم من عدوهم ويعينهم عليه، وأن ينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل، وأن يجمع كلمتهم على التقوى، وأن يصلح جميع الشعوب الإسلامية وقادتهم، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن يعينهم على كل ما فيه رضاه، وأن ينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل، وأن يجعلهم من الهداة المهتدين إنه جل وعلا جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
стр. 3063
على الحكومات الإسلامية العودة إلى كتاب الله
وسنة رسوله ﷺ
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوتي في الله أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة وسائر ضيوفنا الكرام في هذا المجلس في رحاب بيت الله العتيق للنظر في شئون المسلمين والنصيحة لهم ودعوتهم إلى كل ما فيه سعادتهم ونجاحهم.
وإني بهذه المناسبة أرحب بإخواني أجمل ترحيب، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه صلاح البلاد والعباد، وأن يجعلنا جميعا من الهداة المهتدين، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم إنه جل وعلا جواد كريم.
стр. 3064
ثم إنه من المعلوم لدى الجميع ما ابتلي به المسلمون اليوم في أنحاء كثيرة في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي الصومال، وفي الفلبين، وفي مواطن كثيرة ابتلوا بشر كثير من أعدائهم، فهم في أشد الحاجة إلى الدعم والمساعدة والمساندة ضد أعداء الله، وسمعنا في كلمة خادم الحرمين الشريفين ما يشفي ويكفي من الدعوة إلى مناصرتهم ودعمهم والعناية بشئونهم من جميع المسلمين فجزاه الله خيرا وأجزل مثوبته على كلمته فهي كلمة مهمة نافعة ومفيدة.
وإني أؤيد ما تضمنته كلمته وفقه الله من وجوب التضامن بين المسلمين والتعاون على البر والتقوى والتناصح ضد الأعداء والتواصي بكتاب الله وسنة رسوله ﵊ والثبات عليها، ودعوة جميع الحكومات الإسلامية إلى تحكيم الشريعة والتحاكم إليها في جميع الشئون والاستقامة عليها، فهي الطريق الوحيد للنصر على الأعداء وجمع الكلمة والتعاون على البر والتقوى.
فقد استقام عليها سلفنا الصالح مع نبيهم ﷺ وبعده فنصرهم الله على عدوهم فكسروا كسرى، وكسروا قيصر وسادوا في البلاد وحكموا العباد وقادوهم إلى الخير وحكموا فيهم بشرع الله، وبسبب ذلك نصروا من ربهم .
ولا سبيل إلى هذا النصر وإلى هذا الجمع الصحيح والاتفاق الصحيح، لا سبيل إلى ذلك إلا بالعودة إلى ما كانوا عليه بالاستقامة على دين الله والنصر لدينه والحكم بشريعة الله، هذا هو الطريق الذي سلكه سلفنا الصالح، ويجب على الحكومات الإسلامية ويجب
стр. 3065
على العلماء التواصي بهذا الأمر والنصيحة لله ولعباده، وأن يحكم الولاة شرع الله في عباد الله، وأن يلزموا المسلمين بالاستقامة على دين الله قولا وعملا وعقيدة وأن يجتمعوا على الحق والهدى وأن ينصروا إخوانهم أينما كانوا، ويجب على الدول الإسلامية وأولياء المسلمين وعلى كل مسلم حسب طاقته أن ينصر إخوانه بكل ما يستطيع في فلسطين والبوسنة والهرسك والصومال والهند والفلبين وفي كل مكان، ويجب التعاون على البر والتقوى، يجب على المسلمين جميعا ولا سيما الحكومات الإسلامية والرؤساء يجب عليهم أن يبذلوا وسعهم في تحكيم شريعة الله وفي مساعدة إخوانهم في الله حتى ينتصروا على عدوهم وحتى يجتمع شملهم وحتى يأخذوا حقوقهم وافية كاملة، المسلمون شيء واحد وجسد واحد فالمؤمنون إخوة يجب الإصلاح بينهم ويجب دعمهم ومساعدتهم ضد عدوهم، ويجب التعاون على البر والتقوى في كل شأن، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (١) » ، ويقول الرسول ﵊: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٢) » ، ويقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٣) » معنى لا يسلمه: لا يخذله بل ينصره ويعينه على الحق وعلى عدوه الذي ظلمه.
ونصيحتي لكل المسلمين في كل مكان ولجميع الدول الإسلامية ولرؤسائهم وقادتهم والنصيحة للجميع أن يتقوا الله، وأن ينصروا دين الله، وأن يحكموا شرع الله فيما بينهم، وأن يلزموا
стр. 3066
الشعوب بذلك فهذا هو طريق العزة وطريق الكرامة وطريق الاجتماع على الحق وطريق النصر على الأعداء، ونصيحتي لهم أيضا أن يتقوا الله في مناصرة إخوانهم في كل مكان بالمال والسلاح والرجال في فلسطين والبوسنة والهرسك والصومال والفلبين والهند وفي كل مكان، ويجب على من كان حول المسلمين في كل مكان أن يعينهم بما يستطيع، فاتقوا الله ما استطعتم في نصرهم وإعانتهم وإنصافهم من عدوهم.
وأسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا إلى رضاه ويصلح أحوالهم وأعمالهم وقلوبهم، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفق حكام المسلمين جميعا للاستقامة على الحق وتحكيم شريعة الله والتحاكم إليها والثبات عليها والدعوة إليها بصدق وإخلاص، وأن يصلح أحوال المسلمين ويفقههم في الدين، وأن يوفق ولاة أمرنا وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين. . نسأل الله أن يوفقهم جميعا لما فيه رضاه، وأن ينصر بهم الحق، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعينهم على كل خير إنه جل وعلا جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 3067
إن الدين عند الله الإسلام
الحمد لله وحده وبعد:
فقد وردت إلينا الرسالة التالية:
سماحة الشيخ \ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
س: ظهرت في العصر الحديث فرقة انتشرت في أوربا وأمريكا انضم إليها عدد من المثقفين والمفكرين والمؤلفين المنتسبين إلى الإسلام. وتتلخص عقيدة هذه الفرقة بأن الديانات الكبرى كاليهودية والنصرانية والهندوكية والبوذية وغيرها هي أديان صحيحة ومقبولة عند الله . وأن المخلصين من أتباعها يصلون إلى الحق وينجون من النار ويدخلون الجنة دون حاجة في كل هذا إلى الدخول إلى الإسلام. .
أرجو من سماحتكم الرد على هذا الزعم.
والجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فهذا الزعم المذكور باطل بالنصوص من الكتاب والسنة وإجماع العلماء.
أما الكتاب فقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)
стр. 3068
وقوله في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما السنة فمنها قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢) » ، أخرجه مسلم في صحيحه.
وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ذكر منها وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (٣) » . ويدل على هذا المعنى من القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقوله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٦) الآية.
وقوله في سورة الأعراف في شأن نبيه محمد ﷺ : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٧) ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٨)
стр. 3069
وقد أجمع العلماء على أن رسالة محمد ﷺ عامة لجميع الثقلين، وأن من لم يؤمن به ويتبع ما جاء به فهو من أهل النار ومن الكفار سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو هندوكيا أو بوذيا أو شيوعيا أو غير ذلك.
فالواجب على جميع الثقلين من الجن والإنس أن يؤمنوا بالله ورسوله، وأن يعبدوا الله وحده دون ما سواه، وأن يتبعوا رسوله محمدا ﷺ حتى الموت. وبذلك تحصل لهم السعادة والنجاة والفوز في الدنيا والآخرة كما تقدم ذلك في الآيات السابقة والحديث الشريف.
وكما قال الله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) وقال في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وجميع الديانات المخالفة للإسلام فيها من الشرك والكفر بالله ما يخالف دين الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب
стр. 3070
وبعث به محمدا ﷺ خاتم الأنبياء وأفضلهم. . وفيها عدم الإيمان بمحمد ﷺ وعدم اتباعه، وذلك كاف في كفرهم واستحقاقهم غضب الله وعقابه وحرمانهم من دخول الجنة واستحقاقهم لدخول النار إلا من لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ . فهذا أمره إلى الله . والصحيح: أنه يمتحن يوم القيامة فإن أجاب لما طلب منه دخل الجنة وإن عصا دخل النار، وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ هذه المسألة وأدلتها في آخر كتابه: (طريق الهجرتين) تحت عنوان: طبقات المكلفين. فمن أراده فليراجعه ليستفيد منه الفائدة الكبيرة. . والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 3071
الركن الأول من أركان الإسلام: معناه ومقتضاه (١)
السؤال الأول: اشرحوا لنا لو تكرمتم معنى الركن الأول من أركان الإسلام وما يقتضيه ذلك المعنى، وكيف يتحقق من الإنسان وما حكم من جهل شيئا منه؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فإن الله بعث نبيه محمدا ﷺ إلى الناس عامة عربهم وعجمهم، جنهم وإنسهم، ذكورهم وإناثهم، يدعوهم إلى توحيد الله والإخلاص له وإلى الإيمان به ﵊ وبما جاء به وإلى الإيمان بجميع المرسلين وبجميع الملائكة والكتب المنزلة من السماء وباليوم الآخر وهو البعث والنشور والجزاء والحساب والجنة والنار وبالقدر خيره وشره، وإن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وكتبها ، وكل شيء يقع هو بقضاء الله وقدره ومشيئته النافذة ، وأمر الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، هذا هو أول شيء دعا إليه النبي ﷺ ، وهو الركن الأول من أركان الإسلام شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا
стр. 3072
رسول الله، فلما قال للناس: قولوا لا إله إلا الله وأمر أن يؤمنوا بأنه رسول الله ﵊ امتنع الأكثرون وأنكروا هذه الدعوة، وقالت له قريش ما ذكر الله عنهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١)
وقال سبحانه عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) فاستنكروا هذه الدعوة لأنهم عاشواعلى عبادة الأوثان والأصنام وعبادة هذه الآلهة مع الله ، فلهذا أنكروا دعوة الرسول ﵊ إلى توحيد الله والإخلاص له وهذا الذي دعا إليه ﷺ هو الذي دعت إليه الرسل جميعا كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت (٦) » ، وفي الصحيح أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ أتاه سائل يسأله في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه
стр. 3073
أثر السفر ولا يعرفه من الحاضرين أحد، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: «الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال: صدقت. قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال: أخبرني عن الإيمان. قال له: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: أخبرني عن الإحسان. قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (١) » الحديث.
ثم أخبرهم النبي ﷺ أن هذا السائل هو جبرائيل ﵇ أتاهم يعلمهم دينهم لما لم يسألوا أتاهم جبرائيل بأمر الله يسأل عن هذا الدين العظيم حتى يتعلموا ويستفيدوا، فدين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة الظاهرة.
أولها: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثانيها: إقام الصلوات الخمس.
ثالثها: أداء الزكاة.
رابعها: صوم رمضان.
خامسها: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وعلى أركان باطنة إيمانية بالقلب وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فلا بد من هذه الأصول وهي أن يؤمن المكلف بهذه الأصول الستة الباطنة التي تتعلق بالقلب، فيؤمن بأن الله ربه وإلهه وهو الحق ، ويؤمن بملائكة الله وبكتب الله التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها من الكتب المنزلة على الأنبياء، ويؤمن أيضا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده أولهم نوح وآخرهم محمد ﵊، وهم كثيرون بين الله بعضهم في القرآن العظيم، ويؤمن أيضا
стр. 3074
باليوم الآخر وهو البعث بعد الموت والحساب والجزاء وسائر أمور الآخرة فأهل الإيمان لهم السعادة والجنة، وأهل الكفر لهم الخيبة والندامة والنار، ولا بد من الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن الله قدر الأشياء وعلمها وكتبها وأحصاها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما في الوجود من خير وشر وطاعة ومعصية فقد سبق فيها علم الله وكتابه وقدره ، فالأصل العظيم الأول الذي جاءت به الرسل هو الإيمان بأن الله هو الإله الحق وهذا هو معنى شهادة ألا إله إلا الله، وهذا أصل أصيل أجمعت عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم دعوا إلى هذا الأصل الأصيل، وهو أن يؤمن الناس بأن الله هو الإله الحق وأنه لا معبود حق سواه وهذا هو معنى لا إله إلا الله أي: لا معبود حق إلا الله.
وما عبده الناس من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنبياء أو أولياء أو ملائكة كله باطل، فالعبادة الحق لله وحده كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٤) وقال :
стр. 3075
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١)
ولا بد مع هذا الأصل من الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام من عهد آدم ﵊ وما بعده، ففي عهد آدم على ذريته اتباع ما أوحى الله إليه وشرعه له من العلم والعمل وأساسه توحيد الله والإخلاص له والإيمان برسوله ونبيه آدم ﵊، وفي عهد نوح وما بعده على قومه الإيمان بنوح واتباع ما جاء به مع توحيد الله والإخلاص له.
ونوح ﵇ هو أول الرسل إلى أهل الأرض بعدما وقع منهم الشرك، وكان الناس قبل ذلك على التوحيد الذي بعث الله عليه آدم ﵊ وعلمه ذريته. وعلى قوم هود الإيمان بهود واتباع ما جاء به هود مع توحيد الله سبحانه، وفي عهد صالح على قوم صالح الإيمان بصالح واتباع ما جاء به مع توحيد الله، وهكذا في عهد كل رسول لا بد من توحيد الله والإيمان بأنه لا إله إلا الله، ولا بد مع ذلك من الإيمان بالرسول واتباع ما جاء به إلى عهد عيسى ﵊ آخر أنبياء بني إسرائيل وهو عيسى ابن مريم ﵊، ثم بعث الله خاتمهم وأفضلهم نبينا محمدا ﷺ فعيسى هو آخر أنبياء بني إسرائيل، ومحمد هو آخر الأنبياء وخاتم المرسلين جميعا ليس بعده نبي ولا رسول ﵊ وهو أفضل الرسل وهو إمامهم وهو خاتمهم، فلا بد في حق الأمة أمة محمد ﷺ جنها وإنسها عربها وعجمها ذكورها وإناثها أغنيائها وفقرائها حكامها ومحكوميها لا بد أن يؤمنوا بهذا النبي وبمن قبله من الأنبياء
стр. 3076
والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن لم يؤمن به فلا إسلام له ولا دين له فلا بد من الإيمان بأن الله هو الإله الحق وأنه لا إله حق إلا الله، ولا بد من الإيمان بمحمد ﷺ وأنه رسول الله حقا إلى جميع الناس، فمن لم يؤمن بهاتين الشهادتين فليس بمسلم، لا بد من الإيمان بهما واعتقاد معناهما وأن معنى لا إله إلا الله لا معبود حق إلا الله فلا يجوز أن يعبد مع الله ملك أو نبي أو شجر أو حجر أو جن أو صنم أو غير ذلك، فإذا قال يا رسول الله انصرني بعد موته ﷺ ، أو قال يا سيدي البدوي انصرني أو اشف مريضي، أو يا سيدي الحسين، أو يا سيدي عبد القادر، أو المدد المدد أو نحو ذلك فهذا كله شرك بالله يبطل معنى لا إله إلا الله يعني يبطل قولك لا إله إلا الله، لأنك لم تأت بالعبادة لله وحده بل أشركت مع الله غيره ودعوت مع الله غيره والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤) ويقول سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥)
ويقول النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة (٦) » ويقول جل وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٧) فلا بد من إخلاص العبادة لله وحده
стр. 3077
ومنها الدعاء، فإذا قلت للميت أو للشجر أو للصنم أغثني، انصرني، اشف مريضي إلى غير ذلك فإن هذا شرك أكبر بالله ناقض لقول لا إله إلا الله وهكذا من كذب الرسول محمدا ﷺ ، أو غيره من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو شك في رسالته، أو قال إنه للعرب دون العجم، أو قال إنه ليس خاتم النبيين بل بعده نبي، كل هذا كفر أكبر، وضلال، ونقض للإسلام، نسأل الله العافية.
ومن ذلك يعلم كفر القاديانية لإيمانهم بنبوة: الميرزا غلام أحمد وهو بعد النبي محمد ﷺ بقرون كثيرة، فلا بد من الإيمان بأن محمدا ﷺ هو رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس، ولا بد من الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ليس بعده نبي ولا رسول، وأن من ادعى النبوة بعده كمسيلمة الكذاب فهو كافر بالله كذاب، وهكذا الأسود العنسي في اليمن، وسجاح التميمية، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهم ممن ادعى النبوة بعده ﵊، فقد أجمع الصحابة ﵃ وأرضاهم على كفرهم وقاتلوهم بأنهم كذبوا معنى قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١) وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي (٢) » ﵊.
فهذه الشهادة التي هي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هي الأصل الأصيل، وهي الركن الأول من أركان الإسلام
стр. 3078
فلا إسلام إلا بهاتين الشهادتين قولا وعملا وعقيدة، فلو صلى وزكى وصام وحج وذكر الله كثيرا ولكنه لا يؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة فإنه يكون كافرا كالمنافقين، وهكذا من قال: إنه لا مانع من عبادة الأوثان والأصنام، وإنه لا مانع من عبادة البدوي أو الحسين أو الشيخ عبد القادر أو علي بن أبي طالب، أو غيرهم من الأنبياء أو الأولياء أو الملائكة أو الجن - من اعتقد أنها تجوز عبادتهم مع الله، وأنه يجوز أن يستغاث بهم وينذر لهم صار مشركا بالله وصار كلامه هذا وعقيدته هذه ناقضة لقول: لا إله إلا الله ومبطل لها لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وهكذا لو قال: إن محمدا ﷺ ليس بخاتم الأنبياء، أو ليس مرسلا للثقلين بل هو للعرب خاصة كان كافرا بالله بالنص وإجماع أهل العلم، فلا بد أن يؤمن المكلف بأنه رسول الله إلى جميع الثقلين، ولا بد أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء ليس بعده نبي ولا رسول هذا هو الأصل الأصيل، ثم بعد هذا يطالب المسلم بالصلاة وبالزكاة وبالصيام وبالحج وببقية الأوامر وترك النواهي، ولا بد مع الإيمان بأن محمدا رسول الله من التصديق بجميع الأنبياء الماضين، وأنهم أدوا الرسالة وبلغوها عليهم الصلاة والسلام، ولا بد أيضا مع هذا
стр. 3079
كله من التصديق بما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما كان وما سيكون في آخر الزمان وفي يوم القيامة.
стр. 3080
السؤال الثاني: ارتكاب بعض المعاصي ولا سيما الكبائر هل يؤثر على هذا الركن من أركان الإسلام
الجواب:
ارتكاب الكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق وأكل الربا والغيبة والنميمة وغير ذلك من الكبائر يؤثر في توحيد الله وفي الإيمان بالله ويضعفه ويكون ضعيف الإيمان، لكن لا يكفر بذلك خلافا للخوارج، فالخوارج تكفره وتجعله مخلدا في النار إذا مات على ذلك ولم يتب، فمن سرق أو عق والديه أو أكل الربا يجعلونه كافرا وإن لم يستحل ذلك وهذا غلط كبير من الخوارج، فأهل السنة والجماعة يقولون: ليس بكافر بل هو عاص وناقص الإيمان لكن لا يكفر كفرا أكبر بل يكون في إيمانه نقص وضعف ولهذا شرع الله في الزنا حدا إذا كان الزاني بكرا يجلد مائة ويغرب عاما، ولو كان الزنا ردة لوجب قتله فدل على أنه ليس بردة، والسارق لا يقتل بل تقطع يده فدل ذلك على أن هذه المعاصي ليست ردة ولا كفرا ولكنها ضعف في الإيمان ونقص في الإيمان فلهذا شرع الله تأديبهم وتعزيرهم بهذه الحدود ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم ويرتدعوا عما فعلوه من المعاصي.
وقالت المعتزلة: إنه في منزلة بين المنزلتين ولكن يخلد في النار إذا مات عليها، فخالفوا أهل السنة
стр. 3081
في تخليد أهل المعاصي في النار، ووافقوا الخوارج في ذلك، والخوارج قالوا: يكفر ويخلد في النار وهؤلاء قالوا: يخلد في النار ولكن لا نسميه كافرا يعني الكفر الأكبر، وكلتا الطائفتين قد ضلت عن السبيل.
والصواب قول أهل السنة والجماعة أنه لا يكون كافرا يعني كفرا أكبر ولكن يكون عاصيا ويكون ضعيفا ناقص الإيمان على خطر عظيم من الكفر، ولكن ليس بكافر إذا كان لم يستحل هذه المعصية بل فعلها وهو يعلم أنها معصية ولكن حمله عليها الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء هذا هو قول أهل الحق، ويكون تحت مشيئة الله إذا مات على ذلك إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على قدر معاصيه لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ثم بعد مضي ما حكم الله به على العاصي من دخول النار يخرجه الله إلى الجنة هذا هو قول أهل الحق وهذا الذي تواترت به الأخبار عن الرسول ﷺ خلافا للخوارج والمعتزلة كما تقدم.
أما من مات على الشرك الأكبر فإن الله لا يغفر له أبدا والجنة عليه حرام نعوذ بالله من ذلك وهو مخلد في النار أبد الآباد للآية المذكورة آنفا وغيرها من الآيات الدالة على خلود الكفار في النار نعوذ بالله من حالهم.
أما العاصي فإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها أبد الآباد بل يبقى فيها ما شاء الله وقد تطول مدته ويكون هذا خلودا لكنه خلود مؤقت ليس مثل خلود الكفار كما قال الله تعالى:
стр. 3082
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣) الآية، فهذا الخلود مؤقت له نهاية في حق القاتل والزاني إذا لم يعف الله عنهما ولم يتوبا. نسأل الله السلامة.
أما المشرك فإن خلوده في النار دائم كما قال الله سبحانه في حق المشركين: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٦) نعوذ بالله من حالهم.
стр. 3083
السؤال الثالث: هل يكفي النطق والاعتقاد بهذا الركن من أركان الإسلام أم لا بد من أشياء أخر حتى يكتمل إسلام المرء ويكتمل إيمانه؟ الجواب: هذا الركن يدخل به الكافر في الإسلام وذلك بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عن صدق وعن يقين وعن علم بمعناها وعمل بذلك إذا كان لا يأتي بهما في حال كفره، ثم
стр. 3084
يطالب بالصلاة وبقية الأركان وسائر الأحكام، ولهذا لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن قال له: «ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (١) » .
فلم يأمرهم بالصلاة إلا بعد التوحيد والإيمان بالرسول ﷺ ، فالكفار أولا يطالبون بالتوحيد والإيمان بالرسول ﷺ ، فإذا أقر الكافر بذلك وأسلم صار له حكم المسلمين، ثم يطالب بالصلاة وبقية أمور الدين، فإذا امتنع من ذلك صار له أحكام أخر، فمن امتنع عن الصلاة يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا وإن لم يجحد وجوبها في أصح قولي العلماء، وإن امتنع من الزكاة وكابر عليها وقاتل دونها فكذلك يقاتل كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة مع أبي بكر ﵁ وحكموا عليهم بالردة، فإن لم يقاتل دونها أجبره الإمام على تسليمها وعزره التعزير الشرعي الرادع لأمثاله، وهكذا يطالب المسلم بصوم رمضان، وحج البيت مع الاستطاعة وسائر ما أوجب الله عليه ويطالب أيضا بترك ما حرم الله عليه لأن دخوله في الإسلام والتزامه به يقتضي ذلك، ومن أخل بشيء مما أوجبه الله أو تعاطى شيئا مما حرم الله عومل بما يستحق شرعا، أما إن كان الكافر يأتي بالشهادتين في حال كفره كغالب الكفار اليوم فإنه يطالب بالتوبة مما أوجب كفره ولا يكتفي بنطقه بالشهادتين، لأنه ما زال يقولها في حال كفره لكنه لم يعمل بهما فإذا كان كفره بعبادة الأموات أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك
стр. 3085
من المخلوقات والاستغاثة بهم ونحو ذلك وجب عليه أن يتوب من ذلك وأن يخلص العبادة لله وحده وبذلك يدخل في الإسلام، وإذا كان كفره بترك الصلاة وجب عليه أن يتوب من ذلك وأن يؤديها فإذا فعل ذلك دخل في الإسلام.
وهكذا إذا كان كفره باستحلال الزنا أو الخمر وجب عليه أن يتوب من ذلك فإذا تاب من ذلك دخل في الإسلام.
وهكذا يطالب الكافر بترك العمل أو الاعتقاد الذي أوجب كفره فإذا فعل ذلك دخل في الإسلام.
وهذه مسائل عظيمة يجب على طالب العلم أن يعتني بها وأن يكون فيها على بصيرة وقد أوضحها أهل العلم في باب حكم المرتد، وهو باب عظيم يجب على طالب العلم أن يعتني به وأن يقرأه كثيرا.
والله ولي التوفيق،،