← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فالمقصود أن مقام العبودية، ومقام الرسالة هما أشرف المقامات، فإذا ذهبت الرسالة بفضلها، بقي مقام الصديقية بالعبادة. فأكمل الناس إيمانا وصلاحا وتقوى وهدى، هم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكمال علمهم بالله، وعبادتهم له، وذلهم لعظمته جل وعلا، ثم يليهم الصديقون ثم الشهداء، ثم الصالحون كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) ولا بد مع توحيد الله من تصديق رسله، ولهذا لما بعث الله نبيه محمدا ﵊، صار يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وإلى الإيمان بأنه رسوله ﵊. فلا بد من أمرين: توحيد الله والإخلاص، ولا بد مع ذلك من تصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام. فمن وحد الله، ولم يصدق الرسل فهو كافر، ومن صدقهم ولم يوحد الله فهو كافر، فلا بد من الأمرين: توحيد الله وتصديق رسله عليهم الصلاة والسلام. والاختلاف في هذا المقام هو في الشرائع، وأما توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، وتصديق رسله، فهو أمر لا اختلاف فيه بين الأنبياء، بل لا إسلام ولا دين ولا هدى ولا نجاة إلا بتوحيد الله ، وإفراده بالعبادة، والإيمان بما جاء به رسله عليهم الصلاة والسلام، جملة وتفصيلا.

стр. 492

فمن وحد الله جل وعلا، ولم يصدق نوحا في زمانه، أو إبراهيم في زمانه، أو هودا أو صالحا أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب أو من بعدهم إلى نبينا محمد ﷺ فهو كافر بالله ، حتى يصدق جميع الرسل، مع توحيده لله . فالإسلام في زمن آدم هو توحيد الله مع اتباع شريعة آدم ﵊، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله مع اتباع شريعة نوح ﵊، والإسلام في زمن هود هو توحيد الله مع اتباع شريعة هود ﵊، والإسلام في زمن صالح هو توحيد الله مع اتباع شريعة صالح ﵊، حتى جاء نبينا محمد ﷺ ، فكان الإسلام في زمانه هو توحيد الله مع الإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، واتباع شريعته. فاليهود والنصارى لما لم يصدقوا محمدا ﵊، صاروا بذلك كفارا ضلالا، وإن فرضنا أن بعضهم وحد الله، فإنهم ضالون كفار بإجماع المسلمين، لعدم إيمانهم بمحمد ﷺ ، فلو قال شخص إني أعبد الله وحده، وأصدق محمدا في كل شيء إلا في تحريم الزنا، بأن جعله مباحا، فإنه يكون بهذا كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، وهكذا لو قال: إنه يوحد الله ويعبده وحده دون كل من سواه، ويصدق الرسل جميعا، وعلى رأسهم محمد ﷺ إلا في تحريم اللواط، وهو إتيان الذكور، صار كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، بعد إقامة الحجة عليه إذا كان مثله يجهل ذلك، ولم ينفعه توحيده ولا إيمانه، لأنه كذب الرسول، وكذب الله في بعض الشيء.

стр. 493

وهكذا لو وحد الله، وصدق الرسل، ولكن استهزأ بالرسول في شيء، أو استنقصه في شيء أو بعض الرسل، صار كافرا بذلك، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ثم إن ضد هذا التوحيد هو الشرك بالله ، فإن كل شيء له ضد، والضد يبين بالضد قال بعض الشعراء: والضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتميز الأشياء فالشرك بالله ، هو ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالمشرك مشرك لأنه أشرك مع الله غيره، فيما يتعلق بالعبادة لله وحده، أو فيما يتعلق بملكه وتدبيره العباد، أو بعدم تصديقه فيما أخبر أو فيما شرع، فصار بذلك مشركا بالله، وفيما وقع منه من الشرك. وتوحيد الله الذي هو معنى لا إله إلا الله، يعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله بالحق، وتثبتها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٦)

стр. 494

فتوحيد الله هو إفراده بالعبادة عن إيمان، وعن صدق، وعن عمل، لا مجرد كلام. ومع اعتقاده بأن عبادة غيره باطلة، وأن عباد غيره مشركون، ومع البراءة منهم، كما قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٣) فتبرأ من عباد غير الله، ومما يعبدون. فالمقصود أنه لا بد من توحيد الله، بإفراده بالعبادة والبراءة من عبادة غيره، وعابدي غيره، ولا بد من اعتقاد وبطلان الشرك، وأن الواجب على جميع العباد من جن وإنس، أن يخصوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله هو الحاكم، ومن توحيده الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه كما قال جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٦)

стр. 495

وصرف بعض العبادة للأولياء أو الأنبياء أو الشمس والقمر، أو الجن أو الملائكة، أو الأصنام أو الأشجار أو غير ذلك، كل هذا ناقض لتوحيد الله، ومبطل له. وإذا علم أن الله سبحانه بعث نبيه محمدا ﷺ ، والأنبياء قبله إلى أمم يعبدون غير الله، منهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة، ومنهم من يعبد الكواكب إلى غير ذلك، فقد دعوهم كلهم إلى توحيد الله، والإيمان به سبحانه، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يبرأوا مما يخالفها، وأن يبرأوا من عابدي غير الله، ومن معبوداتهم، وأن من صرف بعض العبادة لغيره فما وحده كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وبهذا تعلم أن ما يصنع حول القبور المعبودة من دون الله. مثل قبر البدوي، والحسين بمصر وأشباه ذلك، وما يقع من بعض الجهال من الحجاج وغيرهم عند قبر النبي ﷺ من طلب المدد والنصر على الأعداء، والاستغاثة به والشكوى إليه ونحو ذلك، أن هذه عبادة لغير الله ، وأن هذا شرك الجاهلية الأولى، وهكذا ما قد يقع من بعض الصوفية من اعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرف في الكون ويدبر هذا العالم والعياذ بالله شرك أكبر في الربوبية. وهكذا ما يقع من اعتقاد بعض الناس، أن بعض المخلوقات له صلة بالرب ، وأنه يستغني بذلك عن متابعة الرسول

стр. 496

محمد ﷺ ، أو أنه يعلم الغيب، أو أنه يتصرف في الكائنات، وما أشبه ذلك، فإنه كفر بالله أكبر، وشرك ظاهر، يخرج صاحبه من الملة الإسلامية إن كان ينتسب إليها. فلا توحيد ولا إسلام ولا إيمان ولا نجاة إلا بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بأنه مالك الملك، ومدبر الأمور، وأنه كامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يقاس بخلقه ، فله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو مدبر الملك جل وعلا، لا شريك له، ولا معقب لحكمه. هذا هو توحيد الله، وهذا هو إفراده بالعبادة، وهذا هو دين الرسل كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) يعني: إياك نوحد ونطيع ونرجو ونخاف، كما قال ابن عباس ﵄: نعبدك وحدك، ونرجوك ونخافك. وإياك نستعين على طاعتك، وفي جميع أمورنا. فالعبادة هي توحيد الله والإخلاص له في طاعة أوامره، وترك نواهيه ، مع الإيمان الكامل بأنه مستحق للعبادة وأنه رب العالمين المدبر لعباده، والمالك لكل شيء، والخالق لكل شيء، وأنه الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا نقص فيه، ولا عيب فيه، ولا مشارك له في شيء من ذلك، ، بل له الكمال المطلق في كل شيء جل وعلا. ومن هذا نعلم أنه لا بد من تصديق الرسل جميعا فيما جاءوا به،

стр. 497

وعلى رأسهم نبينا محمد ﵊، وأنه متى أخلص العبد العبادة لله وحده، وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام، ولا سيما محمد ﷺ ، وانقاد لشرعه واستقام عليه، إلا في واحد أو أكثر من نواقض الإسلام فإنه تبطل عبادته، ولا ينفعه ما معه من أعمال الإسلام. فلو أنه صدق محمدا في كل شيء، وانقاد لشريعته في كل شيء لكن قال مع ذلك: مسيلمة رسول مع محمد - أعني مسيلمة الكذاب الذي خرج في اليمامة وقاتله الصحابة في عهد الصديق ﵁ بطلت هذه العقيدة، وبطلت أعماله ولم ينفعه صيام النهار، ولا قيام الليل، ولا غير ذلك من عمله. لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام، وهو تصديقه لمسيلمة الكذاب، لأن ذلك يتضمن تكذيب الله سبحانه في قوله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) كما تضمن تكذيب الرسول ﷺ في قوله ﷺ في الأحاديث المتواترة عنه ﵊، بأنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده. وهكذا من صام النهار، وقام الليل، وتعبد وأفرد الله بالعبادة، واتبع الرسول ﷺ ، ثم بعد ذلك في أي وقت من الأوقات صرف بعض العبادة لغير الله، كأن يجعل بعض العبادة للنبي، أو للولي الفلاني، أو للصنم الفلاني، أو للشمس أو للقمر أو للكوكب الفلاني أو نحو ذلك، يدعوه ويطلب منه النصر، ويستمد العون منه، بطلت أعماله التي سبقت كلها، حتى يعود إلى التوبة إلى الله

стр. 498

عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وهكذا لو آمن بالله في كل شيء، وصدق الله في كل شيء، إلا في الزنا، فقال: الزنا مباح أو اللواط مباح، أو الخمر مباحة، صار بهذا كافرا، ولو فعل كل شيء آخر من دين الله، فاستحلاله لما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، صار باستحلاله هذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولم تنفعه أعماله ولا توحيده لله عند جميع المسلمين. وهكذا لو قال: إن نوحا أو هودا، أو صالحا، أو إبراهيم أو إسماعيل أو غيرهم ليس بنبي، صار كافرا بالله، وأعماله كلها باطلة، لكونه بذلك قد كذب الله سبحانه فيما أخبر به عنهم. وهكذا لو حرم ما أحله الله، مع التوحيد والإخلاص والإيمان بالرسل، فقال مثلا: أنا ما أحل الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها مما أحله الله حلا مجمعا عليه، وقال إنها حرام يكون بهذا كافرا مرتدا عن الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إذا كان مثله قد يجهل ذلك. وصادف جنس من أحل ما حرم الله. أو قال: ما أحل الحنطة أو الشعير بل هما حرام، وما أشبه ذلك، صار كافرا، أو قال: إنه يستبيح البنت أو الأخت، صار بهذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولو صلى وصام وفعل باقي الطاعات، لأن واحدة من هذه الخصال تبطل دينه، كما قال

стр. 499

تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ونحن في زمان غلب فيه الجهل، وقل فيه العلم، وأقبل الناس إلا من شاء الله، على علوم أخرى وعلى مسائل أخرى، تتعلق بالدنيا، فقل علمهم بالله، وبدينه لأنهم شغلوا بما يصدهم عن ذلك، وصارت أغلب الدروس في أشياء تتعلق بالدنيا، أما التفقه في دين الله، والتدبر لشريعته سبحانه، وتوحيده، فقد أعرض عنه الأكثرون، وأصبح من يشتغل به اليوم هو أقل القليل. فينبغي لك يا عبد الله الانتباه لهذا الأمر، والإقبال على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، دراسة وتدبرا وتعقلا، حتى تعرف توحيد الله والإيمان به، وحتى تعرف ما هو الشرك بالله ، وحتى تكون بصيرا بدينك، وحتى تعرف ما هو سبب دخول الجنة والنجاة من النار، مع العناية بحضور حلقات العلم والمذاكرة مع أهل العلم والدين، حتى تستفيد وتفيد، وحتى تكون على بينة وعلى بصيرة في أمرك. والشرك شركان: أكبر وأصغر: فالشرك الأكبر ينافي توحيد الله، وينافي الإسلام، ويحبط الأعمال، والمشركون في النار، وكل عمل أو قول دلت الأدلة على أنه كفر بالله: كالاستغاثة بالأموات أو الأصنام، أو اعتقاد حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، أو تكذيب بعض رسله، فهذه الأشياء تحبط الأعمال، وتوجب الردة عن الإسلام، كما سبق بيان

стр. 500

ذلك. قال تعالى في أول سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١) فهنا قد بين الله أن الشرك لا يغفر، ثم علق ما دونه على المشيئة فأمره إلى الله ، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، على قدر المعاصي التي مات عليها، غير تائب، ثم بعد أن يطهر بالنار يخرجه الله منها إلى الجنة، بإجماع أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة، ومن سار على نهجهم. أما في آية الزمر، فعمم وأطلق فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) قال العلماء: هذه الآية في التائبين، أما آية النساء فهي في غير التائبين، ممن مات على الشرك مصرا على بعض المعاصي، وهي قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أما من مات على ما دون الشرك كالزنا والمعاصي الأخرى، وهو يؤمن أنها محرمة، ولم يستحلها ولكنه انتقل إلى الآخرة ولم يتب منها، فهذا تحت مشيئة الله عند أهل السنة والجماعة إن شاء الله غفر له، وأدخله الجنة لتوحيده وإسلامه، وإن شاء سبحانه عذبه على قدر المعاصي التي مات عليها بالنار من الزنا وشرب الخمر، أو عقوقه لوالديه، أو قطيعة أرحامه، أو غير ذلك من الكبائر كما سبق إيضاح ذلك.

стр. 501

وذهب الخوارج إلى أن صاحب المعصية مخلد في النار وهو بالمعاصي كافر أيضا، ووافقهم المعتزلة بتخليده في النار، ولكن أهل السنة والجماعة خالفوهم في ذلك ورأوا أن الزاني والسارق والعاق لوالديه وغيرهم من أهل الكبائر لا يكفرون بذلك، ولا يخلدون في النار، إذا لم يستحل هذه المعاصي، بل هم تحت مشيئة الله كما تقدم، فهذه أمور عظيمة ينبغي أن نعرفها جيدا، وأن نفهمها كثيرا، لأنها من أصول العقيدة. وأن يعرف المسلم حقيقة دينه، وضده من الشرك بالله تعالى، ويعلم أن باب التوبة من الشرك والمعاصي مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها. ولكن المصيبة العظيمة، وهي الغفلة عن دين الله، وعدم التفقه فيه، فربما وقع العبد في الشرك والكفر بالله وهو لا يبالي، لغلبة الجهل، وقلة العلم بما جاء به الرسول ﷺ من الهدى ودين الحق. فانتبه لنفسك أيها العاقل، وعظم حرمات ربك، وأخلص لله العمل، وسارع إلى الخيرات، واعرف دينك بأدلته، وتفقه في القرآن والسنة بالإقبال على كتاب الله، وبحضور حلقات العلم وصحبة الأخيار، حتى تعرف دينك على بصيرة. وأكثر من سؤال ربك الثبات على الهدى والحق، ثم إذا وقعت في معصية فبادر بالتوبة «فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون (١) » ، كما جاء في الحديث الصحيح، لأن المعصية نقص في الدين، وضعف في الإيمان.

стр. 502

فالبدار البدار إلى التوبة، والإقلاع والندم، والله يتوب على من تاب، وهو القائل سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٢) فالتوبة لا بد منها، وهي لازمة للعبد دائما، والرسول ﷺ يقول: «التوبة تهدم ما كان قبلها» ، فاستقم عليها، فكلما وقعت منك زلة فبادر بالتوبة والإصلاح، وكن متفقها في دينك، لا تشغل بحظك في الدنيا عن حظك من الآخرة، بل اجعل للدنيا وقتا، وللتعلم وللتفقه في الدين، والتبصر والمطالعة والمذاكرة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وحضور حلقات العلم ومصاحبة الأخيار غالب وقتك، فهذه الأمور هي أهم شأنك، وسبب سعادتك. وهناك نوع آخر وهو الشرك الأصغر مثل الرياء، والسمعة في بعض العمل أو القول، ومثل أن يقول الإنسان ما شاء الله وشاء فلان، والحلف بغير الله، كالحلف بالأمانة والكعبة والنبي وأشباه ذلك، فهذه وأشباهها من الشرك الأصغر، فلا بد من الحذر من ذلك، «قال النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت: أجعلتني لله ندا؟ ما شاء الله وحده (٣) » . وقال النبي ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان (٤) » . وقال ﷺ : «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٥) » وقال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون (٦) » وقال ﷺ : «من حلف بغير

стр. 503

الله فقد أشرك (١) » إلى غير هذا من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا المعنى، ومن ذلك قوله ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال الرياء (٢) » . وقد يكون الرياء كفرا أكبر إذا دخل صاحبه في الدين رياء ونفاقا، وأظهر الإسلام لا عن إيمان ولا عن محبة، فإنه يصير بهذا منافقا كافرا كفرا أكبر. وكذلك إذا حلف بغير الله، وعظم المحلوف به مثل تعظيم الله، أو اعتقد أنه يعلم الغيب، أو يصلح أن يعبد مع الله سبحانه، صار بذلك مشركا شركا أكبر. أما إذا جرى على اللسان، الحلف بغير الله كالكعبة، والنبي وغيرهما، بدون هذا الاعتقاد، فإنه يكون مشركا شركا أصغر فقط. وأسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة عليه، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ومن مضلات الفتن إنه تعالى جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 504

أنواع التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام دعاة للحق وهداة للخلق، بعثهم مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، ونصحوا لأممهم، وصبروا على أذاهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى أقام الله بهم الحجة وقطع بهم المعذرة. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤) فبين سبحانه في هذه الآيات أنه أرسل الرسل ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده وينذروهم عن الشرك به

стр. 505

وعبادة غيره، وقد بلغ الرسل عليهم الصلاة والسلام ذلك ودعوا إلى توحيد الله في عبادته فأرسوا لأممهم قواعد العدالة والبر والسلام، ونجحوا في مهمتهم غاية النجاح، لأن مهمتهم هي البلاغ والبيان، أما الهداية للقلوب وتوفيقها لقبول الحق فهذا بيد الله سبحانه ليس بيد الرسل ولا غيرهم كما قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) ولا سيما خاتمهم وإمامهم وأفضلهم نبينا محمد ﷺ ، فإنه قد نجح في دعوته أعظم نجاح، وأكمل الله له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعل شريعته شريعة كاملة عامة لجميع الثقلين منتطمة لجميع مصالحهم العاجلة والآجلة، كما قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥) وقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٦) وقد أجابهم الأقلون وكفر بهم الأكثرون جهلا وتقليدا للآباء والأسلاف، واتباعا للظن والهوى

стр. 506

كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (١) ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٢) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (٣) ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤) ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٥) ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (٦) ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٧) وقال تعالى لما ذكر اللات والعزى ومناة: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٨) والآيات في هذا المعنى كثيرة وقد يحمل بعضهم على التكذيب والمخالفة الحسد والبغي والاستكبار، مع كونه يعرف الحق كما جرى لليهود فإنهم يعرفون محمدا ﵊ كما يعرفون أبناءهم ولكن حملهم البغي والحسد وإيثار العاجلة على تكذيبه وعدم اتباعه وكما جرى لفرعون وقومه. قال الله تعالى عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (٩) الآية. وقال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٠) ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١١) وقال سبحانه عن كفار

стр. 507

قريش في تكذيبهم لمحمد ﷺ : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١) وقد كانوا يعرفونه في الجاهلية بالصدق والأمانة ويسمونه الأمين ويشهدون له بالصدق، فلما جاءهم بغير ما عليه آباؤهم وأسلافهم أنكروا عليه وكذبوه وعادوه وآذوه وقاتلوه، وهذه سنة الله في عباده مع الرسل ودعاة الحق يمتحنون ويكذبون ويعادون ثم تكون لهم العاقبة، كما شهدت بذلك الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة والوقائع المعروفة قديما وحديثا، وكما شهد هرقل عظيم الروم لما سأل أبا سفيان عن حال النبي ﷺ وسيرته وكيف الحرب بينهم وبينه فقال أبو سفيان: إنها بينهم وبينه سجال يدالون عليه ويدال عليهم فقال هرقل: هكذا الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. وقد وعد الله الرسل وأتباعهم بالنصر والتمكين وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة كما قال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٨) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٩) وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠)

стр. 508

وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة ومن تأمل سنة الله في عباده علم صحة ما دلت عليه هذه الآيات من جهة الواقع كما قد علم ذلك من جهة النقل وإنما يصاب أهل الإسلام في بعض الأحيان بسبب ما يحصل منهم من الذنوب والتفريط في أمر الله وعدم الإعداد المستطاع لأعدائهم ولحكم أخرى وأسرار عظيمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣) وقال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٤) ومن يتأمل دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام وحال الأمم الذين دعتهم الرسل يتضح له أن التوحيد الذي دعوا إليه ثلاثة أنواع، نوعان أقر بهما المشركون فلم يدخلوا بهما في الإسلام وهما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. أما توحيد الربوبية فهو الإقرار بأفعال الرب من الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه

стр. 509

فإن المشركين قد أقروا بذلك واحتج الله عليهم به، لأنه يستلزم توحيد العبادة ويقتضيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٣) المعنى فقل أفلا تتقون الإشراك به في عبادته وأنتم تعلمون أنه الفاعل لهذه الأشياء وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٥) ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٦) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٧) ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٩) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها دالة على إقرارهم بأفعال الرب سبحانه ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، كما تقدم لعدم إخلاصهم العبادة لله وحده وذلك حجة عليهم فيما أنكروه من توحيد العبادة لأن الخالق لهذه الأشياء التي أنكروها هو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. أما النوع الثاني وهو توحيد الأسماء والصفات فقد ذكر الله ذلك

стр. 510

في آيات كثيرات ولم ينكره المشركون سوى ما ذكر عنهم من إنكار الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (١) وهذا منهم على سبيل المكابرة والعناد وإلا فهم يعلمون أنه سبحانه هو الرحمن كما وجد ذلك في كثير من أشعارهم، قال الله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢) وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٥) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٧) وقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٩) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٠) وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١١) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها دالة على أن الله سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له في ذلك. وقد أجمع سلف الأمة على وجوب الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة من الأسماء والصفات وإقرارها كما جاءت، والإيمان بأن الله سبحانه موصوف بها على الحقيقة لا على المجاز على الوجه اللائق به لا شبيه له في ذلك ولا ند له ولا كفو ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وهو

стр. 511

الموصوف بمعانيها كلها على الكمال المطلق الذي لا يشابهه فيها أحد كما تقدم في قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وهذا النوع حجة قاطعة على استحقاق ربنا سبحانه العبادة كالنوع الأول. أما النوع الثالث فهو توحيد العبادة وهو الذي جاءت به الرسل، ونزلت الكتب بالدعوة إليه، والأمر بتحقيقه وخلق الله من أجله الثقلين، وفيه وقعت الخصومة بين الرسل وأممهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) وقال عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أن كل واحد منهم قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٧) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٨)

стр. 512

وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) الآية وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على أن الله سبحانه أرسل الرسل وأنزل الكتاب وخلق الخلق ليعبد وحده لا شريك له ويخص بالعبادة دون كل ما سواه. وقد تنوعت عبادة المشركين لغير الله، فمنهم من عبد الأنبياء والصالحين ومنهم من عبد الأصنام ومنهم من عبد الأشجار والأحجار ومنهم من عبد الكواكب وغيرها، فأرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لإنكار ذلك كله، ودعوة الخلق كلهم إلى عبادة الله وحده دون كل ما سواه فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به ولا يتوكل إلا عليه ولا يتقرب بالنذور والذبائح إلا له ، إلى غير ذلك من أنواع العبادة وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وقد زعم المشركون أنهم قصدوا بعبادة الأنبياء والصالحين واتخاذهم الأصنام والأوثان آلهة مع الله زعموا أنهم إنما أرادوا بذلك القربة والشفاعة إلى الله سبحانه فرد الله عليهم ذلك وأبطله بقوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٥)

стр. 513

ولما دعا نبينا محمد ﷺ قريشا وغيرهم من كفار العرب إلى هذا التوحيد أنكروه واحتجوا على ذلك بأنه خلاف ما عليه آباؤهم وأسلافهم كما قال سبحانه: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١) ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٤) قال الله سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) والآيات الدالة على كفرهم واستكبارهم وعنادهم كثيرة جدا قد سبق ذكر الكثير منها. فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه أن يبلغوا عن الله دينه بعلم وبصيرة، وأن يصبروا ولا ييأسوا وأن يتذكروا وعد الله رسله وأتباعهم بالنصر والتمكين في الأرض إذا نصروا دينه وثبتوا عليه واستقاموا على طاعة الله ورسوله، كما تقدم ذكر ذلك في الآيات المحكمات وكما جرى لنبينا محمد ﷺ فقد أوذي وعودي من القريب والبعيد فصبر كما صبر الرسل قبله واستمر في الدعوة إلى ربه وجاهد في الله حق الجهاد وصبر أصحابه وناصروه وجاهدوا معه حتى أظهر

стр. 514

الله دينه وأعز جنده وخذل أعداءه ودخل الناس في دين الله أفواجا، سنة الله في عباده، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (١) وتقدم قوله : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٣) الآية. وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين، ويجمع قلوبهم على الحق، وأن يفقههم في دينه، وأن يصلح قادتهم، ويجمعهم على الهدى، ويوفقهم لتحكيم شريعته والتحاكم إليها والحذر مما خالفها إنه جواد كريم. . وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 515

توحيد المرسلين وما يضاده من الكفر والشرك (١) الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين. أما بعد: فلما كان توحيد الله والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام، أهم الواجبات وأعظم الفرائض، والعلم بذلك أشرف العلوم وأفضلها، ولما كانت الحاجة إلى هذا الأصل الأصيل داعية إلى بيانه بالتفصيل رأيت إيضاح ذلك في هذه الكلمة الموجزة لشدة الحاجة إلى ذلك، ولأن هذا الموضوع العظيم جدير بالعناية، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يعيذنا جميعا من الخطإ والزلل. فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق: لا ريب أن التوحيد هو أهم الواجبات، وهو أول فريضة، وهو أول دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو زبدة هذه الدعوة كما بين ذلك ربنا في كتابه المبين، وهو أصدق القائلين، حيث يقول سبحانه عن جميع المرسلين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)

стр. 516

أوضح جل وعلا أنه بعث في جميع الأمم في كل أمة رسولا يقول لهم: اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت، هذه دعوة الرسل كل واحد يقول لقومه وأمته: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. المعنى: وحدوا الله، لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا فالأمم تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها، وتعرف كثيرا من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة، من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة، فالرسل تقول للناس: اخلصوا العبادة له، وحدوه بها، واتركوا عبادة ما سواه، وأعداؤهم وخصومهم يقولون: لا بل نعبده ونعبد غيره، ما نخصه بالعبادة. هذا هو محل النزاع بين الرسل والأمم. الأمم لا تنكر عبادته بالجملة، بل تعبده، ولكن النزاع هل يخص بها أم لا يخص؟ فالرسل بعثهم الله لتخصيص الرب بالعبادة، وتوحيده بها، دون كل ما سواه، لكونه المالك، القادر على كل شيء، الخلاق، الرزاق للعباد، العليم بأحوالهم، إلى غير ذلك. فلهذا دعت الرسل عليهم الصلاة والسلام جميع الأمم، إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له ، وترك عبادة ما سواه. وهذا هو معنى قوله : ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) قال ابن عباس ﵄ في هذا المعنى: العبادة هي

стр. 517

التوحيد. وهكذا قال جميع العلماء: إن العبادة هي التوحيد. إذ هو المقصود، والأمم الكافرة تعبد الله وتعبد معه سواه، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢) فتبرأ من معبوداتهم كلها إلا فاطره سبحانه، أي خالقه. فعلم أنهم يعبدونه، ويعبدون معه غيره. فلهذا تبرأ الخليل من معبوداتهم سوى خالقه وفاطره ، وهو الله ، وهكذا قوله : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ (٣) فعلم أنهم يعبدون الله، ويعبدون معه غيره. والآيات في هذا المعنى كثيرة، فعلمنا بذلك أن المقصود من دعوة الرسل تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها، لا يدعى إلا هو جل وعلا، ولا يستغاث إلا به، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يصلى إلا له، إلى غير ذلك من العبادات، فهو المستحق لها جل وعلا دون كل ما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله. هذا هو معناها عند أهل العلم لأن الآلهة موجودة بكثرة والمشركون من قديم الزمان: من عهد نوح يعبدون آلهة من دون الله منها: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وغير ذلك. وهكذا العرب عندها آلهة كثيرة. وهكذا الفرس والروم وغيرهم كلهم عندهم آلهة يعبدونها مع الله. فعلم بذلك أن المقصود

стр. 518

بقول: لا إله إلا الله هو المقصود بدعوة الرسل، وهو أن يوحد الله، ويخص بالعبادة دون كل ما سواه جل وعلا، ولهذا يقول سبحانه في كتابه المبين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١) فاتضح بذلك أن المقصود تخصيصه بالعبادة دون كل ما سواه، وأنه سبحانه المعبود الحق جل وعلا، وأن ما عبد من دونه معبود باطل، ولهذا قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢) أي وحدوا الله واجتنبوا الطاغوت، أي اتركوا عبادة الطاغوت، وابتعدوا عنها. والطاغوت: كل ما عبد من دون الله من الإنس والجن والملائكة، وغير ذلك من الجمادات، ما لم يكن يكره ذلك ولا يرضى به. والمقصود أن الطاغوت كل ما عبد من دون الله من الجمادات وغيرها، ممن يرضى بذلك، أما من لا يرضى بذلك كالملائكة والأنبياء والصالحين، فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم، وزينها للناس. فالرسل والأنبياء والملائكة، وكل صالح لا يرضى أن يعبد من دون الله أبدا، بل ينكر ذلك ويحاربه، فليس بطاغوت، وإنما الطاغوت كل ما عبد من دون الله ممن يرضى بذلك كفرعون وإبليس وأشباههما ممن يدعو إلى ذلك، أو يرضى به. وهكذا الجمادات من الأشجار والأحجار والأصنام المعبودة من دون الله، كلها تسمى طاغوتا بسبب عبادتها من دون الله.

стр. 519

وفي هذا المعنى يقول : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١) وهذه الآية مثل الآية السابقة، يبين فيها سبحانه أن دعوة الرسل جميعا هي الدعوة إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده جل وعلا دون كل ما سواه، ولو كان قوله لا إله إلا الله يكفي مع قطع النظر عن تخصيص الله بالعبادة والإيمان بأنه هو المستحق لها، لما امتنع الناس من ذلك، ولكن المشركين عرفوا أن قولها يبطل آلهتهم، وأن قولها يقتضي أن الله هو المعبود الحق، والمختص بذلك جل وعلا. فلهذا أنكروها وعادوها واستكبروا عن الاستجابة لها فاتضح بهذا أن المقصود من ذلك تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون جميع ما عبد من دونه ، من أنبياء أو ملائكة أو صالحين أو جن أو غير ذلك؛ لأن الله سبحانه هو المالك الرازق القادر المحيي المميت الخالق لكل شيء المدبر لأمور العباد، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا، وهو العليم بأحوالهم ، فلذلك بعث الرسل لدعوة الخلق إلى توحيده والإخلاص له، ولبيان أسمائه وصفاته، وأنه المستحق لأن يعبد ويعظم لكمال علمه، وكمال قدرته، وكمال أسمائه وصفاته، ولأنه النافع الضار، العالم بأحوال عباده السميع لدعائهم، الكفيل بمصالحهم جل وعلا، فهو المستحق لأن يعبد جل وعلا دون ما سواه ، وقد أخبر سبحانه عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)

стр. 520

فهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقد أجاب قوم هود نبيهم ﵊ بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٢) فقد علموا المعنى وعرفوه، وهو أن دعوة هود ﵊ تقتضي إخلاص العبادة لله وحده وخلع الأوثان المعبودة من دونه، ولهذا قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) فاستمروا على العناد والتكذيب، حتى نزل بهم العذاب نسأل الله العافية. والله سبحانه أنزل الكتب وأرسل الرسل ليعبد وحده لا شريك له، وليبين حقه لعباده، ويذكر للعباد ما هو موصوف به سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ليعرفوه جل وعلا بأسمائه وصفاته وعظيم إحسانه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه جل وعلا، وما ذاك إلا لأن توحيد الربوبية هو الأساس والأصل لتوحيد الإلهية والعبادة، فلهذا بعثت الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت الكتب السماوية من الله لبيان صفاته وأسمائه وعظيم إحسانه، وبيان استحقاقه أن يعظم ويدعى ويسأل جل وعلا، حتى تخضع الأمم لعبادته وطاعته، وحتى تنيب إليه، وحتى تعبده

стр. 521

دون كل ما سواه جل وعلا، وهذا موجود كثيرا في كتاب الله ، وقد ذكر الله ذلك عن كثير من رسله عليهم الصلاة والسلام فقال سبحانه: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) فبين ﵊ أنه معتمد على الله وأنه متوكل عليه جل وعلا، وأنه لا يبالي بتهديدهم وتخويفهم، وأنه لا بد له من تبليغ رسالات الله، فقد بلغ فعلا ﵊، فعرفهم بقدرة ربه وعظمته، وأنه هو المحيط بالجميع، والقادر على إنجائه، وعلى إهلاك أعدائه، كما أنه القادر على حفظ رسله وأنبيائه، وإحاطتهم بكلاءته، وإعانتهم على تنفيذ ما جاءوا به من الهدى، وأنزل في هذا سورة تتعلق بنوح ﵊ حيث قال جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥) ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (٦) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (٨) ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (٩) ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (١٠) ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ (١١) ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (١٢) ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١٣) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١٤) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (١٥) ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (١٦) ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (١٧)

стр. 522

فأوضح سبحانه على لسان نبيه نوح ﵊ شيئا من صفاته ، وأنه الذي يمدهم بما يمدهم به من الأرزاق والخير الكثير، والنعم العظيمة، وأنه المستحق لأن يعبد ويطاع، ويعظم جل وعلا. وقال عن هود ﵊، وعن قومه في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (٣) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٤) ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (٦) ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٧) ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (٨) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٩) ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ (١٠) ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ (١١) ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٢) ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٣) فأوضح الله جل وعلا على لسان نبيهم هود ﵊ كثيرا من النعم التي أنعم بها عليهم جل وعلا، وأنه رب الجميع، وأن الواجب عليهم الخضوع له وطاعة رسوله وتصديقه، ولكنهم أبوا واستكبروا فنزل بهم عذاب الله من الريح العقيم. وقال عن صالح ﵇: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٤) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١٥) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٦) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٧) ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٨) ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ (١٩) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٢٠) ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (٢١) ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٢٢) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٢٣) ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢٤) ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (٢٥) الآيات.

стр. 523

فبين صالح ﵊ ما يتعلق بالله، وأنه رب العالمين، وأنه أعطاهم ما أعطاهم من النعم. فكان الواجب عليهم الرجوع إليه وتصديق رسوله صالح، وطاعته فيما جاء به، وأن لا يطيعوا المسرفين المفسدين في الأرض، ولكنهم لم يبالوا بهذه النصيحة، ولم يبالوا بهذا التوجيه، بل استمروا في عنادهم وضلالهم وكفرهم حتى أهلكهم الله بالصيحة والرجفة، نسأل الله العافية. وذكر أيضا عن خليله إبراهيم ﵊ شيئا من صفاته ، وأنه ذكرها لقومه لينيبوا إلى الله وليعبدوه ويعظموه حيث قال في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٢) ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (٣) ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (٤) ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٥) ينبغي الوقفة عند هذا فإن الله سبحانه بهذا يبين لهم أن هذه الأصنام لا تصلح للعبادة، لأنها لا تسمع ولا تجيب الداعي، ولا تنفع ولا تضر، لأنها جماد لا إحساس لها بحاجة الداعين وسؤالهم

стр. 524

وما لديهم من ضرورات، فكيف تدعى من دون الله، فلهذا قال: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ (١) ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٢) ماذا أجابوا؟ حاروا وحادوا عن الجواب، لأنهم يعلمون أن هذه الآلهة ليس عندها نفع ولا ضر، وليست تسمع دعاء الداعين ولا تجيبه. فلهذا قالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣) ولم يقولوا إنهم يسمعون أو ينفعون أو يضرون. بل حادوا عن الجواب وأتوا بجواب يدل على الحيرة والشك، بل والاعتراف بأن هذه الآلهة لا تصلح للعبادة، فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٤) يعني سرنا على طريقتهم وسبيلهم من غير نظر فيما قلت لنا. وهذا معنى قوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٥) هذه طريقتهم الملعونة الخبيثة التي سلكوها واحتجوا بها، وساروا عليها، نسأل الله السلامة، ثم قال لهم الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ (٦) ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ (٧) ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨) مراده بذلك معبوداتهم من الأصنام. ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) فقوله: إلا رب العالمين، يدلنا على أنه كان ﵊، يعلم أنهم يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ولهذا استثنى ربه، فقال: إلا رب العالمين، كما

стр. 525

في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (١) فعلم بذلك أن المشركين يعبدون الله، ويعبدون معه سواه، ولكن النزاع بينهم وبين الرسل في تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون كل ما سواه جل وعلا. ثم قال بعد ذلك في بيان صفات الرب: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٥) هذه أفعال الرب جل وعلا: يشفي المرضى ويميت ويحيي، ويطعم ويسقي، ويهدي من يشاء، وهو الخلاق القادر على مغفرة الذنوب وستر العيوب فلهذا استحق العبادة على عباده جل وعلا، وبطلت عبادة كل ما سواه، لأنهم لا يخلقون ولا يرزقون ولا ينفعون ولا يضرون ولا يعلمون المغيبات ولا يستطيعون لداعيهم أن يقدموا شيئا نفعا أو ضرا، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٦) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٧) فبين عجزهم، وبين أن دعوتهم من دون الله شرك بالله ، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (٨) فبين سبحانه عجز هذه الآلهة جميعها، وبين أنهم بهذا الدعاء قد أشركوا بالله . وهنا قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٩) يعني أطمع أنه سبحانه يغفر لي خطيئتي يوم

стр. 526

الدين، فهو جل وعلا ينفع في الدنيا، وينجي في الآخرة، أما هذه الأصنام فلا تنفع لا في الدنيا ولا في الآخرة. بل تضر ولهذا قال عن خليله إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١) ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢) ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٣) ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٤) هذا كله يدل على الإيمان بالآخرة والدعوة إلى ذلك، وتنبيه العباد على أن هناك آخرة لا بد من المصير إليها، وهناك جزاء وحسابا، ولهذا قال بعده: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٥) ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٦) دعا له بالمغفرة قبل أن يعلم حاله، فلما علم حاله تبرأ منه، كما قال في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨) فبين ﵊ أن العبادة حق الله، وأنه يجب أن يتقى ويعبد ، وأن الذي فعلوه إفك لا أساس له، وأن معبوداتهم لا تملك لهم رزقا أبدا، كما أنها لا تنفعهم ولا تضرهم فهي أيضا لا تملك لهم رزقا، بل الله جل وعلا هو الرزاق، ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (٩) فهو سبحانه الذي يعبد ويطلب الرزق منه جل وعلا، دون كل ما سواه ، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٠) فالمرجع إليه وهو

стр. 527

سبحانه المالك لكل شيء، والقادر على كل شيء، والمستحق لأن يشكر لكمال إنعامه وإحسانه، وهو الذي يطلب منه الرزق جل وعلا، ولهذا قال في آيات أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١) وقال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) والآيات الدالة على أن الله سبحانه أمر الرسل أن يوجهوا العباد إليه وأن يعرفوهم بخالقهم ورازقهم وإلاههم سبحانه كثيرة جدا، موجودة في كتاب الله، من تأمل القرآن وجد ذلك واضحا بينا، فالرسل أفصح الناس وأعرف الناس بالله عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم نشاطا في الدعوة إليه، فليس هناك من هو أصبر منهم على الدعوة ولا أعلم منهم بالله، ولا أحب لهداية الأمم منهم عليهم الصلاة والسلام. ولهذا بلغوا رسالات الله أكمل تبليغ وأتمه، وبينوا للناس صفات الخالق المعبود وأسماءه سبحانه وأفعاله، وفصلوها كي يعلم العباد ربهم، وحتى يعرفوه بأسمائه وصفاته وعظيم حقه على عباده، وحتى ينيبوا إليه عن بصيرة وعلم. ومن هذا ما ذكره الله عن موسى ﵊ حيث قال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ (٤) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٥) ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ (٦) ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (٧) ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (٨) ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩) أمره أن يبين له أنه رسول رب

стр. 528

العالمين، لعله يتذكر فينيب إلى الحق لكنه لم يتذكر بل أعرض عن ذلك وقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١) ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٣) ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤) ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٥) ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٧) ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ (٨) ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٩) ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (١٠) ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١١) فانظروا كيف يبين له موسى ﵊ صفات الرب ، وأنه رب العالمين ورب السماوات ورب الأرض وما بينهما، ورب الخلائق كلها ورب المشرق والمغرب، حتى يعلم عدو الله هذه الصفات لعله يرجع إلى الحق والصواب، ولكن سبق في علم الله أنه يستمر على طغيانه وضلاله ويموت على كفره وعناده، نسأل الله العافية. وبين الله لهارون وموسى أنه معهما يسمع ويرى، وأنه حافظهما وناصرهما ومؤيدهما، فلهذا أقدما على دعوة هذا الجبار العنيد المتكبر المتغطرس الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١٢) فصانهما وحماهما من شره وكيده. ولا شك أن هذا كله من حفظ الله وعنايته برسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام: رجل متكبر طاغية ملك لعين يدعي أنه رب

стр. 529

العالمين، ومع هذا أقدما على دعوته وبيان حق الله عليه، وأنه الواجب عليه أن ينيب إلى الله، ولكنه أبى واستكبر، ثم دعا إلى ما دعا إليه من جمع السحرة والسحر إلى غير ذلك، حتى أبطل الله كيده وأظهر عجزه ونصر موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام عليه وعلى سحرته، ثم صارت العاقبة لما استمر في الطغيان أن أغرقه الله وجميع جنده في البحر، وخلص موسى وهارون ومن معهما من بني إسرائيل. هذه من آيات الله البالغة، في انتقام الله من أعدائه ونصره لأوليائه: رجلان ليس معهما إلا جماعة مستعبدون لفرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويسومهم سوء العذاب، يقدمان على دعوة ملك جبار، وبيان الحق له، وإنكار ما هو عليه من الباطل، فيحميهما الله من ظلمه وبطشه، بل ويثبتهما ويؤيدهما جل وعلا، وينطقه بما يقيم الحجة عليه، ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ (١) ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٢) ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ (٣) ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٤) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (٥) ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (٦) ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (٧) والمقصود أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بينوا الحق وأوضحوه وبينوا أسماء الرب وصفاته الدالة على قدرته العظيمة واستحقاقه العبادة وأنه الخالق المالك الرازق المحيي المميت المدبر لكل شيء

стр. 530

جل وعلا، وبينوا أيضا علو الله وفوقيته على خلقه. ولهذا قال فرعون لوزيره هامان ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (١) ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٢) أخبره أن الله فوق السماء جل وعلا. ولهذا أراد هذا الجبار أن يتطاول بهذا الكلام القبيح الساقط الذي لا قيمة له. ومن هذا ما ذكره الله جل وعلا عن عيسى ﵊ والحواريين في سورة المائدة حيث قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤) ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٥) ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ففي هذا بيان شيء من قدرة الله جل وعلا، وأنه سبحانه القادر على كل شيء، وأنه سبحانه في العلو، لأن الإنزال يكون من الأعلى إلى الأسفل، فإنزال المائدة وطلب إنزالها، كل ذلك دليل على أن القوم قد عرفوا أن ربهم في العلو، فهم أعرف بالله وأعلم به من الجهمية وأضرابهم ممن أنكر العلو. فالحواريون طلبوا ذلك وعيسى بين لهم ذلك والله بين ذلك أيضا، ولهذا قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ (٧) فدل ذلك على أن ربنا جل وعلا يطلب من
следующие страницы →