← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

الجمعة على أقوال كثيرة أرجحها: أنها تقام بثلاثة فأكثر لعدم الدليل على اشتراط ما فوق ذلك، وأجمعوا أنه ليس من شرطها أن يكون الإمام عدلا ولا معصوما بل يجب أن تقام مع البر والفاجر ما دام مسلما لم يخرجه فجوره عن دائرة الإسلام. وبهذا يعلم أن الطائفة التي لا تقيم صلاة الجمعة إلا بشرط أن يكون الإمام عدلا أو معصوما قد ابتدعت في الدين ما لم يأذن به الله واشترطت شرطا لا أصل له في الشرع المطهر، وكان بعض أهل العلم يرى أن الجمعة لا تقام في القرى الصغيرة وإنما تقام في الأمصار الجامعة، ولكن هذا القول ضعيف ولا وجه له في الشرع المطهر وهو مروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ولكن لم يصح ذلك عنه، وقد أقيمت صلاة الجمعة في المدينة المنورة بعد ما هاجر إليها أول المسلمين وهي ليست مصرا جامعا وإنما تعتبر من القرى، ثم أقامها النبي ﷺ لما قدم المدينة ولم يزل يقيمها حتى توفي ﵊، وأقيمت صلاة الجمعة في البحرين في قرية يقال لها جواثا في عهده ﷺ فلم ينكر ذلك ﵊. والخلاصة: أن الواجب هو إقامة صلاة الجمعة في القرى والأمصار؛ عملا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وتحصيلا لما في إقامتها من المصالح العظيمة التي من جملتها

стр. 6477

جمع الناس على الخير ووعظهم وتذكيرهم وتعليمهم ما ينفعهم وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.

стр. 6478

حكم صلاة السجناء جمعة وجماعة خلف إمام واحد وهم في عنابرهم (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى فضيلة الأخ المكرم مدير إدارة الشئون الدينية بالأمن العام وفقه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فأشير إلى كتابكم رقم ٢٧٥\ د وتاريخ ١ \ ٥ \ ١٤٠٥ هـ ومشفوعه الذي تستفسرون فيه عن حكم صلاة السجناء جمعة وجماعة خلف إمام واحد يتقدمهم، وهم في عنابرهم بواسطة مكبر الصوت. ونظرا إلى أن المسألة عامة ومهمة رأيت عرضها على مجلس هيئة كبار العلماء وقد اطلع عليها المجلس في دورته السادسة والعشرين المنعقدة في الطائف في ٢٥ \ ١٠ \ ١٤٠٥ هـ إلى ٧ \ ١١ \ ١٤٠٥ هـ وبعد دراسة المسألة واطلاعه على أقوال أهل العلم في الموضوع: أفتى بعدم الموافقة على جمع السجناء على إمام واحد في صلاة الجمعة والجماعة وهم داخل عنابر السجن يقتدون به بواسطة مكبر الصوت، لعدم وجوب

стр. 6479

صلاة الجمعة عليهم حيث لا يمكنهم السعي إليها، واتفاقا مع فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رقم ٧٦٢ وتاريخ ١١ \ ١٠ \ ١٣٨٨ هـ بعدم وجوب إقامتها في السجن، ولأسباب أخرى. لكن من أمكنه الحضور لأداء صلاة الجمعة في مسجد السجن إذا كان فيه مسجد تقام فيه صلاة الجمعة صلاها مع الجماعة، وإلا فإنها تسقط عنه ويصليها ظهرا، وكل مجموعة تصلي الصلوات الخمس جماعة داخل عنبرهم إذا لم يمكن جمعهم في مسجد أو مكان واحد. فآمل الاطلاع والإحاطة، وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 6480

مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة (١) . س: الأخ م. ع. ج، من مصر يقول: لاحظت في بلدكم المملكة العربية السعودية أنه يوجد أذانان للجمعة وهذا غير صحيح إذ أنه كان إذا صعد الإمام المنبر أذن بين يديه أذان واحد وجميع كتب السنة تؤيد ذلك. فأرجو أن تحولوا هذا إلى الجهات المختصة كدار الإفتاء التي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ليحق الله الحق ويبطل الباطل. . ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فالأمر كما قال السائل كان على عهد رسول الله ﷺ أذان واحد مع الإقامة، كان إذا دخل النبي ﷺ للخطبة والصلاة أذن المؤذن ثم خطب النبي ﷺ الخطبتين ثم يقام للصلاة. هذا هو الأمر المعلوم والذي جاءت به السنة كما قال السائل وهو أمر معروف عند أهل العلم والإيمان، ثم إن الناس

стр. 6481

كثروا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في المدينة فرأى أن يزاد الأذان الثالث، ويقال له: الأذان الأول لأجل تنبيه الناس على أن اليوم يوم جمعة حتى يستعدوا ويبادروا إلى الصلاة قبل الأذان المعتاد المعروف بعد الزوال وتابعه بهذا الصحابة الموجودون في عهده، وكان في عهده علي ﵁ وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ﵃ وغيرهم من أعيان الصحابة وكبارهم، وهكذا سار المسلمون على هذا في غالب الأمصار والبلدان تبعا لما فعله الخليفة الراشد ﵁ وتابعه عليه الخليفة الراشد الرابع علي ﵁ وهكذا بقية الصحابة. فالمقصود أن هذا حدث في خلافة عثمان وبعده واستمر عليه غالب المسلمين في الأمصار والأعصار إلى يومنا هذا، وذلك أخذا بهذه السنة التي فعلها عثمان ﵁ لاجتهاد وقع له ونصيحة للمسلمين ولا حرج في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (١) » . وهو من الخلفاء الراشدين ﵁ والمصلحة ظاهرة في ذلك فلهذا أخذ بها أهل السنة والجماعة ولم يروا بهذا بأسا لكونه

стр. 6482

من سنة الخلفاء الراشدين عثمان وعلي ومن حضر من الصحابة ذلك الوقت ﵃ جميعا. س: متى شرع الأذان للجمعة مرتين وبأي سبب، وهل صحيح أن عليا ﵁ رد الأذان إلى واحد، سمعت في مكة أن السعودية يؤذنون أذانين كيف ذلك لأن السعودية دولة سنية كيف تعمل على البدعة؟ . (١) . ج: بدأ الأذان للجمعة مرتين في عهد عثمان ﵁ والسبب كثرة الناس، وقد صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى في ذلك هذا نصها: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (٢) » الحديث. والنداء يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كانت خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان ﵁ يوم الجمعة بالأذان الأول، وليس ببدعة لما سبق من الأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، والأصل في ذلك

стр. 6483

ما رواه البخاري والنسائي والترمذي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له: عن ابن شهاب أخبرني السائب بن يزيد أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك (١) . وقد علق القسطلاني في شرحه للبخاري على هذا الحديث بأن النداء الذي زاده عثمان هو عند دخول الوقت سماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة وأطلق على الإقامة أذان تغليبا بجامع الإعلام فيهما، وكان هذا الأذان لما كثر المسلمون فزاده عثمان ﵁ اجتهادا منه ووافقه سائر الصحابة بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا. وبالله التوفيق.

стр. 6484

حكم إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر في بلد واحد الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وآله وصحبه. أما بعد، فقد ورد إلينا سؤال مهم هذا نصه: س: ما حكم إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر من المدينة أو الحارة مع بيان الدليل الشافي؟ ج: اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة إلا من حاجة؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته ﷺ سوى جمعة واحدة، وهكذا في عهد خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين، وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام، وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغب فيها من جهة الشرع المطهر، لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة

стр. 6485

الجمعة والعيد من التعاون على البر والتقوى وإقامة شعائر الإسلام، ولما في ذلك أيضا من الاختلاف بينهم والمودة والتعارف والتفقه في الإسلام وتأسي بعضهم ببعض في الخير، ولما في ذلك أيضا من زيادة الفضل والأجر بكثرة الجماعة وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم باتحاد الكلمة وعدم الفرقة. وقد وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة في الحث على الاجتماع والائتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف فمن ذلك قول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم (٣) » .

стр. 6486

ومما تقدم يتضح لكم أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة أو القرية على جمعة واحدة كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك من دون مشقة للأدلة المتقدمة والأسباب السالفة والمصلحة الكبرى في الاجتماع. أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين أو أكثر في البلد أو الحارة الكبيرة فلا بأس بذلك في أصح قولي العلماء، وذلك مثل: أن تكون البلد متباعدة الأطراف ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجد واحد فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين أو أكثر على حسب الحاجة، وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجد واحد فلا بأس أن يقام فيها جمعتان كالقرية، ولهذا لما بنيت بغداد وكانت واسعة الأرجاء أقيم فيها جمعتان إحداهما في الجانب الشرقي والثانية في الجانب الغربي وذلك في وسط القرن الثاني بحضرة العلماء المشهورين ولم ينكروا ذلك لدعاء الحاجة إليه، ولما قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين خلافته: إن في الكوفة ضعفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمر من يقيم لهم صلاة العيد بالبلد وصلى- ﵁ بجمهور الناس في الصحراء. فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة فالجمعة مثله بجامع المشقة والحاجة والرفق بالمسلمين، وقد نص الكثير من

стр. 6487

العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة، قال موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة ﵀ في كتابه (المغني) ص ١٨٤، الجزء الثاني، عند قول أبي القاسم الخرقي ﵀: (وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة) ما نصه: (وجملته أن البلد متى كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبار جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها، وهذا قول عطاء، وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها؛ لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذا الخلفاء بعده ولو جاز لم يعطلوا المساجد حتى قال ابن عمر ﵄: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام) . ثم قال الموفق- ﵀: (ولنا أنها صلاة شرع لها

стр. 6488

الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد، وقد ثبت أن عليا ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم، فأما ترك النبي ﷺ إقامة الجمعتين فلغناهم عن إحداهما؛ لأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعا، وقول ابن عمر يعني: أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير. وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود فلا وجه له، قال أبو داود: سمعت أحمد ﵀ يقول: أي حد كان يقام بالمدينة؟ قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون، فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز في أكثر من واحد، وإن حصل الغنى باثنين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر، قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه ويجزئ ذلك من التجمع في المسجد الأكبر، وما عليه الجمهور أولى إذ لم ينقل عن النبي ﷺ وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة واحدة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل) انتهى

стр. 6489

كلامه ﵀. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن صلاة الجمعة في جامع القلعة بدمشق هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى أم لا؟ فأجاب: (نعم يجوز أن يصلى فيها جمعة؛ لأنها مدينة أخرى كمصر والقاهرة، ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء) انتهى كلامه ﵀. وبما ذكرنا يتضح للسائل جواز إقامة جمعتين فأكثر في بلد واحدة إذا دعت الحاجة إلى ذلك، إما لضيق المسجد الواحد وعدم اتساعه لأهل البلد، أو لسعة البلد وتباعد أطرافها والمشقة الشديدة عليهم في تجميعهم في مسجد واحد، ومثل ذلك لو كان أهل البلد قبيلتين أو أكثر وبينهم وحشة ونزاع ويخشى من اجتماعهم قيام فتنة بينهم وقتال فيجوز لكل قبيلة أن تجمع وحدها ما دامت الوحشة قائمة، وهكذا ما يشبه ذلك من الأسباب. وهنا مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها وهي: أن بعض

стр. 6490

الناس في العصور المتأخرة إذا كان في البلد جمعتان أو أكثر يصلون الظهر بعد صلاة الجمعة ويزعمون أن في ذلك احتياطا خوفا من عدم صحة إحدى الجمعتين، وهذا في الحقيقة منكر ظاهر وحدث في الإسلام لا يجوز الإقرار عليه وقد أنكره من أدركه من محققي العلماء؛ لأن الله سبحانه إنما أوجب على المسلمين في يوم الجمعة وغيرها خمس صلوات وهؤلاء يوجبون على الناس يوم الجمعة ست صلوات، وهكذا لو لم يوجبوا ذلك وإنما استحبوه أو أباحوه فكل ذلك لا يجوز؛ لأنه من البدع المحدثة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في خطبة الجمعة: «خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (١) » أخرجه مسلم في صحيحه، وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » . وفي لفظ لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) »

стр. 6491

والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعا للفقه في دينه والتمسك بشريعته والحذر مما خالف ذلك إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين. أملاه الفقير إلى عفو ربه عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 6492

حكم إقامة صلاة الجمعة في القرى (١) . من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى الأخوين الكريمين: ع. ع. ف. وم. ص. وفقهما الله لقول الحق والعمل به وزادهما من العلم والإيمان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وصلني كتاباكما وتأملت ما ذكرتما فيهما من اختلاف بينكما في حكم إقامة صلاة الجمعة في القرى وتحكيمكما لي في هذا، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى وأنصار الحق، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه إنه خير مسئول، ولا يخفى أن الحق ضالة المؤمن متى وجدها أخذها، ولا يخفى أيضا أن المرجع في مسائل الخلاف هو كتاب الله وسنة رسوله وصفوته من خلقه نبينا محمد ﷺ ، كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢)

стр. 6493

وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وقال . ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢) وقد تأملت أدلة الفريقين القائلين بوجوب إقامة صلاة الجمعة في القرى والقائلين بعدم وجوبها وعدم صحتها، ورأيت أدلة أصحاب القول الأول وهم الجمهور أوضح وأكثر وأصح، ومما يوضح ذلك أن الله سبحانه فرض على عباده إقامة صلاة الجمعة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣) الآية. وقول النبي ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (٤) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. ولأن النبي ﷺ أقام صلاة الجمعة في المدينة وهي في أول الهجرة في حكم القرى، وأقر أسعد بن

стр. 6494

زرارة على إقامة صلاة الجمعة في نقيع الخضمات وهو في حكم القرية ولم يثبت أنه ﷺ أنكر ذلك، والحديث في ذلك حسن الإسناد ومن أعله بابن إسحاق فقد غلط؛ لأنه قد ثبت تصريحه بالسماع فزالت شبهة التدليس، ولأنه صلى الله عليه وسلام قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي (١) » وقد رأيناه صلى الجمعة في المدينة من حين هاجر إليها، ولأنه ﷺ أقر أهل (جواثا) وهي قرية من قرى البحرين على إقامة صلاة الجمعة، والحديث بذلك مخرج في صحيح البخاري. ولأنها إحدى الصلوات الخمس في يوم الجمعة فوجب أداؤها على أهل القرى كأهل الأمصار، وكصلاة الظهر في حق الجميع في غير يوم الجمعة، وإنما تركت إقامتها في البادية والسفر لعدم أمره ﷺ للبوادي والمسافرين بإقامتها. ولأنه ﷺ لم يقمها في السفر فوجبت إقامتها فيما سوى ذلك ومعلوم أن الذي سوى ذلك هو القرى والأمصار؛ ولأن في إقامتها مصالح عظيمة من جمع أهل القرية في مسجد واحد ووعظهم وتذكيرهم كل أسبوع بما شرع الله في خطبتي الجمعة، وبما ذكرنا من الأدلة يتضح لكل منصف صحة

стр. 6495

قول الجمهور وأنه أقرب إلى الحق من قول من خالفهم، وأنه أنفع للمسلمين في أمر دينهم ودنياهم وأقرب إلى براءة الذمة وصلاح الأمة، أما أثر علي ﵁ فهو موقوف عليه، ولا يصح مرفوعا كما نبه على ذلك غير واحد منهم النووي ﵀ مع أن في صحة الموقوف نظر أيضا لأن في إسناده عند عبد الرزاق الثوري ﵀ ولم يصرح بالسماع وهو موصوف بالتدليس، وجابر الجعفي والحارث الأعور وكلاهما ضعيف. وفي سنده عند ابن أبي شيبة الأعمش ولم يصرح بالسماع وهو مدلس معروف لكن عنعنته وعنعنة الثوري محمولة على السماع فيما خرجه عنهما البخاري ومسلم ﵄ في الصحيحين. أما في غير الصحيحين فليس هناك مانع من تعليل روايتهما بذلك إذا لم يصرحا بالسماع. هذا ما ظهر لي وأسأل الله أن يوفقني وإياكما وسائر إخواننا لإصابة الحق وأن يمن علينا جميعا بإيثار الحق على ما سواه وأن يعيذنا جميعا من التعصب واتباع الهوى في جميع الأحوال إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 6496

حكم إقامة صلاة الظهر بعد الجمعة س: بلدة فيها نحو من خمسة وثلاثين مسجدا تؤدى فيها صلاة الجمعة فإذا فرغ المصلون من الجمعة صلوا بعدها الظهر، فهل هذا الفعل جائز أم لا؟ (١) . ج: قد علم من الدين بالضرورة وبالأدلة الشرعية أن الله سبحانه لم يشرع يوم الجمعة في وقت الظهر إلا فريضة واحدة في حق الرجال المقيمين المستوطنين الأحرار المكلفين وهي صلاة الجمعة، فإذا فعل المسلمون ذلك فليس عليهم فريضة أخرى لا الظهر ولا غيرها بل صلاة الجمعة هي فرض الوقت، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ والسلف الصالح بعدهم لا يصلون بعد الجمعة فريضة أخرى، وإنما حدث هذا الفعل الذي أشرتم إليه بعدهم بقرون كثيرة، ولا شك أنه من البدع المحدثة التي قال فيها النبي ﵊: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٢) » .

стр. 6497

وقال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » رواه البخاري ومسلم، ولا شك أن صلاة الظهر بعد الجمعة أمر محدث ليس عليه أمره ﷺ فيكون مردودا ويدخل في البدع والضلالات التي حذر منها المصطفي ﷺ ، وقد نبه أهل العلم على ذلك وممن نبه عليه الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه: (إصلاح المساجد من البدع والعوائد) والشيخ العلامة محمد أحمد عبد السلام في كتابه: (السنن والمبتدعات) ، فإن قال قائل إنما نفعل ذلك احتياطا وخوفا من عدم صحة الجمعة، فالجواب أن يقال لهذا القائل: إن الأصل هو صحة الجمعة وسلامتها وعدم وجوب الظهر بل وعدم جوازها في وقت الجمعة لمن عليه فرض الجمعة، والاحتياط إنما يشرع عند خفاء السنة ووجود الشك والريب، أما في مثل هذا فليس المقام مقام شك بل نعلم بالأدلة أن الواجب هو صلاة الجمعة فقط فلا يجوز غيرها بدلا منها ولا مضموما إليها على أنه عمل يقصد منه الاحتياط لصحتها، وإيجاد شرع جديد لم يأذن به الله، وصلاة الظهر في هذا الوقت مخالف للأدلة الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة فوجب أن يترك ويحذر، وليس لفعله وجه يعتمد عليه؛ بل ذلك من وساوس الشيطان التي يمليها على الناس حتى يصدهم بها عن الهدى، ويشرع لهم

стр. 6498

دينا لم يأذن به الله كما زين لبعضهم الاحتياط في الوضوء حتى عذبه في الطهارة وجعله لا يستطيع الفراغ منها كلما كاد أن يفرغ منها وسوس له أنها لم تصح وأنه لم يفعل كذا ولم يفعل كذا، وهكذا فعل ببعضهم في الصلاة إذا كبر للصلاة وسوس إليه أنه لم يكبر فلا يزال يوسوس له أنه لم يكبر ولا يزال الرجل يكبر التكبيرة بعد التكبيرة حتى تفوت الركعة الأولى أو القراءة فيها أو غالبها وهذا من كيد الشيطان ومكره وحرصه على إبطال عمل المسلم وتلبيس دينه عليه نسأل الله السلامة لنا ولسائر المسلمين والعافية من مكائده ووساوسه إنه سميع قريب. والخلاصة: أن صلاة الظهر بعد الجمعة بدعة وضلالة وإيجاد شرع لم يأذن به الله فالواجب تركه والحذر منه وتحذير الناس منه والاكتفاء بصلاة الجمعة، كما درج على ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا وهو الحق الذي لا ريب فيه، وقد قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) . وهكذا قال الأئمة بعده وقبله. والله الموفق.

стр. 6499

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ ع. ج. وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به الحق آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وصلتني رسالتكم المتضمنة الإفادة بأن جماعة من شعب تنزانيا المنتسبين إلى مذهب الإمام الشافعي ﵀ قد انشقوا عن إخوانهم في إقامتهم صلاة الظهر بعد الجمعة والمتضمنة أيضا رغبتكم في إصدار الفتوى في ذلك وبناء على ذلك فقد تأملت الموضوع وراجعت الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في ذلك فاتضح من ذلك ما يلي (١) : لا ريب أن الله وله الحمد والمنة قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته على يد رسوله وحبيبه وخليله محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وأصحابه كما قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) الآية. وقد أقام النبي ﷺ في المدينة عشر سنين يجمع بأصحابه في مسجده الشريف ويصلي معه سكان

стр. 6500

المدينة من المسلمين، وليس هناك جمعة أخرى، وهكذا خلفاؤه الراشدون ساروا على نهجه القويم يصلون جمعة واحدة، ثم لما كثر المسلمون وانتشروا في الجزيرة العربية وغيرها دعت الحاجة إلى تعدد الجمع في المدن والعواصم فرأى جمهور أهل العلم أنه لا حرج في ذلك عند دعاء الحاجة إليه، وأجاز بعض أهل العلم تعددها مطلقا، والصواب قول الجمهور لما في توحيد الجمعة من جمع الكلمة على الحق، فإذا دعت الحاجة إلى تعددها لضيق مسجد البلد عن السكان أو تباعد أطرافها أو وجود شحناء بين السكان يخشى من جمعهم في مسجد واحد أن تقع بينهم فتنة جاز التعدد لهذه الحاجات وأشباهها؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ومتى جاز التعدد لمسوغه الشرعي صحت جميع الجمع ولم يجز أن يقام مع شيء منها صلاة الظهر؛ لأن في ذلك إيجاب صلاة سادسة ما أنزل الله بها من سلطان، بل ذلك مخالف للنص والإجماع ومن البدع المحدثة. وقد مضت القرون المفضلة وقرون بعدها والمسلمون لا يعرفون هذه الصلاة المحدثة، وإنما أحدثها بعض المتأخرين من الشافعية وبعض الحنفية لشبه وقعت لهم لا يجوز أن تكون مستندا لهذه البدعة. لأنها كلها عند التمحيص لا وجه لها وليست مسوغة لإحداث هذه البدعة، وقد أنكر هذه البدعة لما

стр. 6501

حدثت جم غفير من العلماء من الشافعية وغيرهم وأوضحوا أن الواجب على علماء الإسلام إنكارها والتحذير منها، كما أن الواجب على من أحدثها أو استحسن فعلها أن يتهم رأيه وأن يرجع إلى الحق لأن الرجوع إلى الحق هو الواجب وهو خير من التمادي في الخطأ، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته من حديث عائشة ﵂، ورواه مسلم في صحيحه بلفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » وخرج مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٣) » . وفي السنن بإسناد حسن عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي

стр. 6502

تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١) » . وقد قال الله في كتابه الكريم ذاما أهل البدع ومحذرا من سبيلهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) الآية. والآيات والأحاديث في ذم البدع والتحذير منها كثيرة معلومة وأرجو أن يكون فيما ذكرته كفاية ومقنع لطالب الحق. وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يجمع كلمتهم على الحق أينما كانوا، وأن يبارك في أعمالكم وأن يجزيكم عن اهتمامكم بأحوال إخوانكم وحرصكم على جمع الكلمة وإبطال البدعة جزاء حسنا وأن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من دعاة الهدى وأنصار الحق إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

стр. 6503

حكم ترجمة خطبة الجمعة إلى اللغة التي يفهمها المستمعون س: هل يجوز تفسير خطبة الجمعة للناس إذا كانوا عجميين ليفهموا معناها؟ ج: نعم يجوز ذلك فيخطب بالعربية ويفسر الخطبة باللغة التي يفهمها المستمعون؛ لأن المقصود وعظهم وتذكيرهم وتعليمهم أحكام الشريعة ولا يحصل ذلك إلا بالترجمة، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل به، وأن يهدينا جميعا وسائر المسلمين صراطه المستقيم إنه جواد كريم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 6504

حكم ترجمة خطبة الجمعة (١) من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد وصلتني رسالتكم الكريمة وصلكم الله بهداه، وفهمت ما تضمنته من كتابة بعض المثقفين بمدينة (كاتان كدي) الواقعة بجنوب جزيرة سيلان إلى معاليكم يذكر فيما كتبه إليكم أن سكان هذه المدينة البالغ عددهم (٢٠٠٠٠٠) نسمة قد حدث بينهم خلاف حول جواز ترجمة خطبة الجمعة بلغتهم الوطنية. إلخ، ورغبة معاليكم في إبانة الصواب في هذه المسألة حسبما تقتضيه قواعد الشرع المطهر والمصلحة للمخاطبين بالخطبة، وعليه فإجابة لسؤالكم وتحقيقا لرغبتكم ومساهمة في الإصلاح بين المسلمين وحل النزاع بين المتنازعين ومحاولة لنشر التعاليم الإسلامية والتوجيهات المحمدية بلغة القرآن الكريم وغيرها من اللغات المستعملة، أذكر لكم في هذه الرسالة ما أعلمه من الشرع المطهر في هذه

стр. 6505

المسألة فأقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد تنازع العلماء ﵏ في جواز ترجمة الخطب المنبرية في يوم الجمعة والعيدين إلى اللغات العجمية، فمنع ذلك جمع من أهل العلم رغبة منهم ﵃ في بقاء اللغة العربية والمحافظة عليها والسير على طريقة الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ في إلقاء الخطب باللغة العربية في بلاد العجم وغيرها وتشجيعا للناس على تعلم اللغة العربية والعناية بها. وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ترجمة الخطب باللغة العجمية إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية، نظرا للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة وهو تفهيم الناس ما شرعه الله لهم من الأحكام وما نهاهم عنه من المعاصي والآثام، وإرشادهم إلى الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وتحذيرهم من خلافها، ولا شك أن مراعاة المعاني والمقاصد أولى وأوجب من مراعاة الألفاظ والرسوم ولا سيما إذا كان المخاطبون أو أكثرهم لا يهتمون باللغة العربية ولا تؤثر فيهم خطبة الخطيب باللغة العربية تسابقا إلى تعلمها وحرصا عليها. فالمقصود حينئذ لم يحصل والمطلوب بالبقاء على اللغة

стр. 6506

العربية لم يتحقق، وبذلك يظهر للمتأمل أن القول بجواز ترجمة الخطب باللغات السائدة بين المخاطبين الذين يعقلون بها الكلام ويفهمون بها المراد أولى وأحق بالاتباع، ولا سيما إذا كان عدم الترجمة يفضي إلى النزاع والخصام، فلا شك أن الترجمة والحالة هذه متعينة لحصول المصلحة بها وزوال المفسدة، وإذا كان في المخاطبين من يعرف اللغة العربية فالمشروع للخطيب أن يجمع بين اللغتين فيخطب باللغة العربية ويترجمها باللغة الأخرى التي يفهمها الآخرون، وبذلك يجمع بين المصلحتين وتنتفي المضرة كلها وينقطع النزاع بين المخاطبين. ويدل على ذلك من الشرع المطهر أدلة كثيرة منها: ما تقدم وهو أن المقصود من الخطبة نفع المخاطبين وتذكيرهم بحق الله ودعوتهم إليه وتحذيرهم مما نهى الله عنه ولا يحصل ذلك إلا بلغتهم، ومنها: أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل ﵈ بألسنة قومهم ليفهموهم مراد الله سبحانه بلغاتهم كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١) وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢)

стр. 6507

وكيف يمكن إخراجهم به من الظلمات إلى النور وهم لا يعرفون معناه ولا يفهمون مراد الله منه، فعلم أنه لا بد من ترجمة تبين المراد وتوضح لهم حق الله سبحانه إذا لم يتيسر لهم تعلم لغته والعناية بها، ومن ذلك أن الرسول ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها ويقيم عليهم الحجة، كما يقرأ كتبهم إذا وردت ويوضح للنبي ﷺ مرادهم ومن ذلك أن الصحابة ﵃ لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بواسطة المترجمين، ولما فتحوا البلاد العجمية دعوا الناس إلى الله سبحانه باللغة العربية وأمروا الناس بتعلمها ومن جهلها منهم دعوه بلغته وأفهموه المراد باللغة التي يفهمها فقامت بذلك الحجة وانقطعت المعذرة ولا شك أن هذا السبيل لا بد منه ولا سيما في آخر الزمان وعند غربة الإسلام وتمسك كل قبيل بلغته. فإن الحاجة للترجمة ضرورية ولا يتم للداعي دعوة إلا بذلك. وأسأل الله أن يوفق المسلمين أينما كانوا للفقه في دينه والتمسك بشريعته والاستقامة عليها وأن يصلح ولاة أمرهم وأن

стр. 6508

ينصر دينه ويخذل أعداءه إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

стр. 6509

الاستيطان شرط لصحة صلاة الجمعة من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ ن. أ. ص. زاده الله من العلم والإيمان وجعله مباركا أينما كان، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في ١٤ \ ٢ \ ١٣٨٨ هـ وصلكم الله بهداه ونظمنا وإياكم في سلك من خافه واتقاه، وسرنا منه علم صحتكم وصحة إخوانكم من الزملاء، فالحمد لله على ذلك، صحتنا ومن لدينا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من المشائخ والإخوان تسركم بحمد الله أوزع الله الجميع شكر نعمه، وثبتنا جميعا على دينه حتى نلقاه إنه خير مسئول. أما سؤالكم عن حكم إقامة صلاة الجمعة منكم ومن أمثالكم من طلبة العلم في بلاد الغربة؟

стр. 6510

فالجواب: قد نص أهل العلم على أنه لا يجب عليكم ولا على أمثالكم إقامة صلاة الجمعة بل في صحتها منكم نظر، وإنما الواجب عليكم صلاة الظهر؛ لأنكم أشبه بالمسافرين وسكان البادية والجمعة إنما تجب على المستوطنين، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ لم يأمر بها المسافرين ولا أهل البادية، ولم يفعلها في أسفاره ﵊ ولا أصحابه ﵃، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ عام حجة الوداع صلى الظهر في عرفة يوم الجمعة، ولم يصل الجمعة ولم يأمر الحجاج بذلك؛ لأنهم في حكم المسافرين، ولا أعلم خلافا بين علماء الإسلام في هذه المسألة بحمد الله، إلا خلافا شاذا من بعض التابعين لا ينبغي أن يعول عليه. ولكن لو وجد من يصلي الجمعة من المسلمين المستوطنين فالمشروع لكم ولأمثالكم من المقيمين في البلاد إقامة مؤقتة لطلب علم أو تجارة ونحو ذلك الصلاة معهم لتحصيل فضل الجمعة. ولأن جمعا من أهل العلم قالوا بوجوبها على المسافر تبعا للمستوطن إذا أقام في محل تقام فيه الجمعة إقامة تمنعه من قصر الصلاة. أما ما أشرتم إليه عن حاجتكم إلى الكتب فإليكم بيانا بالكتب والرسائل والمحاضرات التي رأينا إرسالها إليكم سائلين المولى أن ينفعكم وإخوانكم وسائر المسلمين بها،

стр. 6511

وأن تصلكم وأنتم بحال الصحة، راجين الإفادة عن وصولها وعن وصول هذا الكتاب، والله نسأل سبحانه أن يزيدنا وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنح الجميع الفقه في دينه، وأن يجعلنا وإياكم دعاة الهدى وأنصار الحق إنه جواد كريم، والسلام عليكم.

стр. 6512

سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. س: نفيد سماحتكم أننا مجموعة من العسكريين والمدنيين من منسوبي الدفاع المدني قدمنا من مدينة الرياض ومن غيرها من المناطق لخدمة ضيوف الرحمن خلال شهري ذي القعدة وذي الحجة فقط ولدينا مسجد نقوم بالصلاة فيه خلال هذه المدة من المهمة. فهل يجوز لنا أن نقيم في هذا المسجد صلاة الجمعة أم نؤدي الصلاة ظهرا؟ أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيرا (١) . ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بعده: عليكم أن تصلوا مع الناس الجمعة في الجوامع التي تقام فيها الجمعة إذا تيسر ذلك، فإن لم تستطيعوا فصلوا ظهرا ولا تصلوا جمعة لأنكم لستم مستوطنين؛ لأن من شرط صحة

стр. 6513

الجمعة أن يكون المقيمون لها مستوطنين. وفق الله الجميع لما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6514

لا يشترط أن يكون الخطيب هو الإمام في الصلاة (١) س: قرأت في كتاب: (الفقه على المذاهب الأربعة) رأيا للمالكية في شروط صحة الجمعة، والتي منها: أن من شروط صحتها بأن يكون الإمام هو الخطيب، وإذا خطب غير من صلى فالصلاة باطلة، إلا أن يكون هناك عذر منع الإمام، ولم أجد إشارة لهذا الشرط عند الشافعية حيث رأيت في بعض المساجد في صلاة الجمعة واحدا يخطب وآخر يصلي، فما الإجابة وما حكم صلاتي إذا كنت مالكيا؟ ج: المسألة خلافية بين أهل العلم، والصواب أنه لا يشترط أن يكون الخطيب هو الإمام في الصلاة؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة. والأفضل أن يتولى الخطابة من يتولى الإمامة، وهكذا العيد، كما فعله النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃ أجمعين، لكن لو قدر أن الخطيب لم يتيسر له

стр. 6515

ذلك بأن أصابه مانع حال بينه وبين الصلاة، فالصلاة صحيحة، وهكذا لو صلى ولم يخطب باختياره ووجد من يخطب عنه، فالصحيح لا حرج في ذلك. والله الموفق.
следующие страницы →