ما يشرع لمن أتى مصلى العيد .
س: الأخ الذي رمز لاسمه بـ ع. ع. ع. من الرياض يقول في سؤاله: لاحظت أن بعض الناس عندما يأتي لصلاة العيد يصلي ركعتين، وبعضهم لا يصلي، وبعضهم يقرأ القرآن قبل الصلاة، وبعضهم يشتغل بالتكبير (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد)
стр. 6582
أرجو من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه الأمور، وهل هناك فرق بين كون الصلاة في المسجد أو في مصلى العيد؟ (١) .
ج: السنة لمن أتى مصلى العيد لصلاة العيد، أو الاستسقاء أن يجلس ولا يصلي تحية المسجد؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ فيما نعلم إلا إذا كانت الصلاة في المسجد فإنه يصلي تحية المسجد؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٢) » متفق على صحته.
والمشروع لمن جلس ينتظر صلاة العيد أن يكثر من التهليل والتكبير؛ لأن ذلك هو شعار ذلك اليوم، وهو السنة للجميع في المسجد وخارجه حتى تنتهي الخطبة، ومن اشتغل بقراءة القرآن فلا بأس. والله ولي التوفيق.
стр. 6583
حكم تحية المسجد قبل صلاة العيد (١) .
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة المكرم ع. غ. ع. سلمه الله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم ٢٩٨٤ وتاريخ ٢٩ \ ٧ \ ١٤٠٧ هـ الذي تسأل فيه عن عدد من الأسئلة.
وأفيدك بأن صلاة العيدين إذا صليت في المسجد فإن المشروع لمن أتى إليها أن يصلي تحية المسجد ولو في وقت النهي؛ لكونها من ذوات الأسباب؛ لعموم قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٢) » .
стр. 6584
أما إذا صليت في المصلى المعد لصلاة العيدين فإن المشروع عدم الصلاة قبل صلاة العيد؛ لأنه ليس له حكم المساجد من كل الوجوه، ولأنه لا سنة لصلاة العيد قبلها ولا بعدها.
وفق الله الجميع لما فيه رضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
وعبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6585
التكبير المطلق والمقيد
إلى حضرة فضيلة الشيخ المكرم عبد العزيز بن عبد الله بن باز المحترم حفظه الله تعالى بعد التحية والاحترام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام أدام الباري علينا وعليكم نعمة الإسلام مع السؤال عن صحتكم أحوالنا من فضل الله على ما تحب وبعد: أدام الله بقاءك على طاعته أفتنا في التكبير المطلق في عيد الأضحى، هل التكبير دبر كل صلاة داخل في المطلق أم لا؟ وهل هو سنة أم مستحب أم بدعة؟ لأجل أنه حصل فيها جدال. هذا والباري يحفظك والسلام.
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م. ع. م. وفقه الله آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
يا محب كتابكم المكرم المؤرخ في ٢٤ \ ٢ \ ١٣٨٧ هـ وصل، وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما.
والجواب: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله
стр. 6586
وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة؛ لقول الله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (١) الآية، وهي أيام العشر، وقوله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) الآية، وهي أيام التشريق؛ ولقول النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله (٣) » رواه مسلم في صحيحه، وذكر البخاري في صحيحه تعليقا عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄: «أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (٤) » ، وكان عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ يكبران في أيام منى في المسجد وفي الخيمة ويرفعان أصواتهما بذلك حتى ترتج منى تكبيرا، وروي عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة ﵃ التكبير في أدبار الصلوات الخمس من
стр. 6587
صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير، ويبدأ التكبير عند أول حصاة من رمي الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس؛ لقول أنس ﵁: «كان يلبي الملبي يوم عرفة فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه (١) » ، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية، وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة.
وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة. وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد لما تقدم من الآية والآثار، وفي المسند عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد (٢) » أو كما قال ﵊.
стр. 6588
بيان وتوضيح حول حكم
التكبير الجماعي قبل صلاة العيد (١) .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فقد اطلعت على ما نشره فضيلة الأخ الشيخ: أحمد بن محمد جمال - وفقه الله لما فيه رضاه - في بعض الصحف المحلية من استغرابه لمنع التكبير الجماعي في المساجد قبل صلاة العيد لاعتباره بدعة يجب منعها، وقد حاول الشيخ أحمد في مقاله المذكور أن يدلل على أن التكبير الجماعي ليس بدعة وأنه لا يجوز منعه، وأيد رأيه بعض الكتاب؛ ولخشية أن يلتبس الأمر في ذلك على من لا يعرف الحقيقة نحب أن نوضح أن الأصل في التكبير في ليلة العيد، وقبل صلاة العيد في الفطر من رمضان، وفي عشر ذي الحجة، وأيام التشريق، أنه مشروع في هذه الأوقات العظيمة وفيه فضل كثير؛ لقوله تعالى في التكبير في عيد الفطر: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى في عشر ذي
стр. 6589
الحجة وأيام التشريق: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) الآية، وقوله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) الآية.
ومن جملة الذكر المشروع في هذه الأيام المعلومات والمعدودات التكبير المطلق والمقيد، كما دلت على ذلك السنة المطهرة وعمل السلف، وصفة التكبير المشروع: أن كل مسلم يكبر لنفسه منفردا ويرفع صوته به حتى يسمعه الناس فيقتدوا به ويذكرهم به، أما التكبير الجماعي المبتدع فهو أن يرفع جماعة - اثنان فأكثر - الصوت بالتكبير جميعا يبدأونه جميعا وينهونه جميعا بصوت واحد وبصفة خاصة.
وهذا العمل لا أصل له ولا دليل عليه، فهو بدعة في صفة التكبير ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أنكر التكبير بهذه الصفة فهو محق؛ وذلك لقوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣) » أي مردود غير مشروع.
стр. 6590
وقوله ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١) »
والتكبير الجماعي محدث فهو بدعة، وعمل الناس إذا خالف الشرع المطهر وجب منعه وإنكاره؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السنة أو إجماع قطعي.
والمشروع أن يكبر المسلم على الصفة المشروعة الثابتة بالأدلة الشرعية وهي التكبير فرادى.
وقد أنكر التكبير الجماعي ومنع منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية ﵀ وأصدر في ذلك فتوى، وصدر مني في منعه أكثر من فتوى، وصدر في منعه أيضا فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وألف فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ رسالة قيمة في إنكاره والمنع منه، وهي مطبوعة ومتداولة وفيها
стр. 6591
من الأدلة على منع التكبير الجماعي ما يكفي ويشفي - والحمد لله - أما ما احتج به الأخ الشيخ أحمد من فعل عمر ﵁ والناس في منى فلا حجة فيه؛ لأن عمله ﵁ وعمل الناس في منى ليس من التكبير الجماعي، وإنما هو من التكبير المشروع؛ لأنه ﵁ يرفع صوته بالتكبير عملا بالسنة وتذكيرا للناس بها فيكبرون، كل يكبر على حاله، وليس في ذلك اتفاق بينهم وبين عمر ﵁ على أن يرفعوا التكبير بصوت واحد من أوله إلى آخره، كما يفعل أصحاب التكبير الجماعي الآن، وهكذا جميع ما يروى عن السلف الصالح ﵏ في التكبير كله على الطريقة الشرعية، ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل، وهكذا النداء لصلاة العيد أو التراويح أو القيام أو الوتر كله بدعة لا أصل له، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه كان يصلي صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما نعلم أن هناك نداء بألفاظ أخرى، وعلى من زعم ذلك إقامة الدليل، والأصل عدمه، فلا يجوز أن يشرع أحد عبادة قولية أو فعلية إلا بدليل من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة أو إجماع أهل العلم - كما تقدم - لعموم الأدلة الشرعية الناهية عن البدع والمحذرة منها، ومنها قول الله سبحانه: ﴿لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١)
стр. 6592
ومنها الحديثان السابقان في أول هذه الكلمة، ومنها قول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١) » متفق على صحته.
وقوله ﷺ في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٢) » خرجه مسلم في صحيحه، والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
والله المسئول أن يوفقنا وفضيلة الشيخ أحمد وسائر إخواننا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يجعلنا جميعا من دعاة الهدى وأنصار الحق، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من كل ما يخالف شرعه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6593
التهنئة بالعيد
س: الأخ: ص. م. م. من واشنطن، يقول في سؤاله: يقول الناس في تهنئة بعضهم البعض يوم العيد (تقبل الله منا ومنكم الأعمال الصالحة) أليس من الأفضل يا سماحة الوالد أن يدعو الإنسان بتقبل جميع الأعمال، وهل هناك دعاء مشروع في مثل هذه المناسبة؟ (١)
ج: لا حرج أن يقول المسلم لأخيه في يوم العيد أو غيره تقبل الله منا ومنك أعمالنا الصالحة، ولا أعلم في هذا شيئا منصوصا، وإنما يدعو المؤمن لأخيه بالدعوات الطيبة؛ لأدلة كثيرة وردت في ذلك. والله الموفق.
стр. 6594
صفحة فارغة
стр. 6595
صلاة الكسوف
стр. 6596
صفحة فارغة
стр. 6597
حكم صلاة الكسوف
س: ما حكم صلاة الكسوف، وهل يدل قوله ﷺ : «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا (١) » وقوله ﷺ : «فافزعوا إلى الصلاة (٢) » على الوجوب؟ (٣)
ج: صلاة الكسوف سنة مؤكدة؛ لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة، وليست واجبة عند أهل العلم؛ لقول النبي ﷺ لما سأله بعض الوفود عن الصلاة، وأخبره بأن عليه الصلوات الخمس، فقال السائل: «هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع (٤) »
стр. 6598
صلاة الكسوف مشروعة
بالرؤية وليس بخبر أهل الحساب (١)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد نشرت صحيفة الرياض في عددها الصادر في يوم الأحد ١٤ جمادى الأولى ١٤١٦ هـ، نقلا عن عبد العزيز بن سلطان الشمري مدير مراصد الأهلة بمعهد بحوث الفلك والجيوفيزياء بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أن القمر سيكسف مساء اليوم المذكور، كما نشرت الصحيفة المذكورة في عددها الصادر يوم الاثنين ٢٩ جمادى الأولى ١٤١٦ هـ، أن عبد الرحمن بن محمد أبو عمة، عميد كلية العلوم في جامعة الملك سعود ذكر للرياض أن الشمس ستكسف صباح يوم الثلاثاء ٣٠ جمادى الأولى ١٤١٦ هـ.
وبلغني أن بعض أئمة المساجد عملوا بذلك ليلة ١٥ من الشهر المذكور مع عدم وجود الكسوف، فرأيت أن من الواجب على مثلي بيان الحكم الشرعي في هذا الأمر، فأقول: قد
стр. 6599
صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالأمر بصلاة الكسوف والذكر والدعاء عندما يرى المسلمون كسوف الشمس أو القمر فقال ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم (١) » وفي لفظ آخر: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره (٢) » فعلق ﷺ الأمر بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار برؤية الكسوف لا بخبر الحسابيين.
فالواجب على المسلمين جميعا التمسك بالسنة والعمل بها والحذر من كل ما يخالفها.
وبذلك يعلم أن الذين صلوا صلاة الكسوف ليلة الاثنين ١٥ \ ٥ اعتمادا على خبر الحسابيين قد أخطئوا وخالفوا السنة.
ويعلم أيضا أنه لا يشرع لأهل بلد لم يقع عندهم الكسوف أن يصلوا؛ لأن الرسول ﷺ علق الأمر بالصلاة، وما ذكر معها برؤية الكسوف لا بالخبر من أهل الحساب بأنه سيقع، ولا بوقوعه في بلد آخر، وقد قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)
стр. 6600
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وهو ﷺ إنما صلى صلاة الكسوف لما وقع ذلك في المدينة وشاهده الناس، وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)
ومعلوم أنه ﷺ هو أعلم الناس وأنصح الناس، وأنه هو المبلغ عن الله أحكامه، فلو كانت صلاة الكسوف تشرع بأخبار الحسابيين، أو بوقوع الكسوف في مناطق أو أقاليم لا يشاهدها إلا أهلها، لبين ذلك وأرشد الأمة إليه، فلما لم يبين ذلك، بل بين خلافه، وأرشد الأمة إلى أن يعتمدوا على الرؤية للكسوف علم بذلك أن الصلاة لا تشرع إلا لمن شاهد الكسوف أو وقع في بلده.
ولما شرع الله من بيان الحق والنصيحة للخلق والدعوة إلى سبيل الهدى والتحذير مما يخالف ذلك، جرى تحرير هذه الكلمة.
والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل به، وأن يعيذنا وجميع إخواننا من القول على الله بغير
стр. 6601
علم، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 6602
س: هل يقع الكسوف في اليوم العاشر أو الرابع من الشهر، وما صحة قول من قال: إن الكسوف الذي وقع في عهد النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم كان في اليوم الرابع؟ (١)
ج: لا أعلم دليلا يدل على تخصيص الكسوف بوقت معين، والأرجح أنه يمكن كسوف الشمس والقمر في كل وقت، وليس مع من خصص ذلك بوقت معين دليل فيما نعلم، والله الموفق.
стр. 6603
صفة صلاة الكسوف
س: ما صفة صلاة الكسوف والخسوف، وهل هناك فرق بينهما، وما رأي سماحتكم حول ما ينشر في الصحف عن بدء وانتهاء الخسوف والكسوف؟ (١)
ج: قد بين الرسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة صفة صلاة الكسوف، وأمر أن ينادى لها بجملة: الصلاة جامعة.
стр. 6604
وأصح ما ورد في ذلك في صفتها أن يصلي الإمام بالناس ركعتين في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان ويطيل فيهما القراءة والركوع والسجود، وتكون القراءة الأولى أطول من الثانية، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، وهكذا القراءة في الركعة الثانية أقل من القراءة الثانية في الركعة الأولى، وهكذا الركوع في الركعة الثانية أخف من الركوعين في الأولى، وهكذا القراءة في الثانية من الركعة الثانية أخف من القراءة الأولى فيها، وهكذا الركوع الثاني فيها أخف من الركوع الأول فيها.
أما السجدتان في الركعتين فيسن تطويلهما تطويلا لا يشق على الناس؛ لأن النبي ﵊ فعل ذلك، ثم بعد الصلاة يشرع للإمام إذا كان لديه علم أن يعظ الناس ويذكرهم ويخبرهم أن كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وأن المشروع للمسلمين عند ذلك الصلاة وكثرة الذكر والدعاء والتكبير والعتق والصدقة حتى ينكشف ما بهم؛ لقول النبي ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم (١) » وفي رواية أخرى: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره (٢) »
стр. 6605
وجاء في بعض الأحاديث: الأمر بالصدقة والعتق.
أما أخبار الحسابيين عن أوقات الكسوف فلا يعول عليها، وقد صرح بذلك جماعة من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما؛ لأنهم يخطئون في بعض الأحيان في حسابهم، فلا يجوز التعويل عليهم، ولا يشرع لأحد أن يصلي صلاة الكسوف بناء على قولهم، وإنما تشرع صلاة الكسوف عند وقوعه ومشاهدته.
فينبغي لوزارات الإعلام منع نشر أخبار أصحاب الحساب عن أوقات الكسوف حتى لا يغتر بأخبارهم بعض الناس؛ ولأن نشر أخبارهم قد يخفف وقع أمر الكسوف في قلوب الناس، والله إنما قدره لتخويف الناس وتذكيرهم؛ ليذكروه ويتقوه ويدعوه ويحسنوا إلى عباده، والله ولي التوفيق.
стр. 6606
س: جاء في حديث ابن عباس أنه صلى ثماني ركعات في أربع سجدات، وعن علي ﵁ مثله، وعن جابر ﵁ صلى ست ركعات بأربع سجدات وهذه الأحاديث صححها الإمام مسلم وخرجها في صحيحه، وصححها إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، والصبغي، والخطابي وغيرهم وأعلها آخرون واحتجوا بأن الكسوف لم يقع على عهد النبي ﷺ إلا
стр. 6607
مرة - كما تعلمون - فما رأي سماحتكم وهل ثبت ما يدل على أن الكسوف لم يقع في عهد النبي ﷺ إلا مرة واحدة؟ (١) .
ج: الأصح في صلاة الكسوف، هو ما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما من كون النبي ﷺ صلاها ركعتين حين كسفت الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، في كل ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان.
هذا هو الأصح عند المحققين من أهل العلم، وما زاد على ذلك فهو وهم من بعض الرواة أو شاذ؛ لأن المحفوظ عن النبي ﷺ : أنه إنما صلى الكسوف مرة واحدة، في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم، فظن بعض الناس أنها كسفت لموته فأخبرهم النبي ﷺ أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يرسلهما الله لتخويف عباده وتذكيرهم وتحذيرهم. والله الموفق
стр. 6608
ينادى لصلاة الكسوف
بقول: "الصلاة جامعة "
س: الأخ م. ج. من الإمارات العربية المتحدة يقول في سؤاله: ورد أنه ينادى لصلاة الكسوف بـ (الصلاة جامعة) فهل يقولها مرة واحدة، أو يشرع تكرارها، وما مقدار التكرار؟ أفتونا مأجورين (١) .
ج: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه «أمر أن ينادى لصلاة الكسوف بقول: الصلاة جامعة (٢) » .
والسنة للمنادي أن يكرر ذلك حتى يظن أنه أسمع الناس، وليس لذلك حد محدود فيما نعلم، والله ولي التوفيق.
стр. 6609
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي (١)
بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي، كما لو كسف القمر بعد طلوع الفجر أو الشمس بعد صلاة العصر، فذهب بعضهم إلى أنها لا تشرع الصلاة للكسوف في هذين الوقتين، ولكن يشرع التكبير والذكر والاستغفار والدعاء والصدقة والعتق لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، منها قوله ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره (٢) » ، ولما ثبت عن النبي ﷺ من حديث عائشة وغيرها أنه أمر عند الكسوف بالتكبير والصدقة والدعاء والعتق، وذهب آخرون من أهل العلم إلى شرعية الصلاة للكسوف في الوقتين المذكورين لعموم الأحاديث الصحيحة الآمرة بها عند الكسوف، وهي كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «فإذا رأيتم ذلك
стр. 6610
فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم (١) » وهذا القول هو الصواب لعموم الأحاديث المذكورة، ولأن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب، والراجح من كلام العلماء أن الصلاة ذات السبب غير داخلة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإنما يراد بذلك النهي عن الصلاة التي لا سبب لها خاص، أما ذوات الأسباب فهي غير داخلة في النهي، مثل صلاة الكسوف، ومثل صلاة الطواف لقول النبي ﷺ : «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار (٢) » ، ومثل تحية المسجد لقول النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣) » ، وهذا يعم أوقات النهي وغيرها، ومثل سنة الوضوء، فإنه يشرع لمن توضأ أن يصلي ركعتين كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
وقد
стр. 6611
اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم للأحاديث المذكورة، وبناء على ذلك فمتى كسفت الشمس بعد العصر فإنه يشرع للمسلمين أن يبادروا بصلاة الكسوف مع الذكر والدعاء والتكبير والاستغفار والصدقة عملا بالأحاديث كلها في ذلك، أما إذا كسف القمر بعد طلوع الفجر فظاهر الأدلة الخاصة كما تقدم يقتضي شرعية صلاة الكسوف؛ لأن سلطانه لم يذهب بالكلية فيشرع لكسوفه صلاة الكسوف لعموم الأحاديث، ومن ترك فلا حرج عليه عملا بالقول الثاني؛ ولأن سلطانه في الليل وقد ذهب الليل، ومن صلى لكسوف القمر بعد الفجر فالأفضل البدار بذلك قبل صلاة الفجر، وهكذا لو كسف في آخر الليل ولم يعلم إلا بعد طلوع الفجر فإنه يشرع البدء بصلاة الكسوف ثم يصلي صلاة الفجر بعد ذلك، مع مراعاة تخفيف صلاة الكسوف حتى يصلي الفجر في وقتها، وفيما ذكرناه الجمع بين الأحاديث والعمل بها كلها، مع العلم بأن أخبار الحسابيين عن الكسوف لا يعتمد عليها ولا يعمل بها، وإنما تشرع صلاة الكسوف إذا رأى الناس ذلك لما ذكرنا من الأحاديث. والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 6612
س: قد يحدث كسوف الشمس بعد العصر، فهل تصلى صلاة الكسوف في وقت النهي؟ وكذا تحية المسجد؟ (١) .
ج: في المسألتين خلاف بين أهل العلم، والصواب جواز ذلك، بل شرعيته؛ لأن صلاة الكسوف وتحية المسجد من ذوات الأسباب.
والصواب: شرعيتها في وقت النهي بعد العصر وبعد الصبح، كبقية الأوقات لعموم قوله ﷺ : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم (٢) » متفق على صحته.
ولقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (٣) » متفق على صحته.
стр. 6613
وهكذا ركعتا الطواف إذا طاف المسلم بعد الصبح أو العصر، لقول النبي ﷺ : «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار (١) » رواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربع بإسناد صحيح عن جبير بن مطعم ﵁.
стр. 6614
صلاة الكسوف لا تكرر
ولو لم ينجل الكسوف
س: هل الغاية في قوله ﷺ : «فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم (١) » لمجموع الأمرين بحيث إنه لو سلم من الصلاة ولم ينجل أطال الدعاء حتى ينجلي، أم أن الغاية للصلاة فقط بحيث لو سلم ولم ينجل كرر الصلاة؟ (٢)
стр. 6615
ج: الصلاة لا تكرر، ولكن يشرع للمسلمين الإكثار من الاستغفار والذكر والتكبير والصدقة والعتق؛ لأن الرسول ﷺ أمر الأمة بذلك عند وجود الكسوف.
стр. 6616
الخطبة بعد صلاة الكسوف سنة
س: هل تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف؟ (١)
ج: تسن الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : «من رغب عن سنتي فليس مني (٣) » ، ولما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين، وتفقيههم في الدين، وتحذيرهم من أسباب غضب الله وعقابه، ويكفي أن يفعل ذلك وهو في المصلى بعد الفراغ من الصلاة، والله ولي التوفيق.
стр. 6617
حكم صلاة الكسوف عند الزلازل ونحوها
س: هل تشرع صلاة الكسوف عند رؤية الآيات، كالزلازل، والصواعق، والعواصف الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والبراكين ونحوها؟ (١) .
ج: لا أعلم دليلا يعتمد عليه في شرعية الصلاة للزلازل ونحوها، وإنما جاءت السنة الصحيحة بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة حين الكسوف، وذهب بعض أهل العلم إلى شرعية صلاة الكسوف للزلزلة، ولا أعلم نصا عن الرسول ﷺ في ذلك، وإنما ذلك مروي عن ابن عباس ﵄، وقد علم بالأدلة الشرعية أن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢) » متفق على صحته من حديث عائشة ﵂، وأخرجه مسلم في صحيحه عنها ﵂ بلفظ: «من
стр. 6618
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » والمعنى فهو مردود على من أحدثه، لا يجوز العمل به، ولا نسبته إلى الشرع الذي جاء به محمد ﷺ ، والله الموفق.