← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في ظل الشريعة يتحقق الأمن والحياة للمسلمين (١) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه، إلى يوم الدين. أما بعد: فلقد رغبت إلي الرابطة مشكورة في أن أشارك بإلقاء محاضرة في هذا المكان، وعرضت علي عناوين كثيرة، فاخترت منها هذا العنوان الذي سمعتم وهو في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية يتحقق الأمن والحياة الكريمة للمسلمين ولا ريب أن هذا العنوان: عنوان صالح وصادق. ولهذا اخترته، وأسأل الله أن يحقق للمسلمين الأمن في الدنيا والأخرة، والحياة الكريمة في الدنيا والآخرة، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن، ونزغات الشيطان. فأقول والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: إن الله خلق الثقلين ليعبد وحده لا شريك له، وأمر جميع العباد من الجن والإنس بعبادته التي خلقوا لها، قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٤)

стр. 737

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فبين أنه خلق الثقلين ليعبدوه وحده، وأمرهم بهذه العبادة، وقال في ذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) فدل ذلك على أن في عبادته سبحانه تقوى كل ما يضرهم، واستجلاب كل ما ينفعهم. والتقوى هي: اتقاء محارم الله، وأسباب غضبه، واتقاء كل ما يضر في الدنيا والآخرة، وذلك بطاعة الله ورسوله، وهي عبادته ، فإن العبادة هي: توحيد الله جل وعلا، وطاعته بفعل أوامره، وترك نواهيه، كل هذا يسمى عبادة، وكله يسمى طاعة، وكله يسمى تقوى، فمن عبده سبحانه وأخلص له العبادة، وأطاع أوامره، وترك نواهيه، فقد اتقاه ، ومن اتقاه فقد وعده سبحانه الخير في الدنيا والآخرة، وتفريج الكروب، وتيسير الأمور والرزق من حيث لا يحتسب. وبهذا يعلم أن عبادته ، وتقواه جل وعلا هي: سبب الأمن والخير والسعادة في الدنيا والآخرة. وأن الكفر به والإشراك به، ومعصيته هي: سبب الهلاك والشقاء والخوف

стр. 738

والضلال في الدنيا والآخرة، وقد أرسل الرسل ، وأنزل الكتب للدعوة إلى هذه العبادة، والأمر بها، وبيان ما رتب عليها من أنواع السعادة والخير، قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١) فأبان بهذا أن من اتبع الرسل وصدقهم فله السعادة والهداية والخير العظيم، ومن كذبهم فله العاقبة الوخيمة في الدنيا والآخرة، وقد أخبرنا سبحانه في مواضع كثيرة عن عواقب المكذبين، وأنهم صاروا إلى أنواع العذاب في الدنيا وفي الآخرة. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢) وقال في آية أخرى ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (٥) وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (٦)

стр. 739

وقال جل شأنه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) فأشار سبحانه في هذه الآيات إلى عقوبة المكذبين، وأنهم عوجلوا بالعقوبة في الدنيا، مع ما لهم في الآخرة من العذاب الأليم. ولكن الله سبحانه، رفع عن هذه الأمة العذاب العام، رحمة منه لعباده ، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) ومن ذلك أن الله رحمهم فلم يعذبهم العذاب العام، كما جرى على الأمم الكثيرة قبلهم، كعاد وثمود، وقوم لوط وغيرهم. أما هذه الأمة فقد رحمها الله، فلم يعاقبها بالعقوبات العامة، ولكنه أصاب من أصاب منها بالعقوبات الخاصة، وأوضح جل وعلا أن من اتقاه واستقام على أمره، فإنه يهبه من فضله: تفريج الكروب، وتيسير الأمور، والرزق العظيم، والجنات والكرامة، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٦)

стр. 740

فبين أن من اتقاة حصل له الخير العظيم، وذلك بتكفير السيئات، وتفريج الكروب، وتيسير الأمور، وإعظام الأجر، والرزق من حيث لا يحتسب، كما وعد سبحانه المتقين بحصول الفرقان الذي يميز به بين الحق والباطل مع الفوز بالجنة والنجاة من النار، في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) فالمتقي لله هو العابد لله سبحانه، المستقيم على أمره، المطبق لشريعة ربه في نفسه وفي غيره حسب طاقته، بفعل الأوامر، وترك النواهي، وإنما يصاب من يصاب بالمكاره والضيق العاجل والآجل، والعذاب الشديد بإعراضه عن أمر الله، وعدم تطبيقه لشريعته سبحانه، وإخلاله بشيء من أوامره، أو ارتكابه شيء من محارمه ، فيصاب بشيء من ذلك عقوبة له، إما عاجلا وإما آجلا. لهذا يقول جل وعلا في موضع آخر من كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣) ويقول جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤) ويقول جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)

стр. 741

فالله جل وعلا يبتلي عبادة بأسباب ما يقع منهم من خلل في أوامره، أو نواهيه، يبتليهم بأشياء فإن صبروا وبادروا بالتوبة والإصلاح، وعالجوا الأوضاع بالرجوع إلى أمر الله، والتوبة مما حصل منهم من تضييع أمر الله، أو ركوب محارم الله، أصلح الله حالهم، واستقاموا، ورد لهم ما كان شاردا وأصلح لهم ما كان فاسدا، وأعطاهم بعد الخوف أمنا، وبعد الذل عزا، وإن استمروا في طغيانهم، وضلالهم، وما وقعوا فيه من إصرار في تضييع أمر الله، وركوب محارمه، ابتلاهم بأنواع العقوبات. ولهذا قال جل وعلا، فيما ذكر عن نبيه وخليله إبراهيم ﵊: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ثم فصل القضية فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢) فأبان سبحانه: أن أهل الشرك هم أهل الخوف، وهم أولى بالخوف، وعدم الأمن، لأنهم أشركوا بالله وظلموا عباد الله، وتعدوا حدوده، فصاروا أولى بالخوف، وعدم الأمن، ولهذا لا أمن لهم، فهم مهددون بالعقوبة والنقمات في سائر الأوقات، قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣) فهم لا

стр. 742

يزالون في أنواع البلايا والمحن والنقمات بأسباب كفرهم وضلالهم، وعنادهم للحق، واستكبارهم عن طاعة الله ، أما أهل الإيمان والتقوى فلهم الأمن العاجل والآجل، والذين آمنوا ووحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، واستقاموا على أمره، ولم يلبثوا إيمانهم بظلم، المعنى: ولم يخلطوا إيمانهم بظلم أي: بشرك. واللبس أي الخلط، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) جاء في الحديث الصحيح: «أن الصحابة ﵃ وأرضاهم، لما نزلت هذه الآية جاءوا النبي ﷺ وجثوا عنده على الركب وقالوا: يا رسول الله نزلت آية لا نطيقها. من هو الذي لا يلبس إيمانه بظلم؟ فقال ﵊: ليس هو الظلم الذي تعنون: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إنما هو الشرك (٣) » . فبين لهم ﵊: أن الظلم الذي يمنع الأمن والاهتداء مطلقا: هو الشرك بالله ، والكفر به . وبهذا يعلم أن من أشرك بالله، وكفر به، لا أمن له، ولا هداية له في الدنيا والآخرة، بل هو ضلال مضل في الدنيا والآخرة، وعاقبته وخيمة: عاقبته النار مع ما له في الدنيا من أنواع العقوبات والنقمات، وما يحل به من أنواع الكوارث، وقد يستدرج الكافر والعاصي، ويملى لهما، حتى تكون عقوبتهما أكثر، وحتى يكون جزاؤهما أشد وأغلظ، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٤) فقد يؤجل

стр. 743

للإنسان عقوبته، ويملي له، ثم تكون عقوبته بعد ذلك أكثر وأشد وأعظم. وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١) فإذا سلم العبد من أنواع الظلم: ظلم الشرك، وظلم المعاصي، وظلم العباد في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم. إذا سلم من هذه الأنواع الثلاثة حصل له الأمن الكامل، والاهتداء الكامل في الدنيا والآخرة. أما إن سلم من الظلم الأكبر وهو الشرك، ولكن بقي معه شيء من الظلم الأصغر وهو ظلم العباد، وظلمه لنفسه بالانغماس في المعاصي، فإن هذا يكون معه أصل الأمن ومعه أصل الهداية، وأصل النجاة من الخلود في النار، ولكنه على خطر في دنياه وفي أخراه، على خطر من العقوبات في الدنيا وفي الآخرة، فليس له أمن كامل ولا اهتداء كامل، بسبب ما معه من أنواع المعاصي، وظلم العباد. وبهذا يعلم أن تطبيق الشريعة، والعناية بذلك واستكماله، من أعظم أسباب كمال الأمن، وكمال الهداية وكمال السلامة والحياة الكريمة، وأن العبد متى أخل بشيء مما أوجب الله عليه، أو ارتكب شيئا مما حرمه الله عليه، فإنه يناله من اختلال الأمن، ومن اختلال الهداية، ما يناله بحسب ما لديه من تقصير في أمر الله أو

стр. 744

ركوب لبعض محارم الله جل وعلا. وهكذا شأنه في الآخرة قد يعفى عنه، ويغفر له ما حصل منه من النقص، وقد يعذب في النار على قدر ما مات عليه من النقص، ثم بعدما يطهر ويخلص من الخبث الذي مات عليه غير تائب يكون إلى الدار الطيبة، إلى دار الكرامة بعد تخليصه من آثار ذنوبه وسيئاته التي مات عليها مصرا، ولا ريب أن من تطبيق الشريعة إقامة الحدود على المجرمين، وتعزير العصاة، والأخذ على أيدي السفهاء، وإلزام الناس بالحق، وبهذا تصان الدماء والحقوق، ويأمن الناس، ويعطى الحق لصاحبه، ويمنع الظالم عن ظلمه. وبهذا يأمن العباد في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وبهذا تستقيم أحوالهم المعيشية، وتتحسن حياتهم، ويتمكنون من المكاسب الصالحة، والحياة الكريمة، في ظل الأمن في ظل تطبيق الشريعة، في العبادات والمعاملات، والحدود وغير ذلك. ولا يستقيم أمر للعباد ولا حياة كريمة، ولا أمن، مع إضاعتهم لحدود الله، وعدم قيامهم بأمره، وارتكابهم لمحارمه، فإن ذلك له أسباب تسليط الله عليهم، ومن أسباب وجود أنواع المخاوف، وعدم الاطمئنان. ومن أسباب تسليط بعضهم على بعض، حتى لا يتمكن الناس من الحياة الكريمة والأسباب المفيدة من الزراعة والتجارة وغير ذلك؛ لأن الخوف الذي أصيبوا به بسبب أعمالهم الخبيثة، ومعاصيهم، يمنعهم من كثير من الأسباب التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، ويجعلهم في حياة قلقة، غير مطمئنة، فلا يطمئنون

стр. 745

إلى الأكساب الطيبة، والأرزاق السليمة، لا من طريق التجارة، ولا من طريق الزراعة، ولا من الطرق الأخرى، بسبب ما لديهم من المخاوف والعدوان من بعضهم على بعض، وهذا مجرب قديما وحديثا، وكل بلاد استقامت على أمر الله، وحكم حكامها شريعة الله، تطمئن ويقل فيها الخوف ويسود فيها الأمن، وتحصل فيها الحياة الكريمة، وتسهل الأرزاق، ويعيش الناس في أمن وعافية وطمأنينة في كل شيء. وكل بلاد تضيع فيها الشريعة، ولا تقام فيها حدود الله، يكثر فيها الخوف، ويقل فيها الأمن، وتسود فيها الفوضى، وتكثر الرذائل، وتقل الفضائل، ولا يطمئن الناس في عيش ولا في رزق، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١) وكل من نظر في العالم، وأحوال الناس، يعلم ما ذكرنا عن يقين، وعن مشاهدة. فإذا تأمل المؤمن البصير حالة عصر الصحابة، وما فيه من الخير العظيم، والجهاد الواسع، والفتوحات الكثيرة، والأمن والأمان في البلدان التي حكمها المسلمون، بسبب تطبيقهم لشريعة الله وتنفيذهم لأحكام شرعه الذي شرع، وإقامتهم لحدوده، يرى العجب العجاب، ويتضح له صحة ما ذكرنا من وجود الأمن والحياة الكريمة، بسبب تطبيق الشريعة

стр. 746

الإسلامية العظيمة، ويعلم يقينا أيضا أن البلاد الأخرى التي سادت فيها الفوضى، واختل فيها الأمن، وتعدى فيها القوي على الضعيف، أن ذلك بأسباب عدم تحكيمهم لشريعة الله، وعدم قيام حكامهم بما يجب من الوازع الشرعي في إقامة الحدود والتعزيرات، والأخذ على يد الظالم، وإنصاف المظلوم، إلى غير ذلك. وفي هذا المعنى يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١) وهذا واضح في أن ربنا وعد عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يستخلفهم في الأرض، ويمكن لهم فيها، كما مكن لمن قبلهم، ممن عمل عملهم، واستقام على الإيمان والعمل الصالح، وأدى حق الله، وطبق الشريعة. وعدهم سبحانه أن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وما ذاك إلا بأسباب إيمانهم وعملهم الصالح، والضد بالضد، فمتى أخلوا بالإيمان، وأخلوا بالعمل الصالح، تخلف هذا الوعد، فالجزاء من جنس العمل، فمن استقام على أمر الله، وطبق حقه ، وأنصف المظلوم من الظالم، وأقام الحدود في ولايته، صارت بلاده في أمن وأمان،

стр. 747

وراحة وطمأنينة، وحياة كريمة، تحقيقا لما وعد الله به عباده ، وهو الصادق في وعده جل وعلا، ومتى أخلوا بذلك، ولم ينفذوا أمر الله، بل تساهل حكامهم بشريعة الله، ولم ينفذوا ما يجب من الحدود والتعزيرات الشرعية أصابهم في بلادهم من الخلل والضعف، واختلال الأمن ووجود الخوف والقلق بحسب ما عندهم من تضييع أوامر الله، وبحسب ما ضيعوا من إقامة حدود الله. وهذا كله واضح لمن سبر أحوال العالم، ودرس أحوال الدول الموجودة، والبائدة. والخلاصة: أن وعد الرب جل وعلا لا يخلف، وأنه صادق في وعده ، فمن آمن بالله ورسوله، وطبق شريعته بالعمل الصالح، منحه الله الأمن والتمكين والاستخلاف في الأرض كما وعد الله جل وعلا، وكما حصل لمن قبلنا من الخلفاء الراشدين، ومن سار على نهجهم ممن طبق شريعة الله واستقام على أمره سبحانه. ومن ضيع ذلك أو أخل به، وتابع الهوى والشيطان في كثير من الأمور فاته الأمن والتمكين والاستخلاف بقدر ما ضيع من أمر الله، وارتكب من محارمه، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ : ما يرشد إلى هذا المعنى، ويبين أن الواجب على ولاة الأمور العناية بالشريعة، وبذل الجهود في تطبيقها في كل شيء حتى يتحقق للعباد الأمن والسعادة والحياة الكريمة في هذه العاجلة، ويتحقق لهم بعد ذلك في الأخرى الأمن أيضا من النار، والفوز بدار الكرامة والنعيم المقيم، فقد ثبت عنه - عليه الصلاة

стр. 748

والسلام -: أنه كان يحرض الناس دائما على القيام بأمر الله، ويحذرهم من ركوب محارمه، ويأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر لهم عاقبة من نفذ أمر الله، وعاقبة من تساهل بأمره جل وعلا، ليتعظوا وليتذكروا، ويبتعدوا عن محارم الله، ويحذروا عواقبها الوخيمة، التي وعد بها من عصى ربه، وركب محارمه ، ومن ذلك ما ثبت عنه ﵊ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه (١) » ، وقوله ﷺ «إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم (٢) » ومن ذلك ما جاء في الحديث أيضا الذي رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فواكلوهم وشاربوهم وجالسوهم، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، (٥) » وقال ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه - أو على يد الظالم - ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقسرنه على الحق قسرا؛ أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم (٦) » رواه أبو داود والترمذي. وهذا وعيد شديد يدل على أن من فعل مثلما فعل أولئك، من

стр. 749

إضاعة أمر الله، وعدم إنكار المنكر، وعدم الأمر بالمعروف، أنه متوعد بأن يصيبه ما أصاب أولئك، فإن القوم إنما أصيبوا بأفعالهم السيئة، لا بأنسابهم ولا بأموالهم، بل أصيبوا بأفعالهم المنكرة، ولعنوا وغضب عليهم بأعمالهم القبيحة. فمن فعل فعلهم، وشاركهم في هذه المعاصي استحق مثل عقوبتهم، واستحق من الوعيد بمثل ما استحقوا، فإن الجزاء إنما هو على الأعمال، لا على الأنساب والأموال، ولكن على الأعمال، وعنادهم للحق على بصيرة. فمن شاركهم في هذا، وعمل كأعمالهم استحق من العقوبات بمثل ما استحقوا من غضب الله وعقابه جل وعلا. وكان رسول الله ﷺ ، يغار لمحارم الله، وينتقم لله، ويغضب لله، وما كان يغضب ﷺ لنفسه، وما ذاك إلا لأن ظهور المعاصي والتساهل بها من أعظم الأسباب في اختلال الأمن، وفساد القلوب، وفساد المجتمع، وغضب الله سبحانه، والعذاب العاجل والآجل، فكان ﵊ أحرص الناس على إقامة أمر الله في أرضه سبحانه. وكان أنصح الناس للناس ﵊، ولهذا قال ﷺ : «الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) » «وبايع ﷺ أصحابه ﵃ وأرضاهم، على أن ألا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم (٢) » . إلى آخر ما جاء في البيعة المعروفة. وبايعه جرير بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه -، على شهادة أن لا إلله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة

стр. 750

وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، إلى غير ذلك مما جاء عنه ﵊، من الأوامر بالتزام أمر الله، والوقوف عند حدوده، والحذر من محارمه، وبيان الوعيد لمن تعدى الحدود، أو أخل بالأمن، أو ارتكب المحارم. ومن ذلك قصة المخزومية لما سرقت وأمر بقطع يدها، عظم ذلك على قريش بمكة، وقالوا: من يشفع فيها عند رسول الله ﷺ ، فطلبوا من أسامة بن زيد أن يتقدم إلى الرسول ﷺ ليعفوا عنها ولا يقطعها. فغضب ﵊ عند ذلك، وقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم خطب الناس فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (١) » . فبين ﵊ أن إقامة الحدود من أهم المهمات، وأنه لا يجوز لأحد الشفاعة في ذلك بعد بلوغها السلطان، بل يجب أن تنفذ الحدود إذا بلغت السلطان حتى يكون ذلك رادعا للناس عن محارم الله، وسببا لاستقامتهم على أمره، وقيامهم بحقه . «ولما استوبأ أناس من العرنيين المدينة قدموا إليها مهاجرين، أمرهم ﷺ أن يخرجوا مع الإبل: إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ليزول عنهم بذلك ما أصابهم من الوباء، فخرجوا إلى هناك، فلما صحوا وزال عنهم ما بهم من الأذى، قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا النعم وسمروا عين الراعي، فبعث النبي ﷺ في آثارهم سرية تتبع آثارهم حتى أدركوهم فجاءوا بهم

стр. 751

إليه ﵊ فلما جاءوا بهم إليه أمر أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن تسمر أعينهم، ويطرحوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا (١) » . هذه العقوبة العظيمة الشديدة، إنما كانت غضبا لله ، لأن هؤلاء كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا الراعي، وسمروا عين الراعي، وأخذوا الإبل، فجمعوا بين أنواع المنكرات: السرقة والنهب والقتل، وسمر عين الراعي، والردة عن الإسلام، بعدما عافاهم الله مما أصابهم، فلهذا عاقبهم النبي ﷺ عقوبة عظيمة شديدة، لتكون رادعا لغيرهم من مثل هذا العدوان، فدل ذلك على أنه يجب على ولاة الأمور أن يعنوا بهذه الأمور، وأن يجتهدوا في عقاب المجرمين، والأخذ على أيدي السفهاء. كل ذلك حفظا للأمن وراحة للمسلمين، مع ما في ذلك من الحياة الكريمة والسلامة من شر المجرمين والمفسدين في الأرض. ومن تتبع سيرته ﷺ ، وسيرة أصحابه ﵃ أجمعين -، من الخلفاء الراشدين وغيرهم عرف ذلك. فكان الخلفاء الراشدون ﵃ وأرضاهم - في غاية من العناية بأمر المسلمين، والحرص على سلامتهم وأمنهم، وحياتهم الكريمة، فلما ارتد من ارتد من العرب قام الصديق في أمرهم، وأمر بقتالهم وتوقف عمر ﵁ في هذا بعض الشيء، ثم شرح الله صدره لما عرف الحق، ووافق هو والصحابة على ذلك، فقام الصديق في هذا الأمر العظيم، قياما كبيرا، وجهز الجيوش لقتال المرتدين والقضاء عليهم، ودعوتهم إلى الرجوع إلى دين الله

стр. 752

الذي بعث به محمد ﷺ ، فمن قبل الحق، ورجع إليه قبل منه الصديق ﵁ وكف عنه، ومن أبى قوتل على ذلك، حتى يرجع أو يقضى عليه. وفي ذلك حفظ للأمن وتثبيت للإسلام ولحياة المسلمين الكريمة، وإقامة للدعوة إلى الحق، وتثبيت للإيمان في القلوب، والتحذير من أن يدب هذا البلاء إلى غيرهم، فتعظم المصيبة، ويعظم الخطر، فعاجلهم الصديق ﵁ وأرضاه - بالسرايا والجيوش، حتى قضى على من استمر في ردته، وحتى هدى الله من هدى على يديه. فحصل بذلك من الأمن والعافية والطمأنينة ورجوع الكثير إلى الإسلام ما حصل، كل هذا ببركة الجهاد في سبيل الله، وقتال أعداء الله، والأخذ على أيدي المفسدين، إلى غير ذلك مما جرى في عهده ﵁ وأرضاه -، ثم في عهد عمر بعد ذلك، قام ﵁ أعظم قيام، واجتهد في بعث الجيوش إلى الشام والعراق وغير ذلك، وقام بغاية المطلوب من الجهاد ﵁ وأرضاه -، وذكر النبي ﷺ رؤيا في رؤياه العظيمة؛ أن الدلو استحال في يده غربا حتى ضرب الناس بعطن، ففي ذلك إشارة إلى ما فتح الله على يديه من الفتوحات العظيمة، وما حصل بسبب ذلك من الأمن والطمأنينة في البلاد، والحياة الكريمة للمسلمين. وما أسباب ذلك إلا تطبيق شريعة الله، والقيام بأمر الله وتنفيذه لحدوده، وإقامة ولاة أمور المسلمين للجهاد العظيم، في سبيل الله حتى أمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحتى

стр. 753

دخل الناس في الإسلام عن رغبة وبصيرة، وعاشوا في بلادهم حياة كريمة، بأسباب قيامهم جميعا بأمر الله وجهادهم في سبيل الله، وتعاونهم على الخير. وهكذا في عهد عثمان ﵁ وأرضاه -، حصل من الخير الكثير، والجهاد العظيم ما حصل، واتسعت رقعة الإسلام في زمانه، وكثر الخير في وقت خلافته، ثم جرى ما جرى في آخر خلافته، وبعد مقتله من خلاف، فجرى بهذا شر عظيم، وفساد كبير، بسبب الاختلاف والتنازع الذي وقع من بعض الناس حتى أثاروا الشر والفساد بين المسلمين، وتسببوا في قتل عثمان ﵁ وأرضاه. ثم ظهرت الخوارج وجرى ما جرى بسببهم هذا الفساد، وبسبب الإخلال بأمر الله، ثم رد الله الكرة واجتمعت الكلمة على معاوية ﵁ وأرضاه -، فعادت الأمور إلى مجاريها، واطمأن المسلمون، وساد الأمن في الأرض وقام الجهاد إلى غير ذلك. وهذه أمثلة طاهرة فيها عظة وعبرة، وفي خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه -، حصل أيضا انتشار عظيم لهذا الخير العظيم، فإنه باستقامته وصلابته في الحق وجهاده فيه، ورده المظالم، وقيامه أكمل قيام حسب طاقته في تطبيق الشريعة، حصل في زمانه من الخير العظيم والطمأنينة والأمن، والحياة الكريمة ما حصل، كل ذلك بأسباب قيامه بأمر الله، وتطبيقه لشريعة الله، وجهاده في سبيل الله، وإنصافه للمظلوم وردعه للظالم، وتنفيذه

стр. 754

الحدود إلى غير ذلك، مما حصل في خلافته من الخير. وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه، وأن يرزقنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يوفق ولاة أمر المسلمين لتطبيق شريعته، وتنفيذ حدوده، وإقامة أمره في أرضه، كما أسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يثبتهم على الإيمان وأن يعينهم على تطبيق الشريعة، في أقوالهم وأفعالهم وعباداتهم ومعاملاتهم وغير ذلك، وأن يرزقنا جميعا الفقه في الدين، والاستقامة على أمر الله ، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه جل وعلا جواد كريم. والحمد لله رب العالمن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 755

الإسلام هو الدين الحق وما سواه من الأديان باطل (١) الحمد لله الذي ارتضى لأمة محمد ﷺ دين الإسلام، وجعل شريعة محمد ﷺ خاتمة الشرائع وأكملها، وأرسل بها أفضل خلقه محمدا ﷺ وبعد: فقد- اطلعت على ما نشر في جريدة اليوم العدد ٤٠٨٠ وتاريخ ١٢\٨\١٤٠٤ هـ الصفحة الأخيرة تحت عنوان معبد غريب للسيخ في الإمارات نقلا عن وكالة أنباء الخليج. وقد جاء في ذلك الخبر ما يلي: (ووصف أحد علماء المسلمين في دبي هو الدكتور محمود إبراهيم الديك هذا المعبد بأنه يشكل خطرا كبيرا على المسلمين وينبغي إزالته. وقال: إن الديانات المسموح بها في الإمارات هي التي لها كتاب سماوي فقط أما ما عدا ذلك فهي معتقدات كافرة ينبغي إزالة معابدها ومنعها من ممارسة طقوسها حتى لا تؤثر على المسلمين في هذه الأرض" انتهى كلامه. ومن يقرأ كلام الدكتور محمود الديك هذا يدرك منه أمرين: أحدهما: أن اليهودية والنصرانية مسموح بهما في الإمارات سواء الانتماء إليهما أو إقامة معابد لهما أو مزاولة كافة طقوسهما. ومعنى ذلك أن التبشير النصراني علني ومسموح له رسميا هناك وهذا أمر خطير.

стр. 756

والأمر الثاني: وهو أخطر من الأول: الحكم ضمنا من واقع كلام هذا المتحدث بأن الديانات السماوية كاليهودية والنصرانية ليست كافرة، وبالتالي فإنه إذا كان الأمر كذلك يجوز الدخول فيهما والانتماء إليهما والدعوة إليهما والتبشير بهما. ولن أتعرض لمعبد السيخ هذا لأن الخبر جاء فيه بأن الشيخ عبد الجبار الماجد مدير أوقاف دبي قال: بأن البلدية سوف تزيل هذا المعبد فجزاه الله خيرا؛ لأن وجود هذا المعبد يتضمن الدعوة إلى عبادة الأوثان التي يجب إنكارها. أما كلام الدكتور محمود الديك فمعلوم ما فيه من بطلان وغلط فإن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣) هذا وقد وصف الله اليهود والنصارى بالكفر لما قالوه عن الله، وبما حرفوه وغيروه في كتبهم، وتجاوزهم الحد في القول والعمل تبعا لما تصف ألسنتهم، وتستهوي نفوسهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤)

стр. 757

وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥) والآيات الكريمات في هذا المعنى كثيرة، مما يعلم معه بأن الديانة اليهودية والديانة النصرانية قد نسختا بشريعة محمد ﷺ . وأن ما فيهما من حق أثبته الإسلام، وما فيهما من باطل هو مما حرفه القوم، وبدلوه حسب أهوائهم. ليشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. فدين الإسلام هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض وهو الدين الذي بشر به جميع الأنبياء. روى النسائي عن النبي ﷺ «أنه رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا واتبعتموه وتركتموني ضللتم (٦) » .

стр. 758

وفي رواية: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. وكما أن عيسى ﵇ جاء مجددا لديانة موسى وليحل لهم بعض ما حرم عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٢) فإنه كذلك سينزل في آخر الزمان ليجدد رسالة محمد ﷺ : «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية (٣) » رواه مسلم، قال النووي في شرحه: قوله: يضع الجزية: أي لا يقبل إلا الإسلام أو السيف. اهـ. وعندما يرى هذه الآية أهل الأرض فعند ذلك يرجع لدين الإسلام من هدى الله قلبه، ويدخل فيه من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى. فيؤمن بعيسى بعدما ظهرت أمامه الآيات الساطعات، التي تتجلى فيها أنوار الحق الواضحة. والإيمان بعيسى ﵇ في ذلك الوقت تصديق برسالة محمد ﷺ . وبالدين الذي جاء به من عند ربه وهو الإسلام. حيث ينكشف الكذب ويظهر الزيف الذي أدخله الأحبار والرهبان على الديانة النصرانية واليهودية، ليضلوا الناس، ويلبسوا عليهم دينهم. قال الله تعالى في قصة عيسى ﵇ مع أهل الكتاب الذين قالوا بأنهم قتلوه موضحا كذبهم وأن منهم من سوف يؤمن بعيسى - عليه

стр. 759

السلام - قبل موته؛ لأن الموت حق على جميع البشر في هذه الحياة الدنيا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢) وهذا الموقف الذي أبانه القرآن الكريم جاء بعد أن وصفهم بالكفر في آية قبلها وهي قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٣) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٤) وفي عهد رسول الله ﷺ وبعد أن وضحت شريعة الإسلام لأهل الأرض دخل من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى في الإسلام بعدما عرف الحق. وتبرأ من الاعتقادات التي تناقض شرع الله الذي شرع لعباده، وهي الوحدانية لله جل وعلا. وعدم الإشراك معه في العبادة والاعتقاد. ودين الإسلام هو: الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه منذ الأزل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨)

стр. 760

ودين الإسلام هو الطريق المستقيم الموصل إلى الله. كما ورد في تفسير سورة الفاتحة، فإن العبد يدعو ربه بأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يبعده عن طريق المغضوب عليهم وهم اليهود الذين عصوا الله عن علم ومعرفة، وطريق الضالين وهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال. ومما ذكرناه يتضح أن الطريق إلى الله واحد وهو دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ كما بعث جميع الرسل وأن جميع ما خالفه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو وثنية أو غير ذلك من نحل الكفر كله باطل، وليس طريقا إلى الله ولا يوصل إلى جنته وإنما يوصل إلى غضبه وعذابه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢) » رواه الإمام مسلم في صحيحه. والله المسؤول أن يمنحنا وجميع المسلمين الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يهدينا جميعا الصراط المستقيم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 761

التقوى سبب كل خير الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه سيدنا وإمامنا ونبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم القيامة، أما بعد: فلشدة الحاجة إلى التقوى ولعظم شأنها، ولكون كل واحد منا، بل كل واحد من المسلمين في أشد الحاجة إلى التقوى والاستقامة عليها، رأيت أن أكتب فيها كلمة موجزة عسى الله أن ينفع بها المسلمين فأقول: كل من تدبر موارد التقوى في كتاب الله وفي سنة رسوله محمد ﵊، علم أنها سبب كل خير في الدنيا والآخرة. فأنت يا عبد الله إذا قرأت كتاب ربك من أوله إلى آخره، تجد التقوى رأس كل خير، ومفتاح كل خير، وسبب كل خير في الدنيا والآخرة، وإنما تأتي المصائب والبلايا والمحن والعقوبات بسبب الإهمال أو الإخلال بالتقوى وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها، فالتقوى هي سبب السعادة والنجاة وتفريج الكروب والعز والنصر في الدنيا والآخرة، ولنذكر في هذا آيات من كتاب الله، ترشد إلى ما ذكرنا، من ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢) قال بعض

стр. 762

السلف: هذه الآية أجمع آية في كتاب الله، أو قال: من أجمع آية في كتاب الله، وما ذاك إلا لأن الله رتب عليها خير الدنيا والآخرة، فمن اتقى الله جعل له مخرجا من مضائق الدنيا ومضائق الآخرة، والإنسان في أشد الحاجة، بل في أشد الضرورة إلى الأسباب التي تخلصه من المضائق في الدنيا والآخرة، ولكنه في الآخرة أشد حاجة وأعظم ضرورة، وأعظم الكربات وأعظم المضائق كربات يوم القيامة، وشدائدها، فمن اتقى الله في هذه الدار فرج الله عنه كربات يوم القيامة، وفاز بالسعادة والنجاة في ذلك اليوم العظيم العصيب، فمن وقع في كربة من الكربات فعليه أن يتقي الله في جميع الأمور، حتى يفوز بالفرج والتيسير، فالتقوى باب لتفريج كربة العسر وكربة الفقر وكربة الظلم وكربة الجهل وكربة السيئات والمعاصي وكربة الشرك والكفر إلى غير ذلك، فدواء هذه الأمور وغيرها أن يتقي الله بترك الأمور التي حرمها الله ورسوله، وبالتعلم والتفقه في الدين حتى يسلم من داء الجهل، وبالحذر من المعاصي والسيئات حتى يسلم من عواقبها في الدنيا والآخرة، فالسيئات لها عواقب في الدنيا من عقوبات قدرية، أو عقوبات شرعية، من الحدود والتعزيرات والقصاص، ولها عقوبات في الآخرة، أولها عذاب القبر، ثم بعد الخروج من المقابر بعد البعث والنشور عقوبات وشدائد يوم القيامة، ومن عقوباتها أيضا أن الإنسان يخف ميزانه بسبب إضاعة التقوى، ويرجح ميزانه بسبب استقامته على التقوى، ويعطى كتابه بيمينه إذا استقام على التقوى، وبشماله إذا انحرف عن التقوى، ويدعى إلى الجنة إذا استقام على التقوى،

стр. 763

ويساق إلى النار إذا ضيع التقوى، وخالف التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله. الإنسان محتاج أيضا إلى الرزق الحلال الطيب في هذه الدار، وإلى النعيم المقيم في الآخرة، وهو أحسن نعيم وأعظم النعيم ولا نعيم فوقه، ولا طريق إلى ذلك ولا سبيل إلا بالتقوى، فمن أراد عز الدنيا والرزق الحلال فيها، والنعيم في الآخرة، فعليه بالتقوى. والإنسان محتاج إلى العلم، والبصيرة والهدى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقوى، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١) والفرقان كما قال أهل العلم: هو: النور الذي يفصل به بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال. ولا يخفى على من تأمل أن الاجتهاد في طلب العلم والتفقه في الدين من جملة التقوى، وبذلك يحصل النور والهدى، وهما الفرقان. فالتقوى كلمة جامعة حقيقتها الإيمان والعمل الصالح كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٢) وكما قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) فالتقوى حقيقتها إيمان صادق بالله ورسوله، وبما أخبرت به الرسل عما كان وعما يكون، ثم عمل صالح وهو مقتضى الإيمان وموجبه،

стр. 764

ومن ذلك التعلم والتفقه في الدين وهما من التقوى كما تقدم ولذلك رتب الله على التقوى الفرقان، لأن من شعبها التعلم والتفقه في الدين والتبصر في ما جاء به المصطفى ﵊. فالإنسان قد تضيق أمامه الدروب وتسد في وجهه الأبواب في بعض حاجاته، فالتقوى هي المفتاح لهذه المضائق وهي سبب التيسير لها، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١) وقد جرب سلفنا الصالح وهم الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، كما جرب قبلهم رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - الذين بعثهم الله لهداية البشر، وحصلوا بالتقوى على كل خير، وفتحوا بها باب السعادة وانتصروا بها على الأعداء، وفتحوا بها القلوب، وهدوا بها البشرية إلى الصراط المستقيم. وإنما حصلت لهم القيادة للأمم والذكر الجميل والفتوحات المتتابعة بسبب تقواهم لله، وقيامهم بأمره، وانتصارهم لدينه، وجمع كلمتهم على توحيده وطاعته، كما أن الناس في أشد الحاجة إلى تكفير السيئات وحط الخطايا وغفران الذنوب وسبيل هذا هو التقوى، كما قال : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣) ومن أعظم الأجر الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهكذا المسلمون في أشد الحاجة إلى النصر على أعدائهم والسلامة

стр. 765

من مكائد الأعداء ولا سبيل إلى هذا إلا بالتقوى، كما قال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١) فالمسلمون إذا صبروا في طاعة الله وفي جهاد أعدائه واتقوا ربهم في ذلك بإعداد العدة المستطاعة: البدنية والمالية والزراعية والسلاحية وغير ذلك، نصروا على عدوهم؛ لأن هذا كله من تقوى الله، ومن أهم ذلك إعداد العدة المستطاعة من جميع الوجوه، كالتدريب البدني والمهني، والتدريب على أنواع الأسلحة، ومن ذلك إعداد المال، وتشجيع الزراعة والصناعة، وغير ذلك مما يستعان به على الجهاد، والاستغناء عما لدى الأعداء، وكل ذلك داخل في قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢) ولا يتم ذلك إلا بالصبر. والصبر من أعظم شعب التقوى وعطفها عليه في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٣) من عطف العام على الخاص، فلا بد من صبر في جهاد الأعداء، ولا بد من صبر في الرباط في الثغور، ولا بد من صبر في إعداد المستطاع من الزاد والبدن القوي المدرب، كما أنه لا بد من الصبر في إعداد الأسلحة المستطاعة التي تماثل سلاح العدو أو تفوقه حسب الإمكان، ومع هذا الصبر لا بد من تقوى الله في أداء فرائضه وترك محارمه والوقوف عند حدوده، والانكسار بين يديه والإيمان بأنه الناصر، وأن النصر من عنده لا بكثرة الجنود ولا بكثرة العدة ولا بغير ذلك من أنواع الأسباب، وإنما النصر من عنده سبحانه، وإنما جعل الأسباب لتطمين القلوب

стр. 766

وتبشيرها بأسباب النصر، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) الآية وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤) الآية. وهذه الأعمال من شعب التقوى، وبهذا يعلم معنى قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٥) فإذا أراد المسلمون النصر والعزة والنجاة في الدنيا والآخرة وتفريج الكروب وتيسير الأمور وغفران الذنوب وتكفير السيئات والفوز بالجنات إلى غير هذا من وجوه الخير فعليهم بتقوى الله ، والله وصف أهل الجنة بالتقوى فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٦) وقال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٨) فبين سبحانه أنه أعد الجنة لأهل التقوى، فعلمت يا أخي أنك في أشد الحاجة إلى أن تتقي ربك، ومتى اتقيته سبحانه حق التقوى فزت بكل خير ونجوت من كل شر، وليس المعنى أنك لا تبتلى، بل قد تبتلى وتمتحن، وقد أبتلي الرسل وهم أفضل الخلق وأفضل المتقين؛ حتى يتبين للناس صبرهم

стр. 767

وشكرهم وليقتدى بهم في ذلك، فبالابتلاء يتبين صبر العبد وشكره ونجاته وقوته في دين الله ، كما قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) فلا بد من الامتحان والفتنة كما تقدم، وكما قال جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥) فالاختبار لا بد منه، فالرسل وهم خير الناس امتحنوا بأعداء الله. نوح ما جرى عليه من قومه، وهكذا هود، وصالح، وغيرهم وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين، وإمام المتقين، وأفضل المجاهدين، ورسول رب العالمين. قد علم ما أصابه بمكة، وفي المدينة وفي الحروب، ولكنه صبر صبرا عظيما حتى أظهره الله على أعدائه وخصومه، ثم ختم له بأن فتح عليه مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، فلما أتم الله النعمة عليه وعلى أمته وأكمل لهم الدين اختاره إلى الرفيق الأعلى وإلى جواره ﵊ بعد المحنة العظيمة والصبر العظيم والبلاء الشديد، فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم أو يقول متى كنت متقيا أو مؤمنا فلا يصيبني شيء، ليس الأمر كذلك بل لا بد من

стр. 768

الامتحان، ومن صبر حمد العاقبة، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) ، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) فالعاقبة الحميدة لأهل التقوى، متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النفوس، فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) فأنت يا عبد الله في أشد الحاجة إلى تقوى ربك، ولزومها، والاستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الامتحان، ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالي، واذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا، واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة. فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر، فإن قلت ما هي التقوى؟ فقد سبق لك شيء من بيانها، وقد تنوعت عبارات العلماء في التقوى، وروي عن عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين ﵁ ورحمه - أنه قال: (ليس تقوى الله بقيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى أداء فرائض الله وترك محارمه، فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير) ا. هـ. فمن رزق بعد أداء الفرائض وترك المحارم نشاطا في فعل النوافل وترك المكروهات والمشتبهات فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب التابعي المشهور ﵀:

стр. 769

تقوى الله أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله) وقال بعضهم في تفسيرها التقوى طاعة الله ورسوله، وقال آخرون: التقوى: أن تجعل بينك وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيك ذلك بفعل الأوامر وترك النواهي، وكل هذه العبارات معانيها صحيحة. فالتقوى حقيقتها هي: دين الإسلام، وهي: الإيمان والعمل الصالح، وهي: العلم النافع والعمل به، وهي: الصراط المستقيم، وهي: الاستسلام لله والانقياد له جل وعلا بفعل الأوامر، وترك النواهي عن إخلاص كامل له سبحانه، وعن إيمانه به ورسله، وعن إيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله، إيمانا صادقا يثمر أداء الخير والحذر من الشر والوقوف عند الحدود، وإنما سمى الله دينه تقوى لأنه يقي من استقام عليه عذاب الله وغضبه، ويحسن لربه العاقبة جل وعلا، وسمى هذا الدين إسلاما، لأن المسلم يسلم نفسه لله وينقاد لأمره، يقال أسلم فلان لفلان أي انقاد له، ولهذا سمى الله دينه إسلاما في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) وغيرها من الآيات، لأن المسلم انقاد لأمر الله وذل لعظمته، فالمسلم حقا ينقاد لأمر الله، ويبتعد عن نهيه ويقف عند حدوده، قد أعطى القيادة لربه فهو عبد مأمور، رضاه وأنسه ومحبته ونعيمه في امتثال أمر الله وترك نهيه، هذا هو المسلم الحق. ولهذا قيل له مسلم، يعني منقادا لأمر الله تاركا لمحارمه واقفا عند حدوده، يعلم أنه عبد مأمور عليه الامتثال، ولهذا سمي

стр. 770

الدين عبادة كما سمي إسلاما، سمي عبادة كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١) وفي قوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) فسمي عبادة. لأن العباد يؤدون أوامر الله ويتركون نواهيه عن ذل وخضوع وانكسار، وعن اعتراف بالعبودية، وأنهم مماليك لله وأنه سيدهم، وأنه القاهر فوقهم، وانه العالم بأحوالهم، وأنه المدبر لشؤنهم، فهم عبيد مأمورن ذليلون منقادون لأمره ، فلهذا سمى الله دينه عبادة. لأن العبادة عند العرب هي: التذلل والخضوع والانكسار، يقولون طريق معبد، يعني مذلل قد وطأته الأقدام، ويقولون أيضا: بعير معبد، يعني قد شد ورحل حتى ذل للركوب والشد عليه، فسميت طاعاتنا لله عباده؛ لأننا نؤديها بالذل والخضوع لله جل وعلا، وسمي العبد عبدا، لأنه ذليل بين يدي الله مقهور مربوب للذي خلقه وأوجده، وهو المتصرف فيه . وسمي هذا الدين أيضا إيمانا؛ لأن العباد يؤدونه عن إيمان بالله وتصديق به ورسله، فلهذا سمي دين الله إيمانا لهذا المعنى كما في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٣) » أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم، فبين ﵊ أن الدين كله إيمان وأن أعلاه قول لا إله إلا الله، فعلمنا بذلك أن الدين كله عند الله إيمان، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٤)

стр. 771

فسماهم بذلك؛ لأنك أيها المؤمن بالله واليوم الآخر تؤدي أعمالك وطاعتك وتترك المحارم عن إيمان وتصديق بأن الله أمرك بذلك، ونهاك عن المحارم، وأنه يرضى منك هذا العمل، ويثيبك عليه، وأنه ربك ولم يغفل عنك وأنت تؤمن بهذا، ولهذا فعلت ما فعلت فأديت الفرائض، وتركت المحارم، ووقفت عند الحدود، وجاهدت نفسك لله . وسمى الدين برا؛ لأن خصاله كلها خير، وسمى هذا الدين هدى؛ لأن من استقام عليه فقد اهتدى إلى خير الأخلاق وإلى خير الأعمال؛ لأن الله بعث نبيه ﷺ ليكمل مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما في الحديث عنه ﵊ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (١) » وفي حديث أنيس أخي أبي ذر قال: «سمعت رسول الله ﷺ يدعو إلى مكارم الأخلاق» فهذا الدين سمي هدى؛ لأنه يهدي من استقام عليه إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما قال : ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) وقال في أهله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (٣) وقال في أهله أيضا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٤) وبهذا تعلم يا أخي معنى هذه الألفاظ (الإسلام) ، (الإيمان) (التقوى) ، (الهدى) (البر) : العبادة، إلى غير ذلك. وتعلم أيضا أن هذا الدين الإسلامي قد جمع الخير كله فمن

стр. 772

استقام عليه، وحافظ عليه، وأدى حقه، وجاهد نفسه، بذلك فهو متق لله، وهو موعود بالجنة والكرامة، وهو موعود بتفريج الكروب، وتيسير الأمور، وهو الموعود بغفران الذنوب، وحط الخطايا، وهو الموعود بالنصر على الأعداء، والسلامة من مكائدهم إذا استقام على دين الله وصبر عليه، وجاهد نفسه لله، وأدى حق الله وحق عباده، فهذا هو المتقي وهو المؤمن، وهو البر، وهو المفلح، وهو المهتدي والصالح، وهو المتقي لله ، وهو المسلم الحق. وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للتقوى، وأن يأخذ بأيدينا جميعا لما يرضيه وأن يجعلنا جميعا من عباده الصالحين ومن حزبه المفلحين، وأن يمن علينا بالاستقامة على تقواه في كل أقوالنا وأعمالنا، والدعوة إلى ذلك، والصبر عليه، إنه سبحانه جواد كريم، والحمد لله رب العالمن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 773

العلم بأحكام الله من أهم الواجبات (١) الحمد لله رب العالمن، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه، ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن العلم بأحكام الله أمر ضروري على كل مسلم ومسلمة في كل ما لا يسعهما جهله، ليسيرا في عبادتهما لربهما على هدى وبصيرة. ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به، إلا إذا عرف أحكامه، وأولاها اهتمامه وعنايته، وبذل جهده وطاقته للإلمام بها، لتكون عبادته لربه بنيت على أساس صحيح ومتين، ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدين، والأخذ بها فقد هدي إلى صراط الله المستقيم، وحصل على خير كثير. يقول الله سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: الحكمة القرآن. يعني:

стр. 774

تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر. رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد يعني بالحكمة: الإصابة في القول. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العاليه: الحكمة: خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني عن أبي عمار الأسدي عن ابن مسعود مرفوعا: رأس الحكمة مخافة الله. وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة: السنة. وقال وهب عن مالك: قال زيد بن أسلم: الحكمة: العقل، قال مالك: (إنه ليقع في قلبي أن الحكمة: هي الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله. ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله) . ا. هـ كلام ابن كثير ﵀. ولكي ندرك أهمية الفقه في دين الله وأنه نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة. ولكي ندرك أهميته وجدواه نجد النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢) » متفق عليه. ويقول ﵊: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي

стр. 775

قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (١) » رواه البخاري ومسلم. ويقول ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها (٢) » رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. ولقد برز حبر الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ في معرفة الدين فقها وتفسيرا، وتوسع في علوم الشريعة ووعاها ببركة دعاء رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٣) » إنها دعوة مباركة من رسول مبارك، تقبلها الله منه ﵊، ونعمة أنعم الله بها على ابن عباس ﵄ وأرضاهما -، وقد برز في عهده وقبله وبعده أئمة أفذاذ في أصول الدين وفروعه، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم حملوا أمانة التبليغ والدعوة وأدوها أحسن ما يكون الأداء، وبصروا الناس بدين الإسلام، سواء في حلقات الدروس والمذاكرة والإرشاد المنتشرة في بيوت الله، أو فيما خلفوه من تراث علمي ومؤلفات قيمة في شتى فروع العلم الشرعي وغيره من العلوم الأخرى التي تخدم الشريعة وترتبط بها، وهيأ الله ولاة صالحين يبذلون بسخاء في سبيل نشر العلم وتشجيع العلماء وطلاب العلم. إن التفقه في الإسلام وما اشتمل عليه من أحكام، يقتضي البحث والاطلاع لمعرفة حكم الله في كل قضية تعرض للمسلم في حياته، فلا يتجاوز هذه القضية دون بحث واستقصاء ليصل إلى
следующие страницы →