حكم إعطاء المدين
الزكاة كلها لقضاء دينه
س: لي أخ متزوج فقير وعليه دين، وأخت متزوجة من فقير وعليه دين، فهل يجوز لي دفع زكاة مالي إليهما بالكامل؟ إذا كانت الزكاة تغطي ديونهما، أو دفع جزء من زكاة المال لهما؟
стр. 7597
ج: لا مانع من دفع الزكاة إليهما إذا كانا مسلمين وعليهما دين يغطي زكاتك لا يستطيعان قضاءه؛ لأنهما داخلان في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) وبالله التوفيق.
стр. 7598
الزكاة لا تعطى لكافر
إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم
س: أيصح إعطاء الزكاة لذمي؟ (١)
ج: الزكاة على قول الجمهور لا تعطى لذمي ولا غيره من الكفرة، وهو الصواب، والآيات والأحاديث في هذا كثيرة معلومة؛ لأن الزكاة مواساة من المسلمين لفقرائهم، ورعاية لسد حاجتهم، فيجب أن توزع بين فقرائهم، وغيرهم من بقية الأصناف الثمانية، إلا أن يكون الكافر من المؤلفة قلوبهم، وهم الرؤساء المطاعون في عشائرهم، فيعطى ترغيبا له في الإسلام
стр. 7599
أو لكف شره عن المسلمين، كما يعطى المؤلف أيضا لتقوية إيمانه إذا كان مسلما، أو لإسلام نظيره، أو لغير ذلك من الأسباب التي نص عليها العلماء.
والأصل في ذلك قوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه لليمن: «ادعهم إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (٢) » الحديث متفق عليه.
стр. 7600
عادة المناخ تبرع سنوي من الدولة
س: هل يجوز استلام العادة السنوية المسماة المناخ إذا كنت موظفا وأستلم راتبا شهريا، وهل يستحقها أيضا أولادي؟ (١)
стр. 7601
ج: عادة المناخ تبرع من الدولة سنوي لا بأس بها، والدولة تتبرع لكل الرعية من بادية وحاضرة، فإذا أخذت عادة المناخ فلا بأس، وإذا مات صاحبها فهي لورثته إلا إذا منعتها الحكومة. والله الموفق.
стр. 7602
حكم التسول
س: ما حكم الدين في التسول؟
ج: التسول لا يجوز إلا في أحوال ثلاث قد بينها النبي ﷺ في الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة فقال ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (١) » ثم قال ﷺ : «ما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكله صاحبه
стр. 7603
سحتا (١) » ، فهذا الحديث: قد أوضح فيه النبي ﷺ أنواع المسألة المباحة، وأن ما سواها محرم، فمن كان عنده ما يسد حاجته من راتب وظيفة أو تجارة أو غلة وقف أو عقار أو كسب يدوي من نجارة أو حدادة أو زراعة أو نحو ذلك حرمت عليه المسألة.
أما من اضطر إليها فلا حرج عليه أن يسأل بقدر الحاجة، وهكذا من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين أو النفقة على أهله وأولاده، فلا حرج عليه أن يسأل لسد الغرامة. والله ولي التوفيق.
стр. 7604
س: بعض المتسولين يسألون الناس في المساجد وبعض الأئمة يمنعونهم من السؤال، فهل لديهم دليل على منعهم؟ وهل يجوز إعطاؤهم؟
ج: لا أعلم بأسا في ذلك، ولا أعلم حجة لمن منعه. لكن إذا كان السائلون يتخطون رقاب الناس ويمشون بين الصفوف فينبغي منعهم؛ لما في عملهم هذا من إيذاء المصلين، وهكذا وقت خطبة الجمعة يجب أن يمنعوا لوجوب الإنصات عليهم وعلى غيرهم من المصلين؛ ولأن سؤالهم في هذه الحال يشغل غيرهم عن استماع الخطبة.
стр. 7605
باب صدقة التطوع
стр. 7606
صفحة فارغة
стр. 7607
الحث على تفقد أحوال
المسلمين أفرادا وجماعات (١)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير الخلق أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها الإخوة في الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
يقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٤)
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (٥) » ، ويقول ﵊: «من كان في
стр. 7608
حاجة أخيه كان الله في حاجته (١) » .
هذه الأدلة وغيرها من الكتاب والسنة تدعونا إلى العناية والاهتمام بإخواننا المسلمين أفرادا وجماعات في كل بقاع الأرض، وتفقد أحوالهم، ومعرفة واقعهم، وتحسس آلامهم، ورصد احتياجاتهم، ومعرفة مطالبهم، ثم العمل على مساعدتهم، كل بحسب استطاعته، مع العناية بتقديم الأهم على المهم، وهكذا فهناك من المسلمين في بلاد المسلمين، وفي غيرها من البلدان الأخرى من يحتاجون إلى الطعام والكساء، وهناك من يحتاج إلى التعليم والتدريب، وهناك من يحتاج إلى الكتاب والمدرسة، وهناك من يحتاج إلى بناء مسجد تقام فيه الصلاة، ويذكر فيه اسم الله، وهناك من يحتاج إلى المدرس والمرشد والداعية إلى الله، يذكرهم بالله، ويبين لهم حقيقة الإسلام، ويوضح لهم أحكام دينهم، حتى يعبدوا الله على هدى وبصيرة، وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى الطبيب وإلى المستشفى لعلاج مرضاهم، وإلى المأوى المناسب يقيهم الحر
стр. 7609
والبرد، ويحفظ لهم إنسانيتهم وكرامتهم.
أيها الإخوان: لا يخفى عليكم ما يعانيه الكثير من إخوانكم المسلمين في سائر بلاد الله من فقر وجهل وبؤس وحرمان وبطالة ومرض وجهل بأحكام الدين، مما يوجب التعاون ومضاعفة الجهد لحماية الإنسان المسلم، وإنقاذه من أسباب الهلاك، وإن هذه المؤسسة المباركة " الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية " لهي منشأة خيرة، جديرة بكل دعم وتشجيع ومساندة، فأهدافها وغاياتها واضحة، وهي العناية بمعرفة آلام المسلمين ومعالجة مشاكلهم أينما كانوا، والحفاظ على هويتهم الإسلامية، وعطاؤها للعالم الإسلامي كله، ومن أبرز صفات هذه الهيئة: أنها لا تتسم بصفة بيئية، أو تنخرط في انتماءات معينة مهما كان نوعها، إلا الانتماء الإسلامي الخيري، المستلهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
لذا فإنني أدعو جميع أهل الخير ممن وهبهم الله المال، وأعطاهم سعة في الرزق، أن يبادروا في الإنفاق في سبيل الله، وذلك بدعم هذه المنشأة الخيرية بالمال، والإسهام في مشاريعها المتنوعة، لكي تتمكن من القيام بأعمالها، وتحقق أهدافها الإسلامية النافعة. وقد وعد الله المنفقين بالخلف في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١)
стр. 7610
وقال سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (١)
ومن الأمور المعتبرة لدعم هذه الهيئة الخيرية أن القائمين عليها هم من الرجال الثقات المخلصين الذين نذروا أنفسهم، وبذلوا أموالهم، وفرغوا أوقاتهم لإيصال الخير والنفع لأكبر عدد من المحتاجين من المسلمين، فهذا مما يشجع المسلم ويطمئنه إلى أن ما يبذله من مال هو في أيد أمينة، تنميه وتزكيه حتى يصل إلى مستحقيه.
إخواني: وبهذه المناسبة فإنني أوصيكم ونفسي بتقوى الله ومراقبته في السر والعلن، وأوصي إخواني القائمين على أمر هذه الهيئة الخيرية أن يتقوا الله في أموال هذه الهيئة، وذلك بأن لا يتصرفوا فيها وينموها إلا بالطرق الشرعية الصحيحة، وأن يبتعدوا عن التعامل بها في كل ما تدخله شائبة الربا أو المعاملات المحرمة المخالفة للشريعة الإسلامية، ففي الحديث الصحيح: «أيها الناس! إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:
стр. 7611
وقال: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أكبر، يمد يديه إلى السماء. يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فأنى يستجاب لذلك (٢) » .
والله المسئول أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يمنحكم إصابة الحق في القول والعمل، وأن يعينكم على كل ما فيه إيصال الخير لمستحقه، وأن يضاعف الأجر لنا ولكم ولجميع المساهمين في هذا المشروع، وأن يتقبل من الجميع إنه جواد كريم.
الرئيس العام لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 7612
اليتيم والمسكين وعناية الإسلام بهما (١)
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
لا ريب أن اليتيم والمسكين من أحق الناس بالرعاية والعناية، وقد أكثر الرب في كتابه العظيم من الحث على الإحسان إليهما ورحمتهما ومواساتهما؛ فجدير بالمؤمن والمؤمنة الإحسان إلى من لديه شيء منهما من أيتام المسلمين وفقرائهم؛ فإن الصدقة في هؤلاء في محلها من الزكاة وغيرها.
وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وشبك بين أصبعيه (٢) » . فهذا يدل على عظم أجر كفالة اليتيم والإحسان إليه، كذلك قال ﵊ في الحديث الصحيح: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو قال: كالصائم لا يفطر، والقائم لا يفتر (٣) » . فهذا فضل عظيم، والله
стр. 7613
جل وعلا يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١) ويقول : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢) ويقول : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. واليتيم هو الذي فقد أباه وهو صغير لم يبلغ الحلم، فإذا بلغ الحلم زال عنه وصف اليتيم، وقد يفقد أبويه جميعا فيكون أشد في حاجته وأعظم في ضرورته، وهذا كله إذا فقدهما ولم يخلفا ما يكفيه، أما إذا خلفا له مالا يقوم بحاله، فإنه حينئذ لا يكون محلا للصدقة، وإنما يكون محلا للرعاية والعناية بماله والإحسان إليه حتى ينمو هذا المال ويحفظ، وهو كذلك يكون محل العناية من حيث التربية والتوجيه والتعليم والصيانة عما لا ينبغي، فاليتيم في حاجة من جهة تربيته التربية الإسلامية وتوجيهه وإرشاده، وإذا كان لا مال له كان محتاجا أيضا إلى المال، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٥)
стр. 7614
فلا يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وذلك بالتصرف فيه بالتجارة والتنمية وبالنصح وأداء الأمانة حتى يبلغ اليتيم أشده، أي حتى يبلغ الحلم، ويزول عنه السفه ويكون رشيدا، فإذا رشد دفع إليه ماله وأشهد عليه، ولا يجوز قرب ماله للطمع فيه والإساءة إليه، بل هذا من أعظم أسباب العقوبات وكبائر الذنوب، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١) فأخذ مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات " قلنا ما هن يا رسول الله؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٢) » ، فجعل أكل مال اليتيم من هذه السبع الموبقات أي المهلكات، فعلى من كان عنده يتيم أو يتيمة أن يتقي الله فيهما ويحسن إليهما، ويصون مالهما عما لا ينبغي ويجتهد في تنميته، فقد روي عن
стр. 7615
النبي ﷺ أنه أمر بالاتجار في مال اليتيم لئلا تأكله الصدقة، ولكن الرواية ضعيفة، والمحفوظ أنه من كلام عمر ﵁ وأنه كان يوصي بذلك ﵁ وأرضاه - مخافة أن تأكلها الصدقة.
المقصود أن الأيتام والمساكين لهما حق على المسلمين، فجدير بالمسلمين ألا يغفلوا عنهما وأن يعنوا بهما، واليتيم قد يكون له ولي يحسن في ماله ويجمع له المال ويلطف به، ولكن أولئك الفقراء الكثيرين الذين ليس لهم من يتولاهم ويحسن إليهم جديرون أيضا بأن يراعوا ويحسن إليهم من الزكاة وغيرها، وأن يعطف عليهم من إخوانهم المسلمين، فرحمة المسكين والعطف عليه من أعظم القربات، والله تعالى يقول في كتابه الكريم عن أهل البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) فجعل هؤلاء من أهل التقوى وأهل الصدق بسبب إحسانهم، وعنايتهم بهؤلاء الضعفاء، مع إيمانهم بالله واليوم الآخر
стр. 7616
والملائكة والكتاب والنبيين، وقيامهم بالأعمال المذكورة في هذه الآية، ثم الإحسان إليهم يزيد صاحبه خيرا وفضلا، والله يخلف عليه مع الأجر العظيم كما قال : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١) ويقول النبي ﷺ عن الله أنه قال سبحانه: «أنفق يا ابن آدم أنفق عليك (٢) » ، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا (٣) » .
والإنفاق على المساكين ورحمتهم واللطف بهم والمواساة من أقرب القربات وأفضل الطاعات، والمحسن موعود بأجر عظيم مع الخلف لما أنفق، قال : ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٤)
ثم هذه الصدقة يتقبلها الرب بيمينه حتى
стр. 7617
التمرة الواحدة يتقبلها الله سبحانه من صاحبها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل إذا كانت من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (١) ما يوجه أولياء اليتامى إلا ما هو الأصلح، وأن المقصود هو الإصلاح لهم وعمل ما فيه الخير لهم، وولي اليتيم مفوض في هذا الأمر من جهة الله فيعمل ما هو الأصلح، كما يعمل لنفسه ويجتهد لنفسه إلى ما هو أصلح فيجتهد لليتيم كذلك أو أعظم من ذلك، حتى يكون بريء الذمة قد أدى الأمانة، وأحسن إلى هذا الفقير. وفي الحديث الصحيح: «من لا يرحم لا يرحم (٢) » وفي حديث آخر: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (٣) » .
ونسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للهداية والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 7618
يجب على الوكيل صرف ما
قبض من المتبرعين فيما فوض فيه
س: إذا جمع شخص مالا أو تبرعات وأخبر أصحابها أنها لفرش دار لتحفيظ القرآن الكريم خارج البلاد، وكذلك ليشتري لهذه الدار مصاحف وكتبا دينية، وكان ذلك لكن زاد المبلغ عن الحاجة، فهل له أن:
١ - يشتري بما تبقى مسجلا وأشرطة قرآن للدار كي يستفيد منها الطلبة؟
٢ - يعطي باقي المال لشخص يريد بناء مسجد فيساهم معه ولو بجزء منه، وذلك من غير علم أصحاب التبرعات، فما الحكم؟ (١)
ج: الواجب عليه أن يصرف ما قبضه من المتبرعين لمصلحة الدار من الفرش والكتب وغير ذلك، وليس له أن يصرف منها شيئا في دار أخرى أو مسجد آخر؛ لأنه لم يفوض في ذلك. والله ولي التوفيق.
стр. 7619
المشروع للمسلم الإكثار من الصدقة ولو بالقليل
س: الأخ أ. ع. م. من بريدة يقول في سؤاله: بعض الناس عندما تطلب منه مساعدة لأحد أو نحو ذلك يقول: وهل أنا وكيل آدم على ذريته؟ وسؤالي يا سماحة الوالد: هل في مثل هذه الكلمة حرج من الناحية الشرعية؟ نرجو التكرم بالتوضيح. جزاكم الله خيرا (١) .
ج: هذه العبارة لا وجه لها ولا ينبغي أن يجاب بها أحد، وإنما المشروع للمسلم أن ينفق مما أعطاه الله ولو قليلا؛ لقول الله : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد قال النبي ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة
стр. 7620
طيبة (١) » ، وقال ﵊: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا تقبله الله بيمينه فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل (٢) » ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فيشرع لكل مؤمن الإكثار من الصدقة ولو بالقليل حتى يجد ثوابها عند ربه أحوج ما يكون إليه. والله ولي التوفيق.
انتهى الجزء الرابع عشر، ويليه
بمشيئة الله تعالى الجزء الخامس
عشر، وهو في (الصيام)
стр. 7621
صفحة فارغة
стр. 7622
صفحة فارغة
стр. 7623
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7624
صفحة فارغة
стр. 7625
كتاب الصيام
стр. 7626
صفحة فارغة
стр. 7627
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - الصيام ليس من خصائص هذه الأمة وحدها
س: شهر رمضان هل هو من خصائص هذه الأمة أم هو عند الأمم السابقة؟ (١)
ج: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) دلت هذه الآية الكريمة على أن الصيام عبادة قديمة فرضت على من قبلنا كما فرضت علينا، ولكن هل هم متقيدون بالصيام في رمضان أم في غيره؟ هذا لا أعلم نصا عن النبي ﷺ .
أما فضائل رمضان وخصائصه فكثيرة، ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه قال: «أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطها أمة قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، وتصفد فيه مردة الجن فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره،
стр. 7628
ويزين الله كل يوم جنته فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليك، ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل: أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله (١) » .
فهذه الخصال بين النبي ﷺ أنها من خصائص هذه الأمة، ومنها قوله ﷺ : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢) » . متفق على صحته. وقال ﵊: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (٣) » . متفق عليه «وكان ﷺ إذا دخل العشر الأخيرة من رمضان شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله (٤) » . متفق عليه.
стр. 7629
٢ - لا أعلم شيئا معينا لاستقبال رمضان
س: هل هناك أمور خاصة مشروعة يستقبل بها المسلم رمضان؟ (١)
ج: شهر رمضان هو أفضل شهور العام؛ لأن الله اختصه بأن جعل صيامه فريضة وركنا رابعا من أركان الإسلام، وشرع للمسلمين قيام ليله؛ كما قال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٢) » . متفق عليه. وقال ﵊: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٣) » . متفق عليه.
ولا أعلم شيئا معينا لاستقبال رمضان سوى أن يستقبله المسلم بالفرح والسرور والاغتباط وشكر الله أن بلغه رمضان، ووفقه فجعله من الأحياء الذين يتنافسون في صالح العمل، فإن بلوغ رمضان نعمة عظيمة من الله. ولهذا كان
стр. 7630
النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان مبينا فضائله وما أعد الله فيه للصائمين والقائمين من الثواب العظيم. ويشرع للمسلم استقبال هذا الشهر الكريم بالتوبة النصوح والاستعداد لصيامه وقيامه بنية صالحة وعزيمة صادقة.
стр. 7631
٣ - فضل صيام رمضان وقيامه
مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقرآن. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام شهر رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس.
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم ﵊ أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم وتغل فيه الشياطين، ويقول ﷺ : «إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي مناد: يا باغي
стр. 7632
الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة (١) فتاوى ابن باز body ﴿font-family: verdana, arial, helvetica, sans-serif; font-size: ١٤px;﴾ h١ ﴿font-size:١٨px﴾ a:link ﴿color:#٣٣c﴾ a:visited ﴿color:#٣٣٩﴾ /* This is where you can customize the appearance of the tooltip */ div#tipDiv ﴿position:absolute; visibility:hidden; left:٠; top:٠; z-index:١٠٠٠٠; background-color:AntiqueWhite; border:١px solid #٣٣٦; padding:٤px; color:#٠٠٠; font-size:١١px; line-height:١.٢;﴾ /* These are optional. They demonstrate how you can individually format tooltip content */ div.tp١ ﴿font-size:١٢px; color:#٣٣٦; font-style:italic﴾ div.tp٢ ﴿font-weight:bolder; color:#٣٣٧; padding-top:٤px﴾
فتاوى ابن باز
تصفح برقم المجلد > المجلد الخامس عشر > كتاب الصيام > فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس
стр. 7633
٣ - فضل صيام رمضان وقيامه
مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقرآن. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام شهر رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس.
ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم ﵊ أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم وتغل فيه الشياطين، ويقول ﷺ : «إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي مناد: يا باغي
стр. 7634
الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة (١) » . ويقول ﵊: «جاءكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا؛ فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله (٢) » .
ويقول ﵊: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٣) » .
ويقول ﵊: «يقول الله : كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (٤) » . والأحاديث في فضل
стр. 7635
صيام رمضان وقيامه وفضل جنس الصوم كثيرة.
فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة، وهي ما من الله به عليه من إدراك شهر رمضان، فيسارع إلى الطاعات، ويحذر السيئات، ويجتهد في أداء ما افترض الله عليه، ولا سيما الصلوات الخمس؛ فإنها عمود الإسلام، وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين. فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة.
ومن أهم واجباتها في حق الرجال؛ أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ كما قال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤) إلى أن قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٧) وقال النبي صلى الله عليه