«مر النبي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر (١) » .
ومن هذه الأحاديث يعلم أن الزيارة الشرعية للقبور يقصد منها تذكر الآخرة، والإحسان إلى الموتى، والدعاء لهم والترحم عليهم.
فأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم أو العكوف عندها أو سؤالهم قضاء الحاجات أو شفاء المرضى أو سؤال الله بهم أو بجاههم ونحو ذلك، فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح ﵃، بل هي من الهجر الذي نهى عنه الرسول ﷺ حيث قال: «زوروا القبور، ولا تقولوا هجرا (٢) » .
وهذه الأمور المذكورة تجتمع في كونها بدعة، ولكنها مختلفة المراتب، فبعضها بدعة وليس بشرك؛ كدعاء الله
стр. 8367
سبحانه عند القبور، وسؤاله بحق الميت وجاهه ونحو ذلك، وبعضها من الشرك الأكبر، كدعاء الموتى والاستعانة بهم، ونحو ذلك.
وقد سبق بيان هذا مفصلا فيما تقدم. فتنبه واحذر، واسأل ربك التوفيق والهداية للحق، فهو سبحانه الموفق والهادي لا إله غيره، ولا رب سواه.
هذا آخر ما أردنا إملاءه، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 8368
صفحة فارغة
стр. 8369
الاختيارات العلمية في مسائل الحج والعمرة
стр. 8370
صفحة فارغة
стр. 8371
كتاب المناسك
١ - الحج والعمرة واجبان على كل مسلم حر مكلف مع الاستطاعة مرة في العمر.
٢ - الحج واجب على الفور مع الاستطاعة في أصح قولي العلماء.
٣ - يجب الحج على من كان عليه دين ويستطيع الحج وقضاء الدين.
٤ - الأفضل عدم الاقتراض لأداء الحج.
٥ - لا يصح حج من كان تاركا للصلاة، وكذا من كان يصلي ويدع الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (١) » رواه الخمسة وهم: أحمد وأهل السنن الأربعة بإسناد صحيح، وقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (٢) » رواه مسلم في صحيحه.
٦ - من حج من مال حرام صح الحج؛ لأن أعمال الحج كلها
стр. 8372
بدنية وعليه التوبة من الكسب الحرام.
٧ - يصح حج المرأة بلا محرم مع الإثم؛ لأنه لا يجوز لها السفر بدون محرم ولو للحج والعمرة.
٨ - إذا حج الصبي أو العبد صح منهما ولا يجزئهما عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى (١) » أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بإسناد حسن.
٩ - من مات ولم يحج وهو يستطيع الحج وجب الحج عنه من التركة أوصى بذلك أو لم يوص.
١٠ - لا تصح الإنابة في الحج عمن كان صحيح البدن ولو كان فقيرا سواء كان فرضا أو نفلا، أما العاجز لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يلزمه أن ينيب من يؤدي عنه الحج المفروض والعمرة والمفروضة إذا كان يستطيع ذلك بماله؛ لعموم قول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)
стр. 8373
١١ - العمى ليس عذرا في الإنابة للحج فرضا كان أو نفلا، وعلى الأعمى أن يحج بنفسه إذا كان مستطيعا؛ لعموم الأدلة.
١٢ - الأفضل لمن حج الفريضة تقديم نفقة الحج النافلة للمجاهدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدم الجهاد على الحج النفل، كما في الحديث الصحيح.
١٣ - من اجتمع عليه حج الفريضة وقضاء صيام واجب كالكفارة وقضاء رمضان أو نحوهما قدم الحج.
١٤ - لا نعلم أقل حد بين العمرة والعمرة، أما من كان من أهل مكة فالأفضل له الاشتغال بالطواف والصلاة وسائر القربات وعدم الخروج خارج الحرم لأداء عمرة إن كان قد أدى عمرة الإسلام.
باب المواقيت
١٥ - الواجب على جميع الحجاج والعمار أن يحرموا من الميقات الذي يمرون عليه أو يحاذونه جوا أو برا أو بحرا؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفا.
١٦ - النبي ﷺ هو الذي وقت المواقيت الخمسة: ذو الحليفة والجحفة وقرن المنازل ويلملم وذات عرق، لكن وافق اجتهاد عمر ﵁ توقيته
стр. 8374
لأهل العراق ذات عرق لسنة الرسول ﷺ ، وكان لم يعلم ذلك حين وقت لهم ذات عرق فوافق اجتهاده ﵁ سنة الرسول ﷺ .
١٧ - من جاوز الميقات بلا إحرام وجب عليه الرجوع، فإن لم يرجع فعليه دم، وهو سبع بقرة أو سبع بدنة أو رأس من الغنم يجزئ في الأضحية، إذا كان حين مر على الميقات ناويا الحج أو العمرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين.
١٨ - من بدا له الحج وهو في مكة فإنه يحرم من مكانه، أما العمرة فلا بد من خروجه للحل؛ لحديث عائشة ﵂ في ذلك.
١٩ - من توجه إلى مكة غير مريد الحج أو العمرة لم يجب عليه الإحرام؛ لأن النبي ﷺ إنما أوجب الإحرام على من نوى الحج أو العمرة أو كليهما.
والعبادات توقيفية ليس لأحد أن يوجب ما لم يوجبه الله ورسوله، كما أنه ليس له أن يحرم ما لم يحرمه الله ورسوله، لكن من لم يؤد الفريضة وجب عليه الإحرام بالحج في وقته أو بالعمرة في أي وقت أداء لما أوجبه الله عليه من الحج والعمرة من أي ميقات يمر عليه.
٢٠ - جدة ليست ميقاتا للوافدين وإنما هي ميقات لأهلها ولمن
стр. 8375
وفدوا إليها غير مريدين للحج أو العمرة ثم أنشئوا الحج أو العمرة منها، لكن من وفد إلى الحج أو العمرة من طريق جدة ولم يحاذ ميقاتا قبلها أحرم منها (١) .
٢١ - أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
باب الإحرام
٢٢ - يشرع للمحرم التلفظ بما نوى من حج أو عمرة أو قران، فيقول: اللهم لبيك عمرة، إن كان أراد العمرة، أو يقول: اللهم لبيك حجا، إن أراد الحج، أو: اللهم لبيك عمرة وحجا، إذا أراد القران.
والأفضل لمن قدم في أشهر الحج وليس معه هدي أن يحرم بالعمرة وحدها ثم يلبي بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ تأسيا بالنبي ﷺ وأصحابه ﵃.
٢٣ - الصبي والجارية دون التمييز ينوي عنهما وليهما ويلبي عنهما ويجنبهما ما يجتنبه المحرم، ويكونان طاهري الثياب حين الطواف بهما.
стр. 8376
٢٤ - إن كان الصبي والجارية مميزين أحرما بإذن وليهما ويفعلان ما يفعله الكبير، فإن عجزا عن الطواف والسعي حملا، ووليهما هو الذي يتولى الحج بهما، سواء كان أباهما أو أمهما أو غيرهما.
٢٥ - النية تكفي عن المستنيب، ولا يحتاج إلى ذكر اسمه، وإن سماه لفظا عند الإحرام فهو أفضل.
٢٦ - لا يجوز لمن أهل بالحج أو العمرة عن نفسه أو عن غيره تغيير النية عمن أهل عنه إلى شخص آخر.
٢٧ - لا تشترط الطهارة الصغرى ولا الكبرى لمن أراد الإحرام، ولهذا صح الإحرام من الحائض والنفساء، وإنما يستحب للجميع الغسل، ويستحب أن يكون الإحرام بعد صلاة مفروضة أو نافلة في حق غير الحائض والنفساء؛ لأن الصلاة لا تصح منهما.
٢٨ - (أ) إذا وصلت الحائض أو النفساء للميقات وجب عليهما أن تحرما إذا كان الحج فريضة أو العمرة. أما إن كانا مستحبين وقد أدتا حجة الإسلام وعمرة الإسلام فإنه يشرع لهما الإحرام من الميقات كغيرهما من الطاهرات في الحج والعمرة؛ رغبة في الخير وتزودا من الأعمال الصالحة؛ لقول الله : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) «
стр. 8377
ولحديث أسماء بنت عميس ﵂، فإنها ولدت في الميقات محمد بن أبي بكر، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل وتحرم (١) » .
فإذا طهرت الحائض أو النفساء طافتا وسعتا لحجهما أو عمرتهما ثم قصرتا إن كانتا محرمتين بالعمرة، أما إن كانتا محرمتين بالحج والعمرة (٢) فإنه يشرع لهما جعل إحرامهما عمرة فتطوفان وتسعيان وتقصران وتحلان ثم تحرمان بالحج في اليوم الثامن كسائر الحجاج المحلين، وإن بقيتا على إحرامهما ولم تحلا فلا بأس، لكن ذلك خلاف السنة؛ «لأن النبي ﷺ أمر أصحابه في حجة الوداع أن يحلوا ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي (٣) » .
(ب) يجوز للحائض قراءة القرآن؛ لعدم الدليل الصريح المانع من ذلك ولكن بدون مس المصحف، وحديث: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٤) » ضعيف.
٢٩ - يجوز للمرأة أخذ حبوب منع العادة في الحج ورمضان
стр. 8378
إذا لم يكن فيها مضرة بعد استشارة طبيب مختص.
٣٠ - كان النبي ﷺ يهل (١) بنسكه إذا انبعثت به راحلته، ومثل الراحلة السيارة يستحب الإهلال في الحج أو العمرة إذا ركب السيارة من الميقات، وهكذا إذا ركبها عند التوجه من مكة إلى منى يوم الثامن.
٣١ - الاشتراط يكون وقت الإحرام إذا دعت الحاجة إليه؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها قالت: «يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها ﷺ : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني (٢) » .
٣٢ - لا يجوز وضع الطيب على ملابس الإحرام، وإنما السنة تطييب البدن عند الإحرام، فإن طيبها لم يلبسها حتى يغسلها.
٣٣ - لا بأس بتغيير ملابس الإحرام بملابس أخرى جديدة أو مغسولة، كما أنه لا بأس أن يغسل ملابس الإحرام التي
стр. 8379
عليه إذا أصابها وسخ أو نجاسة، ويجب غسلها من النجاسة.
٣٤ - من وقع على إحرامه دم كثير وجب عليه غسله، ولا يصلي فيه وفيه نجاسة، ولا يضر اليسير من الدم عرفا.
٣٥ - من لم يجد الإزار لبس السراويل، ومن لم يجد النعلين لبس الخفين بدون قطع، وحديث ابن عمر ﵄ في القطع منسوخ في أصح قولي العلماء؛ لأن النبي ﷺ لما خطب الناس في عرفة ذكر في خطبته: «أن من لم يجد إزارا لبس السراويل، ومن لم يجد نعلين لبس الخفين (١) » ، ولم يذكر القطع؛ فدل على النسخ.
٣٦ - ليس للمرأة ملابس معينة تحرم فيها، ولها أن تحرم بما شاءت، مع مراعاة عدم التبرج وعدم لبس الملابس التي تدعو إلى الفتنة، مع ترك النقاب والقفازين، ولها ستر وجهها ويديها بغير ذلك.
٣٧ - قد أجمع العلماء على صحة الإحرام بأي واحد من
стр. 8380
الأنساك الثلاثة، فمن أحرم بأي واحد منها صح إحرامه، والقول بأن الإفراد والقران قد نسخا قول باطل، لكن التمتع أفضل في أصح أقوال العلماء في حق من لم يسق الهدي، أما من ساق الهدي فالقران له أفضل؛ تأسيا بالنبي ﷺ .
٣٨ - من اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله ثم أحرم بالحج مفردا فليس عليه دم التمتع؛ لأنه في حكم من أفرد الحج، وهو قول عمر وابنه عبد الله ﵄ وغيرهما من أهل العلم.
أما إن سافر إلى غير بلده كالمدينة أو جدة أو الطائف أو غيرها ثم رجع محرما بالحج فإن ذلك لا يخرجه عن كونه متمتعا في أصح قولي العلماء، وعليه هدي التمتع.
٣٩ - من أحرم بالحج في أشهر الحج شرع له أن يفسخه إلى عمرة، وهكذا القارن بين الحج والعمرة يشرع له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة، إذا لم يكن معهما هدي (١) ؛ لصحة السنة عن رسول الله ﷺ بذلك، ويكونان بذلك في حكم المتمتع.
٤٠ - من نوى التمتع أو القران ثم غير النية إلى الإفراد وهو في
стр. 8381
الميقات قبل أن يحرم بواحد منهما فلا بأس؛ لأن النسك إنما يلزم بالإحرام، أما النية السابقة قبل الإحرام فإنها غير ملزمة ولا حرج عليه.
٤١ - لا يصح لمن لبى بالقران أو التمتع أن يقلبهما إلى الإفراد؛ لما تقدم في المسألة التي قبلها.
٤٢ - على من أهل بالعمرة - ثم رفضها - التوبة إلى الله سبحانه وإتمام مناسك العمرة فورا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) الآية، فإن كان قد جامع فعليه ذبيحة تذبح بمكة وتوزع على فقرائها، مع إتمام مناسك العمرة؛ لعموم الآية المذكورة، وعليه عمرة أخرى من الميقات الذي أحرم منه بالعمرة الفاسدة، وهكذا زوجته إن كانت غير مكرهة، مع التوبة إلى الله سبحانه من ذلك.
باب محظورات الإحرام
٤٣ - لا يأخذ المحرم من بشرته ولا من أظفاره ولا من شعره شيئا حتى يحل التحلل الأول.
٤٤ - لا حرج في استعمال الصابون المعطر؛ لأنه ليس طيبا
стр. 8382
ولا يسمى مستعمله متطيبا، وإنما فيه رائحة حسنة فلا يضره إن شاء الله، وإن تركه تورعا فهو حسن.
٤٥ - الحناء ليس طيبا فلا شيء فيه في حق المحرم والمحرمة.
٤٦ - لا حرج في لبس الهيمان والحزام والمنديل.
٤٧ - المرأة المحرمة لا حرج عليها أن تلبس الجوارب والخفين؛ لأنها عورة، ولكن لا تنتقب ولا تلبس القفازين؛ لأن رسول الله ﷺ نهى المرأة المحرمة عن ذلك، ولكن تغطي وجهها بغير النقاب ويديها بغير القفازين.
٤٨ - يباح للمرأة سدل الخمار على وجهها بلا عصابة فهي غير مشروعة، وإن مس الخمار وجهها فلا شيء عليها ويجب عليها ذلك عند وجود الرجل الأجنبي. أما النقاب فلا يجوز لها حال كونها محرمة؛ لأن النبي ﷺ نهى المحرمة عن ذلك وعن لبس القفازين، لكن تغطي وجهها ويديها بغير ذلك.
٤٩ - من جامع زوجته قبل التحلل الأول بطل حجه وحجها ووجب على كل واحد منهما بدنة مع إتمام مناسك الحج، فمن عجز منهما عنها صام عشرة أيام، وعليهما الحج من قابل مع الاستطاعة والاستغفار والتوبة.
٥٠ - من جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني فعليه وعلى
стр. 8383
زوجته إن كانت مطاوعة شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، ومن عجز منهما صام عشرة أيام.
٥١ - من جامع قبل طواف الإفاضة أو بعده قبل السعي إذا كان عليه سعي فعليه دم.
٥٢ - من أنزل عامدا بعد التحلل الأول وقبل الثاني من غير جماع فلا شيء عليه، فإن صام ثلاثة أيام أو ذبح شاة أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع فهو حسن؛ خروجا من خلاف من قال بوجوب الفدية وأحوط، عملا بقول النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (١) » .
٥٣ - من احتلم وهو محرم فلا شيء عليه سوى الغسل.
باب الفدية
٥٤ - ليس على المحرم شيء إن قلم أظافره أو نتف إبطه أو قص شاربه أو حلق عانته أو تطيب ناسيا أو جاهلا؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢)
стр. 8384
وقول النبي ﷺ : «قال الله قد فعلت (١) » ، ولحديث صاحب الجبة.
٥٥ - من خلع الإحرام ولبس المخيط جاهلا أو ناسيا فعليه المبادرة بخلع المخيط متى علم أو ذكر ولا شيء عليه؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢) وقد ثبت عن النبي ﷺ : «أن الله قال: قد فعلت (٣) » ، وثبت عنه ﷺ أن رجلا أحرم في جبة وتضمخ بخلوق واستفتاه في ذلك، فقال ﷺ : «اغسل عنك أثر الخلوق ثلاثا وانزع الجبة (٤) » . ولم يأمره بالفدية من أجل جهله.
باب صيد الحرم
٥٦ - الأدلة الشرعية دلت على أن الحسنات تضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، وتضاعف بكميات كثيرة في الزمان الفاضل كرمضان وعشر ذي الحجة، والمكان الفاضل
стр. 8385
كالحرمين. وأما السيئات فالذي عليه المحققون من أهل العلم أنها تضاعف من حيث الكيفية لا من حيث العدد؛ لقول الله سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١)
٥٧ - من هم بالإلحاد في الحرم المكي فهو متوعد بالعذاب الأليم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) فإذا ألحد أي إلحاد - وهو: الميل عن الحق - فإنه متوعد بهذا الوعيد لهذه الآية الكريمة؛ لأن الوعيد على الهم بالإلحاد يدل على أن الوعيد في نفس الإلحاد أشد وأعظم.
باب دخول مكة
٥٨ - لم يأمر النبي ﷺ بالدخول من باب السلام، وإنما دخل منه، فإن تيسر ودخل منه فهو أفضل وإلا فلا حرج.
٥٩ - السنة للمحرم تغطية كتفيه بالرداء إلا في طواف القدوم فإنه يضطبع بردائه فإذا انتهى أعاد رداءه على كتفيه. والاضطباع هو: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن
стр. 8386
وطرفيه على عاتقه الأيسر إلى أن ينتهي من الطواف، ثم يجعل الرداء على عاتقيه قبل ركعتي الطواف.
٦٠ - يشرع للطائف استلام الحجر الأسود والركن اليماني في كل شوط، كما يستحب له تقبيل الحجر الأسود واستلامه بيده اليمنى إذا تيسر ذلك بدون مشقة، أما مع المشقة والزحام فيكره، ويشرع أن يشير للحجر الأسود بيده أو بعصا ويكبر، أما الركن اليماني فلم يرد فيه فيما نعلم دليل يدل على الإشارة إليه. وإن استلم الحجر الأسود بيده أو بعصا قبل ما استلم به؛ تأسيا بالنبي ﷺ إذا لم يتيسر تقبيل الحجر.
٦١ - يشرع للطائف صلاة ركعتي الطواف خلف المقام؛ للآية الكريمة، وللأحاديث الواردة، فإن لم يتيسر صلاهما فيما شاء من بقية المسجد.
٦٢ - المعروف عند أهل العلم أنه يجوز أن يواصل بين طوافين أو أكثر ثم يصلي لكل طواف ركعتين.
٦٣ - الوضوء شرط في صحة الطواف في أصح قولي العلماء، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لما أراد أن يطوف توضأ ثم طاف، كما صح ذلك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ . وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
стр. 8387
«الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (١) » . فإذا انتقضت الطهارة فعليه أن يتطهر ويعيد الطواف من أول شوط كالصلاة، سواء كان الطواف فرضا أو نفلا.
٦٤ - الأرجح أن خروج الدم لا يؤثر في الطواف إذا كان يسيرا من غير الدبر والقبل كالصلاة.
٦٥ - متى طهرت النفساء قبل الأربعين جاز لها الطواف وغيره، وليس لأقل النفاس حد، أما أكثره فأربعون يوما، فإن لم تطهر بعد الأربعين اغتسلت وصامت وصلت وطافت وحلت لزوجها، وتتوضأ لكل صلاة حتى ينقطع الدم كالمستحاضة.
٦٦ - من قطع طوافه للصلاة بدأ من حيث انتهى ولا يلزمه العود إلى أول الشوط في أصح قولي العلماء، وإن بدأ من أول الشوط خروجا من الخلاف فهو حسن إن شاء الله؛ لما فيه من الاحتياط.
(أ) يجوز لحامل الطفل أن ينوي الطواف والسعي عنه
стр. 8388
وعن الطفل؛ لأن النبي ﷺ «لما سألت المرأة عن الطفل فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر (١) » ، ولم يأمرها أن تخصه بطواف أو بسعي؛ فدل ذلك على أن طوافها به وسعيها به مجزئ عنهما.
٦٧ - يستحب للحاج والمعتمر وغيرهما أن يشرب من ماء زمزم إذا تيسر له ذلك، ويجوز له الوضوء منه، ويجوز أيضا الاستنجاء به والغسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وقد ثبت عنه ﷺ أنه نبع الماء من بين أصابعه ثم أخذ الناس حاجتهم من هذا الماء ليشربوا وليتوضئوا وليغسلوا ثيابهم وليستنجوا. كل هذا وقع؛ وماء زمزم إن لم يكن مثل الماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﵌ لم يكن فوق ذلك، فكلاهما ماء شريف.
٦٨ - لا حرج في بيع ماء زمزم ولا نقله من مكة.
٦٩ - في التفضيل بين كثرة النافلة وكثرة الطواف خلاف، والأرجح أن يكثر من هذا وهذا لو كان غريبا. وذهب
стр. 8389
بعض أهل العلم إلى التفصيل فاستحبوا الإكثار من الطواف في حق الغريب ومن الصلاة في حق غيره، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد.
٧٠ - من دخل الحرم بعد العصر أو بعد الفجر فليس له أن يصلي غير سنة الطواف وكل سنة ذات سبب كتحية المسجد.
٧١ - المشروع لمن سعى أن يقول في أول شوط: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) أما تكرار ذلك فلا أعلم ما يدل على استحبابه.
٧٢ - لا يجب الصعود على الصفا والمروة ويكفي الساعي استيعاب ما بينهما، ولكن الصعود عليهما هو السنة والأفضل إذا تيسر ذلك.
٧٣ - السعي في الطابق العلوي صحيح كالسعي في الأسفل؛ لأن الهواء يتبع القرار.
٧٤ - الأرجح أن من ترك شيئا من السعي أو نسيه أكمله إن لم يطل الفصل.
٧٥ - من ترك شوطا أو أكثر من السعي في العمرة فعليه أن
стр. 8390
يعود ويأتي بالسعي كاملا ولو عاد إلى بلده، وهو في حكم الإحرام الذي يمنعه من زوجته وكل المحظورات، وعليه أن يقصر مرة أخرى بعد السعي، والتقصير الأول لا يصح.
٧٦ - من سعى من غير طهارة أجزأه ذلك؛ لأن الطهارة ليست شرطا في السعي وإنما هي مستحبة.
٧٧ - لا حرج على من قدم السعي على الطواف خطأ أو نسيانا، وقد ثبت عنه ﷺ أن رجلا سأله فقال: «سعيت قبل أن أطوف؟ فقال: لا حرج (١) » ؛ فدل ذلك على أنه إن قدم السعي أجزأه، ولكن الأحوط أن لا يفعله عمدا، ومتى وقع منه نسيانا أو جهلا فلا حرج.
باب صفة الحج والعمرة
٧٨ - المشروع للحاج الحلال أن يحرم بالحج يوم التروية من مكانه، سواء كان في داخل مكة أو خارجها أو في منى؛ لأن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين حلوا من العمرة أن يحرموا بالحج يوم التروية من منازلهم.
стр. 8391
٧٩ - من كان مقيما في منى يوم الثامن من ذي الحجة أحرم من مكانه ولا حاجة لدخوله إلى مكة؛ لعموم حديث ابن عباس الوارد في ذلك، وهو قوله ﷺ لما ذكر المواقيت: «ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة (١) » .
٨٠ - لا يصح حج من وقف خارج حدود عرفة ولو كان قريبا منها.
٨١ - من وقف يوم عرفة قبل الزوال فقط فأكثر أهل العلم على عدم إجزاء الوقوف.
وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وجماعة إلى أن من وقف في عرفة قبل الزوال يجزئه ذلك؛ لعموم حديث عروة بن مضرس، حيث قال النبي ﷺ : «. . . . وقد وقف بعرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا (٢) » ، فأطلق النهار، قالوا: فهذا يشمل ما قبل الزوال وما بعده، ولكن الجمهور على خلافه وأنه لا
стр. 8392
يجزئ الوقوف يوم عرفة إلا بعد الزوال؛ لأنه ﷺ وقف بعد الزوال وهذا هو الأحوط.
٨٢ - من وقف بعد الزوال أجزأه فإن انصرف قبل المغرب فعليه دم إن لم يعد إلى عرفة ليلا أعني ليلة النحر.
٨٣ - من وقف بعرفة ليلا أجزأه ولو مر بها مرورا.
٨٤ - يمتد وقت الوقوف بعرفة من فجر اليوم التاسع إلى آخر ليلة النحر؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
والأفضل والأحوط أن يكون الوقوف بعرفة بعد الزوال أو في الليل من اليوم التاسع؛ خروجا من خلاف الجمهور القائلين بعدم إجزاء الوقوف بعرفة قبل الزوال.
٨٥ - يجب على الحاج المبيت في مزدلفة إلى نصف الليل، وإذا كمل وبقي إلى الفجر حتى يسفر كان أفضل.
٨٦ - يجوز للنساء مطلقا الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة المزدلفة وهي ليلة النحر ولو كن قويات، وهكذا بقية الضعفاء من كبار السن والمرضى وأتباعهم؛ لأن النبي ﷺ رخص في ذلك.
٨٧ - من مر بمزدلفة ولم يبت بها ثم عاد قبل الفجر ومكث بها ولو يسيرا فلا شيء عليه.
٨٨ - من ترك المبيت في مزدلفة فعليه دم.
стр. 8393
٨٩ - لا يتعين جمع الحصى من مزدلفة بل يجوز من منى.
٩٠ - لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذا طواف الإفاضة.
٩١ - الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ «لأنه ﷺ رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس (١) » .
٩٢ - حديث ابن عباس ﵄: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (٢) » ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس.
وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب؛ جمعا بين الأحاديث، كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀.
٩٣ - لا يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن لم يتعجل؛ لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة
стр. 8394
المذكورة، وقال: «خذوا عني مناسككم (١) » ، ولأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها إلا ما أقره الشرع المطهر.
٩٤ - لم يثبت دليل على منع الرمي ليلا والأصل جوازه، والأفضل الرمي نهارا في يوم العيد كله وبعد الزوال في الأيام الثلاثة إذا تيسر ذلك، والرمي في الليل إنما يصح عن اليوم الذي غربت شمسه، ولا يجزئ عن اليوم الذي بعده.
فمن فاته الرمي نهار العيد رمى ليلة إحدى عشرة على آخر الليل، ومن فاته الرمي قبل غروب الشمس في اليوم الحادي عشر رمى بعد غروب الشمس في ليلة اليوم الثاني عشر، ومن فاته الرمي في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس رمى بعد غروب الشمس في ليلة اليوم الثالث عشر، ومن فاته الرمي نهارا في اليوم الثالث عشر حتى غابت الشمس فاته الرمي ووجب عليه دم؛ لأن وقت الرمي كله يخرج بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
٩٥ - لا يشترط بقاء الحصى في المرمى ولكن يشترط وقوعه
стр. 8395
فيه، فلو وقعت الحصاة في المرمى ثم خرجت منه أجزأت في ظاهر كلام أهل العلم، وممن صرح بذلك النووي ﵀ في المجموع، ولا يشرع رمي الشاخص بل السنة الرمي في الحوض.
٩٦ - من شك هل وقع الحصى في المرجم أم لا فعليه التكميل حتى يتيقن.
٩٧ - لا يجوز الرمي مما في الحوض، أما الذي بجانبه فلا حرج.
٩٨ - الأحوط أن لا يرمي بحصى قد رمي به.
٩٩ - من رمى الجمرات السبع كلها دفعة واحدة فهي عن حصاة واحدة، وعليه أن يأتي بالباقي.
١٠٠ - يجب الترتيب في رمي الجمرات، فيبدأ بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهي جمرة العقبة.
١٠١ - لا يستحب غسل الحصى بل يرمى به من غير غسل؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃.
١٠٢ - يصح تأخير الرمي كله إذا دعت الحاجة إلى ذلك إلى اليوم الثالث عشر ويرميه مرتبا، فيبدأ برمي جمرة العقبة عن يوم النحر، ثم يرجع فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة عن اليوم الحادي عشر، ثم يرجع فيرمي
стр. 8396
الثلاث عن اليوم الثاني عشر، ثم يرجع ويرميهن عن الثالث عشر إن لم يتعجل، لكن السنة أن يرمي الجمار كما رماها النبي ﷺ ، فيرمي جمرة العقبة يوم العيد بسبع حصيات ثم يرمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر بادئا بالصغرى التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، ثم يرمي الثلاث في اليوم الثاني عشر كذلك، ثم يرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر كما رماها في الحادي عشر والثاني عشر إذا لم يتعجل في اليوم الثاني عشر.
١٠٣ - تجوز الإنابة في الرمي عن العاجز، كالمريض وكبير السن والأطفال، ويلحق بهم ذات الأطفال التي ليس لديها من يحفظهم.
١٠٤ - لا تجوز الوكالة في الرمي إلا لعذر شرعي، كما تقدم ذلك.
١٠٥ - من وكل غيره في الرمي عنه من غير عذر شرعي، فالرمي باق عليه حتى ولو كان حجه نافلة على الصحيح، فإن لم يرم فعليه دم يذبح في مكة للفقراء إذا فات الوقت ولم يرم بنفسه.
١٠٦ - من ناب عن غيره بدأ بنفسه عند كل جمرة.
стр. 8397
١٠٧ - من أراد الرمي عن غيره فله حالتان، وهما: أن يرمي عن نفسه جميع الجمار ثم عن مستنيبه.
والأخرى أن يرمي عن نفسه وعن مستنيبه عند كل جمرة، وهذا هو الصواب؛ دفعا للحرج والمشقة، ولعدم الدليل الذي يوجب خلاف ذلك.
١٠٨ - الذبح أو النحر في اليوم الأول خير وأفضل من الثاني والثاني خير من الثالث والثالث خير من الرابع.
١٠٩ - الحلق في الحج والعمرة أفضل؛ لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاثا والمقصرين واحدة.
ولا يكفي أخذ بعض الرأس؛ بل لا بد من تقصيره كله كالحلق، إلا إذا كان أداء العمرة قريبا من وقت الحج فإن الأفضل فيها التقصير حتى يكون الحلق في الحج؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه بالتقصير لما فرغوا من طوافهم وسعيهم في حجة الوداع، إلا من كان معه الهدي فإنه بقي على إحرامه ولم يأمرهم بالحلق؛ لأن أداءهم للعمرة كان قبل الحج بأيام قليلة.
(أ) من سبق له أن قصر من بعض رأسه جاهلا أو ناسيا وجوب التعميم فلا شيء عليه.
стр. 8398
١١٠ - والمرأة تقصر من كل ضفيرة أنملة فأقل.
(أ) من نسي الحلق أو التقصير وتحلل بعد الرمي فإنه ينزع ثيابه إذا ذكر ثم يحلق أو يقصر ثم يلبسها، فإن قصر وهو عليه ثيابه جهلا منه أو نسيانا فلا شيء عليه؛ لعموم قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) وحديث صاحب الجبة.
١١١ - لا دليل لمن قال بعدم جواز تأخير طواف الإفاضة عن ذي الحجة، والصواب جواز التأخير، ولكن الأولى المبادرة به.
١١٢ - الواجب على من حاضت قبل طواف الإفاضة أن تنتظر هي ومحرمها حتى تطهر ثم تطوف الإفاضة، فإن لم تقدر جاز لها السفر ثم تعود لأداء الطواف، فإن كانت لا تستطيع العودة، وهي من سكان المناطق البعيدة كأندونيسيا أو المغرب وأشباه ذلك جاز لها على الصحيح أن تتحفظ وتطوف بنية الحج وأجزأها ذلك عند جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله وآخرون من أهل العلم.
١١٣ - على القارن والمفرد سعي واحد، فإن فعلاه مع طواف
стр. 8399
القدوم أجزأهما ولا يلزمهما أن يأتيا بسعي آخر، فإن لم يفعلاه مع طواف القدوم وجب أن يأتيا به مع طواف الإفاضة.
١١٤ - المبيت في منى يسقط عن أصحاب الأعذار كالسقاة والمريض الذي يشق عليه المبيت في منى، لكن يشرع لهم أن يحرصوا في بقية الأوقات على المكث بمنى مع الحجاج؛ تأسيا بالنبي ﷺ وأصحابه ﵃ إذا تيسر ذلك.
١١٥ - يرخص للسقاة والرعاة والعاملين على مصلحة الحجاج أن يتركوا المبيت في منى ويؤخروا الرمي لليوم الثالث إلا يوم النحر فالمشروع للجميع فعله وعدم تأخيره.
١١٦ - من ترك المبيت في منى جاهلا حدودها مع القدرة على المبيت فعليه دم؛ لأنه ترك واجبا من غير عذر شرعي وكان الواجب عليه أن يسأل حتى يؤدي الواجب.
١١٧ - إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في منى ليبيت فيه فلم يجد فلا حرج عليه أن ينزل خارجها، ولا فدية عليه؛ لعموم قول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر
стр. 8400
فأتوا منه ما استطعتم (١) » .
١١٨ - من ترك المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر بلا عذر فعليه دم.
١١٩ - من أدركه الغروب في اليوم الثاني عشر وقد ارتحل من منى فهو في حكم النافر، ولا شيء عليه. أما من أدركه الغروب ولم يرتحل فإنه يلزمه المبيت في ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢) ؛ ومن غابت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر قبل أن يرتحل لا يسمى متعجلا.
١٢٠ - من ترك طواف الوداع أو شوطا منه فعليه دم يذبح في مكة ويوزع على فقرائها، ولو رجع وأتى به فإن الدم لا يسقط عنه.
(أ) لا يصح الطواف بغير طهارة؛ لأن النبي صلى الله
стр. 8401
عليه وسلم لما أراد أن يطوف توضأ، وقد قال: «خذوا عني مناسككم (١) » ، ولما صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (٢) » ، وروي مرفوعا إلى النبي ﷺ ، والموقوف أصح، وهو في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من جهة الرأي.
١٢١ - ليس على الحائض والنفساء وداع؛ لقول ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٣) » متفق على صحته. والنفساء مثلها عند أهل العلم.
١٢٢ - من طاف طواف الوداع قبل تمام الرمي لم يجزئه عن الوداع؛ لكونه أداه قبل وقته، وإن سافر فعليه دم.
١٢٣ - من طاف للوداع واحتاج شراء شيء ولو لتجارة جاز ما دامت المدة قصيرة، فإن طالت المدة عرفا أعاد الطواف.
стр. 8402
١٢٤ - لا يجب على المعتمر وداع؛ لعدم الدليل، وهو قول الجمهور، وحكاه ابن عبد البر إجماعا.
١٢٥ ـ من مات في أثناء أعمال الحج فإنه لا يكمل عنه؛ لحديث الذي وقصته راحلته فمات فلم يأمر النبي ﷺ بإكمال الحج عنه، وقال: «إنه يبعث يوم القيامة ملبيا (١) » .
١٢٦ ـ ما يفعله كثير من الناس من الإكثار من العمرة بعد الحج من التنعيم أو الجعرانة أو غيرهما وقد سبق أن اعتمر قبل الحج فلا دليل على شرعيته، بل الأدلة تدل على أن الأفضل تركه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يفعلوا ذلك في حجة الوداع.
١٢٧ ـ حديث ابن عباس ﵄: «من ترك نسكا أو نسيه فليهرق دما (٢) » ، له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من جهة الرأى، ولم نعرف مخالفا له من الصحابة رضي
стр. 8403
الله عنهم. فعلى كل من ترك واجبا عمدا أو سهوا أو جهلا كرمي الجمار أو المبيت ليالي منى وطواف الوداع ونحو ذلك - دم يذبح في مكة المكرمة ويقسم على الفقراء. والمجزئ في ذلك هو المجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم أو سبع بدنة أو سبع بقرة.
باب الزيارة
١٢٧ - (أ) زيارة المسجد النبوي سنة في جميع الأوقات، وليس لها تعلق بالحج، وليست واجبة.
١٢٨ - حديث: «أن من صلى فيه - يعني المسجد النبوي - أربعين صلاة كانت له براءة من النار وبراءة من النفاق (١) » ضعيف عند أهل التحقيق فلا يعتمد عليه.
باب الفوات والإحصار
١٢٩ - الإحصار يكون بالعدو وغيره كالمرض وعدم النفقة، ولا يعجل بالتحلل إذا كان يرجو زوال المانع قريبا.
١٣٠ - من أحصر فليس له التحلل حتى ينحر هديا ثم يحلق أو يقصر، فإن كان قد اشترط حل ولم يكن عليه شيء، لا
стр. 8404
هدي ولا غيره، وإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام ثم حلق أو قصر ثم حل.
١٣١ - يذبح المحصر هديه في المكان الذي أحصر فيه، سواء كان داخل الحرم أو خارجه، ويعطي للفقراء، فإن لم يكن هناك فقراء وجب نقله إليهم.
باب الهدي والأضحية
١٣٢ - ليس على أهل مكة هدي تمتع ولا قران وإن اعتمروا في أشهر الحج وحجوا؛ لقول الله سبحانه لما ذكر وجوب الدم على المتمتع والصيام عند العجز عنه ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)
١٣٣ - من ذبح هديه قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا إلا أيام النحر، ولو كان الذبح جائزا قبل يوم النحر لبين ذلك النبي ﷺ ، ولو بينه لنقله أصحابه ﵃.
١٣٤ - يجوز تأخير ذبح الهدي إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن أيام التشريق كلها أيام أكل وشرب وذبح، والأفضل تقديمه يوم العيد.
стр. 8405
١٣٥ - لا يجوز صيام أيام التشريق لا تطوعا ولا فرضا إلا لمن لم يجد الهدي؛ لحديث ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي (١) » رواه البخاري.
١٣٦ - الأفضل لمن عجز عن دم التمتع والقران أن يصوم قبل يوم عرفة الثلاثة الأيام، وإن صامها في أيام التشريق فلا بأس، كما تقدم ذلك في المسألة السابقة.
١٣٧ - من كان قادرا على هدي التمتع والقران وصام فإنه لا يجزئه صيامه وعليه أن يذبح ولو بعد فوات أيام النحر؛ لأنه دين في ذمته.
١٣٨ - لا يجوز إخراج قيمة الهدي وإنما الواجب ذبحه، والقول بجواز إخراج القيمة تشريع جديد ومنكر؛ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)
١٣٩ - تجوز الاستدانة لشراء الهدي، ولا يجب ذلك إذا كان عاجزا عن الثمن، ويجزئه الصوم.
١٤٠ - الإطعام في الفدية وكذا الذبح كلاهما لفقراء الحرم.