← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

مشروعية الصلاة على النبي ﷺ بصفة كاملة وكراهية الإشارة إليها عند الكتابة بحرف أو أكثر (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه، أما بعد: فقد أرسل الله رسوله محمدا ﷺ إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، بإذنه وسراجا منيرا، أرسله بالهدى والرحمة ودين الحق، وسعادة الدنيا والآخرة لمن آمن به وأحبه واتبع سبيله ﷺ ، ولقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فجزاه الله عن ذلك خير الجزاء وأحسنه وأكمله. وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه من أهم فرائض الإسلام وهي المقصود من رسالته. والشهادة له بالرسالة تقتضي محبته واتباعه والصلاة عليه في كل مناسبة وعند ذكره؛ لأن في ذلك أداء لبعض حقه ﷺ وشكرا لله على نعمته عليه بإرساله ﷺ . وفي الصلاة عليه ﷺ فوائد كثيرة منها: امتثال أمر الله ، والموافقة له في الصلاة عليه ﷺ ، والموافقة لملائكته أيضا في ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)

стр. 877

ومنها أيضا مضاعفة أجر المصلي عليه ورجاء إجابة دعائه وسبب لحصول البركة ودوام محبته ﷺ وزيادتها وتضاعفها وسبب هداية العبد وحياة قلبه. فكلما أكثر الصلاة عليه وذكره استولت محبته على قلبه حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولا شك في شيء مما جاء به. كما أنه صلوات الله وسلامه عليه رغب في الصلاة عليه بأحاديث ثبتت عنه، منها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا (١) » وعنه ﵁ أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم (٢) » وقال ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي (٣) » . وبما أن الصلاة على النبي ﷺ مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى، فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة. والمشروع أن تكتب كاملة تحقيقا لما أمرنا الله تعالى به، وليتذكرها القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة (ص) أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض

стр. 878

الكتبة والمؤلفين، لما في ذلك من مخالفة أمر الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة ﷺ كاملة. وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علما بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه. فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابه: (الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده) قال ما نصه: التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك فقد حرم حظا عظيما. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل. وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو (وتبارك وتعالى) ، وما ضاهى ذلك. إلى أن قال: (ثم ليتجنب في إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزا إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب (وسلم) . وروي عن حمزة الكناني - رحمه الله تعالى - أنه كان يقول: كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي ﷺ ولا أكتب (وسلم) فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة

стр. 879

علي؟ قال: فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت (وسلم) .... إلى أن قال ابن الصلاح: قلت ويكره أيضا الاقتصار على قوله: ﵇ والله أعلم) . انتهى المقصود من كلامه - رحمه الله تعالى - ملخصا. وقال العلامة السخاوي - رحمه الله تعالى - في كتابه (فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي) ما نصه: (واجتنب أيها الكاتب (الرمز لها) أي الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة - صورة - كما يفعله (الكتاني) والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلا من ﷺ (ص) أو (صم) أو (صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى) . وقال السيوطي - رحمه الله تعالى - في كتابه (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) : (ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب (صلعم) بل يكتبهما بكمالها) انتهى المقصود من كلامه - رحمه الله تعالى - ملخصا. هذا ووصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أو ينقصه. نسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 880

كلمة تحذيرية حول إنكار رشاد خليفة للسنة المطهرة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالداعي لكتابة هذه الكلمة أنه ظهر في مدينة توسان التابعة لولاية أريزونا بأمريكا، شخص يدعى رشاد خليفة مصري الأصل أمريكي الجنسية، يقوم بالدعوة على أساس بعيد عن الإسلام وينكر السنة وينتقص من منزلة الرسول ﷺ ويحرف كلام الله بما يناسب مذهبه الباطل. والمذكور ليس له علم بأصول الشريعة الإسلامية إذ هو يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة الزراعية مما لا يؤهله للقيام بالدعوة إلى الله على وجه صحيح، وقد قام بالتغرير ببعض المسلمين الجدد والسذج من العامة باسم الإسلام في الوقت الذي يحارب فيه الإسلام بإنكاره السنة والتعاون مع المنكرين لها قولا وفعلا، فقد سجل في إذاعة ليبيا أثناء زيارته لها عام ١٣٩٩ هـ أحاديث إذاعية ولما سئل من قبل أحد أساتذة الجامعة الليبية قبيل صعوده للطائرة عن رأيه في أحاديث الرسول ﷺ ، أجاب باختصار نظرا لضيق الوقت قائلا: (الحديث من صنع إبليس) ومن أقواله التي توضح رفضه للسنة وتأويله القرآن الكريم برأيه ما يلي: ١ - قوله: إنه لا يجوز رجم الزاني أو الزانية سواء كانا محصنين أو

стр. 881

غير محصنين؛ لأن ذلك لم يرد في القرآن. ٢ - تبجحه بصورة مستمرة بما يروى «لا تكتبوا عني سوى القرآن (١) » أنه لا تجوز كتابة الأحاديث. ٣ - استدلاله على ما ذهب إليه من أنه لا حاجة للسنة ولا لتفسير الرسول ﷺ للقرآن، بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣) ٤ - ادعاؤه أن الأخذ بالسنة وكتابتها وجمع الأحاديث في القرنين الثاني والثالث كان سببا في سقوط الدولة الإسلامية. ٥ - عدم التصديق بالمعراج وأن الرسول ﷺ لم يأت بجديد في الصلاة؛ لأن العرب قد توارثوها بهذه الكيفية المعهودة عن جدهم إبراهيم ﵇. ٦ - له تأويلات في كيفية كتابة الحروف المقطعة الواردة في أول السور، ويقول: هذه ليست الكتابة الصحيحة لها ففي قوله تعالى: ألم يجب أن تكتب هكذا (ألف لام ميم) ، وقوله تعالى: ﴿ن﴾ (٤) يجب أن تكتب هكذا (نون) ، وغير ذلك من الآراء الباطلة التي يفرق بها كلمة المسلمين مع ما فيها من محادة لله ورسوله. لذا فقد رأيت من الواجب توضيح أمره وكشف حقيقته للمسلمين لئلا يغتر أحد بكلامه أو ينخدع بآرائه، وحتى يكون الجميع على معرفة بمكانة السنة المطهرة.

стр. 882

فلا يخفى على كل مسلم أن سنة المصطفى ﷺ هي المصدر الثاني للتشريع، وقد أجمع على ذلك سلف الأمة وعلماؤها، وقد حفظ الله سنة نبيه ﷺ كما حفظ كتابه فقيض لها رجالا مخلصين وعلماء عاملين وهبوا نفوسهم وكرسوا حياتهم لخدمتها وتمحيصها وتدقيقها ونقلها بأمانة وإخلاص، كما نطق بها رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تغيير لا في المعنى ولا في اللفظ، ولم يزل أهل العلم من أصحاب الرسول ﷺ ومن بعدهم يؤمنون بهذا الأصل العظيم ويحتجون به ويعلمونه الأمة ويفسرون به كتاب الله، وقد ألفوا فيه المؤلفات وأوضحوا ذلك في كتب الأصول والفقه، وقد جاء في كتاب الله تعالى الأمر باتباع الرسول وطاعته حتى تقوم الساعة؛ لأنه ﷺ هو المفسر لكتاب الله والمبين لما أجمل فيه بأقواله وأفعاله وتقريره، ولولا السنة لم يعرف المسلمون عدد ركعات الصلوات وصفاتها والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يعرفوا تفاصيل أحكام المعاملات والمحرمات وما أوجب الله فيها من حدود وعقوبات. ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) وقوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣)

стр. 883

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) فهذه الآيات وغيرها جعلت طاعة الرسول ﷺ طاعة لله ومتممة لها، وأناطت الهدى والرشاد والرحمة باتباع سنته وهديه ﷺ ، ولا يكون ذلك مع عدم العمل بها وإنكارها والقول بعدم صحتها. وإن ما تفوه به رشاد خليفة من إنكار السنة والقول بعدم الحاجة إليها كفر وردة عن الإسلام؛ لأن من أنكر السنة فقد أنكر الكتاب، ومن أنكرهما أو أحدهما فهو كافر بالإجماع، ولا يجوز التعامل معه وأمثاله، بل يجب هجره والتحذير من فتنته وبيان كفره وضلاله في كل مناسبة حتى يتوب إلى الله من ذلك توبة معلنة في الصحف السيارة، لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) وقد ذكر الإمام السيوطي ﵀ كفر من جحد السنة في كتابه المسمى (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) فقال: (اعلموا رحمكم الله أن من أنكر أن كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة

стр. 884

الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) انتهى المقصود. هذا ما أردت إيضاحه والتنبيه عليه من أمر هذا الرجل براءة للذمة ونصحا للأمة، وأسأل الله أن يهدينا وإياه صراطه المستقيم وأن يعصمنا وجميع إخواننا المسلمين من الضلال بعد الهدى ومن الكفر بعد الإيمان، كما أسأله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويكبت أعداء شرعه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 885

تنبيه هام حول الغلو في الرسول ﷺ والمسجدين الشريفين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد اطلعت على قصيدة لمحمد حسن فقي تحت عنوان (المسجدان) نشرتها صحيفة الرياض في عددها ٦٠٠٣ الصادر في يوم الخميس الموافق ٧ ربيع الأول ١٤٠٥ هـ. أشاد فيها بفضل المصطفى ﵊، وما ترتب على بعثته وهجرته من الخير الكثير والعز المكين للمسلمين وأشاد بفضل المسجدين المكي والمدني، وقد أحسن في ذلك ولكنه غلط غلطا عظيما في بعض أبياتها ولم يبلغني أن أحدا نبه على غلطه فوجب علي التنبيه على ذلك لئلا يغتر به أحد، وليعلم من يقف على هذا التنبيه عظم خطر الغلو وسوء عاقبته، وقد حذر الله من ذلك في قوله سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١) وذلك تحذير منه سبحانه لأهل الكتاب من الغلو وتحذير لنا أن نفعل فعلهم وقال ﵊: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (٢) » أخرجه البخاري في صحيحه، وقال ﵊: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (٣) » خرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهذه النصوص توجب على المسلم أن يحذر الغلو والإطراء في حق النبي ﷺ وحق غيره من الأنبياء والصالحين، وتوجب عليه أن يلزم الحدود الشرعية في أقواله وأفعاله حتى لا يقع في الشرك والبدع والمعاصي. وهذا بيان ما غلط فيه الشاعر

стр. 886

المذكور. قال ما نصه: أنا آت أيا أيها الروض فامسح ... بيديك النديتين الكروبا يا نبي الهدى وما زلت أرجو ... رغم إثمي أن لا أبوء بخسري أنا في ساحة الكريم وقد يملك أمري ... ولست أملك أمري أنا في السجن والإسار كئيب ... ضائق منهما بسجني وأسري فأجرني فدتك نفسي ... فقد يغفر ربي إذا شفعت لوزري هاهنا هاهنها الملاذ لمن ... رام ملاذا يقيه من كل شر هذه طيبة يعود بيسر ... إن أتاها الذي ينوء بعسر. ففي هذه الأبيات أنواع من الشرك الأكبر لم ينتبه لها الشاعر- هداه الله- ففي البيت الأول من هذه الأبيات السبعة طلب الشاعر من الروض أن يمسح عنه بيديه الكروب، وهذا الطلب لا يقدر عليه إلا الله سبحانه فالروض لا يقدر على ذلك. وهكذا المصطفى ﷺ إن كان الشاعر قصده بذلك، وإنما يطلب مثل هذا من الله القادر على كل شيء، أما الجمادات والأموات من الأنبياء وغيرهم فلا يجوز أن يطلب منهم كشف الكروب؛ لأن ذلك ليس من شأنهم وليس في قدرتهم بل ذلك إلى الله سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وفي البيت الثاني والثالث والخامس والسادس يرجو الشاعر من النبي ﷺ أن يحط عنه خسره وأن لا يرجع خائبا، ويزعم أن الرسول ﷺ يملك أمره، ويستجير به في البيت الخامس ويعتبره في البيت السادس الملاذ لكل من رام الملاذ من كل شر، وهذا كله خطأ وضلال وشرك أكبر فإن الدعاء والاستغاثة والاستجارة وجميع

стр. 887

العبادات يجب إخلاصها لله وحده، ولا يجوز أن تصرف لغيره من الأموات وغيرهم، والرسول ﷺ وإن كان حيا حياة برزخية لا يعلم كنهها إلا الله سبحانه لا يجوز أن يدعى أو يستغاث به بعد الوفاة، وهكذا الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ولا يجوز أن يدعوا ولا يستغاث بهم أو يستجار، وهكذا كل مؤمن له حياة برزخية تليق به وروحه في الجنة مع أرواح المؤمنين، ولا يجوز أن يدعى مع الله أو يستجار به فالعبادة حق لله وحده والدعاء هو العبادة، كما قاله النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن من حديث النعمان بن بشير ﵄. وقد قال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وهذا نص من كلام الله يعم الأنبياء وغيرهم ولا يستثنى من ذلك إلا دعاء الحي الحاضر فيما يقدر عليه، كما قال في قصة موسى مع الإسرائيلي الذي استغاث به: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٢) الآية وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٣) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤) فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن جميع الذين يدعوهم أهل الشرك لا يسمعون دعاءهم وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، وهذا يعم الأنبياء وغيرهم وقد سمى الله

стр. 888

دعاءهم شركا. فوجب الحذر منه وإخلاص العبادة لله وحده. وقد سمى الله ذلك كفرا في آية أخرى، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وأخبر في آية أخرى أنه لا أضل ممن دعا غير الله، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على الشاعر التوبة إلى الله سبحانه من هذا الشرك الوخيم والحذر من الوقوع في مثله مستقبلا، وهكذا كل من وقع في مثل هذا الشرك أو اعتقده يجب أن يتوب إلى الله منه وأن ينصح من وقع في مثل ذلك وأن يبادر بالتوبة منه فما أعز السلامة وما أعظم الخطر. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٤) » فينبغي للمسلم أينما كان وعلى أي حال كان أن يتفقه في دينه، وأن يتدبر كتاب ربه، ويكثر من تلاوته فهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، وقد أنزله سبحانه تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وحث عباده على تدبره وتعقله ليتفقهوا في دينهم ويعبدوا ربهم على بصيرة، حيث قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥) وقال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٦)

стр. 889

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهكذا سيرة النبي ﷺ من حيث بعثه الله إلى حين توفاه، فيها العبرة والذكرى والعظة لكل من تدبرها واعتنى بها، وقد صح عنه ﷺ في بيان حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك ما يكفي ويشفي بالإضافة إلى ما دل عليه كتاب الله . وقد قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وأما قوله في البيت السابع: هذه طيبة يعود بيسر ... إن أتاها الذي ينوء بعسر. فهو محتمل حقا وباطلا، فإن كان أراد من أتاها تائبا مستغفرا من ذنوبه في مسجد الرسول ﷺ مستمدا من ربه المغفرة والعفو فهذا حق، وهذا لا يختص بطيبة ولا بمسجد الرسول ﷺ بل كل من تاب إلى الله سبحانه توبة نصوحا في أي مكان وفي أي زمان قبل طلوع الشمس من مغربها فإن الله يتوب عليه؛ لأنه الجواد الكريم والغفور الرحيم والصادق في وعده، فقد قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) أما إن كان أراد بذلك المجيء إلى طيبة ليستجير بالنبي ﷺ ويلوذ به فهذا باطل وشرك وخيم، نسأل الله لنا وللمسلمين السلامة من ذلك، فالواجب على كل مسلم أن يتدبر ما يريد أن يقول قبل أن يقول، وأن يحذر غلطات اللسان وزلاته، وأن يسأل ربه التوفيق والهداية وأن

стр. 890

يعتصم به سبحانه في كل أموره، وأن يسأل علماء السنة عما أشكل عليه حتى لا يقع فيما يضره أو يضر غيره. وفقنا الله وسائر المسلمين لما فيه رضاه والسلامة من أسباب غضبه، ومن علينا جميعا بالفقه في دينه والثبات عليه، وحفظنا جميعا من كل ما يغضبه إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.

стр. 891

تنبيه هام على قصيدة بعنوان (الزيارة) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط في عددها ٣٢٦١ في ١١ \ ٣ \ ١٤٠٨ هـ، قصيدة بعنوان (زيارة) بقلم: خالد محمد محمد سليم هذا نصها: عشت كل العمر.. أحلى العمر في هذا المساء عندما صاح البشير وراح يصدح بالغناء وأهلت بالسنا مشكاة نور الأنبياء أي ريحان وروح.. أي سحب من بهاء ورياض من نعيم. . وضفاف من سناء هاهنا التاريخ قد أغفى على ساح الولاء

стр. 892

ألقت الأيام والأعوام ثوب الكبرياء نور عيني يا رسول الله يا عين الرجاء أنا بالباب مقيم. غاب في الدمع ندائي بأبي أنت وأمي.. يا حبيب الضعفاء آه من لهفة حبي.. وحنيني وحيائي هي ذي الأمة قد جاءتك من باد ونائي أقبلت مهتاجة للأشواق في عهد الوفاء من لنا في عاصف الأنواء.. في ليل العناء يا رحيما بالبرايا.. يا وفي الأوفياء عند بابك يا رسول الله عز العظماء غمر الفردوس أفراحا قلوب السعداء وبكينا وبكينا.. وغرقنا في البكاء ونسيت الأهل والأحباب والدنيا ورائي ومن تأمل هذه القصيدة من أهل البصيرة علم أن نشرها غير جائز، لما اشتملت عليه من اللجاء إلى الرسول ﷺ والاستنجاد به وطلب الغوث منه مما أصاب الشاعر وأصاب الأمة، ولا شك أن ذلك شرك بالله ، والواجب على كل من ينوبه حاجة أو ضائقة أن يرفع شكواه إلى الله سبحانه لا إلى الأنبياء ولا غيرهم من سائر الخلق من الأموات والأصنام والكواكب ولا الجن وغيرهم؛ لأن الله سبحانه الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع وكشف الكروب وإجابة المضطر. ولا مانع من استعانة المخلوق بالمخلوق الحي الحاضر القادر فيما يستطيع مشافهة أو مكاتبة أو مكالمة هاتفية أو نحو ذلك من وسائل الاتصال الجديدة. أما الأموات من الأنبياء

стр. 893

وغيرهم فلا يجوز الاستعانة بهم ولا الشكوى إليهم؛ لأن الميت قد انقطع عمله إلا من ثلاث كما جاء الحديث عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (١) » رواه مسلم. ومعلوم أن نبينا محمد ﷺ أفضل الخلق وأشرفهم أحياء وأمواتا ومع ذلك لا تجوز عبادته لا في حياته ولا بعد وفاته؛ لأن العبادة تختص بالله وحده دون غيره، كما أمر الله بذلك بقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ونهى عن دعاء غيره، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤) وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥) الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٦) » وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: «يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٧) » الحديث، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فالواجب على جميع المسلمين أن يحذروا الشرك بالله وأن يتواصوا بتركه مع بيانه للناس والتحذير منه، والواجب على جميع القائمين على الصحف من أهل الإسلام ألا ينشروا ما يخالف شرع الله وأن يتحروا

стр. 894

فيما ينشرونه ما ينفع الأمة ولا يضرهم في دينهم ولا دنياهم، وأعظم ذلك خطرا ما يوقع في الشرك وأنواع الكفر والضلال. أصلح الله أحوال المسلمين ووفقهم وجميع القائمين على وسائل الإعلام لكل ما فيه صلاح العباد ونجاتهم وسلامة أمر دينهم ودنياهم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 895

نداء من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمسلمين كافة من العرب وغيرهم في كل مكان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فأيها المسلمون في كل قطر. أيها العرب في كل مكان. أيها القادة والزعماء، إن المعركة الحالية بين العرب واليهود ليست معركة العرب فحسب بل هي معركة إسلامية عربية، معركة بين الكفر والإيمان، بين الحق والباطل، بين المسلمين واليهود، وعدوان اليهود على المسلمين في بلادهم وعقر دورهم أمر معلوم مشهور من نحو تسعة عشر عاما، والواجب على المسلمين في كل مكان مناصرة إخوانهم المعتدى عليهم، والقيام في صفهم ومساعدتهم على استرجاع حقهم ممن ظلمهم وتعدى عليهم بكل ما يستطيعون من نفس وجاه وعتاد ومال كل بحسب وسعه وطاقته، كما قال : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) وقال تعالى:

стр. 896

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) ومواقف اليهود ضد الإسلام وضد بني الإسلام معلومة مشهورة قد سجلها التاريخ وتناقلها رواة الأخبار بل قد شهد بها أعظم كتاب وأصدق كتاب ألا وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قال الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٢) فنص الله في هذه الآية الكريمة على أن اليهود والمشركين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤) قال أهل التفسير في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين: كانت اليهود تستفتح على كفار العرب تقول لهم إنه قد أظل زمان نبي يبعث في آخر الزمان نقاتلكم معه، فلما بعث الله نبيه محمدا ﷺ أنكروه وكفروا به وجحدوا صفته وبذلوا جهودهم في محاربته والتأليب عليه والقضاء على دعوته حسدا منهم وبغيا وجحدا للحق الذي يعرفونه فأبطل الله كيدهم وأضل سعيهم. ثم إنهم لم يزالوا يسعون جاهدين في الكيد للإسلام والعداء لأهله ومساعدة كل

стр. 897

عدو عليهم سرا وجهرا، أليسوا القائلين لكفار أهل مكة: أنتم خير وأهدى سبيلا من محمد وأصحابه، أليسوا هم الذين ألبوا كفار قريش ومن سار في ركابهم على قتال النبي ﷺ والمسلمين يوم أحد أليسو هم الذين هموا بقتل النبي ﷺ فأطلعه الله على ذلك وأنجاه من كيدهم، أليسو هم الذين ظاهروا الكفار يوم الأحزاب ونقضوا العهد في نفس المدينة بين المسلمين، حتى أحبط الله كيدهم وأذل جندهم من الكفار وسلط الله عليهم رسوله ﷺ والمسلمين فقتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم ونساءهم وأموالهم؛ لغدرهم ونقضهم العهد ومشايعتهم لأهل الكفر والضلال على حزب الحق والهدى. فيا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في كل مكان، بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، بادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين والمجاهدين الصابرين وأخلصوا النية لله واصبروا وصابروا واتقوا الله تفوزوا بالنصر المؤزر أو شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل وتذكروا دائما ما أنزله ربكم سبحانه في كتابه المبين في فضل المجاهدين، وما وعدهم الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)

стр. 898

وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣) ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٤) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) أيها المجاهدون لقد بين الله سبحانه في هذه الآيات فضل الجهاد وعاقبته الحميدة للمؤمنين وأنها النصر والفتح القريب في الدنيا مع الجنة والرضوان من الله سبحانه والمنازل العالية في الآخرة، ودلت الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٧) على وجوب النفير للجهاد على الشبان والشيوخ إذا دعى الواجب لذلك لإعلاء كلمة الله وحماية أوطان المسلمين وصد العدوان عنهم، مع ما يحصل بالجهاد للمسلمين من العزة والكرامة والخير العظيم والأجور الجزيلة وإعلاء كلمة الحق وحفظ كيان الأمة والحفاظ على دينها وأمنها، وأخبر سبحانه في الآية الثالثة والرابعة أن الجهاد في سبيله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بالصلاة والطواف ونحو ذلك، وأن أهله أعظم درجة عند الله وأنهم الفائزون، كما أخبر سبحانه أنه يبشرهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم

стр. 899

فيها نعيم مقيم، وأخبر في الآية الخامسة أنه مع المتقين، والمعنى: بنصره وتأييده وحفظه وكلاءته لهم. وقد ورد في القرآن الكريم من الآيات الكريمات في فضل الجهاد والحث عليه والوعد بالنصر للمؤمنين والدمار على الكافرين، سوى ما تقدم ما يملأ قلب المؤمن نشاطا وقوة ورغبة صادقة في النزول إلى ساحة الجهاد والاستبسال في نصرة الحق ثقة بوعد الله وإيمانا بنصره ورجاء للفوز بإحدى الحسنيين، وهما: النصر والمغنم، أو الشهادة في سبيل الحق، كما قال الله : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢) وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٦) إلى أن قال سبحانه: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٧) ففي هذه الآيات التصريح

стр. 900

من الله بوعد عباده النصر على أعدائهم والسلامة من كيدهم مهما كانت قوتهم وكثرتهم؛ لأنه أقوى من كل قوي وأعلم بعواقب الأمور وهو عليهم قدير وبكل أعمالهم محيط، ولكنه شرط لهذا الوعد شرطا عظيما وهو الإيمان به وتقواه ونصر دينه والاستقامة عليه مع الصبر والمصابرة، فمن قام بهذا الشرط أوفى لهم الوعد وهو الصادق في وعده: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ (١) ومن قصر في ذلك أو لم يرفع به رأسا فلا يلومن إلا نفسه. وينبغي لك أيها المؤمن المجاهد أن تتدبر كثيرا قوله : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢) إنها والله كلمة عظيمة ووعد صادق من ملك قادر جليل، إذا صبرت على مقاتلة عدوك وجهاده ومنازلته مع قيامك بتقوى الله وهي: تعظيمه سبحانه والإخلاص له وطاعته وطاعة رسوله ﷺ والحذر مما نهى الله عنه ورسوله، هذه حقيقة التقوى والصبر على جهاد النفس لأن الله سبحانه قد أمر بذلك ورسوله. ونص سبحانه على الصبر وإفراده بالذكر لعظم شأنه وشدة الحاجة إليه، وقد ذكره الله في كتابه الكريم في مواضع كثيرة جدا، منها: قوله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥)

стр. 901

وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء هو خيرا وأوسع من الصبر (١) » فاتقوا الله معاشر المسلمين والمجاهدين في ميادين الحرب وفي كل مكان، واصبروا وصابروا في جهاد النفس على طاعه الله وكفها عن محارم الله، وفي جهادها على قتال الأعداء ومنازلة الأقران وتحمل المشاق في تلك الميادين المهولة تحت أزيز الطائرات وأصوات المدافع، وتذكروا أسلافكم الصالحين من الأنبياء والمرسلين وصحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم أجمعين ومن تبعهم من المجاهدين الصادقين - فلكم فيهم أسوة وفيهم لكم عظة وعبرة، فقد صبروا كثيرا وجاهدوا طويلا ففتح الله بهم البلاد وهدى بهم العباد، ومكن لهم في الأرض، ومنحهم السيادة والقيادة بإيمانهم العظيم وإخلاصهم لمولاهم الجليل وصبرهم في مواطن اللقاء وإيثارهم الله والدار الآخرة على الدنيا وزهرتها ومتاعها الزائل، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) وقال جل شأنه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣) وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في

стр. 902

الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها (١) » وصح عنه ﷺ أنه سئل «أي العمل أفضل؟ قال "إيمان بالله وبرسوله " قيل ثم أي يا رسول الله؟ قال "الجهاد في سبيل الله (٢) » وقال ﷺ : «مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة (٣) » . وقال ﷺ : «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق (٤) » وسأله ﷺ رجل عن عمل يعدل فضل الجهاد فقال ﷺ : «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم فلا تفتر فقال السائل ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ أما إنك لو طوقت ذلك لم تبلغ فضل المجاهدين (٥) » الحديث. والأحاديث في فضل الجهاد والحث عليه وبيان ما وعد الله به أهله من العزة في الدنيا والنصر والعواقب الحميدة، وما أعد لهم في الآخرة من المنازل العالية في دار الكرامة كثيرة جدا فاتقوا الله يا معشر المسلمين جميعا ويا معشر العرب خصوصا جماعات وفرادى، واصدقوا في جهاد عدو الله وعدوكم من اليهود وأنصارهم وأعوانهم، وحاسبوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم من كل ما يخالف دين الإسلام من مبادئ وعقائد وأعمال، واصدقوا في مواطن اللقاء وآثروا الله والدار الآخرة، واعلموا أن النصر المبين والعاقبة الحميدة ليست للعرب دون العجم ولا للعجم دون العرب ولا لأبيض دون أسود ولا لأسود دون أبيض، ولكن النصر بإذن الله لمن اتقاه واتبع هداه وجاهد نفسه لله وأعد لعدوه ما استطاع من القوة كما أمره بذلك مولاه، حيث قال عز

стр. 903

وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) وقال يخاطب رسوله الأمين - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣) فتأمل يا أخي أمر الله لعباده أن يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من القوة، ثم تأمل أمره لنبيه ﷺ والمؤمنين عند مقاتلة الأعداء والقرب منهم أن يقيموا الصلاة ويحملوا السلاح وكيف كرر الأمر سبحانه في أخذ السلاح والحذر لئلا يهجم عليهم العدو في حال الصلاة، لتعرف بذلك أنه يجب على المجاهدين قادة وجنودا أن يهتموا بالعدو، وأن يحذروا غافلته، وأن يعدوا له ما استطاعوا من قوة، وأن يقيموا الصلاة ويحافظوا عليها مع الاستعداد للعدو والحذر من كيده، وفي ذلك جمع بين الأسباب الحسية والمعنوية، وهذا هو الواجب على المجاهدين في كل زمان ومكان أن يتصفوا بالأخلاق الإيمانية، وأن يستقيموا على طاعة ربهم ويعدوا له ما استطاعوا من قوة ويحذروا مكائده، مع الصبر على الحق عليه

стр. 904

والثبات عليه وهذا هو السبب الأول والأساس المتين والأصل العظيم، وهو قطب رحى النصر وأساس النجاة والفلاح، وهذا هو السبب المعنوي الذي خص الله به عباده المؤمنين وميزهم به عن غيرهم، ووعدهم عليه النصر إذا قاموا به مع السبب الثاني حسب الطاقة وهو إعدادهم لعدوهم ما استطاعوا من القوة والعناية بشئون الحرب والقتال، والصبر والمصابرة في مواطن اللقاء مع الحذر من مكائد الأعداء، وبهذين الأمرين يستحقون النصر من ربهم فضلا منه وكرما ورحمة وإحسانا ووفاء بوعده وتأييدا لحزبه، كما قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤) ومما تقدم أيها الأخ المسلم أيها الأخ المجاهد تعلم أن ما يتكرر كثيرا في بعض الإذاعات العربية من قولهم: (النصر لنا) (الله معنا) (النصر للعرب) (النصر للعرب والإسلام) وما أشبه ذلك، أن هذه كلها ألفاظ خاطئة ومخالفة للصواب، فليس النصر مضمونا للعرب ولا لغيرهم من سائر أجناس البشر، وإنما النصر معلق بأسبابه التي أوضحها الله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ ، وأسبابه كما تقدم هي: تقوى الله، والإيمان به، والصبر والمصابرة لأعدائه،

стр. 905

والإخلاص لله، والاستعانة به، مع الأخذ بالأسباب الحسية وإعداد ما يستطاع من العدة، فينبغي التنبيه لهذا الأمر العظيم والحذر من الألفاظ التقليدية المخالفة للشرع المطهر. أما المعية فهي قسمان معية عامة، ومعية خاصة. فأما المعية العامة: فهي لجميع البشر وليست خاصة بأهل الإيمان، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله سبحانه عالم بأحوال العباد مطلع على شئونهم محيط بهم ولا يخفى عليه من أمرهم خافية، ولهذا بدأ سبحانه هاتين الآيتين بالعلم وختمهما بالعلم، تنبيها للعباد على أن المراد بالمعية هو العلم والإحاطة والاطلاع على كل شيء من أمر العباد ليخافوه ويعظموه ويبتعدوا عن أسباب غضبه وعذابه، وليس معنى ذلك أنه مختلط بالخلق أو أنه في كل مكان، كما يقول ذلك بعض المبتدعين الضالين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقولهم هذا باطل بالنص والإجماع، بل هو فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه فيه خلقه، كما صرح بذلك في كتابه الكريم

стр. 906

في سبع آيات من القرآن الكريم، منها قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وهو سبحانه لا شبيه له ولا مثل له في جميع صفاته كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) فهو فوق العرش عال فوق خلقه كما أخبر بذلك عن نفسه، وعلمه في كل مكان لا يخفى عليه خافية، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٤) ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) فهذه الآيات المحكمات وما جاء في معناها كلها ترشد العباد إلى أن ربهم سبحانه فوق العرش وأعمالهم ترفع إليه وهو معهم بعلمه أينما كانوا لا يخفى عليه منهم خافية. أما المعية الخاصة: فهي للأنبياء والمرسلين عليهم - الصلاة والسلام - وأتباعهم بإحسان وهم أهل التقوى والإيمان والصبر والمصابرة، وهذه المعية الخاصة تقتضي الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد، كما قال عن نبيه محمد ﷺ أنه قال لصاحبه في الغار وهو أبو بكر الصديق ﵁ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٧) ولما أرسل الله موسى

стр. 907

وهارون - عليهما الصلاة والسلام - إلى فرعون اللعين قال لهما مثبتا ومطمئنا: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) وقال في كتابه المبين يخاطب المشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وقال : ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فينبغي أن يكون شعار المسلمين في إذاعاتهم وصحفهم وعند لقائهم لأعدائهم في جميع الأحوال هو الشعار القرآني الإسلامي الذي أرشد الله إليه عباده، وذلك بأن يقولوا: الله مع المتقين، الله مع المؤمنين، الله مع الصابرين، وما أشبه هذه العبارات حتى يكونوا قد تأدبوا بآداب الله وعلقوا النصر بأسبابه التي علقه الله بها، لا بالعروبة ولا بالوطنية ولا بالقومية ولا بأشباه ذلك من الألفاظ والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان. أيها المجاهد إنك في معركة عظيمة مع عدو لدود عظيم الحقد على الإسلام وأهله، فوطن نفسك على الجهاد والصبر والمصابرة، وأخلص عملك لله واستعن به وحده، وأبشر إذا صدقت في ذلك

стр. 908

بإحدى الحسنين إما النصر والغنيمة والعاقبة الحميدة في الدنيا، وإما الشهادة والنعيم المقيم والقصور العالية والأنهار الجارية والحور الحسان في دار الكرامة،. أيها العربي لا تظن أن النصر على عدوك معلق بعروبتك وإنما ذلك بإيمانك بالله وصبرك في مواطن اللقاء واستقامتك على الحق وتوبتك من سالف ذنوبك وإخلاصك لله في كل أعمالك، فاستقم على ذلك وتمسك بالإسلام الصحيح الذي حقيقته الإخلاص لله والاستقامة على شرعه والسير على هدي رسوله ونبيه محمد ﷺ في الحرب والسلم وفي جميع الأحوال، أيها المسلم أيها المجاهد تذكر ما أصاب المسلمين يوم أحد بسبب إخلال بعض الرماة بطاعة القائد العظيم محمد رسول الله ﷺ من الفشل والتنازع، ثم الهزيمة، ولما استنكر المسلمون ذلك أنزل الله في ذلك قوله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) وقال : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال سبحانه في هذا المعنى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) ولما أعجب المسلمون بكثرتهم يوم حنين هزموا ثم أنزل الله عليهم السكينة وأيدهم بجنود من عنده فتراجعوا وصدقوا الحملة على عدوهم واستغاثوا بربهم

стр. 909

واستنصروا به فنصرهم وأيدهم وهزم عدوهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) فكل ما أصاب المسلمين في الجهاد أو غيره من هزيمة أو جراح أو غير ذلك مما يكرهون فهو بأسباب تقصيرهم وتفريطهم فيما يجب من إعداد القوة والعناية بأمر الحرب، أو بأسباب معاصيهم ومخالفتهم لأمر الله،. فاستعينوا بالله أيها المجاهدون واستقيموا على أمره وأعدوا لعدوكم ما استطعتم من قوة، واصدقوا الله يصدقكم وانصروه ينصركم ويثبت أقدامكم واحذروا الكبر والرياء وسائر المعاصي، واحذروا أيضا التنازع والاختلاف وعصيان قادتكم في تدبير شئون الحرب وغير ذلك ما لم يكن معصية لله عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥) أيها المسلمون أيها المجاهدون إليكم نماذج من كلمات أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم - حين مقابلتهم لجيش الروم يوم اليرموك لما فيها من العبرة والذكرى: كلام خالد بن الوليد ﵁ لما جمع خالد - رضي الله

стр. 910

عنه - الجيوش يوم اليرموك لقتال الروم قام فيهم خطيبا فقال: (إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده) . وقام أبو عبيدة ﵁ في الناس خطيبا فقال: عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا إليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى. وقام معاذ بن جبل ﵁ في الناس خطيبا ذلك اليوم فجعل يذكرهم ويقول: (يا أهل القرآن ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا بقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١) فاستحوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره) . وقام عمرو بن العاص ﵁ في الناس فقال: (يا أيها المسلمون غضوا الأبصار واجثو على الركب وأشرعوا الرماح، فإذا وثبوا عليكم فأمهلوهم، حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب

стр. 911

ويجزي بالإحسان إحسانا لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا، فلا يهولنكم جمعهم ولا عددهم فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل) . وقام أبو سفيان بن حرب ﵁ في الناس فتكلم كلاما حسنا من ذلك قوله: (والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا تبلغن رضوان الله غدا إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة) . هذه نماذج حية عظيمة نقلتها لكم أيها المجاهدون من كلام أصحاب رسول الله ﷺ لتعلموا أن النصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة لا يدركان بالأماني ولا بالتفريط وإضاعة الواجب، وإنما يدركان بتوفيق الله بالصدق في اللقاء ومصابرة الأعداء والاستقامة على دين الله وإيثار حقه على ما سواه، والله المسئول أن ينصر المسلمين على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق قادتهم للاستقامة على أمره والصدق في جهاد أعدائه، والتوبة إليه من كل ما يغضبه، كما نسأله أن يهزم اليهود وأنصارهم وأعوانهم، وأن يكبت أعداء الإسلام أينما كانوا، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه إمام الفاتحين وسيد المرسلين وخير عباد الله أجمعين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسيرته إلى يوم الدين.

стр. 912

فضل الجهاد والمجاهدين الحمد لله الذي أمر بالجهاد في سبيله، ووعد عليه الأجر العظيم والنصر المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله أفضل المجاهدين وأصدق المناضلين وأنصح العباد أجمعين ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الكرام الذين باعوا أنفسهم لله وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهم الدين وأعز بهم المؤمنين، وأذل بهم الكافرين ﵃ وأكرم مثواهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات، ومن أعظم الطاعات، بل هو أفضل ما تقرب به المتقربون وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين، وقمع الكافرين والمنافقين وتسهيل انتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين، وإخراج العباد من الظلمات إلى النور، ونشر محاسن الإسلام وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين، وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين، وقد ورد في فضله وفضل المجاهدين من الآيات

стр. 913

القرآنية والأحاديث النبوية ما يحفز الهمم العالية، ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في هذا السبيل، والصدق في جهاد أعداء رب العالمين، وهو فرض كفاية على المسلمين إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وقد يكون في بعض الأحيان من الفرائض العينية التي لا يجوز للمسلم التخلف عنها إلا بعذر شرعي، كما لو استنفره الإمام أو حصر بلده العدو أو كان حاضرا بين الصفين. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة معلومة، ومما ورد في فضل الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢) ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣) ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٤) ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٥) ففي هذه الآيات الكريمات يأمر الله عباده المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد خفافا وثقالا، أي: شيبا وشبابا، وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، يخبرهم بأن ذلك خير لهم في الدنيا والآخرة، ثم يبين سبحانه حال المنافقين وتثاقلهم عن الجهاد وسوء نيتهم، وأن ذلك هلاك لهم بقوله : ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ (٦) الآية.

стр. 914

ثم يعاتب نبيه ﷺ عتابا لطيفا على إذنه لمن طلب التخلف عن الجهاد بقوله سبحانه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (١) ويبين أن في عدم الإذن لهم تبينا للصادقين وفضيحة للكاذبين، ثم يذكر أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا يستأذن في ترك الجهاد بغير عذر شرعي؛ لأن إيمانه الصادق بالله واليوم الآخر يمنعه من ذلك، ويحفزه إلى المبادرة إلى الجهاد والنفير مع أهله، ثم يذكر سبحانه أن الذي يستأذن في ترك الجهاد هو عادم الإيمان بالله واليوم الآخر المرتاب فيما جاء به الرسول ﷺ وفي ذلك أعظم حث وأبلغ تحريض على الجهاد في سبيل الله، والتنفير من التخلف عنه. وقال تعالى في فضل المجاهدين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ففي هذه الآية الكريمة الترغيب العظيم في الجهاد في سبيل الله ، وبيان أن المؤمن قد باع نفسه وماله على الله ، وأنه سبحانه قد تقبل هذا البيع وجعل ثمنه لأهله الجنة، وأنهم يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون، ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بذلك في أشرف كتبه وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن. ثم بين سبحانه أنه

стр. 915

لا أحد أوفى بعهده من الله ليطمئن المؤمنون إلى وعد ربهم ويبذلوا السلعة التي اشتراها منهم وهي نفوسهم وأموالهم في سبيله سبحانه، عن إخلاص وصدق وطيب نفس حتى يستوفوا أجرهم كاملا في الدنيا والآخرة، ثم يأمر سبحانه المؤمنين أن يستبشروا بهذا البيع لما فيه من الفوز العظيم والعاقبة الحميدة والنصر للحق والتأييد لأهله. وجهاد الكفار والمنافقين وإذلالهم ونصر أوليائه عليهم إفساح الطريق لانتشار الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) في هذه الآيات الكريمات الدلالة من ربنا على أن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله هما التجارة العظيمة المنجية من العذاب الأليم يوم القيامة، ففي ذلك أعظم ترغيب وأكمل تشويق إلى الإيمان والجهاد، ومن المعلوم أن الإيمان بالله ورسوله يتضمن توحيد الله وإخلاص العبادة له سبحانه، كما يتضمن أداء الفرائض وترك المحارم ويدخل في ذلك الجهاد في سبيل الله لكونه من أعظم الشعائر الإسلامية ومن أهم الفرائض، ولكنه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه، وللترغيب فيه لما يترتب عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي سبق بيان الكثير منها،. ثم ذكر
следующие страницы →