← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

٨٧ - على الحجاج التقيد بالتعليمات التي تأمر بها الدولة س: تضع الأجهزة المشرفة على إسكان الحجاج في المشاعر بعض الضوابط التي تمنع تجاوزها لضمان سلامة الحجاج بإذن الله، مثل منع استخدام عبوات الغاز داخل المخيم حيث يؤدي استخدامه السيء إلى كثير من الأضرار المتعدية إلى الغير، فهل تجاوز الحاج لتلك الضوابط وغيرها من الأنظمة التي وضعت لسلامته تنقص من أجره؟ وما توجيه سماحتكم لحجاج بيت الله للحفاظ على سلامة بعضهم بعضا؟ (١) . ج: الواجب على الحجاج وفقهم الله هو التقيد بالتعليمات التي تأمر بها الدولة وفقها الله لمصلحة الحجاج؛ لأن الله سبحانه أوجب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، والتعليمات التي تقوم بها الدولة لمصلحة الحجاج من جملة المعروف، ومخالفتها معصية ونقص في الأجر، وفق الله الجميع لما يرضيه.

стр. 8962

٨٨ - القيام بالمسيرات في موسم الحج في مكة المكرمة باسم البراءة من المشركين بدعة لا أصل لها الحمد لله وصلى الله وسلم على رسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه. أما بعد (١) .: فإن الله أوجب على عباده المؤمنين البراءة من المشركين في كل وقت وأنزل في ذلك قوله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٢) وأنزل في ذلك سبحانه في آخر حياة النبي ﷺ قوله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وصحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه بعث الصديق ﵁ عام تسع من الهجرة يقيم للناس حجهم ويعلن البراءة من المشركين، ثم أتبعه بعلي رضي الله

стр. 8963

عنه ليبلغ الناس ذلك، وبعث الصديق ﵁ مؤذنين مع علي ﵁ ينادون في الناس بكلمات أربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فأجله إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر يسيح في الأرض، كما قال : ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١) وبعدها أمر النبي ﷺ بقتال المشركين إذا لم يسلموا، كما قال الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ (٢) يعني الأربعة التي أجلها لهم ﵊ في أصح قولي أهل العلم في تفسير الأشهر المذكورة في هذه الآية ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) هذا هو المشروع في أمر البراءة وهو الذي أوضحته الأحاديث عن النبي ﷺ وبينه علماء التفسير في أول تفسير سورة براءة - التوبة -، أما القيام بالمسيرات والمظاهرات في موسم الحج في مكة المكرمة أو غيرها لإعلان

стр. 8964

البراءة من المشركين، فذلك بدعة لا أصل لها ويترتب عليه فساد كبير وشر عظيم، فالواجب على كل من كان يفعله تركه، والواجب على الدولة وفقها الله منعه؛ لكونه بدعة لا أساس لها في الشرع المطهر، ولما يترتب على ذلك من أنواع الفساد والشر والأذى للحجيج، والله سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) ولم يكن هذا العمل من سيرته ﵊، ولا من سيرة أصحابه ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) وقال الرسول ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٤) » . متفق على صحته. وقال ﵊ في الحديث الصحيح عن جابر ﵁ في خطبة الجمعة أما بعد: «فإن خير الحديث كتاب الله

стр. 8965

وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (١) » أخرجه مسلم في صحيحه. وقال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) » أخرجه مسلم أيضا، وقال ﷺ في حجة الوداع: «خذوا عني مناسككم (٣) » . ولم يفعل ﷺ مسيرات ولا مظاهرات في حجة الوداع، وهكذا أصحابه بعده ﵃، فيكون إحداث ذلك في موسم الحج من البدع في الدين التي حذر منها النبي ﷺ ، وإنما الذي فعله ﵊ بعد نزول سورة التوبة هو بعث المنادين في عام تسع من الهجرة ليبلغوا الناس أنه لا يحج بعد هذا العام - يعني عام تسع - مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، مع نبذ العهود التي للمشركين بعد أربعة أشهر إلا من كان له عهد أكثر من ذلك فهو إلى مدته، ولم يفعل ﷺ هذا

стр. 8966

التأذين في حجة الوداع؛ لحصول المقصود بما أمر به من التأذين في عام تسع، والخير كله والسعادة في الدنيا والآخرة في اتباع النبي ﷺ والسير على سنته وسلوك مسلك أصحابه ﵃؛ لأنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم وأتباعهم بإحسان، كما قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين والسير على منهج سيد المرسلين وأصحابه المرضيين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان ومن البدع في الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 8967

٨٩ - منافع الحج س: ذكر الله في كتابه الكريم أن هناك منافع في الحج فما هي هذه المنافع؟ (١) ج: لقد ذكر الله هذه المنافع في قوله جل وعلا في سورة الحج بعدما أمر نبيه وخليله إبراهيم ﵊ ببناء البيت الحرام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣) ومن هذا ذكر بعض المفسرين رحمهم الله تعالى المنافع التي تحصل للحجاج: دنيوية وأخروية مما يشاهده ويحس به الفرد المسلم في نفسه وفي أمته. فمن المنافع الدنيوية التي يلمسها الناس البيع والشراء، ومكاسب أصحاب الحرف التي تتعلق بالحجاج والحركة المستمرة في وسائل النقل المختلفة، وفائدة الفقراء مما يدفع لهم من صدقات أو يقدم من ذبائح الهدي والضحايا والكفارات عن كل محظور يرتكبه المحرم،

стр. 8968

وتسويق البضائع والأنعام إلى غير ذلك مما يلمسه كل مسلم يشارك في الحج، ومن المشاهد أن الله سبحانه يسهل النفقة والبذل فيه على الإنسان حتى تجود يده بما لم يجد به من قبل في حياته العادية، علاوة على ما في الحج من التعارف فيما بين المسلمين والتعاون على مصالحهم. أما المنافع الدينية التي تعود على الحجيج بالخير الجزيل من أعمال الآخرة فمنها: التفقه في الدين، والاهتمام بشئون المسلمين عموما، والتعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى الله سبحانه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاستكثار من الصلاة والطواف وذكر الله والصلاة والسلام على نبيه ﷺ والفوز بما وعد الله به الحجاج والعمار من تكفير السيئات، والفوز بالجنة، وتنزل الرحمة على عباد الله في هذه المشاعر العظيمة. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو فيباهي بهم ملائكته فيقول: ما أراد هؤلاء؟ (٢) » رواه مسلم من حديث عائشة ﵂. وقال ﵊: «العمرة إلى العمرة كفارة

стр. 8969

لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (٢) » متفق عليه. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٣) » .. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 8970

٩٠ - حج المصر على المعصية صحيح ولا بد من التوبة س: ما حكم حج المصر على المعصية أو المستمر على ارتكاب صغيرة من الذنوب؟ (١) ج: حجه صحيح إذا كان مسلما، لكنه ناقص ويلزمه التوبة إلى الله من جميع الذنوب ولا سيما في وقت الحج وفي هذا البلد الأمين ومن تاب تاب الله عليه؛

стр. 8971

لقول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٢) الآية. والتوبة النصوح هي المشتملة على الإقلاع عن الذنوب والحذر منها تعظيما لله وخوفا من عقابه مع الندم على ما مضى منها والعزم الصادق على ألا يعود فيها، ومن تمام التوبة رد المظالم إلى أهلها إن كان هناك مظالم في نفس أو مال أو بشرة أو عرض واستحلال أهلها منها. وفق الله المسلمين لما فيه صلاح قلوبهم وأعمالهم ومن علينا وعليهم جميعا بالتوبة النصوح من جميع الذنوب إنه جواد كريم.

стр. 8972

باب الفدية

стр. 8973

صفحة فارغة

стр. 8974

٩١ - حكم من فعل محظورات من جنس واحد س: هل تدخل المحظورات في بعضها البعض وتكون لها كفارة واحدة؟ (١) . ج: نعم إذا كانت المحظورات من جنس واحد، مثل إذا قلم أظفاره ونتف إبطه أو لبس المخيط عامدا، فعليه التوبة وتكفي فدية واحدة وهي: إطعام ستة مساكين أو صوم ثلاثة أيام أو ذبح شاة.

стр. 8975

س: حديث كعب بن عجرة ﵁ قال: «حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي. فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى أتجد شاة؟ قلت: لا. قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (١) » متفق عليه. هل هذا الحديث تفسير للآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) الآية؟ (٣) .

стр. 8976

ج: هذا الحديث يفسر الآية المذكورة ويدل بجميع رواياته على التخيير بين الأصناف الثلاثة كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهي: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد من تمر أو غيره، أو ذبح شاة تجزئ في الأضحية.

стр. 8977

٩٢ - حكم من ترك الإحرام من الميقات س: إنسان نوى العمرة أو الحج ولكنه اجتاز الميقات وأحرم دونه وأتم أعمال الحج أو العمرة فما الواجب عليه؟ (١) . ج: عليه أن يذبح هديا يوزعه على فقراء الحرم ولا يأكل منه إذا جاوز ميقاته غير محرم ثم أحرم بعد ذلك وهو ناو العمرة أو الحج حين جاوز الميقات؛ لقول النبي ﷺ لما وقت المواقيت لأهل المدينة والشام واليمن ونجد: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ حتى أهل

стр. 8978

مكة من مكة (١) » متفق على صحته، ويستثنى من ذلك من أراد العمرة من أهل مكة فإنه يجب أن يحرم من الحل؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة بذلك لما أرادت العمرة وهي بمكة منه. والله ولي التوفيق.

стр. 8979

٩٣ - حكم من أحرمت بالعمرة ثم جاءها الحيض وسافرت ولم تؤد العمرة س: امرأة أحرمت للعمرة ثم جاءها الحيض فخلعت إحرامها وألغت العمرة وسافرت فما الحكم؟ (١) . ج: هذه المرأة لم تزل في حكم الإحرام وخلعها ملابسها التي أحرمت فيها لا يخرجها عن حكم الإحرام، وعليها أن تعود إلى مكة فتكمل عمرتها، وليس عليها كفارة عن خلعها ملابسها أو أخذ شيء من أظفارها أو شعرها وعودها إلى بلادها إذا كانت جاهلة، لكن إن كان لها زوج فوطئها قبل عودها إلى أداء مناسك العمرة فإنها بذلك تفسد عمرتها، ولكن

стр. 8980

يجب عليها أن تؤدي مناسك العمرة وإن كانت فاسدة، ثم تقضيها بعد ذلك بعمرة أخرى من الميقات الذي أحرمت منه بالأولى، وعليها مع ذلك فدية وهي سبع بدنة أو سبع بقرة أو رأس من الغنم جذع ضأن أو ثني معز يذبح في الحرم المكي ويوزع بين الفقراء في الحرم عن فساد عمرتها بالوطء. وللمرأة أن تحرم فيما شاءت من الملابس وليس لها ملابس خاصة بالإحرام كما يظن بعض العامة، لكن الأفضل لها أن تكون ملابس الإحرام غير جميلة حتى لا تحصل بها الفتنة، والله أعلم.

стр. 8981

٩٤ - فدية ترك بعض الواجبات من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. م. ب. غ. وفقه الله آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده: وصلني خطابكم الكريم المؤرخ في ١٧ \ ٢ \ ١٣٩٢ هـ وصلكم الله بهداه المتضمن السؤال عما حصل لكم في الحج وهو أنك وقفت بعرفة وبت بمزدلفة، وأنك تحللت من الإحرام ولم ترم الجمار بسبب أنك نسيت صلاة الظهر والعصر بعرفة إلى قبيل المغرب، ثم تضايقت نفسك ولم تكمل مناسك الحج وتسأل ماذا يجب عليك في ذلك؟ . والجواب: إنك لا تزال محرما إلى حين التاريخ ونيتك التحلل من الإحرام غير معتبرة لعدم توفر شروط التحلل وعليك أن تبادر بلبس ملابس الإحرام من حين يصلك هذا الجواب، وتذهب إلى مكة بنية إكمال الحج فتطوف سبعة أشواط بالكعبة طواف الحج، وتصلي ركعتي الطواف، ثم تسعى بين الصفا والمروة سعي الحج، ثم تحلق أو تقصر والحلق أفضل إن لم تكن سابقا حلقت أو قصرت بنية الحج، ثم تتحلل وعليك دم

стр. 8982

عن ترك رمي الجمار كلها إذا كنت لم ترم جمرة العقبة يوم العيد أو الجمار الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر وهو سبع بدنة أو سبع بقرة أو ثني من المعز أو جذع من الضأن يذبح في الحرم المكي ويوزع بين فقرائه، وعليك دم آخر مثل ذلك عن تركك المبيت بمنى أيام منى إذا كنت لم تبت بها يذبح في الحرم المكي ويوزع بين الفقراء، وعليك مع ذلك التوبة والاستغفار عما حصل من التقصير بترك الرمي الواجب في وقته والمبيت بمنى إن لم تكن بت بها، أما الطواف والسعي والحلق فوقتها موسع ولكن فعلها في وقت الحج أفضل وإذا كنت متزوجا وجامعت زوجتك فقد أفسدت حجك لكن عليك أن تفعل ما تقدم؛ لأن الحج الفاسد يجب إتمامه كالصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) وعليك قضاؤه في المستقبل حسب الاستطاعة، وعليك بدنة عن إفسادك الحج بمجامعة امرأتك قبل الشروع في التحلل تذبح في الحرم المكي وتوزع بين الفقراء، إلا أن تكون قد رميت الجمرة يوم العيد أجزأتك شاة بدل البدنة ولم يفسد حجك كالذي جامع بعد الطواف قبل أن يكمل تحلله بالرمي أو الحلق. وفق الله الجميع للفقه في دينه والثبات عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8983

حضرة صاحب السماحة والفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الموقر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده: أفتنا عظم الله أجرك عن الأسئلة الآتية: ١ - خمسة أشخاص دخلوا الحرم لطواف الوداع فلما طافوا شوطا أو شوطين حصل عليهم زحام شديد حتى خافوا على أنفسهم فصلوا ركعتين ودعوا وخرجوا ولم يكملوا طواف الوداع ظنا منهم أن الطواف غير واجب عليهم فماذا يجب عليهم، وإذا وجب عليهم دم فهل يجوز ذبحه وأكله في بلدهم أم لا بد من ذبحه في مكة وهل إذا لزم أحد دم هل هو على الفور أم على التراخي. ٢ - رجل حج فريضة فلما وصل إلى الميقات أحرم بالعمرة متمتعا فلما قدم مكة سعى وقصر قبل طواف القدوم ثم طاف ولبس ثيابه وفي اليوم الثامن أحرم بالحج مع الناس ولم يحصل عليه خلل حيث قد فهم من فعل الناس أن الطواف هو الأول والسعي بعده، وأما فعله بالعمرة فجهلا منه بالحكم ويذكر أن معه زوجته وحجها فرضها وهذا الحج المذكور له عدة سنوات وقد حج الرجل بعده مرة

стр. 8984

دون زوجته فأرجو توضيح الحكم عظم الله أجركم. من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ م. ع. ع. سلمه الله وتولاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده: كتابكم الكريم المؤرخ في ٩ \ ١ \ ١٣٨٨ هـ وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤالين كان معلوما: السؤال الأول: عن جماعة شرعوا في طواف الوداع فلما طافوا شوطا أو شوطين اشتد عليهم الزحام فقطعوا الطواف ثم صلوا ركعتين ثم خرجوا ظنا منهم أنه غير واجب. والجواب: هؤلاء الجماعة حسب الأدلة الشرعية على كل واحد منهم فدية وهي سبع بدنة أو سبع بقرة أو جذع ضأن أو ثني معز لأن الراجح في طواف الوداع أنه واجب؛ لأن النبي ﷺ أمر به ونهى عن النفير قبله، وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك نسكا أو نسيه فليهرق دما وهذا الهدي يذبح في مكة ويقسم على فقراء

стр. 8985

الحرم كما نص على ذلك أهل العلم احتجاجا بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١) ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) وبقوله سبحانه في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٣) وهو واجب على الفور، لأن الأدلة الشرعية قد دلت على أن الأوامر على الفور إلا ما نص الشرع على التوسيع فيه وذلك أبلغ في الامتثال وأبعد من خطر الترك أو النسيان. السؤال الثاني: متمتع بالعمرة إلى الحج فلما دخل مكة سعى وقصر قبل الطواف ثم طاف ثم حل ثم حج. والجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء والأقرب إن شاء الله أن عمرته صحيحة؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه سئل في حجة الوداع عمن سعى قبل الطواف فقال: «لا حرج (٤) » أخرجه أبو داود في سننه بإسناد جيد، أما كونه قصر قبل تمام العمرة ولم يقصر بعد ذلك فهذا يجبر بدم، لأن التقصير نسك واجب في العمرة بعد الطواف والسعي وقد تركه فينبغي أن يفدي عن ذلك فديا كالهدي

стр. 8986

المذكور في جواب السؤال الأول يذبح في مكة ويوزع بين فقرائها وينبغي أيضا أن يفدي عن تقصيره الذي وقع في غير محله جهلا منه بأحد ثلاثة أشياء: إما صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من التمر أو الحنطة أو الأرز أو الشعير، أو ذبح شاة على ما في حديث كعب بن عجرة؛ لكونه فعل ما يخالف الشرع وكان في إمكانه أن يسأل أهل العلم قبل أن يقدم على عمله هذا، والإطعام والنسك محلهما مكة، أما الصيام ففي كل مكان والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

стр. 8987

س: سائلة تسأل وتقول: لقد أديت فريضة الحج قبل خمس سنوات، ولكني لم أرم إلا في المرة الأولى، أي رميت ليلة العيد قبل الفجر، حيث إننا خرجنا من مزدلفة بعد منتصف الليل خوفا من الزحام، ثم إنني رميت الحصيات ولا أعلم هل وقعت في الحوض أم طاشت عنه ولم تقع، وكان وقتها الزحام شديدا وكنت في ذلك الوقت جاهلة أنه يجب أن تقع الحصيات في الحوض، كما أنني لم أرم في اليوم الثاني والثالث وإنما وكلت أخي في الرمي عني، وذلك خوفا من الزحام فقط، كما أنني كنت جاهلة أنه على المرأة أن ترمي بنفسها ولا توكل إلا لعجزها عن ذلك. أفيدوني بالذي يجب علي في رمي للحصيات حينما كنت لا أعلم هل كانت تقع في الحوض أم كانت تطيش عنه، وما الذي يجب علي في توكيلي لأخي في الرمي في اليوم الثاني والثالث، هل يجب علي فدية أم ماذا جزاكم الله خيرا؟ (١) . ج: عليك عن جميع ذلك ذبيحة واحدة عن ترك الرمي في اليوم الثاني والثالث وأنت قادرة، وعن رمي اليوم الأول الذي شككت هل وصلت الجمرات إلى الحوض أم لا،

стр. 8988

والمقصود أن عليك دما واحدا، وهو ذبيحة جذع من الضأن أو ثني من المعز كالضحية يذبح في مكة للفقراء عن ترك هذا الواجب؛ لأنه لا بد من العلم بوقوع الحصى في المرمى أو غلبة الظن بذلك.

стр. 8989

٩٥ - من تحرك من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم مع التوبة إلى الله س: وقفت بعرفة حتى قبيل المغرب ورأيت الحجاج يتحركون إلى مزدلفة فسرت معهم، وقد نبهني أحد الحجاج بعدم المسير الآن ولكنني لم أسمع كلامه، فهل حجي صحيح؟ أو ماذا علي؟ أفيدوني جزاكم الله خيرا (١) . ج: إذا كان الواقع هو ما ذكرت في السؤال ولم ترجع إلى عرفة بعد الغروب فعليك دم يذبح في منى أو مكة للفقراء، مع التوبة إلى الله من ذلك. وفق الله الجميع.

стр. 8990

٩٦ - حكم إجزاء الفدية الواحدة لمن أخل بواجب أو فعل محظورا س: إذا أخل حاج ببعض واجبات الحج كأن لم يحرم من الميقات أو أخذ شيئا من جسمه كشعر أو ظفر أو غطى رأسه، هل يكفي لذلك فدية واحدة أم أن كل واجب متروك أو محظور عليه فدية مستقلة بذلك؟ جزاكم الله خيرا (١) . ج: من ترك واجبا من واجبات الحج كالإحرام من الميقات فعليه دم يذبح في الحرم للفقراء، يجزئ في الأضحية أو سبع بدنة أو سبع بقرة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. أما من فعل محظورا من محظورات الإحرام، مثل قص الشعر أو الأظافر أو لبس المخيط عالما بالتحريم ذاكرا له فعليه فدية ذلك، وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة تجزئ في الأضحية، أو صيام ثلاثة أيام؛ لحديث كعب بن عجرة الثابت في ذلك، فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه. والله ولي التوفيق.

стр. 8991

٩٧ - حكم من لم يطف طواف الإفاضة ورجع إلى بلاده وجامع أهله س: رجل لم يطف طواف الإفاضة ورجع إلى بلاده وجامع أهله فماذا عليه؟ (١) . ج: عليه التوبة إلى الله ، وعليه ذبيحة تذبح في مكة للفقراء، وعليه أن يرجع ويطوف طواف الإفاضة، وهذا خطأ عظيم عليه التوبة إلى الله والاستغفار والرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة، وعليه دم يذبح في مكة؛ لأن إتيانه زوجه قبل طواف الإفاضة لا يجوز وفيه دم، والصواب أنه يكفيه شاة رأس من الغنم أو سبع بدنة أو سبع بقرة.

стр. 8992

باب صيد الحرم

стр. 8993

صفحة فارغة

стр. 8994

٩٨ - بيان حرمة مكة ومكانة البيت العتيق وما ورد في ذلك من آيات وأحاديث وآثار الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد (١) : فإني أشكر الله على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله وأبناء أعزاء للتواصي بالحق والتذكير به والدعوة إليه، والنصح لله ولعباده، أسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعا، وأعمالنا وأن يمنحنا جميعا وجميع المسلمين الفقه في الدين، والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يوفق حكام المسلمين جميعا للتمسك بشريعته، والحكم بها، وإلزام الشعوب بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ثم أشكر إخواني القائمين على هذا النادي، وعلى رأسهم الأخ الكريم صاحب الفضيلة الدكتور راشد الراجح مدير جامعة

стр. 8995

أم القرى ورئيس النادي، على دعوتهم لي لهذه المحاضرة وعنوانها: حرمة مكة المكرمة ومكانة البيت العتيق، وما ورد في ذلك من الآثار. أيها الإخوة في الله لا يخفى على كل من له أدنى علم، وأدنى بصيرة حرمة مكة، ومكانة البيت العتيق؛ لأن ذلك أمر قد أوضحه الله في كتابه العظيم في آيات كثيرة، وبينه رسوله محمد ﵊ في أحاديث كثيرة، وبينه أهل العلم في كتبهم ومناسكهم، وفي كتب التفسير. والأمر بحمد الله واضح ولكن لا مانع من التذكير بذلك، والتواصي بما أوجبه الله من حرمتها والعناية بهذه الحرمة، ومنع كل ما يضاد ذلك ويخالفه، يقول الله في كتابه المبين: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) أوضح الله سبحانه في هذه الآيات، أن البيت العتيق، هو أول بيت وضع للناس وأنه مبارك، وأنه هدى للعالمين. وهذه تشريفات عظيمة، ورفع لمقام هذا البيت، وتنويه بذلك. وقد ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ذر

стр. 8996

رضي الله عنه «أنه سأل النبي ﷺ عن أول بيت وضع للناس، فقال ﵊: " المسجد الحرام " قلت: ثم أي؟ قال: " المسجد الأقصى " قلت: كم بينهما: قال: " أربعون عاما " قلت: ثم أي؟ قال: حيثما أدركتك الصلاة فصل، فإن ذلك مسجد (١) » . ويبين هذا المعنى قوله ﵊ في الصحيحين: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٢) » . . . . الحديث. هذا البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس للعبادة والطاعة، وهناك بيوت قبله للسكن، ولكن أول بيت وضع للناس ليعبد الله فيه، ويطاف به، هو هذا البيت، وأول من بناه هو خليل الله إبراهيم ﵇، وساعده في ذلك ابنه إسماعيل. أما ما روي أن أول من عمره هو آدم فهو ضعيف، والمحفوظ والمعروف عند أهل العلم أن أول من عمره هو خليل الله إبراهيم ﵊، وأول بيت وضع بعده

стр. 8997

للعبادة هو المسجد الأقصى على يد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وكان بينهما أربعون سنة، ثم عمره بعد ذلك بسنين طويلة سليمان نبي الله ﵊، وهذا البيت العتيق هو أفضل بيت، وأول بيت وضع للناس للعبادة، وهو بيت مبارك لما جعل الله فيه من الخير العظيم بالصلاة فيه، والطواف به، والصلاة حوله والعبادة، كل ذلك من أسباب تكفير الذنوب، وغفران الخطايا قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١) فالله سبحانه قد جعل هذا البيت مثابة للناس يثوبون إليه، ولا يشبعون من المجيء إليه، بل كلما صدروا أحبوا الرجوع إليه، والمثابة إليه، لما جعل الله في قلوب المؤمنين من المحبة له والشوق إلى المجيء إليه، لما يجدون في ذلك من الخير العظيم، ورفيع الدرجات، ومضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات، ثم جعله آمنا يأمن فيه العباد، وجعله آمنا للصيد الذي فيه، فهو حرم آمن، يأمن فيه الصيد الذي أباح الله للمسلمين أكله خارج الحرم، يأمن فيه حال وجوده به، حتى يخرج لا ينفر ولا يقتل.

стр. 8998

ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) يعني وجب أن يؤمن، وليس المعنى أنه لا يقع فيه أذى لأحد، ولا قتل، بل ذلك قد يقع وإنما المقصود أن الواجب تأمين من دخله، وعدم التعرض له بسوء، وكانت الجاهلية تعرف ذلك، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يؤذيه بشيء حتى يخرج، فهذا البيت العتيق، وهذا الحرم العظيم، جعله الله مثابة للناس وأمنا، وأوجب على نبييه إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود أي المصلين، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢) والقائم هنا هو المقيم وهو العاكف، والطائف معروف، والركع السجود هم المصلون. فالله جلت قدرته أمر نبيه إبراهيم وابنه إسماعيل أن يطهرا هذا البيت، وهكذا جميع ولاة الأمور، يجب عليهم ذلك. ولهذا نبه النبي ﷺ على ذلك يوم فتح مكة، وأخبر أنه حرم آمن، وأن الله حرمه يوم خلق السماوات والأرض، ولم يحرمه الناس، وقال: لا ينفر صيده، ولا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يسفك فيه دم ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف،

стр. 8999

ويعني ﵊ بهذا حرمة هذا البيت. فيجب على المسلمين، وعلى ولاة الأمور، كما وجب على إبراهيم وإسماعيل والأنبياء وعلى خاتمهم محمد ﷺ أن يحترموه ويعظموه، وأن يحذروا ما حرم الله فيه من إيذاء المسلمين، والظلم لهم، والتعدي عليهم حجاجا أو عمارا أو غيرهم. فالعاكف: المقيم، والطائف: معروف، والركع السجود: هم المصلون. فالواجب تطهير هذا البيت للمقيمين فيه، والمتعبدين فيه، وإذا وجب على الناس أن يحترموه، وأن يدفعوا عنه الأذى، فالواجب عليهم أيضا أن يطهروا هذا البيت، وأن يحذروا معاصي الله فيه، وأن يتقوا غضبه وعقابه، وأن لا يؤذي بعضهم بعضا، ولا أن يقاتل بعضهم بعضا، فهو بلد آمن محترم يجب على أهله أن يعظموه وأن يحترموه، وأن يحذروا معصية الله فيه، وأن لا يظلم بعضهم بعضا، ولا يؤذي بعضهم بعضا، لأن السيئة فيه عظيمة كما أن الحسنات فيه مضاعفة. والسيئات عند أهل العلم والتحقيق تضاعف لا من جهة العدد، فإن من جاء بالسيئة فإنما يجزى مثلها، ولكنها مضاعفة بالكيفية. فالسيئة في الحرم ليست مثل السيئة في خارجه، بل هي أعظم وأكبر، حتى قال الله في ذلك:

стр. 9000

﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ومن يرد فيه أي يهم فيه ويقصد. فضمن يرد معنى يهم ولهذا عداه بالباء، بقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٢) أي من يهم فيه بإلحاد بظلم. فإذا كان من هم بالإلحاد أو أراده استحق العذاب الأليم، فكيف بمن فعله؟ إذا كان من يهم ومن يريد متوعدا بالعذاب الأليم، فالذي يفعل الجريمة، ويتعدى الحدود فيه من باب أولى في استحقاقه العقاب، والعذاب الأليم. ويقول جل وعلا في صدر هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣) وهذا يبين لنا أنه محرم، وأنه لا فرق فيه بين العاكف وهو المقيم، والباد وهو الوارد والوافد إليه من حاج ومعتمر وغيرهما. وهذا هو أول الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٤) وبين جل وعلا عظمة هذا المكان، وأن الله جعله آمنا وجعله حرما، ليس لأحد من المقيمين فيه ولا من الواردين إليه، أن يتعدى حدود الله فيه، أو أن يؤذي الناس فيه.
следующие страницы →