باب صفة الحج والعمرة
(١٠) طواف الوداع
٢٢٣ - حكم طواف الوداع
س: هل طواف الوداع واجب على من أراد الخروج من مكة المكرمة في أي حالة أو مستحب أو سنة؟ (١) .
ج: طواف الوداع في وجوبه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه واجب في حق الحاج ومستحب في حق المعتمر؛ لقول النبي ﷺ للناس في حجة الوداع: «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » . رواه مسلم، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف
стр. 9312
عن المرأة الحائض (١) » وبذلك تعلم حكم طواف الوداع من هذين الحديثين الشريفين والعمرة تشبه الحج؛ لأنها حج أصغر. والحائض لا وداع عليها وهكذا النفساء؛ لأنها مثلها في الحكم. والله الموفق.
стр. 9313
٢٢٤ - طواف الوداع خاص بالمسافر إلى أهله
س: إذا أدى الحاج العمرة وخرج بعد ذلك لزيارة أقربائه خارج الحرم، هل يلزمه طواف الوداع؟ وهل عليه شيء في ذلك؟ (١) .
ج: ليس على المعتمر وداع إذا أراد الخروج خارج الحرم في ضواحي مكة وهكذا الحاج، لكن متى أراد السفر إلى أهله أو غير أهله شرع له الوداع، ولا يجب عليه لعدم الدليل، وقد خرج الصحابة ﵃ وأرضاهم الذين حلوا من عمرتهم إلى منى وعرفات ولم يؤمروا بطواف الوداع أما
стр. 9314
الحاج فيلزمه طواف الوداع عند مغادرته مكة مسافرا إلى أهله أو غير أهله لقول ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » متفق عليه، وقوله أمر الناس يعني بذلك أن النبي ﷺ أمرهم، ولهذا جاء في الرواية الأخرى عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » رواه مسلم. ومن هذا الحديث يعلم أن الحائض ليس عليها وداع لا في الحج ولا في العمرة، وهكذا النفساء. لأنها مثلها في الحكم عند أهل العلم.
стр. 9315
س: أنا مقيم وأعمل في الرياض، وكل سنة أذهب إلى مكة مع عائلتي، وشاء الله تعالى أن تم لي الحج وحدي فأرسلت زوجتي وأولادي إلى بيت أهلها في جدة، وعندما انتهيت من الحج قمت بطواف الإفاضة والسعي ثم نزلت إلى مكة. فهل يجوز لي الذهاب إلى جدة
стр. 9316
(دون طواف الوداع) لإحضار زوجتي وأولادي، والجلوس في مكة إلى حين السفر إلى الرياض حيث إقامتي وعملي؟ (١)
ج: يجوز لك الذهاب إلى جدة لإحضار أهلك إلى مكة قبل طواف الإفاضة والسعي في أيام منى، وليس عليك طواف وداع، حتى ترمي الجمار يوم الثاني عشر بعد الزوال، فإذا أردت الخروج إلى جدة أو غيرها فعليك أن تطوف للوداع إذا كنت قد طفت طواف الإفاضة والسعي.
أما إذا كنت لم تطف طواف الإفاضة ولم تسع، فلا حرج أن تذهب إلى جدة لإحضار زوجتك إلى مكة، وليس عليك طواف وداع؛ لأنك والحال ما ذكر لم تكمل الحج، وطواف الوداع إنما يجب بعد إتمام مناسك الحج إذا أراد الحاج السفر إلى بلده أو إلى غيره؛ لقول النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه، ولقول ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة
стр. 9317
الحائض (١) » متفق على صحته. والنفساء مثل الحائض ليس عليهما طواف وداع.
стр. 9318
س: هل على أهل مكة طواف وداع خلاف طواف الإفاضة؟ (١)
ج: ليس على أهل مكة طواف وداع.
стр. 9319
٣٢٥ - من ترك طواف
الوداع فعليه دم مع التوبة والاستغفار
س: ما حكم من ترك طواف الوداع، وهل يجوز للحاج أن يوكل أحدا عنه بذلك؟ (١)
ج: من ترك طواف الوداع عليه التوبة والاستغفار، وعليه دم يذبح في مكة المكرمة ويطعم فقراءها مع التوبة
стр. 9320
والاستغفار، وليس له التوكيل، وأن يطوف بنفسه.
стр. 9321
س: قبل سبع سنين حججنا وتركنا طواف الوداع، ورجعنا إلى جدة فهل حجنا صحيح وماذا يلزمنا؟ (١)
ج: الحج صحيح، ولكن أسأتم في ترك الوداع؛ لأن الرسول ﷺ أمر الحاج بالوداع قال ﷺ : «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » ، وهذا خطاب للحجاج يشمل أهل جدة وغيرهم، فالواجب على جميع أهل البلدان - سواء في جدة أو الطائف وغيرهم - أن يودعوا البيت، وقد تسامح بعض العلماء في هذا بالنسبة لمن منزله دون مسافة قصر كأهل بحرة وأشباههم، وقالوا إنه لا وداع عليه، والأحوط لكل من كان خارج الحرم أن يودع إذا انتهى حجه، وأهل جدة بعيدون وهكذا أهل الطائف فالواجب عليهم أن يودعوا قبل أن يخرجوا؛ لأنهم يشملهم الحديث، وعليهم دم يذبح في مكة عن كل واحد منهم ترك طواف الوداع توزع على الفقراء شاة أو سبع بدنة، أو سبع بقرة.
стр. 9322
س: هل يجوز للحاج أن يسافر إلى جدة دون أن يطوف طواف الوداع؟ وما الذي يلزم من فعل ذلك؟ (١)
ج: لا يجوز للحاج أن ينفر من مكة بعد الحج إلا بعد طواف الوداع؛ لقول النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » رواه مسلم وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٣) » فلا يجوز لأهل جدة، ولا لأهل الطائف ولا غيرهم الخروج من مكة بعد الحج إلا بعد الوداع، فمن سافر قبل الوداع فإن عليه دما؛ لكونه ترك واجبا، وقيل في ذلك أقوال أخرى، ولكن هذا هو الصواب عند أهل العلم في هذه المسألة. وقال بعض أهل العلم لو رجع بنية طواف الوداع أجزأه ذلك وسقط عنه الدم، ولكن هذا فيه نظر، والأحوط
стр. 9323
للمؤمن ما دام سافر مسافة قصر ولم يودع البيت فإن عليه دما يجبر به حجه.
стр. 9324
س: هل يجوز الخروج بعد الحج إلى جدة بدون وداع، وإن خرج ولم يودع فما الحكم؟
ج: الخروج بعد الحج إلى جدة بدون وداع فيه تفصيل، أما من كان من سكان جدة فليس لهم الخروج إلا بوداع بدون شك؛ لعموم الحديث الصحيح، وهو قول النبي ﷺ : «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (١) » رواه مسلم، وقول ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » متفق عليه، وأما من خرج إليها لحاجة وقصده الرجوع إلى مكة؛ لأنها محل إقامته أيام الحج، فهذا فيه نظر وشبهة، والأقرب أنه لا ينبغي له الخروج إلا بوداع عملا بعموم الحديث
стр. 9325
المذكور، ويكفيه هذا الوداع عن وداع آخر إذا أراد الخروج إليها مرة أخرى؛ لكونه قد أتى بالوداع المأمور به، لكن إذا أراد الخروج إلى بلاده فالأحوط له أن يودع مرة أخرى للشك في إجزاء الوداع الأول، أما من ترك الوداع ففيه تفصيل، فإن كان من النوع الأول، فالأقرب أن عليه دما؛ لكونه ترك نسكا واجبا، وقد قال ابن عباس ﵄: من ترك نسكا أو نسيه فليهرق دما فهذا الأثر هو عمدة من أوجب الدم في سائر واجبات الحج، وهو أثر صحيح، وقد روي مرفوعا إلى النبي ﷺ ولكن الموقوف أصح، والأقرب أنه في حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الحكم يبعد أن يقوله ابن عباس من جهة رأيه، والله أعلم، وأما إن كان من النوع الثاني: وهو الذي خرج إلى جدة أو الطائف أو نحوهما لحاجة، وليسا بلده وإنما خرج إليهما لحاجة عارضة ونيته الرجوع إلى مكة ثم الوداع إذا أراد الخروج إلى بلده، فهذا لا يظهر لي لزوم الدم له، فإن فدى على سبيل الاحتياط فلا بأس، والله أعلم.
стр. 9326
س: نحن من سكان جدة قدمنا العام الماضي للحج، وأكملنا جميع المناسك ما عدا طواف الوداع، فقد أجلناه
стр. 9327
إلى نهاية شهر ذي الحجة، وبعد أن خف الزحام عدنا، هل حجنا صحيح؟ (١)
ج: إذا حج الإنسان وأخر طواف الوداع إلى وقت آخر فحجه صحيح، وعليه أن يطوف للوداع عند خروجه من مكة، فإن كان في خارج مكة كأهل جدة وأهل الطائف والمدينة وأشباههم فليس له النفير حتى يودع البيت بطواف سبعة أشواط حول الكعبة فقط ليس فيه سعي؛ لأن الوداع ليس فيه سعي بل طواف فقط، فإن خرج ولم يودع البيت فعليه دم عند جمهور أهل العلم، يذبح في مكة ويوزع على الفقراء والمساكين وحجه صحيح كما تقدم، هذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، فالحاصل أن طواف الوداع نسك واجب في أصح أقوال أهل العلم، وقد ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " من ترك نسكا أو نسيه فليهرق دما " وهذا نسك تركه الإنسان عمدا، فعليه أن يريق دما يذبحه في مكة للفقراء والمساكين، وكونه يرجع بعد ذلك لا يسقطه عنه، هذا هو المختار، وهذا هو الأرجح عندي والله أعلم.
стр. 9328
٢٢٦ - حكم من سافر ولم يكمل طواف الوداع
س: امرأة كبيرة في السن عليها طواف وداع، ولكنها طافت ثلاثة أشواط ولم تتم الباقي نظرا لتعبها وشدة الزحام في الحج وقرب وقت سفرها بالطائرة، فماذا يجب عليها؟ (١) جزاكم الله خيرا.
ج: على كل محرم بالحج أو العمرة، أن يطوف الطواف الواجب، ولو محمولا أو في عربة، وليس له ترك الطواف ولا شيء منه، وهكذا السعي، لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) ولما ثبت عن أم سلمة ﵂، أنها اشتكت للنبي ﷺ عجزها عن الطواف ماشية لمرضها فأمرها أن تطوف وهي راكبة، وإذا سافر الرجل والمرأة ولم يطف طواف الوداع بعد الحج فعليه التوبة إلى الله سبحانه مع الفدية، وهي ذبيحة تذبح في مكة توزع على الفقراء ويجزئ فيها ما يجزئ في الأضحية، وهو رأس من الغنم أو سبع بدنة، أو سبع بقرة. والله ولي التوفيق.
стр. 9329
س: حجت والدتي عن والدها، وعند طواف الوداع كان حالها لا يساعد على إتمامه بسبب شدة الزحام والمرض، فقال لها بعضهم لا تطوفي وتكتفي بقراءة الفاتحة لوالدها، وفعلت ذلك معتمدة على فتوى هذا الجاهل، فهل يجزئ أن أطوف عنها الآن طواف وداع أم لا؟ (١)
ج: هذه فتوى باطلة وغلط، وطواف الوداع واجب ولا تجزئ عنه الفاتحة بل هذا جهل صرف، وعليها دم عن ترك الوداع؛ لأنه واجب، والواجب يفدى بدم إذا تركه المحرم ولم يتمكن من أدائه وسافر، فإنه يفديه بدم يذبح بمكة ويوزع بين الفقراء بدلا عن تركه طواف الوداع، ولا يجزئ طوافك عنها، والله ولي التوفيق.
стр. 9330
٢٢٧ - وداع الحائض والنفساء
س: كيف يتم وداع الحائض والنفساء؟ (١)
ج: ليس على الحائض والنفساء وداع؛ لما ثبت عن ابن
стр. 9331
عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » ، متفق عليه. والنفساء في حكمها عند أهل العلم.
стр. 9332
٢٢٨ - التأخر اليسير عن السفر بعد طواف الوداع يعفي عنه
س: حججت العام الماضي والحمد لله، وعندما أخذت طواف الوداع قبل المغرب بساعة. بعد صلاة العشاء خرجت، ولظرف غير مقصود تأخرت، فهل يلزمني شيء؟ (١) أرجو التوجيه جزاكم الله خيرا.
ج: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال للحجاج: «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده
стр. 9333
بالبيت (١) » خرجه مسلم في صحيحه، وقال ابن عباس ﵄: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢) » متفق عليه.
وقوله: " أمر الناس " يعني أمرهم النبي ﷺ فلا يجوز للحاج أن يخرج من مكة إلا بعد طواف الوداع إذا أراد السفر إلى بلده، أو إلى بلاد أخرى، وإذا ودع قبل الغروب ثم جلس بعد المغرب لحاجة أو لسماع الدرس أو ليصلي العشاء فلا حرج في ذلك، فالمدة اليسيرة يعفي عنها. وقد طاف النبي ﷺ في حجة الوداع طواف الوداع في آخر الليل، ثم صلى بالناس الفجر ثم سافر بعد ذلك ﵊. فالتخلف اليسير يعفي عنه بعد الوداع، وإذا كنت سافرت بعد العشاء فلا حرج في ذلك، أما إن كنت أقمت إقامة طويلة فينبغي لك أن تعيد طواف الوداع، وإن كنت لم تعد طواف الوداع فلا حرج عليك إن شاء الله؛ لأن المدة
стр. 9334
وإن كان فيها بعض الطول إلا أنها مغتفرة إن شاء الله من أجل الجهل بواجب المبادرة والمسارعة إلى الخروج بعد طواف الوداع.
стр. 9335
٢٢٩ - التأخر إلى ما بعد
ذي الحجة لا يؤثر على طواف الوداع
س: حججت هذا العام وسأتأخر في العودة إلى ما بعد ذي الحجة هل هذه الإقامة الطويلة بعد الحج لا تؤثر على طواف الوداع جزاكم الله خيرا (١) .
ج: هذه المدة لا تؤثر؛ لأن طواف الوداع إنما يشرع عند عزم الحاج على الخروج من مكة؛ لقول النبي ﷺ يخاطب الحجاج في حجة الوداع -: «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (٢) » أخرجه مسلم في صحيحه. ولقول ابن عباس ﵄: «أمر الناس -
стр. 9336
يعني الحاج - أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (١) » متفق عليه. ومن هذا الحديث يعلم أن الحائض ليس عليها وداع وهكذا النفساء، والله ولي التوفيق.
стр. 9337
باب صفة الحج والعمرة
(١١) صفة الزيارة
٢٣٠ - ما يفعله الزائر للمدينة المنورة
س: ما الذي ينبغي للحاج أن يفعله بالمدينة، وما الفرق بين زيارة قبر الرسول ﷺ والطواف به؟ (١)
ج: السنة لمن زار المدينة أن يقصد المسجد ويصلي فيه ركعتين أو أكثر، ويكثر من الصلاة فيه، ويكثر من ذكر الله وقراءة القرآن وحضور حلقات العلم، وإذا تيسر له أن يعتكف ما شاء الله فهذا حسن، ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه.
هذا ما يشرع لزائر المدينة، وإذا أقام بها أوقاتا يصلي بالمسجد النبوي فذلك خير عظيم؛ لأن النبي صلى الله عليه
стр. 9338
وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (١) » فالصلاة في مسجده ﷺ مضاعفة. أما ما شاع بين الناس من أن الزائر يقيم ثمانية أيام حتى يصلي أربعين صلاة فهذا وإن كان قد روي في بعض الأحاديث: «إن من صلى فيه أربعين صلاة كتب الله له براءة من النار، وبراءة من النفاق (٢) » إلا أنه حديث ضعيف عند أهل التحقيق لا تقوم به الحجة؛ لأنه قد انفرد به إنسان لا يعرف بالحديث والرواية، ووثقه من لا يعتمد على توثيقه إذا انفرد، فالحاصل أن الحديث الذي فيه فضل أربعين صلاة في المسجد النبوي حديث ضعيف لا يعتمد عليه. والزيارة ليس لها حد محدود، وإذا زارها ساعة أو ساعتين، أو يوما أو يومين، أو أكثر من ذلك فلا بأس.
ويستحب للزائر أن يزور البقيع ويسلم على أهله ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، ويستحب له أن يزور الشهداء ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة. ويستحب له أيضا أن يتطهر في بيته
стр. 9339
ويحسن الطهور ثم يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين كما كان النبي يزوره ﵊، أما الطواف بمنبر النبي فهذا لا يجوز، وإذا طاف بقصد التقرب إلى النبي فهذا شرك بالله ، فالطواف عبادة حول الكعبة لا تصلح إلا لله وحده، ومن طاف بقبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الناس يتقرب إليهم بالطواف صار مشركا بالله ، وإن ظن أنه طاعة لله، وفعله من أجله يتقرب به إليه صار بدعة، وهكذا حكم الطواف عند قبر غير النبي ﷺ مثل قبر الحسين، أو البدوي في مصر، أو ابن عربي في الشام أو قبر الشيخ عبد القادر الجيلانى، أو موسى الكاظم في العراق، أو غير ذلك.
وينبغي أن نفرق بين الزيارة للميت وبين عبادة الله وحده، فالعبادة لله وحده، والميت يزار لتذكر الآخرة أو الزهد في الدنيا والدعاء والترحم عليه، أما أنه يعبد من دون الله، أو يدعى من دون الله، أو يستغاث به أو ما أشبه ذلك، فذلك لا يجوز بل هو من المحرمات الشركية. ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من ذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 9340
٢٣١ - صفة السلام على رسول الله ﷺ
س: ما حكم السلام على رسول الله ﷺ للزائر للمسجد النبوي؟ وهل هناك صفة للسلام عليه ﷺ أمام قبره واستدبار القبلة؟ (١)
ج: بسم الله، والحمد لله، يسن لمن زار المدينة أن يزور المسجد النبوي ويصلي فيه، وإذا تيسر له أن يصلي في الروضة كان أفضل، ثم يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه ﵄، والسنة أن يستقبل الزائر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ حين السلام عليهم ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله عليك وبركاته. وإن دعا له ﷺ كأن يقول: جزاك الله عن أمتك خيرا، وضاعف لك الحسنات، وأحسن إليك كما أحسنت إلى الأمة. فلا حرج في ذلك. وهكذا لو قال: أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق الجهاد. فلا حرج في ذلك؛ لأن هذا كله حق، ثم يسلم على صاحبيه ﵄، ويدعو لهما
стр. 9341
بالدعوات المناسبة.
أما إذا أراد الدعاء لنفسه، فإنه يتحول لمكان آخر ويستقبل القبلة ويدعو كما نص على ذلك أهل العلم. ويستحب للمسلم زيارة المسجد النبوي قصدا من بلاده أو غيرها، كما شرع له زيارة المسجد الحرام وزيارة المسجد الأقصى إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (١) » وقال ﵊: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة (٢) » وبذلك يعلم أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ما عدا المسجد النبوي. وجاء عنه ﷺ أن الصلاة في المسجد الأقصى أفضل من خمسمائة صلاة فيما سواه، والمعنى غير المسجد الحرام والمسجد النبوي، والله ولي التوفيق.
стр. 9342
س: ما هي كيفية زيارة قبر النبي ﷺ ؟ (١)
ج: يزوره ويصلي ويسلم عليه، والسنة أن يستقبل القبر ويسلم عليه ثم يسلم على صاحبيه ﵄، وإذا أراد الدعاء لنفسه فإنه يستقبل القبلة في مكان آخر.
стр. 9343
س: إذا سافر الإنسان إلى المدينة المنورة فهل يلزمه السلام على رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ أم لا؟ وإذا أراد السلام عليهم فما هي الطريقة الصحيحة لذلك. أقصد: هل لا بد من المبادرة بالسلام عليهم، أو أنه لا بأس من تأخيره، وهل لا بد من الدخول من خارج المسجد ليكونوا عن يمينه أو لا بأس بسلامه عليهم وهو خارج من المسجد وهم بذلك سيكونون عن شماله، وما هي الصيغة الشرعية للسلام، وهل يتساوى في ذلك الرجل والمرأة؟ أرشدونا جزاكم الله خيرا (١) .
ج: السنة لمن زار المدينة المنورة أن يبدأ بالمسجد النبوي، فيصلي فيه ركعتين والأفضل أن يكون فعلهن في
стр. 9344
الروضة النبوية إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (١) » . ثم يأتي القبر الشريف فيسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄، من قبل القبلة، يستقبلهما استقبالا، وصفة السلام أن يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإن زاد فقال: صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، وجزاك الله عن أمتك خيرا، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، فلا بأس، ثم يتأخر عن يمينه قليلا، فيسلم على الصديق فيقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيرا، ثم يتأخر قليلا عن يمينه ثم يسلم على عمر ﵁ مثل سلامه على الصديق ﵄. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (٢) » وثبت عنه ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد
стр. 9345
الحرام (١) » متفق عليه. وثبت عنه ﷺ أنه قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) » وكان ﵊ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (٣) » وهذه الزيارة خاصة بالرجال أما النساء فلا تجوز لهن زيارة القبور؛ لأنه ﷺ لعن زائرات القبور، ويدخل في ذلك قبره ﷺ وغيره، لكن يشرع للرجال والنساء جميعا الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ في كل مكان لعموم قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤) وقول النبي
стр. 9346
صلى الله عليه وسلم: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا (١) » والأحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ كثيرة. ولا حرج على النساء في الصلاة في مسجده ﷺ وغيره من المساجد، لكن بيوتهن خير لهن وأفضل لقول النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن (٢) » ، ولأن ذلك أستر لهن وأبعد عن الفتنة منهن وبهن، والله الموفق.
стр. 9347
٢٣٢ - زيارة المسجد النبوي سنة
س: يعتقد بعض الحجاج أنه إذا لم يتمكن الحاج من زيارة المسجد النبوي فإن حجه ينقص، فهل هذا صحيح؟
стр. 9348
ج: الزيارة للمسجد النبوي سنة وليست واجبة، وليس لها تعلق بالحج، بل السنة أن يزار المسجد النبوي في جميع السنة، ولا يختص ذلك بوقت الحج؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (١) » متفق عليه، ولقوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (٢) » متفق عليه، وإذا زار المسجد النبوي شرع له أن يصلي في الروضة ركعتين، ثم يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه: أبي بكر وعمر ﵄، كما يشرع زيارة البقيع والشهداء للسلام على المدفونين هناك من الصحابة وغيرهم والدعاء لهم والترحم عليهم كما كان النبي ﷺ يزورهم. وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم
стр. 9349
لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية (١) »
وفي رواية عنه ﷺ أنه «كان يقول إذ زار البقيع: يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٢) » ويشرع أيضا لمن زار المسجد النبوي أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين؛ لأن النبي ﷺ كان يزوره كل سبت ويصلي فيه ركعتين، وقال ﵊: «من تطهر في بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان كعمرة (٣) » هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة، أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك، ولا دليل عليه. والمشروع للمؤمن دائما هو الاتباع دون الابتداع. والله ولي التوفيق.
стр. 9350
٢٣٣ - زيارة قبر الرسول ﷺ
س: أرجو الإفادة عن صحة الأحاديث الآتية:
الأول: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» .
الثاني: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» .
الثالث: «من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا شهيدا يوم القيامة» .
لأنها وردت في بعض الكتب وحصل منها إشكال واختلف فيها على رأيين: أحدهما يؤيد هذه الأحاديث. والثاني لا يؤيدها
ج: أما الحديث الأول: فقد رواه ابن عدي والدارقطني من طريق عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ بلفظ: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» وهو حديث ضعيف، بل قيل عنه: إنه موضوع، أي مكذوب؛ ذلك أن في سنده محمد بن النعمان بن شبل الباهلي عن أبيه وكلاهما ضعيف جدا. وقال