← Фатава

Фатава · id 21537

مجموع فتاوى ومقالات متنوعة - ابن باز

ابن باز

Полный текст (16 222 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

النبي ﷺ أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها (١) » . وفي صحيح البخاري ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار (٢) » . ولا شك أن الدفاع عن الدين والنفس والأهل والمال والبلاد وأهلها من الجهاد المشروع، ومن يقتل في ذلك وهو مسلم يعتبر شهيدا؛ لقول النبي ﷺ : «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد (٣) » . ونوصيكم أيها المرابطون في الجبهة بتقوى الله والإخلاص لله في جميع أعمالكم، والمحافظة على الصلوات الخمس في الجماعة، والإكثار من ذكر الله ، والاستقامة على طاعة

стр. 9522

الله ورسوله، والحرص على اتفاق الكلمة، وعدم التنازع، والصبر والمصابرة في ذلك بنفس مطمئنة، وحسن الظن بالله، والحذر من جميع معاصيه. ومن أجمع الآيات فيما ذكرنا قوله في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) سدد الله خطاكم وثبتكم على دينه، ونصر بكم وبمن معكم الحق، وخذل بكم الباطل وأهله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة

стр. 9523

٣٩ - حكم الله تعالى في جهاد أعدائه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فنرى أن من المهم بيان حكم الله في جهاد أعدائه بالمال والنفس واللسان. وقد أكثر الله سبحانه من ذكر الجهاد في كتابه الكريم، وهكذا نبيه ﵊ جاءت عنه الأحاديث الصحيحة تأمر بالجهاد وتدعو إليه وتشجع عليه، وتذكر فضل أهله وما لهم عند الله من المثوبة العظيمة. ومن هذا قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) فأمر سبحانه بالجهاد بالمال، والنفس، وبالنفير خفافا وثقالا، وما ذاك إلا لعظم شأن الجهاد وشدة الحاجة إليه؛ لما يحصل به من رفع راية الإسلام ورفع أعلامه وتنفيذ أحكامه، وإزاحة

стр. 9524

العقبات عن طريق دعوته. ولما في الجهاد أيضا من نشر دين الله، وبيان حقه على عباده، ولما فيه أيضا من إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإخراجهم من حكم الطاغوت إلى حكم الله ، ومن ضيق الدنيا وظلمها وجورها إلى سعة الإسلام وعدل الإسلام. وقال جل وعلا في كتابه الكريم أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) فأخبر أن التجارة المنجية من العذاب الأليم هي الإيمان والجهاد، وشوق إليها بقوله: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) وبقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ (٤) فالداعي هو الله ، والواسطة هو محمد ﵊، وهو الذي أنزل الله عليه الكتاب العظيم وبلغه إلينا. والتجارة المنجية من عذاب أليم هي إيماننا بالله سبحانه وبرسوله إيمانا صادقا، يتضمن توحيده والإخلاص له، وطاعة أوامره، وترك نواهيه، والوقوف عند حدوده ، ومن جملة طاعته وطاعة رسوله الجهاد في سبيل الله ، ولهذا ذكر الجهاد بعد الإيمان تنبيها على عظم شأنه

стр. 9525

وشدة الحاجة إليه، وإلا فمن المعلوم أنه من شعب الإيمان، حتى قال بعض أهل العلم: أن الجهاد هو الركن السادس من أركان الإسلام، وما ذاك إلا لعظم ما يترتب عليه من المصالح العظيمة، فهو شعبة عظيمة، وفرض عظيم من فروض الإيمان، وهو يكون بالنفس، ويكون بالمال، ويكون باللسان، ويكون بأنواع التسهيل الذي يعين المجاهدين على قتال عدوهم. فالدعوة إلى الله والإرشاد إليه والتشجيع على الجهاد والتحذير من التخلف والجبن، كل هذا من الجهاد باللسان، ونصيحة المجاهدين، وبيان ما أعد الله لهم من الخير والعاقبة الحميدة، كله من الجهاد باللسان، والإنفاق في سبيل الله في مصالح الجهاد، وفي حاجة المجاهدين وتجهيزهم، وإعطائهم السلاح والآلة المركوبة من طائرة ومن سيارة ومن غير ذلك، كل ذلك من الجهاد في سبيل الله بالمال. وبين في الآية الكريمة أن الإيمان والجهاد هما التجارة المنجية من عذاب الله، فما أشرفه من عمل وما أعظمه من عمل. وقال النبي ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله (١) » ، وقال

стр. 9526

عليه الصلاة والسلام: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها (١) » ، ولكن الجهاد بالمال له شأن عظيم، فهو أوسع أنواع الجهاد؛ لأن المال يستعان به على استخدام الرجال، واستخدام السلاح، واستخدام الدعاة، فالمال أوسعها وأكثرها نفعا، ولهذا بدأ به الله في الآيات قبل النفس في أغلب الآيات، بدأ الله بالمال قبل النفس، وما ذاك إلا لعظم نفعه وكثرة ما يحصل به من الخير والعون للمجاهدين. فالجهاد بالمال جهاد عظيم ينفع المجاهدين ويعينهم على عدوهم؛ بصرفه في استخدام المجاهدين وتجهيزهم وتفريغهم للجهاد، والإحسان إلى عوائلهم، ويصرف أيضا في شراء السلاح الذي يجاهد به، ويصرف أيضا في حاجتهم من اللباس والطعام والخيام وغير ذلك، ومصالحه كثيرة؛ ولهذا بدأ الله به في أغلب الآيات، كما في قوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وفي هذه الآيات يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥) ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)

стр. 9527

وهذا فضل من الله أن المجاهدين تحصل لهم هذه الأمور العظيمة: غفران الذنوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار، ومع كل ذلك فتح قريب ينصرهم الله ويؤيدهم على أعدائهم إذا صدقوا واستقاموا وصابروا، كما قال في حق المجاهدين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (١) هذا وعده لأهل الإيمان إذا جاهدوا عدوهم وصبروا واتقوا ربهم، فالله ينصرهم ويعينهم ويكفيهم شر أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٣) ويقول سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥)

стр. 9528

العاقبة لله يجعلها لمن يشاء ، فإذا صبر أهل الإيمان واتقوا ربهم وجاهدوا في سبيله عن إيمان وإخلاص، وأعدوا العدة اللازمة فإن الله ينصرهم ويعينهم، ويجعل العاقبة لهم ، كما وعد بذلك. ويقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) فالصبر والصدق والتقوى لله هي أسباب النصر وعناصر الفوز. والله المسئول سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته، إنه جواد كريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 9529

ليس الجهاد للدفاع فقط الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، ونسأله التوفيق لإصابة الحق إنه على كل شيء قدير أما بعد: فلما كان الكثير من كتاب العصر قد التبس عليهم الأمر في أمر الجهاد، وخاض كثير منهم في ذلك بغير علم، وظنوا أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن الإسلام، وعن أهل الإسلام، ولم يشرع ليغزو المسلمون أعداءهم في بلادهم، ويطالبوهم بالإسلام ويدعوهم إليه، فإن استجابوا وإلا قاتلوهم على ذلك، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر. لما كان هذا واقعا من بعض الناس، وصدر فيه رسائل وكتابات كثيرة، رأيت أن من المستحسن بل مما ينبغي أن تكون محاضرتي في هذه الليلة، في هذا الشأن بعنوان:

стр. 9530

ليس الجهاد للدفاع فقط، فأقول والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل: إن الله وله الحمد والمنة بعث الرسل وأنزل الكتب لهداية الثقلين من الجن والإنس، ولإخراجهم من الظلمات إلى النور فضلا منه وإحسانا. وكان الله قد فطر العباد على معرفته، وتوحيده وخلقهم لهذا الأمر. خلقهم ليعبدوه ويطيعوه. ولكنه سبحانه لعلمه بأحوالهم وأن عقولهم لا يمكن أن تستقل بمعرفة تفاصيل عبادته التي ترضيه ، ولا يمكن أن تستقل بمعرفة الأحكام العادلة التي ينبغي أن يسيروا عليها، ولا يمكن أن تستقل بمعرفة الأخلاق والصفات التي ينبغي أن يتخلقوا بها، أرسل رسلا مبشرين ومنذرين، ليوجهوا أهل الأرض من المكلفين، إلى توحيده سبحانه والإخلاص له، وبيان الأخلاق والأعمال التي ترضيه سبحانه، وليحذروهم من الأعمال والأخلاق التي تغضبه ، وليرسموا لهم النظم والخطط التي ينبغي أن يسيروا عليها، وأنزل الكتب لإيضاح هذا الأمر وبيانه؛ لأنه سبحانه هو العالم بأحوال عباده، العالم بما يصلحهم، العالم بما فيه سعادتهم العاجلة والآجلة، فهو عالم بأحوالهم الحاضرة، وبأحوالهم الماضية، وبأحوالهم المستقبلة، فلهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيان حقه والإرشاد إليه، وتوجيه

стр. 9531

الناس إلى أسباب النجاة وإلى طرق السعادة في المعاش والمعاد، وأنزل الكتب لبيان هذا الأمر العظيم، قال جل وعلا في كتابه المبين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢) ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣) ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤) ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ (٥) وقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٦) وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧) وبين الله أنه هو الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وبين أن رسله أرسلوا بالبينات، وأنزل معهم سبحانه الكتاب والميزان بالقسط.

стр. 9532

والمراد بالكتاب: الكتب السماوية وهي كلامه جل وعلا، وهو الذي لا أصدق منه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (١) والميزان وهو العدل يعني الشرائع المستقيمة، والأحكام العادلة التي تشتمل على أسباب السعادة في الدنيا والآخرة. هكذا أرسل الرسل، وهكذا أنزل الكتب، أنزل الكتب السماوية التي أشرفها وأعظمها كتاب الله العظيم القرآن، وأنزل قبل ذلك التوراة والإنجيل وكتبا أخرى على أنبيائه ورسله، عليهم الصلاة والسلام، فيها الشرائع والأحكام والتوجيه إلى الخير والتحذير من الشر، وكان فيما مضى يرسل إلى كل قوم رسولا منهم، يوجههم إلى الخير، ويأمرهم بتوحيد الله وينذرهم من الشرك بالله، ويشرع سبحانه لهم الشرائع وهو الحكيم العليم الرحيم جل وعلا، وكل رسول أرسله الله إلى أمة، أرسله بالتوحيد الذي هو زبدة دعوة الرسل كلهم، وأمرهم بحب الله جل وعلا، والإخلاص له، وتوجيه القلوب إليه سبحانه، وشرع لهم من الشرائع على لسان رسولهم ما يليق بهم، وبمجتمعهم وزمانهم وظروفهم على ما تقتضيه حكمة الرب ، ورحمته ولطفه جل وعلا، وعلمه بأحوالهم .

стр. 9533

ولما كانت رسالة محمد ﷺ رسالة عامة إلى جميع أهل الأرض من جن وإنس، أرسله الله بشريعة صالحة لجميع أهل الأرض في زمانه، وبعد زمانه إلى يوم القيامة، ﵊. هكذا اقتضت حكمة الله ، واجتمعت الرسل على الأصول والأسس عليهم الصلاة والسلام، وتنوعت الشرائع على حسب ظروف الأمم وأحوالهم وبيئاتهم، على ما تقتضيه حكمة الخالق العليم، ورحمته ، وإحسانه إليهم ولطفه بهم جل وعلا. أما جنس التوحيد الذي هو أصل الأصول، فقد اجتمعت الرسل عليه، وهكذا بقية الأصول كوجوب الصدق والعدل وتحريم الكذب والظلم والأمر بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنهي عن ضدها فهذه الأصول اجتمعت عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣)

стр. 9534

ومن الأصول الأساسية: الإيمان بالله ورسوله وتوحيده، والإخلاص له، والإيمان باليوم الآخر، وبالجنة والنار، والإيمان بجميع الرسل، وعدم التفريق بينهم، وما أشبه هذه الأصول هذا كله مما اجتمعت عليه الرسل جميعا، وقد جاءت الكتب الإلهية كلها يصدق بعضها بعضا، ويؤيد بعضها بعضا. أما جنس الفروع فقد تنوعت بها الشرائع، فقد يباح في شريعة من المسائل الفرعية ما يحرم في الشريعة الأخرى، وقد يحرم في شريعة سابقة ما يباح في شريعة لاحقة، ومن هذا أن الله جل وعلا بعث عيسى ﵊ بشريعة التوراة مع التخفيف والتيسير لبعض ما فيها، وإخبارهم ببعض ما اختلفوا فيه، وإحلال بعض ما حرم عليهم في التوراة، كل هذا من لطفه وتيسيره جل وعلا، كما قال لما ذكر التوراة والإنجيل والقرآن قال بعد هذا كله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) وهو سبحانه حكيم في شرعه عليم بما يصلح عباده وما يستطيعون، كما أنه حكيم في أقداره ، قال جل وعلا:

стр. 9535

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) هذا كله في شريعة التوراة، وقد أقره الله لهذه الأمة وبينه لهم مقرا له ومشرعا في هذه الأمة، وجاءت السنة تؤيد ذلك وتبين أن هذا شرع الله لهذه الأمة في النفس والعين والأنف والأذن والسن، كما هو في شريعة الله المعلومة من كتابه سبحانه، ومن سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣) فدل ذلك على أن هذا الكتاب العظيم وهو الإنجيل، فيه هدى ونور وفيه مواعظ وتوجيهات، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ (٤) فدل على أن فيه أحكاما يحكم بها أهل الإنجيل من

стр. 9536

علماء بني إسرائيل ومعلوم أن عيسى ﵊ أرسل بشريعة التوراة، ومع ذلك أرسل بأشياء غير ما في التوراة. . وفي شريعته أيضا تخفيف وتيسير لبعض ما في التوراة، ثم قال بعد هذا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ثم قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) هكذا قال لنبيه محمد ﵊، وأنزل كتابه القرآن بالحق؛ لأن الله أنزله بالحق وللحق، فهو جاء مشتملا على الحق ومؤيدا للحق، وشارعا للحق ومصدقا لما بين يديه من الكتب الماضية، والرسل الماضين فيما جاءوا به. فكتاب الله العظيم القرآن مصدق للرسل الماضين، ومصدق للكتب الماضية، وشاهد أنها من عند الله : التوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وإبراهيم وغيرها من الكتب التي أنزلها الله على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم بين الله جل وعلا أن لكل منهم شرعة ومنهاجا، فدل ذلك على أن الشرائع التي جاء بها الأنبياء والرسل متنوعة الأسس من الإيمان بالله ورسله والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالجنة

стр. 9537

والنار، وغير هذا من الأحكام العامة التي توجب العدل والصدق، وتحريم الظلم والكذب ونحو ذلك. فهذه أصول عامة متبعة، وكان من حكمته أن أرسل كل رسول بلسان قومه، حتى يفقههم ويفهمهم، ما بعث به إليهم بصورة واضحة، وبيان واضح، ولهذا قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١) الآية. ولما كان محمد ﷺ من العرب، وكان العرب هم أول الناس يستمعون دعوته، ويواجههم بدعوته، أرسله الله بلسانهم، وإن كان رسولا للجميع ﵊، ولكن الله أرسله بلسان قومه، وجعل قومه مبلغين ودعاة إلى من وراءهم من الأمم، وأمر الناس جميعا باتباع هذا النبي ﵊ والسير على منهاجه، فوجب عليهم أن يتبعوه، وأن يعرفوا لغته ولغة كتاب الله العظيم، وهذا النبي العظيم هو محمد ﵊ بعثه الله رحمة للعالمين جميعا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) فكما أرسل الرسل قبله رحمة لمن أرسلوا إليه ليواجهوهم وليزيلوا عنهم الظلم، والفساد وأحكام الطواغيت، وليحلوا مكان

стр. 9538

ذلك النظم الصالحة والأحكام العادلة، وهكذا أرسل الله محمدا ﷺ أيضا، ليقضي على النظم الفاسدة في المجتمع الإنساني، والأخلاق المنحرفة، والظلم والجور، وليحل محلها نظما صالحة، وأحكاما عادلة، فبعثه صلى الله وسلم ربه ليزيل ما في الأرض من الظلم والطغيان، وليقضي على الفساد، وليزيح النظم الفاسدة والطواغيت المستبدة، الذين يتحكمون في الناس بالباطل، ويظلمونهم ويتعدون على حقوقهم، ويستعبدونهم. فبعث الله هذا النبي ﵊، ليزيل هذه النظم الفاسدة، والأخلاق الظالمة، وليقضي على الطغاة المتجبرين، والقادة المفسدين، وليحل محل ذلك قادة مصلحين، ونظما عادلة مستقيمة، وشرائع حكيمة عادلة، توقف الناس عند حدهم، ولا تفرق بين أبيض وأسود، ولا بين أحمر وغيره، ولا بين غني وففير، ولا بين شريف عند الناس، ووضيع عندهم، بل جعل شريعته لا تفرق بين الناس، بل توجههم جميعا وتأمرهم وتنهاهم جميعا، وبين الله أن أكرم الناس عند الله هو أتقاهم، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) ولم يقل لتتفاخروا

стр. 9539

أو ليترفع بعضكم على بعض، أو يستعبد بعضكم بعضا، أو يفخر بعضكم على بعض، ولكن قال: لتعارفوا، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد (٢) » خرجه مسلم في صحيحه. وقال الله جل وعلا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣) فهذا النبي العظيم ﵊ أرسله الله برسالة عامة ونظام شامل عام في جميع الشئون العبادية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والحربية وغير ذلك من شئون الناس، فما ترك شيئا إلا وأرشد إلى حكم الله فيه، وقال فيه : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٥) ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٦) فبين الله أن هذا الرسول سراج منير للناس ينير

стр. 9540

لهم الطريق ويهديهم السبيل إلى ربهم سبحانه، ﵊ الذي من استقام على دينه نجا وفاز بالخير والعاقبة الحميدة ومن حاد عنه باء بالخيبة والخسارة والذل والهوان، وقال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) هكذا قال جل وعلا في هذا النبي العظيم وكتابه المبين. إن هذا الكتاب وهذا الرسول يخرج الله بهما الناس من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل والظلم والاستبداد والاستعباد إلى نور التوحيد والإيمان، إلى نور الهدى والعدل، إلى سعة الإسلام بدلا من جور الملوك والطغاة، وبدلا من أحكامهم الظالمة الجائرة، فشريعة الله التي بعث بها نبيه محمدا ﷺ شريعة كاملة، شريعة فيها الهدى والنور، وفيها العدل والحكمة، وفيها إنصاف المظلوم من الظالم، وتوجيه الناس إلى أسباب السعادة، وإلزامهم بالحق والعدل، ومنعهم من الظلم والجور، وربطهم بالأخوة الإيمانية، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه والتآخي، والنصح من بعضهم

стр. 9541

لبعض، وفيها تخليصهم من الظلم والجور والبغي والكذب وسائر أنواع الفساد حتى يكونوا جميعا إخوة متحابين في الله متعاونين على البر والتقوى، ينصح كل واحد الآخر، ويؤدي الأمانة ولا يغش أخاه ولا يخونه، ولا يكذبه، ولا يحقره، ولا يغتابه ولا ينم عليه، بل يحب له كل خير ويكره له كل شر، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) وقال ﵊: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٢) » وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (٣) » . وقال أيضا ﵊: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٤) » خرجه مسلم في صحيحه.

стр. 9542

وقال سبحانه في كتابه العزيز في عموم الرسالة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) وأخبر أن هذا الرسول يزكيهم من أخلاقهم الذميمة وأعمالهم المنكرة إلى أخلاق صالحة، وإلى أعمال مستقيمة قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢) وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) إلى غير ذلك من الآيات الدالات على نصحه ﵊، وأن الله بعثه ليعلم الناس ويرشد الناس ويزكي الناس ويخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ من ظلمات جهلهم وكفرهم وأخلاقهم الذميمة، إلى نور الإيمان والتوحيد وإلى سعادة الأخلاق الكريمة، والعدل والصلاح والإصلاح. ولما كانت الأرض قبل بعثته ﵊

стр. 9543

مملوءة من الظلم والجهل والكفر، وكان الشرك قد عم الناس وعم البلاد وانتشر فيها الفساد إلا ما شاء الله من بقايا يسيرة من أهل الكتاب ماتوا أو معظمهم قبل بعثته ﵊، لما كان الأمر هكذا رحم الله أهل الأرض ولطف بهم سبحانه وبعث فيهم هذا الرسول العظيم محمدا ﵊ وهم في أشد الحاجة بل الضرورة إلى بعثته وإرساله، فبعثه الله بأشرف كتاب وأشرف رسالة وأعمها فأنقذ الله به الأمة. وأخرج الله به أهل الأرض من الظلمات إلى النور، أخرجهم الله به من الضلالة إلى الهدى، أخرجهم الله به من الجور والظلم والعسف إلى العدل والإنصاف والحرية الكاملة المقيدة بقيود الشريعة. وأمره حينما بعثه بالدعوة إلى الله والإرشاد إليه، وإقامة الحجج على ما بعثه الله به من الدين الحق والصراط المستقيم، فلم يزل هكذا يدعو إلى الله ويرشد في مكة ﵊، وهكذا من أسلم معه من أهل مكة يقوم بدوره في الدعوة على حسب حاله تارة في السر وتارة في العلن كما هو معلوم، فمكث في مكة ﵊ ثلاثة عشر عاما يدعو إلى الله وينذر قومه ويوجههم إلى الخير ويتلو عليهم كتاب الله، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولم يأمره الله بقتالهم، وإنما هي دعوة فقط ليس فيها قتال بل توجيه وإرشاد وإيضاح

стр. 9544

للحق والخلق الكريم، وتحذير من خلافه بالكلام الطيب واللطف والجدال بالتي هي أحسن كما قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) وقال جل وعلا: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) إلى أمثال هذه الآيات التي فيها الأمر بالصفح والإعراض عنهم والجدال بالتي هي أحسن إلى غير ذلك، وليس فيها الأمر بقتالهم؛ لأن المقام لا يتحمل ذلك؛ لأن المسلمين قليلون وأعداؤهم كثيرون وبأيديهم السلطان والقوة فكان من حكمة الله أن منع رسوله والمسلمين من الجهاد باليد وأمرهم بالاكتفاء بالجهاد باللسان والدعوة وأمرهم أن يكفوا أيديهم عن القتال، فهدى الله بذلك من هدى من المسلمين كالصديق ﵁ وعمر الفاروق ﵁ وعثمان ﵁ وعلي ﵁ والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وجم غفير من

стр. 9545

الصحابة، رضي الله عن الجميع وأرضاهم.

стр. 9546

ولما صدع النبي بالدعوة وبين بطلان آلهتهم التي يعبدونها من دون الله وأرشدهم إلى توحيد الله والإخلاص له، عظم على أهل مكة ذلك واشتد عليهم الأمر؛ لأنهم يعظمون تلك الآلهة، ولأن كثيرا منهم يرى في عبادتها والتعلق بها حفظا لرئاسته ومنزلته وسيطرته على الضعفاء، وصاروا يحاولون الذود عنها ويكذبون على الرسول ﷺ أكاذيب كثيرة وينفرون الناس عنه ويقولون عنه إنه شاعر وتارة مجنون وتارة ساحر وتارة كذاب إلى غير ذلك، وهي أقاويل كلها باطلة وهم يعلمون أنها باطلة، أعني أعيانهم ورؤساءهم وأهل الحل والعقد منهم كما قال سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١) ولكن ليس لهم حيلة إلا أن يقولوا هكذا من الكذب والفرية والتزييف على الضعفاء من أهل مكة ومن غيرهم فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر الحق ويدفع الباطل ولو كره الكافرون. فلم يزل يدعوهم ﵊ ولم يزل يناظر الناس ويتلو عليهم كتاب الله ويرشدهم إلى ما بعثه الله به ويصدع بأمر ربه ، حتى

стр. 9547

ظهرت الدعوة في مكة وانتشرت وسمع بها الناس، العرب وغيرهم في البوادي والمدن، فصارت الوفود تأتي إلى النبي ﷺ ويتصلون به سرا ويسمعون منه ﵊ حتى فشى الإسلام وظهر وبان لأهل مكة، فعند ذلك شمروا عن ساعد العداوة وآذوا الرسول وآذوا أصحابه إيذاءا شديدا، وأمرهم معروف في السير والتاريخ فمنهم من عذب بالرمضاء ومنهم من عذب بغير ذلك. فلما اشتد الأمر بأصحاب الرسول ﷺ واشتد بهم الأذى أذن لهم ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر من هاجر إلى الحبشة ومكثوا هناك ما شاء الله ثم بلغهم أن هناك تساهلا من المشركين، وروي أنه بلغهم أنهم أسلموا لما سجدوا مع النبي ﷺ في سورة النجم فرجع من رجع منهم فاشتد عليهم الأذى، فهاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة وبقوا هناك إلى أن قدموا على النبي ﷺ عام خيبر من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ﵁ وعنهم. ثم استمرت الحال والشدة على الرسول ﷺ في مكة. . وجرى ما جرى في حصاره في شعب أبي طالب وغير هذا من الأذى، ثم إن الله جل وعلا بعد ذلك أذن له بالهجرة إلى المدينة بعدما يسر الله له من الأنصار من يساعده ويحميه ويؤويه، فإن الأنصار ﵃ وأرضاهم، من الأوس

стр. 9548

والخزرج لما بلغتهم الدعوة اتصلوا بالنبي ﷺ واجتمعوا به عند العقبة في منى مرات ثم في المرة الأخيرة بايعوه، بايعه منهم جماعة فوق السبعين، فبايعوه على الإسلام وعلى أن ينصروه ويحموه مما يحموا منه نساءهم وذرياتهم، وطلبوا منه أن يهاجر إليهم فوافق على ذلك ﵊. وأذن لأصحابه بالهجرة ثم انتظر أمر ربه فأذن الله له بعد ذلك فهاجر إلى المدينة فلله الحمد والمنة. وكان ﷺ في مكة - كما هو معلوم - لم يكن يجاهدهم باليد ولا بالسيف، ولكنه كان يجاهد بالدعوة والتوجيه والإرشاد والتبصير والعظة والتذكير وتلاوة القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١) وهكذا كان أصحابه ﷺ الذين بقوا في مكة كانوا هكذا إذا تمكنوا من الدعوة بذلوها لمن يتصل بهم في التوجيه والإرشاد والنصيحة، ولكن مع هذا كله فالمسلمون قليلون والكفار أكثر ولهم السلطة، ولهم اليد في مكة، ولهذا قال الشاعر ويروى ذلك لحسان ﵁: دعا المصطفى دهرا بمكة لم يجب ... وقد لان منه جانب وخطاب

стр. 9549

فلما دعا والسيف صلت بكفه ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا هكذا كانت الحال بمكة، إنما أجاب القليل وامتنع الأكثرون بسبب المآكل والرئاسة والكبر والحسد والبغي لا عن جهل بالحق ولا عن رغبة في الباطل؛ لأنهم يعرفون أنه رسول الله وأنه صادق، وكانوا يسمونه الأمين ﵊، ولكن الحسد والبغي وحب الرئاسة والتسلط على الأمة يمنع الكثير من الناس عن قبول الحق. وهكذا فعل الروم وفارس ورؤساؤهم وأعيانهم ليس يخفى عليهم الحق وأدلته وبراهينه، ولكن السلطان والرئاسة واستعباد الناس وما يلتحق بهذا يمنعهم من الخضوع إلى الحق، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن صفات النبي ﷺ وأخبره أبو سفيان بذلك عرف أنه رسول الله واتضح له أنه نبي الله ودعا أمته لذلك، فلما رأى منهم النفرة وعدم الاستجابة نكس على عقبيه ورجع عما أظهر وقال: " إنما فعلت هذا وقلت ما قلت لأمتحنكم وأعرف صلابتكم في دينكم " ثم استمر على دين قومه وطغيانه وكفره. نسأل الله العافية، فآثر الدنيا على الآخرة. وهكذا أشباهه ونظراؤه يحملهم البغي والحسد وحب الرئاسة على خلاف الحق وعلى التنكر له ولأهله كما سبق في قوله جل وعلا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١)

стр. 9550

هكذا يقول ربنا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) وقال الله عن موسى ﵊ أنه قال لفرعون: ﴿قال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ (٢) فهؤلاء الكفرة من الكبراء والأعيان يعرفون الحق وأن ما جاءت به الرسل هو الحق، ولكن تمنعهم الرئاسات والتسلط على العباد وظلم العباد والاستبداد بالخيرات، يمنعهم ذلك من قبول الحق؛ لأنهم يعرفون أنهم إذا قبلوا صاروا أتباعا وهم لا يرضون بذلك إنما يريدون أن يكونوا متبوعين ورؤساء ومتحكمين ومتسلطين. فالإسلام جاء ليحارب هؤلاء ويقضي عليهم ليقيم دولة صالحة بقيادة صالحة يؤثرون حق الله وإنصاف الناس ويرضون بما يرضى به إخوانهم، ولا يتجبرون ولا يتكبرون بل ينصفون إخوانهم ويسعون في صلاحهم وفلاحهم ويحكمون بينهم بالعدل، ويشتركون معهم في الخيرات ولا يستبدون بها عنهم. هكذا بعث الله نبيه محمدا ﷺ بدين شامل ونظام عادل وشرائع مستقيمة تكسح نظم الفساد وتزيل

стр. 9551

أحكام الطغاة وتقضي على طرق الفساد وأخلاق المفسدين، وتوجب على المسلمين اتباع هذا النظام المنزل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما توجب عليهم هذه الشريعة أن يتخلقوا بالعدل والإنصاف وأن يستقيموا على ما شرعه الله لهم وأن يحافظوا على ذلك، وأن ينصف بعضهم بعضا وأن يؤدي الأمانة بعضهم لبعض، وأن يحكموا فيما بينهم بشرع الله وأن يحاربوا الفساد والضلال وطرق الغي والغواية، فلما هاجر ﵊ واستقر به القرار في المدينة المنورة أمره الله بالتقوى وتطهيرها من الفساد وأهل الفساد وعمارتها بالمصلحين والصالحين، فلما استقر به القرار في هذه البلاد المقدسة وحوله الأنصار والمهاجرون، استمر في الدعوة ﵊ ونشر ما بعثه الله به من الهدى، وأذن الله له ولأصحابه في القتال والجهاد، وأنزل في ذلك قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) ففي هذه الآية أذن لهم في الجهاد لأنهم مظلومون، والمقصود أن الله جل وعلا أذن لهم بالقتال والجهاد، ثم فرض الله ذلك وأوجبه بقوله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢) الآية، وأوجب عليهم سبحانه

стр. 9552

وتعالى الجهاد والقتال وأنزل فيه الآيات الكثيرات وحرض عليه وأمر به في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه ﷺ فكان أولا مباحا مأذونا فيه ثم فريضة على الكفاية كما قاله أهل العلم. وقد يجب على الأعيان إذا اقتضت الأسباب ذلك كما لو حضر الصف، أو حصر بلده أو استنفره الإمام، ففي هذه المسائل الثلاث يتعين القتال، إذا حضر الصفين ليس له أن ينصرف ولا أن يفر. وكذلك إذا حاصر بلده العدو وجب عليه وعلى أهل البلد أن يقاتلوا ويدافعوا بكل ما يستطيعون من قوة، وكذلك إذا استنفره الإمام وجب النفير كما هو معروف في محله، فالمقصود أن الله فرض الجهاد وجعله فرضا على المسلمين وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنة مؤكدة. وقد يجب على الأعيان للأسباب التي تقتضي ذلك كما سبق، فكان ﵊ أولا يقاتل إذا رأى المصلحة في ذلك ويكف إذا رأى المصلحة في الترك، ثم أمره الله سبحانه بقتال من قاتله وبالكف عمن كف عنه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)

стр. 9553

قال بعض السلف في هذه الآية: إنه أمر في هذه الآية بقتال من قاتله والكف عمن كف عنه، وقال آخرون في هذه الآية: إن هذه الآية ليس فيها ما يدل على هذا المعنى وإنما فيها أنه أمر بالقتال للذين يقاتلون، أي: من شأنهم أن يقاتلوا. . . ويصدوا عن سبيل الله وهم الرجال المكلفون القادرون على القتال بخلاف الذين ليس من شأنهم القتال كالنساء والصبيان والرهبان والعميان والزمناء وأشباههم فهؤلاء لا يقاتلون لأنهم ليسوا من أهل القتال. وهذا التفسير كما سيأتي إن شاء الله تعالى أظهر وأوضح في معنى الآية، ولهذا قال بعدها بقليل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (١) فعلم بذلك أنه أراد قتال الكفار لا من قاتل فقط بل أراد قتال الكفار جميعا حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة والفتنة الشرك، وأن يفتن الناس بعضهم بعضا عن دينهم فتطلق الفتنة على الشرك كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢) يعني الشرك، وتطلق على ما يقوم به بعض الكفار من قتل بعض الناس والتعدي عليهم وإلجائهم إلى أن يكفروا بالله . فالله أمر بقتالهم حتى لا تكون فتنة، يعني حتى لا يقع شرك في الأمة وحتى لا يقع ظلم من الكفار للمسلمين بصدهم وقتالهم

стр. 9554

حتى يرجعوا عن الحق، وقال في سورة النساء: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٢) ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٣) قالوا: فهذه الآيات فيها الدلالة على أن الله جل وعلا أمر نبيه ﷺ والمسلمين أن يقاتلوا من قاتلهم وأن يكفوا عمن اعتزل القتال وكف عنهم، ثم أنزل الله بعد ذلك آية السيف في سورة براءة وهي قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) قال العلماء - رحمة الله عليهم -: إن هذه الآية ناسخة لجميع الآيات التي فيها الصفح والكف عن المشركين والتي فيها

стр. 9555

الكف عن قتال من لم يقاتل. قالوا: فهذه آية السيف هي آية القتال آية الجهاد آية التشمير عن ساعد الجد وعن المال والنفس لقتال أعداء الله حتى يدخلوا في دين الله وحتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام. هذا هو المعروف في كلام أهل العلم من المفسرين وغير المفسرين، كلهم قالوا فيما علمنا واطلعنا عليه من كلامهم إن هذه الآية وما جاء في معناها ناسخة لما مضى قبلها من الآيات التي فيها الأمر بالعفو والصفح وقتال من قاتل والكف عمن كف، ومثلها قوله جل وعلا في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١) ومثلها قوله جل وعلا في سورة براءة بعد ذلك: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ومثلها قوله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣) فأمر الله بقتال أهل الكتاب ولم يأمر بالكف عنهم إلا إذا

стр. 9556

أدوا الجزية عن صغار ولم يقل: حتى يعطوا الجزية أو يكفوا عنا، بل قال: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، واكتفى بذلك وقال في الآية السابقة آية السيف: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢) فدل ذلك على أنه لا يكف عن الكفار إلا إذا تابوا من كفرهم ورجعوا إلى دين الله واستمسكوا بما شرع الله. فهؤلاء هم الذين يكف عنهم ويكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لكن أهل الكتاب إذا بذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون كففنا عنهم وإن لم يسلموا. أما من سواهم فلا بد من الإسلام أو السيف ويلحق بأهل الكتاب المجوس لما رواه البخاري في صحيحه ﵀ عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ «أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٣) » ، فصار المجوس ملحقين بأهل الكتاب في أخذ الجزية فقط لا في حل طعامهم ونسائهم. فهذه الطوائف الثلاث تؤخذ منهم الجزية، هذا محل وفاق بين أهل العلم فإما أن يسلموا وإما أن يؤدوا الجزية، وإما القتال، وفي آخر الزمان إذا نزل عيسى ﵊ زال هذا الأمر، فأخذ الجزية مؤجل ومؤقت

стр. 9557

إلى نزول عيسى، فإذا نزل عيسى ﵊ انتهى هذا الشرع ووجب بعد ذلك إما الإسلام وإما السيف. هكذا يحكم عيسى ﵇ بهذه الشريعة المحمدية، والأحاديث الواردة في ذلك تدل على أن أخذ الجزية مؤقت إلى نزوله ﵊، وقد أوضح ﵊ أن أخذ الجزية مؤقت إلى نزول عيسى، فإذا نزل عيسى حكم فيهم بالسيف أو الإسلام وترك الجزية، وذلك بتقرير النبي ﷺ وشرعه؛ لأن رسول الله ﷺ أخبر بذلك وأقره فدل ذلك على أن هذا هو شرعه في آخر الزمان.

стр. 9558

واختلف أهل العلم فيما عدا هذه الطوائف الثلاث من العجم وعباد الأوثان، فقال بعض أهل العلم: تؤخذ الجزية من جميع المشركين عربهم وعجمهم ولا يستثنى أحد، وهذا هو المنقول عن مالك ونسبه إليه القرطبي ﵀ في تفسيره والحافظ ابن كثير في تفسيره وهو: أن الجزية تؤخذ من الجميع من العرب والعجم. وقال أبو حنيفة ﵀: تؤخذ من العجم جميعا كاليهود والنصارى والمجوس ولا تؤخذ من العرب. وقال أحمد ﵁ والشافعي ﵁ وجماعة من العلماء: إنما تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس فقط؛ لأن الأصل قتال الكفار وعدم رفع السيف عنهم حتى يسلموا ولم يأت رفع السيف بعد بذل الجزية إلا في هذه الطوائف الثلاث

стр. 9559

اليهود والنصارى والمجوس. جاء الكتاب في اليهود والنصارى، وجاءت السنة الصريحة في المجوس ومن سواهم لا يرفع عنهم السيف بل لا بد من الإسلام أو السيف فقط؛؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) ولم يقل: أو كفوا عنكم وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٢) فعمم بقتالهم جميعا. وتعليق الحكم بالوصف المشتق يدل على أنه هو العلة، فلما علق الحكم بالمشركين والكفار ولمن ترك الدين ولم يدن بالحق عرف أن هذا هو العلة وأنه هو المقتضي لقتالهم. فالعلة الكفر بالله مع شرط كونه من أهل القتال لا من غيرهم، فإذا كانوا من أهل القتال قاتلناهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية إن كانوا من اليهود والنصارى والمجوس، أو حتى يسلموا فقط إذا كانوا من غير هؤلاء الطوائف الثلاث وإلا فالسيف. لكن من ليس من أهل القتال؛ كالنساء والصبيان والعميان والمجانين والرهبان وأرباب الصوامع والزمناء ومن ليس من شأنهم القتال لكونهم لا يستطيعون كمن تقدم ذكرهم، وهكذا الشيوخ الفانون فهؤلاء لا يقاتلون عند جمهور العلماء؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال فمن محاسن الإسلام

стр. 9560

تركهم وعدم قتالهم، وفيه أيضا دعوة لهم ولأهاليهم وقومهم إلى الإسلام إذا عرفوا أن الإسلام يرحم هؤلاء ويعطف عليهم ولا يقتلهم. فهذا من أسباب دخولهم في الإسلام أو عدم تفانيهم في العداء له. وبعض أهل العلم حكى الإجماع على عدم قتل النساء والصبيان، وقد ثبت عن رسول الله ﵊ النهي عن قتل النساء والصبيان في الأحاديث الصحيحة، وقد جاء في أحاديث السنن النهي عن قتل الرهبان والشيوخ الفانين وأشباههم، وذكر بعض أهل العلم أن آية السيف وهي قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) الآية، ليست ناسخة ولكن الأحوال تختلف، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وهكذا قوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٥)
следующие страницы →