← Тафсир

Тафсир · id 21549

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي الصابوني

Полный текст (3 637 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

- ٤١ - يا صاحبي السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمر ⦗٢٥١⦘ الذي فيه تستفتيان يقول لهما: ﴿يا صاحبي السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ وَهُوَ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يعنيه لِئَلَّا يَحْزَنَ ذَاكَ، وَلِهَذَا أَبْهَمَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهو الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا، ثم أعلمها أَنَّ هَذَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت. قال الثوري: لَمَّا قَالَا مَا قَالَا، وَأَخْبَرَهُمَا قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا، فَقَالَ: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.

стр. 1402

- ٤٢ - وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السجن بضع سنين ولما ظن يوسف ﵇ أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ يَقُولُ: اذْكُرْ قِصَّتِي عِنْدَ رَبِّكَ وَهُوَ الْمَلِكُ فَنَسِيَ ذَلِكَ الْمُوصَى أَنْ يذكر مولاه الملك بِذَلِكَ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ لِئَلَّا يَطْلَعَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنَ السِّجْنِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد وَغَيْرُ وَاحِدٍ؛ وَيُقَالُ إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ ﵇، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابن عباس ومجاهد أيضاً، وَأَمَّا الْبِضْعُ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: مَكَثَ أَيُّوبُ فِي الْبَلَاءِ سَبْعًا، وَيُوسُفُ في السجن سبعاً.

стр. 1403

- ٤٣ - وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ - ٤٤ - قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ - ٤٥ - وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فأرسولن - ٤٦ - يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ - ٤٧ - قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ - ٤٨ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ - ٤٩ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ مَلِكِ مِصْرَ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهَا كَانَتْ سَبَبًا لِخُرُوجِ يُوسُفَ ﵇ مِنَ السِّجْنِ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا فَهَالَتْهُ، وَتَعَجَّبَ مَنْ أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار دولته وأمراءه، فقص عَلَيْهِمْ مَا رَأَى وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَأْوِيلِهَا، فَلَمْ يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي أخلاط أحلام اقتضته رُؤْيَاكَ هَذِهِ، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي لو كَانَتْ رُؤْيَا صَحِيحَةً مِنْ أَخْلَاطٍ

стр. 1404

لَمَا كَانَ لَنَا مَعْرِفَةً بِتَأْوِيلِهَا وَهُوَ تَعْبِيرُهَا؛ وعند ذلك تذكر الذي نجا من ذنيك الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا فِي السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ، وكان الشيطان قد أنساه ماوصاه بِهِ يُوسُفُ مِنْ ذِكْرِ أَمْرِهِ لِلْمَلِكِ، فَعِنْدَ ذلك تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي مدة، فقال للملك: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أَيْ بِتَأْوِيلِ هَذَا الْمَنَامِ ﴿فأرسولن﴾ أَيْ فَابْعَثُونِ إِلَى يُوسُفَ الصِّدِّيقِ إِلَى السِّجْنِ، ومعنى الكلام فبعثوه فَجَاءَ فَقَالَ: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وَذَكَرَ الْمَنَامَ الَّذِي رَآهُ الْمَلِكُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ يُوسُفُ ﵇ تَعْبِيرَهَا مِنْ غَيْرِ تعنيف للفتى في نسيانه ما أوصاه بِهِ وَمِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ لِلْخُرُوجِ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ أَيْ يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾: أي مهما استغللتم وهذه السبع السنين الخصب فادخروه فِي سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ وَأَبْعَدَ عَنْ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ إِلَّا الْمِقْدَارَ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ، وليكن قَلِيلًا لَا تُسْرِفُوا فِيهِ، لِتَنْتَفِعُوا فِي السَّبْعِ الشِّدَادِ، وَهُنَّ السَّبْعُ السِّنِينَ المُحْلُ الَّتِي تَعْقُبُ هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السِّمَانَ، لِأَنَّ سِنِيَّ الْجَدْبِ يُؤْكَلُ فِيهَا مَا جَمَعُوهُ فِي سِنِيِّ الْخِصْبِ، وَهُنَّ السُّنْبُلَاتُ الْيَابِسَاتُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُنَّ لَا يُنْبِتْنَ شَيْئًا وَمَا بَذَرُوهُ فَلَا يَرْجِعُونَ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ثم بشَّرهم بعد الجدب الْعَامِ الْمُتَوَالِي بِأَنَّهُ يَعْقُبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أَيْ يَأْتِيهِمُ الْغَيْثُ وَهُوَ الْمَطَرُ، وَتُغَلُّ الْبِلَادُ، وَيَعْصِرُ النَّاسُ مَا كَانُوا يعصرون على عادتهم من زيت وسكر ونحوه.

стр. 1405

- ٥٠ - وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ - ٥١ - قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ - ٥٢ - ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ - ٥٣ - وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ يقول تعالى أخبارا عن الملك بِتَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ الَّتِي كَانَ رَآهَا بِمَا أَعْجَبَهُ وأيقنه، فَعَرَفَ فَضْلَ يُوسُفَ ﵇ وَعِلْمَهُ وَحُسْنَ اطلاعه على رؤياه فَقَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أَيْ أَخْرِجُوهُ مِنَ السِّجْنِ وأحضروه، فلما جاءه الرسول امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَلِكُ وَرَعَيَّتُهُ براءة ساحته، نزاهة عِرْضِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ امْرَأَةِ العزيز، وأن هذا السجن كان ظلماً وعدواناً، فقال: ﴿ارجع إلى ربك﴾ الآية، وَقَدْ وَرَدَتِ السَّنَةُ بِمَدْحِهِ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّنْبِيهِ على فضله وشرفه وعلو قدره، ففي المسند والصحيحين عنه ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لبث يوسف لأجبت الداعي" (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة). وفي لفظ لأحمد عنه ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

стр. 1406

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كُنْتُ أَنَا لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ وَمَا ابتغيت العذر»، وعن عِكْرِمَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ سُئِلَ عَنِ الْبَقَرَاتِ الْعِجَافِ وَالسِّمَانِ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ مَا أَجَبْتُهُمْ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي، وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ لَبَادَرْتُهُمُ الْبَابَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ» (رواه عبد الرزاق عن عكرمة وهو حَدِيثٌ مُرْسَلٌ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَلِكِ حِينَ جَمَعَ النِّسْوَةَ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ عِنْدَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لَهُنَّ كُلَّهُنَّ وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز، قال الملك: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي ما شَأْنُكُنَّ وَخَبَرُكُنَّ ﴿إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يَعْنِي يَوْمَ الضِّيَافَةِ ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أَيْ قَالَتِ النِّسْوَةُ جَوَابًا لِلْمَلِكِ: حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ يُوسُفَ مُتَّهَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الحق﴾، قال ابن عباس: الْآنَ تَبَيَّنَ الْحَقُّ وَظَهَرَ وَبَرَزَ، ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَيْ فِي قوله ﴿هي روادتني عَنْ نَفْسِي﴾، ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تَقُولُ: إِنَّمَا اعْتَرَفْتُ بِهَذَا عَلَى نَفْسِي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، وَإِنَّمَا رَاوَدْتُ هَذَا الشَّابَّ مُرَاوَدَةً، فَامْتَنَعَ، فَلِهَذَا اعْتَرَفْتُ لِيَعْلَمَ أَنِّي بَرِيئَةٌ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: وَلَسْتُ أُبَرِّئُ نَفْسِي، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَحَدَّثُ وتتمنى، ولهذا راودته ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَاّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أَيْ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَلْيَقُ وَالْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْقِصَّةِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ (حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَانْتَدَبَ لِنَصْرِهِ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ ﵀ فَأَفْرَدَهُ بِتَصْنِيفٍ عَلَى حِدَةٍ)، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ يوسف ﵇ يقول: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فِي زَوْجَتِهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الْآيَتَيْنِ، أَيْ إِنَّمَا رَدَدْتُ الرَّسُولَ لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ بَرَاءَتِي، وَلِيَعْلَمَ الْعَزِيزُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فِي زَوْجَتِهِ، ﴿بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَمَّ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ سِوَاهُ. قال ابن جرير، عن ابن عباس: لَمَّا جَمَعَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ فَسَأَلَهُنَّ هَلْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآن حَصْحَصَ الحق﴾ الآية، قَالَ يُوسُفُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: وَلَا يَوْمَ هَمَمْتَ بِمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نفسي﴾ الآية، وهكذا قال مجاهد وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأُظْهِرُ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ كُلِّهِ مِنْ كَلَامِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ ﵇ عِنْدَهُمْ بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهُ الْمَلِكُ.

стр. 1407

- ٥٤ - وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ - ٥٥ - قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلِكِ حِينَ تَحَقَقَ بَرَاءَةَ يُوسُفَ ﵇ وَنَزَاهَةَ عِرْضِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ قَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أَيْ أَجْعَلُهُ مِنْ خَاصَّتِي وَأَهْلِ مَشُورَتِي، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أَيْ خَاطَبَهُ الْمَلِكُ وَعَرَفَهُ وَرَأَى فَضْلَهُ ⦗٢٥٤⦘ وَبَرَاعَتَهُ وَعَلِمَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقٍ وَخُلُقٍ وَكَمَالٍ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أَيْ إِنَّكَ عِنْدَنَا ذَا مَكَانَةٍ وَأَمَانَةٍ، فَقَالَ يُوسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل إِذَا جُهل أَمْرُهُ لِلْحَاجَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ﴿حَفِيظٌ﴾ أي خازن أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصيرة بما يتولاه، وقال شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ: حَفِيظٌ لِمَا اسْتَوْدَعَتْنِي، عَلِيمٌ بِسِنِيِّ الْجَدْبِ (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ)، وَسَأَلَ العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما فيه من المصالح للناس، وإنا سأله أن يجعله على خزآئن الأرض لِيَتَصَرَّفَ لَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَحْوَطِ وَالْأَصْلَحِ وَالْأَرْشَدِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ وَتَكْرِمَةً لَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 1408

- ٥٦ - وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - ٥٧ - وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ أَرْضِ مِصْرَ، ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حيث يشآء﴾ قال السدي: يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَتَّخِذُ مِنْهَا مَنْزِلًا حَيْثُ يَشَاءُ بَعْدَ الضِّيقِ والحبس، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾، أي وما أضعنا صبر يوسف علىأذى إِخْوَتِهِ وَصَبْرَهُ عَلَى الْحَبْسِ بِسَبَبِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فلهذا أعقبه الله النصر والتأييد، ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾، يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لِنَبِيِّهِ يُوسُفَ ﵇ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ وَأَجَلُّ مِمَّا خَوَّلَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ والنفوذ في الدنيا، وَالْغَرَضُ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ وَلَّاهُ مَلِكُ مِصْرَ (الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ) الْوَزَارَةَ فِي بِلَادِ مصر، وَأَسْلَمَ الْمَلِكُ عَلَى يَدَيْ يُوسُفَ ﵇ قاله مجاهد.

стр. 1409

- ٥٨ - وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ - ٥٩ - وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ - ٦٠ - فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ - ٦١ - قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ - ٦٢ - وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ذَكَرَ السُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَقْدَمَ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِلَادَ مِصْرَ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ لَمَّا باشر الوزارة بمصر، ومضت السنين المخصبة، ثم تلتها السبع السنين المجدبة، وَعَمَّ الْقَحْطُ بِلَادَ مِصْرَ بِكَمَالِهَا وَوَصَلَ إِلَى بِلَادِ كَنْعَانَ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا يَعْقُوبُ ﵇ وَأَوْلَادُهُ، وحينئذٍ احْتَاطَ يُوسُفُ ﵇ لِلنَّاسِ فِي غَلَّاتِهِمْ، وَجَمَعَهَا أَحْسَنَ جَمْعٍ، فَحَصَلَ من ذلك مبلغ عظيم، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم، يَمْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، فَكَانَ لَا يُعْطَى الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ حَمْلِ بِعِيرٍ فِي السَّنَةِ، وَكَانَ ﵇ لَا يُشْبِعُ نَفْسَهُ، وَلَا يَأْكُلُ

стр. 1410

هُوَ وَالْمَلِكُ وَجُنُودُهُمَا إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فِي وسط النهار، حتى يتكفأ النَّاسُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مُدَّةَ السَّبْعِ سِنِينَ، وَكَانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَالْغَرَضُ أَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ مِنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، فَإِنَّهُ بَلَغَهُمْ أَنَّ عَزِيزَ مِصْرَ يُعْطِي النَّاسَ الطَّعَامَ بِثَمَنِهِ، فَأَخَذُوا مَعَهُمْ بِضَاعَةً، يَعْتَاضُونَ بِهَا طَعَامًا، وَرَكِبُوا عَشَرَةُ نَفَرٍ، وَاحْتَبَسَ يَعْقُوبُ ﵇ عنده ابنه (بنيامين) شقيق يوسف ﵇، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ بَعْدَ يُوسُفَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أُبَّهَتِهِ وَرِيَاسَتِهِ وَسِيَادَتِهِ عَرَفَهُمْ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِمْ ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾، أَيْ لَا يَعْرِفُونَهُ، لِأَنَّهُمْ فارقوه وهو صغير حدث وباعوه لِلسَّيَّارَةِ وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهِ، وَلَا كَانُوا يَسْتَشْعِرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَأَمَّا هُوَ فَعَرَفُهُمْ، فَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ شَرَعَ يُخَاطِبُهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ: مَا أَقْدَمُكُمْ بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز قَدِمْنَا لِلْمِيرَةِ، قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ عُيُونٌ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ بلاد كنعان وأبونا يعقوب بني اللَّهِ، قَالَ: وَلَهُ أَوْلَادٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كُنَّا اثْنَى عَشَرَ، فَذَهَبَ أَصْغَرُنَا هَلَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِيهِ، وَبَقِيَ شَقِيقُهُ فاحتبسه لِيَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ، فَأَمْرٌ بِإِنْزَالِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ، ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أي أوفى لهم كَيْلَهُمْ وَحَمَّلَ لَهُمْ أَحْمَالَهُمْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ لِأَعْلَمَ صِدْقَكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ، ﴿أَلَا تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ؟﴾ يُرَغِّبُهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَهَّبَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾ أَيْ إِنْ لَمْ تَقْدَمُوا بِهِ مَعَكُمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي مِيرَةٌ، ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أَيْ سَنَحْرِصُ عَلَى مَجِيئِهِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا نُبْقِي مَجْهُودًا لِتَعْلَمَ صِدْقَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ. ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ أي غلمانه، ﴿اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لِيَمْتَارُوا عِوَضًا عَنْهَا ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَيْ فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يشعرون ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها، قيل خشي أن لا يَكُونَ عِنْدَهُمْ بِضَاعَةٌ أُخرى يَرْجِعُونَ لِلْمِيرَةِ بِهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِذَا وَجَدُوهَا فِي مَتَاعِهِمْ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، والله أعلم.

стр. 1411

- ٦٣ - فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ - ٦٤ - قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَاّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فالله خَيْرٌ حَافِظاً وهو أرحم الراحمين يقول تَعَالَى عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يَعْنُونَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِنْ لَمْ تُرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا (بنيامين)، فأرسله معنا نكتل ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أَيْ لَا تَخَفْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَيْكَ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا لَهُ فِي يُوسُفَ ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولهذا قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَاّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ أَيْ هَلْ أَنْتُمْ صَانِعُونَ بِهِ إِلَّا كَمَا صَنَعْتُمْ بِأَخِيهِ مِنْ قَبْلُ، تُغَيِّبُونَهُ عَنِّي وَتَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أَيْ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بِي وَسَيَرْحَمُ كِبَرِي وَضَعْفِي وَوَجْدِي بِوَلَدِي وَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ إِن يَرُدَّهُ عليَّ وَيَجْمَعَ شَمْلِي بِهِ، إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

стр. 1412

- ٦٥ - وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ - ٦٦ - قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ

стр. 1413

إِلَاّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يَقُولُ تَعَالَى: وَلَمَّا فَتَحَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بضاعتهم ردت إليهم، هي الَّتِي كَانَ أَمَرَ يُوسُفُ فِتْيَانَهُ بِوَضْعِهَا فِي رحالهم، ولما وَجَدُوهَا فِي مَتَاعِهِمْ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أَيْ مَاذَا نُرِيدُ، ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: مَا نَبْغِي وَرَاءَ هَذَا إِنَّ بِضَاعَتَنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَقَدْ أُوفِيَ لَنَا الْكَيْلُ، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أَيْ إِذَا أَرْسَلْتَ أَخَانَا مَعَنَا نَأْتِي بِالْمِيرَةِ إِلَى أَهْلِنَا، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ كَانَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ حِمْلَ بعير، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ وَتَحْسِينِهِ، أَيْ إِنَّ هَذَا يَسِيرٌ فِي مُقَابَلَةِ أَخْذِ أَخِيهِمْ مَا يَعْدِلُ هَذَا، ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ﴾ أَيْ تَحْلِفُونَ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَاّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾، إِلَّا أَنْ تُغْلَبُوا كُلُّكُمْ وَلَا تَقْدِرُونَ عَلَى تَخْلِيصِهِ، ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم، ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مَنْ بَعْثِهِمْ لِأَجْلِ الْمِيرَةِ الَّتِي لَا غنى لهم عنها فبعثه معهم.

стр. 1414

- ٦٧ - وقال يا بني لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ - ٦٨ - وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ ﵇: إِنَّهُ أَمَرَ بَنِيهِ لَمَّا جَهَّزَهُمْ مَعَ أَخِيهِمْ (بِنْيَامِينَ) إلى مصر أن لا يدخلوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَلِيَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فإنه - كما قال ابن عباس والسدي وغير واحد - خَشِيَ عَلَيْهِمُ الْعَيْنَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي جَمَالٍ وَهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَمَنْظَرٍ وَبَهَاءٍ، فَخَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَهُمُ النَّاسُ بِعُيُونِهِمْ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تستنزل الفارس عن فرسه، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ شيء﴾ أي إن هَذَا الِاحْتِرَازُ لَا يَرُدُّ قَدَرَ اللَّهِ وَقَضَاءَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، قَالُوا: هِيَ دَفْعُ إِصَابَةِ الْعَيْنِ لَهُمْ ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾، قال قتادة: لذو علم بِعِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَذُو عِلْمٍ لِتَعْلِيمِنَا إِيَّاهُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1415

- ٦٩ - وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لما قدموا على يوسف ومعهم (بنيامين) وأدخلهم دَارَ كَرَامَتِهِ وَمَنْزِلَ ضِيَافَتِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمُ الصِّلَةَ وَالْإِلْطَافَ وَالْإِحْسَانَ، وَاخْتَلَى بِأَخِيهِ، فَأَطْلَعَهُ عَلَى شَأْنِهِ وَمَا جَرَى لَهُ وَعَرَّفَهُ أَنَّهُ أَخُوهُ وَقَالَ لَهُ: ﴿لَا تَبْتَئِسْ﴾، أَيْ لَا تَأْسَفْ عَلَى مَا صَنَعُوا بِي، وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وأن لا يُطْلِعَهُمْ عَلَى مَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَتَوَاطَأَ مَعَهُ أَنَّهُ سَيَحْتَالُ عَلَى أَنْ يُبْقِيَهُ عِنْدَهُ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا.

стр. 1416

- ٧٠ - فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ - ٧١ - قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ - ٧٢ - قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ لَمَّا جَهَّزَهُمْ وَحَمَّلَ معهم أَبْعِرَتَهُمْ طَعَامًا أَمَرَ بَعْضَ فِتْيَانِهِ أَنْ يَضَعَ ﴿السِّقَايَةَ﴾ وَهِيَ إِنَاءٌ مِنْ فِضَّةٍ فِي قَوْلِ الأكثرين، وقيل: من ذهب، وَيَكِيلُ لِلنَّاسِ بِهِ مِنْ عِزَّةِ الطَّعَامِ إِذْ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قَالَ: كَانَ مِنْ فضة يشربون فيه، وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ مِثْلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَضَعَهَا فِي مَتَاعِ (بِنْيَامِينَ) مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ أَحَدٌ، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ بَيْنَهُمْ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، فَالْتَفَتُوا إِلَى الْمُنَادِي، وَقَالُوا: ﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أَيْ صَاعَهُ الَّذِي يَكِيلُ بِهِ، ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ الجُعَالة، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ.

стр. 1417

- ٧٣ - قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ - ٧٤ - قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ - ٧٥ - قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ - ٧٦ - فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ لَمَّا اتَّهَمَهُمْ أُولَئِكَ الْفِتْيَانُ بِالسَّرِقَةِ قَالَ لَهُمْ إِخْوَةُ يُوسُفَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أَيْ لَقَدْ تَحَقَّقْتُمْ وَعَلِمْتُمْ مُنْذُ عَرَفْتُمُونَا، لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنْهُمْ سيرة حسنة، إنا ﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أَيْ لَيْسَتْ سَجَايَانَا تَقْتَضِي هَذِهِ الصِّفَةَ، فَقَالَ لَهُمُ الْفِتْيَانُ: ﴿فَمَا جَزَآؤُهُ﴾ أَيِ السَّارِقُ إِنْ كَانَ فِيكُمْ ﴿إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أَيْ: أيُّ شَيْءٍ يَكُونُ عُقُوبَتَهُ إِنْ وَجَدْنَا فِيكُمْ مِنْ أَخَذَهُ؟ ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وَهَكَذَا كانت شريعة إبراهيم ﵇ أَنَّ السَّارِقَ يُدْفَعُ إِلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ يُوسُفُ ﵇، وَلِهَذَا بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ، أَيْ فَتَّشَهَا قَبْلَهُ تَوْرِيَةً، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزمهم بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وَهَذَا مِنَ الْكَيْدِ الْمَحْبُوبِ الْمُرَادِ الَّذِي يحبه وَيَرْضَاهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذَهُ فِي حكم ملك مصر، وإنما كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ، وَلِهَذَا مَدَحَهُ الله تَعَالَى فَقَالَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ الآية، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ عَالِمٌ إِلَّا فَوْقَهُ عَالِمٌ حَتَّى ينتهي إلى الله . عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابن عباس فحدّث بِحَدِيثٍ عَجِيبٍ، فَتَعَجَّبُ رَجُلٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، فَقَالَ ابْنُ عباس: بئس ما قلتَ، الله العليم فوق كل عالم (أخرجه عبد الرزاق عن سعيد بن جبير)، يَكُونُ هَذَا أَعْلَمَ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَعْلَمَ من هذا، والله فوق

стр. 1418

كل عالم، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْعِلْمُ إِلَى اللَّهِ، مِنْهُ بُدِئَ وتعلمت العلماء وإليه يعود.

стр. 1419

- ٧٧ - قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلِ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ وَقَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لَمَّا رَأَوُا الصُّوَاعَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ مَتَاعِ بِنْيَامِينَ ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يَتَنَصَّلُونَ إِلَى الْعَزِيزِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ هَذَا فَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلِ، يَعْنُونَ بِهِ يُوسُفَ ﵇. قال قتادة: كان يوسف ﵇ قَدْ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ يَعْنِي الْكَلِمَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ تَذْكُرُونَ، قَالَ هذا في نفسه ولم يبدها لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ قَبْلَ الذَّكَرِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ، قال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قَالَ: أسرَّ فِي نَفْسِهِ ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.

стр. 1420

- ٧٨ - قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ - ٧٩ - قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَاّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ لَمَّا تَعَيَّنَ أَخْذُ بِنْيَامِينَ وَتَقَرَّرَ تَرْكُهُ عِنْدَ يُوسُفَ بِمُقْتَضَى اعْتِرَافِهِمْ، شَرَعُوا يَتَرَقَّقُونَ لَهُ ويعطفونه عليهم ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ يَعْنُونَ وَهُوَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا وَيَتَسَلَّى بِهِ عَنْ وَلَدِهِ الَّذِي فَقَدَهُ، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أَيْ بَدَلَهُ يَكُونُ عِنْدَكَ عِوَضًا عنه، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِّنَ المحسنين﴾ أي الْعَادِلِينَ الْمُنْصِفَيْنِ الْقَابِلَيْنِ لِلْخَيْرِ، ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَاّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ أَيْ كَمَا قُلْتُمْ وَاعْتَرَفْتُمْ، ﴿إِنَّآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾ أي إن أخذنا بريئاً بمذنب.

стр. 1421

- ٨٠ - فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ - ٨١ - ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ - ٨٢ - وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ أَنَّهُمْ لَمَّا يَئِسُوا مِنْ تَخْلِيصِ أَخِيهِمْ بِنْيَامِينَ الَّذِي قَدِ الْتَزَمُوا لِأَبِيهِمْ بِرَدِّهِ إِلَيْهِ وَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ﴿خَلَصُواْ﴾ أَيِ انْفَرَدُوا عَنِ النَّاسِ ﴿نَجِيّاً﴾ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بينهم، ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِإِلْقَائِهِ فِي الْبِئْرِ عِنْدَمَا هَمُّوا بِقَتْلِهِ قَالَ لَهُمْ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله﴾

стр. 1422

لَتَرُدُّنَّهُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ تَعَذَّرَ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَكُمْ مِنْ إِضَاعَةِ يُوسُفَ عَنْهُ، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أَيْ لَنْ أُفَارِقَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ رَاضِيًا عَنِّي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِي﴾ بِأَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْ أَخْذِ أَخِي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾، ثم أمرهم بأن يُخْبِرُوا أَبَاهُمْ بِصُورَةِ مَا وَقَعَ حَتَّى يَكُونَ عذراً لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرأوا مِمَّا وَقَعَ بِقَوْلِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، قال قتادة: ما علمنا أن ابنك سرق، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قِيلَ الْمُرَادُ مصر، وَقِيلَ غَيْرُهَا: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أَيِ الَّتِي رَافَقْنَاهَا عَنْ صِدْقِنَا وَأَمَانَتِنَا وَحِفْظِنَا وَحِرَاسَتِنَا، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فِيمَا أَخْبَرْنَاكَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَرَقَ وَأَخَذُوهُ بِسَرِقَتِهِ.

стр. 1423

- ٨٣ - قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - ٨٤ - وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ - ٨٥ - قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين - ٨٦ - قال إنما أشكوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالَ لَهُمْ، كَمَا قَالَ لَهُمْ حِينَ جَاءُوا عَلَى قَمِيصِ يُوسُفَ بِدَمٍ كَذِبٍ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا جَاءُوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتهمهم، فظن أَنَّهَا كَفَعْلَتِهِمْ بِيُوسُفَ، قَالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثُمَّ تَرَجَّى مِنَ اللَّهِ إِن يَرُدَّ عَلَيْهِ أَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ يُوسُفَ وَأَخَاهُ بِنْيَامِينَ وَرُوبِيلَ الَّذِي أَقَامَ بِدِيَارِ مِصْرَ يَنْتَظِرُ أَمْرَ اللَّهِ فِيهِ، إِمَّا أَنْ يَرْضَى عَنْهُ أَبُوهُ، فَيَأْمُرُهُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ أَخَاهُ خُفْيَةً، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أَيِ الْعَلِيمُ بِحَالِي، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَفْعَالِهِ وَقَضَائِهِ وقدره، ﴿وتولى عنه وقال يا أسفا عَلَى يُوسُفَ﴾ أَيْ أَعْرَضَ عَنْ بَنِيهِ، وَقَالَ متذكراً حزن يوسف القديم الأول ﴿يا أسفا عَلَى يُوسُفَ﴾ جَدَّدَ لَهُ حُزْنُ الِابْنَيْنِ الْحُزْنَ الدفين، قال سعيد بن جبير: لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الِاسْتِرْجَاعَ، أَلَّا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ يَعْقُوبَ ﵇: ﴿يا أسفا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَيْ سَاكِتٌ لَا يَشْكُو أَمْرَهُ إِلَى مَخْلُوقٍ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ ﴿فَهُوَ كظيم﴾ كئيب حزن، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَقَّ لَهُ بَنُوهُ، وَقَالُوا لَهُ على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أَيْ لَا تُفَارِقُ ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ أي ضَعِيفَ الْقُوَّةِ، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، يَقُولُونَ: إن اسْتَمَرَّ بِكَ هَذَا الْحَالُ خَشِينَا عَلَيْكَ الْهَلَاكَ والتلف، ﴿قال إنما أشكوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَيْ أَجَابَهُمْ عَمَّا قالوا بقوله: ﴿إنما أشكوا بَثِّي وَحُزْنِي﴾ أَيْ هَمِّي وَمَا أَنَا فِيهِ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وَحَدَّهُ، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ أَرْجُو مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ. وعن ابن عباس في الآية يَعْنِي رُؤْيَا يُوسُفَ أَنَّهَا صِدْقٌ وَأَنَّ اللَّهَ لا بد أن يظهرها، وقال العوفي عنه: أَعْلَمُ أَنَّ رُؤْيَا يُوسُفَ صَادِقَةٌ وَأَنِّي سَوْفَ أسجد له.

стр. 1424

- ٨٧ - يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله أنه لا ييأس مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ

стр. 1425

الْكَافِرُونَ - ٨٨ - فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَعْقُوبَ ﵇ إِنَّهُ نَدَبَ بَنِيهِ عَلَى الذَّهَابِ فِي الْأَرْضِ يَسْتَعْلِمُونَ أَخْبَارَ يُوسُفَ وَأَخِيهِ بِنْيَامِينَ، و (التحسس) يكون في الخير، و (التجسس) يكون في الشر، ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا يَيْأَسُوا ﴿مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا يَقْطَعُوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرونه ويقصدونه فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا كصر وَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ يعنون الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ وَقِلَّةِ الطَّعَامِ، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن، وقال ابن عباس: الرديء لا ينفق، وفي رواية عنه: الدراهم الردئية التي لا تجوز إلا بنقصان، وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق، وأصل الإزجاء الدفع لضغف الشيء، وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْهُمْ: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أَيْ أَعْطِنَا بِهَذَا الثَّمَنِ الْقَلِيلِ مَا كُنْتَ تُعْطِينَا قبل ذلك، قال ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ بِرَدِّ أَخِينَا إِلَيْنَا، وقال سعيد بن جبير والسدي: يَقُولُونَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِقَبْضِ هَذِهِ الْبِضَاعَةِ الْمُزْجَاةِ وتجوز فيها.

стр. 1426

- ٨٩ - قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ - ٩٠ - قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - ٩١ - قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - ٩٢ - قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يُوسُفَ ﵇ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ إِخْوَتُهُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ وَالضِّيقِ وَقِلَّةِ الطَّعَامِ وَعُمُومِ الْجَدْبِ، وَتَذَكَّرَ أَبَاهُ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ لِفَقْدِ وَلَدَيْهِ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ وَالسَّعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَتْهُ رِقَّةٌ وَرَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَشَفَقَةٌ عَلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، وَبَدَرَهُ الْبُكَاءُ فَتَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ يُوسُفَ ﵇ إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه أَخْفَى مِنْهُمْ نَفْسَهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنْ لَمَّا ضَاقَ الْحَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ فَرَّجَ الله تعالى من ذلك الضيق فعند ذلك قالوا: ﴿أئنك لأَنتَ يُوسُفُ﴾؟ والاستفهام يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْظَامِ، أَيْ إِنَّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ، وهو لَا يَعْرِفُونَهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَعْرِفُهُمْ وَيَكْتُمُ نَفْسَهُ، فَلِهَذَا قَالُوا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ: ﴿أَئِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾، وقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أَيْ بِجَمْعِهِ بَيْنَنَا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ وَبَعْدَ الْمُدَّةِ، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا﴾ الآية، يَقُولُونَ مُعْتَرِفِينَ لَهُ بِالْفَضْلِ وَالْأَثْرَةِ عَلَيْهِمْ فِي الخلق والخلق والسعة والملك وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ يقول أي لَا تَأْنِيبَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَتْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة، قال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: اعْتَذَرُوا إِلَى يُوسُفَ فَقَالَ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يَقُولُ:

стр. 1427

لَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ والثوري: أَيْ لَا تَأْنِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ عِنْدِي فِيمَا صنعتم، ﴿يغفر الله لكم﴾ أي يستر عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْتُمْ ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

стр. 1428

- ٩٣ - اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ - ٩٤ - وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ - ٩٥ - قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ يَقُولُ: اذْهَبُوا بِهَذَا الْقَمِيصِ ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ وَكَانَ قَدْ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أَيْ بِجَمِيعِ بَنِي يَعْقُوبَ، ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أَيْ خَرَجَتْ مِنْ مِصْرَ، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ ﵇ لِمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ بَنِيهِ: ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر، قال ابن عباس ومجاهد: تُسَفِّهُونِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا وَالْحَسَنُ: تُهَرِّمُونِ، وَقَوْلُهُمْ: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَفِي خَطَئِكَ الْقَدِيمِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَيْ مِنْ حُبِّ يُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ وَلَا تَسَلَاهُ، قَالُوا لِوَالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِوَالِدِهِمْ وَلَا لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ.

стр. 1429

- ٩٦ - فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - ٩٧ - قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ - ٩٨ - قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم قال ابن عباس: ﴿البشير﴾ البريد، وقال السدي (وهو قول مجاهد أيضاً): هو يهوذا بن يعقوب، وإنما جَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِالْقَمِيصِ وهو ملطخ بدم كذب، فأحب أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ بِهَذَا، فَجَاءَ بِالْقَمِيصِ فَأَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ فَرَجَعَ بَصِيرًا، وَقَالَ لِبَنِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ أَعْلَمُ أَنَّ الله سيرده إليَّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِأَبِيهِمْ مُتَرَفِّقِينَ لَهُ: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَيْ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عليه، قال ابن مسعود: أَرْجَأَهُمْ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ عُمَرُ ﵁ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيَسْمَعُ إنساناًَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَأَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَهَذَا السَّحَرُ فَاغْفِرْ لِي، قَالَ: فَاسْتَمَعَ الصَّوْتَ فَإِذَا هُوَ مِنْ دَارِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السِّحْرِ بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي﴾ (أخرجه ابن جرير).

стр. 1430

- ٩٩ - فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ - ١٠٠ - وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي

стр. 1431

مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ وُرُودِ يَعْقُوبَ ﵇ وَقُدُومِهِ بِلَادَ مِصْرَ، لَمَّا كَانَ يوسف قد تقدم لإخوته أَنْ يَأْتُوهُ بِأَهْلِهِمْ أَجْمَعِينَ، فَتُحُمِّلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَتَرَحَّلُوا مِنْ بِلَادِ كَنْعَانَ قَاصِدِينَ بِلَادَ مِصْرَ، فَلَمَّا أُخْبِرَ يُوسُفُ ﵇ بِاقْتِرَابِهِمْ خَرَجَ لِتَلَقِّيهِمْ، وَأَمَرَ الْمَلِكُ أُمَرَاءَهُ وَأَكَابِرَ النَّاسِ بِالْخُرُوجِ مَعَ يُوسُفَ لِتَلَقِّي نَبِيَّ اللَّهِ (يَعْقُوبَ ﵇، وَيُقَالُ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ أَيْضًا لِتَلَقِّيهِ وهو الأشبه، وقوله: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي: إِنَّمَا كَانَ أَبَاهُ وَخَالَتَهُ وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ ماتت قديماً، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى مَوْتِ أُمِّهِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، قَالَ ابْنُ عباس: يَعْنِي السَّرِيرَ أَيْ أَجْلَسَهُمَا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ أَيْ سَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ الْبَاقُونَ، وَكَانُوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ أي التي كان قصها على أبيه من قبل، وَقَدْ كَانَ هَذَا سَائِغًا فِي شَرَائِعِهِمْ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى الْكَبِيرِ يَسْجُدُونَ لَهُ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا جَائِزًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇، فَحُرِّمَ هَذَا فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَجُعِلَ السُّجُودُ مُخْتَصًّا بِجَنَابِ الرَّبِّ ، هَذَا مَضْمُونُ قَوْلِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ، وَفِي الحديث: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (الحديث في الصحاح وسببه أَنَّ مُعَاذًا قَدِمَ الشَّامَ فَوَجَدَهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ، فلما رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سجد له، فَقَالَ: "مَّا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لك يا رسول الله فقاله ﷺ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّ سَلْمَانَ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ في بعض الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَلْمَانُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَسَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تَسْجُدْ لِي يَا سَلْمَانُ وَاسْجُدْ لِلْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ». وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَلِهَذَا خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا فَعِنْدَهَا قَالَ يُوسُفُ: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ أَيْ هَذَا مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ أَيْ صَحِيحَةً صِدْقًا، يَذْكُرُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ أَيِ الْبَادِيَةِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: كَانُوا أَهْلَ بَادِيَةٍ وماشية، ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾، أَيْ إِذَا أراد أمراً قيض له أسبابه وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال محمد بن إسحاق: ذكروا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ غَيْبَةَ يُوسُفَ عَنْ يَعْقُوبَ كانت ثماني عشرة سنة، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ بَقِيَ مَعَ يُوسُفَ بَعْدَ أَنَّ قَدِمَ عَلَيْهِ مِصْرَ سَبْعَ عَشْرَةَ سنة ثم قبضه الله إليه، وقال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ بِمِصْرَ وَهُمْ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ إِنْسَانًا صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، وَخَرَجُوا مِنْهَا وَهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَنَيِّفٍ.

стр. 1432

- ١٠١ - رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا

стр. 1433

وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ هَذَا دُعَاءٌ مَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، دَعَا بِهِ رَبَّهُ لما تمت نعمة الله عَلَيْهِ بِاجْتِمَاعِهِ بِأَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ، وَمَا منَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ سَأَلَ رَبَّهُ أن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبين والمرسلين صلوات الله وسلامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا الدُّعَاءُ يُحْتَمَلُ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ قَالَهُ عِنْدَ احْتِضَارِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يرفد أُصْبُعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الأعلى» ثلاثاً؛ ويحتمل أن سَأَلَ الْوَفَاةَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّحَاقَ بِالصَّالِحِينَ إِذَا جاء أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذَلِكَ مُنْجَزًا كَمَا يَقُولُ الدَّاعِي لِغَيْرِهِ أَمَاتَكَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيَقُولُ الدَّاعِي: اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ وَتُوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحَقَنَا بِالصَّالِحِينَ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سأل ذلك منجزاً وكان سائغاً في ملتهم، كما قال قتادة: لَمَّا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَأَقَرَّ عَيْنَهُ وَهُوَ يومئذٍ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها اشتاق إِلَى الصَّالِحِينَ قَبْلَهُ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ما تمى نَبِيٌّ قَطُّ الْمَوْتَ قَبْلَ يُوسُفَ ﵇. ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا لما في الصحيحين: "لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ إِمَّا مُحْسِنًا فَيَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لي". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ولا يدع بِهِ مِن قَبْلُ أَنْ يَأْتِيَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَثِقَ بِعَمَلِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيراً» (تفرد به الإمام أحمد ﵀، وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الضُّرُّ خَاصًّا بِهِ، وأما إِذَا كَانَ فِتْنَةً فِي الدِّينِ فَيَجُوزُ سُؤَالُ الموت، كما قال تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ السَّحَرَةِ لَمَّا أَرَادَهُمْ فِرْعَوْنُ عَنْ دِينِهِمْ وَتَهَدَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مسلمين﴾. وقالت مريم ﵍: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ لما علمت مِنْ أَنَّ النَّاسَ يَقْذِفُونَهَا بِالْفَاحِشَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت. وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والترمذي: «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون»، فَعِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ فِي الدِّينِ يَجُوزُ سُؤَالُ الْمَوْتِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ في آخر خلافته لَمَّا رَأَى أَنَّ الْأُمُورَ لَا تَجْتَمِعُ لَهُ، ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال: اللَّهُمَّ خُذْنِي إِلَيْكَ فَقَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: لَمَّا وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى قال: اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي إِلَيْكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَمُرُّ بِالْقَبْرِ - أَيْ فِي زَمَانِ الدَّجَّالِ - فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَكَ» لِمَا يَرَى مِنَ الْفِتَنِ والزلازل وَالْأُمُورِ الْهَائِلَةِ الَّتِي هِيَ فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.

стр. 1434

- ١٠٢ - ذَلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ - ١٠٣ - وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ - ١٠٤ - وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ ذكر للعالمين يَقُولُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ نَبَأَ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَكَيْفَ رَفَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَ لَهُ الْعَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ والملك

стр. 1435

والحكم، مع ما أرادوا مه مِنَ السُّوءِ وَالْهَلَاكِ وَالْإِعْدَامِ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَخْبَارِ الْغُيُوبِ السَّابِقَةِ ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك والاتعاظ لمم خَالَفَكَ، ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ حَاضِرًا عِنْدَهُمْ وَلَا مُشَاهِدًا لَهُمْ ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أَيْ عَلَى إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بِهِ وَلَكِنَّا أعلمناك به وحياً إليك وإنزالاً عليك كقوله: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم﴾ الآية، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وما كنت بجانب الطور إِذْ نَادَيْنَا﴾ الآية، يقول تَعَالَى: أَنَّهُ رَسُولُهُ وَأَنَّهُ قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ مِمَّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلنَّاسِ وَنَجَاةٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنَ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أَيْ ما تسألهم يا محمد على هذا النصح وَالرُّشْدِ مَنْ أَجْرٍ أَيْ مِنْ جُعَالَةٍ وَلَا أجرة، بَلْ تَفْعَلُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَنُصْحًا لِخَلْقِهِ، ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أَيْ يَتَذَكَّرُونَ بِهِ وَيَهْتَدُونَ وَيَنْجُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

стр. 1436

- ١٠٥ - وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ - ١٠٦ - وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ - ١٠٧ - أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ غَفْلَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَدَلَائِلِ تَوْحِيدِهِ، بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي السماوات والأرض من كواكب زاهرات وأفلاك دائرت؛ وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وحيوان ونبات، فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات، المنفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء وَالصِّفَاتِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ إِيمَانِهِمْ أنهم إِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَّنْ خَلَقَ السماوات وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ (وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك). وفي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وفي صحيح مسلم: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَالُوا لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لك، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ قَدْ» أَيْ حَسْبُ حَسْبُ لَا تَزِيدُوا عَلَى هَذَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٍ﴾. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ قَالَ: ذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَعْمَلُ إِذَا عَمِلَ رِيَاءَ النَّاسِ، وَهُوَ مشرك بعمله ذلك، يعني في قوله تعالى: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَاّ قَلِيلاً﴾، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشركه» (أخرجه مسلم فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأولين والآخرين لِيَوْمٍ لَاّ رَيْبَ فِيهِ، يُنَادِي منادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشركاء عن الشرك» (أخرجه الإمام أحمد في المسند). وقال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قالوا:

стр. 1437

وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاز الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ ". وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إِذَا أصبحت وأمسيت وَإِذَا أَخَذْتُ مَضْجَعِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شر فسي، ومن شر الشيطان وشركه»، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ الله﴾ الآية، أي افأمن هؤلاء المشركون أَنْ يَأْتِيَهُمْ أَمْرٌ يَغْشَاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يشعرون، كقوله تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يشعرون﴾؟ وقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ * فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ القوم الخاسرون﴾؟.

стр. 1438

- ١٠٨ - قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَآ مِنَ المشركين يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ إِلَى الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ آمِرًا لَهُ أَنْ يخبرا الناس أن هذه سبيله، أي طريقته وَمَسْلَكُهُ وَسُنَّتُهُ، وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» يَدْعُو إِلَى اللَّهِ بِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَقِينٍ وَبُرْهَانٍ، هُوَ وَكُلُّ مَنِ اتبعه، وَقَوْلُهُ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أَيْ وَأُنَزِّهُ اللَّهَ وَأُجِلُّهُ وَأُعَظِّمُهُ وَأُقَدِّسُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ عَدِيلٌ أَوْ نَدِيدٌ أَوْ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ صَاحِبَةٌ أَوْ وَزِيرٌ أو مشير، تبارك وَتَقَدَّسَ وتنزَّه عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿تُسَبِّحُ له السموات السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾.

стр. 1439

- ١٠٩ - وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ رُسُلَهُ مِنَ (الرِّجَالِ) لَا مِنَ (النِّسَاءِ) وَهَذَا قَوْلُ جمهور العلماء، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ (سَارَّةَ) امْرَأَةَ الْخَلِيلِ، وَأُمَّ موسى، ومريم بنت عمران أَمَّ عِيسَى نَبِيَّاتٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَشَّرَتْ سَارَّةَ بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الْآيَةَ، وَبِأَنَّ الْمَلَكَ جَاءَ إِلَى مَرْيَمَ فَبَشَّرَهَا بِعِيسَى ﵇، وبقوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ﴾، وَهَذَا الْقَدْرُ حَاصِلٌ لَهُنَّ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ من هذا أن يكن نبيات بذلك، ويبقى الكلام فِي أَنَّ هَذَا هَلْ يَكْفِي فِي الِانْتِظَامِ فِي سَلْكِ النُّبُوَّةِ بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا؟ الَّذِي عليه أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ - وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو الحسن الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ - أَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ، وإنما فيهن (صدّيقات) (هذا هو القول الفصل في الموضوع: أنه ليس في النساء نبية، والأنبياء جميعهم من الرجال لقوله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالًا﴾ الآية، وبهذا تسقط دعوى ابن حزم أن من النساء نبيات)، كما قال تعالى مخبراً عن (مريم بنت عمران): ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطعام﴾، فَوَصَفَهَا فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهَا بِالصِّدِّيقَيةِ، فَلَوْ كَانَتْ نَبِيَّةً لَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيفِ وَالْإِعْظَامِ فَهِيَ صِدِّيقَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابن عباس في الآية، أَيْ لَيْسُوا مِنْ

стр. 1440

أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا قُلْتُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْتَضِدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسواق﴾ الآية، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَاّ يَأْكُلُونَ الطعام وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الْمُرَادُ بِالْقُرَى الْمُدُنُ لَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ هُمْ من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْأَرْضِ ﴿فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ الآية، فَإِذَا اسْتَمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ رَأَوْا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أَيْ وَكَمَا نجينا الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ كَتَبْنَا لَهُمُ النَّجَاةَ في الدار الآخرة، وهي خير لهم من الدنيا بكثير، وَأَضَافَ الدَّارَ إِلَى الْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع.
следующие страницы →