Полный текст (3 637 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
ويهانون بسببه، وقوله : ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النار﴾، هذا إخبار من الله تعالى عَنْ قِيلِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ يَعْنِي بَدَلَ السَّلَامِ يَتَلَاعَنُونَ وَيَتَكَاذَبُونَ، وَيَكْفُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَتَقُولُ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَدْخُلُ قَبْلَ الْأُخْرَى، إذا أقبلت مَعَ الْخَزَنَةِ مِنَ الزَّبَانِيَةِ ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ﴾ أَيْ دَاخِلٌ ﴿مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ﴾ أَيْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ، ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ أَيْ فَيَقُولُ لَهُمُ الدَّاخِلُونَ ﴿بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أَيْ أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا أَفْضَى بِنَا إِلَى هَذَا الْمَصِيرِ، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أَيْ فَبِئْسَ الْمَنْزِلُ وَالْمُسْتَقَرُّ وَالْمَصِيرُ ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ﴾، كَمَا قَالَ : ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ * قَالَ لكلٍ ضعفٌ ولكن لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ لِكُلٍّ مِنْكُمْ عَذَابٌ بِحَسَبِهِ، ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الْأَشْرَارِ *
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصارْ؟ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، أَنَّهُمْ يفتقدون رجالاً كانوا معهم يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ فِي زَعْمِهِمْ قَالُوا: مَا لَنَا لَا نَرَاهُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ يَقُولُ: مَا لِي لَا أَرَى بِلَالًا وعماراً وصهيباً وفلاناً وفلاناً؟ وهذا ضرب مثل، وَإِلَّا فَكُلُّ الْكُفَّارِ هَذَا حَالُهُمْ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْكُفَّارُ النَّارَ، افْتَقَدُوهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُمْ، فَقَالُوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي في الدار الدُّنْيَا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾؟ يُسَلُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْمُحَالِ، يَقُولُونَ: أَوْ لَعَلَّهُمْ مَعَنَا فِي جَهَنَّمَ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ بَصَرُنَا عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رنبا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟ قَالُواْ: نَعَمْ، فأذَّن مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله على الظالمين﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، أَيْ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ، مِنْ تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَلَعْنِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لحقٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ ولا شك.
стр. 2732
- ٦٥ - قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
- ٦٦ - رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
- ٦٧ - قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
- ٦٨ - أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
- ٦٩ - مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ
- ٧٠ - إِنْ يُوحَى إليَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلْكَفَّارِ بِاللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ المكذبين لرسوله ﴿إنما أنا مذر؟﴾ لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ هُوَ وَحْدَهُ قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أَيْ هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَ ذَلِكَ وَمُتَصَرِّفٌ فِيهِ، ﴿العزيز الغفار﴾ أي غفار مع عظمته وعزته، ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ خَبَرٌ عَظِيمٌ وشأن بليغ، وهو إرسال الله تعالى إِيَّايَ إِلَيْكُمْ، ﴿أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ غَافِلُونَ، قال مجاهد ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَيْ لَوْلَا الْوَحْيُ مِنْ أَيْنَ كُنْتُ أَدْرِي بِاخْتِلَافِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى؟ يَعْنِي فِي شأن آدم ﵊، وَامْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، وَمُحَاجَّتِهِ رَبَّهُ في تفضيله عليه، وغير ذلك.
стр. 2733
- ٧١ - إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
- ٧٢ - فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ
- ٧٣ - فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
- ٧٤ - إِلَاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ
- ٧٥ - قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ
- ٧٦ - قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
- ٧٧ - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
- ٧٨ - وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
- ٧٩ - قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
- ٨٠ - قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
- ٨١ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
- ٨٢ - قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
- ٨٣ - إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
- ٨٤ - قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ
- ٨٥ - لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
هَذِهِ القصة ذكرها الله ﵎ في سورة البقرة، وفي أول سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وسبحان، والكهف، وههنا، وهي أن الله ، أعلم الملائكة قبل خلق آدم ﵊، بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، وقد تقدم إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ، فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ الله ، فامتثل الملائكة كلهم سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا، كَانَ مِنَ الجن (هذا الرأي وهو أن إبليس من الجن وليس من الملائكة هو الذي تطمئن إليه النفس وترتاح، وتدل عليه النصوص الشرعية
كقوله تعالى: ﴿إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ ربه﴾، وانظر الأدلة في كتابنا (النبوة والأنبياء)، صفحة (١٢٨) تحت عنوان: هل كان إبليس من الملائكة؟)، فخانه طبعه وجبلته، فَاسْتَنْكَفَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَخَاصَمَ رَبَّهُ فِيهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ آدَمَ، فَإِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تعالى، وكفر بذلك فأبعده الله ، وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ، وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ، وَسَمَّاهُ (إِبْلِيسَ) إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَبْلَسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ، فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَلُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ، فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى، وَقَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، كَمَا قَالَ : ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الأُخرى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أجمعين﴾، وكقوله : ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جزاؤكم جزاءاً موفوراً﴾.
стр. 2734
- ٨٦ - قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
- ٨٧ - إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ
- ٨٨ - وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
стр. 2735
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى هَذَا الْبَلَاغِ، وَهَذَا النُّصْحِ أجراً تعطوني إياه مِنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ أي وما أريد على ما أرسلني الله تعالى بِهِ، وَلَا أَبْتَغِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، بَلْ مَا أُمِرْتُ بِهِ أَدَّيْتُهُ، لَا أَزْيَدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقَصُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ والدار الآخرة، قال مسروق: أتينا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ به، ومن لم يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، فإن اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ : ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ (أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنُ ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن، قال ابن عباس ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بلغ﴾، وقوله تعالى ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أَيْ خَبَرَهُ وَصِدْقَهُ ﴿بَعْدَ حِينِ﴾ أَيْ عَنْ قَرِيبٍ، قَالَ قَتَادَةُ: بَعْدَ الْمَوْتِ، قال عِكْرِمَةُ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ فِي حكم القيامة، وقال الحسن البصري: يَا ابْنَ آدَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَبَرُ اليقين.
стр. 2736
- ٣٩ - سورة الزمر
стр. 2737
روى النسائي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ، وَكَانَ ﷺ يَقْرَأُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالزُّمَرَ (أخرجه النسائي من حديث عائشة ﵂.
стр. 2738
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2739
- ١ - تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
- ٢ - إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ
- ٣ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بينهم فيما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ
- ٤ - لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ تَنْزِيلَ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ (الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) مِنْ عِنْدِهِ ﵎، فَهُوَ الْحَقُّ الذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ كَمَا قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقال ها هنا ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أَيِ الْمَنِيعِ الْجَنَابِ ﴿الْحَكِيمِ﴾ أَيْ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ، ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ فَاعْبُدِ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَادْعُ الْخَلْقَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لله وحده، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أَيْ لَا يُقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا أَخْلَصَ فِيهِ الْعَامِلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ أخبر عَنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أَيْ إِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَصْنَامٍ، اتَّخَذُوهَا عَلَى صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي زَعْمِهِمْ، فَعَبَدُوا تِلْكَ الصُّوَرَ تنزيلاًَ لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ عِبَادَتِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَ الله تعالى، فَأَمَّا الْمَعَادُ فَكَانُوا جَاحِدِينَ لَهُ كَافِرِينَ بِهِ، قال قتادة والسدي: ﴿إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أَيْ لِيَشْفَعُوا لَنَا وَيُقَرِّبُونَا عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ في تلبيتهم
стр. 2740
إِذَا حَجُّوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ» وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْمُشْرِكُونَ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ، وَجَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِرَدِّهَا وَالنَّهْيِ عَنْهَا، وَالدَّعْوَةِ إِلَى إِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ اخْتَرَعَهُ الْمُشْرِكُونَ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، وَلَا رَضِيَ بِهِ، بَلْ أَبْغَضَهُ وَنَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾، وأخبر أن الملائكة التي في السماوات، كلهم عبد خاضعون لله، لا يشفعون عند إِلَّا بِإِذْنِهِ لِمَنِ ارْتَضَى، وَلَيْسُوا عِنْدَهُ كَالْأُمَرَاءِ عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُم﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فيما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ سَيَفْصِلُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أَيْ لَا يُرْشِدُ إِلَى الْهِدَايَةِ، مَنْ قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بِآيَاتِهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ؛ ثُمَّ بيَّن تَعَالَى أَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ كَمَا يَزْعُمُهُ جَهَلَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَالْمُعَانِدُونَ مَنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي العزير وعيسى، فقال ﵎: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أَيْ لَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا يَزْعُمُونَ، وَهَذَا شَرْطٌ لَا يَلْزَمُ وُقُوعُهُ وَلَا جَوَازُهُ بَلْ هُوَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَجْهِيلَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْهُ وَزَعَمُوهُ كَمَا قال : ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَاّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كنا فاعلين﴾، فهذا مِنْ بَابِ الشَّرْطِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الشَّرْطِ عَلَى المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أَيْ تَعَالَى وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ، عَنْ أَنْ
يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
стр. 2741
- ٥ - خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
- ٦ - خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْخَالِقُ لِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ من الأشياء، وبأنه مَالِكُ الْمُلْكِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ يُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الليل﴾ أي سخرهما يجريان متعاقبين، لا يفترقان، كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْآخَرَ طَلَبًا حَثِيثًا، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾، وقوله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كلٌ يَجْرِي لأجلٍ مُّسَمًّى﴾ أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أَيْ مَعَ عِزَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، هُوَ غَفَّارٌ لِمَنْ عصاه ثم تاب وأناب إليه، وقوله جلت عظمته: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أَيْ خَلَقَكُمْ مَعَ اخْتِلَافِ أَجْنَاسِكُمْ وَأَصْنَافِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهو آدم عليه الصلاة
стр. 2742
والسلام ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونساء﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أَيْ وَخَلَقَ لَكُمْ مِنْ ظُهُورِ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ، وهي المذكورة في سورة الأنعام من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وقوله : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أَيْ قَدَّرَكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴿خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يَكُونُ أَحَدُكُمْ أَوَّلًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً، ثُمَّ يُخْلَقُ فَيَكُونُ لَحْمًا وَعَظْمًا وَعَصَبًا وَعُرُوقًا، وَيُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَيَصِيرُ خلقاً آخر ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾، وقوله جلَّ وعلا: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يَعْنِي ظُلْمَةَ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةَ المشيمة، وَظُلْمَةَ الْبَطْنِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ (وهو قول عكرمة والضحّاك والسدي وقتادة وابن زيد وغيرهم). وقوله ﷻ : ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾ أي هذا الذي خلقكم وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ، هُوَ الرَّبُّ لَهُ الْمُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ﴾ أَيِ الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؟ أَيْ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟ وأين يذهب بعقولكم؟.
стр. 2743
- ٧ - إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
- ٨ - وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ جلَّ وعلا أَنَّهُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا قال موسى ﵇ لقومه: ﴿وإن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حميد﴾، وفي الصحيح: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً» (أخرجه مسلم في صحيحه وهو جزء من حديث قدسي طويل)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أَيْ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي يحبه لكم، وَيَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى﴾ أَيْ لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا، بَلْ كلٌ مُطَالَبٌ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ فَلَا تَخْفَى
عليه خافية، وقوله : ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ أي عند الحاجة يتضرع وَيَسْتَغِيثُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وإذا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دعا ربه منبياً إِلَيْهِ﴾ أي عند الحاجة يتضرع ويشتغيث بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُوراً﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ أَيْ فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ، يَنْسَى ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ، كَمَا قال ﷻ : ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أَيْ في
стр. 2744
حَالِ الْعَافِيَةِ يُشْرِكُ بِاللَّهِ وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا، ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار﴾ أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ وهو تهديد شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾.
стр. 2745
- ٩ - أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ
يَقُولُ تَعَالَى: أَمَّن هَذِهِ صِفَتُهُ، كَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَجَعَلَ لَهُ أَنْدَادًا؟ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءً﴾، وقال تعالى ههنا: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقائماً﴾ (أخرج جوبير عن ابن عباس قال: نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة) أَيْ فِي حَالِ سُجُودِهِ، وَفِي حَالِ قِيَامِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ، لَيْسَ هو القيام وحده، قال ابن مسعود: «القانت المطيع لِلَّهِ ، وَلِرَسُولِهِ ﷺ »، وقال ابن عباس: ﴿آناء الليل﴾ جوف الليل (وهو قول الحسن والسدي وابن زيد)، وقال الثوري: بَلَغَنَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿آنَآءَ اللَّيْلِ﴾ أَوَّلُهُ وَأَوْسَطُهُ وَآخِرُهُ، وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أَيْ فِي حَالِ عِبَادَتِهِ خَائِفٌ راجٍ، وَلَا بُدَّ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ هُوَ الْغَالِبُ، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، فَلْيَكُنِ الرَّجَاءُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، كما قال أنَس ﵁: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ: «كيف تجدك»؟ فقال: أَرْجُو وَأَخَافُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عبدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو، وَأَمْنَهُ الَّذِي يَخَافُهُ» (رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه). وعن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر ﵄ يقرأ: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «ذَاكَ (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ﵁» (أخرجه ابن أبي حاتم) وإنما قال ابن عمر ﵄ ذلك، لكثرة صلاة عثمان ﵁ بِاللَّيْلِ وَقِرَاءَتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ في ركعة، قال الشاعر:
«يقطّع الليل تسبيحاً وقرآناً»
وقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؟ أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا، وَالَّذِي قَبْلَهُ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ؟ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَابِ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وهذا، من له لب، وهو العقل، والله أعلم.
стр. 2746
- ١٠ - قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى
стр. 2747
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
- ١١ - قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ
- ١٢ - وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَقْوَاهُ ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أَيْ لِمَنْ أَحَسَنَ الْعَمَلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، حَسَنَةٌ فِي دنياهم وأخراهم، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فَهَاجِرُوا فِيهَا وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال: إذا دعيتم إلى معصية فَاهْرُبُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾؟ وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَيْسَ يُوزَنُ لَهُمْ وَلَا يُكَالُ، إِنَّمَا يُغْرَفُ لَهُمْ غَرْفًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَا يَحْسِبُ عَلَيْهِمْ ثَوَابَ عَمَلِهِمْ قَطُّ، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي: يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ إِنَّمَا أُمِرْتُ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ .
стр. 2748
- ١٣ - قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
- ١٤ - قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي
- ١٥ - فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
- ١٦ - لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَاهُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾، وَهَذَا أَيْضًا تَهْدِيدٌ، وتبرٍّ مِنْهُمْ، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أَيْ إِنَّمَا الْخَاسِرُونَ كُلَّ الْخُسْرَانِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ تَفَارَقُوا فَلَا الْتِقَاءَ لَهُمْ أَبَدًا، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وذهبوا هُمْ إِلَى النَّارِ، أَوْ أَنَّ الْجَمِيعَ أُسْكِنُوا النَّارَ، وَلَكِنْ لَا اجْتِمَاعَ لَهُمْ وَلَا سُرُورَ ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أَيْ هَذَا هُوَ الخسران المبين، الظَّاهِرُ الْوَاضِحُ، ثُمَّ وَصَفَ حَالَهُمْ فِي النَّارِ فَقَالَ: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، كما قال : ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين﴾، وقال تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله ﷻ : ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أَيْ إِنَّمَا يقص هذا لِيُخَوِّفَ بِهِ عِبَادَهُ، لِيَنْزَجِرُوا عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، وقوله تعالى: ﴿يَا عبادِ فَاتَّقُونِ﴾ أَيِ اخْشَوْا بَأْسِي وَسَطْوَتِي وعذابي ونقمتي.
стр. 2749
- ١٧ - وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى الله لهم البشرى فَبَشِّرْ عِبَادِ
- ١٨ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الألباب
قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في (زيد بن عمرو) و (أبي ذر) و (سلمان الفارسي) رضي الله تعالى عنهم، ⦗٢١٦⦘ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا شَامِلَةٌ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، مِمَّنِ اجْتَنَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَنَابَ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَهَؤُلَاءِ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، ثم قال : ﴿فَبَشِّرْ عبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله ﵎: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أَيِ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخرة، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ أُوْلُواْ الألباب﴾ أَيْ ذَوُو الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ، وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ.
стр. 2750
- ١٩ - أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَن فِي النَّارِ
- ٢٠ - لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ
يَقُولُ تَعَالَى: أَفَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ أنه شقي هل تقدر أن تُنْقِذُهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْهَلَاكِ؟ أَيْ لَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، ثم أخبر الله عن عباده السعداء أن لهم غرفاً فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْقُصُورُ الشَّاهِقَةُ، ﴿مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ طِبَاقٌ فَوْقَ طِبَاقٍ، مَبْنِيَّاتٌ مُحَكَمَاتٌ، مُزَخْرَفَاتٌ عَالِيَاتٌ، وفي الصحيح: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: لِمَنْ هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام» (أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب)، وروى الإمام أحمد، عن سهل بن سعد ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرْفَةِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي أفق السماء» (أخرجه أحمد ورواه الشيخان بلفظ: "كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي). وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا، وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ، قَالَ ﷺ : "لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لجاء الله بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قال ﷺ : "لبنة ذهب ولبنة فضة، وبلاطها المسك الأذفر، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من لم يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ، ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لها أبواب السماوات، ويقول الرب ﵎: وعزتي لأنصرك ولو بعد حين" (أخرجه الإمام أحمد، وروى الترمذي وابن ماجه بعضه). وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أَيْ تَسْلُكُ الْأَنْهَارُ بين خلال ذلك كما شاءوا، وَأَيْنَ أَرَادُوا ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَعْدٌ وَعْدَهُ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
стр. 2751
- ٢١ - أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الْأَلْبَابِ
- ٢٢ - أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
стр. 2752
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ من السماء، كما قال : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ فَإِذَا أَنْزَلَ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ كَمَن فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ تَعَالَى فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَمَا يَشَاءُ، وَيُنْبِعُهُ عُيُونًا مَا بَيْنَ صِغَارٍ وكبار، بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال ﵎: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾، عن ابن عباس قَالَ: لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا نَّزَّلَ مِنَ السماء، ولكن عروق الْأَرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعُودَ الْمِلْحُ عذباً فليصعده (رواه ابن أبي حاتم، وهكذا قال الشعبي وسعيد بن جبير أَنَّ كُلَّ مَاءٍ فِي الْأَرْضِ فَأَصْلُهُ مِنَ السَّمَاءِ)، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَصْلُهُ مِنَ الثَّلْجِ يَعْنِي أَنَّ الثَّلْجَ يَتَرَاكَمُ عَلَى الْجِبَالِ، فَيَسْكُنُ فِي قَرَارِهَا، فَتَنْبُعُ الْعُيُونُ مِنْ أَسَافِلِهَا، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾، أَيْ ثُمَّ يُخْرِجُ بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالنَّابِعِ مِنَ الْأَرْضِ ﴿زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ أَيْ أَشْكَالُهُ وَطُعُومُهُ، وَرَوَائِحُهُ وَمَنَافِعُهُ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أَيْ بَعْدَ نضارته وشبابه يكتهل، فنراه مُصْفَرًّا قَدْ خَالَطَهُ الْيُبْسُ، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً﴾ أَيْ ثُمَّ يَعُودُ يَابِسًا يَتَحَطَّمُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الْأَلْبَابِ﴾ أَيِ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِهَذَا، فَيَعْتَبِرُونَ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا هَكَذَا تَكُونُ خضرة ناضرة حَسْنَاءَ، ثُمَّ تَعُودُ عَجُوزًا شَوْهَاءَ، وَالشَّابُّ يَعُودُ شيخاً هرماً، كبيراً ضعيفاً، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَوْتُ، فَالسَّعِيدُ مَنْ كَانَ حله بعده إلى خير، وقوله ﵎: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَّبِّهِ﴾ أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا، وَمَنْ هُوَ قَاسِي الْقَلْبِ بِعِيدٌ مِنَ الْحَقِّ؟ كقوله : ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ منها﴾؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ فَلَا تَلِينُ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَلَا تَخْشَعُ وَلَا تَعِي وَلَا تَفْهَمُ ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
стр. 2753
- ٢٣ - اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
هَذَا مَدْحٌ مِنَ اللَّهِ لِكِتَابِهِ (الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ) الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ مَثَانِي، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْآيَةُ تُشْبِهُ الْآيَةَ، وَالْحَرْفُ يُشْبِهُ الْحَرْفَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿مَّثَانِيَ﴾ تَرْدِيدُ الْقَوْلِ ليفهموا عن ربهم ﵎، وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿مَّثَانِيَ﴾ مردَّد، رُدِّدَ مُوسَى فِي الْقُرْآنِ وَصَالِحٌ وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة، وقال ابن عباس: ﴿مَّثَانِيَ﴾ أي الْقُرْآنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُرَدُّ بَعْضُهُ عَلَى بعض، وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَبْرَارِ، عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الْجَبَّارِ، الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لِمَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُهُمْ مِنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لِمَا يَرْجُونَ وَيُؤَمِّلُونَ مِنْ رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ سَمَاعَ هَؤُلَاءِ هُوَ تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات مِنْ أَصْوَاتِ الْقَيْنَاتِ، (الثَّانِي) أَنَّهُمْ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ ﴿خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ بِأَدَبٍ وَخَشْيَةٍ، وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ، وَفَهْمٍ وَعِلْمٍ، كَمَا قَالَ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذكِّروا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وعمياناً﴾ أَيْ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ
стр. 2754
سَمَاعِهَا مُتَشَاغِلِينَ لَاهِينَ عَنْهَا بَلْ مُصْغِينَ إِلَيْهَا، وَيَسْجُدُونَ عِنْدَهَا عَنْ بَصِيرَةٍ لَا عَنْ جَهْلٍ ومتابعة لغيرهم، (الثَّالِثُ) أَنَّهُمْ يَلْزَمُونَ الْأَدَبَ عِنْدَ سَمَاعِهَا، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ كلام الله تعالى تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ مَعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى ذِكْرِ الله، لم يكونوا يتصارخون، بَلْ عِنْدَهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ وَالسُّكُونِ وَالْأَدَبِ وَالْخَشْيَةِ ما لا يلحقهم أحد في ذلك، تَلَا قَتَادَةُ ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قَالَ: هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ الله، نعتهم الله بِأَنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ وَتَبْكِيَ أَعْيُنُهُمْ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ، وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا هَذَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، وهذا من الشيطان، وقال السدي: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أَيْ إِلَى وَعْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَيْ هَذِهِ صِفَةُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَهُوَ مِمَّنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
стр. 2755
- ٢٤ - أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
- ٢٥ - كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
- ٢٦ - فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وَيُقْرَعُ فَيُقَالُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ مِنَ الظَّالِمِينَ: ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كَمَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ القيامة؟ كما قال الله : ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً على صراط مستقيم﴾؟ وقال ﵎: ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّنْ يأتي آمِناً يوم القيامة﴾، وَاكْتَفَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَنِ الآخر، وقوله جلت عظمته: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَاّ يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ الْمُكَذِّبَةَ لِلرُّسُلِ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ الله منواق، وقوله جلَّ وعلا ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أَيْ بِمَا أَنْزَلَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَتَشَفِّي المؤمنين منهم، فَلْيَحْذَرِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ ، والذي أعده الله ﷻ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، أَعْظَمُ مما أصابهم في الدنيا، ولهذا قال : ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 2756
- ٢٧ - وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
- ٢٨ - قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
- ٢٩ - ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
- ٣٠ - إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ
- ٣١ - ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أَيْ بَيَّنَّا لِلنَّاسِ فِيهِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ ﴿لَّعَلَّهُمْ يتذكَّرون﴾ فَإِنَّ الْمَثَلَ يُقَرِّبُ المعنى إلى الأذهان كما قال ﵎: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ
стр. 2757
إِلَاّ العالمون﴾، وقوله جلَّ وعلا: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أَيْ هُوَ قُرْآنٌ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلَا انْحِرَافَ وَلَا لَبْسَ، بَلْ هُوَ بَيَانٌ وَوُضُوحٌ وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي يحذورن مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أَيْ يَتَنَازَعُونَ فِي ذلك العبد المشترك بيهم، ﴿وَرَجُلاً سَلَماً﴾ أي سالماً ﴿لِّرَجُلٍ﴾ أي خالصاً لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾؟ أَيْ لَا يَسْتَوِي هَذَا وَهَذَا، كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُشْرِكُ الَّذِي يَعْبُدُ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؟ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هذا؟ قال ابن عباس ومجاهد: هَذِهِ الْآيَةُ ضَرَبَتْ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ وَالْمُخْلِصِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَثَلُ ظَاهِرًا بَيِّنًا جَلِيًّا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ أَيْ عَلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ فَلِهَذَا يُشْرِكُونَ بالله، وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ أي إنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجمعون عند الله تعالى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَتَخْتَصِمُونَ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ من الدُّنْيَا مِنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، وَيَفْتَحُ بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ، فَيُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُوَحِّدِينَ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَذِكْرِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ مُتَنَازِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ تُعَادُ عليهم الخصومة في الدار الآخرة. روي أنه لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الْخُصُومَةُ؟ قَالَ ﷺ : «نعم»، قال ﵁: إن الأمر إذاً لشديد (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي والإمام أحمد وابن ماجه بزيادة فيه)، وعن الزبير بن العوام ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قَالَ الزُّبَيْرُ ﵁: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟ قَالَ ﷺ : «نَعَمْ لَيُكَرَّرَنَ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذي حق حقه» قال الزبير ﵁: والله إن الأمر لشديد (أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
وفي الحديث: «أول الخصمين يوم القيامة جاران» (أخرجه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر مرفوعاً). وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاتَيْنِ يَنْتَطِحَانِ، فَقَالَ: «أَتُدْرِي فِيمَ يَنْتَطِحَانِ يَا أَبَا ذَرٍّ»، قُلْتُ: لَا، قال ﷺ : «لكن الله يدري وسيحكم بينهما» (أخرجه الإمام أحمد أيضاً). وقال الحافظ أبو بكر البزار، عَنْ أنَس ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجَاءُ بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية، فيفلحون عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: سُدَّ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ جهنم" (رواه الحافظ البزار). وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يَقُولُ: يُخَاصِمُ الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: يَخْتَصِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَخْتَصِمَ الرُّوحُ مَعَ الْجَسَدِ، فَتَقُولُ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: أَنْتَ فَعَلْتَ، وَيَقُولُ الْجَسَدُ لِلرُّوحِ: أَنْتِ أَمَرْتِ، وَأَنْتِ سولت،
стр. 2758
فيبعث الله تعالى مَلَكًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، فَيَقُولُ لَهُمَا: إِنْ مَثَلَكُمَا كَمَثَلِ رَجُلٍ مُقْعَدٍ بَصِيرٍ، وَالْآخَرُ ضَرِيرٌ، دَخَلَا بستاناً، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثِمَارًا، وَلَكِنْ لَا أَصِلُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ الضَّرِيرُ: ارْكَبْنِي فتناوَلْها، فَرَكِبَهُ فَتَنَاوَلَهَا، فَأَيُّهُمَا الْمُعْتَدِي؟ فَيَقُولَانِ كِلَاهُمَا، فَيَقُولُ لَهُمَا الْمَلَكُ: فَإِنَّكُمَا قَدْ حكمتا عَلَى أَنْفُسِكُمَا، يَعْنِي أَنَّ الْجَسَدَ لِلرُّوحِ كَالْمَطِيَّةِ وهو راكبه (رواه ابن منده في كتاب الروح ولم يشر له ابن كثير بضعف)، وروى ابن أبي حاتم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نزلت هذه الآية وما يعلم فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قَالَ، قُلْنَا: مَنْ نُخَاصِمُ؟ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُومَةٌ فَمَنْ نُخَاصِمُ؟ حَتَّى وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فَقَالَ ابْنُ عمر ﵄: هَذَا الَّذِي وَعَدَنَا رَبُّنَا نَخْتَصِمُ فيه (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه النسائي عن ابن عمر)، وقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يَعْنِي أَهْلَ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلَ الْكُفْرِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصحيح العموم، والله أعلم.
стр. 2759
- ٣٢ - فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ
- ٣٣ - وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المتقون
- ٣٤ - لهم ما يشاؤون عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
- ٣٥ - لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقول مُخَاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ، وَجَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخرى، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَجَعَلُوا لِلَّهِ وَلَدًا - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قولهم علواً كبيراً - ومع هذا فقد كَذَّبُوا بِالْحَقِّ إِذْ جَاءَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَلِهَذَا قال الله : ﴿فَمَن أَظْلَمُ مِمَّنِ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ﴾ أَيْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْبَاطِلِ: كذب على الله، وكذّب رسول الله ﷺ ، قال الباطل، ورد الحق، ولهذا قال جلت عظمته مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾؟ وهم الجاحدون المكذبون، ثم قال جلَّ وعلا ﴿وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ وقتادة: ﴿الذي جَآءَ بالصدق﴾ هو الرسول ﷺ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ جِبْرِيلُ ﵇، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، وقال ابن عباس: مَنْ جَاءَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وقيل: أَصْحَابُ الْقُرْآنِ الْمُؤْمِنُونَ يَجِيئُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَا أَعْطَيْتُمُونَا فَعَمِلْنَا فِيهِ بِمَا أَمَرْتُمُونَا، وهذا القول (وهو رواية ليث عن مجاهد وهو اختيار ابن كثير) يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به، والرسول ﷺ أول الناس بالدخول في هذه الآية، فَإِنَّهُ جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَآمَنَ بِمَا أنزل إليه من ربه، وقال ابن زيد: ﴿وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال الْمُسْلِمُونَ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اتقوا الشرك ﴿لهم ما يشاؤون عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ كما قال فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾.
стр. 2760
- ٣٦ - أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
- ٣٧ - وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ
- ٣٨ - وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ
- ٣٩ - قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
- ٤٠ - مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مقيم
يقول الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى يَكْفِي مَنْ عَبَدَهُ وَتَوَكَّلَ عليه، وفي الحديث: «أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كفافا، وقنع به» (أخرجه ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري مرفوعاً ورواه الترمذي والنسائي بنحوه). ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ يُخَوِّفُونَ الرسول ﷺ ، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم، التي يدعونها من دون الله جهلاً منهم وضلالاً (عن معمر قَالَ: قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبلنك، فنزلت: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دونه﴾، أخرجه عبد الرزاق كما في اللباب.)، ولهذا قال : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ؟﴾ أَيْ مَنِيعِ الْجَنَابِ لَا يُضَامُ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى جَنَابِهِ، وَلَجَأَ إِلَى بَابِهِ، فَإِنَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا أعز منه، ولا أشد انتقاماً منه، فمن كَفَرَ بِهِ وَأَشْرَكَ، وَعَانَدَ رَسُولَهُ ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾ يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، مِمَّا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً ولا نفعاً، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ؟ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؟ أَيْ لَا تَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ، وفي الحديث: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشدة» (الحديث رواه ابن أبي حاتم والترمذي) الحديث. ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أَيِ اللَّهُ كَافِيَّ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فليتوكل المتوكلون﴾، كما قال (هود) ﵊: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صراط مستقيم﴾، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بما في يد الله أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدَيْهِ، وَمِنْ أَحَبَّ أن يكون أكرم الناس فليتق الله » (أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعاً)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أَيْ عَلَى طَرِيقَتِكُمْ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ أَيْ عَلَى طَرِيقَتِي وَمَنْهَجِي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ سَتَعْلَمُونَ غَبَّ ذَلِكَ وَوَبَالِهِ، ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أَيْ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أَيْ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، لَا مَحِيدَ لَهُ عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منها.
стр. 2761
- ٤١ - إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
- ٤٢ - اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ : ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، لِتُنْذِرَهُمْ بِهِ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أَيْ فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أَيْ إِنَّمَا يَرْجِعُ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أَيْ بِمُوَكَّلٍ أَنْ يهتدوا، ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نذير﴾، ﴿إنما عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْوُجُودِ بِمَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الْوَفَاةَ الْكُبْرَى بِمَا يُرْسِلُ مِنَ الْحَفَظَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَهَا مِنَ الْأَبْدَانِ، وَالْوَفَاةَ الصُّغْرَى عند المنام، كما قال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ الآية، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾، فَذَكَرَ الْوَفَاتَيْنِ الصُّغْرَى ثُمَّ الْكُبْرَى، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَ الْكُبْرَى ثُمَّ الصُّغْرَى، وَلِهَذَا قَالَ ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، كما ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفه عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً)، وقال بعض السلف: يَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ إِذَا مَاتُوا، وَأَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أَنْ تَتَعَارَفَ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ، وَيُرْسِلُ الأُخرى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، قَالَ السُّدِّيُّ: إِلَى بَقِيَّةِ أَجَلِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُمْسِكُ أَنْفُسَ الْأَمْوَاتِ، وَيُرْسِلُ أَنْفُسَ الْأَحْيَاءِ، وَلَا يَغْلَطُ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
стр. 2762
- ٤٣ - أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ
- ٤٤ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
- ٤٥ - وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِلْمُشْرِكِينَ فِي اتِّخَاذِهِمْ شُفَعَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمُ الْأَصْنَامُ وَالْأَنْدَادُ التي اتخذوها بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، وَلَيْسَ لَهَا عَقْلٌ تَعْقِلُ بِهِ، وَلَا سَمْعٌ تَسْمَعُ بِهِ، وَلَا بَصَرٌ تُبْصِرُ بِهِ، بَلْ هي جمادات أسوأ حالاً من الحيوانات بِكَثِيرٍ، ثُمَّ قَالَ ﴿قُلْ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ لهؤلاء الزاعمين
стр. 2763
أَنَّ مَا اتَّخَذُوهُ شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تعالى، أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَاهُ وَأَذِنَ لَهُ، فَمَرْجِعُهَا كُلِّهَا إِلَيْهِ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِهِ وَيَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذَامًّا لِلْمُشْرِكِينَ أَيْضًا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أَيْ إِذَا قِيلَ لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ، ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: اشْمَأَزَّتْ انْقَبَضَتْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نفرت، وقال قتادة: كفرت واستكبرت، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لا إله إِلَاّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ عَنِ الْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ لَهَا، فَقُلُوبُهُمْ لَا تَقْبَلُ الْخَيْرَ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْخَيْرَ يَقْبَلِ الشر، ولذلك قال ﵎: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أَيْ مِنَ الأصنام والأنداد ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أَيْ يَفْرَحُونَ وَيُسَرُّونَ.
стр. 2764
- ٤٦ - قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
- ٤٧ - وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
- ٤٨ - وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
يَقُولُ ﵎، بَعْدَ مَا ذَكَرَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ مَا ذَكَرَ، مِنَ الْمَذَمَّةِ لَهُمْ فِي حُبِّهِمُ الشِّرْكَ، وَنُفْرَتِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ ﴿قُلِ اللهمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيِ ادْعُ أَنْتَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَفَطَرَهَا، أَيْ جَعَلَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أَيِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أَيْ فِي دُنْيَاهُمْ، سَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم، روى مسلم في صحيحه، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إذا قام من الليل؟ قالت ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تشاء إلى صراط مستقيم» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْ قَالَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ إِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تُقَرِّبُنِي مِنَ الشَّرِّ وَتُبَاعِدُنِي مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ فَاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المعياد، إِلَّا قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّ عَبْدِي قَدْ عَهِدَ إليَّ عَهْدًا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة" (أخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود ﵁. وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيَّ صَحِيفَةً فَقَالَ: هَذَا مَا كَتَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَإِذَا فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مَا أَقُولُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
стр. 2765
اللَّهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ، قُلِ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبَّ كل شيء وَمَلِيكَهِ، أُعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشيطان وشركه، أن أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا، أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مسلم" (أخرجه الإمام أحمد ورواه الترمذي وقال: حسن غريب)، وقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ ﴿مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أَيْ وَلَوْ أن جميع مَّا فِي الْأَرْضِ وَضِعْفِهُ مَعَهُ ﴿لَافْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ العذاب﴾ أي الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يقبل مِنْهُمُ الْفِدَاءُ وَلَوْ كَانَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ أي وظهر لَهُم مِّنَ الله الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ بِهِمْ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي بَالِهِمْ وَلَا فِي حِسَابِهِمْ، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أَيْ وَظَهَرَ لَهُمْ جَزَاءُ مَا اكْتَسَبُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، ﴿وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ وَأَحَاطَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ مَا كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا.
стр. 2766
- ٤٩ - فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
- ٥٠ - قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
- ٥١ - فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ
- ٥٢ - أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول ﵎ مُخْبِرًا عَنِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ فِي حَالِ الضَّرَّاءِ يتضرع إِلَى اللَّهِ ، وَيُنِيبُ إِلَيْهِ وَيَدْعُوهُ، وإذا خوّله نعمة منه بَغَى وَطَغَى، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي لما يعلم الله تعالى مِنِ اسْتِحْقَاقِي لَهُ، وَلَوْلَا أَنِّي عِنْدَ اللَّهِ خِصِّيصٌ لَمَا خَوَّلَنِي هَذَا، قَالَ قَتَادَةُ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ عَلَى خَيْرٍ عِنْدِي، قَالَ اللَّهُ : ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ لَيْسَ الأمر كما زعم، بَلْ إِنَّمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِنَخْتَبِرَهُ فِيمَا أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ أَيُطِيعُ أَمْ يَعْصِي؟ مَعَ عِلْمِنَا الْمُتَقَدِّمِ بِذَلِكَ فَهِيَ ﴿فِتْنَةٌ﴾ أَيِ اخْتِبَارٌ ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلهذا يَقُولُونَ وَيَدْعُونَ مَا يَدْعُونَ، ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ قَبْلِهِمْ﴾ أي قد قال هذه المقالة وادعى أن هَذِهِ الدَّعْوَى كَثِيرٌ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ، ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ فما صح قولهم ولا نفعهم جَمْعُهُمْ وَمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أَيْ مِنَ المخاطبين ﴿سيصيبهم سئيات مَا كَسَبُواْ﴾، أَيْ كَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، كما قال ﵎ مخبراً عن قارون ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي أو لم يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، وقوله ﵎: ﴿أو لم يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أَيْ يُوَسِّعُهُ عَلَى قَوْمٍ وَيُضَيِّقُهُ عَلَى آخرين، ﴿إِنَّ في ذلك لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لعبراً وحججاً.
стр. 2767
- ٥٣ - قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ
стр. 2768
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
- ٥٤ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ
- ٥٥ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
- ٥٦ - أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ
- ٥٧ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
- ٥٨ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
- ٥٩ - بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَعْوَةٌ لِجَمِيعِ الْعُصَاةِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ الله ﵎ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هذه عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ لمن لم يتب منه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بالحق وَلَا يزنون﴾، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ من رحمة الله﴾ (أخرجه البخاري ورواه مسلم وأبو داود والنسائي). وعن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وما فيها بهذه الْآيَةَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾» (أخرجه الإمام أحمد عن ثوبان ﵁ إلى آخر الآية. وعن عمرو بن عنبسة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ شَيْخٌ كَبِيرٌ يُدَعِّمُ عَلَى عَصًا لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ، فَهَلْ يُغْفَرُ لي؟ فقال ﷺ : «أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : «قَدْ غُفِرَ لَكَ غَدَرَاتُكَ وَفَجَرَاتُكَ» (تَفَرَّدَ بِهِ أحمد من حديث عمرو بن عنبسة). وروى الإمام أحمد، عن أسماء بنت يزيد ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غير صالح﴾ وسمعته ﷺ يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي).
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَغْفِرُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَقْنَطَنَّ عَبْدٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ عَظُمَتْ ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة وَاسِعٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، وَقَالَ جلَّ وعلا فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾، وقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يتوبوا﴾ قال الحسن البصري ﵀: انظروا إلى
стр. 2769
هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثُ الَّذِي قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ نَدِمَ وَسَأَلَ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ وَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً،
ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى قَرْيَةٍ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا فَقَصَدَهَا، فَأَتَاهُ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَمَرَ الله أن يقيسوا ما بين الأرضيين فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبُ فَهُوَ مِنْهَا، فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا بشير فقبضته ملائكة الرحمة، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخر بلفظه، وقال ابن عباس في قوله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: قد دعا الله تعالى إِلَى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ثم دعا إلى التوبة مَنْ هُوَ أَعْظَمُ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ، مَنْ قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ وَقَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ مَنْ آيَسَ عِبَادَ اللَّهِ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هذا فقد جحد كتاب الله ، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ أَنْ يَتُوبَ حَتَّى يتوب الله عليه، وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: إِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَإِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِخَيْرٍ وَشَرٍّ ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرحاً ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وَإِنَّ أَشَدَّ آية في كتاب الله تفويضاً: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب﴾ (رواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفاً). ومرَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى قاصٍّ وَهُوَ يَذَكِّرُ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مذكر لِمَ تقنطِ الناسَ من رحمة الله؟ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (رواه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أيضاً).
(ذكر أحاديث فيها نفي القنوط).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثم استغفرتم الله تعالى لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (تفرد به الإمام أحمد من حديث أَنَس بن مالك)، وعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُ مِنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لخلق الله قوماً يذنبون فيغفر لهم» (أخرجه أحمد ورواه مسلم والترمذي)، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عَنْهُمَا قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كفارة الذنب الندامة» (أخرجه أحمد عن ابن عباس موقوفاً)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» (تفرد به الإمام أحمد). ثم استحث تبارك
стр. 2770
وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ الخ، أَيِ ارْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَسْلِمُوا لَهُ ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ أَيْ بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العذابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَشْعُرُونَ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَحَسَّرُ الْمُجْرِمُ الْمُفَرِّطُ فِي التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمُخْلِصِينَ المطيعين لله ، وقوله ﵎: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أَيْ إِنَّمَا كَانَ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا عَمَلَ سَاخِرٍ مُسْتَهْزِئٍ غَيْرِ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، قال ابن عباس: أخبر الله مَا الْعِبَادُ قَائِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَقُولُوهُ، وَعَمَلَهُمْ قبل أن يعملوه، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ فأخبر الله أَنْ لَوْ رُدُّوا لَمَا قَدَرُوا عَلَى الْهُدَى فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وفي الحديث: "كُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ، قَالَ: وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، فَيَقُولُ: لولا أن هداني الله قال: فيكون له الشكر" (أخرجه أحمد والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً)، وَلَمَّا تَمَنَّى أَهْلُ الْجَرَائِمِ الْعَوْدَ إِلَى الدُّنْيَا، وَتَحَسَّرُوا عَلَى تَصْدِيقِ آيَاتِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي قد جاءتك أيها العبد النادم آيَاتِي فِي الدَّارِ الدُّنْيَا وَقَامَتْ حُجَجِي عَلَيْكَ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ عَنِ اتِّبَاعِهَا وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهَا الْجَاحِدِينَ لَهَا.
следующие страницы →