← Тафсир

Тафсир · id 21549

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي الصابوني

Полный текст (3 637 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

- ٣٣ - كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ - ٣٤ - إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَاّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ - ٣٥ - نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ - ٣٦ - وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ - ٣٧ - وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ - ٣٨ - وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ - ٣٩ - فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ - ٤٠ - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ

стр. 3117

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ ﴿لُوطٍ﴾ كَيْفَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ وَخَالَفُوهُ وَارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهُ مِنْ إِتْيَانِ الذُّكُورِ وَهِيَ ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، وَلِهَذَا أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ هَلَاكًا لَمْ يُهْلِكْهُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ جِبْرِيلَ ﵇ فَحَمَلَ مَدَائِنَهُمْ حَتَّى وَصَلَ بِهَا إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَرْسَلَهَا وَأُتْبِعَتْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ، ولهذا قال ههنا: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ وَهِيَ الْحِجَارَةُ ﴿إِلَاّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ أَيْ خَرَجُوا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَنَجَوْا مِمَّا أَصَابَ قَوْمَهُمْ، وَلَمْ يؤمن بلوط من قومه أحد، حَتَّى وَلَا امْرَأَتُهُ أَصَابَهَا مَا أَصَابَ قَوْمَهَا، وخرج نبي الله لوط من بين أظهرهم سالماً لم يمسه سُوءٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ أَيْ وَلَقَدْ كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ، قَدْ أَنْذَرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ، فَمَا الْتَفَتُوا إِلَى ذَلِكَ وَلَا أَصْغَوْا إِلَيْهِ، بَلْ شَكُّوا فِيهِ وَتَمَارَوْا بِهِ ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ وَذَلِكَ لَيْلَةَ وَرَدَ عليه الملائكة في صور شَبَابٍ مُرْدٍ حِسَانٍ، مِحْنَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، فَأَضَافَهُمْ لُوطٌ ﵇، وَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ الْعَجُوزُ السُّوءُ إِلَى قَوْمِهَا، فَأَعْلَمَتْهُمْ بِأَضْيَافِ لُوطٍ فَأَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِن كُلِّ مَكَانٍ، فَأَغْلَقَ لُوطٌ دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، ولوط ﵈ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحَالُ وَأَبَوْا إِلَّا الدُّخُولَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ (جِبْرِيلُ) ﵇ فَضَرَبَ أَعْيُنَهُمْ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ، فَانْطَمَسَتْ أَعْيُنُهُمْ، يُقَالُ إِنَّهَا غَارَتْ مِنْ وجوههم، وقيل: إنه لم يبق لَهُمْ عُيُونٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَرَجَعُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ يَتَحَسَّسُونَ بِالْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ لُوطًا ﵇ إِلَى الصَّبَاحِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ لَهُمْ مِنْهُ ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾.

стр. 3118

- ٤١ - وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ - ٤٢ - كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ - ٤٣ - أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ - ٤٤ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ - ٤٥ - سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ - ٤٦ - بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنهم جاءهم رسول (موسى) وأخوه (هارون) وَأَيَّدَهُمَا بِمُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةٍ وَآيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَذَّبُوا بِهَا كُلِّهَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، أَيْ فأبادهم الله ولم يبق منهم عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ يَعْنِي مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذكرهم، ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، أأنتم خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ؟ ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أَيْ أَمْ مَعَكُمْ مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ، أن لا ينالكم عذاب ولا نكال، ثم قال تعالى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ أي يعتقدون أن جَمْعَهُمْ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أَيْ سيتفرق شملهم ويغلبون، روى البخاري، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تعبد بعد اليوم في الأرض أَبَدًا» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى وأمر﴾ (أخرجه البخاري والنسائي)، وروى

стр. 3119

ابن أبي حاتم، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ قَالَ عُمَرُ: أَيُّ جَمْعٍ يُهْزَمُ؟ أَيُّ جَمْعٍ يُغْلَبُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدبر» فعرفت تأويلها يومئذٍ (أخرجه ابن أبي حاتم).

стр. 3120

- ٤٧ - إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ - ٤٨ - يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ - ٤٩ - إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ - ٥٠ - وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ - ٥١ - وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ - ٥٢ - وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ - ٥٣ - وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ - ٥٤ - إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - ٥٥ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ يُخْبِرُنَا تَعَالَى عَنِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُمْ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ ﴿وسُعُر﴾ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشُّكُوكِ وَالِاضْطِرَابِ فِي الْآرَاءِ، وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِنْ كَافِرٍ ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أَيْ كَمَا كَانُوا فِي سُعُرٍ وَشَكٍّ وَتَرَدُّدٍ أَوْرَثَهُمْ ذلك النار، وَيُقَالُ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، كَقَوْلِهِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، وكقوله تعالى ﴿والذي قَدَّرَ فهدى﴾ أَيْ قَدَّرَ قَدَرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ، عَلَى إِثْبَاتِ قَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لِخَلْقِهِ، وَهُوَ عِلْمُهُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَكِتَابَتُهُ لَهَا قَبْلَ بُرْئِهَا، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها عَلَى الْفِرْقَةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ نَبَغُوا فِي أَوَاخِرِ عصر الصحابة، روى أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ على وجوههم ذوقوا عذاب مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (أخرجه مسلم وأحمد والترمذي). وعن عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عباس وهو ينتزع مِنْ زَمْزَمَ وَقَدِ ابْتَلَّتْ أَسَافِلُ ثِيَابِهِ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تُكِلِّمَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ: ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أُولَئِكَ أشرار هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ، إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عينيه بأصبعي هاتين (أخرجه ابن أبي حاتم). وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ، وَمَجُوسُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تشهدوهم» (أخرجه الإمام أحمد). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (رواه مسلم وأحمد عن ابن عمر مرفوعاً). وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". وروى الإمام أحمد، عن الوليد بن عبادة قال: دخلت

стр. 3121

عَلَى عُبَادَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلَ فِيهِ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي، فَقَالَ: أَجْلِسُونِي، فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لن تطعم الإيمان ولن تَبْلُغْ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ وَشَرُّهُ؟ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ يصيبك، وما أصابك لم يكن يخطئك، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فجرى في تلك الساعة مما هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، يَا بُنَيَّ إِنْ مُتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ (أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب). وقد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إن الله كتب مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء﴾ (أخرجه مسلم والترمذي). وقوله تعالى: ﴿وما أَمْرُنَآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ كلمح البصر﴾ وهذا إِخْبَارٌ عَنْ نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ، كَمَا أَخْبَرَ بِنُفُوذِ قَدَرِهِ فِيهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَاّ وَاحِدَةٌ﴾ أَيْ إِنَّمَا نَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَا نَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ بِثَانِيَةٍ، فَيَكُونُ ذلك مَوْجُودًا كَلَمْحِ الْبَصَرِ لَا يَتَأَخَّرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْراً فَإِنَّمَا * يَقُولُ لَهُ: كن - قولة - فيكونوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ يَعْنِي أَمْثَالَكُمْ وَسَلَفَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾؟ أَيْ فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ بِمَا أَخْزَى اللَّهُ أُولَئِكَ، وقدَّر لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قبل﴾، وقوله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أَيْ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ ﵈، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أَيْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ﴿مُّسْتَطَرٌ﴾ أَيْ مَجْمُوعٌ عَلَيْهِمْ وَمُسَطَّرٌ فِي صَحَائِفِهِمْ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا، وقد روى الإمام أحمد، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا من الله طالباً» (أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أَيْ بِعَكْسِ مَا الْأَشْقِيَاءُ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالسُّعْرِ، وَالسَّحْبِ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، مَعَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ والتهديد، وقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أَيْ فِي دَارِ كَرَامَةِ الله ورضوانه، وفضله وامتنانه، ووجوده وَإِحْسَانِهِ ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ أَيْ عِنْدَ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ، الْخَالِقِ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَمُقَدِّرِهَا، وَهُوَ مُقْتَدِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ مِمَّا يَطْلُبُونَ وَيُرِيدُونَ، وَقَدْ روى الإمام أحمد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قال: «المقسطون عند الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وأهليهم وما ولوا» (أخرجه مسلم وأحمد والنسائي).

стр. 3122

- ٥٥ - سورة الرحمن

стр. 3123

روى الترمذي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تكذبان﴾ قالوا: لاشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (أخرجه الترمذي ورواه الحافظ البزار وابن جرير بنحوه).

стр. 3124

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3125

- ١ - الرَّحْمَنُ - ٢ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ - ٣ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ - ٤ - عَلَّمَهُ الْبَيَانَ - ٥ - الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ - ٦ - وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ - ٧ - وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ - ٨ - أَلَاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ - ٩ - وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ - ١٠ - وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ - ١١ - فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ - ١٢ - وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ - ١٣ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَادِهِ الْقُرْآنَ، وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وفهمه على من رحمه، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال الحسن: يعني النطق، وقال الضحاك: يعني الخير والشر، وقول الحسن ههنا أَحْسَنُ وَأَقْوَى، لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي تَعْلِيمِهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ وَهُوَ أَدَاءُ تِلَاوَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَيْسِيرِ النُّطْقِ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَسْهِيلِ خُرُوجِ الْحُرُوفِ من مواضعها، على اختلاف مخارجها وأنواعها، وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أَيْ يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنَ بِحِسَابٍ مُقَنَّنٍ، لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ اختلف المفسرون

стр. 3126

في معنى قوله ﴿والنجم﴾؛ فروي عن ابن عباس ﴿النَّجْمُ﴾ مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، يَعْنِي من النبات (وهو قول سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري واختاره ابن جرير)، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يَعْنِي الْعَدْلَ، كَمَا قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ وهكذا قال ههنا: ﴿أَلَاّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ﴾ أَيْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، لِتَكُونَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالْحَقِّ والعدل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ أَيْ لَا تَبْخَسُوا الْوَزْنَ بَلْ زِنُوا بِالْحَقِّ وَالْقِسْطِ، كما قال تعالى: ﴿وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم﴾. وقوله تعالى: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ أي السماء أرساها بالجبال الشامخات، لتستقر بما عَلَى وَجْهِهَا مِنَ الْأَنَامِ، وَهُمُ الْخَلَائِقُ الْمُخْتَلِفَةُ أنواعهم وأشكالهم وألوانهم فِي سَائِرِ أَقْطَارِهَا وَأَرْجَائِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ومجاهد وقتادة: الْأَنَامُ: الْخَلْقُ، ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَنَفْعِهِ رَطْبًا وَيَابِسًا، وَالْأَكْمَامُ: قَالَ ابْنُ عباس: هي أوعية الطلع، وَهُوَ الَّذِي يَطْلُعُ فِيهِ الْقِنْوُ، ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ الْعُنْقُودِ فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه، وَقِيلَ الْأَكْمَامُ رُفَاتُهَا، وَهُوَ اللِّيفُ الَّذِي عَلَى عُنُقِ النَّخْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ، ﴿وَالْحَبُّ ذُو العصف والريحان﴾ قال ابن عباس: ﴿ذُو العصف﴾ يعني التبن، وعنه: العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفَ إِذَا يَبِسَ، وَكَذَا قَالَ قتادة والضحاك: عصفة: تبنه، وقال ابن عباس ومجاهد: وَالرَّيْحَانُ يَعْنِي الْوَرَقَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ رَيْحَانُكُمْ هذا، وَمَعْنَى هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحَبَّ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا، لَهُ فِي حَالِ نَبَاتِهِ عَصْفٌ وَهُوَ مَا عَلَى السُّنْبُلَةِ، وَرَيْحَانٌ وَهُوَ الْوَرَقُ الْمُلْتَفُّ عَلَى سَاقِهَا، وَقِيلَ: الْعَصْفُ الْوَرَقُ أَوَّلَ مَا يُنْبِتُ الزَّرْعُ بَقْلًا، وَالرَّيْحَانُ الْوَرَقُ يَعْنِي إِذَا أَدْجَنَ وَانْعَقَدَ فِيهِ الْحَبُّ، كَمَا قَالَ زيد بن عمرو ابن نُفَيْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الْحَبَّ فِي الثَّرَى * فَيُصْبِحُ مِنْهُ الْبَقْلُ يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رؤوسه * فَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أَيْ فَبِأَيِّ الْآلَاءِ يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ تُكَذِّبَانِ؟ أَيِ النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ كما قالت الجن: «اللَّهُمَّ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ» وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا بِأَيِّهَا يَا رَبِّ، أَيْ لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ منها.

стр. 3127

- ١٤ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ - ١٥ - وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ - ١٦ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ١٧ - رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ - ١٨ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ١٩ - مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ - ٢٠ - بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَاّ يَبْغِيَانِ - ٢١ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٢٢ - يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ والمرجان - ٢٣ - فَبِأَيِّ آلاء

стр. 3128

رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٢٤ - وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ - ٢٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَذْكُرُ تَعَالَى خَلْقَهُ الْإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلْقَهُ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ طَرَفُ لَهَبِهَا، قاله ابن عباس (وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد)، وعنه: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ مِنْ لَهَبِ النَّارِ مِنْ أَحْسَنِهَا، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَّارٍ﴾ مِنْ خَالِصِ النَّارِ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ والضحَّاك وغيرهم، وروى الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُلِقت الملائكةُ مِنْ نُورٍ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخَلَقَ آدَمُ مِمَّا وصف لكم» (أخرجه مسلم والإمام أحمد). وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يَعْنِي مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، ومغربي الصيف والشتاء، وقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ وَذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَطَالِعِ الشَّمْسِ وَتَنَقُّلِهَا فِي كُلِّ يوم وبروزها منه إلى الناس، وقال: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فاتخذوه وكيلاً﴾، والمراد مِنْهُ جِنْسُ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَلَمَّا كَانَ فِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَصَالِحُ لِلْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ أَرْسَلَهُمَا، وَقَوْلُهُ ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَيْ مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا بِمَا جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَرْزَخِ الْحَاجِزِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾: الْمِلْحُ وَالْحُلْوُ، فَالْحُلْوُ هذه الأنهار السارحة بين الناس (تقدم الكلام على هذا في سورة الفرقان)؛ وقد اختار ابن جرير: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ بَحْرَ السَّمَاءِ، وَبَحْرَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ اللُّؤْلُؤَ يَتَوَلَّدُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَأَصْدَافِ بحر الأرض، وهذا لا يساعده اللفظ، فإنه قَدْ قَالَ ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَاّ يَبْغِيَانِ﴾ أَيْ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَهُوَ الْحَاجِزُ مِنَ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَبْغِيَ هَذَا عَلَى هَذَا وَهَذَا عَلَى هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً. وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أَيْ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا، فإذا وجد ذلك من أحدهما كَفَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ منكم﴾؟ وَالرُّسُلُ إِنَّمَا كَانُوا فِي الْإِنْسِ خَاصَّةً دُونَ الْجِنِّ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا الْإِطْلَاقُ. وَاللُّؤْلُؤُ مَعْرُوفٌ، وَأَمَّا الْمَرْجَانُ فَقِيلَ: هُوَ صِغَارُ اللُّؤْلُؤِ (قَالَهُ مجاهد وقتادة والضحّاك)، وَقِيلَ: كِبَارُهُ وَجَيِّدُهُ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بعض السلف (منهم الربيع بن أنَس وابن عباس وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ)، وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ أحمر اللون، قال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِن كلٍ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حلية تلبسونها﴾، فَاللَّحْمُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْأُجَاجِ وَالْعَذْبِ، وَالْحَلِيَّةُ إنما هي من المالح دُونَ الْعَذْبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَقَطَتْ قَطُّ قَطْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ في صدفة إلا صار منها لؤلؤة، وَلَمَّا كَانَ اتِّخَاذُ هَذِهِ الْحِلْيَةِ نِعْمَةً عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ امْتَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يَعْنِي السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا رَفَعَ قَلْعَهُ من السفن فهي منشآت وما لم يرفع قلعه فليس بمنشآت. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُنْشَآتُ يَعْنِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: المنشِئات بكسر الشين

стр. 3129

يَعْنِي الْبَادِئَاتِ، ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أَيْ كَالْجِبَالِ فِي كِبَرِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، مِمَّا فيه صلاح الناس فِي جَلْبِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ عن عمرة بن سويد قَالَ: "كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِذْ أَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مَرْفُوعٌ شِرَاعُهَا فَبَسَطَ عليٌّ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَلَهُ الجوار الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ وَالَّذِي أَنْشَأَهَا تَجْرِي في بِحَوَرِهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَلَا مَالَأْتُ عَلَى قتله" (أخرجه ابن أبي حاتم).

стр. 3130

- ٢٦ - كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - ٢٧ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ - ٢٨ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٢٩ - يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ - ٣٠ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ سَيَذْهَبُونَ وَيَمُوتُونَ أَجْمَعُونَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ إِلَاّ مَن شَآءَ اللَّهُ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ سِوَى وَجْهِهِ الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا، قَالَ قَتَادَةُ: أَنْبَأَ بِمَا خَلَقَ، ثُمَّ أَنْبَأَ أَنَّ ذلك كله فانٍ، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ، أصلح لنا شئننا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَرَأْتَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فَلَا تَسْكُتْ حَتَّى تَقْرَأَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾، وَقَدْ نَعَتَ تَعَالَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أَيْ هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجل فَلَا يُعصى، وَأَنْ يُطاع فلا يُخالف، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجهه﴾، وكقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذُو العظمة والكبرياء، ولما أخبر تعالى عَنْ تَسَاوِي أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ فِي الْوَفَاةِ، وَأَنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ، قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ غِنَاهُ عما سواه، وافتقار الخلائق إليه وَأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ، وَأَنَّهُ كُلَّ يوم هو في شأن، قال الأعمش: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُجِيبَ دَاعِيًا أَوْ يُعْطِيَ سَائِلًا، أَوْ يَفُكَّ عَانِيًا أَوْ يَشْفِيَ سَقِيمًا، وقال مجاهد: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا، وَيَغْفِرُ ذَنْبًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي حَيًّا وَيُمِيتُ مَيِّتًا، وَيُرَبِّي صَغِيرًا وَيَفُكُّ أَسِيرًا، وَهُوَ منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم، وروى ابن جرير عن منيب الأزدي قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ الشَّأْنُ؟ قَالَ: «أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، ويرفع قوماً ويضع آخرين» (أخرجه ابن جرير مرفوعاً ورواه البخاري موقوفاً من كلام أبي الدرداء). وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ قَلَمُهُ نور، وكتابه نور، وعرضه مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يوم ثلثمائة وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ، وَيُحْيِي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء (أخرجه ابن جرير).

стр. 3131

- ٣١ - سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ - ٣٢ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٣٣ - يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَاّ بِسُلْطَانٍ - ٣٤ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٣٥ - يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ - ٣٦ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قَالَ ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ قَالَ: وَعِيدٌ مِنَ الله تعالى للعباد، وليس بالله شغل وهو فارغ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ دَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغٌ لِخَلْقِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أَيْ سَنَقْضِي لَكُمْ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: سَنُحَاسِبُكُمْ لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ العرب، يقال: لأفرغنّ لَكَ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ يَقُولُ: لَآخُذَنَّكَ عَلَى غرتك، وقوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ الثَّقَلَانِ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ كَمَا جَاءَ في الصحيح: «يسمعه كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِلَّا الإنس والجن»، وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: «الثَّقَلَانِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ» ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَاّ بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ لَا تَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُمْ لَا تقدرون على التخلص من حكمه، أَيْنَمَا ذَهَبْتُمْ أُحِيطَ بِكُمْ، وَهَذَا فِي مَقَامِ الحشر، الْمَلَائِكَةُ مُحْدِقَةٌ بِالْخَلَائِقِ سَبْعَ صُفُوفٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الذَّهَابِ ﴿إِلَاّ بِسُلْطَانٍ﴾ أَيْ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ، ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أين المفر﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿يُرسلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ قال ابن عباس: الشواظ هو لهب النار، وعنه: الشواظ الدخان، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ سَيْلٌ مِنْ نار، وقوله تعالى: ﴿ونحاس﴾ قال ابن عباس: دخان النار، وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً. روى الطبراني عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الشُّوَاظِ فَقَالَ: هُوَ اللَّهَبُ الَّذِي لَا دُخَانَ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ شَاهِدًا عَلَى ذلك من اللغة، فأنشده بيت أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي حَسَّانَ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ حسانَ عَنِّي * مُغَلْغلة تَدِبُّ إِلَى عُكَاظِ أَلَيْسَ أَبُوكَ فِينَا كَانَ قَيْنًا * لَدَى الْقَيْنَاتِ فَسْلا فِي الحِفاظ يَمَانِيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كيراً * وينفخ دائباً لهب الشواظ (معنى مغلغلة: أي رسالة، قين: أي عبد، فَسْل: أي ضعيف عابر). قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا النُّحَاسُ؟ قَالَ: هُوَ الدُّخَانُ الَّذِي لَا لَهَبَ لَهُ، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا سَمِعْتَ نَابِغَةَ بَنِي ذبيان يقول: يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِي * طِ لَّمْ يَجْعَلِ الله فيه نحاساً (رواه الطبراني عن الضحّاك عن نافع بن الأزرق). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النُّحَاسُ الصُّفَّرُ يُذَابُ فَيُصَبُّ عَلَى رؤوسهم، والمعنى: لَوْ ذَهَبْتُمْ هَارِبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَدَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالزَّبَانِيَةُ بِإِرْسَالِ اللَّهَبِ مِنَ النَّارِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ عَلَيْكُمْ لِتَرْجِعُوا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟

стр. 3132

- ٣٧ - فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ - ٣٨ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٣٩ - فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ - ٤٠ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٤١ - يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ - ٤٢ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٤٣ - هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ - ٤٤ - يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ - ٤٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا دَلَّتْ عليه الآيات الواردة في معناها، كقوله تعالى: ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهية﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ أَيْ تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدُّردِي (الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالشراب والأدهان) وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ القيامة العظيم. عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُبْعَثُ النَّاسُ يوم القيامة والسماء تطش عليهم» (رواه الإمام أحمد من حديث أنَس بن مالك) قال الجوهري: الطش المطر الضعيف، وقال ابن عباس: ﴿وَرْدَةً كالدهان﴾ كالأديم الأحمر، وعنه كالفرس الورد، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَالْبِرْذَوْنِ الْوَرِدِ، ثُمَّ كَانَتْ بعد كالدهان، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَكُونُ أَلْوَانًا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ، وَقَالَ عَطَاءٌ الخُراساني: كَلَوْنِ دُهْنِ الْوَرْدِ فِي الصُّفْرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ ويومئذٍِ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذِي أَلْوَانٍ، وَقَالَ أَبُو الجوزاء، في صفاء الدهن، وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهان الذَّائِبِ، وَذَلِكَ حِينَ يُصِيبُهَا حَرُّ جَهَنَّمَ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾، وهذه كقوله تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فهذا في حال، و «ثَمَّ» في حال، يسأل الخلائق عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، ولهذا قَالَ قَتَادَةُ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ﴾، قَالَ: قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يعملون، قال ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عملتم كذا وكذا، فهذا قَوْلٌ ثَانٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا وَيُلْقَوْنَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أَيْ بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الحسن وقتادة: يعرفون بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ، (قُلْتُ): وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. وقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي يجمع الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كذلك، وقال ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ

стр. 3133

فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بقدمه ويفتل ظهره، وقوله تَعَالَى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أَيْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا، هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تقريعاً وتوبيخاً وتحقيراً، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ تَارَةً يعذبون في الحجيم، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إن﴾ أي حار قد بلغ الغاية في الحرارة قال ابن عباس: قد انتهى غليه واشتد حرّه، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فَيُحَرَّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ، حَتَّى يَذُوبَ اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ، وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النار يسجرون﴾ فَقَوْلُهُ ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أَيْ حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا، وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ، وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ من فضله ورحمته، وكان إنذاره لهم عن عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ، مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ من الشرك والمعاصي، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تكذبان﴾؟

стр. 3134

- ٤٦ - وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ - ٤٧ - فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٤٨ - ذَوَاتَا أَفْنَانٍ - ٤٩ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٥٠ - فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ - ٥١ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٥٢ - فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ - ٥٣ - فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قال عطاء الخُرساني: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ في أبي بكر الصديق، وقال عطية بن قيس: نَزَلَتْ فِي الَّذِي قَالَ: أَحْرِقُونِي بِالنَّارِ لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ، قَالَ تَابَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا فَقَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ وَأَدْخَلَهُ الجنة (رواه ابن أبي حاتم)، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ كَمَا قَالَهُ ابن عباس وغيره، يقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَنَهَى النفس عَنِ الهوى﴾ ولم يطع ولا آثر الحياة الدُّنْيَا، وَعَلِمَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَأَدَّى فَرَائِضَ اللَّهِ وَاجْتَنَبَ مَحَارِمَهُ، فَلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عند ربه جنتان، كما روى البخاري ﵀: عن عبد الله بن قيس، أن رسول الله ﷺ قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عدن» (أخرجه البخاري وبقية أفراد الجماعة إلا أبا داود)، وقال حَمَّادٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ فِي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ ربه جنتان﴾، وفي قوله: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ وَرِقٍ لأصحاب اليمين. وقال عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «وَإِنْ ... رَغِمَ أَنْفُ أبي الدرداء» (رواه النسائي مرفوعاً وموقوفاً)، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَهِيَ من أدل

стр. 3135

دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِذَا آمَنُوا وَاتَّقَوْا، وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِهَذَا الْجَزَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثُمَّ نَعَتَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ: ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ أَيْ أَغْصَانٍ نَضِرَةٍ حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نضيجة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ هَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ الْأَفْنَانَ أَغْصَانُ الشَّجَرِ يَمَسُّ بَعْضُهَا بعضاً، وقال عكرمة ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ يَقُولُ: ظِلُّ الْأَغْصَانِ عَلَى الْحِيطَانِ، ألم تسمع قول الشاعر: مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامَةٍ * تَدْعُو على فنن الغصون حماما وعن ابن عباس ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾: ذواتا ألوان، ومعنى هذا القول أن فيهما مِنَ الْمَلَاذِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كُلُّ غُصْنٍ يَجْمَعُ فُنُونًا مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ وَاسِعَتَا الْفِنَاءِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا والله أعلم، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَقَالَ: «يَسِيرُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا الرَّاكِبُ مِائَةَ سَنَةٍ - أَوْ قَالَ يَسْتَظِلُّ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِائَةُ رَاكِبٍ - فِيهَا فِرَاشُ الذَّهَبِ كأن ثمرها القلال» (أخرجه الترمذي في سننه) ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أَيْ تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا تَسْنِيمٌ، وَالْأُخْرَى السَّلْسَبِيلُ، وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِحْدَاهُمَا مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا فِي الدُّنْيَا ثَمَرَةٌ حُلْوَةٌ ولا مرة إلا وهي في الجنة، وليس فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، يَعْنِي أَنَّ بَيْنَ ذَلِكَ بَوْنًا عَظِيمًا وَفَرْقًا بَيِّنًا فِي التَّفَاضُلِ.

стр. 3136

- ٥٤ - مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ - ٥٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٥٦ - فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ - ٥٧ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٥٨ - كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ - ٥٩ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٦٠ - هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ - ٦١ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، يَعْنِي أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَالْمُرَادُ بالاتكاء ههنا الاضجاع، ويقال: الجلوس على صفة التربيع ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ مَا غلظ من الديباج، وقيل: هو الديباج المزيّن بِالذَّهَبِ، فَنَبَّهَ عَلَى شَرَفِ الظِّهَارَةِ بِشَرَفِ الْبِطَانَةِ، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ قال مالك بن دنيار: بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ، وَقَالَ الثوري: بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنْ نُورٍ جَامِدٍ، وقال القاسم ابن مُحَمَّدٍ: بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَوَاهِرُهَا مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿وَجَنَى الجنتين دَانٍ﴾ أي ثمرهما قَرِيبٌ إِلَيْهِمْ مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ، عَلَى أَيِّ صفة كانوا كما قال تعالى: ﴿قطوفها دانية﴾، وَقَالَ: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ اي لا تمتنع مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فِيهِنَّ﴾ أَيْ فِي الْفُرُشِ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أَيْ غَضِيضَاتٌ عَنْ غَيْرِ

стр. 3137

أزواجهن، فلا يرين شيئاً في الجنة أحسن من أزواجهن، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ تَقُولُ لِبَعْلِهَا: وَاللَّهِ مَا أَرَى فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْكَ، وَلَا فِي الْجَنَّةِ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكَ لِي وَجَعَلَنِي لَكَ، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ أَيْ بَلْ هُنَّ أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهَذِهِ أَيْضًا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى دُخُولِ مُؤْمِنِي الجن الجنة، سُئِلَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ هَلْ يَدْخُلُ الْجِنُّ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَنْكِحُونَ، لِلْجِنِّ جِنِّيَّاتٌ وَلِلْإِنْسِ إِنْسِيَّاتٌ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ثُمَّ قَالَ يَنْعَتُهُنَّ لِلْخُطَّابِ ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قَالَ مجاهد والحسن: فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ، فَجَعَلُوا الْمَرْجَانَ ههنا اللؤلؤ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إن المرأة من نساء الْجَنَّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حلة من حرير حتى يرى مخها» وذلك قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ من ورائه" (رواه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصح). وروى الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثياب» (تفرد به الإمام أحمد) وعن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تذاكروا، الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمِ النِّسَاءُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تليها على ضوء كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زوجتان اثنتان يرى مخ ساقها مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ؟» (الحديث مخرج في الصحيحين). وروى الإمام أحمد، عَنْ أنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ولقاب قوس أحدهم أو موضع قده - يَعْنِي سَوْطَهُ - مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَطَابَ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خير من الدنيا وما فيها» (أخرجه أحمد ورواه البخاري بنحوه). وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلَاّ الإحسان﴾ أي ليس لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. روى البغوي، عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ، قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلَاّ الإحسان﴾ وقال: «هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة»؟ (ذكره البغوي من حديث أنَس بن مالك) وَلَمَّا كَانَ فِي الَّذِي ذُكِرَ نِعَمٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَاوِمُهَا عَمَلٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ وَامْتِنَانٍ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تكذبان﴾؟

стр. 3138

- ٦٢ - وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ - ٦٣ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٦٤ - مُدْهَامَّتَانِ - ٦٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٦٦ - فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ - ٦٧ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٦٨ - فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ - ٦٩ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٧٠ - فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ - ٧١ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٧٢ - حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ

стр. 3139

- ٧٣ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٧٤ - لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ - ٧٥ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٧٦ - مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ - ٧٧ - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - ٧٨ - تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ هَاتَانِ الْجَنَّتَانِ دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا». فَالْأُولَيَانِ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَالْأُخْرَيَانِ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ من دونهما في الدرجة، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ دُونِهِمَا فِي الْفَضْلِ؛ ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ أي سوداوان من شدة الري من الماء، قال ابن عباس ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ قَدِ اسْوَدَّتَا مِنَ الْخُضْرَةِ مِنْ شِدَّةِ الري من الماء، وعنه ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ قال: خضروان. وقال محمد بن كعب: ممتلئتان من الخضرة، وقال قتادة: خضروان مِنَ الرِّيِّ نَاعِمَتَانِ، وَلَا شَكَّ فِي نَضَارَةِ الأغصان على الأشجار المشتبكة بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تجريان﴾ وقال ههنا: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ فَيَّاضَتَانِ وَالْجَرْيُ أَقْوَى مِنَ النضخ، وقال الضحّاك ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي ممتلئتان ولا تَنْقَطِعَانِ، وَقَالَ هُنَاكَ: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ وقال ههنا ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُولَى أَعَمُّ وَأَكْثَرُ فِي الْأَفْرَادِ وَالتَّنْوِيعِ عَلَى ﴿فَاكِهَةٌ﴾ وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا تعم، ولهذا ليس في قَوْلُهُ: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، كَمَا قَرَّرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: جَاءَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَفِي الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ»، قَالُوا: أَفَيَأْكَلُونَ كَمَا يَأْكُلُونَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَضْعَافٌ»، قَالُوا: فَيَقْضُونَ الْحَوَائِجَ؟ قَالَ: «لَا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب ما في بطونهم من أذى» (أخرجه عبد الحميد في مسنده). وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَخْلُ الْجَنَّةِ سَعَفُهَا كُسْوَةٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتُهُمْ وَمِنْهَا حُلَلُهُمْ، وورقها ذهب أحمر، وجذوعها زمرد أخضر، وتمرها أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَلَيْسَ له عجم». وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخِدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَظَرْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب» (أخرجهما ابن أبي حاتم)، ثُمَّ قَالَ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ فِي الْجَنَّةِ قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقِيلَ: ﴿خَيْرَاتٌ﴾ جَمْعُ خَيِّرَةٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الحسنة الخلق الحسنة الوجه قاله الجمهور، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي سَنُورِدُهُ فِي سُورَةِ الواقعة إن شاء الله أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ: «نَحْنُ الخيِّرات الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ» وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ثُمَّ قَالَ ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، وَهُنَاكَ قَالَ: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّتِي قَدْ قَصَرَتْ طَرْفَهَا بِنَفْسِهَا أَفْضَلُ مِمَّنْ قُصِرت وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مُخَدَّرَاتٍ، قَالَ ابْنُ أبي حاتم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ خَيِّرَةً وَلِكُلِّ

стр. 3140

خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، تدخل عليه كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ وَكَرَامَةٌ وَهَدِيَّةٌ، لَمْ تَكُنْ قبل ذلك لا مرحات ولا طمحات، ولا بخرات، ولا زفرات، حور عين كأنها بيض مكنون. وقوله تعالى: ﴿فِي الخيام﴾ قال البخاري، عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المؤمنون»، ورواه مسلم بلفظ: «إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلٌ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بعضاً». وقال ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء قال: لُؤْلُؤَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا سَبْعُونَ بَابًا مِنْ دُرٍّ (أخرجه ابن أبي حاتم). وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام﴾ قال: خِيَامِ اللُّؤْلُؤِ، وَفِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ لؤلؤة واحدة أربع فراسخ في أربع فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب (أخرجه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ)، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهب، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وياقوت كما بين الجابية وصنعاء» (أخرجه الترمذي في سننه). وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي وَصْفِ الْأَوَائِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفْرَفُ الْمَحَابِسُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وعكرمة هي المحابس، وَقَالَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني الوسائد وهو قول الحسن البصري، وقال سعيد بن جبير: الرفرف رياض الجنة، وقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ قال ابن عباس وَالسُّدِّيُّ: الْعَبْقَرِيُّ الزَّرَابِيُّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ عِتَاقُ الزَّرَابِيِّ يَعْنِي جِيَادَهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: العبقري الديباج. وسأل الحسن البصري عن قوله تعالى ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ فَقَالَ: هِيَ بُسُطُ أَهْلِ الْجَنَّةِ لا أباً لكم فاطلبوها، وقال أبو العالية: العبقري الطنافس المحملة إلى الرقة ما هي، وقال القيسي: كل ثوب موشّى عند العرب عبقري، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَصِفَةُ مَرَافِقِ أَهْلِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ هُنَاكَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، فَنَعَتَ بَطَائِنَ فُرُشِهِمْ وَسَكَتَ عَنْ ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن وَتَمَامُ الْخَاتِمَةِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾؟ فَوَصَفَ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَالنِّهَايَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ الإيمان، ثم الإحسان، فَهَذِهِ وُجُوهٌ عَدِيدَةٌ فِي تَفْضِيلِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ على هاتين الأخيرتين، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْوَهَّابَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْأُولَيَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أَيْ هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُجَلَّ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُكْرَمَ فَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذِي الْعَظَمَةِ والكبرياء. «أجلّوا الله يغفر لكم» (أخرجه الإمام أحمد). وفي الحديث الآخر: «أَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام» (رواه الترمذي). وفي رواية: «أَلِظُّوا بذي الجلال

стр. 3141

والإكرام» (رواه النسائي وأحمد). وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَلَظَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ إِذَا لَزِمَهُ، وقول ابن مسعود: ألظوا بياذا الجلال والإكرام: أي الزموا، يقال: الإلظاظ هو الإلحاح، وفي صحيح مسلم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَا يَقْعُدُ يعني بعد الصلاة إلا بقدر مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (أخرجه مسلم وأصحاب السنن).

стр. 3142

- ٥٦ - سورة الواقعة

стр. 3143

رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود بسنده عَنْ أَبِي ظَبْيَةَ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَعَادَهُ (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي، قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ لم تصبه فاقة أبداً» (رواه ابن عساكر وأبو يعلى، وقال بعده: فكان أبو ظبية لا يدعها). وروى أحمد عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كَنَحْوٍ مِنْ صَلَاتِكُمُ، الَّتِي تُصَلُّونَ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ كَانَتْ صَلَاتُهُ أَخَفَّ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يَقْرَأُ في الفجر الواقعة ونحوها من السور (رواه الإمام أحمد في المسند).

стр. 3144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3145

- ١ - إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ - ٢ - لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ - ٣ - خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ - ٤ - إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا - ٥ - وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً - ٦ - فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً - ٧ - وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً - ٨ - فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - ٩ - وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - ١٠ - وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - ١١ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - ١٢ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الْوَاقِعَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا كَمَا قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾ وقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أَيْ لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا، كَمَا قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾، وَقَالَ: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافع﴾، ومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ أي لابد أن تكون، وقال قتادة: لَّيْسَ فيها ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

стр. 3146

والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية، وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ أي تخفض أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ، وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَإِنْ كَانُوا في الدنيا وضعاء، وعن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ تخفض أقواماً وترفع آخرين، وقال عثمان بن سراقة: السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ، وَقَالَ السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين، وقوله تعالى: ﴿إِذاً رُجَّتِ الْأَرْضُ رجَّاً﴾ أَيْ حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عباس ومجاهد ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رجَّاً﴾ أَيْ زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَس: تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كرج الغربال بما فيه، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زلزالها﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ أَيْ فُتِّتَتْ فَتًّا، قَالَهُ ابن عباس ومجاهد، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ الله تعالى ﴿كثيباً مهيلاً﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: هَبَاءً مُنْبَثًّا كَرَهَجِ الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ فَلَا يَبْقَى منه شيء، وقال ابن عباس: الهباء الذي يطير من النار إذا اضرمت يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شيئاً، وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿هَبَاءً مُّنبَثّاً﴾ كيابس الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ القيامة، وذهابها وَنَسْفِهَا أَيْ قَلْعِهَا وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ أَيْ يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النار، وطائفة سابقون بين يديه وَهُمْ أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَهُمْ أَقَلُّ عدداً من أصحاب اليمين، لهذا قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ الآية وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كما تقدم بيانه، قال ابن عباس ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ قَالَ: هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ قَالَ: أَصْنَافًا ثَلَاثَةً، وقال مجاهد: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾ يَعْنِي فِرَقًا ثَلَاثَةً، وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: أفواجاً ثَلَاثَةً، اثْنَانِ فِي الْجَنَّةِ وَوَاحِدٌ فِي النَّارِ، قال مُجَاهِدٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ ﵈، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ، وَقَالَ ابْنُ سيرين ﴿والسابقون السابقون﴾ الذين صلوا إلى القبلتين، وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أَيْ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ، كَمَا أُمِرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾، وقال تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء

стр. 3147

والأرض﴾، فمن سابق في هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ وَكَمَا تَدِينُ تُدان، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وقال ابن أبي حاتم، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ؛ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو موقوفاً).

стр. 3148

- ١٣ - ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ - ١٤ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ - ١٥ - عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ - ١٦ - مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ - ١٧ - يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ - ١٨ - بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ - ١٩ - لَاّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ - ٢٠ - وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ - ٢١ - وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ - ٢٢ - وَحُورٌ عِينٌ - ٢٣ - كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ - ٢٤ - جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ - ٢٥ - لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً - ٢٦ - إِلَاّ قِيلاً سَلَاماً سَلَامًا يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ هؤلاء السابقين المقربين أَنَّهُمْ ﴿ثُلَّةٌ﴾ أَيْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين هذه الأمة، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القيامة»، ولم يحك غيره، وَمِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ شِقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، أَوْ شَطْرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتُقَاسِمُونَهُمُ النِّصْفَ الثَّانِي» (أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد). وهذا الذي اختاره ابن جرير فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرَّبُونَ فِي غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَابَلَ مَجْمُوعُ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أَيْ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ أَيْ مِنْ هَذِهِ الأمة، قال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أبي بَكْرٍ الْمُزَنِيُّ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فَقَالَ: أَمَّا السَّابِقُونَ فَقَدْ مَضَوْا، وَلَكِنِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أصحاب اليمين، ثم قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جنات النعيم * ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وعن محمد بن سيرين أنه قال في هذاه الْآيَةِ ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ أَوْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. ولاشك أَنَّ أَوَّلَ كُلِّ أُمَّةٍ خَيْرٌ مِنْ آخِرِهَا، فيحتمل أن تعم الآية جَمِيعَ الْأُمَمِ كُلُّ أُمَّةٍ بِحَسْبِهَا، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ

стр. 3149

قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (أخرجه الشيخان) الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخره» (أخرجه الإمام أحمد) فهذا الحديث مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كَمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلى أول الأمة في إبلاغه كَذَلِكَ هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْقَائِمِينَ بِهِ فِي أواخرها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إِلَى الْمَطَرِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمَطَرِ الثَّانِي، وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاجُ الزَّرْعِ إِلَيْهِ آكَدُ، فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ مَا نَبَتَ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَعَلَّقَ أَسَاسُهُ فِيهَا، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمتي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خالفهم إلى قيام الساعة» (أخرجاه في الصحيحين). وفي لفظ: «حتى يأتي أمر الله تعالى وَهُمْ كَذَلِكَ»، وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَالْمُقَرِّبُونَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَأَعْلَى مَنْزِلَةً لِشَرَفِ دِينِهَا وَعِظَمِ نَبِيِّهَا، وَلِهَذَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي لَفْظٍ: «مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا - وَفِي آخَرَ - مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ ألفاً»؛ وقد روى الحافظ الطبراني، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أما والذي نفسي بِيَدِهِ لَيُبْعَثَنَّ مِنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ زُمْرَةٌ جَمِيعُهَا يُحِيطُونَ الْأَرْضَ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لَمَا جَاءَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈» (أخرجه الحافظ الطبراني). وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ يَعْنِي مَنْسُوجَةٌ بِهِ (وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقتادة والضحّاك)، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَرْمُولَةٌ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ يسمى وَضِينُ النَّاقَةِ الَّذِي تَحْتَ بَطْنِهَا وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ مَضْفُورٌ وَكَذَلِكَ السُّرُرُ فِي الجنة مضفورة بالذهب واللاليء. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ وُجُوهٌ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لَيْسَ أَحَدٌ وَرَاءَ أَحَدٍ، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أَيْ مُخَلَّدُونَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لا يَشِيبُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أَمَّا الْأَكْوَابُ فَهِيَ الْكِيزَانُ الَّتِي لَا خَرَاطِيمَ لَهَا وَلَا آذَانَ، وَالْأَبَارِيقُ الَّتِي جَمَعَتِ الوصفين، والكؤوس الْهَنَابَاتُ وَالْجَمِيعُ مِنْ خَمْرٍ مِنْ عَيْنٍ جَارِيَةٍ مَعِينٍ، لَيْسَ مِنْ أَوْعِيَةٍ تَنْقَطِعُ وَتُفْرَغُ بَلْ من عيون سارحة، وقوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ أَيْ لَا تصدع رؤوسهم وَلَا تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَعَ الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْخَمْرِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: «السكْر، وَالصُّدَاعُ، وَالْقَيْءُ، وَالْبَوْلُ» فَذَكَرَ اللَّهُ تعالى خَمْرَ الْجَنَّةِ وَنَزَّهَهَا عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، وَقَالَ مجاهد وعكرمة ﴿لَاّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا صُدَاعُ رَأْسٍ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾ أي لا تذهب بعقولهم، وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أَيْ وَيَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَتَخَيَّرُونَ مِنَ الثِّمَارِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ على صفة التخير لها، روى الطبراني عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَزَعَ ثمرة من الجنة عادت مكانها

стр. 3150

أُخرى» (أخرجه الحافظ الطبراني)، وقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ عَنْ أنَس قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ يَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ ناعمة، فقال: «آكلها أَنْعَمُ مِنْهَا - قَالَهَا ثَلَاثًا - وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تكون ممن يأكل منها» (أخرجه الإمام أحمد). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وذكر لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إني لأرى طيرها ناعماً كأهلها ناعمون، قال: «ومن يَأْكُلُهَا وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْعَمُ مِنْهَا وَإِنَّهَا لَأَمْثَالُ الْبُخْتِ وَإِنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أن تأكل منها يا أبا بكر». وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْكَوْثَرِ فَقَالَ: «نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا يَعْنِي كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ» فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» (أخرجه ابن أبي الدنيا، ورواه الترمذي). وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ فِي الْجَنَّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرُّ بين يديك مشوياً» (رواه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿وحورٌ عينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ بالرفع وتقديره: ولهم فيها حور عين، وقوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أَيْ كَأَنَّهُنَّ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ في بياضه وصفائه كما تقدم، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ هَذَا الَّذِي أَتْحَفْنَاهُمْ بِهِ مُجَازَاةً لَهُمْ عَلَى ما أحسنوا من العمل.

стр. 3151

- ٢٧ - وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابَ الْيَمِينِ - ٢٨ - فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ - ٢٩ - وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ - ٣٠ - وَظِلٍّ مَمْدُودٍ - ٣١ - وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ - ٣٢ - وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ - ٣٣ - لَاّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ - ٣٤ - وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ - ٣٥ - إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً - ٣٦ - فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً - ٣٧ - عُرُباً أَتْرَاباً - ٣٨ - لأَصْحَابِ الْيَمِينِ - ٣٩ - ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ - ٤٠ - وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَآلَ السَّابِقِينَ وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَهُمُ الْأَبْرَارُ، كَمَا قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: أصحاب اليمين منزلتهم دُونَ الْمُقَرَّبِينَ، فَقَالَ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ أي ما حَالُهُمْ وَكَيْفَ مَآلُهُمْ؟ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ، وَعَنِ ابْنِ عباس: هو الموقر بالثمر، وقال قتادة: كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ الْمُوقَرُ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا وَهَذَا، فَإِنَّ سِدْرَ الدُّنْيَا كَثِيرُ الشَّوْكِ قَلِيلُ الثَّمَرِ، وَفِي الآخرة على العكس مِنْ هَذَا لَا شَوْكَ فِيهِ، وَفِيهِ الثَّمَرُ الكثير الذي أثقل أصله، كما روى الحافظ أبو بكر النجار، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَنْفَعُنَا بِالْأَعْرَابِ وَمَسَائِلِهِمْ، قَالَ: أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً تُؤْذِي صَاحِبَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا هي؟» قال: السدر، فإن له شوكاً مؤذياً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أليس الله تعالى يَقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ خَضَدَ اللَّهُ شَوْكَهُ، فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً، فَإِنَّهَا لَتُنْبِتُ ثمراً

стр. 3152

تَفَتَّقُ الثَّمَرَةُ مِنْهَا عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ مَا فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ الْآخَرَ"، وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ الطَّلْحُ: شَجَرٌ عِظَامٌ يَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، مِنْ شَجَرِ الْعِضَاةِ وَاحِدَتُهُ طَلْحَةٌ، وَهُوَ شَجَرٌ كَثِيرُ الشَّوْكِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ لِبَعْضِ الْحُدَاةِ: بشَّرها دَلِيلُهَا وَقَالَا * غَدًا تَرَيْنَ الطلح والجبالا قال مُجَاهِدٌ ﴿مَّنضُودٍ﴾: أَيْ مُتَرَاكِمُ الثَّمَرِ، يُذَكِّرُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ وَجٍّ وَظِلَالِهِ من طلح وسدر، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالطَّلْحُ لُغَةٌ فِي الطَّلْعِ، (قُلْتُ) وَقَدْ رَوَى أن علياً يقول هذا الحرف في ﴿طلح مَّنضُودٍ﴾ قَالَ: طَلْعٌ مَنْضُودٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ صِفَةِ السِّدْرِ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مَخْضُودٌ وَهُوَ الَّذِي لَا شَوْكَ لَهُ، وَأَنَّ طَلْعَهُ منضود، وهو كثرة ثمره والله أعلم. وعن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ قال: الموز (وهو قول ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقتادة وغيرهم)، وأهل الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَوْزَ: الطَّلْحَ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ جرير غير هذا القول، وقوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ روى البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شجرة يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يقطعها، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ ممدود﴾ (رواه البخاري ومسلم). وقال الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا إن شئتم ﴿وظل ممدود﴾ (أخرجه أحمد ورواه الشيخان). وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضْمَرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يقطعها» (أخرجه الشيخان)، فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وآله وَسَلَّمَ بَلْ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ النُّقَّادِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَقُوَّةِ أَسَانِيدِهِ وَثِقَةِ رجاله. وقال الترمذي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا فِي الْجَنَّةِ شجرة إلا ساقها من ذهب» (أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب). وقال الضحّاك والسدي في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ لَا يَنْقَطِعُ لَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا حَرٌّ مِثْلُ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقَالَ ابن مسعود: الجنة سَجْسَج (سَجْسَج: أي لا حر ولا برد) كَمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وقد تقدمت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وظلها﴾، وقوله ﴿فِي ظِلَالٍ وعيون﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ قال الثوري: يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية، بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَاّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْفَوَاكِهِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الْأَلْوَانِ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ أَيْ يُشْبِهُ الشَّكْلُ الشَّكْلَ، وَلَكِنَّ الطَّعْمَ غَيْرُ الطَّعْمِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ

стр. 3153

في ذكر سدرة المنتهى: فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ وَنَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هجر، وروى الحافظ أبو يعلى، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذْ تَقَدَّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمْنَا مَعَهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ شَيْئًا لِيَأْخُذَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ الْيَوْمَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ، قَالَ: «إِنَّهُ عُرِضَتْ عليَّ الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ وَالنَّضْرَةِ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ لِآتِيَكُمْ بِهِ فَحِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا ينقص منه» (أخرجه الحافظ أبو يعلى وأخرجه مسلم بنحوه). وقوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ أَيْ لَا تَنْقَطِعُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا، بَلْ أُكُلُهَا دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا، مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ بقدرة الله شيء، وقال قَتَادَةُ: لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا عُودٌ وَلَا شَوْكٌ وَلَا بُعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ: «إِذَا تَنَاوَلَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى». وقوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي عالية وطيئة ناعمة، روى النسائي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: «ارْتِفَاعُهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام» (أخرجه النسائي والترمذي وقال: حسن غريب). وعن الْحَسَنِ: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قَالَ: ارْتِفَاعُ فِرَاشِ الرَّجُلِ من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة (أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري موقوفاً)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ جَرَى الضَّمِيرُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، لَكَنْ لَمَّا دَلَّ السِّيَاقُ وَهُوَ ذِكْرُ الْفُرُشِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يُضَاجِعْنَ فِيهَا اكْتَفَى بِذَلِكَ عن ذكرهَّن وعاد الضمير عليهن، قال الأخفش في قوله تعالى ﴿أنا أنشأهن﴾ أضمرهن ولم يذكرن قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذُكِرْنَ فِي قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾، فقوله تعالى: ﴿إنا أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ أي أعدناهن في النشأة الأُخرى بعد ما كُنَّ عَجَائِزَ رُمْصًا، صِرْنَ ﴿أَبْكَاراً عُرُباً﴾ أَيْ بعد الثيوبة عدن أبكاراً عرباً، مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْحَلَاوَةِ وَالظَّرَافَةِ وَالْمَلَاحَةِ، وَقَالَ بعضهم ﴿عُرُباً﴾ أي غنجات، عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً قَالَ: نِسَاءٌ عَجَائِزُ كنَّ فِي الدُّنْيَا عمشاً رمصاً" (أخرجه الترمذي وابن أبي حاتم وقال الترمذي: غريب). وعن سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالْأَبْكَارَ اللَّاتِي كُنَّ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: أَتَتْ عَجُوزٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادع الله تعالى أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ» قَالَ: فَوَلَّتْ تَبْكِي، قَالَ: أَخْبِرُوهَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا، وَهِيَ عَجُوزٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنشآء فجعلناهن أبكاراً﴾ (أخرجه التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ). وعن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ قَالَ: «حُورٌ» بِيضٌ «عِينٌ» ضِخَامُ الْعُيُونِ، شُفْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ قَالَ: «صَفَاؤُهُنَّ صَفَاءُ الدَّرِّ الَّذِي فِي الْأَصْدَافِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي» قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ قَالَ: «خَيِّرَاتُ الْأَخْلَاقِ حِسَانُ الْوُجُوهِ»، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ قال:

стр. 3154

«رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتَ فِي دَاخِلِ البيضة مما يلي القشر وهو الغرقيء» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ قَالَ: «هُنَّ اللَّوَاتِي قُبِضْنَ فِي الدار الدُّنْيَا عَجَائِزَ رُمْصًا شُمْطًا خَلَقَهُنَّ اللَّهُ بَعْدَ الْكِبَرِ، فَجَعَلَهُنَّ عَذَارَى عُرُبًا مُتَعَشِّقَاتٍ مُحَبَّبَاتٍ أَتْرَابًا عَلَى مِيلَادٍ وَاحِدٍ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ أَمِ الْحُورُ الْعِينِ؟ قَالَ: «بَلْ نِسَاءُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كَفَضْلِ الظِّهَارَةِ عَلَى الْبِطَانَةِ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: "بِصَلَاتِهِنَّ وَصِيَامِهِنَّ وَعِبَادَتِهِنَّ اللَّهَ ، أَلْبَسَ اللَّهُ وُجُوهَهُنَّ النُّورَ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرَ، بِيضُ الْأَلْوَانِ خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحُلِيِّ، مَجَامِرُهُنَّ الدُّرُّ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أَبَدًا، أَلَا وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَانَ لَنَا"، قُلْتُ: يَا رسول الله! المرأة منا تتزوج الزوجين وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعَهَا مَنْ يَكُونُ زَوْجَهَا؟ قَالَ: "يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا مَعِي فَزَوِّجْنِيهِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الخلق بخير الدنيا والآخرة" (رواه أبو القاسم الطبراني). وفي الحديث: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أبكاراً» (أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً). وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عذراء» (رواه الطبراني وقال الحافظ المقدسي: هو على شرط الصحيح). وقوله تعالى: ﴿عُرُباً﴾، قال ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مُتَحَبِّبَاتٍ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّاقَةِ الضُّبَعَةِ هِيَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الضحّاك عنه: العرب العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون، وقال عكرمة: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿عُرُباً﴾ قَالَ: هي المَلِقة لزوجها، وقال عكرمة: هي الغنجة، وعنه: هي الشكلة، وقال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿عُرُباً﴾ قَالَ: الشِّكِلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْغَنِجَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ: هِيَ حسن التبعل، وقوله ﴿أَتْرَاباً﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي فِي سِنٍّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَتْرَابُ: الْمُسْتَوِيَاتُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْأَمْثَالُ، وَقَالَ عَطِيَّةُ: الْأَقْرَانُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ ﴿أَتْرَاباً﴾ أَيْ فِي الْأَخْلَاقِ الْمُتَوَاخِيَاتُ بَيْنَهُنَّ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ تَبَاغُضٌ وَلَا تَحَاسُدٌ، يَعْنِي لَا كما كن ضرائر متعاديات، وقال ابن أبي حاتم، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ قَالَا: الْمُسْتَوَيَاتُ الْأَسْنَانِ يَأْتَلِفْنَ جَمِيعًا وَيَلْعَبْنَ جَمِيعًا، وَقَدْ رَوَى الترمذي، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ يَرْفَعْنَ أَصْوَاتًا لم تسمع الخلائق بمثلها - قال - يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لمن كان لنا وكنا له" (أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب). وعن أنَس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ لَيُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ يَقُلْنَ: نَحْنُ خَيِّرَاتٌ حِسَانٌ خُبِّئْنَا لِأَزْوَاجٍ كرام" (أخرجه الحافظ أبو يعلى). وقوله تعالى: ﴿لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ خُلِقْنَا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أَوِ زُوِّجْنَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنآ أنشأناهن إنشآء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ فَتَقْدِيرُهُ أَنْشَأْنَاهُنَّ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَهَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جرير، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَتْرَاباً

стр. 3155

لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أَيْ فِي أَسْنَانِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى ضَوْءِ أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يتفلون، ولا يتمخطون؛ أمشاطهم الذهب وريحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأرواحهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السماء» (أخرجه الشيخان). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جرداً مرداً بيضاً جعاداً مكحلين أبناء ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُمْ عَلَى خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذراعاً في عرض سبعة أذرع» (أخرجه الطبراني ورواه الترمذي بنحوه). وروى ابن وهب، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ لَا يَزِيدُونَ عليها أبداً وكذلك أهل النار». وروى ابن أبي الدنيا، عَنْ أنَس قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا بِذِرَاعِ الْمَلِكِ! عَلَى حُسْنِ يُوسُفَ وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وثلاثين وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ جُرْدٌ مُرْدٌ مُكَحَّلُونَ»، وَقَالَ أبو بكر بن أبي داود، عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُبْعَثُ أَهْلُ الجنة على صورة آدم في ميلاد عيسى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ. ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُكْسَوْنَ مِنْهَا لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ»، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ أَيْ جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هما جميعاً من أُمتي» (أخرجه ابن جرير).
следующие страницы →