← Тафсир

Тафсир · id 21549

مختصر تفسير ابن كثير

محمد علي الصابوني

Полный текст (3 637 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

- ١١ - وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ - ١٢ - وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ - ١٣ - إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ - ١٤ - وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ - ١٥ - إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً - ١٦ - وَأَكِيدُ كَيْدًا - ١٧ - فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّجْعُ الْمَطَرُ، وَعَنْهُ: هُوَ السحاب فيه المطر، وَقَالَ قَتَادَةُ: تُرْجِعُ رِزْقَ الْعِبَادِ كُلَّ عَامٍ، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم، ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ انصداعها عن النبات (وهو قول ابن جرير وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَقٌّ، وقال غيره: حُكْمٌ عَدْلٌ، ﴿وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ﴾ أَيْ بَلْ هو جد حق، ثم أخبر الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أَيْ يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ أَنْظِرْهُمْ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، ﴿أمهلهم رويداً﴾ أي قليلاً وسترى مَاذَا أُحِلَّ بِهِمْ، مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَالْعُقُوبَةِ والهلاك كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.

стр. 3502

- ٨٧ - سورة الأعلى .

стр. 3503

[مقدمة] روى البخاري، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يقولون: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها (أخرجه البخاري في صحيحه). وروى مسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم رَبِّكَ الأعلى وهل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ واحد فقرأهما (أخرجه مسلم وأهل السنن)، وقد روى الإمام أحمد عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الوتر بسبح اسم رَبِّكَ الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هُوَ الله أَحَدٌ، زادت عائشة: والمعوذتين (أخرجه الإمام أحمد).

стр. 3504

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 3505

- ١ - سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى - ٢ - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - ٣ - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى - ٤ - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى - ٥ - فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى - ٦ - سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى - ٧ - إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى - ٨ - وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى - ٩ - فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى - ١٠ - سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى - ١١ - وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى - ١٢ - الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى - ١٣ - ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» (أخرجه أحمد وأبو داود). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أَيْ خَلَقَ الْخَلِيقَةَ وَسَوَّى كل مخلوق في أحسن الهيئات، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قدَّر فَهَدَى﴾، قَالَ مُجَاهِدٌ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِلشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَهَذِهِ

стр. 3506

الآية كقوله تعالى: ﴿وقال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ أَيْ قَدَّرَ قَدْرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ، كَمَا ثبت في صحيح مسلم: «إِنَّ اللَّهَ قدَّر مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء» (أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أَيْ مِنْ جَمِيعِ صُنُوفِ النَّبَاتَاتِ وَالزُّرُوعِ، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى﴾ قَالَ ابْنُ عباس: هشيماً متغيراً، وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ وَهَذَا إخبار من الله تعالى وَوَعْدٌ مِنْهُ لَهُ، بِأَنَّهُ سَيُقْرِئُهُ قِرَاءَةً لَا يَنْسَاهَا ﴿إِلَاّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابن جرير، وقال ابن قَتَادَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا ينسى إلا ما شآء الله، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أَيْ يَعْلَمُ مَا يَجْهَرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَمَا يُخْفُونَهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أَيْ نُسَهِّلُ عليك أفعال الخير، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً، لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا حَرَجَ وَلَا عُسْرَ، وقوله تعالى: ﴿فذكِّر إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ ذَكِّرْ حَيْثُ تنفع التذكرة، ومن ههنا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ فَلَا يَضَعُهُ عند غير أهله، كما قال عَلِيٌّ ﵁: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فتنة لبعضهم. وقال: حدثوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ ورسوله؟ وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ أَيْ سَيَتَّعِظُ بِمَا تُبَلِّغُهُ يَا مُحَمَّدُ مَنْ قَلْبُهُ يَخْشَى اللَّهَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ولا يحيى﴾ أي لا يموت فيستريح، ولا يحيى حَيَاةً تَنْفَعُهُ بَلْ هِيَ مُضِرَّةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بِسَبَبِهَا يَشْعُرُ مَا يُعَاقَبُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ العذاب وأنواع النكال، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يحيون ولكن أناس تُصِيبُهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَيُمِيتُهُمْ إماتة حتى إذا ما صَارُوا فَحْمًا أَذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نبات الحبة في حميل السيل" (أخرجه أحمد ومسلم)، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنكم ماكثون﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عذابها﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا المعنى.

стр. 3507

- ١٤ - قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - ١٥ - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى - ١٦ - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - ١٧ - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - ١٨ - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - ١٩ - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ أَيْ طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، واتبع ما أنزل الله على الرسول صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أَيْ أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا ابْتِغَاءَ رضوان الله وامتثالاً لشرع الله، روي عن جابر بن عبد الله يرفعه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قَالَ: «هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا والاهتمام بها» (أخرجه الحافظ البزار). وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير، وعن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ

стр. 3508

كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَتْلُو هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ زَكَّى مَالَهُ وَأَرْضَى خَالِقَهُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ تُقَدِّمُونَهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتُبْدُونَهَا عَلَى مَا فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَيْ ثَوَابُ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَبْقَى، فَإِنَّ الدنيا دانية فَانِيَةٌ، وَالْآخِرَةَ شَرِيفَةٌ بَاقِيَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى، وَيَهْتَمُّ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ قَرِيبًا وَيَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ والخلد؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لا عقل له» (أخرجه أحمد عن عائشة مرفوعاً) عن عجرفة الثَّقَفِيِّ قَالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ تَرَكَ الْقِرَاءَةِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا لِأَنَّا رَأَيْنَا زِينَتَهَا وَنِسَاءَهَا وَطَعَامَهَا وَشَرَابَهَا، وَزُوِيَتْ عَنَّا الْآخِرَةُ، فَاخْتَرْنَا هَذَا الْعَاجِلَ وَتَرَكْنَا الْآجِلَ، وَهَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ والهضم، وفي الحديث: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى ما يفنى» (أخرجه أحمد عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى ربك المنتهى﴾ الآيات إلى آخرهن؛ وهكذا قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ يَقُولُ: الْآيَاتُ الَّتِي فِي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، ثم قال تعالى: ﴿إن هذا﴾ أي مضمون الْكَلَامِ ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وهذا الذي اختاره حَسَنٌ قَوِيٌّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زيد نحوه، والله أعلم.

стр. 3509

- ٨٨ - سورة الغاشية

стр. 3510

[مقدمة] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يقرأ بسبح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَالْغَاشِيَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ ويوم الجمعة (أخرجه مسلم وأصحاب السنن).

стр. 3511

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3512

- ١ - هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ - ٢ - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ - ٣ - عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ - ٤ - تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً - ٥ - تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ - ٦ - لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ - ٧ - لَاّ يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ الغاشية من أسماء يوم القيامة، لأنها تغشى الناس وتعمهم، روي عن عمرو بن ميمون أنه قَالَ: مرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ تَقْرَأُ: ﴿هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَقَامَ يَسْتَمِعُ، وَيَقُولُ: «نَعَمْ قَدْ جَاءَنِي». وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي ذليلة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَخْشَعُ وَلَا يَنْفَعُهَا عَمَلُهَا، وقوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أَيْ قَدْ عَمِلَتْ عَمَلًا كَثِيرًا وَنَصَبَتْ فِيهِ، وَصَلِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا حَامِيَةً، عن أبي عمران الجوني قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ، قَالَ، فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ، قَالَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ فذاك الذي أبكاني، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى، وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ: عَامِلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي، نَاصِبَةٌ في النار بالعذاب والإهلاك. قال ابن عباس: ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ أَيْ حَارَةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أَيْ قَدِ انْتَهَى حرها وغليانها (وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي)، وقوله تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ﴾ قَالَ ابن عباس: شجر من النار، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الزَّقُّومُ، وَعَنْهُ أنها الحجارة، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يبس، وهو سم، وقال قَتَادَةَ: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَاّ مِن ضَرِيعٍ﴾ من شر الطعام وأبشعه وأخبثه، وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يَعْنِي لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ وَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ محذور.

стр. 3513

- ٨ - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ - ٩ - لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ - ١٠ - فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ - ١١ - لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً - ١٢ - فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ - ١٣ - فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ - ١٤ - وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ - ١٥ - وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ - ١٦ - وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ لَمَّا ذَكَرَ حَالَ الْأَشْقِيَاءِ ثَنى بِذِكْرِ السُّعَدَاءِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ أَيْ يُعْرَفُ النَّعِيمُ فِيهَا، وإنما حصل لها ذلك بسعيها، ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قد رضيت عملها، وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أَيْ رَفِيعَةٌ بَهِيَّةٌ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، ﴿لَاّ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أَيْ لا تسمع فِي الْجَنَّةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إلا سلاماً﴾، وقال تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تأثيم﴾، ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي سارحة وليس المراد بها عين وَاحِدَةً وَإِنَّمَا هَذَا جِنْسٌ يَعْنِي فِيهَا عُيُونٌ جاريات، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفْجُرُ مِنْ تَحْتِ تِلَالِ - أَوْ مِنْ تَحْتِ جِبَالِ - المسك» (أخرجه ابن أبي حاتم)، ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ أَيْ عَالِيَةٌ نَاعِمَةٌ، كَثِيرَةُ الفرش مرتفعة السمك، عليها الحور العين، فَإِذَا أَرَادَ وَلِيُ اللَّهِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى تِلْكَ السُّرُرِ الْعَالِيَةِ تَوَاضَعَتْ لَهُ، ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ يَعْنِي أَوَانِي الشُّرْبِ مُعَدَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا، ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّمَارِقُ الْوَسَائِدُ (وكذا قال عكرمة وقتادة والضحّاك والسدي وغيرهم)، وقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الزَّرَابِيُّ الْبُسُطُ، ومعنى مبثوثة: أي ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها، عَنْ أُسامة بْنِ زَيْدٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمَقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ، وَفَاكِهَةٍ وَخُضْرَةٍ، وَحَبْرَةٍ وَنَعْمَةٍ، فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ!»، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ: "قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قال القوم إن شاء الله (أخرجه ابن ماجة).

стр. 3514

- ١٧ - أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ - ١٨ - وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ - ١٩ - وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ - ٢٠ - وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ - ٢١ - فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ - ٢٢ - لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ - ٢٣ - إِلَاّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ - ٢٤ - فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ - ٢٥ - إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ - ٢٦ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾؟ فَإِنَّهَا خَلْقٌ عَجِيبٌ وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وهي مع ذلك تنقاد لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا، ونبهوا إلى ذلك لِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ كَانَتِ الْإِبِلُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ! أَيْ كَيْفَ رَفَعَهَا اللَّهُ عَنِ الْأَرْضِ هَذَا الرَّفْعَ الْعَظِيمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾، ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أَيْ جُعِلَتْ مَنْصُوبَةً فإنها ثَابِتَةً رَاسِيَةً لِئَلَّا تَمِيدَ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَجَعَلَ

стр. 3515

فِيهَا مَا جَعَلَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَعَادِنِ، ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾! أَيْ كَيْفَ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ وَمُهِّدَتْ، فَنَبَّهَ الْبَدَوِيَّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ بَعِيرِهِ الَّذِي هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءِ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِهِ، وَالْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَهُ، وَالْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ، عَلَى قُدْرَةِ خَالِقِ ذَلِكَ وَصَانِعِهِ، وأنه الرب العظيم الخالق المالك المتصرف، وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ، عَنْ أنَس قَالَ: كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن كل شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلُهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رجل من أهل البادية فقال: يامحمد إنا أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ» قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ من استطاع له سَبِيلًا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، فَقَالَ: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئاً وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» (أخرجه مسلم وأصحاب السنن والإمام أحمد، وجاء في بعض الروايات: «وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بن بكر»). وقوله تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أَيْ فَذَكِّرْ يَا مُحَمَّدُ النَّاسَ بِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾؛ قَالَ ابْنُ عباس ومجاهد: لست عليهم بجبار، أي لست تخلق الإِيمان في قلوبهم، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَسْتَ بِالَّذِي تُكْرِهُهُمْ عَلَى الإيمان، عَنْ جَابِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمرت أَنْ أُقاتل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " ثُمَّ قرأَ: ﴿فذكِّر إِنَّمَآ أَنتَ مذكِّر * لستَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ (أخرجه أحمد ورواه مسلم والنسائي والترمذي). وقوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أَيْ تَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِأَرْكَانِهِ، وَكَفَرَ بِالْحَقِّ بِجِنَانِهِ وَلِسَانِهِ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا صدَّق وَلَا صلَّى * وَلَكِنْ كذَّب وَتَوَلَّى﴾، ولهذا قال: ﴿فسيعذبه الله العذاب الأكبر﴾، وروى الإمام أحمد: أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ مرَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَلين كَلِمَةٍ سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ البعير عن أهله» (تفرد بإخراجه الإمام أحمد). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أَيْ مَرْجِعَهُمْ وَمُنْقَلَبَهُمْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أَيْ نَحْنُ نُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَنُجَازِيهِمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًا فَشَرٌّ.

стр. 3516

- ٨٩ - سورة الفجر .

стр. 3517

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - ١ - وَالْفَجْرِ - ٢ - وَلَيالٍ عَشْرٍ - ٣ - وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ - ٤ - وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ - ٥ - هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ - ٦ - أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - ٧ - إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ - ٨ - الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ - ٩ - وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ - ١٠ - وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْتَادِ - ١١ - الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلَادِ - ١٢ - فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ - ١٣ - فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ - ١٤ - إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ أمّا الفجر فعروف وهو الصبح، وعن مسروق: الْمُرَادُ بِهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً، وَهُوَ خَاتِمَةُ اللَّيَالِي الْعَشْرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الصَّلَاةُ التي تفعل عنده، وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ الْمُرَادُ بِهَا عَشَرُ ذِي الْحِجَّةِ (وهو قول ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ من السلف)، وقد ثبت في صحيح البخاري: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رجُلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يرجع من ذلك بشيء» (أخرجه البخاري عن ابن عباس مرفوعاً). وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ قَالَ: هُوَ الْعَشْرُ الْأَوَّلُ مِنْ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. روي عن جابر يرفعه: «إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ والشفع يوم النحر» (أخرجه أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، قال ابن كثير: إسناد رجاله لا بأس بهم والمتن في رفعه نكارة). وقوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، والشفع يوم النحر لكونه العاشر، قاله ابن عباس: قول ثانٍ: عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قُلْتُ: صَلَاتُنَا وِتْرَنَا هَذَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْوَتْرَ لَيْلَةُ الأضحى. قول ثالث: عن أبي سعيد بن عوف قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ؟ فَقَالَ: الشَّفْعُ

стр. 3518

قول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والوتر قوله تعالى: ﴿وَمِن تَأَخَّرَ فلا إثم عليه﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم). وفي الصحيحين: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (أخرجه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً). قول رابع: قال الحسن البصري: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ شَفْعٌ وَوِتْرٌ، أَقْسَمَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ (وهو رواية عن مجاهد). وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قَالَ: اللَّهُ وِتْرٌ وَاحِدٌ، وَأَنْتُمْ شَفْعٌ، وَيُقَالُ: الشَّفْعُ صَلَاةُ الْغَدَاةِ، والوتر صلاة المغرب. قول خامس: عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قَالَ: الشَّفْعُ الزَّوْجُ، والوتر الله (أخرجه ابن أبي حاتم)، وعنه: الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى، وعنه: كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ اللَّهُ شَفْعٌ: السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَنَحْوُ هذا، كقوله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ لِتَعْلَمُوا أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ وَاحِدٌ. قَوْلٌ سادس: قال الْحَسَنِ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ هُوَ الْعَدَدُ مِنْهُ شَفْعٌ، ومنه وتر. قول سابع: قال أبو العالية والربيع بن أنَس؛ هِيَ الصَّلَاةُ مِنْهَا شَفْعٌ كَالرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّنَائِيَّةِ، وَمِنْهَا وَتْرٌ كَالْمَغْرِبِ، فَإِنَّهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ وَتْرُ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْوِتْرِ فِي آخِرِ التَّهَجُّدِ مِنَ الليل، ولم يجزم ابن جرير بشيء من الأقوال في الشفع والوتر. وقوله تعالى: ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾ قال ابن عباس: أي إذا ذهب، وقال مجاهد وأبو العالية ﴿والليل إِذَا يَسْرِ﴾: إذا سار أي ذهب، ويحتمل إذا سار: أي أقبل، وهذا أَنْسَبُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ فَإِنَّ الْفَجْرَ هُوَ إِقْبَالُ النَّهَارِ، وَإِدْبَارُ اللَّيْلِ، فَإِذَا حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ عَلَى إِقْبَالِهِ كَانَ قَسَمًا بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِ النَّهَارِ وَبِالْعَكْسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أَيْ يَجْرِي، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ يَعْنِي لَيْلَةَ جَمْعٍ المزدلفة، وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أَيْ لذي عقل ولب وحجى، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَقْلُ (حِجْرًا) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأفعال والأقوال، وحجَر الْحَاكِمُ عَلَى فُلَانٍ إِذَا مَنَعَهُ التَّصَرُّفَ، وَهَذَا الْقَسَمُ هُوَ بِأَوْقَاتِ الْعِبَادَةِ، وَبِنَفْسِ الْعِبَادَةِ مِنْ حَجٍّ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ القرب، التي يتقرب إِلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُتَّقُونَ الْمُطِيعُونَ لَهُ، الْخَائِفُونَ مِنْهُ، الْمُتَوَاضِعُونَ لَدَيْهِ، الْخَاشِعُونَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَلَمَّا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ وَعِبَادَتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾؟ وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُتَمَرِّدِينَ عُتَاةً جَبَّارِينَ، خَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ مُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ، فَذَكَرَ تَعَالَى كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وَدَمَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ وَعِبَرًا فَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؟ وَهَؤُلَاءِ (عَادٌ الْأَوْلَى) وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا ﵇ فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وَمَنْ آمَنُ مَعَهُ مِنْهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، وقد ذكر الله قصتهم في القرآن، لِيَعْتَبِرَ بِمَصْرَعِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ عَطْفُ بَيَانٍ زِيَادَةُ تَعْرِيفٍ بِهِمْ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الشَّعْرِ الَّتِي تُرْفَعُ بِالْأَعْمِدَةِ الشِّدَادِ، وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ خِلْقَةً وَأَقْوَاهُمْ بَطْشًا، وَلِهَذَا ذَكَّرَهُمْ (هُودٌ) بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلآءَ الله وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأرض مفسدين﴾.

стр. 3519

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وقال ههنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ أَيِ الْقَبِيلَةُ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلَهَا فِي بِلَادِهِمْ لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم، وقال مُجَاهِدٌ: إِرَمَ أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ يَعْنِي عَادًا الْأُولَى، قال قتادة والسدي: أن إرم بيت مملكة عاد، وكانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ ذَاتِ الْعِمَادِ لطولهم، واختار الأول ابن جرير، وقوله تعالى: ﴿التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ الضمير يعود عَلَى الْقَبِيلَةِ، أَيْ لَمْ يَخْلُقْ مِثْلَ تِلْكَ القبيلة في البلاد يعني في زمانهم، روي عن المقدام أَنَّهُ ذَكَرَ ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فَقَالَ: «كَانَ الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم» (أخرجه ابن أبي حاتم عن المقدام مرفوعاً)، وسواء كَانَتِ الْعِمَادُ أَبْنِيَةً بَنَوْهَا، أَوْ أَعْمِدَةَ بُيُوتِهِمْ للبدو، أو سلاحهم يُقَاتِلُونَ بِهِ، أَوْ طُولَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ، فَهُمْ قَبِيلَةٌ وَأُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ، الْمَقْرُونُونَ بِثَمُودَ كما ههنا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ مدينة إما دمشق، أو اسكندرية أو غيرهما، فضعيف لأنه لَا يَتَّسِقُ الْكَلَامُ حينئذٍ، ثُمَّ الْمُرَادُ إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ إِهْلَاكِ الْقَبِيلَةِ الْمُسَمَّاةِ بِعَادٍ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ مدينة أو إقليم، وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ قَبِيلَةً أَوْ بَلْدَةً كَانَتْ عَادٌ تَسْكُنُهَا فَلِذَلِكَ لَمْ تُصْرَفْ، فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السِّيَاقِ إِنَّمَا هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْقَبِيلَةِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ يَعْنِي يَقْطَعُونَ الصَّخْرَ بِالْوَادِي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ينحتونها ويخرقونها، يقال: اجتاب الثوب، إذا فتحه وقال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين﴾، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانُوا عَرَبًا وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ عَادٍ مُسْتَقْصَاةً فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَوْتَادُ الْجُنُودُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أَمْرَهُ، وَيُقَالُ: كَانَ فِرْعَوْنُ يُوتِدُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ فِي أَوْتَادٍ مِنْ حَدِيدٍ يُعَلِّقُهُمْ بِهَا، وَكَذَا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وقال السُّدِّيُّ: كَانَ يَرْبِطُ الرَّجُلَ كُلُّ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِهِ فِي وَتَدٍ ثُمَّ يُرْسِلُ عَلَيْهِ صَخْرَةً عظيمة فيشدخه، وقال ثابت البناني: قِيلَ لِفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، لِأَنَّهُ ضَرَبَ لِامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًى عظيمة حتى ماتت، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ﴾ أَيْ تَمَرَّدُوا وَعَتَوْا وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ بِالْإِفْسَادِ وَالْأَذِيَّةِ لِلنَّاسِ، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ، وَأَحَلَّ بِهِمْ عُقُوبَةً لَا يَرُدُّهَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْمَعُ وَيَرَى يَعْنِي يَرْصُدُ خَلْقَهُ فِيمَا يَعْمَلُونَ، وَيُجَازِي كُلًّا بِسَعْيِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَسَيُعْرَضُ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ وَيُقَابِلُ كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ الْمُنَزَّهُ عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ.

стр. 3520

- ١٥ - فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ - ١٦ - وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ - ١٧ - كَلَاّ بَل لَاّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ - ١٨ - وَلَا تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ - ١٩ - وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا - ٢٠ - وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمًّا

стр. 3521

يقول تعالى منكراً على الإنسان، إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره، فَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِكْرَامٌ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَاّ يَشْعُرُونَ﴾ وَكَذَلِكَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ إِذَا ابْتَلَاهُ وَامْتَحَنَهُ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ من الله إهانة له، قال الله تعالى: ﴿كُلاًّ﴾ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالَيْنِ، إِذَا كَانَ غَنِيًّا بِأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ فقيراً بأن يصبر، وقوله تعالى: ﴿بَل لَاّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فِيهِ أَمْرٌ بِالْإِكْرَامِ له كما جاء في الحديث: «خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فيه يتيم يساء إليه» (أخرجه عن عبد الله من المبارك). وقال ﷺ : «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَقَرَنَ بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الابهام (أخرجه أبو داود)، ﴿وَلَا تَحَآضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يَعْنِي لَا يَأْمُرُونَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيُحِثُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يَعْنِي الْمِيرَاثَ ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾ أَيْ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ حَصَلَ لَهُمْ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ ﴿وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ أي كثيراً فاحشاً.

стр. 3522

- ٢١ - كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - ٢٢ - وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا - ٢٣ - وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى - ٢٤ - يَقُولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي - ٢٥ - فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ - ٢٦ - وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ - ٢٧ - يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ٢٨ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً - ٢٩ - فَادْخُلِي فِي عِبَادِي - ٣٠ - وَادْخُلِي جَنَّتِي يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعَظِيمَةِ فَقَالَ تعالى: ﴿كُلاًّ﴾ أَيْ حَقًّا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ أَيْ وُطِئَتْ وَمُهِّدَتْ وَسُوِّيَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، وَقَامَ الْخَلَائِقُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّهِمْ ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ يعني لفصل القضاء بيت خَلْقِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يَسْتَشْفِعُونَ إِلَيْهِ بِسَيِّدِ ولد آدم على الإطلاق، محمد صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء، وَالْمَلَائِكَةُ يَجِيئُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفًا صُفُوفًا، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وجيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ روى الإمام مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (أخرجه مسلم في صحيحه)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ أَيْ عَمَلَهُ وَمَا كَانَ أَسْلَفَهُ فِي قَدِيمِ دَهْرِهِ وَحَدِيثِهِ، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذكرى﴾ أي وكيف تنفعه الذكرى، ﴿يَقُولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يَعْنِي يَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي إِنْ كَانَ عَاصِيًا، وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ ازْدَادَ مِنَ الطَّاعَاتِ إِنْ كَانَ طَائِعًا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عمرة، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ أَنَّ عَبْدًا خرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يموت فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقِرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَوَدَّ أنه رد إلى الدنيا

стр. 3523

كيما يزداد من الأجر والثواب، وقال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ أَيْ لَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ تَعْذِيبِ اللَّهِ مَنْ عَصَاهُ، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي وليس أَشَدَّ قَبْضًا وَوَثْقًا مِنَ الزَّبَانِيَةِ لِمَنْ كَفَرَ بربهم ، وهذا فِي حَقِّ الْمُجْرِمِينَ مِنَ الْخَلَائِقِ وَالظَّالِمِينَ، فَأَمَّا النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ الْمُطْمَئِنَّةُ وَهِيَ السَّاكِنَةُ الثَّابِتَةُ الدَّائِرَةُ مَعَ الْحَقِّ، فَيُقَالُ لَهَا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكَ﴾ أَيْ إِلَى جِوَارِهِ وَثَوَابِهِ وَمَا أَعَدَّ لِعِبَادِهِ فِي جَنَّتِهِ ﴿رَاضِيَةً﴾ أَيْ فِي نَفْسِهَا، ﴿مَّرْضِيَّةً﴾ أَيْ قَدْ رَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ، وَرَضِيَ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ أَيْ فِي جُمْلَتِهِمْ، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وَهَذَا يُقَالُ لَهَا عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْضًا، كَمَا ِأن الْمَلَائِكَةَ يُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك ههنا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فَيَمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فروي أنها نزلت في عثمان بن عفّان، وقيل: أنها نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ قَالَ: نَزَلَتْ وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذَا؟ فقال: «أما إنه سيقال لك هذا» (أخرجه ابن أبي حاتم). وروى الحافظ ابن عساكر، عن أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ نفساً مُطَمْئِنَةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ، وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ" (أخرجه الحافظ ابن عساكر).

стр. 3524

- ٩٠ - سورة البلد

стр. 3525

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - ١ - لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ - ٢ - وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ - ٣ - وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ - ٤ - لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ - ٥ - أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ - ٦ - يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا - ٧ - أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ - ٨ - أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ - ٩ - وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ - ١٠ - وَهَدَيْنَاهُ النجدين هذا قسم من الله ﵎ بِمَكَّةَ (أُم الْقُرَى) فِي حَالِ كَوْنِ السَّاكِنِ فيها حلالاً، لِيُنَبِّهَ عَلَى عَظَمَةِ قَدْرِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِ أهلها، قال مُجَاهِدٍ: ﴿لَا أُقسم بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ لَا، رَدَّ عليهم. أقسم بهذا البلد، وقال ابن عباس: ﴿لاأقسم بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قَالَ: أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ يَحِلُّ لَكَ أن تقاتل به، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا أَصَبْتَ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ لك، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، وهذا المعنى قَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، أَلَا فليبلغ الشاهد الغائب» (أخرجه الشيخان وأصحاب السنن). وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لكم»، وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال ابن عباس: الْوَالِدُ الَّذِي يَلِدُ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ الْعَاقِرُ الَّذِي لا يولد له، وقال مجاهد وقتادة والضحّاك: يَعْنِي بِالْوَالِدِ آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ وَلَدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَأَصْحَابُهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَقْسَمَ بأُم الْقُرَى وَهِيَ الْمَسَاكِنُ، أَقْسَمَ بَعْدَهُ بِالسَّاكِنِ، وَهُوَ (آدَمُ) أَبُو البشر وولده، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ ولد وولده وهو محتمل أيضاً، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ رُوِيَ عَنِ ابن مسعود وابن عباس: يعني منتصباً، زاد ابن عباس: منتصباً فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالْكَبَدُ: الِاسْتِوَاءُ وَالِاسْتِقَامَةُ، وَمَعْنَى هذا القول: لقد خلقناه سوياً مستقيماً، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَىِّ صُورَةٍ مَّا شاء ركبك﴾، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تقويم﴾ وقال ابن عباس ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةِ خَلْقٍ،

стр. 3526

أَلَمْ تَرَ إِلَيْهِ وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ، وقال مُجَاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نُطْفَةٌ، ثُمَّ عَلَقَةٌ، ثُمَّ مضغة، يكبد في الخلق، وهو كقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمّه كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كرهاً﴾ فَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ وَطَلَبِ مَعِيشَةٍ، وَقَالَ قتادة: في مشقة، وقال الحسن: يكابد أمر الدنيا وأمر من الْآخِرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُكَابِدُ مَضَايِقَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الآخرة، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُكَابَدَةُ الأمور ومشاقها. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قَالَ الحسن البصري: يعني يأخد ماله، وقال قتادة: يَظُنُّ أَنْ لَنْ يُسْأَلَ عَنْ هَذَا الْمَالِ مَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قَالَ: الله يظن أن لن يقدر عليه ربه، وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾ أَيْ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: أَنْفَقْتُ ﴿مَالاً لُّبَداً﴾ أَيْ كَثِيرًا قَالَهُ مجاهد والحسن، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ أَيْ يُبْصِرُ بِهِمَا ﴿وَلِسَاناً﴾ أَيْ يَنْطِقُ بِهِ فَيُعَبِّرُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يَسْتَعِينُ بِهِمَا عَلَى الْكَلَامِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَجَمَالًا لِوَجْهِهِ وَفَمِهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابن عساكر عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ نِعَمًا عِظَامًا، لَا تُحْصِي عَدَدَهَا وَلَا تُطِيقُ شُكْرَهَا، وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ جَعَلْتُ لَكَ عَيْنَيْنِ تَنْظُرُ بِهِمَا، وَجَعَلْتُ لَهُمَا غِطَاءً، فَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ إِلَى مَا أَحْلَلْتُ لَكَ، وَإِنْ رَأَيْتَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ، فَأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا، وَجَعَلْتُ لَكَ لِسَانًا وَجَعَلْتُ لَهُ غُلَافًا، فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُكَ، وَأَحْلَلْتُ لك فإن عرض عليك مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَغْلِقْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ فَرْجًا وَجَعَلْتُ لَكَ سِتْرًا، فَأَصِبْ بِفَرْجِكَ ما أحللت لك، فإن عرض عليك مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَرْخِ عَلَيْكَ سِتْرَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَا تَحْمِلُ سُخْطِي وَلَا تطيق انتقامي" (أخرجه الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الدمشقي). ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾: الطريقين، قال ابن مسعود: الخير والشر، وعن أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُمَا النَّجْدَانِ، نَجْدُ الْخَيْرِ، وَنَجْدُ الشَّرِّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ نجد الخير» (أخرجه ابن جرير عن الحسن مرسلاً)، وقال ابن عباس ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ قال: الثديين، قال ابن جرير: والصواب القول الأول، نظير هذه الآية قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً أو كفوراً﴾.

стр. 3527

- ١١ - فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ - ١٢ - وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ - ١٣ - فَكُّ رَقَبَةٍ - ١٤ - أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ - ١٥ - يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ - ١٦ - أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ - ١٧ - ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ - ١٨ - أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - ١٩ - وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - ٢٠ - عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ روى ابن جرير عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقتحم﴾ أي دخل ﴿الْعَقَبَةَ﴾ قَالَ: جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ كَعْبُ الأحبار: هُوَ سَبْعُونَ دَرَجَةً فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ البصري: عقبة في جهنم، وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى، ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا العقبة﴾؟ ثم أخبر تعالى عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ *

стр. 3528

أَوْ إِطْعَامٌ﴾، وقال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أَيْ أَفَلَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي فيها النجاة والخير، ثم بينها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، عن سعيد بن مرجانة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مؤمنة أعتق الله بكل إرب - أي عضو - مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ»، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِغُلَامٍ لَهُ أَفْرَهَ غِلْمَانِهِ: ادْعُ مُطَرِّفًا، فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: اذهب فأنت حر لوجه الله" (أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام أحمد). وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ كَانَ قَدْ أعطي فيه عشرة آلاف درهم، وعن عمرو بن عبسة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسَلِمَةً كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يوم القيامة» (أخرجه أحمد). وفي الحديث: «مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ بِهِ الْعَدُّوَ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِّنَ النار، وَمِن أعتق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ يُدْخِلُهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ منها» (أخرجه أحمد أيضاً). وهذه أسانيد جيدة قوية ولله الحمد. وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذِي مَجَاعَةٍ (وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ومجاهد والضحَّاك وقتادة وغيرهم)، والسغب: هو الجوع، وقال النَّخَعِيُ: فِي يَوْمٍ الطعامُ فِيهِ عَزِيزٌ، وَقَالَ قتادة: في يوم مشتهى فيه الطعام، وقوله تعالى: ﴿يَتِيماً﴾ أَيْ أَطْعِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ يَتِيمًا ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أَيْ ذَا قَرَابَةٍ مِنْهُ، كما جاء في الحديث الصحيح: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثنتان، صدقة وصلة» (أخرجه أحمد ورواه الترمذي والنسائي وإسناده صحيح). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أَيْ فَقِيرًا مُدْقِعًا لَاصِقًا بِالتُّرَابِ، وَهُوَ الدَّقْعَاءُ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَا مَتْرَبَةٍ هُوَ الْمَطْرُوحُ فِي الطَّرِيقِ، الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ وَلَا شَيْءَ يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ الَّذِي لَصِقَ بِالدَّقْعَاءِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وقال عكرمة: هو الفقير المدين الْمُحْتَاجُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي لا أحد له، وقال قتادة: هُوَ ذُو الْعِيَالِ، وَكُلُّ هَذِهِ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أَيْ ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ الطَّاهِرَةِ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ، مُحْتَسِبٌ ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أَيْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ صَالِحًا، «الْمُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ»، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأرض يرحمكم من في السماء». وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَرْوِيهِ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ منا» (أخرجه أبو داود)، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أَيِ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 3529

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أَيْ أَصْحَابُ الشِّمَالِ، ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ أَيْ مُطْبَقَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، قال أبو هريرة ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ أي مطبقة، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: مُغْلَقَةُ الْأَبْوَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَدَ الباب أي أغلقه، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾ حَيْطٌ لَا بَابَ لَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: مُطْبِقَةٌ فَلَا ضَوْءَ فِيهَا وَلَا فُرَجَ وَلَا خُرُوجَ مِنْهَا آخِرَ الْأَبَدِ، وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ بِكُلِّ جَبَّارٍ وَكُلِّ شَيْطَانٍ، وَكُلِّ مَنْ كَانَ يَخَافُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا شره، فأوثقوا بالحديد، ثُمَّ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ثُمَّ أَوْصَدُوهَا عَلَيْهِمْ أَيْ أَطْبَقُوهَا، قَالَ: فَلَا وَاللَّهِ لَا تَسْتَقِرُّ أَقْدَامُهُمْ عَلَى قَرَارٍ أَبَدًا، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُونَ فِيهَا إِلَى أَدِيمِ سَمَاءٍ أَبَدًا، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَلْتَقِي جُفُونُ أَعْيُنِهِمْ عَلَى غَمْضِ نَوْمٍ أَبَدًا، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَذُوقُونَ فيها بارد شراب أبداً (أخرجه ابن أبي حاتم).

стр. 3530

- ٩١ - سورة الشمس

стр. 3531

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - ١ - وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا - ٢ - وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا - ٣ - وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاّهَا - ٤ - وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا - ٥ - وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا - ٦ - وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا - ٧ - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - ٨ - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا - ٩ - قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا - ١٠ - وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾: أَيْ وَضَوْئِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النَّهَارُ كُلُّهُ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِالشَّمْسِ وَنَهَارِهَا، لِأَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ الظَّاهِرَ هُوَ النَّهَارُ، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قال مجاهد: تبعها، وقال ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قَالَ: يَتْلُو النَّهَارَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا تَلَاهَا لَيْلَةَ الْهِلَالِ إِذَا سَقَطَتِ الشَّمْسُ رُؤِيَ الْهِلَالُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ يَتْلُوهَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ هِيَ تَتْلُوهُ وَهُوَ يَتَقَدَّمُهَا

стр. 3532

في النصف الأخير من الشهر، وقوله تعالى: ﴿والنهار إِذَا جَلَاّهَا﴾ قال مجاهد: أضاءها، وقال قتادة: إذا غشيها النهار، وتأول بعضهم ذَلِكَ بِمَعْنَى: وَالنَّهَارُ إِذَا جَلَّا الظُّلْمَةِ لِدَلَالَةِ الكلام عليها (ذكره ابن جرير عن بعض أهل اللغة). (قلت): ولو أن الْقَائِلَ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاّهَا﴾ أَيِ الْبَسِيطَةُ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَصَحَّ تَأْوِيلُهُ فِي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ فَكَانَ أَجْوَدْ وَأَقْوَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاّهَا﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾، وأما ابن جرير فاختار عود الضمير ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الشَّمْسِ لِجَرَيَانِ ذِكْرِهَا، وَقَالُوا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يَعْنِي إِذَا يَغْشَى الشَّمْسَ حين تغيب فتظلم الآفاق. وقال بقية: إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ الرَّبُّ ﷻ : غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل تهابه، وَالَّذِي خَلَقَهُ أَحَقُّ أَنْ يَهَابَ (رَوَاهُ ابْنُ أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (مَا) ههنا مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنَى: وَالسَّمَاءِ وَبِنَائِهَا، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (مَنْ) يَعْنِي: وَالسَّمَاءِ وَبَانِيهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَكِلَاهُمَا مُتَلَازِمٌ وَالْبِنَاءُ هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ - أَيْ بِقُوَّةٍ - وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿طَحَاهَا﴾ دَحَاهَا، وقال ابن عباس: أي خلق فيها، وقال مجاهد وقتادة والضحّاك: ﴿طَحَاهَا﴾ بَسَطَهَا، وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: طَحَوْتُهُ مِثْلُ دَحَوْتُهُ أَيْ بَسَطْتُهُ، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أَيْ خَلَقَهَا سَوِيَّةً مُسْتَقِيمَةً عَلَى الْفِطْرَةِ الْقَوِيمَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». وَفِي صَحِيحِ مسلم: "يَقُولُ اللَّهُ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ". وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أَيْ فَأَرْشَدَهَا إِلَى فُجُورِهَا وتقواها أي بين ذلك لها وَهَدَاهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا، قَالَ ابْنُ عباس: بيّن لها الخير والشر، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَلْهَمَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. وفي الحديث: إِنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فيه ويتكادحون، أشيء قضي عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَمْ شَيْءٌ مما يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ وَأَكَّدَتْ بِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: «بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ»، قَالَ: فَفِيمَ نَعْمَلُ؟ قَالَ: "مَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِإِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ يُهَيِّئُهُ لها، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ونفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (رَوَاهُ أحمد ومسلم). وقوله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ المعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصلى﴾ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أَيْ دَسَّسَهَا أَيْ أخملها حَتَّى رَكِبَ الْمَعَاصِيَ وَتَرَكَ طَاعَةَ اللَّهِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قَدْ أفلح من زكى نَفْسَهُ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّى اللَّهُ نَفْسَهُ، كما قال ابن عباس (هذا القول عن ابن عباس ورد به حديث مرفوع: «أفلحت نفس زكّاها الله » (أخرجه ابن أبي حاتم ولكن في إسناده ضعف). وروى ابن أبي حاتم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 3533

قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قَالَ: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زكاها، أنت وليها ومولاها» (أخرجه ابن أبي حاتم)، وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا فَقَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ مَضْجَعِهِ، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أنت وليها ومولاها» (أخرجه أحمد). حديث آخر: روى الإمام أحمد، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْهَرَمِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَعِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَدَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (أخرجه أحمد ومسلم). قَالَ زَيْدٌ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن.

стр. 3534

- ١١ - كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ - ١٢ - إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا - ١٣ - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا - ١٤ - فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا - ١٥ - وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا يخبرتعالى عَنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، بِسَبَبِ مَا كانوا عليه من الطغيان والبغي، فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ تَكْذِيبًا فِي قُلُوبِهِمْ بِمَا جَاءَهُمْ به رسولهم ﵊ مِنَ الْهُدَى وَالْيَقِينِ ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ أَيْ أشقى القبيلة وهو (قدار بن سالف) عاقر الناقة، وهو الذي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ الآية، وكان هذا الرجل عزيزاً شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، نَسِيبًا رَئِيسًا مُطَاعًا، كَمَا قال الإمام أحمد: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ: «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ منيع في رهطه مثل أبي زمعة» (أخرجه البخاري ومسلم وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زمعة). وروى ابن أبي حاتم، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِيٍّ: «أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «رَجُلَانِ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذَا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى تبتل منه هذه» يعني لحيته (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي صَالِحًا ﵇ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ أَيِ احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ أَنْ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ أَيْ لَا تَعْتَدُوا عَلَيْهَا فِي سُقْيَاهَا فَإِنَّ لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ، وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أَيْ كَذَّبُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ أَنْ عَقَرُوا النَّاقَةَ، الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنَ الصَّخْرَةِ آيَةً لَهُمْ وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾ أَيْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ، ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أَيْ فَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ نَازِلَةً عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاءِ. قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ أُحَيْمِرَ ثَمُودَ لَمْ يَعْقِرِ النَّاقَةَ حَتَّى تَابَعَهُ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا اشْتَرَكَ الْقَوْمُ في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم، فسواها، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَخَافُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ تَبِعَةً (وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ والحسن وبكر الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ)، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أَيْ لَمْ يَخَفِ الَّذِي عَقَرَهَا عَاقِبَةَ مَا صَنَعَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عليه، والله أعلم.

стр. 3535

- ٩٢ - سورة الليل

стр. 3536

[مقدمة] تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﵊ لِمُعَاذٍ: «فَهَلَّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى».

стр. 3537

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3538

- ١ - وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - ٢ - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - ٣ - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى - ٤ - إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى - ٥ - فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - ٦ - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - ٧ - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - ٨ - وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - ٩ - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - ١٠ - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - ١١ - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى أقسم تعالى بالليل ﴿إِذَا يَغْشَى﴾ أَيْ إِذَا غَشِيَ الْخَلِيقَةَ بِظَلَامِهِ، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أَيْ بِضِيَائِهِ وَإِشْرَاقِهِ، ﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ أَيْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ الَّتِي اكتسبوها متضادة وَمُتَخَالِفَةٌ، فَمِنْ فَاعِلٍ خَيْرًا وَمِنْ فَاعِلٍ شَرًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ أَيْ أَعْطَى مَا أُمِرَ بِإِخْرَاجِهِ، وَاتَّقَى اللَّهَ في أموره، ﴿وَصَدَّقَ بالحسنى﴾ بالمجازاة على ذلك أي بالثواب، وقال ابن عباس، ومجاهد: ﴿صدّق بالحسنى﴾ أي بالخُلْف، وقال الضحّاك: بلا إله إلا الله، وقال أُبيّ بن كعب: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي لِلْخَيْرِ، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ أَيْ بِمَا عِنْدَهُ ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ قال ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ بَخِلَ بِمَالِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ربه : ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أَيْ بِالْجَزَاءِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ أَيْ لِطَرِيقِ الشَّرِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُجَازِي مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ، وَمَنْ قَصَدَ الشَّرَّ بِالْخِذْلَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مُقَدَّرٍ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى هذا المعنى كثيرة. روى البخاري عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه

стр. 3539

قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى - إلى قوله - للعسرى﴾ (أخرجه البخاري)، وفي رواية أُخرى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ - أَوْ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ - إِلَّا كُتِبَ مكانها من الجنة والنار، وإلا كُتِبَتْ شَقِيَّةٌ أَوْ سَعِيدَةٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مَنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ الشَّقَاءِ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُونَ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (أخرجه البخاري وبقية الجماعة). وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَعْمَلُ لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَوْ لِأَمْرٍ نَسْتَأْنِفُهُ؟ فَقَالَ: «لِأَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» فَقَالَ سُرَاقَةُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كل عامل ميسر لعمله» (رواه مسلم وابن جرير). وفي الحديث: "مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إِلَّا وَبِجَنَبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا" وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى﴾ (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ). وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي (أَبِي بكر الصديق) ﵁ كان يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يُعْتِقُ عَجَائِزَ وَنِسَاءً إِذَا أَسْلَمْنَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَيْ بُنَيَّ أَرَاكَ تَعْتِقُ أُناساً ضُعَفَاءَ، فَلَوْ أَنَّكَ تَعْتِقُ رِجَالًا جُلَدَاءَ يَقُومُونَ مَعَكَ، وَيَمْنَعُونَكَ وَيَدْفَعُونَ عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، فنزلت الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ (أخرجه ابن جرير)، وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ قَالَ مجاهد: أي إذا مات، وقال زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ.

стр. 3540

- ١٢ - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - ١٣ - وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالْأُولَى - ١٤ - فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى - ١٥ - لَا يَصْلَاهَآ إِلَاّ الْأَشْقَى - ١٦ - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - ١٧ - وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - ١٨ - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - ١٩ - وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى - ٢٠ - إِلَاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - ٢١ - وَلَسَوْفَ يَرْضَى قَالَ قَتَادَةُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أَيْ نُبَيِّنُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْهُدَى وَصَلَ إِلَى اللَّهِ، وَجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِن لَنَا لَلآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ أَيِ الْجَمِيعُ مِلْكُنَا وأنا المتصرف فيهما، وقوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ تَوَهَّجُ، وفي الحديث: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي منهما دماغه» أخرجه البخاري. وفي رواية
следующие страницы →