← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 21551

الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (448 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله ربه بالرحمة والخير والهدى، وأظهر دينه، على سائر أديان الورى، وأيده بصحابته، أولي الاحلام والنهى، ومصابيح الدّجى فجعلهم رحمة للمؤمنين وغيظاً للكافرين، لا يحبهم إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهم إلا منافق غوي. أما بعد: فما زال أعداء الإسلام على مختلف أديانهم ومشاربهم، يكيدون للإسلام وأهله، منذ أن أظهر الله هذا الدين، وأعز أتباعه. يحملهم على ذلك الحسد والغيرة، والحقد والضغينة، التي امتلأت بها قلوبهم على أهل هذا الدين، فتنوعت أساليبهم في حرب هذا الدين، وتعددت مكايدهم؛ وذلك بعد أن فشلوا في المواجهة العسكرية، واندحروا خائبين أمام الجيوش الإسلامية، فكان من بين تلك المكايد: ما استهدف الخلفاء والأمراء بالقتل غيلة وغدراً؛ حيث كان أول الضحايا: ثلاثة من الخلفاء الراشدين هم: عمر، وعثمان، وعلي-﵃ فعمر قتله مجوسي حاقد. وعثمان قُتل على إثر مؤامرة يهودية تولى كبرها عبد الله بن سبأ اليهودي. وعلي قتله مبتدع مارق،

стр. 2

من أتباع ذي الخويصره، الذي طعن في النبي ﷺ واتهمه بعدم العدل في القسم يوم حنين. (١) ومن صور تلك المكايد: السعي في الوقيعة بين المسلمين، وبث الفرقة والاختلاف بين صفوفهم، بالكذب والتزوير على الخلفاء والأمراء، وإيغار صدور العامة عليهم؛ وبالتلبيس على الناس بشتى أنواع الحيل وأصناف المكر، كما فعل ابن سبأ الذي أخذ يجوب الاقطار في عهد عثمان، مؤلباً الناس على الخليفة، مظهراً الطعن عليه، وعلى أمرائه باسم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان مقتل عثمان ﵁ أولى جذوات هذه الفتنة، ثم مانتج عنه من اختلاف في الامة وتفرق، واقتتال وتمزق. لكن الجانب الأخطر لهذه الفتنة والمكيدة العظمى لأعداء الدين: هو زعزعة العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، وذلك بما أظهره هذا اليهودي الماكر في الأمة من الدعوة إلى موالاة أهل البيت ومحبتهم، مدعياً أنهم أولى الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ ، فهم أهل بيته، وقرابته، وأحق الناس بتصريف أمر الأمة من بعده. ثم مالبث أن دعى إلى القول بالوصية، وأن النبي ﷺ قد عهد إلى علي بالخلافة ونص عليه نصاً جلياً، وأن الصحابة قد اغتصبوا الخلافة وظلموا علياً بإقصائه عنها، فأظهر البراءة من الخلفاء الثلاثة السابقين لعلي في الخلافة ودعى الناس إلى ذلك. ثم بعد موت علي ﵁ أظهر القول بالرجعه وزعم أن علياً لم يمت وأنه سيعود قبل قيام الساعة وينتقم من أعدائه. (٢) فكانت هذه الدعوة اليهودية المغلفة بستار محبة أهل البيت وموالاتهم هي الأساس الذي انبنت عليه عقيدة الرافضة. ولهذا نص العلماء المحققون في الفرق والمقالات: أن الرافضة ترجع في نشأتها إلى اليهود وأن أول من ابتدع الرفض في الإسلام هو عبد الله بن سبأ اليهودي.

стр. 3

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد ذكر أهل العلم: أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ؛ فإنه أظهر الإسلام، وأبطن اليهودية، وطلب أن يفسد الإسلام كما فعل بولص النصراني الذي كان يهودياً في إفساد دين النصارى». (١) وهذه الحقيقة قد اعترف بها كبار علماء الرافضة المتقدمين كالأشعري القمي، والكشي، والنوبختي، ومن المتأخرين المامقاني، حيث أوردوا في كتبهم هذا النص: «وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵁: أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم، ووالى علياً ﵁. وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵁ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي ﷺ بمثل ذلك، وهو أول من أظهر القول بفرض إمامة علي ﵁ وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية». (٢) والأثر اليهودي في عقيدة الرافضة ظاهر من خلال التشابه الكبير بينهما في العقيدة، فما عقيدة الوصية، والرجعة، والبداء، والتقية، التي هي أصول عقيدة الرافضة، إلا أمثلة واقعية لصلة عقيدة الرافضة باليهود. وما جرأة الرافضة على كتاب الله بالتحريف، وكثرة الكذب فيهم، والنفاق، والطعن في خيار الأمة بالظلم والعدوان، وعدم اعتدال الرافضة في حب ولا بغض، إلا أخلاق يهودية موروثة. وقد نبه العلماء على ذلك قديماً وحديثاً في نصوص كثيرة ليس هذا موضع ذكرها (٣) ولكن المقصود هنا: بيان أن هذه الطائفة هي من أشد

стр. 4

الفرق المنتسبة للإسلام: بدعة وضلالاً، لنشأتها الغريبة عن الإسلام وبعد عقيدتها عن حقائق الإيمان. ولذا حذر علماء الإسلام من الرافضة أشد ما يكون التحذير، وذموهم بما لم يذموا به طائفة أخرى، وما ذلك إلا لما اطّلعوا عليه من عظيم خطرهم على الأمة، وبعدهم عن الدين. فعن عامر الشعبي أنه قال: «احذركم الأهواء المضلة، وشرّها الرافضة. وذلك أن منهم يهوداً يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم، كما يغمص بولس بن شاول ملك اليهود النصرانية لتحيا ضلالتهم لم يدخلوافي الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتاً لأهل الإسلام.» (١) وعن طلحة بن مصرّف أنه قال: «الرافضة لاتنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، لأنهم أهل ردة». (٢) وسئل الإمام مالك عن الرافضة فقال: «لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون». (٣) وعن أبي يوسف أنه قال: «لا أصلي خلف جهمي، ولا رافضي، ولا قدري». (٤) وعن الإمام الشافعي أنه قال: «لم أر أحداً من أصحاب الأهواء أكذب في الدعوى، ولا أشهد بالزور من الرافضة». (٥) وقال القاسم بن سلام: «عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، وكذا،

стр. 5

فما رأيت أوسخ وسخاً، ولا أقذر قذراً، ولا أضعف حجة، ولا أحمق، من الرافضة» . (١) وعن الإمام أحمد أنه سئل عمن يشتم أبابكر وعمر وعائشة قال: «ماأراه على الإسلام» . (٢) وعن الإمام البخاري أنه قال: «ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يُسلم عليهم ولا يُعادون ولا يُناكحون ولا يُشهدون ولا تُؤكل ذبائحهم» . (٣) ويقول شيخ الإسلام في معرض حديثه عن الرافضة في منهاج السنة: «والله يعلم، وكفى بالله عليماً، ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة، شر منهم، لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم» . (٤) وأقوال العلماء في ذمهم كثيرة مشهورة، وإنما ذكرت هنا أمثلة. وقد جمعت طائفة كبيرة، منها في مبحث مستقل من هذا الكتاب، مراعياً التنويع في النقل، بحسب اختلاف الأعصار والأمصار ليعلم إجماع الأمة قاطبة على ذم الرافضة والتحذير منهم. (٥) ويكمن خطر الرافضة على الأمة في عدة أمور: الأول: أنهم أصحاب دعوة لعقيدتهم، وهذه الدعوة تتستر بمحبة أهل بيت النبي ﷺ ، فيستغلون عاطفة المسلمين تجاه أهل البيت في بث أفكارهم وعقيدتهم الفاسدة. الثاني: أنهم يدينون بالتقية، التي هي النفاق المحض، فيخدعون

стр. 6

المسلمين بما يظهرون لهم من الموافقة، والمحبة، والمناصرة، ولا يصرحون بعقيدتهم الحقيقية، فانخدع بهم من انخدع من أهل السنة، وخالطوهم في المجالس والمساكن، ومالت نفوسهم إليهم، حتى وصل الحال ببعضهم إلى موالاتهم ومحبتهم، بل الارتكاس في عقيدتهم. الثالث: أنهم يكذبون في نقلهم وأخبارهم، يستحلون الكذب انتصاراً لمعتقدهم؛ ولهذا جاءت كتبهم مليئة بالروايات الموضوعة على لسان النبي ﷺ وعلى ألسنة أئمة أهل البيت، بل تطاولوا على كتاب الله بالتحريف والتبديل، استدلالاً لباطلهم وترويجاً لبدعتهم، فخدعوا بعض العامة بذلك ولبسوا عليهم في أصل دينهم. الرابع: أن للرافضة في دعوتهم أساليب ماكرة، يلبسون بها على الناس، ويخدعونهم بها، وهذه الأساليب كثيرة جداً، تتلون في كل عصر بما يناسبه، وكلما ظهر الناس على شئ منها وفضحوهم بها، انتقلوا إلى أسلوب آخر، وحيلة جديدة شأنهم في ذلك شأن اليهود. فمن أساليبهم الماكرة: إطلاقهم الألقاب أو الكنى التي اشتهر بها علماء أهل السنة، على بعض علمائهم تلبيساً على الناس. وبالتالي قد ينسب الناس لذلك الامام المشهور أقوال ذلك الرافضي. مثل: إطلاقهم (السدّي) على أحد علمائهم وهو: (محمد بن مروان) موافقه للإمام المشهور وهو: (إسماعيل بن عبد الرحمن السدي) ففرّق العلماء بينهم بإطلاق (السدّي الكبير): على الإمام السني. وإطلاق (السدّي الصغير) على الرافضي، وإن كان حصل لبعض الناس لبس في ذلك، فنسب ذلك الإمام الجليل للتشيع وهومنه برئ. (١)

стр. 7

وكإطلاقهم (الطبري) على (محمد بن رستم) أحد علمائهم وتكنيته بأبي جعفر مضاهاةً للإمام الجليل: (محمد بن جرير الطبري) فاجتمع معه في الاسم، والكنية، واللقب، فلبسوا بذلك تلبيساً عظيماً، حتى إن الإمام الحافظ: أحمد بن علي السليماني نسب الإمام الطبري للرفض وهو من أبعد الناس عن ذلك، لكن السليماني اختلط عليه الإمام بالرافضي وقد أشار إلى ذلك الذهبي ﵀. (١) وكذلك إطلاقهم على أحد علمائهم المسمى بعبد الله: (ابن قتيبة) مشابهة بعبد الله بن مسلم بن قتيبة، من كبار علماء أهل السنة وثقاتهم. وزيادة في التلبيس قام هذا الرافضي بتأليف كتاب سماه (المعارف) على غرار كتاب (المعارف) لابن قتيبة ﵀. (٢) ومن أساليبهم أيضاً: أنهم يؤلفون بعض الكتب وينسبونها إلى أحد أئمة أهل السنة، ويذكرون فيها بعض المفتريات مما يوجب الطعن على أهل السنة، كالمختصر المنسوب إلى الإمام مالك، الذي صنفه أحد الشيعة فذكر فيه أن مالك العبد يجوز له أن يلوط به. (٣) ومن مكايدهم: أنهم يزيدون بعض الابيات في شعر أحد أئمة أهل السنة، مما يؤذن بتشيعه. كما ألحق بعض الرافضة المتقدمين بما نسب إلى الإمام الشافعي من أبيات فيها: ياراكباً قف بالمحصب من منى … واهتف بساكن خيفها والناهض

стр. 8

فألحق الرافضي بها: قف ثم ناد بأنني لمحمد … ووصيه ونبيه لست بباغض أخبرهم أني من النفر الذي … لولاء أهل البيت لست بناقض وقل ابن إدريس بتقديم الذي … قدّمتموه على عليّ مارضي (١) ولا يخفى ما في هذه الأبيات من الركاكة التي تقطع ببطلان نسبتها إلى الإمام الشافعي ﵀. فلهذه الأوجه وغيرها تعد الرافضة من أخطر الفرق على الأمة، وأشدها فتنة وتضليلاً، خصوصاً على العامة الذين لم يقفوا على حقيقة أمرهم، وفساد معتقدهم. والرافضة في هذا العصر، قد أحدثوا حيلاً جديدة لاصطياد من لاعلم عنده من أهل السنة، والتأثير عليه بعقيدتهم الفاسدة الكاسدة. فمن ذلك ما أحدثوه من دعوة التقريب بين السنة والشيعة، والدعوة إلى تناسي الخلافات بين الطائفتين. وما هذه الدعوة إلا ستار جديد للدعوة للرفض، ونشر هذه العقيدة الفاسدة بين صفوف أهل السنة، وإلا فالرافضة لايقبلون التنازل عن شيء من عقيدتهم. لكن هذه الدعوة مالبثت أن باءت بالفشل بحمد الله وتوفيقه، ثم بجهود العلماء المخلصين الذين حذروا من هذه المكيدة وأفسدوها. ثم إنه في السنوات الأخيرة وبعد فشل دعوة التقريب، رأينا الرافضة تظهر بوجهها الحقيقي، في أسلوب ماكر جديد، ممثلة في رجل مجهول لا يعرف له ذكر في العلم، فادّعى أنه كان سنياً وأن الله هداه إلى عقيدة الرفض ثم أخذ يصحح عقيدة الرافضة، ويدعوا لها، ويطعن في عقيدة أهل السنة وينفر الناس منها، هذا مع القدح العظيم في الصحابة الكرام، ورميهم بالكفر والردة عن الإسلام، وذلك عن طريق تأليفه جمعاً من

стр. 9

الكتب بثها في الناس بعد أن شحنها بالأكاذيب والأباطيل والدس والتضليل. هذا الرجل هو من يعرف باسم الدكتور محمد التيجاني السماوي وقد ذكر هو في حديثه عن نفسه أنه من تونس. وقد جاء على أغلفة كتبه تحت ذكر اسمه عبارة (دكتوراه في الفلسفة من جامعة السربون بباريس) وبلغني أنه الآن يعيش في بلجيكا بعد أن طُرد من تونس وكتبه هي: ١ - ثم اهتديت. ٢ - لأكون مع الصادقين. ٣ - فسألوا أهل الذكر. ٤ - الشيعة هم أهل السنة. الأول منها يقع في (٢٢٣) صفحة، والثاني في (٣٤٨) صفحة، والثالث في (٣٥٤)، والرابع في (٣٢٧) صفحة. كلها من الحجم المتوسط، وهي من نشر «مؤسسة الفجر بلندن». وقد قرأت هذه الكتب فتبين لي من خلال قراءتها مايلي: ١ - أن المؤلف ليس من أهل العلم. بل هو جاهل بالشرع وعلومه وغاية ما يكون عليه حاله -مع حسن الظن- أنه ممن تربى على المدارس الفكرية المعاصرة، وهذا ظاهر من خلال أسلوبه في عرض المسائل، وتعامله مع النصوص وطريقته في الاستدلال، وعدم تمييزه بين الأحاديث الصحيحة من الضعيفة. حيث يصحح الاحاديث أحياناً، إما عن طريق العقل، أو لمجرد ورودها في كتب السنة. ومما يؤكد جهله ما صرح به ضمن حديثه عن نفسه من أنه لم يشتر صحيح البخاري ومسلم، وأشهر كتب الأحاديث الأخرى، ولم يعرفها إلا بعد رجوعه من العراق واتصاله ببعض علماء الرافضة الذين ذكروا له -بزعمه- بعض المطاعن في الصحابة من الصحيحين فاشترى هذه الكتب للتأكد من ذلك. يقول: «سافرت إلى العاصمة، ومنها اشتريت صحيح

стр. 10

البخاري وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وصحيح الترمذي، وموطأ مالك، وغيرها من الكتب الأخرى المشهورة، ولم أنتظر الرجوع إلى البيت، فكنت طوال الطريق بين تونس وقفصة وأنا راكب في حافلة النقل العمومية أتصفح كتاب البخاري وأبحث عن رزية الخميس». (١) ٢ - المؤلف في عقيدته الجديدة -التي يزعم أنه اهتدى إليها- رافضي جلد، يقرر عقيدة الرافضة بكل صراحة، وينتصر لها، ويعلن انتسابه إليها، والبراءة من السنة والصحابة، الذين يصرح باعتقاده ردتهم إلا القليل منهم. حيث يقول: «قرأت الكثير حتى اقتنعت بأن الشيعة الامامية على حق، فتشيعت، وركبت على بركة الله سفينة أهل البيت، وتمسكت بحبل ولائهم، لأني وجدت بحمد الله البديل عن بعض الصحابة الذين ثبت عندي أنهم ارتدوا على أعقابهم، ولم ينج منهم إلا القليل». (٢) ٣ - لم يلتزم المؤلف في كتبه بالمنهج العلمي في التأليف، لا من حيث توثيق المعلومات من مصادرها، ولا من حيث طريقة عرض المسائل وترتيبها تحت أبواب أو فصول ومراعاة وحدة الموضوعات وترابطها، بل جاءت كتبه خالية من أي توثيق للمعلومات والإحالة على المصادر إلا ما ندر، وإذا ما أحال تكون الإحالة في الغالب ناقصة لاتفي بالغرض. وأما طريقته في عرض المسائل فإنه يبحثها تحت عناوين مستقلةلا ارتباط لها بما قبلها أو بعدها، بل إنه قد يعقد العنوان لبحث مسأله ويبحث تحته مسألة أخرى، فجاءت كتبه أشبه ما تكون بمقالات منوعة، جمعت من غير ترتيب ولا تهذيب وقد ذكرت لذلك أمثلة عند نقد المؤلف ومنهجه. ٤ - تركزت مادة هذه الكتب حول مسألة الصحابة بشقيها الذي سارت عليه كتب الرافضة وهما: الغلو المفرط في علي وأبنائه والإستدلال

стр. 11

على ذلك بالموضوعات والمنكرات التي ليس لها حظ من الصحة والثبوت، والقدح المقذع في سائر الصحابة استدلالاً بما جاء في كتب التاريخ من أخبار، عامتها مكذوبة على الصحابة هي من وضع الرافضة والزنادقة، وقليل منها صحيح لكنه لامطعن فيه على الصحابة. والمؤلف لم يأت بجديد في هذا الباب، بل هو معتمد على ما جاء في كتب الرافضة من مطاعن، مع ادعائه أنه قد توصل لهذه المسائل عن طريق البحث العلمي الجاد وهو في ذلك كاذب. بل إني أشك في استقلاله بتأليف هذه الكتب، للتناقض الكبير الحاصل فيها -والذي ستأتي له أمثلة مفصلة عند نقد المؤلف ومنهجه- ولعدم ترابط موضوعاتها وتناسقها مما يبعد معه أن تكون لمؤلف واحد ولا أستبعد أن يكون للخوئي والصدر وغيرهما من علماء الرافضة المعاصرين اليد الطولى في أصل فكرة وضع هذه الكتب، والمشاركة في تأليفها، خصوصاً وأن المؤلف صرح بأنه إنما شرع في البحث بعد اتصاله بهم في العراق وتزويدهم له بكمية كبيرة من كتب الرافضة. ثم إني بعد تأمل هذه الكتب وما حوته من تضليل وتلبيس، وما بلغني أيضاً من سعي الرافضة في طباعتها وترجمتها إلى عدة لغات، وتوزيعها على كل نطاق، وتلقف العوام لها في بلاد كثيرة خلت من العلماء الذين يحذرون من هذه الكتب وخطرها، وينبهون الناس على زيفها وباطلها: عقدت العزم على الرد عليها، وكشف زيفها وتهافتها نصحاً للأمه ودفاعاً عن السنة. وإن كنت مؤثراً أن يتولى هذا الرد عالم من علماء الأمة، إلا أن معرفتي بانشغال العلماء بما هو أعظم حملني على تجشم هذا الأمر -على ضعف منى وتقصير- رغبة في الأجر والذب عن السنة، متشبهاً بالعلماء في ذلك، غير متطاول على مقامهم. فبدأت بجرد تلك الكتب الأربعه وحصر المسائل الواردة فيها، والتي تحتاج إلى رد، ثم جمعت من الأدلة وكلام أهل العلم حول كل مسألة ما

стр. 12

يفي بالغرض في الرد عليها، وكنت قد صنفتها حسب الموضوعات من غير نظر إلى الكتاب الواردة فيه، تمهيداً للرد عليها في كتاب واحد بحسب ذلك الترتيب الموضوعي. ثم رأيت من المصلحة إفراد الرد على كل كتاب بكتاب مستقل، لما بلغني من انتشار بعض تلك الكتب في بعض الأماكن دون بعض فما أردت أن أعين على نشر مالم يعرف منها عن طريق عرض المسائل عند الرد عليها، ولما في هذه الطريقة المختارة من سهولة على القارئ في مراجعة مسائل كل كتاب على حدة. وها هو ذا الرد على الكتاب الأول من هذه الكتب، وهو كتاب «ثم اهتديت» الذي يعد من أكثر تلك الكتب تلبيساً وتضليلاً، حيث تتبعت كل مسائله وفندت كل شبهة، بالدليل الصحيح، والخبر الموثق، والحجة المقنعة، حتى ظهر الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. والمنة فيها والفضل لله وحده. فله الحمد على ماأنعم ويسر أولاً وآخراً. وقبل الشروع في تفصيل الرد جعلت له مدخلاً تضمن مباحث نافعة ومفيدة -إن شاء الله- جاءت مقسمة على ستة مباحث: المبحث الأول: في التعريف بالرافضة. المبحث الثاني: نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم. المبحث الثالث: تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة. المبحث الرابع: مطاعن الرافضة على أئمة أهل السنة وعلمائهم. المبحث الخامس: موقف أهل السنة من الرافضة ومن عقيدتهم. المبحث السادس: نقد عام للمؤلف ومنهجه في كتبه الأربعة. وقد سميت كتابي هذا (الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال) . هذا واسأل الله - تعالى - كما وفق لهذا العمل بلطفه وكرمه، أن يجعله

стр. 13

خالصاً لوجهه الكريم، وأن يمن علىّ فيه بالقبول، وأن ينفع به من يراه من المسلمين، وأن يدحض به كيد الكائدين، وشبه المبتدعين إنه سميع قريب مجيب، وبالإجابة جدير.

стр. 14

المبحث الأول تعريف الرافضة الرفض في اللغة هو: الترك، يقال رفضت الشيء: أي تركته. (١) والرافضة في الاصطلاح: هي إحدى الفرق المنتسبة للتشيع لآل البيت، مع البراءة من أبي بكر وعمر، وسائر أصحاب النبي ﷺ إلا القليل منهم، وتكفيرهم لهم وسبهم إياهم. قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «والرافضة: هم الذين يتبرؤن من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ويسبونهم وينتقصونهم». (٢) وقال عبد الله بن أحمد -رحمهما الله تعالى-: «سألت أبي من الرافضة؟ فقال: الذين يشتمون -أو يسبون- أبا بكر وعمر ﵄». (٣) وقال الإمام أبوالقاسم التيمي الملقب (بقوام السنة) في تعريفهم: «وهم الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄ ورضي عن محبهما». (٤)

стр. 15

وقد انفردت الرافضة من بين الفرق المنتسبة للإسلام بمسبة الشيخين أبي بكر وعمر، دون غيرها من الفرق الأخرى، وهذا من عظم خذلانهم قاتلهم الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «فأبوبكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما، دون غيرهم من الطوائف». (١) وقد جاء في كتب الرافضة ما يشهد لهذا: وهو جعلهم محبة الشيخين وتوليهما من عدمها هي الفارق بينهم وبين غيرهم ممن يطلقون عليهم (النواصب) فقد روى الدرازي عن محمد بن علي بن موسى قال: «كتبت إلى علي بن محمد ﵇ (٢) عن الناصب هل يحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت (٣) واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب من كان على هذا فهو ناصب». (٤) سبب تسميتهم رافضة: يرى جمهور المحققين أن سبب اطلاق هذه التسمية على الرافضة: هو رفضهم زيد بن علي وتفرقهم عنه بعد أن كانوا في جيشه، حين خروجه على هشام بن عبد الملك، في سنة إحدى وعشرين ومائة وذلك بعد أن أظهروا البراءة من الشيخين فنهاهم عن ذلك. يقول أبو الحسن الأشعرى: «وكان زيد بن علي يفضل علي بن

стр. 16

أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله ﷺ ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور، فلما ظهر في الكوفة في أصحابه الذين بايعوه سمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر فأنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني، فيقال إنهم سموا رافضة لقول زيد لهم رفضتموني». (١) وبهذا القول قال قوام السنة (٢)، والرازي (٣)، والشهرستاني (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥) ﵏. وذهب الأشعري في قول آخر: إلى أنهم سموا بالرافضة لرفضهم إمامة الشيخين، قال: «وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر». (٦) والرافضة اليوم يغضبون من هذه التسمية ولا يرضونها، ويرون أنها من الألقاب التي ألصقها بهم مخالفوهم، يقول محسن الأمين: «الرافضة لقب ينبز به من يقدم علياً ﵁ في الخلافة وأكثر مايستعمل للتشفي والانتقام». (٧) ولهذا يتسمون اليوم بـ (الشيعة) وقد اشتهروا بهذه التسمية عند العامة، وقد تأثر بذلك بعض الكتاب والمثقفين، فنجدهم يطلقون عليهم هذه التسمية. وفي الحقيقة أن الشيعة مصطلح عام يشمل كل من شايع علياً ﵁ (٨).

стр. 17

وقد ذكر أصحاب الفرق والمقالات أنهم ثلاثة أصناف: غالية: وهم الذين غلوا في علي ﵁ ولربما ادعوا فيه الألوهية أو النبوة. ورافضة: وهم الذين يدعون النص على استخلاف علي ويتبرءون من الخلفاء قبله وعامة الصحابة. وزيدية: وهم أتباع زيد بن علي، الذين كانوا يفضلون علياً على سائر الصحابة ويتولون أبا بكر وعمر. (١) فإطلاق «الشيعة» على الرافضة من غير تقييد لهذا المصطلح غير صحيح، لأن هذا المصطلح يدخل فيه الزيدية، وهم دونهم في المخالفة وأقرب إلى الحق منهم. بل إن تسميتهم «بالشيعة» يوهم التباسهم بالشيعة القدماء الذين كانوا في عهد علي ﵁ ومن بعدهم؛ فإن هؤلاء مجمعون على تفضيل الشيخين على عليّ ﵁ وإنما كانوا يرون تفضيل علي على عثمان وهؤلاء وإن كانوا مخطئين في ذلك إلا أن فيهم كثيراً من أهل العلم ومن هو منسوب إلى الخير والفضل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ولهذا كانت الشيعة المتقدمون، الذين صحبوا علياً، أو كانوا في ذلك الزمان، لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان». (٢) لذا فإن تسمية «الرافضة» بالشيعة من الأخطاء البينة الواضحة التي وقع فيها بعض المعاصرين تقليداً للرافضة في سعيهم للتخلص من هذا الاسم، لما رأوا من كثرة ذم السلف لهم، ومقتهم إياهم، فأرادوا التخلص من ذلك

стр. 18

الاسم تمويهاً وتدليساً على من لا يعرفهم بالانتساب إلى الشيعة على وجه العموم. فكان من آثار ذلك ماوقع فيه بعض الطلبة المبتدئين ممن لم يعرفوا حقيقة هذه المصطلحات من الخلط الكبير بين أحكام الرافضة وأحكام الشيعة، لما تقرر عندهم إطلاق مصطلح التشيع على الرافضة، فظنوا أن ما ورد في كلام أهل العلم المتقدمين في حق (الشيعة) يتنزل على الرافضة، في حين أن أهل العلم يفرقون بينهما في كافة أحكامهم. يقول الإمام الذهبي في ترجمة (أبان بن تغلب) بعد أن ذكر توثيق الأئمة له مع أنه شيعي: «فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع وحدّ الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟. وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ﵄ والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لايحتج به ولا كرامة إلى أن قال: فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان، والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب علياً ﵁ وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضال مفتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما». (١) وعليه فإن من الواجب: أن يسمى هؤلاء الروافض بمسماهم الحقيقي الذي اصطلح عليه أهل العلم وعدم تسميتهم بالشيعة على وجه الاطلاق، لما في ذلك من اللبس والإيهام، وإذا ما اطلق عليهم مصطلح (التشيع)

стр. 19

فينبغي أن يقيد بما يدل عليهم خاصة كأن يقال (الشيعة الإمامية) أو (الشيعة الاثني عشرية) على ما جرت به عادة العلماء عند ذكرهم والله تعالى أعلم.

стр. 20

المبحث الثاني نشأة الرافضة وبيان دور اليهود في نشأتهم أول من يعرف أنه دعا إلى أصول عقائد الرافضة التي انبنت عليها عقائدهم الأخرى: رجل يهودي اسمه (عبد الله بن سبأ) من يهود اليمن، أسلم في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- وأخذ يتنقل بين أمصار المسلمين للدعوة لهذا المعتقد الفاسد. وهذا نص ما ذكره الإمام الطبري في تأريخه في شأن الرجل ضمن حوادث سنة خمس وثلاثين من الهجرة النبوية الشريفة. قال: «كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ (١) ، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء.

стр. 21

ثم قال لهم بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة. ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصيّ رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا الطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر، فبث دعاته وكاتب من كان استفسده في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم». (١) هكذا كانت بداية الرفض. ومازالت تلك العقائد التي دعا إليها ابن سبأ تسير في نفوس أناس من أهل الزيغ والضلال وتتشربها قلوبهم وعقولهم حتى كان من ثمارها مقتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان ابن عفان ﵁ على يد هذه الشرذمة الفاسدة. حتى إذا ما جاء عهد علي بن أبي طالب ﵁ بدأت تلك العقائد تظهر إلى الوجود أكثر من ذي قبل إلى أن بلغت علياً ﵁ فأنكرها أشد ما يكون الإنكار وتبرأ منها ومن أهلها. ومما صح في ذلك عن علي ﵁ مارواه ابن عساكر عن عمار الدهني قال: «سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت المسيب بن لجبة أتى به ملببه يعني -ابن السوداء- وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله ورسوله». (٢) وعن يزيد بن وهب عن علي قال: «مالي ولهذا الحَمِيت (٣) الأسود». (٤)

стр. 22

ومن طريق يزيد بن وهب أيضاً عن سلمة عن شعبه قال علي بن أبي طالب: «مالي ولهذا الحَمِيت الاسود -يعني عبد الله بن سبأ- وكان يقع في أبي بكر وعمر». (١) وهذه الروايات ثابتة عن علي ﵁ بأسانيد صحيحة (٢) وحكى المؤرخون وأصحاب الفرق والمقالات: أن ابن سبأ ادّعى الربوبية في علي ﵁ فأحرقه علي ﵁ هو وأصحابه بالنار. يقول الجرجاني: «السبئية من الرافضة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وكان أول من كفر من الرافضة، وقال: عليّ رب العالمين فأحرقه علي وأصحابه بالنار». (٣) ويقول الملطي في معرض حديثه عن السبئية: «هم أصحاب عبد الله بن سبأ. قالوا لعلي ﵇: أنت أنت قال: ومن أنا؟ قالوا: الخالق البارئ فاستتابهم فلم يرجعوا، فأوقدلهم ناراً ضخمة وأحرقهم وقال مرتجزاً: لما رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً … أجَجْتُ ناري ودعوتُ قنبرا» (٤) وذهب بعض المؤرخين إلى أن علياً ﵁ لم يحرق ابن سبأ وإنما نفاه إلى المدائن. ثم ادّعى بعد موت علي ﵁ أن علياً لم يمت، وقال لمن نعاه: «لو جئتمونا بدماغه في سبعين صُرّة ما صدقنا موته». (٥) ولعل القول الأول هو الصحيح ويشهد له ما جاء في صحيح

стр. 23

البخاري: عن عكرمة ﵁ قال: أُتي عليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: (لوكنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : لا تعذبوا بعذاب الله. ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه). (١) قال ابن حجر في شرح الحديث بعد أن ذكر بعض الروايات في هؤلاء المحَرَّقين وفيها: أنهم ناس كانوا يعبدون الأصنام، وفي بعضها أنهم قوم ارتدوا عن الإسلام، على اختلاف بين الروايات في تعيينهم قال بعد ذلك: «وزعم أبو المظفر الإسفرايني في (الملل والنحل) أن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الالهية وهم السبئية. وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهودياً أظهر الإسلام، وابتدع هذه المقالة. وهذا يمكن أن يكون أصله: ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري قال: قيل لعلي إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال: ويلكم ماتقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا». (٢) ثم ساق بقية الرواية وفيها أن علياً ﵁ استتابهم ثلاثاً فلم يرجعوا، فحرقهم بالنار في أخاديد قد حُفِرت لهم وقال: إني إذا رأيت أمراً منكراً … أوقدت ناري ودعوت قنبرا قال ابن حجر: «وهذا سند حسن». (٣) فعلى هذا يكون تحريق علي ﵁ للسبئية ثابتاً وسواء أكان ذلك بأثر عكرمة في البخاري أم بهذا الأثر على رأي ابن حجر -رحمه الله تعالى-.

стр. 24

وسيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يشعر بميله للرأي الأول والله تعالى أعلم. والمقصود هنا هو ظهور عقائد الرافضة المتمثلة في الغلو في علي ﵁ في تلك الفترة الزمنية المتقدمة، وإمعان علي ﵁ في عقوبتهم حتى قال ابن عباس في ذلك ما قال. كما ثبت انكار علي ﵁ لكل العقائد الأخرى التي ظهرت في عهده وانتظمت في سلك التشيع له: كتفضيله على عامة الصحابة وتقديمه على الشيخين، وكانتشار سب الصحابة والازراء عليهم بين أولئك الضلاّل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ردها، وكانت (ثلاث طوائف) غالية، وسبابة ومفضِّلة. فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم من باب كندة فسجد له أقوام، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو الله فا ستتابهم ثلاثاً فلم يرجعوا فأمر في الثالث بأخاديد فخُدّت وأضرم فيها النار، ثم قذفهم فيها وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً … أججت ناري ودعوت قنبرا وفي صحيح البخاري: (أن علياً أتى بزنادقة فحرّقهم وبلغ ذلك ابن عباس فقال: أما أنا فلو كنت لم أحرقهم لنهي النبي ﷺ أن يُعَذّب بعذاب الله ولضربت أعناقهم لقول النبي ﷺ من بدل دينه فاقتلوه) . (١) وأما السبابة: فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله، فهرب منه إلي قرقيسيا وكلمه فيه، وكان علي يداري أمراءه، لأنه لم يكن متمكنا ولم يكن يطيعونه في كل ما يأمرهم به.

стр. 25

وأما المفضلة: فقال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترين. وروي عنه من أكثر من ثمانين وجهاً أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». (١) وعلى كل حال فعقائد الرافضة مع ظهورها في عهد علي ﵁ إلا أنها بقيت محصورة في أفراد لا تمثلها طائفة أو فرقة، حتى انقضى عهد علي ﵁ وهي على تلك الحال. يقول شيخ الإسلام واصفاً ذلك الواقع وما حصل بعد ذلك من تطور في نشأة الرافضة: «ثم ظهر في زمن علي من تكلم بالرفض؛ لكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين ﵁، بل لم يظهر اسم الرفض إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر ﵄ رفضته الرافضة، فسموا (الرافضة) واعتقدوا أن أبا جعفر هو الإمام المعصوم، واتبعه آخرون فسموا (زيدية) نسبة إليه». (٢) وخلاصة القول أن الرافضة مرت في نشأتها بعدة مراحل حتى أصبحت فرقة مستقلة متميزة بعقيدتها واسمها عن سائر فرق الأمة. ويمكن إبراز ذلك من خلال أربع مراحل رئيسة: المرحلة الأولى: دعوة عبد الله بن سبأ إلى ما دعى إليه من الأصول التي انبنت عليها عقيدة الرافضة: كدعوته لعقيدة الرجعة وإحداثه القول بالوصية لعلي ﵁ والطعن في الخلفاء السابقين لعلي في الخلافة. وقد ساعد ابن سبأ في ترويج فكره الضال البعيد عن روح الإسلام أمران:

стр. 26

الأمر الأول: اختيار ابن سبأ البيئة المناسبة لدعوته، حيث بث دعوته في بلدان: الشام، ومصر، والعراق، بعد أن أكثر التنقل بين هذه الأمصار كما مر في كلام الطبري. (١) فنشأت هذه الدعوة في مجتمعات لم تتمكن من فهم الإسلام الفهم الصحيح، وتترسخ أقدامها في العلم الشرعي والفقه بدين الله تعالى، وذلك لقرب عهدها بالإسلام فإن تلك الأمصار إنما فتحت في عهد عمر ﵁. هذا بالإضافة إلى بعدها عن مجتمع الصحابة في الحجاز وعدم التفقه عليهم. الأمر الثاني: ان ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات فإنه زيادة في المكر والخديعة: أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية، فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد، وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس، وأصحاب الأغراض الخبيثة، ممن لم يدخلوا في الإسلام إلا كيداً لأهله بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم ومزقت ممالكهم، وقد تقدم كلام الطبري السابق عن ابن سبأ: «فبث دعاته، وكاتب من كان استفسده في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم» . (٢) ويقول في سياق وصفهم: «وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون» . (٣) المرحلة الثانية: إظهار هذا المعتقد، والتصريح به، وذلك بعد مقتل عثمان ﵁ وانشغال الصحابة رضوان الله عليهم بإخماد الفتنة التي حصلت بمقتله، فوجد هؤلاء الضلال متنفساً في تلك الظروف، وقويت تلك العقائد الفاسدة في نفوسهم، إلا أنه مع كل ذلك بقيت هذه العقائد محصورة في طائفة مخصوصة ممن أضلهم ابن سبأ، وليست لهم شوكة ولا كلمة

стр. 27

مسموعة عند أحد سوى من ابتلي بمصيبتهم في مقتل عثمان ﵁، وشاركهم في دمه من الخوارج المارقين، ومما يدل على ذلك ما نقله المؤرخون في الحوار الدائر بين هؤلاء قُبيل موقعة الجمل، ومما جاء فيه كما ذكر الطبري: «قال ابن السوداء ودّ والله الناس أنكم على جديلة (١) ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شئ». (٢) وفي موطن آخر: «وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم». (٣) وهذا القول لا يقوله صاحب شوكة ومنعة. ومع هذا فإنه لاينكر دور هؤلاء السبئية وقتلة عثمان في إشعال نار الحرب بين الصحابة، بل ذلك مقرر عند أهل التحقيق للفتنة وأحداثها. يقول ابن حزم مقرراً ذلك: «وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراعة والتدبير عليهم، فبيتوا عسكر طلحة والزبير، وبذلوا السيوف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم». (٤) ويقول ابن كثير: «وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس». (٥) المرحلة الثالثة: اشتداد أمرهم وقوتهم، واجتماعهم تحت قيادة واحدة، وذلك بعد مقتل الحسين ﵁ للأخذ بثأر الحسين والانتقام له من أعدائه.

стр. 28

يقول الطبري ضمن حوادث سنة أربع وستين للهجرة: «وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتّعدوا الاجتماع بالنخيلة سنة خمس وستين للمسير لأهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي، وتكاتبوا في ذلك» . (١) وكان مبدأ أمرهم ما ذكره الطبري أيضاً من رواية عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي أنه قال: «لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة: إلى سليمان بن صُرَد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي ﷺ ، وإلى المُسَيّب بن نجَبَة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد ابن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التَّيمى، وإلى رفاعة بن شداد البَجَلي. ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صُرَد وكانوا من خيار أصحاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم» . (٢) وكان هذا الاجتماع عاماً يشمل كافة الشيعة، وقد اجتمع إلى سليمان بن صُرَد نحو من سبعة عشر ألفاً، ثم لم تعجب سليمان قلتهم فأرسل حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة بأعلى صوته: (يا ثأرات الحسين) فلم يزل ينادي حتى خرج إلى النخلية أشراف أهل الكوفة وخرج الناس معهم فكانوا قريباً من عشرين ألفاً. (٣) ثم إنه في هذه الأثناء قدم المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى الكوفة «فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صرد وعظموه تعظيماً زائداً، وهم معدون للحرب، فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا إلى إمامة المهدي

стр. 29

محمد بن علي بن أبي طالب وهو محمد بن الحنفية، ولقبه بالمهدي فاتبعه على ذلك كثير من الشيعة، وفارقوا سليمان بن صرد، وصارت الشيعة فرقتين، الجمهور منهم مع سليمان، يريدون الخروج على الناس ليأخذوا بثأر الحسين، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن الحنفية، وذلك عن غير أمر ابن الحنفية ورضاه، وإنما يتقولون عليه ليروجوا على الناس به، وليتوصلوا إلى أغراضهم الفاسده. (١) فكان هذا بداية اجتماع الشيعة. ثم يذكر المؤرخون خروج سليمان بن صرد بمن كان معه من الشيعة إلى الشام، فالتقوا مع أهل الشام عند عين تسمى «عين الوردة» واقتتلوا اقتتالاً عظيماً لمدة ثلاثة أيام، يقول ابن كثير في وصفه: «لم ير الشيب والمرد مثله لايحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل» (٢)، ثم انتهى القتال بينهم بقتل سليمان بن صرد ﵀ وكثير من أصحابه، وهزيمتهم، وعودة من بقي من أصحابه إلى الكوفة. (٣) وأما المختار بن أبي عبيد: فلما رجع من بقي من جيش سليمان إلى الكوفة وأخبروه بما كان من أمرهم، وما حل بهم فترحم على سليمان ومن كان قتل معه، وقال: «وبعد فأنا الأمير المأمون قاتل الجبارين والمفسدين، إن شاء الله فأعدّوا واستعدوا وأبشروا». (٤) يقول ابن كثير: «وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن ربه (٥)، الذي كان يأتي إليه من الشيطان، فإنه قد كان يأتي إليه شيطان فيوحي إليه قريباً مما كان يوحي شيطان مسيلمة له». (٦) «ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والرساتيق، من

стр. 30

أرض العراق وخراسان، وعقد الألوية والرايات ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله». (١) المرحلة الرابعة: انشقاق الرافضة عن الزيدية، وباقي فرق الشيعة، وتميزها بمسماها وعقيدتها. وكان ذلك على وجه التحديد في سنة إحدى وعشرين ومائة عندما خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك (٢) فأظهر بعض من كان في جيشه من الشيعة الطعن على أبي بكر وعمر فمنعهم من ذلك، وأنكر عليهم فرفضوه، فسموا بالرافضة، وسميت الطائفة الباقية معه بالزيدية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن أول ما عرف لفظ الرافضة في الإسلام: عند خروج زيد بن علي في أوائل المائة الثانية، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما فرفضه قوم فسموا رافضة». (٣) وقال: «ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمى من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه». (٤) ومنذ ذلك التاريخ، تميزت الرافضة عن باقي فرق الشيعة، فأصبحت فرقه مستقلة باسمهما ومعتقدها والله تعالى أعلم.

стр. 31

المبحث الثالث تعريف موجز بأهم عقائد الرافضة تعتبر الرافضة بعقائدها المغرقة في الكفر والضلال، والموغلة في الشر والفساد، من أبعد الفرق المنتسبة للإسلام عن العقيدة الإسلامية الصحيحة بل إن عقائد الرافضة التي انفردت بها مناقضة جملة وتفصيلاً لحقائق الإسلام، وأصول الايمان، كما هو معلوم ومقرر عند أهل العلم والتحقيق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -وهو الخبير بهم- في كتابه العظيم (منهاج السنة) الذي ألفه للرد على الرافضة: «فما أذكره في هذاالكتاب، من ذم الرافضة، وبيان كذبهم، وجهلهم، قليل من كثيرمما أعرفه منهم ولهم شر كثير لاأعرف تفصيله إلى أن قال: والله يعلم وكفى بالله عليماً ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شرّ منهم: لا أجهل، ولا أكذب، ولا أظلم، ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان، وأبعد عن حقائق الإيمان منهم». (١) وسأذكر هنا بعض عقائد الرافضة التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وسائر الأمة، مستدلاً على كل ما أقول بما جاء في كتبهم المعتمدة

стр. 32

والموثقة، وبأقوال علمائهم المشهورين المعظمين عندهم، وذلك حتى يقف القارئ الكريم على ما عند القوم من كفر وضلال، وزيغ وفساد، مراعياً أن يكون العرض على سبيل الإيجاز. فمن عقائد الرافضة: عقيدة البداء لله تعالى: يطلق البداء في اللغة على معنيين: المعنى الأول: (الظهور بعد الخفاء). يقال: بدا الشئ بُدوَّاً وبداءً أي: ظهر ظهوراً بيناً (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وبدالهم من الله مالم يكونوا يحتسبون﴾ (٢) أي ظهر لهم من الله من العذاب مالم يكن في حسابهم. (٣) المعنى الثاني: (تغير الرأي عما كان عليه). قال ابن فارس: «تقول بَدَا لي في هذا الامر بَدَاءٌ: أي تغير رأيي عما كان عليه». (٤) وقال الجوهري: «بدا له في الأمر بَدَاءً أي: نشأ له فيه رأي». (٥) والبداء بمعنييه المتقدمين غير جائز على الله تعالى؛ لأنه يستلزم الجهل بالعواقب، وحدوث العلم. والله تعالى منزه عن ذلك.

стр. 33

قال ابن الأثير: «والبداء استصواب شئ علم بعد أن لم يعلم، وذلك على الله غير جائز». (١) والرافضة يجيزون إطلاق البداء على الله تعالى، بل لهم في ذلك مبالغات عظيمة تفوق حد الوصف، حتى أصبحت هذه العقيدة الفاسدة من أقوى العقائد عندهم جاء في الكافي (٢) الذي يعد من أصح الأصول عندهم تحت باب "البداء" من كتاب التوحيد عن زرارة بن أعين عن بعض الأئمة: «ما عُبِدَاللهُ بشئ مثل البَدَاء». (٣) وفيه عن أبي عبد الله: «ما عُظِّمَ اللهُ بمثل البَدَاء». (٤) وعنه أيضاً: «لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه». (٥) وعقيدة البداء هي محل إجماع الرافضة، كما نقل إجماعهم عليها إمامهم المفيد (٦) وصرح بمخالفة الرافضة فيها لسائر الفرق الإسلامية: يقول: «واتفقوا (أي الإمامية) على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى، وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والزيدية،

стр. 34

والمرجئة، وأصحاب الحديث، على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه». (١) وعقيدة البداء عند الرافضة، من أعظم ماشنع به الناس عليهم، ولذا حاول بعضهم التخلص من هذه الفضيحة بتأول معنى البداء على الله بأنه لايستلزم الجهل، وأنه نسخ في التكوين كالنسخ في التشريع (٢) لكن أنى لهم ذلك وقد جاء في كتبهم، وعلى ألسنة علمائهم نسبة الجهل وحدوث العلم صراحة لله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. جاء في تفسير العياشي (٣) -من أشهر كتب التفسير عندهم- عن أبي جعفر أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ (٤) قال: «كان في العلم والتقدير ثلاثين ليله، ثم بدا لله فزاد عشراً فتم ميقات ربه الأول والآخر أربعين ليلة». (٥) فتأمل أيها القارى قولهم: «كان في العلم والتقدير» لتعلم نسبتهم حدوث العلم صراحة لله تعالى. ومن الروايات الصريحة أيضاً في ذلك مارواه إمامهم الملقب بالصدوق (٦) ونسبه إلى جعفر الصادق -وهو من ذلك برئ-، أنه قال: «مابدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل ابني». (٧)

стр. 35

قال الصدوق في تفسيره: «يقول ما ظهر لله أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه في حياتي». (١) وكما دلت هذه الروايات في كتبهم على نسبة الجهل لله تعالى، فقد دلت على ذلك أقوال علمائهم المتقدمين والمعاصرين. يقول الطوسي (٢) الملقب عندهم (بشيخ الطائفة) معللاً ما جاء في كتبهم من الروايات التي وقتت خروج المهدي عندهم، ثم افتضاح كذبهم بعدم خروجه في الزمن الذي حددوه: «فالوجه في هذه الأخبار أن تقول إن صحت: أنه لايمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر قال عنه الحلي: «شيخ الإمامية -قدس الله روحه- رئيس الطائفة جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه» رجال الحلي ص ١٤٨. في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد، تغيرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر وكذلك فيما بعد». (٣) ويقول الطوسي أيضاً مصرحاً بما هو أظهر من هذا في نسبته الجهل لله، تعالى الله عن ذلك: «وذكر سيدنا المرتضى -قدس الله روحه- وجهاً آخر في ذلك (البداء) وهو أن قال: يمكن حمل ذلك على حقيقته بأن يقال: بدا بمعنى أنه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهراً له، وبدا له من النهي مالم يكن ظاهراً له، لأنه قبل وجود الأمر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين، وإنما يعلم أنه يأمر أوينهي في المستقبل، وأما كونه آمراً وناهياً فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر والنهي وجرى ذلك مجرى الوجهين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ (٤) بأن تحمله على أن المراد: حتى نعلم جهادكم موجوداً، وإنما يعلم ذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء، وهذا وجه حسن جداً». (٥)

стр. 36

فتبين بهذا بيان معتقد الرافضة في الله ، ونسبتهم الجهل له وعدم علمه بالعواقب والمصالح إلا بعد وقوعها. ولا أظن أن أحداً من أهل العقل والفهم، بعد هذه النقول الموثقة من كتب القوم يصدق دعوى الرافضة في براءتهم من هذه الفضيحة. وقد قال الشاعر: خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به … في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة: يعتقد الرافضة أن القرآن الكريم الموجود اليوم بين دفتي المصحف: محرّف ومبدّل. وأن هذا المصحف لايمثل إلا جزءاً يسيراً من القرآن المنزل على النبي ﷺ ، وأن الذي حرّف القرآن هم الصحابة وذلك بحذف فضائحهم الواردة في القرآن وفضائل علي ﵁ وآل البيت التي جاءت منصوصاً عليها في القرآن الكريم. وقد دل على اعتقادهم هذه العقيدة الفاسدة روايات كثيرة امتلأت بها كتبهم المشهورة والموثقة عندهم منها: ما جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفّار (١) بسنده عن أبي جعفر أنه قال: «ما يستطيع أحد أن يدعى أنه جمع القرآن كله قال عنه النجاشي: «كان وجهاً في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر». مقدمة بحار الأنوار ص ٨٩. وقال كوجه باغي عن كتاب بصائر الدرجات: «إنه من الأصول المعتبرة والمعتمدة عند الأصحاب». مقدمة بصائر الدرجات ص ٦. ظاهره وباطنه غير الأوصياء». (٢) وعنه أيضاً: «مامن أحد من الناس يقول إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب، وماجمعه وماحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده». (٣)

стр. 37

وفي تفسير العياشي عن أبي عبد الله: «لو قُرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين». (١) وفيه عن أبي جعفر: «لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفى حقنا على ذي حجى». (٢) وجاء في الكافي بيان مقدار ما أُسقط من القرآن -بزعمهم- فعن أبي عبد الله: «إن القرآن الذي جاء به جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية». (٣) وهذا يعنى أن ثلثي القرآن قد أُسقطا، حيث إن عدد آيات القرآن الموجود الآن لا يتجاوز (٦٢٣٦) آية. (٤) وجاء في كتاب سليم بن قيس (٥) الذي يسمى عندهم (أبجد الشيعة): «إن الأحزاب تعدل سورة البقرة، والنور ستون ومائة آية، والحجرات ستون آية والحجر تسعون آية». (٦) والروايات في كتب الرافضة المصرحة بتحريف القرآن كثيرة جداً وإنما سقت هنا أمثلة يستدل بها وقد أخبر عن استفاضتها وتواترها عندهم كبار علمائهم ومحققيهم. يقول المفيد: «ان الأخبار جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل

стр. 38

محمد ﵌ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان». (١) ويقول هاشم البحراني (٢) -أحد كبار مفسريهم-: «اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله ﷺ شئ من التغييرات وأسقط الذين جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات». (٣) ويقول أيضاً: «وعندي في وضوح صحة هذا القول (أي تحريف القرآن) بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع وأنه من أكبر مقاصد الخلافة». (٤) ويقول نعمة الله الجزائري (٥): «إن الأخبار الدالة على هذا (التحريف) تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي». (٦) فهذه أقوال أئمتهم ومحققيهم الكبار تقطع بتواتر واستفاضة الروايات في كتبهم بدعوى تحريف القرآن وتبديله، وأنها تبلغ الآلاف مما جعل بعض هؤلاء العلماء يقطع بأن هذه العقيدة من ضروريات المذهب عندهم وأكبر مقاصد الإمامة. وزيادة على ما جاء في كتبهم من آلاف الروايات الدالة على دعوى

стр. 39

تحريف القرآن، فإن أقوال علمائهم ومنظريهم، وأهل الاجتهاد فيهم، جاءت مؤكدةلتلك العقيدة الفاسدة. ولعل المقام هنا لايتسع لنقل كلامهم هنا وإنما أذكرمن نقل إجماعهم على ذلك من كبار علمائهم. يقول المفيد ناقلاً إجماعهم على ذلك، وخلافهم لسائر فرق الأمة في هذه العقيدة: «واتفقوا (أي: الإمامية) أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن، وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ﷺ وأجمعت المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، وأصحاب الحديث، على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه» . (١) وإن من الأدلة القوية، والبراهين الجلية، والأمثلة الحية التي تقطع برسوخ هذه العقيدة في نفوس الرافضة، وتوهن حجة كل مراوغ ومخادع منهم في التنصل من شؤم هذه العقيدة في الظاهر، ما قام به النوري الطبرسي، أحد كبار علمائهم المتأخرين الهالك في سنة ١٣٢٠هـ (٢) ، عندما ألف كتاباً ضخماً في إثبات دعوى تحريف القرآن عند الرافضة، سماه: (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) صدره بثلاث مقدمات يتبعها بابان: الأول: في الأدلة على تحريف القرآن بزعمه. والثاني: في الرد على القائلين بصحة القرآن من الأمة. وقد أودع الطبرسي في كتابه هذا آلاف الروايات الدالة على تحريف

стр. 40

القرآن بزعمهم، حيث أورد في الفصلين الأخيرين فقط من الباب الأول المكون من اثني عشرفصلاً (١٦٠٢) رواية هذا غير ماأورده في الفصول الأخرى من هذا الباب والمقدمات الثلاث والباب الثاني. وقال معتذراً عن قلة ما جمعه: «ونحن نذكر منها ما يصدق به قال عنه أغا بزرك الطهراني: «إمام أئمة الحديث والرجال في الأعصار المتأخرة، ومن أعظم علماء الشيعة، وكبار رجال الإسلام في هذا القرن وكان آيه من أيات الله العجيبة كمنت فيه مواهب غريبة وملكات شريفة، أهلته لأن يعد في الطليعة من علماء الشيعة ترك شيخنا آثاراً هامة قلما رأت عين الزمان نظيرها في حسن النظم وجودة التأليف وكفى بها كرامة له». نقباء البشر ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥ - ٥٤٩. دعواهم مع قلة البضاعة». (١) وقال موثقاً هذه الروايات: «واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معوّل أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية». (٢) وقد قرر الطبرسي في كتابه هذا في بحث مستفيض وتتبع دقيق لأقوال علمائهم مدعماً بحثه بالنقول الموثقة، أن القول بتحريف القرآن وتغييره واعتقاد نقصه وتبديله، هي عقيدة أجلة علمائهم ومحققيهم الذين هم قدوتهم في الدين، ومحل الثقة منهم فيه. وقال بعد أن سرد حشداً هائلاً من أسماء علمائهم القائلين بالتحريف استغرقت خمس صفحات من كتابه (٣): «ومن جميع ما ذكرنا ونقلنا، بتتبعى القاصر، يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين وانحصار المخالفين فيهم بأشخاص معينين يأتي ذكرهم». (٤) ثم ذكر أن هؤلاء المخالفين هم: الصدوق، والمرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي، قال: «ولم يعرف من القدماء موافق لهم» (٥)، وذكر أنه تبعهم الطبرسي صاحب كتاب مجمع البيان، وقال: «وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هؤلاء المشايخ الأربعة». (٦)
следующие страницы →