Полный текст (252 стр.). Показаны 246–252 · переход к 251.
стр. 246
ولعينٍ مطروفةٍ أبداً قا ... ل لها الدّهر: لا تنامي وجودي
كلّما عزّك البكاء فأنفد ... ت لعبد المجيد سجلاً فعودي
لفتىً يحسن البكاء عليه ... وفتىً كان لامتداح القصيد
فكل هذه الأبيات غرة، ولقد بلغني بلاغاً إخاله صحيحاً أن عبد المجيد كان للمدح حياته موضعاً، وللمراثي بعد موته مستوجباً، عفافاً وجمالاً وأدباً وشباباً.
وقال القائل: البسيط
وإنّ أحسن بيتٍ أنت قائله ... بيتٌ يقال إذا أنشدته صدقا
وأحسن من ذلك وإن جل قدر المؤمن بكاء الرجل على نفسه وإن كان حياً، لما يتوقعه. كما قال إسماعيل بن القاسم: السريع
كم سترى في النّاس من هالكٍ ... وهالكٍ حتّى ترى هالكا
فهذا مأخوذ مما يروى أن الصديق ﵀ كان يكثر إنشاده وهو: مجزوء الكامل
تنفك تسمع ما حيي ... ت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجا ... ء مغيّباً والموت دونه
ومع قوله هذا: السريع
أصبحت الدّنيا لنا عبرةً ... والحمد لله على ذلكا
اجتمع النّاس على ذمّها ... وما ترى منهم لها تاركا
ومثله قوله: الطويل
ننافس في الدّنيا ونحن نعيبها ... وقد حذّرتناها لعمري خطوبها
وما نحسب السّاعات تقطع مدّةً ... على أنّها فينا سريعٌ دبيبها
كأنّي برهطي يحملون جنازتي ... إلى حفرةٍ يحثى عليّ كثيبها
وباكيةٍ حرّى تنوح وإنّني ... لفي غفلةٍ عن صوتها لا أجيبها
وإنّي لممّن يكره الموت والبلى ... ويعجبني روح الحياة وطيبها
стр. 247
فحتّى متى حتّى متى وإلى متى ... يدوم طلوع الشّمس لي وغروبها
أيا هادم اللذّات ما منك مهربٌ ... تحاذر نفسي منك ما سيصيبها
رأيت المنايا قسّمت بين أنفسٍ ... ونفسي سيأتي بعدهنّ نصيبها
وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:
متى يبرد الحزن الذّي في فؤاديا ... أبا خالدٍ من بعد ألاّ تلاقيا؟!
أبا خالدٍ ما كان أدهى مصيبةً ... أصابت معدّاً يوم أصبحت ثاويا
أبا خالدٍ لا بل عممت بنكبةٍ ... فتبكي معدٌّ والقبيل اليمانيا
وناعٍ غدا ينعى يزيد بن مزيدٍ ... فقلت له: أصبحت للجود ناعيا
أعينيّ جودا بالدّموع وأسعدا ... بعبرة محزونٍ بكى لبكائيا
سمعت بكاء النائحات بسحرةٍ ... فهيّجن أحزاناً غلبن عزائيا
ألا عذر الله العيون البواكيا ... وقد عاينت يوماً من الدّهر شاجيا؟
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهروا ... شماتاً، لقد مرّوا بربعك خاليا
وخلّفت ليثي غابتين كلاهما ... سيلقى الأعادي من يديه الدّواهيا
فشبهك أخلاقاً وعزّة أنفسٍ ... إذا النّفس جاشت لو بلغن التّراقيا
قال النفس في موضع النفوس.
سقيت السّواري والغوادي وقد أرى ... خيالك يسري ثمّ يصبح غاديا
نعزّي بك الإسلام إنّك دونه ... إذا نكل الحامون كنت محاميا
مشمّر أذيالٍ تحوط حريمه ... وتحمي له أطرافه والقواصيا
وكنت شهاباً للخليفة ثاقباً ... وكوكبةً ترمي العدا والمناويا
وكنت سناناً نافذاً في يمينه ... وسيفاً له عضباً يقدّ الهواديا
وكنت إذا نادى لأمر عظيمةٍ ... ولم يك من يكفي أصابك كافيا
.... دوينا جانباً والسواسا ... وشمّرت أذيالاً ولبّيت داعيا؟
وقمت بأمر الثّغر بعد فساده ... وأوشكت منه رقع ما كان واهيا
стр. 248
فقد مات معروفٌ وماتت تجارةٌ ... ومات غناءٌ يوم ودّعت ماضيا
نعزّي أمير المؤمنين ورهطه ... بسيفٍ له ما كان في الحرب نابيا
لقد كان في أعدائهم ذا شكيمةٍ ... لهم ناهكاً عدا وقد كان ناكيا؟
وملآن من ودّ الخليفة صدره ... يؤدّي إليه النّصح مذ كان ناشيا
مضى ماجد الأيّام رافع همّةٍ ... إلى الخلق الأعلى، من الذّمّ ناجيا
فإن عدّ في دنيا فذكر مكارمٍ ... وإن عدّ في دينٍ فلم يك تاليا
على مثل ما لاقى يزيد بن مزيدٍ ... عليه المنايا فالق إن كنت لاقيا
فتىً كانت الأبطال تعرف أنّه ... إذا قارعته ليس بالضّيم راضيا
فإن تك أفنته اللّيالي فأوشكت ... فإنّ له ذكراً سيفني اللّياليا
حلفت لقد أبقى يزيد لرهطه ... معالي لا تنفكّ تبني معاليا
стр. 249
كنا أردنا أن نملي أشعاراً من أشعار المحدثين في ضروب من المراثي فأشفقنا من أن يستخف بهذا الكتاب، والمراثي لا تنقضي ما كان الناس؛ فأحببنا أن نختمه ونأخذ في غيره، وأن يكون ما نختمه به شريفاً بهياً، فاخترنا له قصيدة أنشدناها الرياشي لرجل من غطفان من بني عبد الله، كانت له صحبة، قتل يوم جلولاء يقال له سالم، يرثي رسول ﷺ : المتقارب
أفاطم بكّي ولا تسأمي ... لصبحك ما طلع الكوكب
فقد هدّت الأرض لمّا ثوى ... وأيّ البريّة لا ينكب
فمالي بعدك حتّى المما ... ت إلاّ جوىً داخلٌ منصب
جوىً حلّ بين الحشا والشّغاف ... فخيّم فيه فما يذهب
فيا عين ويحك لا تسأمي ... وما بال دمعك لا يسكب!
وقد بان منك الّذي تعلمين ... وضاقت بك الأرض والمذهب
ومن ذا لك الويل بعد الرّسول ... يبكّى من النّاس أو يندب
فإن تبكه تبك خير الأنام ... كثير الفواضل لا يجدب
وإن تبكه تبك سهل الجنا ... ب محض الضرائب لا يؤشب
وإن تبكه تبك نور البلا ... د ضخم الدّسيعة لا يحسب
وإن تبكه تبك خير الأنام ... سريعاً سوابله مخصب
وإن تبكه تبك واري الزّناد ... صدوق المقالة لا يكذب
وتبكي الرّسول وحقّت له ... شهود المدينة والغيّب
وتبكي له الصّمّ، صمّ الجبال ... وشرق المدينة والمغرب
وتبكيه شعثاء مضرورةٌ ... إذا حجب النّاس لا تحجب
ويبكيه شيخٌ أبو ولده ... تطيف بعقوته أشيب
стр. 250
ويبكيه أهل النّهى والحجى ... من النّاس والطّارق الأخيب
ويبكيه ضيفٌ جفاه الصّديق ... وذو النّسب الدّاخل الأقرب
ويبكيه شعثٌ خماص البطون ... أضرّ بهم زمنٌ أنكب
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما.
стр. 251
هذا آخر الكتاب. وقيل: ما قيل فيه صلى الله عليه قليل وإن كان كثيراً في اللفظ، ويسير وإن كان جليلاً في النفس، وعليه رحمة الله وبركاته.
وهذا حديث نذكره ليتبعه ذكره ﵇، ويعوذ به عائذ، ويأتم به مؤتم: حدثني الرياشي العباس بن الفرج قال: أخبرنا أحمد بن شبيب قال: أخبرنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطي المدني عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رحمة الله عليه في حاجة له، وكان عثمان لا ينظر إليه ولا يلتفت إلى حاجته. فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك بنبيي محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك، ثم رح حيث تروح.
فانطلق الرجل فصنع ذلك. ثم أتى باب عثمان بن عفان، رحمة الله عليه فأخذ البواب بيده، فأدخله على عثمان بن عفان ﵁ فأجلسه معه على الطنفسة، فقال له: حاجتك؟ فذكر له حاجته فقضاها، ثم قال: ما فهمت حاجتك حتى كانت الساعة. وقال: انظر ما كانت لك من حاجة.
ثم إن الرجل خرج فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً. ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته، فقال عثمان بن حنيف:
стр. 252
ما كلمته، ولكني سمعت رسول الله ﷺ وجاء ضرير فشكا إليه ذهاب البصر، فقال رسول الله ﷺ : أو تصبر؟ فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد، وقد شق علي. فقال النبي ﷺ : إيت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم، إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة ﷺ . يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي ليرد لي بصري. اللهم شفعه في، وشفعني في نفسي. قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضرر.
تم كتاب التعازي والمراثي بأسره، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وكان الفراغ منه في العشر الأوسط من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وستين وخمس مائة.