Полный текст (53 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم
المؤلف: د. علي جمعة محمد (مفتي الديار المصرية)
الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي - القاهرة
الطبعة: الأولى - ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
المقدمة
الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وبعد. . .
فقد لاحظنا أنه قد شاع التلاعب بالمفاهيم بإزاء المصطلحات شيوعاً كاد أن
يقضى على الهوية وأصاب الأمة بحالة من الفوضى تعكس الأزمة الفكرية التى تمر بها الأمة مما دفعنى فى إطار المجموعة البحثية لمشروع المفاهيم بالمعهد العالمى للفكر الإسلامى - مكتب القاهرة - أن أتكلم عن قضية المصطلح والاصطلاح وأن أجمع ما تيسر لى في هذا من كتب التراث وأطبقها على تعريف القياس باعتباره مصطحاً أصولياْ وقدمت لذلك بمدخل لقضية المفاهيم والمصطحات، فوفع ذلك
في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المدخل.
المبحث الثانى: الاصطلاح.
المبحث الثالث: التطيق على شرح مصطلح القياس.
ومنها يتبين لنا أن التلاعب بصطلحات السلف الصالح، أو عدم فهم
معانيها يؤدى إلى كارثة علمية محققة، وانهيار تام لأركان العلم وضياع لمفاهيمه، وهذا ما نراه الآن بعد احتلال واختلال مفهوم كلمة العلم، والتى كانت تعنى فى تراثنا: الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل والذى شاع استعماله الآن فى مقابلة ترجمة اللفظة الانجليزية Science
ومعناها: العلم المدرك بالحس فقط دون غيره بن وسائل الإدراك العقلية أو السمعية أو العرفانية، مما أدى إلى القول بأن
مسألة الألوهية مسألة غير علمية مما يوِقع فى نفس السامع العامى أنها جهل،
حيث إن ضد العلم، الجهل.
ولقد لُبثت كثير من المصطلحات، وشوهت بإزائها
كثير من المفاهيم مثل الحضارة والدين والتراث والحكومة وغير ذلك مما دعى
الشيخ المرصفى اإلى أن يؤلف كتابه فى أواخر الماضى (الكلم الثمان)
ويتكلم فيه عن ما طراً على مفاهيم كلمات ثمانٍ لاحظ تغير مدلولها بين الماضى والحاضر،
وتقوم الدعاوى الآن لتجديد العلوم الشرعية، ووضع مصطحات جديدة بدعوى الاجتهاد أو بدعوى التيسير، فينبغى الالتفات بدقة إلى ما يمكن أن يحدثه وضع الألفاظ بإزاء المعانى من خلل فى الفهم واضطراب في العلم فعالجت هذه المسألة فى بحثى هذا من حانب علم أصول الفقه.
وعسى اللَّهُ أن ينفع به إنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 3
المبحث الأول
مدخل لقضية المفاهيم والمصطلحات
стр. 4
المبحث الأول
مدخل لقضية المفاهيم والمصطلحات
أولاً: تجديد المشكلة وتصورها:
١ - لقد اطلعنا على دين الإسلام المنقول إلينا عبر النبى ﷺ ، من مصادره الكتاب والسنة، واطلعنا أيضاً على فهم المسلمين - فيما اتفقوا عليه - لهذا الدين، وفهمنا من ذلك صورة معينة مرضية، ثم رأينا أن هناك تحولاً شديدا عن الدين بهذا المفهوم الموروث والذى ارتضيناه وهذا التحول شاع فى حياتنا الثقافية وبين جمهور المثقفين، ورأينا تصوراً آخر ودعوى أخرى لنيل السعادة فى الدنيا، والتمكن فى الأرض، وكلما أطلعنا على دين الله وجدناه بالمعنى الموروث أقرب إلى الواقع وأشد ثيابا لتحقيق سعادة الدارين الدنيا والآخرة.
٢ - فالإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام، والعقيدة إدراك جازم ثابت والعقيدة
الصحيحة مطابقة للواقع عن دليل وبرهان، وترى العقيدة الإسلامية أن هذا
الكون مخلوق للة تعالى، وأن الله قد أرسل الرسل وأنزل الكتب عن طريق الوحى لإرشاد العباد لما خلقهم له، وأنه سبحانه قد خلق الخلق لأمرين: -
أ - لعبادته
ب - ولعمارة الأرض
وأنزل لهم شريعة يلتزمون بها ومنهاجاً يسيرون على هديه لتحقيق هذين
الهدفين، وختم الرسالة بالنبى محمد بن عبد الله ﷺ ، (فالله يأمر وينهى والعبد يطيع ويلتزم) هذه هى صورة الكون، التى أخبر الله عن كل ما فيه أنه مسخر للإنسان فقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)
٣ - أما صورة الإنسان: فهو مخلوق له جسد وله نفسية وهناك صلة
بينهما، ووضع الإسلام للإنسان ما يناسب تركيبه الجسدى من أنواع المآكل
والمشارب والبيئات والعلاقات فحرم عليه ما يذهب العقل من خمر أو مخدر وما هو خبيث، قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وقال رسول الله ﷺ
"من لا يشكر للناس لا يشكر لله "
وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
وقال رسول الله ﷺ
"من لا يرحم لا يرحم "
"إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه ".
стр. 5
"أحب الأعمال للهِ أدومها وإن قل "، في غير ما آية وحديث تعالج تنظيم تلك الحياة.
٢ - ويرى الإسلام بمفهومه الموروث أن الإنسان ذو فطرة خيرة وأن
الشر أمر طارئ عليه، فهو يولد خيرا سويا فى نفسيته، كما خلق سوياً معتدلاً فى جسده.
قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
وقال (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) ،
قال ابن كثير فى تفسيره "ونفسٍ وما سواها": أى خلقها سوية مستقيمة على الفطرة،
ويصف ابن القيم
الإنسان فى تفسيره (ص ٣٧٤)
قال: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه
فجاءت مادة الوحى فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نوراً بالوحى على نوره الذى فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحى إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثراً، ثم يسمع الأثر مطابقاً لما شهدت به فطرته فيكون نورا على نور" ا. هـ
٥ - والخير الذى فطر عليه الإنسان هو:
أ - السلامة من العيوب
ب - الاعتراف بعبودية الإنسان لخالق واحد
جـ - أصول القيم الأخلاقية: فهو يعرف أن الشكر خير محمود وأن
الجحود شر مذموم.
د - أصول المعرفة العقلية: يعلم أن الأثر يدل على المؤثر وأن الكل أكبر
من الجزء وأن التناقض باطل.
هـ - أصول القيم الجمالية: كحب الجمال والنظافة والنظام والخير
والقوة -. إلخ.
و الغرائز والحاجات التى تدفع الإنسان إلى حفظ النفس والنوع بالأكل
والشرب والسكن واللباس والتزاوج.
ز - القدرة على العمل والتفكير والإبداع والاختيار.
٦ - فمعنى الفطرة أن الله صاغ الإنسان وكونه وركبه بحيث لا يصلح له
إلا الخير، وأن الله جعل معرفة ذلك مركوزة فى الإنسان لا يحتاج إلى من يعلمه ذلك من خارجه وإن كان العلم الخارجى يزيدة قوة. ومع ذلك
стр. 6
فالإنسان له إرادة يستطيع أن يسير فى طريق الخير أو الشر إن شاء يسعد أو
يشقى.
٧ - وطبقاً لهذه الصورة للإنسان فى هذا الكون، ولأهدافه المطلوب
تحقيقها (العبادة والعمران) ، فإن تعليم الإنسان ونقل المعرفة منه وإليه - وكما هو مفهوم من مصادر الشريعة وما عليه المحققون من علماء المسلمين - يجب أن يكون فى إطار معرنى محدد، مصادره الوحي والوجود.
٨ - أما الوحى، فهو خطاب اللهِ تعالى للبشر، وهذا الخطاب مدلول عليه
بالقرآن الكريم، وهو كتاب الله المنقول إلينا بالتواتر بين دفتى المصحف المتعبد بتلاوته، وبسنة رسوله وهى ما صح عنه عن طريق الرواية بصحة الأسانيد، وثقة الرواة الناقلين، وبصحة معناه بحيث لا يتعارض مع غيره من أصول الشرع المنقولة المستقرة.
٩ - أما الوجود، ففرق العلماء والمفكرون بين الواقع وبين نفس الأمر. فالواقع هو ما يدرك بالحواس البشرية، والملاحظ أنه ثابت عبر الأزمان، فما زال الماء سائلا لطفاً يسبب الري وتقبله الفطرة للطهارة والاستعمال، وما زالت الشمس ترى وهى تسير فى السماء من المشرِق إلى المغرب، هكذا. ومن الملاحظ أن الوحى وهو يخاطب الجميع يخاطبهم طبقا للواقع أى ما تدركه الحواس البشرية
من غير واسطة بل ويبنى أحكامه على ذلك ولا يعارض ولا ينهى عن معرفة نفس الأمر.
أما نفس الأمر، فهو مختلف وغير ثابت، فالمقصود بنفس الأمر ما وراء
الحواس البشرية، أى الحياة المجهرية سواء الميكرسكوبية أو التليسكوبية، فإن نقطة الماء تحت الميكرسكوب ستظهر بما فيها من آلاف أو ملايين البكتريا: لما تعافه النفس البشرية أن تقدم على شربه لو اطلع عليه عموم الناس، والقمر الذى تغنى بجماله وبهائه الشعراء سطح مخربش قبيح تحت نظر التليسكوب، وهذه الصورة للماء والقمر ليست نهاية المطاف بل إن الماء مكون من أيدروحين يشتعل وأكسوجين يساعد على الاشتعال وحقيقة الحسبة ليست كذلك، وليس هذا نهاية المطاف فإن ذرة الأيدروجِن فيها نواة واليكترون يسير حولها والنواة لها مكونات، وهكذا فإن الحقيقة التى عند الله فى وجوده يكتشف الإنسان كل يوم منها بقدر لا يحيط بها، فإن قلنا إن نفس الأمر هو ما عند الله فإن الطريق ما بين الواقع المشاهد المحسوس بالحواس البشرية وبين نفس الأمر سيمر الإنسان فيه من مرحلة إلى مرحلة، ومن إطلاع إلى إطلاع (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) .
стр. 7
١٠ - ومن هنا كان لابد للقيم الأخلاقية والاجتماعية أن تكون أقرب إلى
الواقع المعاش الذى يتعامل منه الإنسان لا مع ما أدركه من نفس الأمر، وكان لابد أن تكون معرفة الإنسان مقيدة بالوحى والوجود معاً، فالوحى يرشد إلى خير نظام لأنه صادر من عليم بنفس الأمر دون أن يجعل نفس الأمر موضوعاً ينتظره المفكرون، ولقد أخطأت الفلسقة الغربية حينما انهارت أمام نفس الأمر وتشككت فى قدراتها فى القرن التاسع عشر حتى لم يبق للحاقائق معنى ولا ثبات، فالحق أو الواقع حقيقة ثابتة وأن الطريق إلى معرفة نفس الأمر هو المتغير.
١١ - ولقد أخطأت فرق من المسلمين حينما - تمسكوا بظاهر الوحى وأنكروا جهة الوجود وأنكروا نفس الأمر لمخالفته لظاهر الوحى بزعمهم كمن أنكروا دوران الأرض لنصوص تصرح بجريان الشمس (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) .
كما أخطاً من المسلمين من أنكر الوحى أو تأويله أو شك فيه أو كفر به
فارتد، حينما أيد الوجود والسعي فى طريق نفس الأمر عند التعارض الظاهري، حيث لم يلتفت إلى الفرق بين الأمرين.
١٢ - واللغة الموررثة إنما وضعت لبيان الواقع لا لبيان نفسى الأمر، بل إن
نفس الأمر قد لا تحتمله ألفاظ اللغة فيلجأ إلى الرمز، أو إلى ألفاظ مولدة هى
عبارة عن اختصارات لكلمات كثيرة.
١٣ - والوضع: الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى، والواضع والجاعل
لذلك قد تكون اللغة أو الشرع أو أهل العرف العام أو أهل العرف الخاص.
١٤ - واختلف المفكرون المسلمون فى نشأة اللغة وأصلها، فذهب فريق
إلى أنه وضع إلهى وأن الله علم آدم الأسماء كلها، وفريق آخر إلى أنهم البشر
وثالث إلى أن أصول الكلمات من الله والتفريع والاشتقاق قام به البشر بعد معرفة القانون الكلى، كأن ما على وزن فاعل فى اللغة العربية يفيد من قام بالفعل، كالضارب والشارب. وتوقف فريق رابع لأن هذا المبحث لم يقم عليه دليل لا من الوحى ولا من التاريخ عندهم والأكثر على الرأي الأول ودليله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وأن هناك ألفاظا مثل لفظ الجلالة (الله) لا يمكن للبشر وضعه بإزاء مكناه حيث أنه خارج في الحس، ويمكن وضع إله لما فطروا عليه من وجود إله للعالم، ولكن كلمة (الله) غير كلمة (إله) فهى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد ولم يتسم به غيره مما يدل على أن ذلك الوضع من خارج البشر، إلى آخر أدلتهم.
١٥ - والشرع يأتى وينقل من معناه اللغوي إلى معنى آخر يريده فيصبح
стр. 8
للكلمة معنى فى اللغة ومعنى فى الشرع، فالصلاة معناها العطف لغة وجاء
الشارع ليجعل معناها أفعال مخصوصة تبدأ بالتكبير وتنتهى بالتسليم لعبادة الله، والعطف الذى هو معتاها فى اللغة يؤخد منه معنى الثنى فسمى الفرس الثانى فى السباق مصلى، وأخذ منه معنى الدعاء لأن الداعى وهو طرف من الأطراف يدعو وينتظر الإجابة من الطرف الآخر.
١٦ - وأهل العرف العام قد يستقر عندهم معنى للكلمة هو أخص من
معناها فى اللغة وهذا يسميه أهل النحو العلم بالغلبة، وهو أن يكون للفظ عموم بحسب الوضع اللغوى فيعرض له خصوص بحسب الاستعمال، فكلمة عقبة أو مدينة تستعمل فى اللغة لأى عالًق فى الطريق أو لأى تجمع سكنى، وغلب عند أهل العرف العام تسمية المكان الخصوصى بالبحر الأحمر عقبة أو عند إطلاق المدينة ينصرف الذهن إلى المدينة المنورة بالحجاز، والدابة فى اللغة لكل ما يدب على الأرض وفى الاستعمال أصبحت للفرس والحمار خاصة.
وقد يستعمل أهل العرف العام والمقصود بهم عموم الناس فى بلد معين
لفظة لغوية فى غير معناها اصلاً، فيصبح إطلاقها فى اصطلاح المخاطبين يعنى
ذلك المعنى، لا المعنى العجمى مثل كلمة دبوس وهى لغة آلة من أدوات الحرب التى شاع استعمالها فى المشبك فى العرف العام.
١٧ - ومن الملاحظ أن وضع العرف العام للألفاظ بإزاء المعانى إنما هو فى
قليل محصور من الكلمات، وإلا لو كثر وزاد زيادة كبيرة لانقطع التفاهم بالكلية بين متعلم العربية وبين عمرم الناس، وهذا خلاف الواقع المشاهد على أن كثيرا من صعوبة الفهم بينهما ترجع إلى استحداث معان جديدة لألفاظ لها معان أخرى
في اللغة الأم.
١٨ - وأهل العرف هم الكاتبون والباحثون فى العلوم المختلفة، وأهل كل
فن أو علم لهم وضع مستقل للألفاظ بإزاء المعانى، وهو ما يسمى بالمصطلح،
ولابد لهذا المصطلح: -
أ - أن يكون شائعاً بين أهل الفن الواحد شيوعا تاماً.
ب - أن يكون مقبولاً قبولاَ عاماً.
جـ - أن يستعمل داخل العلم، ومن هنا قالوا لا مشاحة فى الاصطلاح
يعنى أن الألفاظ قوالب للمعانى والهدف منها نقل الأفكار من ذهن المتكلم أو
الكاتب إلى ذهن السامع أو القارئ، وما دام اللفظ المعين أياً كان موضوعاً بإزاء معنى فى فن معين ولا يستعمل إلا داخل هذا الفن فلا بأس باستعماله.
стр. 9
ثانياً: المدخل النظري
١ - يحسن للباحث فى مسألة وضع المصطحات بإزاء المفاهيم، ومدى
مطابقتها، لإطاره المرجعى أن يلم بشيء من طريقة المواضعة وإنشاء المصطلح.
٢ - لقد وضع عضد الدين الإيجي رسالته فى علم الوضع فكان بذلك أول
من أفرد هذا المعنى بالتأليف حتى صار فرعاً من فروع علم اللغة، والوضع هو: جعل اللفظ بإزاء المعنى.
٣ - وتقاسم الوضع ثلائة: -
أ - من جهة نفس الوضع ينقسم إلى قسمينِ:
- تحقيقى: وهو تعيين اللفظ بإزاء المعنى للدلالة عليه بنفسه أى من غير
علاقة ولا قرينة، وهو ما يسمى بالحقيقة عند البلاغيين فالحقيقة عندهم هى
استعمال اللفظ فيما وضع له أولاً فى اصطلاح التخاطب، فاستعمال كلمة (دين)
فى معناه الذى وضع له فى الشرع وهو وضع إلهى سائق لذوى العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات هذا الاستعمال حقيقة، لأن وضعه لهذا المعنى تحقيقى.
- تأويلى: وهو تعيين اللفظ بإزاء المعنى لدلالة عليه بواسطة العلاقة
والقرينة، مثل المجاز حيث عرفوه بأنه استعمال اللفظ فى غير ما وضع له أولاً فى اصطلاح التخاطب، فاستعمال كلمة الدين فى العبادات والشعائر فقط استعمال مجازى لأن وضعه لهذا المعنى تأويلى.
ب - من جهة اللفظ الموضوع ينقسم إلى: -
- مشخص: وهو ما كان اللفظ الموضوع فيه ملحوظ بخصوصه فاللفظ
شخصى سواء أكان المعنى كذلك كوضع (زيد) اسماً لشخص معين، أو كان
المعنى كليا كوضع "إنسان " بإزاء الحيوان الناطق (فلا علاقة بين شخصية اللفظ وشخصية المعنى هنا فالتشخيص هو للفظ وليس للمعنى لأنه قد يكون كلياً.
- نوعى: وهو ألا يكون اللفظ الموضوع ملاحظاً بخصوصه وعلى ذلك فهو
يمثل قاعدة كلية يندرج تحتها حزئيات كثيرة مثل لفظ على هيئة (فاعل) يدل فى العربية على من قام بالفعل و (مفعول) يدل على من وقع عليه الفعل وهكذا فهو يشمل المجازات.
جـ - ومن جهة ملاحظة الواضع عند الوضع:
стр. 10
- خاص
- والموضوع له خاص أيضاَ وهو وضع أعلام الأشخاص كزيد وعمرو أو
أعلام الأحناس كأسامة علم على الأسد، والوضع الخاص لموضوع خاص يتعقل الواضع موضوعاً له بخصوصه وشخصيته ثم يضع بإزائه اللفظ.
والموضوع له قد يكون موجوداَ فعلاً أو تقديراً فى الذهن فقط.
- عام
- والموضوع له عام أيضاً وهو أن يلاحظ الواضع معنى كلياً ثم يضع بإزائه
لفظاً كوضع إنسان ورجل وقام وضرب، بإزاء معانيها، كوضع لفظة العلم بإزاء كل إدراك جازم.
٤ - اللفظ بالنسبة إلى مدلوله قد يكون كلياً أو جزئياً، فالكلى ما لا يمنع
نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه، والجزئي ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه، والكلى إما أن يدل على حدث أو ذات أو مركب منهما أو ملحق بذلك.
- فما يدل على الحديث يسمى مصدراً كالعدل والظلم.
- فما يدل على الذات يسمى اسم جنس كالإنسان.
ِ - والمركب منهما يسمى المشتق من الأسماء.
- وما يلحق به يسمى الفعل وهو مشتمل على حدث وزمان ونسبة بينهما
مثل (ذهب) .
٥ - المشتق إما فعل أو غير الفعل، وغير الفعل يدل على ذات وحدث
ونسبة بينهما يقصد بها ربط ذلك الحدث بتلك الذات، وأعنى بالذات هنا ما
يشمل المكان والزمان حتى يدخل معنا اسم المكان واسم الزمان والواضع للمشتق بإزاء معناه يلاحظ مادته وهيئته.
أما المادة فهى عبارة عن الحروف بغض النظر عن ترتيبها أو حركتها
وسكناتها فهى كالمادة الخام، وأما الهيئة فهى عبارة عن ذلك الترتيب وتلك
الحركات والسكنات.
стр. 11
٦ - ثم إن الواضع قد يكون هو واضع اللغة، فيقال معنى هذه اللفظة فى
اللغة كذا أي وضعها واضع اللغة بإزاء هذا المعنى، وقد يكون الشرع فيقال
معناها شرعا كذا، وقد يكون العرف أما العام فيقال عرفا كذا أو عرف أهل فن أو علم أو حرفة أو مهنة معينة وهذا ما يدعى (الاصطلاح) فيقال فى الاصطلاح (كذا) فلابد من تجديد أهل ذلك الاصطلاح.
٧ - ويمكن أن نعرف أى علم من العلوم سواء أكان تجريبياً أو اجتماعياٌ
عن طريق التكلم عن قواعده، أو عن الملكة التى هى كيفية راسخة فى النفس بها تدرك النفس الجزئيات فى ذلك العلم، عن طريق الإدراك الذى هو حصول لصورة مسألة من مسائل العلم فى الذهن، ومن الملاحظ أن القواعد تصورها لا ْيحتاج إلى عالم أما الملكة والإدراك فيحتاج إلى عالمٍ بالفن المعروف، وهذا التنوع لا يمثل آراء مختلفة بل يمثل اختيارات ممكنة.
- وعلى ذلك فإن هناك فرقاً يمكن إدراكه بين العلم باعتباره قواعد وبين
العالم المتخصص في هذا الفن أو ذاك، ومصطلحات كل علم إنما يحددها
المشتغلون فيه، وهولاء المششغلون قد تكون لهم مدارس مختلفة ومضارب متنوعة يختلف بموجبها معالجتهم لكل علم أو فن، بل قد يختلفون فِى المصطلحات الأساسية أو فى مسائل الفن أو مداخل العلم.
والذى يجعلهم جميعا من أهل علم أو فن معين وليس فنون متعددة يتعدد مشاربهم هو ما يسمى (بموضوع العلم) .
وموضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فموضوع علم الطب هو جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض وعلى ذلك تتكون مسائل الطب فى صورة جمل مفيدة فيها جسم الإنسان من ناحية الصحة أو المرض مبتدأ وما توصل إليه العلم وأهل الفن خبر فيقال جسم الإنسان يمرض بكذا إن حدث كذا ويصح من كذاً إن أخذ كذا. -. . إلخ.
وباتحاد موضوع العلم يطلق عليه اسماً معيناً.
٨ - وشروط وضع المصطلح بإزاء المعنى فى فن من فنون العلم يمكن
تلخيصها فيما يلى:
أ - وجود ثمة علاقة بين المعنى اللغوى والمعنى الاصطلاحى وإلا وصلنا إلى
قضية الرمز، والاصطلاح بالرمز أمر آخر غير الاصطلاح باللفظ، ونحن هنا فى بحثنا نعالج أموراً حول الأخير وليس الأول. فهناك علاقة بين معنى مصطح
стр. 12
السلطة فى معناها اللغوي ومعناها السياسى أو بين القياس فى معناه اللغوي ومعناه الأصولى وهكذا.
ب - أن يقره فريق من العلماء من أهل ذلك العلم ليصبح مقبولاً كمصطح
قبولاً عاماً، وقبل إقراره إنما هو اقتراح مصطلح.
جـ - أن يتعلق معناه الجديد بموضوع العلم الموضوع هو فيه، وإلا فإنه
يكون مستعاراً من علم آخر، وحينئذ فهو من المفاهيم الرحالة.
٩ - كذلك فيتعلق بتلك المسألة قولهم لا مشاحة فى الاصطلاح أى لا
منازعة لأنه هناك فرق بين الخلاف اللفظي بين فريقين وهو الذى لو اطلع كل
فريق على معنى ما يقوله الآخر لقال به.
فالمعنى واحد والخلاف راجع للفظ، وعلى هذا لا يترتب على الخلاف اللفظى أثر، وبين الخلاف المعنوى.
والذى لو اطلع كل فريق على معنى ما يقوله الآخر لم يقل به فيترتب على ذلك الخلاف أثر فالخلاف اللفظى يقال فيه إنه لا مشاحة فى الاصطلاح.
وعلى هذا فينبغى أن يحصر استعمال المصطح داخل العلم، ولا يجوز أن
يخرج عن قاعة التباحث والتدارس إلى جمهور الناس، لأن اختلاف جمهور الخطاب من المتعلمين إلى العوام يؤدى إلى فوضى فى الاستعمال، واضطراب وتلبيس فى نقل المفاهيم ورسوخها ثم عملها وترتب الآثار عليها.
ومن ثّمَّ يكون هناك مشاحة فى مضمون ذلك المصطح حيث تغيرت رسالته من التباحث المتخصص بين أهل علم بعينه إلى العمل على نشر مضمون المنطلق من إطار مرجعى معين لفاعليه ملاحظات.
مثال ذلك لفظة العلم التى عنى بها ما قام على الحس والتجربة وجعلوه
الطريق الوحيد لحدوث اليقين، فنشأ عن هذا أن قضية الألوهية خارج نطاق العلم بهذا المفهوم فهى غير علمية على ما فى غير علمية من ظلال توحى بضدها وهو الجهل أو جهلية، كما تصبح المسألة راجعة للوجدان فمن أراد الاعتماد على تجربته مع الله فليؤمن ومن لم تكن له تجربة فليس فليكفر على ذلك أن تصبح الدعوة إلى الله والإيمان به مستحيلة حيث تحول الأمر إلى وحدانيات والوجدان لا يقام عليه دليل وحيث أصبح الأمر ظنياً ولا سبيل للقطع فيه فلنترك على زعمهم الأمور خالية من تلك القضية.
١٠ - ويتعلق بمسألة المصطلح عملية الحد أو التعريف التى ذكرها المناطقة
الصوريون وسموها القول الشارح وجعلوه يتوصل به إلى توصيل معنى المفرد إلى ذهن المخاطب من أقرب طريق، ووضعوا له شروطا وأقساما وتكلموا
стр. 13
لضبطه على الكلى والجزئي، وعلى الصورة القائمة للشيء فى الذهن وعلى ما يصدق عليها فى خارج الذهن مما يجعل مقدمة المنطق العربى مهمة التلخيص لهذا البحث ومهمة الحضور فى ذهن المهتم بمسألة المفاهيم.
١١ - فالمصطلح إذن يتكون من عملية وضع يقوم بها دارس فن معين
لتوصيل معنى فى ذهنه إلى المخاطب من دارسى نفس الفن، ثم إنه من الملاحظ أن المصطلح الواحد قد تختلف معانيه داخل العلم الواحد لاختلاف المدارس الفكرية والأطر المرجعية للمفكرين والعلماء داخل هذا العلم أو ذاك.
كما يلاحظ أنه قد يعتريه التطور ويحتاج إلى البحث عن تطور المصطلح الدلالى وهذا شائع فى كل
العلوم خاصة الاجتماعية والإنسانية.
١٢ - وتختلف معانى المصطلح الواحد أيضاً بين العلوم المختلفة، وهذا لا
إشكال فيه فكلمة الموضوع تعنى فى علم الحديث القول المكذوب المنسوب إلى قائله وزراً فى حين تعنى فى المنطق ما عليه الحمل فى حين تعنى فى مداخل العلوم معنى يقارب هذا وهو ما يتكلم العلم عن عوارف الذاتية.
١٣ - أما عملية انتقال المفهوم أو نقله من الاستعمال التخصصى ومجال
الجماعة العلمية إلى مخاطبة عموم الناس فيكتنفها شيء من الخطورة، حيث يأخذ اللفظ الواحد معان شتى، طبقا لمستويات الخطاب وجمهوره، وبدلاً من عمليات الوضع المنظم التى كان ينبغى أن تتم داخل قاعات البحث لتحقيق هدف توصيل المعلومات وقيام العلم بدوره نرى عملية أخرى يمكن أن نسميها الخط المفهومى ونعنى بها أن يفسر كل مخاطبٍ المصطلح الواصل إلبه عبر الصحافة وأخواتها من وسائل الاتصال تفسيرا عشوائيا، فيصبح للمصطلح الواحد أكثر من مفهوم، وحيئذ تظهر المشاحنة والمنازعة، حيث إن هذا يسبب الخطأ فى الاستعمال طبقاً للخطأ الحاصل فى ذهن المستعمل، لذا فهو يحمل فى طياته تلبيساً خطيراً.
أما خطاً الاستعمال هذا فهو بالمقارنة بين الواقع وما قام بالذهن كما لو
رأى شخص شيئا فظنه حجراً فسماه به، فإطلاق الحجر على مدلوله القائم
بالذهن صحيحاً وإن كان الشيء لخارجى فى الواقع ليس حجراً، فإن تبين له أنه طائر سماه به فإن تأكد أنه إنسان أطلق عليه هذا، فهذه الإطلاقات كذب
لمخالفتها للواقع ونفس الأمر على أنها صحيحة بالنسبة لما قام بذهنه من صور
стр. 14
ولذا نبه علماء الإسلام إلى أن من المصطلحات ما لا يذكر إلا وسط الجماعة
العلمية.
١٤ - هذا الفصل بين قاعة البحث أو الجماعة العلمية وبين عموم الناس
وعوامهم كان فى العصور السابقة منضبطاً، ولكن بعد تطور وسائل المواصلات الشديد وظهور الطباعة أصبح صوت الدارسين داخل قاعات البحث مسموعاً عند عموم الناس وزال الحاجز الذى بينهما، فألقى هذا عبثاً جديداً على الواضع حيث ينبغى أن يراعى فى عملية الوضع ثقافة الأمة وإطارها المرجعى، فلم تعد المسألة
قاصرة على الجماعة العلمية بل أصبحت تلك المفاهيم شائعة وسط عموم الناس، بل تدهور الحال وأعطى للعموم حق وشرعية الوضع، وأصبح للمصطلح عشرات بل مئات التعريفات، فوصلنا إلى رطانة غير مفهومة بين الباحثين، فكرَّ هذا على جواز الاختلاف بالبطلان وأصبح الذى معه الحق ويؤيده العلم وما ينبغى أن يكون عليه الأمر هو من دعاء إلى قيم دينه وثقافته ومن خرج عن هذا الاطار إثما هو
تلاعب بالعلم مضر بالحياة الثقافية ومفسد لها.
ولقد تدهور الحال أكثر عندما خرج جماعة من المثقفين بدعوى أن يكون
لكل واحد قاموسه الخاص به ومصطحاته التى يجب أن نفهم كلامه من خلالها
فوصل الحال إلى قطع الصلة بين الباحثين وغدا الأمر مضحكاً بشكل محير.
١٥ - وهنا تبرز مشكلة علاقة الوحى، وهو مقوم ومعيار مع تلك المفاهيم
الشائعة، ومخالفة هذه المفاهيم للوحى ينشأ منه أن يكون رفضنا لها هو موقف واع لا عن تجاهل، كما أن مشكلة علاقة التراث وكيف اختلف مفهوم ذلك المصطلح عما كان عليه عند السلف ينشأ عنه خرف على ثقافتنا من الناقض من ناحية وحذر من أثر ذلك التغير فى تهميش الإطار المرجعى واختلال السلوك المنبثق عن العقيدة من ناحية ثانية، ومحاولة للفرار من التبعية الفكرية للغير من ناحية أخرى.
وتبرز أيضاٌ مشكلة علاقة العرف وتأثيره وتأثره (فى دائرة متصلة) بتلك
المفاهيم وما يترتب على ذلك من تغير فى المنظومة الاجتماعية والنسق العرفى
العام.
١٦ - قال الف سمرفلت فى مطلع مقاله "الاتجاهات الحديثة فى علم اللغة"
الذى نشره فى مجلة ديوجين عدد رقم ١ ص ٦٤ - ٧٠ "إن أهمية اللغة لفهم
стр. 15
الثقافة حق الفهم أمر أخذ يحس به من يعرضون لدراسة الحضارات، وذلك لأن أى نظام لغوي تعبير عن نظام إدراك جماعة من الجماعات لبيئتها ولنفسها وإن لم يكن هذا التعبير كاملاً، ومن ثم فلا يستطع أن يفهم حضارة ما حق الفهم من
يجهل وسيلتها اللغوية فى التعبير.
وقال د. إبراهيم أنيس: اللغة مع أنها مجرد وسيلة ولكن لارتباطها
بالغاية الارتباط الوثيق أصبحت فى نظر الإنسان أسمى من مجرد رمز،
ومن المغالاة أن تعد الأصوات اللغوية كالرموز الأخرى فهى أسمى وأرقى، الأمر الذى يجعلنا كلما سمعنا لفظاً ينطق به أمامنا نشعر نحوه بالاعتزاز فنتبناه ونعتز به كأنه جزء لا يتجزأ من دلالته أو معناه.
١٧ - وعند التحامل مع أى مفهوم يننبغى الالتفات إلى علم الدلالة وما
يشتمل عليه في تحليل لفكرة المعنى، وعلاقة اللغة بالفكر سواء كان المصطلح
مفردا أو مركباً، مع مبحث الدلالة عند الأصوليين المسلمين.
كما أنه ينبغى الالتفات إلى مسألة الاشتقاق والتعريبِ وعملية الترجمة بتوسع يمكننا من التعامل الواعى مع المفاهيم موضع البحث.
١٨ - فمن الملاحظ أن المصطلح الواحد قد تختلف معانيه داخل العلم
الواحد لاختلاف الدارس الفكرية والأطر المرجعية للمفكرين والعلماء داخل هذا العلم أو ذاك.
كما يلاحظ أنه قد يعتريه التطور ويحتاج إلى البحث عن تطور
المصطلح الدلالى، مثال الأول مصطلح العلم له عند الأصوليين تعاريف وحقائق كثيرة وعند القياس عندهم عرف بأنه إثبات مثل حكم معلوم فى معلوم آخر
стр. 16
لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت، عرفرا العلم هنا بمطلق الإدراك فى حين أنهم عرفره بأنه الإدراك الجازم الثابت المطابق للواقع عن دليل فى كل أمر.
وسبب ذلك أن القياس يجرى عندهم فى القطعيات والظنيات، فناسب
تفسير العلم الذى حدث منه الاشتقاق فى لفظ معلوم بمطلق الإدراك الشامل للظن واليقين لا العلم بالمعنى الأخص وهو الإدراك الجازم. . . إلخ.
١٩ - وتختلف معانى المصطلح الواحد بين العلوم المختلفة وهذا لا إشكال
فيه فكلمة الموضوع فى علم الحديث تعني القول المكذوب المنسوب إلى رسول الله ﷺ فى حين تعنى فى المنطق مثلاً ما عليه الحمل: المبتداً والفاعل فى الجملة العربية.
٢٠ - ومن الملاحظ أيضاً أنه قد تتم عملية (تدليس) باستعمال الألفاظ التى
بإزاء معان معينة فى علم من العلوم أو فن من الفنون فى الحياة العرفية العامة فيتبادر ذهن السامع أو القارئ إلى معناها عنده، ويقصد الكاتب عن قصد أو عدم قصد معنى آخر غير ما يتبادر إلى الذهن.
مثال ذلك العلم فى عرف المسلمين يطلق على ما سبق من الإدراك الجازم
الثابت. . . . إلخ. فيشمل علوم العقل والنقل والحس فى حين يستخدمها بعض الكاتبين فى الصحافة بمعنى العلم التجربيى القائم على المشاهدة والحس وهذا وإن كان جزءا من المعنى الشائع عند أهل العرف العام إلا أن مقولة إن قضية الألوهية قضية غير علمية أي خارج قياس الحس ومشاهدته تسبب لبساً كبيراً (قد يكون مقصودا) حيث يتبادر إلى الذهن من مردود كلمة غير علمية عداء بين العلم الذى ما زال يعنى اليقين عند عامة الناس ويعنى مضادته للجهل والعلم فى عقول الناس وبين تلك القضية ومقابل العلم الجهل فهى قضية لابد أن تنحى.
وهنا فإن عبارة لا مشاحة فى اصطلاح قد فقدت شرطها وهى أن تستعمل
المصطحات بين أهل الفن الواحد العارفين بمعانيها لا بين أهل فن معين وأهل
العرف العام أو بين أهل فن معين وفن آخر.
٢١ - وهذا المبحث يعالجه علم الوضع بتوسع وقد كثرت التآليف فيه.
٢٢ - كما أنه يحسن أن نحلل الألفاظ إلى معانيها حتى نكون على بينة من
الاستعمالات الحقيقية والمجازية لللفظة.
فالحقيقة هى استعمال اللفظ فيما وضع له أولاً فى اصطلاح التخاطب
والمجاز هو استعمال اللفظ فى غير ما وضع له فى اصطلاح التخاطب.
فإن الأسد إذا أريد منه الحيوان المفترس كان هذا حقيقة لأنه وضع فى اللغة
стр. 17
لهذا المعنى، وإذا قصد به الرجل الشجاع كان مجازاً لأنه يشتمل على شيء من التشبيه.
والقياس الذى فيه إثبات نقيض حكم شيء فى شيء آخر لنقيض العلة تسميته
قياساً مجاز لأن حقيقته ما سبق ذكره.
٢٤ - وتحليل الألفاظ إلى معانيها يساعد فى فهم استعمالها فكلمة جرى
معناها: -
١ - الانتقال من مكان لمكان.
٢ - بسرعة.
٣ - مع إرادة.
فماذا قلنا جرى الغلام لكانت تلك الكلمة مشتملة على عناصرها التى
حددتها ولو قلت جرى القطار لقصد عنصر الإرادة ولو قلت جرى المطر لفقد ْعنصر الإرادة والسرعة ويكون بمعنى (سال) الذى فيه الانتقال وليس فيه السرعة.
فاستعمال اللفظ فى المثال الأول حقيقة والثانى والثالث مجاز إلا أن التجوز فى
الثالث أشد منه فى الثانى.
٢٥ - وعلم الدلالة قام بدور كبير خاصة الأبحاث الحديثة منه حول هذا
الموضوع.
стр. 18
المبحث الثاني
الاصطلاح
стр. 19
المبحث الثاني
الاصطلاح
تثير قضية المصطلح بعض المشكلات النى نعالجها فى هذا البحث فى نقاط
متتالية إن شاء الله تعالى.
وقضية المصطح تتصل بقضية الوضع، والوضع، كما عرفه العلماء
جعل اللفظ بإزاء المعنى، وهذا قد يكون فى مجال اللغة فيسمى لغوياً،، أو
العرف فيسمى عرفياً، والعرف إما عرف الشرع، أو عرف الناس أو طائفة معينة منهم، فيقال: معنى تلك اللفظة شرعا أوعرفا أو اصطلاحا.
كذا وقد اختلفوا فى علم الأصول في واضع اللغة أى واضع الألفاظ بإزاء المعانى على أقوال عشرة: منها أنه الله أى أنها توقيفية - واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
ومنها: أن البشر هم الذين جعلوا اللفظ بإزاء معناه واصطلحوا على ذلك
بالوضع.
وقول ثالث يقول: إن الله ، قد علم آدم بعض الأسماء
وعلمه كيف يضع، ثم بعد ذلك أكمل البشر، فجعلوا لكل محدث من المحدثات لفظاٌ جديداً واصطلحوا فيما بينهم عليه.
ومن هذه المذاهب الوقف، وهو أن هذه القضية ليست من القضايا التى
ينبغى أن نبحثها ولا يترتب عليها كثير فائدة.
стр. 20
فعلينا أن نتوقف فيها دون أن نعرف من الواضع، لأن هذا لا يفيدنا فى
شيء ومنها غير ذلك مما لا أطيل فيه، لأنه ليس هو المقصود بالذات.
ولم يقتصر الأمر على الوضع اللغوي وجعل الألفاظ بإزاء المعانى فى اللغة
التى تعارف عليها الناس والتى نقلت الأفكار من ذهن إلى ذهن، ومن شخص إلى آخر حيث جاء الشرع الشريف بوضع جديد وبألفاظ جديدة بإزاء معانى لم تكن معهودة أمام هذه الألفاظ فى اللغة، فأصبح عندنا حقائق شرعية، وحقائق لغوية،
والحقيقة هى اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً فى اصطلاح التخاطب.
فإذا أطلقت الصلاة فى لغة الشرع أو عند علماء الشرع انصرفت إلى
الأقوال والأفعال المبتدئة بالتكبير المختتمة بالتسليم ذات الشروط الخاصة المعروفة عند أهل الشرع، على أنها فى اللغة، كانت أولا تعنى العطف كما نص على ذلك ابن هشام وغيره من أئمة اللغة وفرعوا من العطف الدعاء والصلة وما إلى ذلك من معان أخرى، وكذلك الصيام والزكاة والحج والنية.
فكل هذه الألفاظ لها فى الشرع معان ولها فى اللغة معان أخرى، ومعانيها
فى الشرع لها ثمة علاقة بمعانيها فى اللغة. ولكن ليس هى نفسها.
وهذا الوضع الجديد لتلك الألفاظ بإزاء معانيها التى حددها الشرع، وهو
ما يسمى بالوضع الشرعى -
وقد تضع اللغة لفظة بإزاء معنى من المعانى ويأتى العرف فيخرحها عن
معناها إلى معنى آخر، وهذا ما يسمى بالوضع العرفى العام، فكلمة دابة مثلاً
تعنى فى اللغة كل ما يدب على الأرض، ولكن الناس فى العراق وفى مصر قديما
стр. 21
وحديثاً أطلقوها بصفة خاصة على الحصان وعلى الحمار وبحيث إذا أطلقت كلمة الدابة انصرفت إلى هذا الحيوان بالذات دون سواه.
وهذا مخالف للوضع اللغوى، ولذلك سمي الوضع العرفى العام، لأن الكافة
والجميع مشتركرن فى فهم معناه عند إطلاقه من غير إلى رجوع إلى الوضع اللغوى الأول.
كذلك يتواضع أهل فن معين أو طائفة خاصة من الصناع أو الحرفيين
أوغيرها من الطوائف على ألفاظ بإزاء معانى خاصة بذلك الفن أو تلك الحرفة، حتى إذا اطلق هذا اللفظ عندهم انصرفت ذهنهم إلى ذلك المعنى مباشرة فكان فى ذلك توفير للوقت وللجهد، وكان في ذلك أيضا تخاطب سريع بين أهل الفن الواحد، فهذا ما يسمى بالوضع العرفى الحاص أو ما يسمى أيضا بالاصطلاح -
стр. 22
وبناء على ما تقدم، فإن الاصطلاح كما هو الوضع العرفى الخاص.
قال ابن عابدين فى حاشيته فى المجلد الأول هـ ٣٦:
" الاصطلاح لغة: الاتفاق ".
وقال الشيخ الباجورى فى حاشيته على ابن قاسم فى المجلد الأول هـ ٢٠.
وكذلك قال مثله أبو النجا فى حاشيته على شرح الشيخ خالد على الآجرومية:
"الاصطلاح لغة مطلق الاتفاق، فالاصطلاح افتعال من اصطلح على وزن
افتعل، وقلبت التاء طاء لوروده بعد حروف الإطباق الأربعة وهى الصاد والضاد والطاء والظاء.
قال ابن مالك، طاتا افتعال رد أثر مطبق* والدان وازدد وادكر والابقى.
ولو رجعنا إلى العرف لوجدنا أن صيغة الافتعال تأتي فى اللغة بمعان كثيرة
لكن المراد منها هنا التشارط والإظهار فافتعل تأتى للتشارط وتأتى للإظهار،
فالاصطلاح كأنه يشترط فيه تشارط طائفة فى الاتفاق عليه ثم إظهار هذا
التشارط، وسترى أثر ذلك عندما نحدد شروط الاصطلاح.
стр. 23
إذن الاصطلاح لغة هومطلق الاتفاق، أما اصطلاحاً، ويتحدث عنه
الجرجانى فى التعريفات ص ٢٨ ويورد له عدة تعريفات وليس تعريفاً واحداً،
فيقول:
هو إخراج اللفظ من معنى لغوى إلى آخر لمناسبة بينهما، وقيل هو اتفاق
طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى، وقيل: إخراج الشيء عن معنى لغوى إلى معنى آخر لييان المراد، فمرة عير باللفظ ومرة عبر بالشيء، ثم قال: وقيل الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين، فرجع ليعبر باللفظ مرة أخرى.
وفى كل تلك التعريفات للاصطلاح، نرى أنه لا يكون إلا فى الألفاظ
التى وضعت لمعان جارية فى فن معين أو علم خاص، حتى من عرفه بأنه: إخراج الشيء. كما جاء فى التعريف الثالث الذى ذكرناه، فإنه ينصرف إلى اللفظ، حيث إن قوله: عن معنى لغوي، يحتم أن يكون الشيء هنا. بمعنى اللفظ.
هذا هو الاتجاه الأول فى تعريف الاصطلاح.
- ٦ -
وهناك اتجاه آخر نجده عند أبى النجا فى حاشيته على الشيخ خالد، يقول:
هو اتفاق طائفة مخصوصة على أمر معهود، فلم يقل لفظ، ولكن قال: على أمر معهود بينهم متى أطلق انصرف إليه.
وقد سار على هذا المنهج الشيخ الباجورى
فى حاشيته على ابن قاسم حيث يقول:
هو اتفاق طائفة على وضع أمر لأمر حتى إذا أطلق انصرف إليه.
وهذا الاتجاه فى تعريف الاصطلاح يدخل فيه الإشارة والعقد والنصب
والخط، وكل أنواع الدوال وما شاكل ذلك، فهو لا يقتصر على الألفاظ فقط.
بل يدخل باقى الدوال التى تدل على شيء من قبيل الاصطلاح وعلى ذلك
فإشارة المرور عندهم من الاصطلاح العام لأنها تمثل عرفا بين الناس جميعاً، فاللون الأحمر دال على التوقف، واللون الأخضر دال على المسير، وأنا أختار الاتجاه الأول، وأرى أن المصطلح هو اللفظ الموضوع من طائفة مخصوصة بإزاء معنى مخصوص بينه وبين المعنى اللغوي مناسبة.
- ٧ -
إذا وصلنا إلى هذا الحد اعترضتنا أسئلة منها: هل الآلات والوسائل
- والأدوات وطرق البحث تعد مما يصطلح عليه، حتى إذا ما عالجنا المصطلح، فلابد
стр. 24
علينا أن ندخل هذه الأشياء فى كلمة مصطح؟ وهل الأشخاص أيضاً يمكن أن
ندخلهم تحت طائلة الاصطلاح.
إن كلمة جعل اللفظ بإزاء المعنى فى أصلها يمكن
أن تشمل كل ذلك، لأن المعنى هو الصورة الذهنية للشئ الخارجي، وقد تكلم العلماء عن الوجودات الأربعة، وهى وجود في الأذهان، ووجود في الأذهان، ووجود على اللسان، ووجود فى البنان والوجود فى البنان والوجود المتعين المخصص هو الوجود الخارجي الذى له صورة فى الذهن، ولفظ يترجم عنه على اللسان، وبالكتابة بما يشير إلى ذلك اللفظ.
فالمعنى إذن يمكن أن يكون لكل شىء، وباعتبار أن الاصطلاح هو عملية
وضع جديد فإن الاصطلاح يمكن أن يشمل كل ما ذكرناه.
- ٨ -
وعلى سبيل المثال، فإن الدبوس فى اللغة هو آلة من آلات الحرب ويعنى
به عند طائفة من الصناع نوعاً من الكماشات، هذا الدبوس فى اللغة إذا أطلقناه عند العربى لانصرف ذهنه إلى آلة الحرب المعروفة، وهى كرة بها بروزٌ من حوانب متعددة، ولها يد يمسكها المحارب ويضرب بها خصمه وعدوه.
ولكننا إذا أطلقناها عند طائفة الصناع هولاء وقال أحدهم لصبيه: ائتني بالدبوس، فلابد عليه أن يأتيه بهذه الآلة المتعارف عليها بين أهل هذه الصناعة بهذا الاسم، هذا على حين أنه يطلق عند طائفة النساء على ما يشبك به مثلا.
وأطلق فى العصر الحديث على أداة من معدن على هيئة المسمار الصغير.
وهكذا نرى أن كلمة واحدة عرض لها الاصطلاح عند طوائف متعددة،
وعلى ذلك يمكن عندما نتعرض لصناعة من الصناعات أو فن من الفنون أو علم من العلوم أن نتعرض ونعد من المصطلح ما يدل على الآلة وما يدل على الوسيلة.
وما يدل على الأداة وما يدل على طريقة البحث وهكذا، لأن الاصطلاح فى
حقيقته وضع، وعندما يتوفر الوضع وتتوفر هذه العملية فلا بأس علينا من أن
نسمى ذلك اصطلاحاً، وأن نسمى تلك الألفاظ مصطلحاً.
بالنسبة للأشخاص إذا ما تأملنا ما بين أيدينا من التراث نجد أن الشافعى
رضى الله عنه يطلق كلمة الثقة، ويريد بها محمد بن إبراهيم بن أبى يحيى، فإذا
стр. 25
قال: حدثنى الثقة انصرف ذهن الرواة عنه إلى ذلك الشخص، فهم أسموه ثقة لأغراض عندهم تخصه وتخص علمه، وذلك فى حين أن مالكاً رضى الله تعالى عنه كان يقول: إنه زنديق ولا يقبل الرواية عنه، وكان الشافعى رضى الله عنه يروى عنه ويبجله ويجله، ويقول الشافعية إنهم تتبعوا روايات فيه فلم يجدوا فيها خللا أبدا، وأما مالك فقد اتهمه بذلك لغموض بينهما رآها كذلك ولم يرها الشافعى.
على كل حال نحن هنا فى إطلاق كلمة الثقة، على محمد بن إبراهيم بن أبى
يحيى، الذى صار مصطلحاً للشافعى ومصطلحاً لمن أتى بعده فى الرواية، حيث يقول: حدثنا الشافعى قال حدثنا الثقة، وعلى ذلك تصحح الأحاديث وتضعف بناء على علم مصطلح الحديث.
كذلك جرى علماء الحديث علي أنهم إذا أطلقوا الحسن غير منسوب فإنه
ينصرف إلى البصري ولا ينصرف إلى الحسن بن على، فإذا قالوا قال الحسن، انصرف ذهن المحدث بل ذهن الفقيه إلى أن تلك من قول الحسن البصرى وليس من قوله الحسن بن علي، والذى دفعهم إلى ذلك أمر آخر، وهو أنهم أرادوا أن يتبركوا بذكر الإمامين، فيكون الحسن بن على إن أرادوا أن يتكلموا عن الحسن بن علي، كما أن مرويات الحسن بن علي بسيطة وقليلة، ولذلك ميز لأنه أقل.
أما مرويات الحسن البصري فكثيرة، وفقه الحسن البصرى كبير، حتى إنه
عندما جمع وصل إلى ثمانية مجلدات.
فإذا أطلقت كلمة الحسن عند علماء الحديث أو عند علماء الفقه انصرف
ذلك إلى الحسن البصري فهل هذا اصطلاحاً يجد المتأمل أنه ليس اصطلاحا، لأنه لم تتفق طائفة من الناس لوضع هذه الكلمة بإزاء هذا المعنى بهذه الكيفية.
ولكننى أرى أن كثرة الاستعمال دون نكير من أحد فى قوة المصطلح،
وحتى وإن لم يمن مصطلحا بالمعنى الفنى الدقيق إلا أنه فى قوة المصطلح.
ويظهر لنا الاصطلاح فى مقابلة الأشخاص إذا نظرنا فى أصول الفقه،
ْفمثلا هم يطلقون كلمة الإمام، ويعنون بها الإمام الرازي، حتى إذا ما قيل فى أى كتاب من كتب أصول الفقه قال الإمام: فهو فخر الدين الرازي المتوفني سنة ٦٠٦ هـ.
ولم يخرج عن هذا سوى مختصر ابن الحاحب وهو كتاب أصولى.
انفرد ابن الحاجب فيه باصطلاح خاص من بين الأصوليين وأرجع الناس ذلك
إلى كثرة تفننه فى العلوم، فكان إذا أطلق كلمة الإمام فإنه يعنى بها الإمام الجويني.
стр. 26
وعند الشافعية، القاضى، هو القاضى حسين، فى حين إنه عند المفسرين
إذا قالوا قال القاضي، انصرف الذهن مباشرة إلى القاضى البيضاوي، فى حين إن المتكلمين إذا قالوا القاضى فإنه ينصرف مباشرة إلى الشيخ الباقلانى، وكذلك فإن الإمام فى الفقه ينصرف إلى الجوينى وليس إلى الرازي والاسفرائينى إلى أبى إسحاق الإسفرائينى وليس إلى أبى حامد.
يمكن إذن أن نجيب على سؤال: هل الآلات وما شابهها، والأشخاص
يمكن أن يصطلح عليها بالإيجاب.
على أننا يجب أن ننبه إلى أن أسماء الأعلام لا تدخل فى المصطلح، فمالك
والشافعى وأبو حنيفة ليست مصطلحات، وإنما يدخل منها من صار إطلاق أسمه بهيئة معينة كالحسن غير منسوب، أو وصف كالإمام والقاضى والأستاذ، أو الكنية أو اللقب تصبح مصطلحا إذا أطلقت فى فن بعينه ينصرف به أهل ذلك الفن إليه.
وكذلك فإن الآلات والوسائل لابد أن يخرج اللفظ عن معناه اللغوى فإن لم
يخرج عن معناه اللغوى فليس بمصطح.
فكلمة الشاكوش والمشط والحبل وغيرها من الأدوات، ليست مصطلحات حيث إن وضعها أمام وبإزاء معانيها من وضع
اللغة ولم تخرج عن هذا الوضع إلى معنى جديد، فكل شخص سواء من أهل الفن. أو من خارج أهل الفن يفهم الشاكوش، شاكوشاً والحبل حبلاً، فالألفاظ التى خرجت عن معانيها اللغوية هى التى نستطع أن نسميها مصطلحاً.
من هذا يمكن أن نتبين شروط وضع المصطلح وهى:
١ - أن تقوم به طائفة من أهل فن أو علم أو صنعة معينة، فإن قام به فرد
أو فردان، فلا يصير هذا مصطح علم إنما يصير مصطح شخص.
٢ - أن يخرج اللفظ عن معناه اللغوى إلى معنى جديد، فإن لم يخرج فليس
بمصطلح.
٣ - على أن يكون هناك ثمة مناسبة بين المعنى الجديد والمعنى اللغوى،
وهذه المناسبة هى العلاقة التى يتكلم عنها علماء البلاغة فى المجاز المرسل والتى
أوصلها بعضهم إلى خمس وعشرين علاقة، وأحياناً إلى أربعين علاقة عند
التفصيل.
стр. 27
٤ - أن يشهر ذلك المعنى ويظهر بحيث ينصرف الذهن إليه عند إطلاق
اللفظ عند أهل الفن، فإن لم يشتهر لم يؤد وظيفته التى من أجلها كانت عملية الاصطلاح، وهى أن يصل المعنى إلى ذهن السامع من أقرب طريق للاستغناء به عن الإطالة فى الكلام وعن الشرح المستفيض، وهذا الاشتهار هو ما يمكن أن نسميه القبول العام من أهل الفن.
نأتى بعد ذلك لسؤال مهم هو هل الألفاظ الشرعية اصطلاح. أى هل تعد
من المصطلحات؟
إذا تاُملنا خريطة الوضع التى رسمناها لقلنا: إن الوضع يمكن أن يكون لغويا
أو عرفيا والعرفى إما عام وإما خاص.
وبناء على هذا التقسيم، فإن الألفاظ الشرعية تعد من قبيل الاصطلاح
العرفى الخاص بالشرع، ومن أجل ذلك نرى فى عبارات الكتاب عبارة
"وفى عرف الشرع كذا" أى فى اصطلاحهم، ولكن لما كان الشرع ليس خاصا بطائفة معينة من أهل العلوم والفنون، وكان اصطلاحه هذا يعرفه الكل حتى صار شبيهاً بالعرف العام، فقد قالوا معنى اللفظ لغة كذا، وشرعا كذا، وعرفا كذا، واصطلاحاً كذا، ففرقوا بين الشرعية والاصطلاحية،
وقولهم: لغة وشرعاً وعرفاً
أى فى اللغة وفى الشرع وفى العرف العام، وفى العرف الخاص، ونرى ذلك
مميزاً بين الشرعى والعرفى مثل الخاص والعام الاصطلاحى.
ويلخص الشيخ الباجورى هذه القضية فى سطور قليلة، فيقول: تارة
يعبرون بقولهم اصطلاحا، وتارة يعبرون بقولهم شرعا، والفرق بينهما أن الأول يكون فى الأمر المتلقى من الشارع كمعنى الصلاة، وهى أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة.
وقد يعبرون بقولهم شرعا فيما اصطلح
عليه الفقهاء من حيث أنهم حملة الشرع.
كما قال الشبراملسي، وقد نقل هذا عنه العلامة الجمل فى حاشيته على
شرح المنهج المجلد الأول ص ١٣ وكذلك البجيرمى على شرح المنهج للشيخ
زكريا الأنصارى المجلد الأول صـ ٩ وقد قال الشبراملسي: العرف والاصطلاح متساويان، وقيل الاصطلاح هو العرف الخاص، وهو ما تعين ناقله، والعرف إذا أطلق يراد به العام، رهو ما لم يمَعين نامله، وعلى كل فالمراد من العرف والاصطلاح: اللفظ المستعمل في معنى غير لغوي، ولم يكن ذلك مستفاداً من
стр. 28
كلام الشارع بان أخذ من القرآن أو السنة وقد يطلق الشرعي مجازا على ما كان من كلام الفقهاء وليس مستفادا من الشارع.
وإذا نظرنا فى ذلك القول فإننا نرى أن اللفظ الواحد قد يكون له معان منعدة بتعدد العلوم، ومثال ذلك كلمة المفرد
التى تعنى فى علم النحو الكلمة الواحدة، وهى عند المناطقة والأصوليين:
ما لا يدل جزؤه على جزء معناه وهذا الخلاف فى المعنى يرجع إلى اختلاف العلوم.
وكلمة "الكلام " عند اللغوين تعنى: كل ما أفاد من كتابة أو إشارة أو
عقد أو نصب، بينما تعنى عند النحاة: اللفظ المركب المفيد بالوضع، وعند
الفقهاء كل ما أفسد الصلاة، ولو كان حرفا مبهماً أو حرفين وإن لم يفهما.
وهذا ما يسمى كلاماً عند الفقهاء.
أما عند المتكلمين فهو عبارة عن المعنى القديم القائم بذاته تعالى.
وهكذا نرى كلمة واحدة ومصطحا واحداً يختلف معانيه باختلاف العلوم
وهذا شيء طبيعى.
كذلك نجد أن المصطلح يختلف باختلاف المدارس داخل العلم الواحد،
فالواجب والفرض فى أصول الفقه. مترادفان عند الجمهور،
وقد قالت الحنيفة إن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني.
وكلمة: مال، عند فقهاء الحنيفة، تعنى موجود قابل للادخار فى حال
السعة والاختيار، له قيمة مادية بين الناس، فى حين إنه عند الجمهور ما كان فيه منفعة مقصودة مباحة شرعاً لغير حاجة أو ضرورة، حتى يخرج من المحرمات التى تباح بالضرورة، وله قيمة مادية بين الناس.
فعند الحنيفة المال، منه ما هو متقوم وما هو غير متقوم، واشترطواً فيه
قابليته للادخار، وذلك خلافاً للجمهور الذى لم يشترط ذلك، وقد بنى على
ذلك كثير من مسائل الفقه.
والمصطح قد يتطور مدلوله وتعريفه عبر القرون، وقد يكون الاختلاف فى
الصيغة فقط، وقد يكون فى مدلوله أيضاً ومعناه.
فالحكم عند الأصوليين كما قال الغزالي فى أواخر القرن الخامس وأوائل
السادس خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ثم يأتى الشراح ويقولون
стр. 29
(. . . من حيث هو مكلف - ويسمونه قيد الحيثية؛ لأنه أضاف إلى التعريف شيئا لم يذكره الإمام الغزالى، ولكن فهمه الناس من كلامه.
فلما عرفته مدرسة الإمام الرازي ومنهم البيضاوي قال إن الحكم "خطاب
الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير وهذا تطور فى الصياغة رغم أن المعنى واحد، ثم جاء ابن الحاحب واختلف معهم فى أمر جوهرى، وهو على ما يطلق الحكم الشرعى، أيطلق على التكليفي فقط أم على التكليفى والوضعى معا فزاد، أو الوضع.
والمناقشات فى هذا المضوع كثيرة، لأن إضافة كلمة واحدة لمدلول ذلك
المصطلح تغير مدلوله لتبنيه رأيا معينا فى مدرسته.
وقد يكون التغيير جوهرياً حتى فى المدرسة الواحدة، ونجد هذا فى علم
مصطلح الحديث.
فمثلا كلمة مرسل، تطلق عند الأقدمين مثل أحمد وأقرانه على
كل سند انقطع فى أي مكان منه، وبأي عدد، فى حين أن صاحب البيقونية
يقول: والمرسل منه الصحابى سقط وقل غريباً روى ما روى راوٍ فقط.
فغير بذلك معنى المرسل، وسار على هذا المعنى المتأخرون فيما عدا ابن
همات الدمشقي، حيث سار ابن حجر فى النخبة على ما قاله صاب
البيقونية.
وبالطع، فإن هذا التطور له أسبابه، ولكننا لسنا الآن بصدد بحث
الأسباب، بل فى مسألة الاصطلاح، وكيف تطور هذا الخلاف ليس فى الصياغة فقط وليس باختلاف المدارس أو العلوم فقط، بل من قبيل التطور الدلالى وعلى ذلك فالمصطلح الواحد قد نجد له فى العلم الواحد أكثر من تعريف لاعتبار من تلك الاعتبارت السابقة، أو لاختلاف مدخل تعريفه.
стр. 30
فمعنى الأصل اصطلاحاً يطلق على الدليل، ويطلق على القاعدة المستمرة،
ويطلق على الراجح ويطلق على الصورة المقتبس عليها إلى آخره.
وليس هناك ما يحدد معنى من تلك المعانى بخصوصها، بل إن السياق
والسباق هو الذى يحدد لنا تلك المعانى فى كل علم من العلوم.
- ١٧ -
وبالنسبة لترادف المصطحات، وقد ضربنا من قبل مثلاً حول الواجب
والفرض، فالواجب والفرض كما يقول البيضاوي مترادفان بينما قالت الحنيفة:
إن الواجب ما ثبت بدليل ظنى، والفرض ما ثبت بدليل قطعى.
فالواجب والفرض عند الجمهور أو عند مدرسة الرازي أوعند الشافعية
مترادفان فلو أطلقت كلمة الواجب أو الفرض عند جمهور الأصوليين، سنجد أن معناهما واحد، وكذلك الحال فى السلم والسلف، "والمساقاة والمعاملة" "والمزارعة والمخابرة" فهذه كلها ألفاظ ترادفت وأصبحت مصطحات مترادفة
سواء فى الأصول أوفى الفقه أو فى غيرهما من العلوم.
- ١٨ -
أما بالنسبة لمسألة تداخل المصطحات فى العلم التراثي الواحد، وأعنى
بتداخل المصطلحات أى تشابكها، أى أن يكون للمصطح الواحد عدة معان، ويكون لبعض هذه المعانى مصطحات أخرى، وتلك المصطحات لها معان أخرى أيضاً بسبب من الأسباب السابقة وغيرها، ومثال ذلك كلمة العلة والسبب.
فالعلة لها تعريف أو تعريفات والسبب كذلك له تعريفات، والجمهور يرى أنهما مترادفان وعلى ذلك يمكن أن أعرف السبب أو أعرف العلة، بما أعرف به الآخر لأنهما مترادفان، ولكن الأحناف يرون أن العلة مؤثرة، وأن السبب معرف وعلى ذلك تفترق العلة عن السبب.
ثم نرى أن السبب له أيضاً تعريفات أخرى، وأن العلة لها تعريفات أخرى،
ومن هنا تتشابك الأمور تشابكاً دقيقا، لا يستطع حله سوى المتخصصين فى
стр. 31
ذلك العلم أو فى هذا المجال، فإذا لم تحدد الأمور والمصطلحات تحديداً دقيقاً يحدث اضطراب كبير، ويؤدى على المدى الطويل إلى نزاع واسع واختلاف وخلاف كما حدث فى تعريف الحسن والقبح، عند المعتزلة وأهل السنة، فكان أحدهما يطلق كلمة الحسن بمعنى بينما يفهمها الآخر بمعنى آخر، وبذلك لا يتصل التخاطب، ولا تتم القاعدة التى تقول: إن الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلها لأنهما لم يتواضعا على معنى محدد للمصطلحات الجارية فى النقاش وبهذا حدث الخلاف الواسع، وقد يكون هذا الخلاف قد استقر عند كثير جداً من المعتزلة، وعند كثير جدا من أهل السنة فيما بعد، ولكن لم نجد من نبه إليه حتى الآن، وأنه راجع إلى خلاف لفظى.
وأرى أن هناك جانبا كبيراً من المسألة يرجع إلى تحديد المصطلحات، وأنه
ْعندما اقتنع المتناظر بمدلولات المصطلحات انتهت كثير من المناقاشات حول هذه المسألة، فالحَسَن والقبيح، أو الحُسن والقُبح، هل هو بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته أو أنه ما يستوجب المدح وما يستوجب الذم، فهذان عقليان بالاتفاق أو أنه ما يترتب عليه ثواب فى الآخرة أوعقاب فى الآخرة، وهذا هو الذى وقع فيه النزاع أعقلى أم شرعى.
فلو أننا حددنا لانتهى كثير من الخلاف حول هذه المسألة.
ولما أنكر كثير من الناس الحسن والقبح العقلى، ولما وقع كثير من الناس
فى تأييده بالمعنى المتنازع فيه، أو عدم تأييده فى المعنى المتفق عليه، وهكذا نجد أن هناك مساحات للاتفاق ومساحات للخلاف يمكن أن تظهر عند تحديد
المصطحات.
كما يقول ابن حزم: لو اتففت مصطلحات الناس لانتهت ثلاثة أرباع
خلاف أهل الأرض.
على كل حال فإن الأمر كان يدرس رغم اضطرابه بشيء من الهدوء وطول
البال، وكان - على ما أدى إليه من اضطراب كان مقبولاً أو مقدورا عليه ولكن الأمر يزداد سوء إذا نظرنا فى اضطراب المصطلحات بين القديم والحديث وعلاقة ذلك بالتلاعب بالمفاهيم وأثار ذلك على قراءة التراث.
стр. 32
وهنا نشير إلى أن قضية المصطح قد شغلت علماء كثيرين قديماً وحديثاً
فألف فيها الخوازمى "مفتاح العلوم" والجرحانى "التعريفات " وهناك كتاب لكاتب مجهول اسمه "تحفة الخل الودود فى معرفة الضوابط والحدود"
وألف أبوالبقاء كتاب "الكليات " وهو مطبوع في خمسة مجلدات، وهناك أيضا "كشاف اصطلاحات الفنون "، للتهانوني وطبع فى إيران فى ستة مجلدات واسطنبول فى مجلدين، وأيضاً "دستور العلماء" لأحمد نجرو وهو فى أربعة مجلدات، "والتحفة النظامية فى الفروق "، "والمفردات في غريب القرآن " للأصفهانى، وفيه شيء من ذلك،
"والحدود" للكندى، "والحدود" للفارابى "والحدود" للباجى فى أصول الفقه،
"والحدود" لابن فودة "والحدود" للمرتضى "والمقدمة " للطوسى، وكثير جداً من الكتب التى اهتمت بهذا الجانب من العلم كما أن هناك من المحدثين من تكلم عن المصطحات العلمية قبل النهضة الحديثة مثل الأستاذ ضاحى عبد الباقى وقد طبع كتابه فى مصر فى عام ١٩٧٩.
وهناك الأستاذ الدكتور لم محمد رشاد الحمزاوى وكتابه (فى المنهجية العامة
لترجمة المصطحات وتوحيدها وتنميطها) .
والذى تكلم فيه عن هذه القضية، وكذلك كتابه "العربية والمحادثة أو
الفصاحة فصاحات "، كما تكلم مصطفى الشهابى فى المصطحات العلمية والفنية فى اللغة العربية، وللأستاذ الدكتور محمد عمارة بحث بعنوان (منهج فى التعامل مع المصطحات) قدمه لجامعة الأمير عبد القادر بالجزائر فى ندوة قضايا المنهجية فى الفكر الإسلامى، وعالج فيه قول
"لا مشاحة فى الاصطلاح" وضرب فيه أمثلة كثيرة، وهناك أيضا بعض المقالات منها مقالين للأستاذ أحمد أبو حسن "منهج إلى علم المصطلح"
" والمصطح ونقد النقد العربى " وقد نشرا فى مجلة الفكر العربى
المعاصر فى العددين ٦٠. ٦١ ومقال لمعن زيادة "مدخل لدراسة عصر النهضة"
وتكلم فيه عن المصطلحات فى عدد ٢، ٣ ومقال لجواد على الطاهر
"مصطلحات غربية نضطرب فى استعمالها " فى العدد ٤٧ من مجلة الفكر"
"وصعوبات الاستعمال المنهجى للمفاهيم " والمصطلح السياسى العربى الحديث " لرضوان السيد.
وهذه الكتب والمقالات لا نقر كل ما فيها، إنما هى كتب ومقالات
تكلمت عن الموضوع، ويمكن الاستفادة منها بطريقة أو بأخرى فى دراسة تلك المسألة.
стр. 33
المبحث الثالث
التطبيق على شرح مصطلح القياس
стр. 34
المبحث الثالث
التطبيق على شرح مصطلح القياس
إذا كان المبحث الثانى قد اختص بمسألة الاصطلاح والإشكالات التى
تواجه هذه المسألة، وقد ضربنا من كل مثل لتلك المشكلات فى حينه إلا أن
إفرادنا لجزء تطبيقى يختص بشرح تعريف القياس كمثال ونموذج مفصل.
والمثال هنا يختلف فى القصد عن الأمثلة الجزئية التى وردت عند كتابة الجزء
النظري الخاص بمسألة الاصطلاح ومشكلاتها فإن هذا المثال يقصد منه إيضاح
النهج المتبع فى تعريف الاصطلاحات من حانب الأصوليين واهتماماتهم بقضايا
الضبط والتدقيق إلى الحد الذى يتعامل فيه المؤلف مع الحروف ومعانيها، وأنه يجب الوقوف عند كل حرف.
وفى هذا السياق يحب أن نكشف عن مجموعة خطوات أساسية متبعة فى
هذا المقام تتعلق:
١ - بالفهم اللغوي لعناصر تعريف المصطح وشرحها لغة وما تؤديه من
معان.
٢ - وبالفهم الاصطلاحى، ومكان الكلمات فى هذا التعريف بما لا مزيد
عليه ومن هنا كان هدف من يقومون به فى مقارنة بين التعريفات المختلفة أن
يكون التعريف أضبط وأدق، فهذا يستدرك على آخر إضافة لابد منها على ما يرى - حتى يتبين معانى الاصطلاح، وذلك يقترح حذف كلمة حيث لا لزوم لها، وهذا يستبدل لفظ، لأنه استقر فى ذهنه أن ذلك أدق وأوفق.
٣ - كما أن تعريف المصطلح وتمييزه عن غيره مما قد يرتبط به أو يختلط من
الأمور التى توضح الفروق بين المصطلحات.
هذا فقط مما يمكن استنباطه من تعريف يتكون من كلمات قليلة ومنها يتبين
ذلك المنهج الدقيق والرؤية الفنية الضابطة، وبذلك نستطع فهم كلام الأقدمين بيسر وسهولة.
стр. 35
أولاً:
قال البيضاوي - رحمه الله تعالى - في مختصره:
النص:
[الكتاب الرابع: فى القياس، وهو إثبات مثل حكم معلوم فى معلوم آخر
لاشتراكهما فى علة عند المثبت] .
- ١ -
الشرح:
- الكتاب لغة: من الكتب هو الجمع، يقال تكتبت بنو فلان أى تجمعوا.
واصطلاحاً: اسم لجملة مختصة من العلم اندرج تحته أبواب ففصول غالبا.
و"أل" فى الكتاب للعهد الذكرى الضمنى، لأنه تقدم مصحوبها ذكراً
حيث قال البيضاوي فى أول مختصره هذا: (لا جرم رتبته على مقدمة وسبعة
كتب) ، والكتاب مبتداً، والرابع صفة له والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، والتقدير الكتاب الرابع كائن فى القياس، والظرف هنا مستقر، والكلام على حذف مضاف أى فى بيان القياس وذلك بذكر تعريفه وبيان كونه حجة وما يجرى فيه القياس وما لا يجرى فيه القياس وما لا يجرى فيه وأركانه وأقسامه، وما يتعلق بذلك.
قوله "فى القياس": الظرفية هنا مجازية، لأنه ليس للظرف احتواء، ولا
للمظروف تحيز، وحينئذ يحتمل أن المصنف شبه مطلق ارتباط دالٍّ بمدلول ارتباط ظرف بمظروف، فسرى التشبيه من الكليات للجزئيات، واستعار لفظ (فى) من جزئى من المشبه به لجزئى من المشبه على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
وهى تبعية لجريانها فى متعلق الحرف أولا، وعلى ذلك نقدر مضافاً وهو
(بيان) القياس بمعنى تبين.
وفى القياس خبر لقوله الكتاب لأن الفائدة تمت به.
وعليه فلا تجرى هنا أعاريب التراجم المشهورة من جواز نصب وجر ورفع الكتاب كما فى إعراب كتاب الصلاة كتاب البيع ونحوها من التراجم الناقصة.
وهذه ترجمة كاملة لوجود ركنى الإسناد: المبتدأ والخبر وهل هى من قبيل
علم الشخص، أو علم الجنس أو اسم الجنس ثلاثة أقوال.
ولقد قسم البيضاوي مختصره فقال في أوله:
стр. 36
لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب أ. هـ
وكانت المقدمة فى الأحكام ومتعلقاتها والكتاب الأول فى الكتاب، والثاني فى السنة، والثالث فى الإجماع، والرابع فى القياس، والخامس فى دلائل اختلف فيها، والسادس فى التعادل والتراجيح، والسابع فى الاجتهاد والإفتاء.
وإنما قدم الكتاب على الكل لأنه أصل من كل وجه ولا يتوقف على شيء
آخر ثم أعقب به السنة لأن حجيتها ثابتة بالكتاب وأخَّر الإجماع لتوقف حجيته عليهما، وأخَّر القياس لأن الإجماع لا يتحمل الخطأ بخلاف القياس فهو دونها فى الشرف والقوة، وهو دليل ظنى لا قطعى وكل واحد من الثلاثة الأولى مثبت للحكم ابتداء وأما القياس فليس بمثبت بل هو مظهر لحكم الله سبحانه.
القياس فى اللغة: فيه أقوال
١ - قال الآمدى: القياس معناه التقدير يقال قاس الثوب بالذراع بمعنى
قدره به، والتقدير يستلزم المساواة.
٢ - وقيل القياس مشترك لفظى بين التقدير والمساواة ومجموعهما فيطلق
ويراد منه التقدير مثل قست الثوب بالذراع، ويطلق على المساواة مثل فلان
لا يقاس بفلان ويطلق عليهما مثل قست النعل بالنعل أى قدرته به فساواه، وهذا ما فهمه السعد من كلام العضد.
٣ - وقيل مشترك معنوى فمعناه التقدير وهو كلى تحته فردان:
أحدهما: اسنعلام المقدار والآخر: التسوية ولو كانت معنوية، ذكره ابن
الهمام.
٤ - وقيل معناه الاعتبار.
٥ - وقيل التمثيل والتشبيه.
٦ - وقيل المماثلة.
٧ - وقيل الإصابة
والقياس والقيس مصدران لقاس رهو يتعدى بالباء، قال الشاعر:
خف ياكريم على عرض يدنسه ... مقال كل سفيه لا يقاس بكا
وهو واوى العين ويائيها تقول ... قاس يقوس وقياسا وقيسا
стр. 37
والقياس اصطلاحاً له تعاريف متعددة:
١ - عرفه ابن الحاحب فقال: هو مساواة لأصل فى علة حكمه.
٢ - وعرفه ابن السبكى فى جمع الجوامع فقال: هو حمل معلوم على معلوم
لمساواته له فى علة حكمه عند الحامل.
٣ - وقال صاحب الحاصل والبيضاوي وهو إثبات مثل حكم معلوم فى
معلوم آخر لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت.
فمن عرفه بأنه مساواة يعتقد أن القياس دليل قائم بذاته كالكتاب والسنة،
سواء أوجد المجتهد أم لم يوجد والذي عرفه بأنه حمل أو تشبيه أو إلحاق أو إثبات إلى آخر تعريفاته فإنه يرى أن لا قياس إلا بوجود مجتهد، لأن هذه الأشياء تحتاج إلي من يقوم بها وهو المجتهد.
والذى سنجرى عليه الشرح هنا تعريف البيضاوي.
قوله (إثبات) معنى الإثبات إدراك الثبوت أى إدراك النسبة على جهة
الإيجاب والإدراك هو حصول صورة الشيء فى الذهن، والنسبة هى إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه فحصول صورة ثبوت أمر لأمر هى حقيقة الإثبات، وإن كان يقصد به هنا مطلق إدراك النسبة سواء كان على جهة الإيجاب أم على جهة النفى، وسواء أكان على سبيل الجزم أم على سبيل الرجحان، وعلى ذلك فهو بهذا الإطلاق شامل للعلم والظن الاعتقاد.
فالعلم: هو الإدراك الجازم الثابت المطابق للواقع عن دليل ففيه الجزم
والمطابقة للواقع.
والاعتقاد: إدراك جازم سواء أكان مطابقاً أم لا، والظن: إدراك الطرف
ْالراجح الذي يكون معه احتمال النقيض احتمالاً مرجوحا فليس فيه جزم.
وإنما كان المراد من الإثبات هذا المعنى لأن القياس يجرى فى المثبتات
والمنفيات وقد يكون مظنونا أو معلوماً فمثاله فى النفى: الخمر نجس فلا يصلى به كالخنزير ومثاله فى العلم، الضرب كالتأفيف بجامع الإيذاء فيكون حراماً.
والإثبات كالجنس فى التعريف يشمل كل إثبات، سواء أكان إثباتا لمثل
حكم الأصل فى الفرع وهو ما يعرف بقياس المساواة أو إثباتا لنقيض حكم الأصل فى الفرع لنقيض العلة فيه وهو ما يعرف بقياس العكس.
стр. 38
وقلنا الإثبات كالجنس، ولم نقل هو جنس: لأن هذا التعريف تعريف
بالغاية فيكون رسماً، وأيضاً يحتمل أن يكون لماهية القياس مفهوم آخر خلاف ما اصطلحوا عليه فلا يكون حدًّا، لأن الحدَّ يجب أن يشمل على الذاتيات،
وكذلك باقي التعريف هنا كالفصل وليست فصلاً حقيقيا لأن الماهية لها فصل
وأحد يميزها عما عداها، ولا مانع من تعدد القيود.
وإضافة الإثبات إلى لفظ مثل قيد أول مخرج لقياس العكس فلا يسمى قياسا
حقيقة وتسميته قياساٌ مجازا لأنه يشبهه في مطلق الإلحاق.
وهذه الإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله بعد حذف الفاعل أى: إثبات
المجتهد مثل الحكم، وليس الفاعل المحذوف هو الله لأن القياس من المجتهد لا من الله تعالى.
(مثل) اختلف العلماء فى تصور المثل فذهبت طائفة إلى أن تصوره بدهى،
فلا يحتاج إلى تعريف، وحجتهم:
- أنه لو كان تصوره نظرياً لخلا بعض العقلاء عن تصوره.
- ولكن لا يخلو أحد عن تصوره.
- فهو بدهي.
دليل الملازمة مسلم، وذلك لأن النظري لا يدرك إلا لأهل النظر والبحث،
ولا يتوفر ذلك فى كل العقلاء ولو خلا بعض العقلاء عن تصوره لخلا ذلك
البعض التصديق به ضرورة أن التصديق تابع للتصور، فإذا لم يوجد المتبوع وهو التصور لم يوجد التابع وهو التصديق.
стр. 39
ودليل الاستثنائية أن المشاهد أن كل عاقل يصدق أن الحار مثل للحار
ومخالف للبارد، وعليه فتصور المثل بدهياً وهو المطلوب.
واعلم أن المراد بتصور المثل هنا تصوره بوجه ما لا بالكنه (الذات) وذهب
ْفزيق آخر إلى أن تصور المثل نظرى فيحتاج إلى تعريف، وعرفوه بأنه:
ما اتحد مع غيره فى جنسه أو فى نوعه.
مثال الأول وهو الاتحاد فى الجنس:
الولاية على الصغيرة فى النكاح مع الولاية عليها فى المال، فإنه كلاً منهما
نوع يندرج تحت مطلق الولاية.
مثال الثانى وهو الاتحاد فى النوع:
وجوب القصاص بالمثقل مع وجوبه بالمحدد فإن كلاً منهما فرد لنوع واحد
هو الوحوب.
وأتى البيضاوي بلفظ "مثل " فى التعريف لأمرين:
١ - إخراج قياس العكس لأن الثابت به فى الفرع نقيض لحكم الأصل لا
- مثل له.
٢ - أن الحكم الثابت فى الفرع ليس عين الحكم الثابت فى الأصل بل مثلاً
له لأن الحكم مشخص معين بمحله والمشخص المعين لا يقوم بمحلين ضرورة.
و (مثل) هنا صفة لموصوف محذوف وهو حكم أى حكم مثل حكم معلوم.
والتقدير: إثبات المجتهد حكماً مثل حكم معلوم. . . إلخ. وزعم بعض
الأصوليين أن الصواب حذف كلمة مثل وأن نقول: إثبات حكم. . . الح نظرا إلى أن معنى النسبة أو المحكوم به لا يختلف مع صرف النظر عن التعلق والإضافة،
يتضح من ذلك أن من زاد هذه الكلمة نظر إلى تعلق الحكم وإضافته ومن حذفها لم ينظر إلى ذلك.
وإنما نظر إلى معناه وحقيقته والتحقيق وجوب هذه الزيادة.
(حكم) أولا: الحكم فى اللغة القضاء يقال حكم له عليه، بمعنى قضى
ويطلق على العلم والحكمة، فالحكيم العالم وصاحب الحكمة، ومعناه فى عرف
стр. 40
أهل العربية النسبة التامة الخبرية كما فى قولك: زيد قائم.
فإن الحكم عندهم نسبة القيام لزيد وهذا ما سماه المناطقة القضية، وسماه الففهاء المسألة، فالمسألة مطلوب خبرى يبرهن عنه فى العلم بدليل.
والنحاة تسمى النسبة التامة سواء كانت خبرية أم إنشائية الجملة المفيدة.
ثانياً: والحكم عند المناطفة هو عبارة عن إدراك النسبة بطريق الإذعان
وتوضيح مذهبهم أنهم يقولون إن المركب الخبرى نحو: محمد جالس يسمى قضية وهذه القضية تشتمل على موضوع وهو محمد، ومحمول وهو جالس، ونسبة بينهما وهو تعلق الجلوس بمحمد، وارتباطه به، وهل هذه النسبة هى وقوع الجلوس فى حال الإثبات وعدم وقوعه فى حال النفى أو هى سيء آخر غير ذلك؟
في هذا خلاف.
فبعضهم يقول: إنها غيره وأن الوقوع واللاوقوع نسبة أخرى تتصف بها
النسبة الأولى فيقال إن نسبة الجلوس لمحمد واقعة أو ليست واقعة، وبعضهم يقول إنها عينه، فليس هناك نسبة موجودة بين الموضوع والمحمول سوى الوقوع واللاوقوع، فعلى المذهب الأول تكون أجزاء القضية أربعة: موضوع ومحمول ونسبة يرد عليها الإيجاب والسلب، ونسبة ثانية هى الوقوع واللاوقوع وتسمى النسبة الأولى كلامية فمن حيث فهمها من الكلام تسمى كلامية، ومن حيث ارتسامها فى ذهن السامع بعد نطق المتكلم بالجملة أو ارتسامها فى ذهن المتكلم قبل نطقه بها تسمى ذهنية لأنها قائمة بالذهن (ذهن المتكلم ذهن السامع) فالنسبة الكلامية والذهنية شىء واحد يتحدان بالذات ويختلفان بالاعتبار.
أما النسبة الثانية: وهى الوقوع واللاوقوع فإنها تسمى النسبة الخارجية
لحصولها فى ذاتها بقطع النظر عن دلالة الكلام، لأنها حاصلة فى الواقع خارج
التعقل من الكلام، فإن الوقوع واللاوقوع من واحد منها فى الواقع ونفس الأمر.
ويسمى الوقوع واللاوقوع حكما من حيث إدراكه على وجه الإذعان.
أما على الرأى الثانى فان أجزاء القضية ثلاثة: الموضوع والمحمول والنسبة
بمعنى الوقوع واللاوقوع، وهذا هو الذى عليه المحققون.
ثم إن الوقوع واللاوقوع قد يتصور فى ذاته من حيث أنه تعلق بين
الموضوع والمحمول بقطع النظر عن الواقع ونفس الأمر أو تعلق الثبوت والانتقاء
ويسمى نسبة حكمية، وقد يتصور باعنبار حصوله وعدم حصوله فى نفس الأمر
следующие страницы →