مهموز اللام، فلم يحتج إلى قوله " فيهما " وليس القولان في شَوَاءِ جمع شائية من شأوت، إذ لا قلب فيه عند الخليل، لأنه إنما يقلب خوفاً من اجتماع الهمزتين قوله " وقد جاء أدَاوَى " كل ما كان في واحده ألف ثالثة بعدها واو وجمعته الجمع الأقصى قلبت ألفه همزة، كما تقلب في جمع رسالة، وقلبت الواو ياء، ثم قلبت الهمزة واواً، تطبيقاً للجمع بالمفرد، وقد قالوا: هداوى في جمع هَدِيَّة، قلبوا الهمزة واواً لوقوعها بين الألفين كما في حَمْرَاوَان، وهو عند الأخفش قياسي، وعند غيره شاذ قال: " وَتُسَكَّنَأن فِي بَابِ يَغُزُو وَيَرْمِي مَرْفُوعَيْنِ، وَالْغَازِي والرَّامِي مَرْفُوعاً وَمَجْرُوراً، وَالتَّحْرِيكُ فِي الرَّفْعِ وَالْجَرِّ فِي الْيَاءِ شَاذٌّ، كالسُّكُونِ فِي النَّصْبِ وَالإِثْبَاتِ فِيهِمَا وَفِي الأَلِفِ فِي الْجَزْمِ " أقول: إنما سكن الواو في نحو يغزو، وهذا مختص بالفعل، لا يكون في الاسم، كما ذكرنا، لاستثقال الواو المضمومة بعد الضمة، إذ يجتمع الثقلاء في آخر الفعل مع ثقله، فخفف الأخير، وهو الضمة، لأن الحركة بعد الحرف، وكذا تسكن الياء المضمومة بعد الكسرة، وهذا أقل ثقلاً من الأول، ويكون في الاسم والفعل، نحو هو يَرْمي، وجاء الرَّامِي، وإنما ذكر الغازي والرامي ليبين أن الياء التي أصلها الواو كالأصلية، وكذا تسكن الياء المكسورة بعد الكسرة، لاجتماع الأمثال، كما في الواو المضمومة بعد الضمة، والأول أثقل، وهذا يكون في الاسم نحو بالرَّامي، وفي الفعل كارِمي، وأصله أرميى قوله: " والتحريك في الرفع في الياء شاذ " أما الرفع فكقول الشاعر:
١٤٩ - * مَوَالِيٌ كَكِبَاشِ الْعُوسِ سحاح (١) *
стр. 877
وقوم من العرب يجرون الواو والياء مجرى الصحيح في الاختيار، فيحركون ياء الرامي رفعاً وجراً، وياء يرمي رفعاً، وكذا واو يغزو رفعاً، قال: ١٥٠ - * كَجَوَاريٍ يَلْعَبْنَ بالصَّحْرَاءِ * (١) قوله " كالسكون في النصب " أما في الواو فكقوله: ١٥١ - فَمَا سَوَّدَتْنِي عَامِرٌ عَنْ وِرَاثَةٍ * أبى الله أن أسمو بأم وَلاَ أَبِ (٢) وأما في الياء فكقوله: فَلَوْ أنَّ وَاشٍ بِالْيَمَامَةِ داره * وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا (٣)
стр. 878
وقوله: ١٥٢ - كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ بِالْقَاعِ الْقَرِقْ * أَيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الْوَرِقْ (١) قوله " والإثبات فيهما " أما في الواو فكقوله: ١٥٣ - هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً * من هجو زبان لم تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ (٢) وأما في الياء فكقوله: ١٥٤ - أَلَمْ يَأتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تنمي * بما لاقت لبون بني زياد (٣)
стр. 879
فتقدر لأجل الضرورة الضمةُ في الواو والياء ليحذفها الجازم، لأن الجازم لابد له من عمل، وتقديرها في الياء أكثر وأولى، لان الضمة على الواو أثقل منها على الياء.
قوله " وفي الألف في الجزم " أي: إثبات الألف في الجزم كإثبات الواو والياء في الجزم كقوله: ١٥٥ - * وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ (١) * وتقدير الضم في الألف أبعد، لأنها لا تحتمل الحركة قال: " وَتُحْذَفَانِ فِي نَحْوِ يَغْزُونَ وَيَرْمُونَ وَاغْزُنَّ وَاغْزِنَّ وَارْمُنَّ وَارْمِنَّ " أقول: أصل يَغْزُونَ يغزو، لحقه واو الجمع، فحذف الواو الأولى للساكنين وأصل يَرْمُونَ يرمي، لحقه واو الجمع فحذف الياء للساكنين، ثم ضمت الميم لتسلم الواو، إذ هي كلمة تامة لا تتغير، أصل اغْزُنَّ اغزوا، لحقه النون المشدَّدة، فسقطت الواو للساكنين، وكذا اغْزِنَّ وارمن، لان الاصل
стр. 880
ارمو وارْمِي، ولا تقول: إن الأصل ارْمِيُوا وارْمِيي، لأن الفاعل يدخل على الفعل بعد إعلاله، كما تقدم.
قال: " وَنَحْوُ يَدٍ وَدَمٍ وَاسْمٍ وَابْنٍ وَأَخٍ وأخْتٍ لَيْسَ بِقِيَاسٍ " أقول: يعني حذف اللام في هذه الأسماء ليس لعلة قياسية، بل لمجرد التخفيف، فلهذا دار الإعراب على آخر ما بقي، وأما أخت فليس بمحذوف اللام، بل التاء بدل من لامه هذا آخر باب الإعلال، ولنضف إليه ما يليق به، فنقول: إذا اجتمع ياءان، فإن لم تكن الأخيرة لاماً، فإن سكنت الأولى أدغمت كَبَيِّع وَبَيَّاع، وإن سكنت الثانية أو تحركتا فحكم كل واحدة منهما حكمُها مفردة كَبُيَيْت، وكما إذا بنيت من يَيْنٍ مثلَ باع قلت: يَانَ، وإن بنيت مثلَ
هَيَام (١) قلت: يَيَانٍ وإن كانت الأخيرة لاماً، فإن سكنت أولاهما أدغمت في الثانية كحيّ، وإن سكنت الأخيرة سلمتا كحييت، وإن تحركتا: فإن جاز قلب الثانية ألفاً قلبت نحو حَيَاة، وإن لم يجز: فإما أن تلزمَ حركةُ الثانية، أولا، فإن لزمت فإن لم يجز إدغام الأولى في الثانية فالأولى قلب الثانية واواً كما في حَيَوان، وإنما لم يجز الإدغام لأن فَعَلان من المضاعف نحو ردَدَان لا يدغم، كما يجئ في باب الإدغام، وإنما لم يجز قلب الثانية ألفا لعدم مُوازنة الفِعْل كما مر، وإنما قلبت واواً لاستثقال اجتماع الياءين المتحركتين وامتناع تغيير ذلك الاستثقال بالوجه الأخف من الإدغام أو قلب الثاني ألفاً، وإنما قلبت الثانية دون الأولى لأن استثقال الاجتماع بها حصل، وإنما جاز قلب اللام واواً مع أن الأخير ينبغي أن يكون حرفا خفيفا
стр. 881
لأن لزوم الألف والنون جعلها متوسطة، كما قالوا في عُنْفُوَان (١) وعُنْصُوَة (٢) كما مر، وقال سيبويه: القياس حَيَيَان، فلم يَقْلِب الثانية، وحيَوَان عنده شاذ، وكذا قال في فَعَلان من الْقُوّة قَوَوَان، كما يجئ، وكذا تقول: حَيَوى كَجَفَلَى (٣) وقياس سيبويه حَيَيى، وكذا تقول على وزن السُبعان من حَيَّ حَيُوَان، وإنما لم تدغم كما أدغمت في رَدُدَان فقلت: رَدَّان على ما يجئ في باب الإدغام، لأن الإعلال قبل الإدغام، وقياس سيبويه حيَّانٌ - بالإدغام - لأنه لا يقلب في مثله، وإن جاز الإدغام فلك الإدغام وتركه كَحِييَ وَحَيَّ وَحَيِيَان - بالكسر - وَحَيّان، والإدغام أكثر كما مر (٤) ، إذ هو أخف، وإن لم تلزم حركة الثاني نحو لَنْ يُحْيِيَ وجب تصحيحهما مُظْهَرَيْن، وإخفاء كسرة الأولى أَوْلَى
وإن اجتمع ثلاث ياءات: فإما أن تكون الاخيرة لاما، أولا فإن كانت لاماً: فإما أن تكون الأولى مدغمة في الثانية، أو الثانية في الثالثة، أو لا يكون شئ منهما مدغما في شئ فإن كانت الأولى مدغمة في الثانية: فإما أن يكون ذلك في الفعل أو الجاري
стр. 882
عليه، أولاً، فإن كان في أحدهما جعلت الثانية كأنها لم تسبقها ياء، نحو حَيَّا وحيَّيْت وَيُحَيِّي، وَالْمُحَيِّي، وَالْمُحَيَّي.
هو مثل عَزَّى، يعزى، المعزى، الْمُعَزِّي، وإنما لم تحذف الثالثة المكسور ما قبلها في الفعل نَسياً نحو يُحَيِّي مع استثقال ذلك كما حذفت في مُعَيِّية إبقاء على حركة العين في الفعل، إذ بها تختلف أوزان الفِعْل، ووزن الفعل تجب مراعاته، كما مرّ في تعليل امتناع قلب واو نحو يَدْعُو ياء، ثم أُجرى الجاري على الفعل كالْمُحَيِّي مُجْرَى الفعل في ترك
حذف الياءِ الثالثة نَسْياً، وإن لم يكن ذلك في الفعل ولا في الجاري عليه فإن جاز قلب الثالثة ألفاً - وذلك إذا كانت المشددة مفتوحة والأخيرة طرفاً - قلبت، كما في إيَّاة على وزن إوَزَّة من أوَيْتُ، والأصل إئْوَيَةٌ، ثم إيوَية، ثم إيية، وإن لم يجز ذلك، وهو لأمرين: أحدهما أن تتوسط الأخيرة مع انفتاح المشددة لمجئ حرف موضوع على اللزوم في كل موضع، كالألف والنون التي لغير المثنى، فإذا كان كذا قلبت الثالثة واواً كما تقول إذا بنيت على فَيْعَلاَن من حَيِي: حَيَّوَان، لأنه أثقل من حَيَوَان مخففاً، وعند سيبويه حَيَّيَان كما مر، وثانيهما أن تنضم المشددة أو تنكسر، فإذا كان كذا كُسِرَت المضمومة وحذفت الثالثة نسياً، لاستثقال الياءات في الطرف مع انكسار المشددة منها نحو مُعَيَّة، والأصل مُعَيِّية، ونحو حَنَيٍّ على وزن كَنَهْبُل (١) من حَيِيَ، والأصل حَنَيُّيٌ ثم حَنَيِّيٌ، وكذا تحذف الأخيرة نَسْياً وإن جاء بعدها حرف لازم، كما تقول في تصغير أشْوَيَان: على وزن أنْبَجَانٍ (٢) من الشتى أشيويان، ثم أشييان، ثم أُشَيَّان، وخالف أبو عمرو فيما وازن الفعل، وأوله زيادة كزيادته، فلم يحذف
стр. 883
الثالثة نَسْياً، فقال أحَيٍّ في نصغيرا أحْوَى كما مر في التصغير (١) .
وإن كانت الثانية مدغمة في الثالثة: فإن كان ما قبل الاولى ساكنا لم يغير شئ منها نحو ظَبْيِيٍّ وَقَرَأْيِيٍّ في النسب، وَرِمْيِيٍّ على وزن بِرْطِيلِ (٢) من الرَّمْي، وإن كان ما قبل الأولى متحركاً: فإن كانت الأولى ثانية الكلمة سلمت الياءات، نحو حِيَيِّ كهِجَفٍّ (٣) وَحُيِيّ كقُمُدٍّ، (٤) والأصل حُيُيٌّ
- بضم العين - وَحَيِيٍّ من الحياء، لخفة الكلمة، وإن كانت ثالثتها جعلت واو، سواء كان ما قبلها مفتوحاً، كما إذا بنيت من الرمي مثل حَمَصِيصَة، (٥) تقول: رَموِيَّة، مثل رَحَوِيَّة في النسب، ولم تقلب الياء الأولى ألفاً، أمَّا في النسب فلعروض الحركة، وأما في غير النسب فلعدم موازنته للفعل، وكما إذا بنيت من الرمي على وزن حَلَكُوك (٦) قلت رَمَوِيّ، والأصل رَمَيُوي ثم رَمَيِيّ، ثم رَمَوِيّ، أو كان ما قبلها مكسوراً نحو عَمَوِيّ فإنك تفتح الكسر لتسلم الواو، وإنما قلبت إحدى الياءات في هذه الأمثلة لاستثقال الياءات، وإنما لم تقلب الأخيرة كما في حَيَوان وإن كان التغيير بالأخير أولى لقوتها بالتشديد، ولهذا لم تحذف الثالثة (نسياً) كما حذفت معيية، والحذف والقلب قبل ياء النسب أبعد لكونها علامة، وإن كانت الأولى رابعة الكلمة: فإن كانت قبل ياء النسب حذفت، على الأصح، كما في قَاضِيٍّ، لاجتماع الياءات مع تثاقل الكلمة وكون
стр. 884
الأولى آخر الكلمة، إذ ياء النسب عارضة، ويجوز قَاضَوِي، كما مر في النسب (١) ، وإن لم تكن قبل ياء النسب لم تحذف، لأنها ليست آخر الكلمة، بل تقلب واواً، كما قلبت وهي ثالثة الكلمة، تقول على وزن خَيْتَعُور (٢) من الرمي:
رَيْمَويّ، والأصل رَيْمَيُوي، قلبت الواو ياء، وأدغمتها في الأخيرة، ثم كسرت الضمة، وقلبت الياء واواً، وكذا إذا بنيت مثل خَنْفِقَيق (٣) من بكى قلت: بَنْكَوِيّ وإن لم يكن شئ منهما مدغما في شئ، فإن كانت الثالثة تستحق قلبها ألفاً قلبت، كما إذا بنى من حَيِيَ مثل احْمَرَّ، قلبتها ألفاً نحو احْيَيَى، ثم إن أدغمت كما في اقْتَتَلَ قلت: حَيّى، وإن لم تدغم قلبت الثانية واوا، نحو احْيَوَى، كما في حَيَوَان، وإن لم تستحق كما إذا بنى من حيى مثل هدبد (٤) وجندل (٥) جاز لك حذف الثالة نَسْياً، لكون الثقل أكثر مما في مُعَيِّية فتقول: حُياً وَحَياً، بقلب الثانية ألفاً لتحركها طرفاً وانفتاح ما قبلها، وجاز لك قلب الثانية واواً كما في حَيَوان، فتسلم الثالثة (٦) لزوال اجتماع الياءات، فيصير حيويا
стр. 885
وَحَيَوياً، وكما إذا بنيت من قضى مثل جَحْمَرِش (١) قلت: قَضْياً بحذف
الأخيرة نسياً، وقلب الثانية ألفاً، وقَضْيَوٍ، بقلب (٢) الثانية واواً، وإنما لم تقلب الثالثة واواً لأن آخر الكلمة بالتخفيف أولى، وأيضاً لو قلبتها إياها لبقي اجتماع الياءين الأوليين بحاله، وأما الأولى فلم تقلب، لأن الثقل إنما حصل من الثانية والثالثة، ولم تقلب الأولى في حَيَيٍ كَجَندَل، لأنها لم يقلب مثلها ألفاً في الفعل نحو حَيِيَ كما مر فكيف تقلب في اسم لم يوازن الفعل وإن لم تكن الياء الأخيرة لاماً بقيت الياءات على حالها بلا قلب، ولا حذف، كما تقول في تصغير أُسْوَار (٣) أُسَيِّير وإن اجتمع أربع ياءات كما إذا بنى من حَيِيَ على وزن جَحْمَرِش قلت: حَيَّيِيٌ، أدغمت الأولى في الثانية فيصيران كياء واحدة وقلبت الثالثة واواً كما قلنا في المبنى على وزن جَنَدِل، فتسلم الرابعة نحو حَيَّوٍ، ويجوز لك حذف الأخيرة نسياً لكونها أثقل منها في نحو مُعَيِّية، فتقلب الثالثة ألفا لترحكها وانفتاح ما قبلها نحو حَيًّا، كما قلنا قبل.
وإذا بنيت مثل (٤) سَلْسَبيل قلت: حَيَّوِيّ، وإذا
стр. 886
بنيت مثل قِرْطَعْب (١) قلت: حِيَّيّ، لم تقلب ثانية المشددتين واواً كما في حَيَوَان، لأنها آخر الكلمة فلا تبدل حرفاً أثقل مما كان، ولم تحذف كما في مُعَيِّية، لأن حذفها حذف حرفين، واحتمل اجتماعهما، لان تشديدهما قوَّاهما، وإذا جاز نحو طَيِّيّ وأُمَيِّيّ - على قول - مع أن الأولين آخر الكلمة إذ ياء النسب عارضة فهذا أجوز، وإذا بنيت مثل قَذَعْمِل (٢) قلت: حُيَيّ، أدغمت الثانية في الثالثة، وحذفت الرابعة كما في مُعَيِّية، وهو ههنا أولى، ولم تقلب المضعفة واو لصيرورتها بالتضعيف قَوِيَّة كالحرف الصحيح، فيبقى حُيَيّ وتقول على وزن قذ عميلة من قَضَى: قُضَيِّيَّة، والمازني لم يُجَوِّزْ من قَضَى إلا قُضَوِية، كما في النسب، وغيرُه جَوَّز مع قضوية قُضَيِّيَّةٌ بتشديدين أكثر من تجويز أمَيِّيّ، والذي أرى أنه لا يجوز إلا فضيية، بياءين مشددتين، إذ الأخيرتان قويتاً بالتضعيف، فلم تحذفا كما حذفت الثالثة في مُعَيِّيَة، والأوليان ليستا في آخر الكلمة حتى يحذف أضعفهما: أي أولهما الساكن، كما حذفت في أُمَوِيّ، فإذا بنيت من شَوَى على وزن عصفور قلت: شُويُويٌ، ثم قلبت الواوين ياءين وأدغمتهما في الياءين فصار شُيِّيٌّ - بكسر ضمة المشددة الأولى - فيجوز كسر الفاء أيضاً، كما في عُتِي، وقال سيبويه: شُوِويّ، قياساً على طَوَوِيّ وحَيَوِيّ في النسب إلى حَيٍّ وَطَيٍّ أَوْ شُيِّيٌّ، كما قيل طَيِّيّ، وكذا إذا بنيت من طوى
стр. 887
على وزن بَيْقُورٍ (١) قلت: طَيْوُويٌ، ثم قلبتَ الواو الأولى ياء، وأدغمتَ الياء الساكنة فيها، ثم قلبتَ الواو الثانية ياء وأدغمتَها في الأخيرة، ثم كسرت الياء المضمومة فتقول: طَيِّيّ، وعند سيبويه طَيْوِيّ أيضاً كالمنسوب إلى حيّ، هذا كله في الأربع ياءات إذا لم تكن الأخيرتان للنسبة، فإن كانتا لها كالمنسوب إلى حَيّ، وَطَيّ، وَعَلِيّ، وقُصَيّ، وتحيّة، وَمُحَيّ فقد مضى في باب النسب حكمها (٢) وقد مضى أيضاً أن ياء التصغير تحذف كما في أمَويّ إن دخلت النسبة على التصغير، وأما إن دخل التصغير على النسبة لم تحذفها أُرَيِّيَّةَ (٣) - بياءين مشددتين - هذا كله حكم الياءات فأما حكم الواوات فنقول: إن اجتمع واوان فإن سكنت ثانيتهما: فإن كانت طرفاً لم يمكن أن تكون الأولى مفتوحة ولا مضمومة إلا والثانية منفصلة، نحو لم يَرْوَوْا ومُرْوُو زيدٍ، لأنهم يستثقلون الواوين بلا إدغام في آخر الكلمة الذي هو محل التخفيف، فلذلك لم يبنوا مثل قَوَوْتُ وقَوُوتُ، فلا بد لو كانا في كلمة من انكسار الأولى لتنقلب الثانية ياء، نحو قَوِيتُ، وإن كانت الأخيرة وسطا جاز اجتماعهما، نحو قَوُولٍ، وإن تحركتا: فإن كان ذلك في أول الكلمة قلبت الأولى همزة كما في أواصل، وإن كان ذلك في الوسط فإن جاز الإدغام أدغمت، كما إذا بنيت من القُوّة على فَعُلاَن - بضم العين - قلتَ:
стр. 888
قَوَّانٌ عند المبرد، والأولى أن لا تدغم بل تقلب الثانية ياء كما يجئ في باب الإدغام، ومن لم يدغم في حَيِيَ جاز أن لا يدغم في نحو قَوُوَان، بل يقلب الثانية ياء.
ويقلب ضمة ما قبلها كسرة، كما مر في هذا الباب، لأن الإعلال قبل الإدغام، وهذا قول الجرمي، وإن لم يجز الإدغام كما إذا بنيت على فَعَلاَن - بفتح العين - من القوة، قال سيبويه: تقول: قَوَوَان، كما قال من حَيِيَ: حَيَيَان، والأولى أن يقال: قَوَيَان، لاستثقال الواوين، فلما لم يجز التخفيف بالإدغام خفف بقلب إحداهما ياء، وإذا قلبت الياء واواً في حيوان لكراهة اجتماع الياءَين فقلب الثانية ياء في قَوَوَان لكون الواو أثقل أولى، ولو بنيت على فَعِلان - بكسر العين - انقلبت الثانية ياء للكسرة، لأن الإعلال قبل الإدغام كما تقدم، وإن كان ذلك في الطرف: فإن انفتحت الأولى لزوماً قلبت الثانية ألفاً كما في الْقُوَى والصُّوَى (١) وَيَقْوَى وَأقْوَى، وأما في طَوَوِيّ منسوباً إلى طَيّ فلعروض فتحة الأولى، وأما في قُوَوِيٍّ منسوباً إلى قُوّى علماً (٢) فلعروض حركة الثانية، وإن كانت الأولى مكسورة أو مضمومة قلبت الثانية ياء، كقَوْيٍ وقَوِيٍ - على وزن عضُد وفخِذ - من القُوّة، وإن سكنت أولى الواوين فإن كانتا في الوسط سلمتا من القلب كقُووِلَ إلا في نحو قُوّل على ما تقدم، وإن كانتا في الطرف: فإن كانت الكلمة ثلاثية لم تقلب إلا إذا
стр. 889
انكسر ما قبلها، نحو قَوٍّ وقُوٍّ، وتقول على وزن حِبْرٍ: قِيّ، وإن كانت الكلمة على أكثر من ثلاثة صحت المفتوح ما قبلها نحو غَزَوٍّ، وانقلبت المكسور ما قبلها ياء وجوباً كغِزِيّ - على وزن فِلِز (١) - والمضموم ما قبلها جازا في المذكر المفرد نحو غُزُوّ، وغُزِيّ، كعُتُوّ وَعُتِيّ، ووجوباً في الجمع كُدِلِيِّ وإن اجتمع ثلاث واوات فإن كانت الأخيرة لاماً: فإما أن تكون الأولى مدغمة في الثانية أو الثانية في الثالثة أو ليس شئ منها مدغما في شئ، ففي الأول تقلب الثالثة ألفاً إن انفتح ما قبلها كقَوٍّي والْمُقَوَّى، وياءً إن انكسر كيُقَوِّي وَالْمُقَوِّي، أو انضم كقُوٍّ على وزن بُرْثُن (٢) من القوة، وفي الثاني تقلب المشددة ياء مشددة: انفتح ما قبلها كقِوَيٍّ - على وزن هجف (٣) أو قمطر - أو انكسر كقِوِيّ - على وزن فِلِزٍّ - أو انضم كقُويٍّ - على وزن قُمُدَّ - بكسر ذلك الضم، فيجوز كسر الفاء إتباعاً كعِتِيٍّ وذلك لثقل الواوات المتحرك ما قبلها بخلاف نحو حُيِيّ فإن الياء أخف، وكذا إذا كانت أولى الواوات ثالثة الكلمة وتحرك ما قبلها نحو غَزَويٍّ - على وزن حَلكُوك - فإن سكن ما قبلها: فإن انفتحت الأولى سلم الجميع، نحو غِزْوَوٍّ - على وزن قِرْشَبٍّ (٥) أو قِرْطَعْبٍ - وإن انضمت أو انكسرت قلبت
стр. 890
المشددة ياء وكسرت الضمة.
كَمَقْوِيٍّ وَغُزْوِيٍّ - كعُصْفور - من الغزو، وإن لم تكن إحداهما مدغمة في الأخرى قلبت الأخيرة ألفاً: إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر نحو اقَوَوَى على وزن احمرر - فإن أدغمت قلت قَوي، وإن لم تدغم قلبتَ الثانية ياء على قياس قويان، وهو ههنا أولى، فتقول: اقوَيَا يَقْويِي وتقول في نحو هُدَبِد وَجَنَدِل من القوة: قُوَوٍ، وقَوَوٍ - بقلب الثالثة ياء - لكسرة ما قبلها، ولا تدغم الأولى في الثانية مع لزوم حركة الثانية، محافظة على بناء الإلحاق، وأيضاً لعدم مشابهة الفعل هذا والأولى أن لا يبنى من الأسماء المزيد فيها غير المتصلة بالفعل ما يؤدي إلى مثل هذا الثقل كما يجئ في أول باب الإدغام وإن اجتمعت الثلاث الواوات في الوسط بقيت على حالها نحو قُوُّولٍ على وزن سُبُّوح وَاقْوَوَّلَ كاغْدَوْدَن (١) ، والأخفش يقلب الأخيرة في اقوَوَّل ياء، فتنقلب الثانية ياء أيضاً، وسيبويه لم يبال بذلك، لتوسطها، وينبغي للأخفش أن يقول في قُووِل: قُويل، إلا أن يعتذر بخفة واو المد، وإنما لم يقلب الاخفش في نحو اقووول لكون الوسطى كالألف، لأنها بدل منه، ألا ترى أنه لم يقلب
أوَّل وَاوَيْ وُورِيَ همزةً وجوباً لمثل ذلك؟ وإذا اجتمع أربع واوات فالواجب قلب الثالثة والرابعة ياء إن كانت الثالثة مدغمة في الرابعة نحو قوَّيٌ - على وزن قِرْطَعْبٍ - من القوة، لأنه أثقل من نحو غِزْوَوٍّ، وإن لم تكن مدغمة فيها قلبت الأخيرة ألفاً إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر، وتبقى الثالثة بحالها عند سيبويه نحو قَوَّوٍ - على وزن جحمرش -، لأنه إذن كاقْوَوَّلَ وتقول على وزن قُذَعْمِلٍ: قُوَوٍّ، وعلى وزن اغدَوْدَن اقْووَّى، والأخفش يقلب الثالثة ياء فتقول قوى - كجحمرش -
стр. 891
وقُوَيٍّ كقذعمل - واقْوَيَّا - كاغدودن - لاستثقال الواوات، فتنقلب القريبة من الطرف ياء، ولا تقلب الواو الثالثة في قَوَّوٍ - كجحمرش - ألفاً، كما لم تقلب واو قَوِيَ كما مر، والله أعلم بالصواب قال: " الإِبْدالُ: جَعْلُ حَرْفٍ مَكَانَ حَرفٍ غَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِأمْثِلَةِ اشْتِقَاقِهِ كَتُرَاثٍ وَأجُوهٍ، وَبِقلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ كالثَّعَالِي، وبكونه فرعا والحرف زائد كضويوب، وَبِكَونِهِ فَرْعاً وَهُوَ أَصْلٌ كَمُوَيْهٍ، وَبِلُزُوم بِنَاءٍ مَجْهُولٍ نَحْوُ هَرَاقَ وَاصْطَبَرَ وادَّارَكَ " أقول: الإبدال في اصطلاحهم أعم من قلب الهمزة، ومن قلب الواو، والياء، والألف، لكنه ذكر قلب الهمزة في تخفيف الهمزة مشروحاً، وذكر قلب الواو والياء، والألف في الإعلال مبسوطاً، فهو يشير في هذا الباب إلى كل واحد منها مجملاً، ويذكر فيه إبدال غيرها مفصلاً، ويعنى بأمثلة اشتقاقه الأمثلة التي اشتقت مما اشتق منه الكلمة التي فيها الابدال، كترات (١) فإن أمثلة اشتقاقه في وَرِثَ يرث وارثٍ موروثٍ، وجميعها مشتق من الوِرَاثة، كما
أن تراثاً مشتق منها، وكذا تَوَجّه ومُواجهة ووَجِيه مشتقة من الوجه الذي أُجُوه مشتق منه، فإذا كان في جميع أمثلة اشتقاقه مكان حرف واحد منه حرفٌ آخَرُ عرفت أن الحرف الذي فيه بدل مما هو ثابت في مكانه في أمثلة اشتقاقه.
قوله " وبقلة استعماله " أي: بقلة استعمال اللفظ الذي فيه البدل، يعني إذا كان لفظان بمعنى واحد ولا فرق بينهما لفظاً إلا بحرف في أحدهما يمكن أن يكون بدلاً من الحرف الذي في الآخر فإن كان أحدهما أقل استعمالاً من الآخر فذلك الحرف في ذلك الأقل استعمالاً بدل من الحرف الذي في مثل ذلك الموضع
стр. 892
من الأكثر استعمالاً، كما ذكرنا في أول الكتاب (١) في معرفة القلب، والثعالِي والثعالب بمعنى واحد، والأول أقل استعمالاً من الثاني قوله " وبكونه فرعاً والحرف زائد " أي بكون لفظٍ فرعاً للفظ، كما أن المصغر فرع المكبر، وفي مكان حرفٍ في الأصل حرفٌ في الفرع يمكن أن يكون بدلاً منه كما أن واو ضويرب بدل من ألف ضارب، أو يكونَ حرفُ الأصل بدلاً من حرفِ الفرع، كما أن ألف ماء وهمزته بدلان من الواو والهاء اللذين في مُوَيْه، فأنت بفرعية لفظ للفظ ومخالفة حرفِ أحدهما لحرف الآخر لا تعرف إلا أن أحدهما بدل من الآخر ولا تعرف أيُّهما بدل من الآخر، بل معرفة ذلك موقوفة على شئ آخر، وهو أن يُنْظر في الفرع، فإن زال فيه موجب الإبدال الذي في الأصل كما زال في مُوَيْه علة قلب الواو ألفاً بانضمام ما قبلها، وعلة قلب الهاء همزة - وهي وقوع الهاء التي هي كحرف العلة بعد الألف التي كالزائدة - عرفت أن حرف الفرع أصل، وإن عرض في الفرع علة الإبدال التي لم تكن في الأصل كما عرض بضم فاء ضُوَيْرِب علة قلب ألف ضارب
واواً عرفت أن حرف الفرع فرع قوله " وبكونه فرعاً " أي: بكون لفظه فرعاً " والحرف زائد ": أي الحرف الذي هو مبدل منه زائد كألف ضارب قوله " وهو أصل " أي: الحرف المبدل منه أصل كواو مويه وهائه، ولا شك في انغلاق ألفاظه ههنا قوله " وبلزوم بناء مجهول " أي: يعرف الإبدال بأنك لو لم تحكم في كلمة بكون حرف فيها بدلاً من الآخر لَزِمَ بناء مجهول، كما أنك لو لم تحكم بأن هاء
стр. 893
هَرَاق (١) بدل وكذا طاء اصْطَبر والدال الأولى من ادَّارك لزم بناء هَفْعَل وافْطَعَل وافَّاعَلَ وهي أبنية مجهولة، ولقائل أن يمنع ذلك في افْطَعَل وافَّاعل، وذلك أن كل ما هو من هذين البناءين افتعل وتفاعل، وفاء الأول حرف إطباق وفاء الثاني دال أو تاء أو ثاء أو غير ذلك مما يجئ في بابه، فإن بعد فاء الأول طاء وجوبا وقبل فاء الثاني حرفاً مدغماً فيه جوازاً فهما بناءان مطردان لا مجهولان، بلى يعرف كون الحرفين في البناءين بدلين بأن الطاء لا تجئ في مكان تاء الافتعال إلا إذا كان قبلها حرف إطباق، وهي مناسبة للتاء في المخرج ولما قبلها من حروف الإطباق بالإطباق فيغلب على الظن إبدال التاء طاء لاستثقالها بعد حرف الإطباق ومناسبة الطاء لحرف الإطباق والتاء، وكذا الكلام في الحرف المدغم في نحو ادَّكر واثاقل.
قال: " وحروفه أنصت يوم جد طَاهٍ زَلَّ، وقول بعضهم: اسْتَنْجَدَهُ يَوْمَ طَالَ وَهُمٌ في نَقْص الصَّادِ والزَّاي لِثُبُوتِ صِرَاطٍ وَزَقَرَ، وَفِي زِيَادَة السِّينِ، وَلَوْ أَوْرَدَ اسَّمَعَ وَرَدَ اذَّكَرَ وَاظَّلَمَ "
أقول: يعني ب حروف الإبدال الحروف التي قد تكون بدلاً من حروف أخر، فأما الحروف التي هذه الحروف بدل منها فتجئ عند التفصيل.
قوله: " وقولهم استنجده يوم طال " قوْل صاحب المفصل، ولم يعد سيبويه في باب البدل الصاد والزاي، وعدهما السيرافي في آخر الباب، وعد معهما شين الكشكشة التي هي بدل من كاف المؤنث قال: ١٥٦ - تَضْحَكُ مِنِّي أنْ رَأَتْنِي أحْتَرِشْ * وَلَوْ حَرَشْتِ لَكَشَفْتِ عن حرش (٢)
стр. 894
وأما التي تزاد بعد كاف المؤنث نحو أكر متِكش فليست من هذا، ولم يعد سيبويه السين كما عدها الزمخشري، ولا وجه له، قالوا: وجاء الثاء بدلاً من الفاء، حكى أبو على عن يعقوب ثروغ (١) الدلو، وفروغها، وهو من التفريغ، وكذا الباء من الميم، حكى أبو علي عن الأصمعي: ما اسْبُك: أي ما اسْمُك؟ وقد جاء الحاء في الشعر بدلاً من الخاء شاذاً، قال: ١٥٧ - يَنْفُحْنَ مِنْهُ لَهَباً مَنْفُوحاً * لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا (٤) قال رؤبة: ١٥٨ - غَمْرُ الأَجَارِي كَرِيمُ السِّنْحِ * أبْلَجُ لَمْ يُولَدْ بِنَجْمِ الشح (٢)
стр. 895
وجاء الراء بدلاً من اللام شاذاً، كقولهم في الدِّرع: نَثْرَةٌ (١) وَنَثْلَةٌ (٢) وذلك لأنهم قالوا: نَثَلَ عليه دِرْعَه، ولم يقولوا: نَثَرَهَا، فاللام أعم تصرفاً، فهي الأصل، والفاء تكون بدلاً من الثاء، حكى أبو علي عن يعقوب: قام زيد فُمَّ عَمْرو، وقالوا: جَدَث وجَدَف (٣) والفاءُ بدل، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وجاء الكاف بدلاً عن القاف، يقال: عربي كُحٌّ (٤) وقُحٌّ وجاء في
стр. 896
الجمع أقْحَاح، ولم يقولوا: أكحاح، وجاء الكاف بدل من التاء، قال: ١٥٩ - يا ابن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إِلَيْكَا * لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكا (١) *
ويجوز أن يكون وضَعَ الضمير المنصوب مقام المرفوع، وتكون العين في تميم بدلاً من الهمزة في أن وهي عنعنة تميم، قال:
стр. 897
١٦٠ - أعَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً * مَاءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عَيْنَيْكَ مَسْجُومُ (١) وإنما لم يعدّ المصنف هذه الأشياء لقلتها وكونها شواذ قوله " وزيادة السين " قالوا: السين بدل من الشين في السِّدَّة وَالشِّدَّة
ورجل مَشْدُود وَمَسْدُود، والشين أصل، لكونها أكثر تصرفاً، وقالوا في اسْتَخَذ: إن أصله اتخذ من التخذ، فهي بدل من التاء، وقيل أيضاً: أصلها اسْتَخَذ فأذن لا حجة فيه، وبمثله تمسّك الزمخشري، لا باسَّمَعَ كما قال المصنف، وإنما لم يعدّ سين نحو اسَّمَع والذال والظاء في اذَّكَر وَاظَّلَم في حروف البدل لأن البدل في هذه الأشياء ليس مقصودا بذاته، بل لما كان السين والذال والظاء مقاربة للتاء في المخرج وقصد الإدغام ولم يمكن في المتقاربين إلا بجلعهما متماثلين قلبت التاء سيناً وذالاً وظاء، لما سيجئ في باب الإدغام، فلما كان البدل لأجل الإدغام لم يعتد به.
قال: " فَالْهَمْزَةُ تُبَدَل مِنْ حُرُوفِ اللِّينِ وَالْعَيْنِ وَالْهَاءِ، فَمِنَ اللِّينِ إعْلاَلٌ لاَزِمٌ فِي نَحْوِ كِسَاءٍ وَرِدَاءٍ وَقَائِلٍ وَبَائِعٍ وَأَوَاصِلَ، وَجَائِزٌ فِي أجُوهٍ وَأُورِيَ، وَأَمَّا نَحْوُ دَأَبَّةٍ وَشَأَبَّةٍ وَالْعَأْلَمِ وَبَأْزٍ وَشِئْمَةٌ وَمُؤقِدٍ فَشَاذَ، وأَبَابُ بَحْرٍ أَشَذُّ، وَمَاءٌ شَاذ " أقول: قوله " في نحو كساء ورداء " ضابطه كل واو وياء متطرفتين، أصليتين كانتا ككساء ورداء، أولاً كَعِلْبَاءٍ (٢) ورِدَاء، في ترخيم رداوى،
стр. 898
واقعتين بعد ألف زائدة، فإنهما تقلبان ألفين، ثم تقلب الألف همزة، كما تقدم.
قوله " وقائل وبائع " ضابطه كل واو وياء هي عين فاعِلٍ الْمُعَلّ فعله أو
فاعِلٍ الكائن للنسب كسائف (١) ، لكونه كاسم الفاعل من ساف يسيف، فإنه تقلب الواو والياء ألفاً ثم تقلب الألف همزة، كما تبين قبل.
قوله " وأواصل " ضابطه كل واوين في أول الكلمة ليست ثانيتهما زائدة منقلبة عن حرف آخر، نحو أَوَاصِلَ وأواعد من وعد على وزن جَوْرَب وأوعاد على وزن طُومار (٢) فإنه تقلب أولاهما همزة قوله " أُجوه وأُورِيَ " ضابطه كل واو مضمومة ضمة لازمة: في الأول كانت، أو في الوسط، والتي في الأول سواء كانت بعدها واو زائدة منقلبة عن حرف كأُورِي، أولا كأجُوه، قولنا " ضمة لازمة " احتراز عن ضمة الإعراب، والضمة للساكنين، وعند المازني هذا القلب مطرد في الواو المتصدرة المكسورة أيضاً نحو إفَادَة وَإشَاح قوله " نحو دَأبَّة " ذكرنا حاله في التقاء الساكنين، وكذا حال الْمُشْتئِقِ في قوله: * صَبْراً فَقَدْ هَيَّجْتِ شَوْقَ الْمُشْتَئِقِ (٣) * فقد حرك الشاعر الألف بعد قلبها همزة للضرورة، وحكى الفراء في غير الضرورة رجل مَئِل: أي كثير المال، وقالوا: لبَّأَ الرجل بالحج، وعن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم، وليس ذلك فراراً من الساكنين، ولكن لتقارب مخرجي الألف والهمزة، وأنشد قوله:
стр. 899
١٦١ - يادار سلمى يا سلمى ثم اسلمي *
فخندف هامة هذا العألم (١) بالهمز، وذلك لان ألف عام تأسيس لا يجوز معها إلا مثل السَّاحِم (٢) اللاَّزِم، فلما قال: اسْلَمِي همز العألم، ليجري القيافة على منهاج واحد في عدم التأسيس، وحكى اللحياني عنهم بَأُزٌ وأصل ألفه واو، بدليل أبواز، وقالوا: الشِّئْمة (٣) ، أصلها الياء، كما قالوا: قطع الله أدْيَه: أي يَدْيَه فردوا اللام (٤)
стр. 900
وأبدلوا الياء الأولى همزة، كذا قال ابن جني، ويقال: في أسنانه ألل: أي يلل.
قوله " مؤقد " أنشد أبو علي ١٦٢ - * لَحَبُّ الْمُؤْقِدِيْنِ إليَّ مُؤْسَى (١) * بهمز واو الموقدين وموسى، وقرئ (بِالسُّؤْقِ وَالأَعْنَاقِ) مهموزاً، قيل: وجه ذلك أن الواو لما جاورت الضمة صارت كأنها مضمومة، والواو المضمومة تهمز، نحو نَؤُور وَغُؤُور
стр. 901
قوله " وأباب بحر أشذ " إنما كان أشذ إذ لم يثبت قلبت العين همزة في موضع بخلاف قلب الواو والياء والألف، فإنها تقلب همزة، أنشد الأصمعي ١٦٣ - * أُبَابُ بَحْرٍ ضَاحِكٍ هَزُوقِ (١) * الهزوق: المستغرق في الضحك، قال ابن جني: أباب من أبَّ إذا تهيأ، قال: ١٦٤ - * وَكَانَ طَوَى كَشْحاً وَأبَّ لِيَذْهَبَا (٢) * وذلك لأن البحر يتهيأ للموج، قال: وإن قلت: هو بدل من العين فهو
стр. 902
وجه، لكنه غير قوي، ومن قال: إنه بدل منه، فلقرب مخرجيهما، ولذا أبدّل منه العين، نحو قوله * أعَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً (١) ... البيت * قوله " وماء شاذ " هو شاذ لكنه لازم، وأصله مَوَه، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم شبه الهاء بحرف اللين لخفائها، فكأنها واوا أو ياء واقعة طرفاً بعد الألف الزائدة، فقلبت ألفاً، ثم همزة، وقالوا أيضاً في أمْوَاه: أمواء، لمثل هذا، قال: ١٦٥ - وَبَلْدَةٍ قَالِصَةٍ أَمْوَاؤُهَا يَسْتَنُّ فِي رَأْدِ الضُّحَى أَفْيَاؤُهَا (٢) قيل: آل أصله أهل ثم أَألْ - بقلب الهاء همزة - ثم آل - بقلب الهمزة ألفاً - وذلك لأنه لم يثبت قلب الهاء ألفا وثبت قلبها همزة، فالحمل على ما ثبت مثله أولى، وقال الكسائي: أصله أوَل، لأنهم يؤولون إلى أصل، وحكى أبو عبيدة في هَلْ فَعَّلْتَ؟: أَلْ فَعَلْتَ؟ وقيل: إن أصل ألاّ في التحضيض هلا قال: " وَالأَلِفُ مِنْ أُخْتَيْهَا وَالْهَمْزَةِ، فَمِنْ أُخْتَيْهَا لازم في نحو قال وباع
стр. 903
وَآلٍ عَلَى رَأْي، وَنَحْوُ يَاجَلُ ضَعِيفٌ، وَطَائِيٌّ شاذٌّ لاَزِمٌ، وَمِنْ الْهَمْزَةِ فِي نَحْوِ رَأْسٍ، وَمِنَ الْهَاءِ فِي آلٍ عَلَى رَأْي " أقول: قوله " قال وباع " ضابطه كل واو وياء تحركتا وانفتح ما قبلهما، على الشروط المذكورة في باب الإعلال، قوله " ونحو يَاجَلُ ضعيف " أي: وإن كان مطردا في بعض اللغات، كما ذكرنا في باب الإعلال، وضعفه لقلب الواو الساكنة المفتوح ما قبلها ألفاً قوله " وطائي شاذ " وذلك لما ذكرنا، لكنه واجب قوله " في نحو رأس " مطرد لكنه غير لازم إلا عند أهل الحجاز، وضابطه كل همزة ساكنة مفتوح ما قبلها، وفي نحو آدم لازم ويبدل من النون والتنوين وقفاً في نحو رأيت زيدَا وَلَنَسْفَعَا قال: " والياء مع أختيها وَمِنْ الْهَمْزَةِ وَمِنْ أَحَدِ حَرْفِي الْمُضَاعَفِ وَالنُّونِ وَالْعَيْنِ وَالْبَاءِ وَالسِّينِ وَالثَّاءِ، فَمِنْ أُخْتَيْهَا لاَزِمٌ فِي نَحْوِ مِيقَّاتٍ وَغَازٍ وَأَدْل وَقِيَامٍ وَحِيَاضٍ وَمَفَاتِيحَ وَمْفَيْتِيح وَدِيمَ وَسَيِّد، وَشَاذٌّ فِي نَحْوِ حُبْلَى وَصُيَّم وَصِبْيَةٍ وَيَيْجَلُ، وَمِنَ الْهَمْزَةِ فِي نَحْوِ ذِيبٍ، وَمِنَ الْبَاقِي مَسْمُوعٌ كَثِيرٌ فِي نحو أمليت وَقَصَّيْت وَفِي نَحْوِ أَنَاسِيَّ، وَأَمَّا الضَّفَادِي وَالثّعَالِي وَالسَّادِي وَالثَّالِي فَضَعِيفٌ "
أقول: قوله " في نحو ميقات " ضابطه أن يسكن الواو وقبله كسرة، وضابط نحو غازٍ أن يتطرف الواو وقبله كسرة، وضابط نحو أدْلٍ أن يتطرف الواو المضموم ما قبلها على الشرط المذكور، وضابط نحو قِيَام أن تكون العين واواً مكسوراً ما قبلها في مصدر أعِلَّ فعله، وضابط نحو حِياضٍ أن تكون العين واواً في جمع قد سكن عين مفرده، وقبل الواو كسرة، وبعده ألف، وضابط نحو دِيَم أن تكون الواو عيناً قبلها كسرة في جمع ما قد قلبت عينه، وضابط نحو سيِّد أن (*)
стр. 904
يجتمع الواو والياء وتسكن أولاهما، وضابط نحو أغزيت أن تقع الواو رابعة فصاعداً متطرفة مفتوحاً ما قبلها على الشرط المذكور قوله " شاذ في نحو حُبْلَى وَصُيَّم " قد ذكرنا في باب الوقف أن حُبْلَى بالياء مطرد عند فزارة، فكان الأولى أن يقول ضعيف لا شاذ، وكذا ذكرنا أن نحو صُيَّم مطرد وإن كان ضعيفاً، وكذا نحو يَيْجَل، قال أبو علي: هو قياس عند قوم وإن كان ضعيفاً، وحكم الزمخشري بشذوذه، وصِبْيَة وَثِيرَةٌ شاذّ كما ذكرنا قوله " ومن الهمزة " هو واجب في نحو إيت، ومطرد غير لازم في نحو ذيب، وتبدل الياء مكان الواو والألف في نحو مُسْلِمَان وَمُسْلِمُونَ، وفي نحو (قراطيس) وقريطيس لكسر ما قبل الألف، وكذا الألف التي بعد ياء التصغير، نحو حُمَيِّر قوله " كثير في نحو أمليت وَقَصَّيْت " يعني بنحوه ثلاثياً مزيدا فيه يجتمع فيه مثلان ولا يمكن الإدغام لسكون الثاني، نحو أمْلَلْتُ، أو ثلاثة أمثال أولها مدغم في الثاني، فلا يمكن الإدغام في الثالث نحو قَصَّيْت وَتَقَضِّيَ البازي (٢) ، فيكره اجتماع الأمثال، ولا طريق لهم إلى الإدغام فيستريحون إلى قلب الثاني ياء لزيادة الاستثقال، وإن كان ثلاثياً مجرداً لم يقلب الثاني، فلا يقال في مددت
مديت، أما قولهم " فَلاَ وَرَبْيِك " أي رَبِّك فشاذ، وأبدلوا أيضاً من أول حرفي التضعيف في وزن فِعَّال، إذا كان اسماً، لا مصدراً، ياء، نحو ديماس (٣)
стр. 905
وديباج (١) ودينار وقيراط وشيراز، فيمن قال: دَمَاميس وَدَبَابيج ودنانير وقراريط وشراريز، وهذا الإبدال قياس، إذ لا يجئ فِعَّال غير المصدر إلا وأول حرفي تضعيفه مبدل ياء، فرقاً بين الاسم والمصدر، ولا يبدل في المصدر نحو كذّب كذَّاباً، فإن كان الاسم بالهاء كالصِّنَّارة (٢) وَالدِّنَّامَةِ (٣) لم يبدل، للأمن من الالتباس، وأما من قال دياميس وديابيج فيجوز أن يكون لم يردهما إلى الأصل وإن زالت الكسرة للزوم الياء في آحادهما ويجوز أن يكون آحادهما على وزن فِيعَال في الأصل من غير أن يكون الياء بدلاً من حرف التضعيف، وأما قولهم شواريز بالواو في شيراز فمبنى على أن أصله شِوْرَاز، وإن لم يكن فوعال في كلامهم، ويجوز أن يكون شواريز أصلها شياريز فأبدلت الياء واواً تشبيهاً للياء بالألف في نحو خَاتمٍ وَخَوَاتم فيكون أصله شيراز، وجاز اجْلِيوَاذ (٤) واخْريَواط (٥) في مصدر اجْلَوَّذ واخْرَوَّط قوله " أناسيّ " يجوز أن يكون جمع إنسى فلا تكون الياء بدلا من النون، كذا قال المبرد، وأن يكون جمع إنسان، والاصل أناسين، وقد
стр. 906
يستعمل أيضا.
فيكون كالظرابى في جمع الظربان (١) وأما العين والباء والسين والثاء، فكقوله: ١٦٦ - وَمَنْهَلٍ لَيْسَ لَهُ حَوَازِقُ * وَلِضَفَادِي جمه نقانق (٢) وقوله: ١٦٧ - لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالي ووخز من أرانيها (٣)
стр. 907
وقوله: ١٦٨ - إِذَا مَا عُدَّ أَرْبَعَةٌ فِسَالٌ * فَزَوْجُكِ خَامِسٌ وَأَبُوكِ سَادِي (١) وقوله: ١٦٩ - يفديك يازرع أبي وخالي * قد مر يومان وهذا الثالي (٢) * وأنت بالهجران لا تبالي * وقد يبدل الياء من الجيم، يقال: شيرة وشييرة في شجرة وشجيرة.
قال: " وَالْوَاوُ مِنْ أُخْتَيْهَا وَمِنَ الْهَمْزَةِ، فَمنْ أُخْتَيْهَا لاَزِمٌ فِي نَحْوِ ضَوَارِبَ وَضُوَيْرِبٍ وَرَحَوِيٍّ وَعَصَوِيٍّ وَمُوقِنٍ وَطُوبَى وَبُوطِرَ وَبَقْوَى، وشَاذّ
ضَعيفٌ فِي هَذَا أَمْرٌ مَمْضُوّ عَلَيْهِ وَنَهُوٌّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَجِبَاوَةٍ، وَمِنَ الْهَمْزِ فِي نَحْوِ جُؤَنَةٍ وَجُؤْنٍ " أقول: قوله " ضَوَارب وضُوَيْرب " ضابطه الجمع الأقصى لفاعِلٍ أو فاعَلٍ كحائِطٍ وخَاتَمٍ، أو مصغرهما، وإنما قلبت واواً في فوَاعل حملاً على فُوَيْعل، لأن التصغير والتكسير من واد واحد، وبينهما تناسب في أشياء، كما مر في بابيهما، وكذا تقلب الألف واواً في ضورب وتضورب.
стр. 908
قوله " عَصَويّ وَرَحَويّ " ضابطه الألف الثالثة أو الرابعة إذا لحقها ياء النسب، فإنك تقلب الألف واواً، سواء كانت عن واو أو عن ياء، لمجئ الياء المشددة بعدها، وقد مر (١) في باب النسب وباب الإعلال وَجْهُ قلبها واواً، ووجه عدم قلبها ألفا مع تحريكها وانفتاح ما قبلها.
قوله: " موقن وطُوبَى وبوطر " ضابطه كل ياء ساكنة غير مدغمة مضموم ما قبلها بعدها حرفان أو أكثر، إلا في نحو بِيضَان (٢) وحِيكَى وضِيزى (٣) ، وقولنا " حرفان أو أكثر " احتراز عن نحو بيض.
قوله " وبقوى " ضابطه كل ياء هي لام لفَعْلى اسماً، وكذا يقلب الياء واواً
في نحو عَمَوِيّ قياساً.
قوله " أمر مَمْضُوٌّ عليه " أصله مَمْضُويٌ، لأنه من مضى يمضي، وكذا نَهُوّ عن المنكر أصله نَهُويٌ، كأنه قلب الياء واواً ليكون موافقاً لأَمُور، لأنهم يقولون: هو أَمُورٌ بالمعروف ونهو عن المنكر، ولو قلبوا الواو ياء على القياس لكُسِرَت الضمة فصار نَهِيّاً، فلم يطابق أمُوراً، وقالوا: الْفُتُوَّة (٤) والندُوَّة (٥) والأصل الْفُتُويَة والنُّدُويَة، وشربت مَشُوًَّا ومَشِيًّا، وهو الدواء
стр. 909
الذي يُمْشي البطن، وقالوا: جَبَيْتُ الخراج جِبَاية وَجِبَاوَة، والكل شاذ قوله " ومن الهمزة ": وجوباً في نحو أو من، وجوازاً في نحو جُونَة وجون (١) كما مر في تخفيف الهمز، ويجب أيضا في نحو حَمْرَاوان على الأعرف، وحَمْرَاوات وحَمْرَاوِيّ، وضعف أفعو في أَفْعَيِ كما مر في باب الوقف (٢) قال: " وَالْمِيمُ مِنَ الْوَاوِ وَاللاَّمِ وَالنُّونِ وَالْبَاءِ، فَمِنَ الْوَاوِ لاَزِمٌ فِي فَمٍ وَحْدَهُ وضَعِيفٌ فِي لاَم التَّعْريفِ، وَهِي طَائِيَّةٌ، وَمِنَ النُّونِ لاَزِمٌ فِي نَحْوِ عَنْبَرِ
وشَنْبَاءَ، وَضَعِيفٌ فِي الْبَنَامِ وَطَامَهُ اللهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَمِنَ الْبَاءِ في بنات مخر وَمَا زِلْتُ رَاتِماً وَمِنْ كَثَمٍ " أقول: لم يبدل الميم من الواو إلا في فَم، وهذا بدل لازم، وقد ذكرنا في باب الاضافة أن أصله فَوْهٌ، بدليل أَفْوَاهٍ وأفوه وَفُوَيْهَة وتَفَوَّهْتُ، حذفت الهاء لخفائها، ثم أبدلت الواو ميما لئلا تسقط فيبقى المعرب على حرف، وقال الأخفش: الميم فيه بدل من الهاء، وذلك أن أصله فوْه، ثم قلب فصار فَهْو، ثم حذفت الواو وجعلت الهاء ميماً، واستدل على ذلك بقول الشاعر: * هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِمَا (٣) * فهو عنده كقوله: ١٧٠ - * لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا (٤)
стр. 910
في رد المحذوف للضرورة، والميم والواو شفويتان، والميم تناسب اللام والنون لكونهما مجهورتين وبين الشديدة والرخوة قوله " وضعيف في لام التعريف " قال ﵇: " لَيْسَ مِنْ امْبرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَر "
قوله " ومن النون لازم " ضابطه كل نون ساكنة قبل الباء: في كلمة كَعَنْبَرٍ، أو كلمتين نحو سَمِيعٌ بَصِير وذلك أنه يتعسر التصريح بالنون الساكنة قبل الباء، لأن النون الساكنة يجب إخفاؤها مع غير حروف الحلق كما يجئ في الإدغام، والنون الخفية ليست إلا في الغنة التي مُعْتَمَدُها الأنف فقط، والباء معتمدها الشفة، ويتعسر اعتمادان متواليان على مَخْرَجي النفس المتباعدين فطلبت حرف تقلب النون إليها متوسطة بين النون والباء، فوجدت هي الميم، لأن فيه الغنة كالنون، وهو شفوي كالباء، وأما إذا تحركت النون نحو شنب (١) ونحوه فليست النون مجرد الغنة، بل أكثر معتمدها الفم بسبب تحركها، فلا جرم انقلب ميماً، وضعف إبدالها من النون المتحركة، كما قال رؤبة: ١٧١ - ياهال ذات المنطق التمتام * وكفك المخضب البنام (٢)
стр. 911
ويقال: طَامَه الله على الخير: أي طانه، من الطينة (١) : أي جبله، قال: ١٧٢ - * ألاَ تِلْكَ نَفْسٌ طِينَ مِنْهَا حَيَاؤُهَا (٢) * ولم يسمع لطام تصرف،
بنات بَخر وَبَنَات مخر: سحائب يأتين قُبُلَ الصيف بيض منتصبات في السماء، وقال ابن السري: هو مشتق من البخار، وقال ابن جني: لو قيل إن بنات مخر من المخر بمعنى الشق من قوله تعالى: (وَتَرَى الفلك فِيهِ مواخر) لم يبعد.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال: ما زلت رَاتِماً على هذا، وراتباً: أي مقيماً، فالميم بدل من الباء، لأنه يقال: رَتَمَ مثل رَتَبَ، قال ابن جني: يحتمل أن تكون الميم أصلاً من الرَّتَمَة، وهى خيط يشد على الإصبع لتستذكر به الحاجة، وهو أيضاً ضرب من الشجر، قال:
стр. 912
١٧٣ - هل ينفعنك اليوم إن همت بهم * كثرة مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمْ (١) وذلك أنه كان الرجل منهم إذا أراد سفراً عمد إلى غُصْنَين من شجرتين يقرب أحدهما من الآخر ويعقد أحدهما بصاحبه، فإن عاد ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تَخُنه، وإلا قال: إنها خانته.
وقال يعقوب: يقال: رأيناه من كَثَم: أي كثب أي قرب، ويتصرف في كثب يقال: أكْثَبَ الأمر: أي قرب قال: " وَالنُّونُ مِنَ الْوَاوِ وَاللاَّمِ شَاذٌّ فِي صَنْعَانِيٍّ وَبَهْرَانِيٍّ وَضَعِيفٌ فِي لَعَنَّ " أقول: قوله " في صنعاني وبهراني " منسوبان إلى صَنْعَاء وبَهْرَاء، فعند سيبويه النون بدل من الواو، لأن القياس صَنْعَاوِي، كما تقول في حمراء: حَمْرَاوِي، وهما متقاربان بما فيهما من الغنة، وأيضاً هما بين الشديدة والرخوة وهما مجهروتان، وقال المبرد: بل أصل همزة فَعْلاَء النون، واستدل عليه برجوعها إلى الأصل في صنعاني وبهراني، كما ذكرنا في باب مالا ينصرف، (٢)
стр. 913
والأولى مذهب سيبويه، إذ لا مناسبة بين الهمزة والنون قوله " وضعيف في لَعَنَّ " قيل: النون بدل من اللام، لأن لعل أكثر تصرفاً، وقيل: هما أصلان لأن الحرف قليل التصرف قال: " وَالتَّاءُ مِنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ وَالسِّين وَالْبَاءِ والصَّادِ، فَمِنَ الْوَاوِ والْيَاءِ لاَزِمٌ فِي نَحْوِ اتَّعَدَ وَاتَّسَرَ عَلَى الأَفْصَحِ، وشَاذّ فِي نَحْوِ أَتْلَجَهُ وَفِي طَسْتِ وَحْدَهُ وَفِي الذَّعَالِتِ ولَصْت ضَعِيفٌ " أقول: قوله " نحو اتعد واتسر " أي: كل واو أو ياء هو فاء افتعل كما مر في باب الإعلال قوله " أتلجه " قال: ١٧٤ - رُبَّ رَامٍ مِنْ بَنِي ثُعَلٍ * مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ فِي قُتَرِه (١) وضربه حتى أَتْكَأَه (٢) ، ومنه تُجَاه (٣) وتُكَلة (٤) وتيقور (٥)
стр. 914
من الوقار، وتُخَمة (١) وتهمة (٢) وتقوى (٣) وَتُقَاة وَتَتْرَى (٤) من المواترة وتَوْراة من الْوَرْي (٥) وهو فَوْعَلة لندور تفعلة، وكذا تولج (٦) وتوأم (٧) وأُخْت وبنت (٨) وَهَنْتٌ وأَسْنَتُوا (٩) من السَّنة قوله " طست " لان جمعه طُسُوس لا طُسُوت قوله " وحده " إنما قال ذلك مع قولهم سِتّ لأن الإبدال فيه لاجل
стр. 915
الادغام، وهى تركيب التسديس، وقال: ١٧٥ - يَا قَاتَلَ اللهُ بَنِي السِّعْلاَة * عَمْرِو بْنِ يِرْبُوع شِرَارَ النَّاتِ * غيْرِ أعفاء ولا أكيات (١) * وهو نادر قوله " ذعالت " قال: ١٧٦ - صَفْقَةَ ذِي ذَعَالِتٍ سُمُولِ * بَيْعَ امْرِئٍ لَيْسَ بِمُسْتَقِيل (٢) أي: ذعالب، قال ابن جني: ينبغي أن تكونا لغتين، قال: وَغَيْرُ بعيد أن تبدل التاء من الباء، إذ قد أبدلت من الواو، وهى شريكة الباء من الشفة،