Полный текст (1 529 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وَلَمْ يَعْزُ إلَى أَحَدٍ خَمْسَةٌ لَا يُسْتَحْيَ مِنْ خِدْمَتِهِمْ السُّلْطَانُ وَالْوَالِدُ وَالْعَالِمُ وَالضَّعِيفُ وَالدَّابَّةُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
قَالُوا تَقَرَّبْ مِنْ السُّلْطَانِ قُلْتُ لَهُمْ ... يُعِيذُنِي اللَّهُ مِنْ قُرْبِ السَّلَاطِينِ
إنْ قُلْتُ دُنْيَا فَلَا دُنْيَا لِمُمْتَحَنٍ ... أَوْ قُلْتُ دِينًا فَلَا دِينَ لِمَفْتُونِ
وَمِنْ الْأَمْثَالِ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ: السُّلْطَانُ كَالنَّارِ إنْ بَاعَدْتَهَا بَطَلَ نَفْعُهَا، وَإِنْ قَارَبْتَهَا عَظُمَ ضَرَرُهَا صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ يَهَابُهُ النَّاسُ، وَهُوَ لِمَرْكَبِهِ أَهْيَبُ، أَجْرَأُ النَّاسِ عَلَى الْأَسَدِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ رُؤْيَةً، إذَا قَالَ السُّلْطَانُ لِعُمَّالِهِ هَاتُوا فَقَدْ قَالَ خُذُوا مَنْ خَدَمَ السُّلْطَانَ خَدَمَتْهُ الْإِخْوَانُ ثَلَاثَةٌ لَا أَمَانَ لَهُمْ: السُّلْطَانُ وَالْبَحْرُ وَالزَّمَانُ، مِثْلُ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ كَقَوْمٍ رَقُوا جَبَلًا ثُمَّ وَقَعُوا مِنْهُ فَكَانَ أَبْعَدُهُمْ مِنْ الْمُرْتَقَى أَقْرَبَهُمْ إلَى التَّلَفِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي أَبِي إنِّي أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُمَرَ ﵁ يُدْنِيك وَيُقَرِّبُك فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا: إيَّاكَ أَنْ يُجَرِّبَ عَلَيْك كَذْبَةً، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُفْشِيَ لَهُ سِرًّا. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ثَلَاثٌ وَأَيُّ ثَلَاثٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ قَالَ: بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ.
стр. 1402
[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ التَّوَسُّطُ فِي كُلِّ شُؤُونِهِ لِلتَّأَسِّي بِهِ]
ِ) قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀: وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَوَسَّطَ فِي مَلْبَسِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلْيَكُنْ إلَى التَّقَلُّلِ أَمْيَلَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ الِاحْتِرَازُ مِمَّا يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ فَإِنَّهُ مَتَى تَرَخَّصَ فِي الدُّخُولِ عَلَى السَّلَاطِينِ وَجَمْعِ الْحُطَامِ فَاقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ كَانَ الْإِثْمُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا سَلِمَ هُوَ فِي دُخُولِهِ فَلَمْ يَفْقَهُوا كَيْفِيَّةَ سَلَامَتِهِ، وَكَلَامُ ابْنُ الْبَنَّا: فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَأَنْشَدَ:
إذَا قَنَعْتَ بِمَيْسُورٍ مِنْ الْقُوتِ ... أَصْبَحْتَ فِي النَّاسِ حُرًّا غَيْرَ مَمْقُوتِ
يَا قُوتَ نَفْسِي إذَا مَا دَرَّ خَلْفَكَ لِي ... فَلَسْتُ آسَى عَلَى دُرٍّ وَيَاقُوتِ
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَا عَالَ مَنْ اقْتَصَدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ يَا عُلَمَاءُ مَا نَقْنَعُ مِنْكُمْ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ زِيِّ تَصَارِيفِكُمْ، فَإِنَّ طَبِيبًا بِهِ مِثْلُ مَرَضِي فَضَيَّقَ عَلَيَّ الْأَغْذِيَةَ وَلَا يَحْتَمِي مَشْكُوكٌ فِي صِدْقِهِ عِنْدِي، فَالْحَظُوا حَالَ مَنْ أَنْتُمْ مِنْ وَرَثَتِهِ كَيْفَ غُفِرَ لَهُ.
ثُمَّ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ يَا سِبَاعُ يَا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ لَا تُرَوْنَ إلَّا عَلَى مَطَارِحِ الْجِيَفِ: نَبِيُّكُمْ ﷺ قَنَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ بِإِشَارَتِهَا إلَى السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ تُشَكِّكُونَ النَّاسَ فِي الْعَقَائِدِ، انْفَتَحَ بِكَلَامِكُمْ الْبَثْقُ الْعَظِيمُ وَهُوَ كَلَامُ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُلْحِدَةِ.
стр. 1403
[فَصْلٌ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ]
ِ) هَلْ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ أَمْ الْعَكْسُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّ أَصَحَّهُمَا أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ وَقَالَ: اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَالْوَالِدُ السَّعِيدُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالصَّوَابُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْفَتْوَى اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ كَذَا قَالَ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعِ بْنِ مُكْرَمٍ الزَّاهِدُ أَبُو عَبَّاسٍ الْعَابِدُ كَانَ مِنْ الْأَبْدَالِ، تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ، سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ " أَبُو الْوَلِيدِ " يَقُولُ لَوْ أَنَّ التَّابِعِينَ وَالسَّلَفَ رَأَوْا عُبَيْدَ اللَّهِ الزَّاهِدَ لَفَرِحُوا بِهِ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْمُزَكَّى سَمِعْت أَبَا عَلِيٍّ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: عُبَيْدُ اللَّهِ الزَّاهِدُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قَالَ الْحَاكِمُ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلٌ إنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِإِيمَانِهِمْ ثُمَّ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: كَلَّمَنِي أَبُو الْوَلِيدِ فِي فَضْلِ الْغَنِيِّ.
وَاحْتَجَّ عَلِيٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنِيٍّ» قُلْتُ: يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ» قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْت أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ بِإِيمَانِهِمْ قَوْلُهُ ﷺ لِحَارِثَةَ: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ قَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنْ الدُّنْيَا» . جَعَلَ اخْتِيَارَ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَأَمَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَظَاهِرُ النَّقْلِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَفْضِيلٍ فَنَقُولُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ وَالْخِلَافُ فِي
стр. 1404
فَقِيرٍ صَابِرٍ لَيْسَ بِحَرِيصٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى غَنِيٍّ شَاكِرٍ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ، أَوْ فَقِيرٍ حَرِيصٍ مَعَ غَنِيٍّ حَرِيصٍ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الْحَرِيصِ، فَإِنْ كَانَ الْغَنِيُّ مُتَمَتِّعًا بِالْمَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ، فَالْفَقِيرُ الْقَنُوعُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ فِي هَذَا إنَّمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ، يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى مَقْصُودِهِ إذْ بِهِ يَظْهَرُ فَضْلُهُ، وَالدُّنْيَا لَيْسَتْ مَحْذُورَةً لِعَيْنِهَا بَلْ لِكَوْنِهَا عَائِقَةً عَنْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْفَقْرُ لَيْسَ مَطْلُوبًا لِعَيْنِهِ لَكِنْ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَقْدَ الْعَائِقِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمَ التَّشَاغُلِ عَنْهُ.
وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَا يَشْغَلُهُ الْغِنَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَسُلَيْمَانَ ﵇ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵄ وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ شَغَلَهُ فَقْرُهُ عَنْ الْمَقْصُودِ وَصَرَفَهُ عَنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأُنْسِ بِهِ، وَإِنَّمَا الشَّاغِلُ لَهُ حُبُّ الدُّنْيَا إذْ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْمُحِبَّ لِشَيْءٍ مَشْغُولٌ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي فِرَاقِهِ أَوْ فِي وِصَالِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ شُغْلُهُ فِي فِرَاقِهِ أَكْثَرَ.
وَالدُّنْيَا مَشُوقَةُ الْغَافِلِينَ فَالْمَحْرُومُ مِنْهَا مَشْغُولٌ بِطَلَبِهَا، وَالْقَادِرُ عَلَيْهَا مَشْغُولٌ بِحِفْظِهَا، وَالتَّمَتُّعِ بِهَا، وَإِنْ أَخَذْت الْأَمْرَ بِاعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ، فَالْفَقِيرُ عَنْ الْخَطَرِ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ السَّرَّاءِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ، وَمِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ جَاءَ الشَّرْعُ بِذَمِّ الْغِنَى وَفَضْلِ الْفَقْرِ، وَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ مُقْتَدِرٌ وَالْفَقِيرَ عَاجِزٌ وَالْقُدْرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجْزِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ النَّبَاهَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ تَارِكٌ وَالْغَنِيَّ مُلَابِسٌ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ مُلَابَسَتِهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ السَّلَامَةِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى لِيَصِلَ إلَى فَضِيلَةِ الْأَمْرَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى تَفْضِيلَ الِاعْتِدَالِ، وَأَنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا.
стр. 1405
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ الْحَنْبَلِيُّ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَقْرِ إلَّا أَنَّهُ بَابُ رِضَاءِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغِنَى إلَّا أَنَّهُ بَابُ سَخَطِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى الْفَقِيرَ رَضِيَ عَنْ اللَّهِ فِي تَقْدِيرِهِ، وَإِذَا رَأَى الْغَنِيَّ تَسَخَّطَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي فَضْلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ.
стр. 1406
[فَصْلٌ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ]
فَصْلٌ (فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ) فِي اللِّبَاسِ يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ اسْتِعْمَالُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَتِكَّةٍ وَسَرَاوِيلَ وَشَرَابَةٍ مِنْ الْحَرِيرِ بِلَا ضَرُورَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِشَرَابَةِ الْحَرِيرِ الْمُنْفَصِلَةُ كَشَرَابَةِ الْبَرِيدِ فَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَمُبَاحَةٌ كَزِرِّ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ يَقْتَضِي هَذَا فَإِنْ قَالَ: إنَّ التَّقْلِيدَ بِشَرَارِيبِهِ يَحْرُمُ وَهُوَ مَا أَكْثَرَهُ وَزْنًا فِي وَجْهٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقِيلَ: بَلْ ظُهُورًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَكَذَلِكَ الْمُلْحَمُ وَهُوَ مَا سَدَاهُ حَرِيرٌ وَاللُّحْمَةُ غَزْلٌ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ وَالتَّقْلِيدُ بِشَرَارِيبِهِ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَالْبِطَانَةُ كَالظِّهَارَةِ فِي ذَلِكَ.
стр. 1407
[فَصْلٌ الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ بِغَيْرِ اللُّبْسِ]
ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ﵀ فِي كُلِّ كُتُبِهِ أَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشَهُ مُحَرَّمٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ بْنُ الْمُنَجَّى فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ لِبَاسًا وَافْتِرَاشًا قَالَ هَذَا مَعَ كَوْنِهِ هَذَّبَ كَلَامَ أَبِي الْخَطَّابِ ﵀ وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ سَتْرَ الْجُدُرِ وَالْحِيطَانِ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ السَّاتِرِ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ الْمَشْهُورَتَانِ، وَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا وَإِنَّ اسْتِعْمَالَ البقج وَأَكْيَاسِ الْحَرِيرِ الَّتِي تُوضَعُ الْأَثْمَان أَوْ غَيْرُهَا فِيهَا، والبقج الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الثِّيَابُ وَاِتِّخَاذُ مِخَدَّةِ الْحَرِيرِ لِلزِّينَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَى ذَلِكَ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَا لُبْسَ لَهُ وَلَا تَدَثُّرَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمً.
وَقَطَعَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا لَا يُنَقَّى كَالْحَرِيرِ النَّاعِمِ وَظَاهِرُهُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ إذَا نُقِّيَ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالنَّصِّ اللُّبْسُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُبْسٍ بَلْ اسْتِعْمَالٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ.
وَقَوْلُهُ: ﷺ عَنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ وَإِضْمَارُ اللُّبْسِ أَوْلَى عَنْ لَفْظِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ ﵇ أَبَاحَ لِبَاسَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ، وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جُمْلَةِ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْخِطَابِ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَلِبَاسُ الذَّهَبِ دُونَ الْمِلْكِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفِ وَبِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِاللُّبْسِ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ الْمَعْرُوفُ
стр. 1408
فِي اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالسَّرَفِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ تَعْلِيلٌ بِالْحِكْمَةِ وَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ عَلَى أَنَّهُ مُنْكَسِرٌ بِلُبْسِ الدَّوَابِّ وَالْحَرِيرِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ فِي اللُّبْسِ وَالِافْتِرَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، فَأَمَّا الْإِبْرَيْسَمُ فَاسْتِعْمَالُهُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالتَّقْلِيدُ بِشَرَارِيبِهِ وَجَعْلُهُ تِكَكًا فِي السَّرَاوِيلَاتِ وَتَعْلِيقُهُ سُتُورًا وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي اخْتِصَاصِ التَّحْرِيمِ بِاللِّبَاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» قَالَ: وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ التَّوَسُّدَ وَالنَّوْمَ عَلَيْهِ وَالِادِّثَارَ بِهِ وَالسُّتُورَ الْمُعَلَّقَةَ؛ لِأَنَّهَا دُونَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَالَ: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَدْ دَلَّتْ بِعُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ اسْتِعْمَالًا مَخْصُوصًا فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ مَالٍ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَلُبْسُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا يُكْسِبُ الْعُجْبَ وَالْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ، وَفِيهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالتَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَسَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ اللُّبْسِ وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ وَالتِّكَكِ فِي السَّرَاوِيلَاتِ والكمراناب وَمَيَاثِرِ السُّرُوجِ وَالشَّرَارِيبِ فِي الشَّعْرِ لِعُمُومِ التَّحْرِيمِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِعْمَالٍ وَاسْتِخْدَامٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَارِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الِافْتِرَاشَ وَنَحْوَهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُكْرَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَإِبَاحَةُ الِافْتِرَاشِ وَنَحْوِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 1409
وَذَكَرَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ اللُّبْسِ كَافْتِرَاشِهِ وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ مِنْهَا قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو أُمَامَةَ ﵁ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً فَظَنَّ أَنَّهَا حَرِيرٌ فَتَنَحَّى وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَسْتَمْتِعُ بِالْحَرِيرِ مَنْ يَرْجُو أَيَّامَ اللَّهِ» .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فَفَهِمَ أَبُو أُمَامَةَ دُخُولَ الِافْتِرَاشِ فِي عُمُومِهِ وَقَالَ أَيْضًا لَا يُبَاحُ يَسِيرُ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا كَالتِّكَّةِ وَالشَّرَابَةِ وَنَحْوِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَفَهِمَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا الْعُمُومَ فَقَالَ: وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ ذَلِكَ شَرَابَةُ الدَّوَاةِ وَسِلْكُ السُّبْحَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالتَّمَتُّعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالشَّيْءِ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَالْمَتَاعُ وَالْمُتْعَةُ لِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
لَكِنْ خَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الشَّامِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ نَصَّ عَلَى إبَاحَةَ جَعْلِ الْمُصْحَفِ فِي كِيسٍ حَرِيرٍ وَاتِّخَاذِهِ لَهُ وَلَوْ أُبِيحَ جَعْلُ غَيْرِ الْمُصْحَفِ فِيهِ وَاِتِّخَاذُهُ لَهُ لَمَا خَصَّ الْمُصْحَفَ بِالذِّكْرِ.
وَعَلَّلَ الْآمِدِيُّ مَسْأَلَةَ الْمُصْحَفِ بِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُ وَهَذَا مِنْ الْآمِدِيِّ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَثِيرِ لِغَيْرِ الْمُصْحَفِ، وَتَعْلِيلُهُ صَرِيحٌ فِي إبَاحَةِ الْيَسِيرِ الْمُفْرَدِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ.
وَمَسْأَلَةُ كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ مَنْ حَرَّمَهُ يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَوْ اخْتَصَّ بِجِنْسِ اللُّبْسِ لَمْ يَحْرُمْ، وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ قَدْ يُوَجِّهُهُ بِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ، وَالْحَرِيرُ مُبَاحٌ لَهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُوَافَقَةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ يُقَالُ: يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ.
وَقَدْ بَحَثَ أَصْحَابُنَا ﵏ فِي مَسْأَلَةِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ اتِّخَاذَهَا يَدْعُو إلَى اسْتِعْمَالِهَا وَيُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا فَحُرِّمَ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَاقْتِنَاءِ الْخَمْرِ؛ وَلِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَلَاهِي قَالُوا وَتَحْرِيمُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ السَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الِاتِّخَاذِ، وَهَذَا جَارٍ بِظَاهِرٍ فِي مَسْأَلَتِنَا.
وَمِنْ
стр. 1410
أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْبَحْثَ وَلَمْ يَزِدْ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ فِي حُجَّةِ الْمُخَالِفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ ثِيَابَ الْحَرِيرِ تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ وَتُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ فِيهَا. فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ لِأَصْحَابِنَا فِي اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ فِي غَيْرِ جِنْسِ اللُّبْسِ اللُّغَوِيِّ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ لِلزِّينَةِ وَنَحْوِهَا وَجْهَيْنِ، فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ إبَاحَةِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِنَّ اخْتِيَارَ الْآمِدِيِّ إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ وَظَاهِرُهُ كَقَوْلِ الْآمِدِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ تَحْرِيمَ اللُّبْسِ وَالِافْتِرَاشِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ اللُّبْسِ اللُّغَوِيِّ وَسَتْرِ الْجُدُرِ بِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ حَرَكَاتِ الْحَرِيرِ والبشخانة وَالْخَيْمَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَرِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
стр. 1411
فَصْلٌ فَإِنْ جَلَسَ عَلَى شَيْءٍ طَرَفُهُ أَوْ وَسَطُهُ حَرِيرٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَخْتَصُّ بِجِنْسِ اللُّبْسِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطِ طَرَفُهُ نَجِسٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ بِمُصَلَّاهُ كَذَا هَهُنَا. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى بَعْضِهِ اسْتِعْمَالٌ مِثْلُهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، بَلْ اسْتِعْمَالُ مِثْلِهِ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَيْنِ هُوَ التَّصَرُّفُ فِيهَا حَسَبَ مَا أُعِدَّتْ لَهُ وَهَذِهِ الْعَيْنُ لَا يُجْلَسُ عَلَى الْحَرِيرِ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ، مُسْتَعْمِلًا لَهُ، بَلْ وَلَمْ تُعَدَّ جَمِيعُهَا لِلْجُلُوسِ بَلْ بَعْضُهَا مُعَدٌّ لِلْجُلُوسِ وَبَعْضُهَا لِلزِّينَةِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُكْمُ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ انْفَصَلَا وَمُجَرَّدُ الِاتِّصَالِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِتَسَاوِي حُكْمَيْهِمَا لَكِنْ يَجِيءُ فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِهِ مَا سَبَقَ وَيُفَارِقُ الْإِنَاءَ إذَا كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً حَيْثُ تَقُولُ: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا أَغْلَظُ وَأَشَدُّ فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ عَلَى مَا لَا يَخْفَى فِيهَا، وَتَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ مَا لَمْ يَحْرُمْ اسْتِعْمَالُهُ بِمَا حُرِّمَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ اسْتِعْمَالِهِ لِكَوْنِهِ اسْتِعْمَالًا مِثْلَهُ.
وَدَلِيلُهُ مَسْأَلَةُ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَتُفَارِقُ مَسْأَلَتُنَا مَسْأَلَةَ الْبِسَاطِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ طَاهِرًا وَبَعْضُهُ نَجِسًا أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ الْحُكْمُ مُعَلَّقٌ فِيهِ بِقُرْبَانِ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ وُجِدَ وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ كَلَامُ الشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا.
стр. 1412
[فَصْلٌ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ بِحَائِلٍ فَوْقَهُ وَفِي بِطَانَتِهِ]
ِ) فَإِنْ وَضَعَ عَلَى الْحَرِيرِ شَيْئًا وَجَلَسَ عَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ؟ جَعَلَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ حُكْمَهَا حُكْمَ مَا لَوْ بَسَطَ شَيْئًا وَجَلَسَ عَلَيْهِ طَاهِرًا عَلَى نَجِسٍ وَفِيهَا رِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْحَرِيرِ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ لَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَسْأَلَةِ الطَّاهِرِ عَلَى النَّجِسِ وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ قَاسَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمَ حَشْوِ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ عَلَى الْبِطَانَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمَ بِطَانَةِ الْحَرِيرِ وَظِهَارَتِهِ،، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْفِرَاشِ وَغِشَاءِ الْمِخَدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِي الْمَلْبُوسِ الْعُرْفِيِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَكَمَا فَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْ الْفِرَاشِ حَرِيرًا وَالْآخَرُ غَيْرَ حَرِيرٍ عَلَى مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا سَتْرُ الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَرِيرِ مَعْرُوفٌ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ أَنَّ إبَاحَتَهُ وِفَاقٌ.
стр. 1413
[فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ وَحِكْمَةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ]
فَصْلٌ (فِي إبَاحَةِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا إجْمَاعًا، وَالْأَقْوَالُ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ) وَيُبَاحُ كُلُّ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَا إبَاحَةُ الذَّهَبِ لَهُنَّ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّهُ خَطَبَ وَقَالَ: لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وَعَنْهُ أَيْضًا الْإِبَاحَةُ.
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ لِابْنَتِهِ لَا تَلْبَسِي الذَّهَبَ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك مِنْ حَرِّ اللَّهَبِ، وَرَوَى مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ الذَّهَبَ لِلنِّسَاءِ
وَمَا يَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْأَخْبَارِ يُحْمَلُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهَا عَلَى تَحْرِيمٍ سَابِقٍ لِصِحَّةِ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَتَأَخُّرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ فِي فُصُولِ الطِّبِّ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ أَعْدَلُ اللِّبَاسِ وَأَوْفَقُهُ لِلْبَدَنِ فَلِمَ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ؟ قِيلَ: لِتَصْبِرَ النَّفْسُ عَنْهُ فَتُثَابَ وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ، وَقِيلَ: فِي إبَاحَتِهِ مَفْسَدَةُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَقِيلَ: لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ضِدُّ الشَّهَامَةِ وَالرُّجُولِيَّةِ، وَقِيلَ: لِمَا يُورِثُهُ لُبْسُهُ مِنْ الْفَخْرِ وَالْعُجْبِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْحِكَمَ وَالتَّعْلِيلَ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَوَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1414
[فَصْلٌ فِيمَا يُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ كَالْعَلَمِ وَالزِّرِّ]
ِّ) وَيُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ عَلَمُ الثَّوْبِ وَرُقْعَتُهُ وَلَبِنَةُ جَيْبِهِ وَسَجْفُ الْفِرَاءِ وَنَحْوُهَا قَدْرُ كَفٍّ حَرِيرٍ عَرْضًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ: بَلْ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٌ فَأَقَلُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِمُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ وَفِي الْعَلَمِ الْمُذَهَّبِ قَدْرُ كَفٍّ أَوْ أَقَلُّ وَالزِّرُّ الذَّهَبِيُّ وَنَحْوُهُمَا وَجْهَانِ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ الدَّقِيقِ دُونَ الْعَرِيضِ وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَلَمِ إنْ كَانَ عَرِيضًا كُرِهَ وَلَا بَأْسَ بِالدَّقِيقِ، وَمَنْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ أَنْ لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ.
وَتُبَاحُ الْخِيَاطَةُ بِحَرِيرٍ وَمَا تُلَفُّ بِهِ رُءُوسُ الْأَكْمَامِ وَفُرُوجُ الثِّيَابِ وَالرَّقْمِ فَوْقَ ثَوْبِ قُطْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَيُبَاحُ الْخَزُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيرٌ، وَوَبَرٌ طَاهِرٌ مِنْ أَرْنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ مُحْدَثٌ بِأَنَّ الْخَزَّ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ بِخِلَافِ ذَاكَ فَهَذَا الْفَرْقُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ الْأَوَّلُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ وَمَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ حَرِيرٍ وَمُشَاقَتِهِ وَمَا يُلْقِيه الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ وَدَقٍّ وَغَزْلٍ وَنَسْجٍ فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا وَيُبَاحُ الْكَتَّانُ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: لَا الْقَزُّ، وَهَذَا الْكَلَامُ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ الْقَزَّ حَرِيرٌ.
стр. 1415
[فَصْلٌ فِي مَا نُسِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ]
فَصْلٌ وَمَا نُسِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ أَوْ طَلْيٍ أَوْ كُفِّتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا حَرُمَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: بَلْ يُكْرَهُ إلَّا فِي مِغْفَرٍ وَجَوْشَنٍ وَخُوذَةٍ أَوْ فِي سِلَاحٍ لِضَرُورَةٍ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ، وَفِيمَا اسْتَحَالَ لَوْنُهُ مِنْ الْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ، وَقِيلَ: وَلَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا حُكَّ وَمَا نِصْفُهُ حَرِيرٌ وَزْنًا فِي مُلَحَّمٍ وَخَزٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَحَشْوُ الْحَرِيرِ فِي جُبَّةٍ أَوْ فِرَاشٍ وَجْهَانِ فِي الْكُلِّ جَوَازٌ وَعَدَمُهُ، وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ مَسَارَاتِهِ غَيْرِهِ مَعَ إبَاحَةِ النِّصْفِ، وَقِيلَ: الْمَنْسُوجُ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهُ بِهِ كَالْحَرِيرِ فِيمَا ذُكِرَ كُلِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ مُبَاحٌ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خِيَاطَةِ الْمُلَحَّمِ فَقَالَ: مَا كَانَ لِلرَّجُلِ فَلَا وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ الْإِبْرَيْسَمَ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ وَرَجَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَمْوِيهُ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَسَرِيرٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا وَلَوْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ. وَقِيلَ: وَقَلَنْسُوَةٍ كَذَا قَالَ، وَقِيلَ: إنْ اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا سُبِكَ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ مَجَّانًا وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَحْلِيَةِ سَرْجٍ أَوْ لِجَامٍ وَمَرْكَبٍ وَقِلَادَةِ فَهْدٍ وَكَلْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ فِرَاشِهِ وَلِبَاسِهِ بِذَهَبٍ فَيُزَكَّى إذًا، وَيُبَاحُ بِفِضَّةٍ فَلَا يُزَكَّى وَقِيلَ: بَلْ يَحْرُمُ فَيُزَكَّى، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا تَحْلِيَةُ دَوَاةٍ وَمِحْبَرَةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُشْطٍ وَمُكْحُلَةٍ وَشَرْبَةٍ وَمِرْوَدٍ وَكُرْسِيٍّ وَآنِيَةٍ وَسُبْحَةٍ وَمِحْرَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَكَذَا قِنْدِيلٌ وَمِجْمَرَةٌ وَمِدْخَنَةٌ وَمِلْعَقَةٌ وَقِيلَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ كَرَاهَةُ رَأْسِ الْمُكْحُلَةِ وَحِلْيَةُ الْمِرْآةِ فِضَّةً.
стр. 1416
قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ حِلْيَةَ جَمِيعِ الْأَوَانِي بِالْفِضَّةِ وَالْمُصْمَتُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَذَكَرَ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَ قِنْدِيلًا أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مِجْمَرَةً أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ قَالَ وَلَوْ اتَّخَذَ سَرِيرًا أَوْ كُرْسِيًّا لَمْ يَجُزْ قَالَ وَيُكْرَهُ عَمَلُ خُفَّيْنِ مِنْ فِضَّةٍ وَلَا يَحْرُمُ كَالنَّعْلَيْنِ وَمُنِعَ مِنْ الشَّرَابَةِ وَالْمِلْعَقَةِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَالرَّجُلُ يُدْعَى فَيَرَى مُكْحُلَةً رَأْسُهَا مُفَضَّضٌ قَالَ: هَذَا يُسْتَعْمَلُ وَكُلُّ مَا اُسْتُعْمِلَ فَأُخْرِجَ مِنْهُ إنَّمَا رُخِّصَ فِي الضَّبَّةِ أَوْ نَحْوِهَا قُلْت: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي دَخَلْتُ: عَلَى رَجُلٍ وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَعَثَ بِي إلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَأُتِيَ بِمُكْحُلَةٍ رَأْسُهَا مُفَضَّضٌ فَقَطَعَهَا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَتَبَسَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَى صَاحِبُهَا.
стр. 1417
[فَصْلٌ بَيْعُ الْحَرِيرِ وَالْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصُنْعُهُ تَابِعٌ لِاسْتِعْمَالِهِ]
ِ) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْحَرِيرِ وَالْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ خِيَاطَتُهُ وَأُجْرَتُهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: بَيْعُ الْحَرِيرِ لِلْكُفَّارِ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْخَمْرِ فَإِنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ حَرَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى قِيَاسِهِ بَيْعُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمْ، وَإِذَا جَازَ بَيْعُهَا لَهُمْ جَازَ صَنْعَتُهَا لِبَيْعِهَا مِنْهُمْ، وَجَازَ عَمَلُهَا لَهُمْ بِالْأُجْرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ.
стр. 1418
[فَصْلٌ فِي التَّحَلِّي بِاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ]
ِ) وَلَا تَحْرُمُ اللَّآلِئُ وَلَا الْجَوَاهِرُ الثَّمِينَةُ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ﵏ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ ﵀ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ إنَاءِ ذَاكَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: التَّحْرِيمُ، وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ، وَلَعَلَّ مُرَادَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ غَيْرُ خَاتَمِ الرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الذَّبَائِحِ: اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ تَحَلِّي النِّسَاءَ بِالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِلرَّجُلِ إلَّا فِي الْخَاتِمِ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الْأَحْجَارِ مُبَاحٌ مِنْ الْيَاقُوتِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي كِتَابَةِ صَدَاقِ الْمَرْأَةِ فِي حَرِيرٍ]
فَصْلٌ يُكْرَهُ كِتَابَةُ صَدَاقِ الْمَرْأَةِ فِي حَرِيرٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْأَقْيَسِ وَلَا يَبْطُلُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ فَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهَا اقْتِنَاؤُهُ حَرُمَ شِرَاؤُهُ لَهَا وَإِلَّا فَلَا.
стр. 1419
[فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فِي الْحَرْبِ أَوْ لِفَائِدَةٍ صِحِّيَّةٍ]
وَيُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يُبَاحُ مَعَ نِكَايَةِ الْعَدُوِّ بِهِ، وَقِيلَ يُبَاحُ عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَكَذَلِكَ افْتِرَاشُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِ بَابٍ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ وَفِي جَوَازِ لُبْسِهِ أَيْضًا لِحِكَّةٍ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُؤَثِّرُ فِي زَوَالِهَا أَوْ لِقَمْلٍ وَمَرَضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَبَرْدٍ رِوَايَتَانِ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَمَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ وَهَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ؟ زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَالْمَذْهَبُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَشْهُرُهُمَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ فِي آخِرِ بَابٍ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْمُذْهَبُ لَلصِّبْيَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ.
стр. 1420
[فَصْلُ حُكْمِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَصُنْعِهَا وَاِتِّخَاذِهَا]
يُكْرَهُ الصَّلِيبُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ قَالَ أَحْمَدُ ﵀ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي الْخَوَاتِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ كَانَتْ نُقِشَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَنْبَغِي لُبْسُهَا لِمَا فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مِنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وَعُذِّبَ» وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ: أَصَابَ أَصْحَابُنَا خَمَائِصَ فِيهَا صُلُبٌ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا بِالسُّلُوكِ يَمْحُونَهَا بِذَلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ بِرَأْسٍ وَلَوْ فِي سَرِيرٍ أَوْ حَائِطٍ، أَوْ سَقْفٍ، أَوْ بَيْتٍ أَوْ قُبَّةٍ وَاسْتِعْمَالُ مَا هُوَ فِيهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَجَعْلُهُ سِتْرًا مُطْلَقًا.
وَذُكِرَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ: وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ قَالَ: وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهِ مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ تُكْرَهُ التَّصَاوِيرُ فِي السُّقُوفِ وَالسُّتُورِ وَالْحِيطَانِ وَالْأَسِرَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَيُنْهَى عَنْ التَّصَاوِيرِ فِي السُّقُوفِ، وَالْحِيطَانِ، وَالْأَسِرَّةِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الصُّوَرُ وَالتَّمَاثِيلُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْجُدْرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا فِي الرَّقْمِ أَيْسَرُ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، فَإِنْ أُزِيلَ رَأْسُ الصُّورَةِ أَوْ كَانَتْ بِلَا رَأْسٍ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُبَاحُ بَسْطُهُ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَصُورَةُ غَيْرِهَا مُطْلَقًا كَشَجَرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّمَاثِيلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَيُكْرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا فِيهِ تَمَاثِيلُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَهَلْ يُكْرَهُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْ يَحْرُمُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَا بَأْسَ بِافْتِرَاشِهِ
стр. 1421
وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ ابْنُ الْمُنَجَّى: فَأَمَّا صُوَرُ الْأَشْجَارِ وَالتَّزْوِيقَاتِ وَالتَّمَاثِيلِ فَمُبَاحٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُكْرَهُ أَيْضًا، فَإِنْ قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ أَوْ صُوِّرَ جَسَدُهَا دُونَهَا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الصُّوَرُ فِي الْحِيطَانِ، وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ وَالْأَسِرَّةِ، وَالسُّقُوفِ كُرِهَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُسُطِ وَمَا يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ فَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ﵏ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ يَحْرُمُ لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا التَّصَاوِيرُ وَتَعْلِيقُهَا سُتُورًا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَلَا بَأْسَ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّمَاثِيلِ غَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ أَوْ الصُّوَرِ الَّتِي لَا رُءُوسَ لَهَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ سَتْرُ الْجُدُرِ بِمَا لَا صُورَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالنَّهْيُ الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ الصُّوَرُ.
وَقَالَ فِي بَابٍ آخَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ السُّتُورِ الَّتِي فِيهَا التَّصَاوِيرُ وَاَلَّتِي لَا تَصَاوِيرَ فِيهَا عَلَى الْحِيطَانِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ الْجُدُرِ بِمَا لَا صُورَةَ فِيهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: يَجُوزُ افْتِرَاشُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَجَعْلُهُ وَسَائِدَ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ وَسَتْرُ الْحِيطَانِ بِهِ، وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ بِسُتُورٍ خَالِيَةٍ مِنْ صُوَرِ الْحَيَوَانِ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهَلْ يُكْرَهُ جَعْلُ مَا لَا صُورَةَ حَيَوَانٍ فِيهِ سِتْرًا أَوْ يَحْرُمُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ وَلَا يَجْعَلُهُ فِي سَرِيرٍ وَحَائِطٍ وَسَقْفٍ.
стр. 1422
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ أَحْمَدَ لِلْكِلَّةِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا]
وَتُبَاحُ الْخَيْمَةُ وَالْقُبَّةُ فَأَمَّا الْكِلَّةُ وَهِيَ قُبَّةٌ لَهَا بَكَرٌ يُجَرُّ بِهَا فَقَدْ كَرِهَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ لَا تَرُدُّ حَرًّا وَلَا بَرْدًا وَصَدَقَ؛ لِأَنَّهَا فِي الْعَادَةِ تَكُونُ مِنْ الْخَفِيفِ مِنْ الثِّيَابِ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ الرَّجُلِ يُدْعَى فَيَرَى الْكِلَّةَ فَكَرِهَهَا، وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ.
وَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ وَلَا الْمَرْقُومَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بُسُطًا، أَوْ مَطَارِحَ تُبْسَطُ وَتُدَاسُ، وَلَا كَسْرُ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ عَلَى الرِّجَالِ إنْ صَلَحَ لِلنِّسَاءِ.
стр. 1423
[فَصْلٌ فِيمَا يَحْرُمُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ مِنْ حِلْيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ) يَحْرُمُ يَسِيرُ الذَّهَبِ مُفْرَدًا كَخَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، وَيُكْرَهُ تَبَعًا وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ إلَّا مَا ذُكِرَ، كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ لِلضَّرُورَةِ وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ يَحْرُمُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الذَّهَبِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ يَسِيرَ الذَّهَبِ مُبَاحٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا» قَالَ: وَتَفْسِيرُهُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، فَأَمَّا أَنْ يَلْبَسَهُ مُفْرَدًا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَطَّعًا.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَفِي قَبِيعَةِ سَيْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ ذَهَبٍ وَجْهَانِ، وَقِيلَ يُبَاحُ يَسِيرُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ ضَرُورَةً.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ أَوْ حَاجَةً لَا ضَرُورَةً وَقِيلَ بَلْ كُلُّ مَا يُبَاحُ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ يُبَاحُ بِذَهَبٍ، وَقِيلَ بِيَسِيرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ.
وَقَالَ ابْن تَمِيمٍ فِي إبَاحَةِ تَحْلِيَتِهِ: كُلُّ مَا يُبَاحُ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ يُبَاحُ بِيَسِيرِ الذَّهَبِ وَجْهَانِ، وَاخْتَلَفَ تَرْجِيحُ الْأَصْحَابِ فِي تَحْلِيَةِ قَبِيعَةِ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ بِذَهَبٍ وَفِي الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ تَحْرُمُ قَبِيعَةُ السَّيْفِ مِنْ الذَّهَبِ فَيَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الزَّكَاةِ: وَتُبَاحُ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ وَشَعِيرَةُ سِكِّينِهِ وَقِيلَ لَا يُبَاحَانِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقِيلَ يُبَاحُ يَسِيرُهُ فِي السَّيْفِ لَا فِي السِّكِّينِ، وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ كَمَرَاتِهِ، وَخَرِيطَتِهِ، وَدُرْجِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيُحْتَمَلُ الْإِبَاحَةُ، وَفِي جَوَازِ تَحَلِّي جَوْشَنِهِ، وَمِغْفَرِهِ وَخُوذَتِهِ وَنَعْلِهِ، وَخُفِّهِ وَحَمَائِلِ سَيْفِهِ، وَنَحْوِهَا وَرَأْسِ رُمْحِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَمَا اتَّخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ سَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كُرِهَ وَزُكِّيَ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ السَّرَفَ وَالْمُبَاهَاةَ.
стр. 1424
فَصْلٌ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ دُعِيَ الْحَسَنُ ﵀ إلَى عُرْسٍ فَجِيءَ بِجَامٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ خَبِيصٌ فَتَنَاوَلَهُ فَقَلَبَهُ عَلَى رَغِيفٍ وَأَصَابَ مِنْهُ، فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا نَهْيٌ فِي سُكُونٍ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَكَذَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ ﵏ أَنَّهُ يُصَبُّ مَا فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي إنَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ عَلَى رَغِيفٍ فَيُصَبُّ مِنْهُ.
[فَصْلٌ فِي إبَاحَة التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْمَرْأَةِ]
ِ) وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُطْلَقًا وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ أَلْفًا فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ ذَكَرَهَا فِي التَّلْخِيصِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ الذَّهَبُ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ وَزُكِّيَ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَعَنْهُ إنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ فَهُوَ كَثِيرٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ بَلَغَهَا حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَعَنْهُ إنْ بَلَغَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ كَثِيرٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لَكِنْ إذَا بَلَغَ الْخَلْخَالُ، وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِبَاسُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ بِالِاتِّفَاقِ.
стр. 1425
[فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ وَمَنْ قَيَّدَهَا بِغَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ]
فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ
وَمَنْ قَيَّدَهَا بِغَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ الْإِذْنُ لَهَا فِي اللَّعِبِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَهُ شِرَاؤُهَا بِمَالِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ بَلْ بِمَالِهِ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَلْ يَشْتَرِيهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَالِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ قَالَ ابْن حَمْدَانَ: الْمُرَادُ بِالْمُصَوَّرَةِ مَا لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.
قَالَ الْقَاضِي: فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي فَصْلِ وَالِي الْحِسْبَةِ: وَأَمَّا اللُّعَبُ فَلَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ فَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ يُقَارِبُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصَوُّرِ ذَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا وَجْهٌ وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنْكَارُهُ وَإِقْرَارُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْمَنْعَ مِنْهَا وَإِنْكَارَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى صُورَةِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيِّ يَشْتَرِي لِلصَّبِيَّةِ لُعْبَةً إذَا طَلَبَتْ؟ فَقَالَ إنْ كَانَتْ صُورَةً فَلَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْت أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ، قَالَ لَا بَأْسَ بِلَعِبِ اللُّعَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صُورَةٌ فَإِذَا كَانَ فِيهِ صُورَةٌ فَلَا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ اللَّعِبِ بِهَا إذَا كَانَتْ صُورَةً.
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَمَعَهَا جَوَارٍ فَقَالَ مَا هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ فَقَالَتْ هَذَا خَيْلُ سُلَيْمَانَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا ﷺ » . قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ
стр. 1426
غَرِيبٌ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَتَاعِ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الصُّوَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصُّوَرِ ثُمَّ نُسِخَ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
стр. 1427
[فَصْلٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْجُلُودِ النَّجِسَةِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ مَدْبُوغَةً وَغَيْرَ مَدْبُوغَةٍ]
ٍ) لَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ جِلْدًا نَجِسًا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِب وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَإِلَّا حَرُمَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَقِيلَ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: إنْ دُبِغَ الْجِلْدُ وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ كُرِهَ وَيُكْرَهُ لَهُ هُوَ إذًا لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهَانِ. وَيُبَاحُ لَهُ فِي الْحَرْبِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ وَغَيْرُهُ بِدُونِ صُورَةٍ وَقَوْلُهُ فِي الرِّعَايَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ ﵏ وَقِيلَ يُبَاحُ فِيهِ جِلْدُ كَلْبٍ لَا جِلْدُ خِنْزِيرٍ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ جِلْدٍ نَجِسٍ قَبْلَ دَبْغِهِ فِيمَا لَا يُنَجَّسُ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ بَلْ بَعْدَ دَبْغِهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ جَازَ أَنْ يُلْبِسَهُ دَابَّتَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ كَانَ جِلْدَ خِنْزِيرٍ لَمْ يُبَحْ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَفِي الْكَلْبِ وَجْهَانِ، وَعَنْهُ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ آخِرَ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ.
وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَى الْأَظْهَرِ لَكِنَّهُ قَطَعَ بِذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ الْحَرِيرَ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَخَالَفَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
стр. 1428
[فَصْلٌ فِي ثَوْبٍ مِنْ شَعْرٍ مَا لَا يُؤْكَلُ مَعَ نَجَاسَتِهِ غَيْرَ جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ]
فَصْلٌ قِيلَ: يُبَاحُ ثَوْبٌ مِنْ شَعْرٍ مَا لَا يُؤْكَلُ مَعَ نَجَاسَتِهِ غَيْرَ جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَقِيلَ هُمَا بِنَاءً عَلَى طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ شَعْرِ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ فَعَنْهُ هُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ وَعَنْهُ هُوَ نَجِسٌ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسِ وَلُبْسُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ هُوَ مُبَاحٌ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ نَجِسٍ بِمَوْتِهِ فَقَطْ لَا مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ حَيًّا.
стр. 1429
[فَصْلٌ فِي لُبْسِ الْجُلُودِ الطَّاهِرَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا]
) وَيَجُوزُ لُبْسُ كُلِّ جِلْدٍ طَاهِرٍ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي جِلْدِ الثَّعْلَبِ فَعَنْهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَعَنْهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ دُونَ الصَّلَاةِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يُلْبَسُ إذَا دُبِغَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ.
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ ذُكِّيَ وَدُبِغَ جِلْدُهُ أُبِيحَ مُطْلَقًا ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَيَجُوزُ لُبْسُ الْفِرَاءِ مِنْ جِلْدِ مَأْكُولٍ مُذَكًّى، وَجِلْدِ طَاهِرٍ لَا يُؤْكَلُ إنْ قُلْنَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ بَيْعُهُ، وَعَمَلُهُ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَأَخْذُ أُجْرَتِهِ.
стр. 1430
[فَصْلٌ فِي لُبْسِ السَّوَادِ لِذَاتِهِ وَتَشْدِيدِ أَحْمَدَ فِيهِ إذَا كَانَ لِبَاسَ الظَّلَمَةِ]
ِ) يُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ مِنْ عِمَامَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَثَوْبٍ وَقَبَاءٍ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَقِيلَ إلَّا لِمُصَابٍ أَوْ جُنْدِيٍّ فِي غَيْرِ حَرْبٍ: وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلْجُنْدِيِّ مُطْلَقًا وَخِيَاطَتُهُ إذَا رَوَّعَ بِهِ مُسْلِمًا، وَأَجَازَهُ لِلْمَرْأَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَقِيلَ فَمَنْ تَرَكَ ثِيَابًا سَوْدَاءَ يُحَرِّقُهَا الْوَصِيُّ، قِيلَ لَهُ فَالْوَرَثَةُ صِبْيَانٌ تَرَى أَنْ يُحْرَقُ؟ قَالَ نَعَمْ يُحَرِّقُهُ الْوَصِيُّ.
قَالَ الْخَلَّالُ عَنْ الْمَرُّوذِيِّ عَنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وَعَلَّلَ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لِبَاسُ الْجُنْدِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، وَالظَّلَمَةِ، وَسَأَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُتَوَكِّلَ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ لُبْسِ السَّوَادِ فَأَعْفَاهُ، وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى أَحْمَدَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ سَوْدَاءُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
стр. 1431
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ لِلرَّجُلِ]
ِ) وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ أَحْمَرَ مُصْمَتٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ: لَا يُكْرَهُ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ دُونَ خَفِيفِهَا، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْبِطَانَةِ الْحَمْرَاءِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ الْأَحْمَرَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ أَمَّا أَنْ تُرِيدُ الزِّينَةَ فَلَا، وَيُقَالُ إنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ الثِّيَابَ الْحُمْرَ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] .
قَالَ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ وَانْصَرَفْت مِنْ عِنْدِ أَبِي هَمَّامٍ وَدَخَلْت عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجْت الْكِتَابَ فَدَفَعْته إلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ أَحَادِيثُ مَنْ كَانَ يَرْكَبُ بِالْأُرْجُوَانِ، فَقَالَ هَذَا زَمَانٌ لَا يُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذِهِ، وَكَرِهَهَا، وَرَأَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِطَانَةَ جُبَّتِي حَمْرَاءَ فَقَالَ: لِمَ صَنَعْتهَا حَمْرَاءَ؟ قُلْت: لِلرِّقَاعِ الَّتِي فِيهَا قَالَ وَإِيشِ تُبَالِي أَنْ تَكُونَ فِيهَا رِقَاعٌ قُلْت: تَكْرَهُهُ؟ قَالَ نَعَمْ. وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ مُدًّا قَالَ لَا يَكُونُ فِيهِ حُمْرَةٌ ثُمَّ قَالَ هُوَ شَيْءٌ لَيْسَ يُنْتَفَعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ طَاهِرٌ وَإِنَّمَا كَرِهْته مِنْ أَجْلِ هَذَا، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْبُ الْأَحْمَرُ تُغَطَّى بِهِ الْجِنَازَةُ فَكَرِهَهُ قُلْت تَرَى أَنْ أَجْذِبَهُ قَالَ نَعَمْ.
стр. 1432
[فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْمُمَسَّكِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ]
ِ) وَيُبَاحُ الْمُمَسَّكُ وَالْمُوَرَّدُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا الْمُزَعْفَرُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَفِيهِ وَجْهٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَطَعَ فِي الشَّرْحِ بِالْكَرَاهَةِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ تَحْرِيمُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ عَلَى الرَّجُلِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ جَوَازُهُ وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ، وَالْأَحْمَرِ لِلنِّسَاءِ.
وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نُهِيَ عَنْهُ غَيْرِ الْعَصْبِ وَالْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ كَالْأَحْمَرِ وَالْمُعَصْفَرِ فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُعَصْفَرِ وَعَنْهُ وَغَيْرِهِ وَيُلْزِمُ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُ عِنْدَهُ مُحَرَّمًا وَإِنْ قَالَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ كَالْمَغْصُوبِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ. وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ التَّزَعْفُرُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ. وَتُكْرَهُ الْمِيثَرَةُ الْحَمْرَاءُ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهَا الْخِلَافُ فِي لُبْسِ الْأَحْمَرِ.
стр. 1433
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ الشُّفُوفِ وَالْحَاكِيَةِ الَّتِي تَصِفُ الْبَدَنَ]
َ) يُكْرَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ رَقِيقٍ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَيُكْرَهُ لِلْأُنْثَى فِي بَيْتِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ يَحْرُمُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَقِيلَ زَوْجٌ وَسَيِّدٌ وَهُوَ أَصَحُّ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الثَّوْبُ الرَّقِيقُ إذَا وَصَفَ الْبَدَنَ قَالَ أَصْحَابُنَا: لِلرِّجَالِ.
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ غَيْرَ الْعَوْرَةِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لَا يَرَاهَا إلَّا زَوْجُهَا أَوْ مَالِكُهَا.
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: إذَا كَانَ خَفِيفًا يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةَ فَيُبَيِّنُ مِنْ وَرَائِهِ بَيَاضَ الْجِلْدِ وَحُمْرَتَهُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ اللَّوْنَ وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّرُ مِنْهُ انْتَهَى كَلَامُهُ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَأَمَرُونِي فِي مَنْزِلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُمْ ثَوْبًا فَقَالَ لِي لَا يَكُونُ رَقِيقًا أَكْرَهُ الرَّقِيقَ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ.
قُلْت وَقَدْ سَأَلُونِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُمْ ثَوْبًا عَلَيْهِ كِتَابٌ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إنْ أَرَدْتُمْ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَنُقْلِعَ الْكِتَابَ، قُلْت فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِلْكِتَابِ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ.
стр. 1434
[فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ مَا يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ]
ُ) يُكْرَهُ مِنْ الثِّيَابِ مَا يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لِتَرْبِيَةٍ، وَرِضَاعٍ، وَحَيْضٍ وَصِغَرٍ وَلِكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا وَقِلَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا فِي صَنْعَةٍ وَغَيْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِي كَرَاهَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ، وَالْحَائِضِ، وَالصَّبِيِّ رِوَايَتَانِ وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ثَوْبَ الصَّبِيِّ بِثَوْبِ الْمَجُوسِيِّ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فَيَخْرُجُ مِثْلُهُ فِي ثَوْبِ مَنْ لَا يَتَنَزَّهُ مِنْ النَّجَاسَةِ. وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَمُذْهَبٍ وَمُصَوَّرٍ وَنَحْوِهَا حَرُمَ تَمَلُّكُهُ، وَتَمْلِيكُهُ كَذَلِكَ وَعَمَلُهُ، وَخِيَاطَتُهُ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ، وَأُجْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 1435
[فَصْلٌ كَرَاهَةُ النَّظَرِ إلَى مَا يَحْرُمُ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ]
ِ وَمَنْ حَرَّمَهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ) يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ، وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَنَحْوِهَا إنْ رَغَّبَهُ نَظَرُهَا فِي التَّزَيُّنِ وَالتَّجَمُّلِ، وَالْمُفَاخَرَةِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رِيحُ الْخَمْرِ كَصَوْتِ الْمَلَاهِي حَتَّى إذَا شَمَّ رِيحَهَا فَاسْتَدَامَ شَمَّهَا كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمَلَاهِي وَأَصْغَى إلَيْهَا، وَيَجِبُ سَتْرُ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْإِسْرَاعُ كَوُجُوبِ سَدِّ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْحَرِيرِ، وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنْ دَعَتْ إلَى حُبِّ التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمُفَاخَرَةِ، وَيُحْجَبُ ذَلِكَ عَنْهُ وَنَزِيدُ فَنَقُولُ: التَّفَكُّرُ الدَّاعِي إلَى اسْتِحْضَارِ صُوَرِ الْمَحْظُورِ مَحْظُورٌ، حَتَّى لَوْ فَكَّرَ الصَّائِمُ فَأَنْزَلَ أَثِمَ وَقَضَى، وَكَانَ عِنْدِي كَالْعَابِثِ بِذَكَرِهِ فَيُمْنِي، وَأَدَقُّ مِنْ هَذَا لَوْ اسْتَحْضَرَ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ وَقْتَ جِمَاعِهِ أَهْلَهُ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كُنْت مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِالْعَسْكَرِ فِي قَصْرِ إتْيَاحَ فَأَشَرْت إلَى شَيْءٍ عَلَى الْجِدَارِ قَدْ نُصِبَ فَقَالَ لِي: لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ. قُلْت: فَقَدْ نَظَرْتُ إلَيْهِ. قَالَ لِي: فَلَا تَفْعَلْ لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ.
قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ خِرْقَةً لِمَسْحِ الْعَرَقِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ خِرْقَةً لِلِامْتِخَاطِ كَذَا قَالَ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ تَوَجَّهَ التَّحْرِيمُ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ كَثِيرًا لِلتَّرَفُّهِ وَالنَّظَافَةِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَإِزَالَةِ الْقَذَرَ وَالْحَاجَةِ لَمْ تُكْرَهْ.
وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخْلِيَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ حَضَرًا وَسَفَرًا مِنْ
стр. 1436
سَبْعَةِ أَشْيَاءَ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ: التَّنْظِيفِ، وَالتَّزْيِينِ، وَالْمُكْحُلَةِ، وَالْمُشْطِ، وَالسِّوَاكِ، وَالْمِقَصِّ، وَالْمُدَارَةِ وَهِيَ خَشَبَةٌ مُدَوَّرَةُ الرَّأْسِ أَوْفَى مِنْ شِبْرٍ تَتَّخِذُهَا الْعَرَبُ وَالصُّوفِيَّةُ يَدْرَءُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْأَذَى كَالْقَمْلِ وَغَيْرِهِ، وَيَحُكُّونَ بِهَا الْجَسَدَ وَيَقْتُلُونَ الدَّبِيبَ حَتَّى لَا يُبَاشِرُوا كُلَّ شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمْ وَالسَّابِعُ قَارُورَةٌ مِنْ الدُّهْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يَفُوتُهُ ذَلِكَ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا.
قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: وَالتَّرَبُّعُ فِي الْجُلُوسِ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كَانَ لِلتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ كُرِهَ كَذَا قَالَ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ فَيَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ وَسَبَقَ ذَلِكَ فِي آدَابِ الْمَسْجِدِ وَصِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ.
قَالَ ﵀ وَلَا بَأْسَ بِرَبْطِ الْخَيْطِ فِي الْإِصْبَعِ لِلْحِفْظِ، وَالذِّكْرِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا فِي صُدُورِكُمْ ... فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْك عَقْدُ الرَّتَائِمِ
وَقَالَ أَيْضًا:
إذَا لَمْ تَكُ الْحَاجَاتُ مِنْ هِمَّةِ الْفَتَى ... فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ عَقْدُ الرَّتَائِمِ
وَالرَّتَائِمُ جَمْعُ رَتِيمَةٍ وَرَتَمَةٍ وَهُوَ خَيْطٌ يُشَدُّ فِي الْإِصْبَعِ لِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْحَاجَةَ تَقُولُ مِنْهُ أَرْتَمْت الرَّجُلَ إرْتَامًا: وَالرَّتَمَةُ بِالتَّحْرِيكِ ضَرْبٌ مِنْ الشَّجَرِ وَالْجَمْعُ رَتَمٌ.
وَفِي مَسَائِلِ أَبِي دَاوُد قُبَيْلَ بَابِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ كَانَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ يَحْضُرُ سُفْيَانُ وَمَعَهُ خَيْطٌ فَكُلَّمَا حَدَّثَ سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ عَقَدَ عُقْدَةً فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْبَيْتِ كَتَبَ حَدِيثًا وَحَلَّ عُقْدَةً.
стр. 1437
[فَصْلٌ فِي مِقْدَارِ طُولِ الثَّوْبِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَجَرِّ الذُّيُولِ]
ِ) يُبَاحُ إزَارُ الرَّجُلِ وَقَمِيصُهُ وَنَحْوُهُ مِنْ نِصْفِ سَاقَيْهِ إلَى كَعْبَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: السُّنَّةُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ مِنْ نِصْفِ السَّاقَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَلَا يَتَأَذَّى السَّاقُ بِحَرٍّ وَبَرْدٍ وَلَا يَتَأَذَّى الْمَاشِي وَيَجْعَلُهُ كَالْمُقَيَّدِ وَيُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ ارْتَفَعَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: جَرُّ الْإِزَارِ إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ ﵏ وَقَالَ أَحْمَدُ ﵁ أَيْضًا «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ» لَا يَجُرُّ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِهِ وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَرِوَايَةُ الْكَرَاهِيَةِ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ﵏.
قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ ثَمِينٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانَ يَجُرُّهُ عَلَى الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ أَوَلَسْنَا نُهِينَا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ لِذَوِي الْخُيَلَاءِ وَلَسْنَا مِنْهُمْ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ عَدَمَ تَحْرِيمِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَرَاهَةٍ وَلَا عَدَمِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ:
стр. 1438
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طُولُ قَمِيصِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِلَى شِرَاكِ النَّعْلِ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَطُولُ الْإِزَارِ إلَى مَدِّ السَّاقَيْنِ، قَالَ وَقِيلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَيَزِيدُ ذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى ذَيْلِهِ مَا بَيْنَ الشِّبْرِ إلَى الذِّرَاعِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَمْشِي بَيْنَ الرِّجَالِ كَنِسَاءِ الْعَرَبِ فَأَمَّا نِسَاءُ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ فَذَيْلُهَا كَذَيْلِ الرَّجُلِ وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَنَّ ذَيْلَ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ كَذَيْلِ الرَّجُلِ، ثُمَّ قَالَ وَتُرْخِيهِ الْبَرْزَةُ وَنِسَاءُ الْبَرِّ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ ذِرَاعٍ. وَقِيلَ مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ وَقِيلَ يُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إطَالَةُ ذَيْلِهَا وَإِنْ جَاوَزَتْ الْكَعْبَيْنِ.
стр. 1439
[فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ اللِّبَاسِ مِنْ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ إلَخْ]
ْ) وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتَزِرَ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَعَنْهُ تَحْتَهَا وَيَشُدُّ سَرَاوِيلَهُ فَوْقَهَا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَلْبَسَ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْفِصَادَ فِي الْبِلَادِ الرَّطْبَةِ أَوْلَى، وَأَنَّ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فِي الْبِلَادِ الرَّطْبَةِ أَوْلَى مِنْ الِادِّهَانِ اعْتِبَارًا فِي كُلِّ بَلَدٍ بِعَادَتِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ، وَيُبَاحُ التُّبَّانُ وَتُسَنُّ السَّرَاوِيلُ وَالْأَوْلَى قَوْلُ صَاحِبِ النَّظْمِ التُّبَّانُ فِي مَعْنَى السَّرَاوِيلِ.
وَرَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَأْمُرُ غِلْمَانَهَا بِالتُّبَّانِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ. وَسِعَةُ كُمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ شِبْرٌ وَقِصَرُهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا، وَطُولُ كُمِّ قَمِيصِ الرَّجُلِ عَنْ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا دُونَ سِعَتِهِ كَثِيرًا فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ وَلَا يَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشَ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: تَوْسِيعُ الْكُمِّ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ حَسَنٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ ذُكِرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا سُئِلَ أَحْمَدُ ﵀ عَنْ لُبْسِهِ فَقَالَ: هُوَ أَسْتَرُ مِنْ الْأُزُرِ، وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْأُزُرَ.
قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: فَتَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي اللُّبْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﵉ أَنَّهُمَا لَبِسَاهُ وَلَبِسَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَسَلْمَانَ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ
стр. 1440
النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى جَيْشِهِ بِأَذْرَبِيجَانَ إذَا قَدِمْتُمْ مِنْ غَزَاتِكُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ وَالْأَقْبِيَةَ وَالْبَسُوا الْأُزُرَ، وَالْأَرْدِيَةَ، قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: فَدَلَّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لَهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ زِيِّهِمْ وَقَالَ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي فِي اللِّبَاسِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا أَخْبَارٌ ضَعِيفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ قَالَ «تَسَرْوَلُوا وَاتَّزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَالْقَاسِمُ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَتَوْسِيعُ كُمِّ الْمَرْأَةِ، وَتَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ قَصْدٌ حَسَنٌ.
وَيُبَاحُ الْقَبَاءُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ لِلرَّجُلِ، وَيُبَاحُ الرِّدَاءُ، وَفَتْلُ أَطْرَافِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ يُكْرَهُ الْمُقَوَّرُ وَالْمُدَوَّرُ وَقِيلَ وَغَيْرُهُمَا غَيْرَ الْمُرَبَّعِ، وَقِيلَ وَيُكْرَهُ مُطْلَقًا وَيَجُوزُ فَتْلُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَهُدْبُ الثَّوْبِ وَقِيلَ يُسَنُّ الرِّدَاءُ لِلرَّجُلِ قَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي التَّلْخِيصِ فَإِنَّهُ قَالَ الرِّدَاءُ مِنْ لُبْسِ السَّلَفِ وَقَالَ هُوَ وَابْنُ تَمِيمٍ كَرِهَ السَّلَفُ الطَّيْلَسَانَ زَادَ فِي التَّلْخِيصِ وَهُوَ الْمُقَوَّرُ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ ﵀ هَلْ طَرْحُ الْقَبَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي أَكْمَامِهِ مَكْرُوهٌ؟ فَأَجَابَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللُّبْسَةَ لَيْسَتْ لُبْسَةَ الْيَهُودِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَاعْتِيَادُ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ عَلَى
следующие страницы →