Полный текст (1 529 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكُتَّابُ: وَمِنْ الِاصْطِلَاحِ الْمُحْدَثِ كَتْبُهُمْ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ سَيِّدِنَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ لَا أَدْرِي مِمَّنْ أَخَذُوا هَذَا وَزَعَمُوا أَنَّهُ أَجَلُّ الدُّعَاءِ وَنَحْنُ نَدْعُو رَبَّ الْعَالَمِينَ عَلَى غَيْرِ هَذَا، وَمَعَ هَذِهِ فَفِيهِ انْقِلَابُ الْمَعْنَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَعْرَفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ سَيُسِيءُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا وَمِنْ الِاصْطِلَاحِ الْمُحْدَثِ كَتْبُهُمْ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَقَدْ حَكَى إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ دُعَاءٌ مُحْدَثٌ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ كُلَّهَا لَا يُوجَدُ فِيهَا هَذَا الدُّعَاءُ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَهُ الزَّنَادِقَةُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يُنْكِرُ كَتْبَهُمْ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ سَيِّدِي وَقَالَ هَذَا دُعَاءُ الْغَائِبِ وَهُوَ جَهْلٌ بِاللُّغَةِ، وَنَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ بِالْمُخَاطَبَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ أَجَلُّ الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْعِزَّ وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ طُولِ الْبَقَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَفْخَمُ الدُّعَاءِ فَلِذَلِكَ قَدَّمُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، وَأَدَامَ عِزَّكَ لِأَنَّهُ إذَا دِيمَ عِزُّهُ كَانَ مَحُوطًا مَصُونًا غَالِبًا لِعَدُوِّهِ آمِنًا غَنِيًّا فَاتَّبَعُوهُ، " وَتَأْيِيدَكَ ".
لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَزَادَ مِمَّا دَعَوْتُ لَكَ بِهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَيَّدَهُ أَيْ قَوَّاهُ " وَسَعَادَتَكَ " أَصْلُهُ مِنْ الْمُسَاعَدَةِ أَيْ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى مَا يُرِيدُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ أَجَلُّ مِنْ " وَأَكْرَمَكَ " لِأَنَّهُ قَدْ يُكْرَمُ وَلَا يُسَاعَدُ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كَانَ أَعَزَّكَ جَلِيلًا ثُمَّ حَدَثَ وَتَأْيِيدُكَ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكْتَبُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ يَعْنِي الْمَذْكُورَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي الْيُسْرِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو «اللَّهُمَّ أَمْتِعْنَا بِهِ» وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ بَدْرٍ وَفَاةً. وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي» كَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَا بِحَضْرَتِي الْآنَ إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ «وَاجْعَلْهُ
стр. 387
الْوَارِثَ مِنِّي» .
وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «اللَّهُمَّ أَمْتِعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي» وَذُكِرَ الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي وَعَافِنِي فِي بَصَرِي وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّي» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ شَيْئًا.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ «اللَّهُمَّ فَالِقَ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَانًا اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنْ الْفَقْرِ وَأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا مَا أَشْكَلَ مِنْ هَذَا لِأَنَّ الْعُمُرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الدُّعَاءَ مُعَلَّقٌ بِمَا فِيهِ الصَّلَاحُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، وَكَذَا أَنْسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِكَ وَنَسَأَ اللَّهُ أَجَلَكَ قَالَ وَقِيلَ الدُّعَاءُ بِهَذَا مَعْنَاهُ التَّوْسِعَةُ وَالْغِنَى وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ مُكَاتَبَةَ الْمُسْلِمِينَ: كَانَتْ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ. ثُمَّ إنَّ الزَّنَادِقَةَ أَحْدَثُوا هَذِهِ الْمُكَاتَبَاتِ، أَوَّلُهَا أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ يُدْعَى لِلْخُلَفَاءِ الْغَابِرِينَ أَمَّا بَعْدُ حَفِظَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْتَعَ بِهِ، وَأَمَّا بَعْدُ أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا بَعْدُ أَكْرَمَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَفِظَهُ وَزَعَمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ رَسَمَ الدُّعَاءَ مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ السُّوءِ. ثُمَّ زَادَ النَّاسُ.
فَمِمَّا يُكَاتَبُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَمَنْ يَسْتَحْسِنُ أَنْ يُكَاتِبَ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَكِنْ يُضَمِّنُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَيَكْتُبُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فِي طَاعَتِهِ وَسَلَامَتِهِ وَكِفَايَتِهِ، وَأَعْلَى جَدَّكَ وَصَانَ قَدْرَكَ وَكَانَ مَعَكَ وَلَكَ حَيْثُ لَا تَكُونُ لِنَفْسِكَ. وَكَذَا يَكْتُبُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فِي أَسَرِّ عَيْشٍ وَأَنْعَمِ بَالٍ، وَخَصَّكَ مِنْهُ بِالتَّوْفِيقِ بِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَحَيَّاكَ بِرُشْدِهِ، وَقَطَعَ بَيْنَكَ
стр. 388
وَبَيْنَ مَعَاصِيهِ بِلُطْفِهِ. وَمَنِّهِ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ بِمَا أَطَالَ بِهِ بَقَاءَ الْمُطِيعِينَ وَأَعْطَاكَ مِنْ الْعَطَاءِ بِمَا أَعْطَى الْمُصْلِحِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُضَمِّنُهُ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ يَدْعُو بِغَيْرِ دُعَاءِ الْكُتَّابِ فَيَقُولُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَأَكْرَمَ مَثْوَاكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَجِيزُ الدُّعَاءَ بِطُولِ الْبَقَاءِ وَيَكْتُبُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوَلَّاكَ بِحِفْظِهِ وَحُسْنِ كِلَاءَتِهِ، وَأَسْعَدَكَ بِمَغْفِرَتِهِ، وَأَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ. وَجَمَعَ لَكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِرَحْمَتِهِ، وَفِي مِثْلِهِ: تَوَلَّاكَ اللَّهُ مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَكَانَ لَكَ مَنْ هُوَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَمِثْلُهُ: أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَأَكْرَمَ عَنْ النَّارِ وَجْهَكَ، وَزَيَّنَ بِالتَّقْوَى عَمَلَكَ وَمِثْلُهُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ كَرَامَةً تَكُونُ لَكَ فِي الدُّنْيَا عِزًّا، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْ النَّارِ حِرْزًا.
وَسُئِلَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مَعْنَى " أَمَّا بَعْدُ " فَذَكَرَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي حَدِيثٍ وَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَعَلَى هَذَا النَّحْوِيُّونَ وَلِهَذَا لَمْ يُجِيزُوا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ أَمَّا بَعْدُ، وَقِيلَ أَمَّا بَعْدُ. فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيهِ دَاوُد ﵇ وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ عِلْمُ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْعُرُوبَةُ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ أَمَّا بَعْدًا بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ، وَأَمَّا بَعْدٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَأَجَازَ ابْنُ هِشَامٍ أَمَّا بَعْدَ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي كَذَا وَأَجْوَدُ مِنْهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي نَظَرْتُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ أَمَّا بَعْدُ فَأَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ إنِّي، وَفَإِنِّي، وَإِنِّي، وَثُمَّ إنِّي، وَأَمَّا بَعْدُ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فَإِنِّي، وَأَمَّا بَعْدُ ثُمَّ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ ثُمَّ إنِّي، وَبَقَاؤُكَ مَصْدَرٌ مِنْ بَقِيَ، وَإِنْ أَخَذْتُهُ مِنْ أَبْقَى قُلْتُ أَبْقَاكَ اللَّهُ فَإِنْ ثَنَّيْتَ بَقَاءً أَوْ جَمَعْتَهُ قُلْتَ بَقَاءَكُمَا وَبَقَاءَكُمْ وَبَقَاءَكُنَّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَإِنْ جَعَلْتَ بَقَاءً مُخَالِفًا لِبَقَاءٍ قُلْتَ بَقَاءً كَمَا وَأَبْقَيْتُمْ.
стр. 389
وَيُكْتَبُ فِي الدُّعَاءِ الْآخَرِ وَأَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ بِالْوَاوِ، وَالْفَائِدَةُ فِي الْمَجِيءِ بِالْوَاوِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّكَ لَمْ تَضْرِبْ عَنْ الْأَوَّلِ، وَلَوْ حَذَفْتَهَا جَازَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّكَ قَدْ أَضْرَبْتَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ فِي الْفَائِدَةِ فِي الْمَجِيءِ بِوَاوِ الْعَطْفِ مَعَ الْجُمَلِ، وَإِنَّ حَذْفَهَا أَيْضًا جَائِزٌ لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ الْمَعْنَى. وَكَذَا وَحَسْبِي اللَّهُ، وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتَ الْوَاوَ، فَأَمَّا حَسْبُنَا اللَّهُ فَإِنَّمَا يَكْتُبُ بِهِ الْجَلِيلُ مِنْ النَّاسِ. وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكْتُبَ حَسْبِي اللَّهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ . وَيَسْتَعْمِلُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ مَعْنَى هَذَا فَيَقُولُ حَضَرْتُ بِمَجْلِسِ الْأَجَلِّ قَاضِي الْقُضَاةِ حَرَسَ اللَّهُ نِعَمَهُ وَأَطَالَ عُمُرَهُ.
وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَلَسَ إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ فَقَالُوا لَا بَأْسَ بِهِ فَقَالَ رَجُلٌ إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ عَلِيٌّ لَا يَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ التَّارَاتُ السَّبْعُ حَتَّى يَكُونَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ تَكُونَ نُطْفَةً ثُمَّ تَكُونَ عَلَقَةً ثُمَّ تَكُونَ مُضْغَةً ثُمَّ تَكُونَ عَظْمًا ثُمَّ تَكُونَ لَحْمًا ثُمَّ تَكُونَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنْ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلرَّجُلِ بِطُولِ الْبَقَاءِ.
стр. 390
[فَصْلٌ فِي كَرَاهِيَةِ قَوْلِ أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ فِي الدُّعَاءِ]
قَالَ الْخَلَّالُ (كَرَاهِيَةُ قَوْلِهِ فِي الدُّعَاءِ أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ) قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ أَمْتَعَ اللَّهُ بِكَ قَالَ أَحْمَدُ لَا أَدْرِي مَا هَذَا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا قَالَ.
[فَصْلٌ قَوْلُهُمْ فِي السَّلَامِ وَالْكِتَابِ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ وَفِدَاكَ أُمِّي وَأَبِي وَنَحْوُهُ]
قَالَ الْخَلَّالُ (كَرَاهِيَةُ قَوْلِهِ فِي السَّلَامِ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ) قَالَ بِشْرُ بْنُ مُوسَى سَأَلَ رَجُلٌ وَأَنَا أَسْمَعُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاءَكَ فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَكَذَا فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ مِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ هَذَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَوْلَى مِنْهُ لِصِحَّةِ غَيْرِهِ ثُمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَك، وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ غَيْرِهِ قَالَ وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَك مَرَّتَيْنِ» فِي الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ «أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقُلْت يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ قَالَ أَبُو ذَرٍّ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ قُلْت وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ» .
стр. 391
وَقَالَ الْخَلَّالُ (قَوْلُهُ فِي السَّلَامِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَوْلُهُمْ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي. وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِدَاءٍ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ بِرٌّ وَإِعْلَامٌ بِمَحَبَّتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَكَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنُ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ فِي التَّفْدِيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِ بِأَبَوَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ) ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادٍ وَعَنْ مُسْلِمٍ عَنْ هِشَامٍ جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَبُو ذَرٍّ فَقُلْت لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا فِدَاؤُكَ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
«وَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا وَقَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَأَنَا فِدَاؤُك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَمَّامٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ تَفَرَّدَ عَنْهُ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيِّ قَالَ شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا الْحَدِيثَ وَصَحَّ أَنَّ «أَبَا قَتَادَةَ لَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ حَفِظَك اللَّهُ بِمَا حَفِظْت بِهِ نَبِيَّهُ» وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ فَقَالَ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ.
стр. 392
[فَصْلٌ فِي سُنَّةِ الِاسْتِئْذَانِ فِي الدُّخُولِ عَلَى النَّاسِ]
يُسَنُّ أَنْ يُسْتَأْذَنَ فِي الدُّخُولِ عَلَى غَيْرِهِ ثَلَاثًا فَقَطْ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَيَجُوزُ ثَلَاثًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَقِيلَ يَجِبُ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ وَابْنُ تَمِيمٍ وَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فَيَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى وَالِدَتِهِ فَلْيَسْتَأْذِنْ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا» ، مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ (آيَةُ الْإِذْنِ) وَإِنِّي لَآمُرُ جَارِيَتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ وَصَحَّ عَنْهُ أَيْضًا وَقِيلَ كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ؟ : ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] إلَى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨] . قَالَ إنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ رَءُوفٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ التَّسَتُّرَ وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوْ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ أَوْ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ فَجَاءَهُمْ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ.
الْحِجَالِ جَمْعُ حَجَلَةٍ بِالتَّحْرِيكِ بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ يَسْتُرُ الثِّيَابَ وَلَهُ أَزْرَارٌ كِبَارٌ.
стр. 393
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ وَأَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] .
لِأَنَّ الْبَالِغَ يَسْتَأْذِنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالطِّفْلَ وَالْمَمْلُوكَ يَسْتَأْذِنُ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا أَنَّ الْبُيُوتَ الْخَالِيَةَ هَلْ دَخَلَتْ فِي آيَةِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِئْذَانِ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩] .
أَمْ لَمْ تَدْخُلْ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ غَيْرِ آذِنٍ، فَإِذَا بَطَلَ الِاسْتِئْذَانُ لَمْ تَكُنْ الْبُيُوتُ الْخَالِيَةُ دَاخِلَةً فِي الْأُولَى عَلَى قَوْلَيْنِ وَأَنَّ الثَّانِيَ أَصَحُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِك إلَّا بِالِاسْتِئْذَانِ لِهَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] .
(وَمَعْنَى تَسْتَأْنِسُوا) تَسْتَأْذِنُوا وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
وَلَا يُوَاجِهُ الْبَابَ فِي اسْتِئْذَانِهِ لِأَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ مُسْتَقْبِلَ الْبَابَ فَقَالَ لَهُ ﵇ «هَكَذَا عَنْك وَهَكَذَا فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ النَّظَرِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا دَخَلَ الْبَصَرُ فَلَا إذْنَ» حَدِيثَانِ حَسَنَانِ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. فَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ وَإِلَّا زَادَ حَتَّى يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ سَمِعَ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ فَلَا يَقِفُ عَلَى الْبَابِ وَيُلَازِمُهُ لِلْآيَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» وَقِيلَ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ مُطْلَقًا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ
стр. 394
سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ فَقَالَ إذَا اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا رَجَعَ وَالِاسْتِئْذَانُ السَّلَامُ، فَظَاهِرُهُ كَهَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَمْ يَظُنَّ.
وَحَجَبَ مُعَاوِيَةُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ﵄ يَوْمًا وَأَجْلَسَهُ عِنْدَ بَابِهِ فَقِيلَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ يُفْعَلُ هَذَا بِك وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ مَنْ يَأْتِي أَبْوَابَ السُّلْطَانِ يَقُمْ وَيَقْعُدْ.
وَاسْتَأْذَنَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى عُثْمَانَ ﵄ فَأَبْطَأَ إذْنَهُ فَقِيلَ: حَجَبَك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَا عَدِمْت مِنْ قَوْمِي مَنْ إذَا شَاءَ حَجَبَ.
وَقَالَ مَرْوَانُ لِابْنِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ: يَا بُنَيَّ مُرْ حَاجِبَك يُخْبِرْك مَنْ حَضَرَ بَابَك كُلَّ يَوْمٍ فَتَكُونُ أَنْتَ تَأْذَنُ وَتَحْجُبُ، وَآنِسْ مَنْ دَخَلَ إلَيْك بِالْحَدِيثِ فَيَنْبَسِطَ إلَيْك، وَلَا تُعَجِّلْ بِالْعُقُوبَةِ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فَإِنَّك عَلَى الْعُقُوبَةِ أَقْدَرُ مِنْك عَلَى ارْتِجَاعِهَا.
وَأَقَامَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ كِسْرَى فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِبُ اُكْتُبْ كِتَابًا وَخَفِّفْهُ أُوصِلْهُ لَك فَقَالَ لَا أَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْطُرٍ فَكَتَبَ فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ الضَّرُورَةُ وَالْأَمَلُ أَقْدَمَانِي عَلَى الْمَلِكِ، وَفِي السَّطْرِ الثَّانِي لَيْسَ لِي صَبْرٌ عَلَى الطَّلَبِ، وَفِي السَّطْرِ الثَّالِثِ الرُّجُوعُ بِلَا إفَادَةٍ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَفِي السَّطْرِ الرَّابِعِ أَمَّا " نَعَمْ " مُثْمِرَةٌ وَأَمَّا " لَا " مُؤَيِّسَةٌ فَوَضَعَ كِسْرَى تَحْتَ كُلِّ سَطْرٍ " ز " فَانْصَرَفَ بِسِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
يَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى بَابِهِ ... وَالْمَشْرَبُ الْعَذْبُ كَثِيرُ الزِّحَامِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَإِنِّي لَأَرْثِي لِلْكَرِيمِ إذَا غَدَا ... عَلَى طَمَعٍ عِنْدَ اللَّئِيمِ يُطَالِبُهْ
وَأَرْثِي لَهُ مِنْ وَقْفَةٍ عِنْدَ بَابِهِ ... كَمَرْثِيَّتِي لِلطِّرْفِ وَالْعِلْجُ رَاكِبُهْ
كَتَبَ رَجُلٌ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ:
إذَا كَانَ الْجَوَادُ لَهُ حِجَابٌ ... فَمَا فَضْلُ الْجَوَادِ عَلَى الْبَخِيلِ
فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ:
إذَا كَانَ الْجَوَادُ قَلِيلَ مَالٍ ... وَلَمْ يُعَلِّلْ تَعَذَّرَ بِالْحِجَابِ
стр. 395
وَقِيلَ لِحَاجِبٍ:
سَأَتْرُكُ بَابًا أَنْتَ تَمْلِكُ إذْنَهُ ... وَإِنْ كُنْت أَعْمَى مِنْ جَمِيعِ الْمَسَالِكِ
فَلَوْ كُنْت بَوَّابَ الْجِنَانِ تَرَكْتُهَا ... وَحَوَّلْتُ رِجْلِي مُسْرِعًا نَحْوَ مَالِكِ
وَقَالَ مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ:
سَأَتْرُكُ هَذَا الْبَابَ مَا دَامَ إذْنُهُ ... كَعَهْدِي بِهِ حَتَّى يَلِينَ قَلِيلَا
وَمَا خَابَ مَنْ لَمْ يَأْتِهِ مُتَعَمِّدَا ... وَلَا فَازَ مَنْ قَدْ نَالَ مِنْهُ وُصُولَا
وَمَا جُعِلَتْ أَرْزَاقُنَا بِيَدِ امْرِئٍ ... حَمَى بَابَهُ مِنْ أَنْ يُنَالَ دُخُولَا
إذَا لَمْ أَجِدْ فِيهِ إلَى الْإِذْنِ سُلَّمَا ... وَجَدْت إلَى تَرْكِ الْمَجِيءِ سَبِيلَا
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ ﷺ «مَنْ رَفَعَ حَاجَةَ ضَعِيفٍ إلَى ذِي سُلْطَانٍ لَا يَسْتَطِيعُ رَفْعَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ ﷺ «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ هُمْ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةَ» وَقَالَ ﷺ : «اُطْلُبُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ» كَذَا يَذْكُرُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ ضَعِيفَةً إنْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لَكِنْ لَوْ اعْتَقَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّرْغِيبِ وَالْفَضَائِلِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ
стр. 396
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» .
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي قَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُك عَلَيْهِ وَلَكِنْ ائْتِ فُلَانًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَحْمِلَك فَأَتَاهُ فَحَمَلَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَكَانَ يَقُولُ: «أَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا فَإِنَّهُ مَنْ بَلَّغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَسَبَقَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا، وَيَأْتِي فِي الشَّفَاعَةِ بِالْقُرْبِ مِنْ نِصْفِ الْكِتَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا. وَالدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنٌ فِي الدُّخُولِ وَفِي الْأَكْلِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِهِمْ يَسْتَأْذِنُ الدُّخُولَ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا جَازِمًا بِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ» .
وَرُوِيَ قَبْلَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «رَسُولُ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ إذْنُهُ» وَتَرْجَمَ عَلَيْهِمَا فِي الِاسْتِئْذَانِ (بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُدْعَى أَيَكُونُ ذَلِكَ إذْنَهُ؟) .
«وَقَدْ دَعَا
стр. 397
النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَاقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَإِنْ دَخَلَ سَلَّمَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: أَأَلِجُ؟ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ الْمُفَسِّرِينَ لِأَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَأَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ " اُخْرُجْ إلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ " فَقَالَ لَهُ: قُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَسَمِعَهُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا تَقْدِيمُ السَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَادَّعَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْآنُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ أَحْمَدَ: الِاسْتِئْذَانُ السَّلَامُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ فِي آخَرَيْنِ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ» بَقِيَّةُ حَدِيثُهُ حَسَنٌ إذَا صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ وَلَمْ يُدَلِّسْ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَحْصُبِيُّ، فَذَكَرَهُ وَمُحَمَّدٌ ثِقَةٌ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ كَلَدَةَ بْنَ الْحَنْبَلِ أَخْبَرَهُ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ فِي الْفَتْحِ بِلِبَإٍ وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِأَعْلَى الْوَادِي قَالَ: فَدَخَلْت عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعْ فَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَدْخُلُ؟» وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ صَفْوَانُ. حَدِيثٌ جَيِّدٌ وَعَمْرُو بْنُ صَفْوَانَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظِهِ بِلَبَنٍ وَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ وَلَمْ يَزِدْ " أَدْخُلُ؟ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَالْجَدَايَةُ مِنْ أَوْلَادِ الظِّبَاءِ مَا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةَ بِمَنْزِلَةِ الْجَدْيِ فِي أَوْلَادِ الْمُعِزِّ
стр. 398
وَالضَّغَابِيسُ صِغَارُ الْقِثَّاءِ وَاحِدَتُهَا ضُغْبُوسٌ، وَقِيلَ هُوَ نَبْتٌ يَنْبُتُ فِي أَصْلِ التَّمَامِ يُسْلَقُ بِالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَيُؤْكَلُ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَا يُلْقَى مِنْ النَّاسِ يَدُقُّونَ الْبَابَ فَيَقُولُونَ أَنَا أَنَا، أَلَا نَقُولُ أَنَا فُلَانٌ؟ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ يَقُولُ لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلَيْهِ وَهُوَ جَابِرٌ أَنَا أَنَا» كَأَنَّهُ كَرِهَهَا وَلِيَزُولَ اللَّبْسُ فَذَكَرَ مَا يُمَيِّزُهُ مِنْ كُنْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَقَوْلِ أُمِّ هَانِئٍ وَقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ: أَبُو قَتَادَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ طَرَقَ أَبِي الْبَابَ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَأَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَنْ شَيْءٍ فَذَكَرَهُ وَقَالَ لَهُ تَقُولُ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا لَمْ يُنْسَبْ الْإِنْسَانُ إلَى مَا لَا يَلِيقُ وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ مَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَلَا يَتَكَنَّى الرَّجُلُ عَلَى كُنْيَتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُنْيَتُهُ أَشْهَرَ مِنْ اسْمِهِ فَيُكَنَّى عَلَى نَظِيرِهِ وَيَتَسَمَّى لِمَنْ فَوْقَهُ ثُمَّ يُلْحِقُ الْمَعْرُوفَ أَبَا فُلَانٍ أَوْ بِأَبِي فُلَانٍ وَلَا يَدُقُّ الْبَابَ بِعُنْفٍ لِنِسْبَةِ فَاعِلِهِ عُرْفًا إلَى قِلَّةِ الْأَدَب.
وَسَبَقَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي سَعَةِ الْكَلَامِ إذَا دُقَّ الشَّرْطُ. وَفِي مَعْنَاهُ الصِّيَاحُ الْعَالِي وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ لِلْمُسْتَأْذِنِ اُدْخُلْ بِسَلَامٍ فَهَلْ يَدْخُلُ؟ كَانَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ إذَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدَ وَعَلَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَدْرِ يَفِي بِهِ أَمْ لَا وَقَالَ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَرِّكَ نَعْلَهُ فِي اسْتِئْذَانِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ حَتَّى إلَى بَيْتِهِ قَالَ أَحْمَدُ إذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ يَتَنَحْنَحُ وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ إلَى مَنْزِلِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ قَالَ: يُحَرِّكُ نَعْلَهُ إذَا دَخَلَ وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلَ عَلَى أَهْلِهِ أَعْنِي زَوْجَتَهُ قَالَ: مَا أَكْرَهُ ذَلِكَ أَنْ أَسْتَأْذِنَ مَا يَضُرُّهُ؟ قُلْت زَوْجَتُهُ وَهُوَ يَرَاهَا فِي جَمِيعِ
стр. 399
حَالَاتِهَا فَسَكَتَ عَنِّي. فَهَذِهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ ﵁ لَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا الِاسْتِئْذَانُ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالسَّلَامِ أَوْ قَوْلِهِ أَأَدْخُلُ؟ لِأَنَّهُ بَيْتُهُ وَمَنْزِلُهُ وَاسْتَحَبَّ إذَا دَخَلَ النَّحْنَحَةَ أَوْ تَحْرِيكَ النَّعْلِ لِئَلَّا يَرَاهَا عَلَى حَالَةٍ لَا يُعْجِبُهَا وَلَا تُعْجِبُهُ، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ فِي دُخُولِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ (مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) وَيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ إذَا دَخَلَ يُكْثِرُ خَيْرَ بَيْتِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «يَا بُنَيَّ إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ تَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَصَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»
وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَاَلَّذِي لَا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» .
وَلِمُسْلِمٍ «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ وَالْبَيْتُ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» .
وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «اُذْكُرْ اللَّهَ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ» وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَى أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بِشْرٍ يَقُولُ «جَاءَ أَعْرَابِيَّانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ وَقَالَ الْآخَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا فَمُرْنِي بِأَمْرٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ فَقَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ » إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَمُعَاوِيَةُ حَدِيثُهُ حَسَنٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا «إذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحِمْصِيِّينَ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدُّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ، وَرَجُلٌ
стр. 400
دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: " ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ " مَعْنَاهُ مَضْمُونٌ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يُرِيدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ: وَقَوْلُهُ " دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يُسَلِّمَ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] .
(وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لُزُومَ الْبَيْتِ فَطَلَبَ السَّلَامَةَ مِنْ الْفِتَنِ، يَرْغَبُ بِذَلِكَ فِي الْعُزْلَةِ، وَيَأْمُرُ بِإِقْلَالٍ مِنْ الْخُلْطَةِ، وَيَجْلِسُ حَيْثُ أَجْلَسَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ. وَقِيلَ: بَلْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ مِنْهُ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَدَخَلَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ النَّحْوِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بَيْتَهُ زَائِرًا لَهُ قَالَ: فَوَجَدْته جَالِسًا بِالْأَرْضِ إلَى وِسَادَةٍ فَقُلْت لَهُ إنِّي قَدْ رَضِيت لِنَفْسِي مَا قَدْ رَضِيتَ لِنَفْسِك، فَقَالَ: إنِّي لَا أَرْضَى لَك فِي بَيْتِي بِمَا أَرْضَى بِهِ لِنَفْسِي فَاجْلِسْ حَيْثُ تُؤْمَرُ فَلَعَلَّ الرَّجُلَ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُ أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: (مَا يُكْرَهُ إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ إلَى مَنْزِلِ رَجُلٍ أَنْ يَقْعُدَ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يُقْعِدُهُ) قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَوْلُهُ: " لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ". قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كُلِّهِ، وَأَمَّا التَّكْرِمَةُ فَلَا بَأْسَ إذَا أَذِنَ لَهُ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إنْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بِالْجُلُوسِ فِي مَكَان مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّاهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ وَتَكْرِمَتُهُ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي الدُّخُولِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُقَامُ فِيهِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْجُلُوسِ فِي مَكَان مِنْهُ فَهَلْ يَجْلِسُ؟ وَأَيْنَ يَجْلِسُ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى عُرْفِ صَاحِب الْمَنْزِل وَعَادَتِهِ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ لِأَنَّهُ خَاصٌّ فَيَتَقَيَّدُ الْمُطْلَقُ كَالْكَلَامِ فَإِنْ خَالَفَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ عَادَتَهُ مَعَهُ بِأَنْ أَمَرَهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ وَافَقَهُ إنْ ظَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَكَذَا إنْ شَكَّ حَمْلًا لِحَالِ الْمُكَلَّفِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ.
وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ ذَلِكَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يُجِبْهُ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فَلَمْ
стр. 401
يَأْذَنْ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيمَا يَظُنُّ إذْنَهُ فِيهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَظَوَاهِرِ الْحَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ وَعَادَةٌ فِي ذَلِكَ فَالْعُرْفُ وَالْعَادَةُ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسُ بِلَا إذْنٍ خَاصٍّ فِيهِ لِحُصُولِهِ بِالْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ ثُمَّ إنْ شَاءَ جَلَسَ أَدْنَى الْمَجْلِسِ مِنْ مَحَلِّ الْجُلُوسِ لِتَحَقُّقِ جَوَازِهِ مَعَ سُلُوكِ الْأَدَبِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَوْلَى وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يُعَدَّ جُلُوسُهُ هُنَاكَ مُسْتَهْجَنًا عَادَةً وَعُرْفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَرْتَبَتِهِ، أَوْ يَحْصُلُ لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِذَلِكَ خَجَلٌ وَاسْتِحْيَاءٌ، فَإِنَّهُ يُعْجِبُهُ فِي خِلَافِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا ظَنَّ شَيْئًا لَا يَلِيقُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ عَمِلَ بِالظَّنِّ فِي جُلُوسِهِ فِيمَا يَأْذَنُ فِيهِ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى عَوَائِدِ النَّاسِ وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ وَأَقَلُّ لِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي مَا يُشْبِهُ هَذَا بَعْدَ آدَابِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالنَّوْمِ فِي فَصْلِ الْمَشْيِ مَعَ غَيْرِهِ.
وَيُعْمَلُ بِعَلَامَةٍ كَرَفْعِ سِتْرٍ أَوْ إرْخَائِهِ فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ لِقَوْلِهِ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «إذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاك» قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ السِّوَادُ بِكَسْرِ السِّينِ وَبِالدَّالِ أَيْ السِّرَارُ وَهُوَ السِّرُّ وَالْمُسَارَّةُ يُقَالُ سَاوَدْت الرَّجُلَ مُسَاوَدَةً إذَا سَارَرْته وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سِوَادِهِ عِنْدَ الْمُسَارَّةِ أَيْ شَخْصُك مِنْ شَخْصِهِ وَالسِّوَادُ اسْمٌ لِكُلِّ شَخْصٍ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ قَدْ عَلِمَ بِهِ وَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلِمَ بِهِ وَالْأَوْلَى الثَّانِي احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ تَأَكَّدَ التَّثَبُّتُ وَالتَّأَنِّي وَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَنْ لَا يَأْذَنَ بِالْعَلَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْمُسْتَأْذِنَ فَقَدْ يَكُونُ الْمُسْتَأْذِنُ غَيْرَ مَنْ ظَنَّهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَلِيقُ وَيَحْصُلُ بِهِ شَرٌّ وَمَحْذُورٌ وَمَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُول فَمَنْ شَاءَ دَخَلَ فِي الْحَالِ، وَيَتَثَبَّتُ إنْ اقْتَضَى الْحَالُ تَوَقُّفَهُ.
وَلِهَذَا فِي مُسْلِمٍ أَوْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ يَوْمًا بَعْدَ مَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَةً قَالَ: فَخَرَجَتْ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ: أَلَا تَدْخُلُونَ؟ فَدَخَلْنَا
стр. 402
فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا إلَّا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ قَالَ: ظَنَنْتُمْ بَلْ أُمُّ عَبْدٍ غَفَلَةٌ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ قَالَ: يَا جَارِيَةُ اُنْظُرِي هَلْ طَلَعَتْ؟ فَنَظَرَتْ فَإِذَا هِيَ قَدْ طَلَعَتْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَوْمَنَا هَذَا قَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أَحْسَبُهُ قَالَ: وَلَمْ يُهْلِكْنَا بِذُنُوبِنَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: قَرَأْت الْبَارِحَةَ الْمُفَصَّلَ كُلَّهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَفِيهِ التَّلَبُّثُ عَنْ الدُّخُولِ بَعْدَ الْإِذْنِ لِاحْتِمَالِ عُذْرٍ وَعَرَضَ الدُّخُولَ ثَانِيًا وَالسُّؤَالَ عَنْ سَبَبِ التَّلَبُّثِ عَنْ الدُّخُولِ وَذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَبْدُ اللَّهِ التَّوَقُّفَ لِلْعُذْرِ، لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السَّبَبِ لَا يُظَنُّ بِآلِهِ فَفِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ بِالسَّبَبِ وَنَفْيُ التُّهَمَةِ وَالنَّقْصِ عَنْ الْإِنْسَانِ وَعَنْ أَهْلِهِ.
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَنْ يُعَاشِرُهُ وَيُلَازِمُهُ وَرُبَّمَا قِيلَ وَعَمَّنْ يَبْعُدُ مِنْهُ وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَقْتِ لَا يُغْفَلُ عَنْهُ، وَأَنَّ النَّوْمَ إذَنْ يُكْرَهُ، وَأَنَّ مَنْ اُسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي عَمَلِ طَاعَةٍ يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا لَا يَتْرُكُهَا لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً فِي تَرْكِ الطَّاعَاتِ وَيَتَّخِذَهُ الشَّيْطَانُ سَبَبًا يَصُدُّ بِهِ عَنْهَا، وَإِنْ خَافَ رِيَاءً وَإِعْجَابًا تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَحَاسَبَ نَفْسَهُ، وَإِنْ قَوِيَ الْخَوْفُ مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا قَوِيَ الْخَوْفُ جِدًّا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَحِينَئِذٍ يَتْرُكُهُ ظَاهِرًا وَيَأْتِي بِهِ خِفْيَةً إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا قَضَاهُ وَلَا يَفُوتُهُ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ وَتَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ بِالطَّاعَةِ لَكِنَّ لِلْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَالرَّدُّ عَلَى فَاعِلِهَا بِمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَوْلِهِمْ فَقَوْلُنَا: لَا مَعْنَاهُ لَا مَانِعَ لَنَا إلَّا أَنَّا تَوَهَّمْنَا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ فَنُزْعِجُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ " ظَنَنَّا " تَوَهَّمْنَا وَجَوَّزْنَا، لَا أَنَّهُمْ أَرَادُوا الظَّنَّ الْمَعْرُوفَ وَهُوَ رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الرَّجُلِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَرَعِيَّتِهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي (بَابِ مَا جَاءَ فِي الْمِزَاحِ) ثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ
стр. 403
الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: «أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْت فَرَدَّ وَقَالَ: اُدْخُلْ فَقُلْت: أَكُلِّيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّك فَدَخَلْت» .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ دُحَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْوَلِيدِ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ دُحَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ بِشْرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ أَبُو دَاوُد ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ثَنَا الْوَلِيدُ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةَ قَالَ: إنَّمَا قَالَ: " أَدْخُلُ كُلِّي " مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي آدَابِ السَّفَرِ قُدُومُ الْمُسَافِرِ لَيْلًا.
стр. 404
[فَصْلٌ فِي الْجُلُوسِ فِي وَسَطِ الْحَلَقَةِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ]
ِ) قَالَ الْخَلَّالُ: (كَرَاهِيَةُ الْجُلُوسِ فِي وَسَطِ الْحَلَقَةِ) أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ﵁ إذَا كَانَ فِي الْحَلَقَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ خَلْفَهُ يَتَأَخَّرُ يَعْنِي يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ وَسَطَ الْحَلَقَةِ لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَتَوَجَّهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْخَلَّالِ فَإِنَّ ﵇ لَعْنَ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلَقَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَخْلَدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إذَا جَلَسَ فِي وَسَطِهَا اسْتَدْبَرَ بَعْضَهُمْ بِظَهْرِهِ فَيُؤْذِيهِمْ بِذَلِكَ وَيَسُبُّونَهُ وَيَلْعَنُونَهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثٍ» وَذَكَرَ مِنْهَا حَلَقَةَ الْقَوْمِ أَيْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهَا حَتَّى لَا يَتَخَطَّاهُمْ أَحَدٌ وَلَا يَجْلِسَ وَسَطَهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ لِلْأَخْبَارِ فَإِنْ قَامَ لَهُ أَحَدٌ عَنْ مَجْلِسِهِ فَفِي كَرَاهَةِ إيثَارِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فَإِنْ كُرِهَ فَفِي كَرَاهَةِ الْقَبُولِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَصْحَابِ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُحَرِّمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي بَكْرَةَ رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ عَنْهُ عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلًى لِآلِ أَبِي بُرْدَةَ تَفَرَّدَ عَنْهُ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا.
وَرَوَى عَامِرٌ الْأَحْوَلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «لَا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» .
وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَهُمَا حَدِيثَانِ حَسَنَانِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الثَّانِيَ وَحَسَّنَهُ.
стр. 405
[فَصْلٌ فِي الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ وَأَدَبِ السُّنَّةِ وَمُرَاعَاةِ الْعَادَةِ فِيهِ]
وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ لِغَيْرِ سُلْطَانٍ وَعَالِمٍ وَوَالِدٍ ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَقِيلَ سُلْطَانٍ عَادِلٍ وَزَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَلِغَيْرِ ذِي دِينٍ وَوَرَعٍ وَكَرِيمِ قَوْمٍ وَسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ إلَّا لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ، وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَقَاسَهُ عَلَى الْمُهَادَاةِ لَهُمْ قَالَ: وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وَلَا يَطْلُبَهُ، وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ وَقَامُوا لَهُ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ وَلِمَنْ قَامَ إلَيْهِ لِإِعْظَامِهِ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ عَلَى مَا رَسَمْنَاهُ.
وَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ: إنَّمَا هُوَ تَحْذِيرٌ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْعُجْبِ وَالْخُيَلَاءِ قَالُوا مَعَ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ قَالَ: إنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ وَالْأُمَرَاءُ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنَّهُ يَجْلِسُ وَالنَّاسُ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ تَكَبُّرًا وَعُجْبًا قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ يَمْشِي النَّاسُ خَلْفَهُ إكْرَامًا: إنَّهَا ذِلَّةٌ لِلتَّابِعِ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ وَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ فُصُولِ آدَابِ الطَّعَامِ وَكَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي فِي فُصُولِ الْمُصَافَحَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَأَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ فَاسْتَحَبُّوهُ لِطَائِفَةٍ وَكَرَّهُوهُ لِأُخْرَى، وَالتَّفْرِيقُ فِي مِثْلِ هَذَا بِالصِّفَاتِ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ: وَأَمَّا أَحْمَدُ فَمَنَعَ مِنْهُ مُطْلَقًا لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيِّدُ الْأَئِمَّةِ وَلَمْ يَكُونُوا يَقُومُونَ لَهُ فَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ مُطْلَقًا خَطَأٌ وَقِصَّةُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مَعَ الْمَنْصُورِ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا أَرَادَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا لِغَيْرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ السَّفَرِ إذَا أَتَاهُ إخْوَانُهُ فَقَامَ إلَيْهِمْ وَعَانَقَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَحَدِيثُ سَعْدٍ يُخَرَّجُ
стр. 406
عَلَى هَذَا وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ الْقَادِمَ يُتَلَقَّى لَكِنَّ هَذَا قَامَ فَعَانَقَهُمْ، وَالْمُعَانَقَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقِيَامِ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فِي الْمِصْرِ الَّذِي قَدْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ وَاَلَّذِي لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ الْمَجِيءُ إلَيْهِ فَمَحَلُّ نَظَرٍ.
فَأَمَّا الْحَاضِرُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ مَجِيئُهُ فِي الْأَيَّامِ كَإِمَامِ الْمَسْجِدِ، أَوْ السُّلْطَانِ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ الْعَالِمِ فِي مَقْعَدِهِ فَاسْتِحْبَابُ الْقِيَامِ لَهُ خَطَأٌ بَلْ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الصَّوَابُ، هَذَا كَلَامُهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ لَمَّا قَامُوا خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: «لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا يُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» انْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَمَّا الْقِيَامُ لِمَصْلَحَةٍ وَفَائِدَةٍ كَقِيَامِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَرْفَعُ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الْبَيْعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيَامِ أَبِي بَكْرٍ يُظِلُّهُ مِنْ الشَّمْسِ فَمُسْتَحَبٌّ.
وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ وَقَالَ عَنْ الْأَنْبَارِ وَالْأَعَاجِمِ: الْقِيَامُ عَلَى رُءُوسِهِمْ شَدِيدُ الْكَرَاهِيَةِ قَالَ: فَأَمَّا وُقُوفُ مَنْ يَذْهَبُ فِي شُغْلٍ وَيَعُودُ كَقِيَامِ الْحُجَّابِ وَالْمُسْتَخْدِمِينَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَتَقَدَّمُ فِي الْأَشْغَالِ وَيَتَرَدَّدُ فِيهَا وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ مَعْنًى ظَاهِرٌ وَسَتَأْتِي نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بَعْضُهَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مُوَافَقَةُ الْأَصْحَابِ وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ إلَّا لِلْوَالِدَيْنِ، وَبَعْضُهَا يُكْرَهُ إلَّا لِقَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامُوا لَهُ فَقَالَ: لَا تَقُومُوا لِأَحَدٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَرَجَ لَا يَقُومُونَ لَهُ لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ. وَهَذَا كَانَ شِعَارَ السَّلَفِ ثُمَّ صَارَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ لِذَلِكَ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ لِمَنْ يَصْلُحُ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: يَنْبَغِي تَرْكُ الْقِيَامِ فِي اللِّقَاءِ الْمُتَكَرِّرِ الْمُعْتَادِ لَكِنْ إذَا اعْتَادَ النَّاسُ الْقِيَامَ وَقَدِمَ مَنْ لَا يَرَى كَرَامَتَهُ إلَّا بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
стр. 407
فَالْقِيَامُ دَفْعًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْفَسَادِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ الْمُفْضِي إلَى الْفَسَادِ وَيَنْبَغِي مَعَ هَذَا أَنْ يَسْعَى فِي الْإِصْلَاحِ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لِمَالِكٍ فَالرَّجُلُ يَقُومُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْفَضْلُ وَالْفِقْهُ قَالَ أَكْرَهُ ذَلِكَ. وَصَحَّ عَنْهُ ﵇. قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا» وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ " شَرَفَ كَبِيرِنَا " وَلِلتِّرْمِذِيِّ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَعَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ الْخَيْرِ الزِّيَادِيُّ عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ عُبَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (الزَّبَادِيُّ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تَحْتُ وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا كَافٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ،» وَسَيَأْتِي فِي أَهْلِ الْقُرْآنِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْقِيَامُ لَهُ وَإِنَّمَا فِيهِ إكْرَامُهُ وَتَوْقِيرُهُ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَوْقِيرِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ وَالنَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَةُ وَالْفَاضِلُ وَالْعَالِمُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَجَاءَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ وَكَانَ مَجْرُوحًا فَقَالَ: قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» وَفِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ لَهُ بِهِ إلَيْهِ لِتَلَقِّيهِ لِضَعْفِهِ وَجِرَاحَتِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَرَكَضَ رَجُلٌ إلَى فَرَسِي وَسَعَى سَاعٍ قِبَلِي فَأَوْفَى عَلَى الْحَبْلِ فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْت صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْت لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ وَاَللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ يَعْنِي مِنْ الثِّيَابِ وَاسْتَعَرْت ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا.
стр. 408
وَانْطَلَقْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْك، حَتَّى دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاَللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَوَائِدُ وَآدَابٌ كَثِيرَةٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيِّ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ فَذَكَرَهُ، وَلَفْظُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا سَقَى قَالَ: ابْدَءُوا بِالْكُبَرَاءِ أَوْ الْأَكَابِرِ» وَذَكَرَهُمَا فِي الْمُخْتَارَةِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ إنَّمَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِدَرْبِ الرُّومِ فَسَمِعَ مِنْهُ أَهْلُ الشَّامِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كُتُبِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مَرْفُوعًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْقِيَامِ فِي السَّلَامِ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ إذَا لَمْ يَقْدَمْ مِنْ سَفَرٍ أَنْ يَقُومَ كَذَا إلَى الرَّجُلِ فَيُعَانِقُهُ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَامَ يَعْنِي الرَّجُلَ حَتَّى يُجِلَّهُ لِكَبَرِهِ فَأَقُولُ لَهُ إمَّا أَنْ تَقْعُدَ وَإِمَّا أَنْ أَقُومَ فَقَالَ: إذَا كَانَ لِكِبَرِهِ أَوْ لِكَذَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ: «الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا» قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا مَعْنَى الْحَدِيثِ «لَا يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ» قَالَ إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الدُّنْيَا مِثْلُ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ فَلَا يُعْجِبُنِي مِنْ الْأَدَبِ لِلْخَلَّالِ ثُمَّ رَوَى الْخَلَّالُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ بَنُو آدَمَ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَقَالَ حَنْبَلٌ قُلْت لِعَمِّي تَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُومَ لِلرَّجُلِ إذَا رَآهُ قَالَ: لَا يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ إلَّا الْوَلَدُ لِوَالِدِهِ أَوْ لِأُمِّهِ، فَأَمَّا لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ فَلَا، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي» .
إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ إذَا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ قَامُوا لِلصَّلَاةِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرَّجُلُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَقَالَ مُثَنَّى إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي الْمُعَانَقَةِ؟ وَهَلْ يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ فِي السَّلَامِ
стр. 409
إذَا رَآهُ؟ قَالَ لَا يَقُومُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ، وَأَمَّا إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ عَلَى التَّدَيُّنِ يُحِبُّهُ فِي اللَّهِ أَرْجُو، لِحَدِيثِ جَعْفَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» .
وَنَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّ أَبَا إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيَّ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ جَاءَ إلَى أَحْمَدَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ وَثَبَ إلَيْهِ وَقَامَ إلَيْهِ قَائِمٌ وَأَكْرَمَهُ، فَلَمَّا أَنْ مَشَى قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: يَا أَبَتِ أَبُو إبْرَاهِيمَ شَابٌّ وَتَعْمَلُ بِهِ هَذَا وَتَقُومُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ لَا تُعَارِضْنِي فِي مِثْلِ هَذَا أَلَا أَقُومُ إلَى ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؟ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَخْضَرِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ) ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَقَوْلَهُ ﵇ لِلْأَنْصَارِ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الصَّحِيحِ.
ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ يَسَارٍ قَالَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَنْبَأَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا وَقَالَ الْحَسَنُ حَدِيثًا وَكَلَامًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ كَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا. إسْنَادٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ (بَابٌ فِي قُبْلَةِ مَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ) .
ثُمَّ رُوِيَ مِنْ رِوَايَةِ أَجْلَحَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا (بَابٌ فِي قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ) ثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ
стр. 410
ثَنَا حَمَّادُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى مَا إذَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَأَلْزَمَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْكِبْرِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي الْعَدَبَّسِ عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا فَقُمْنَا إلَيْهِ فَقَالَ: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . أَبُو الْعَدَبَّسِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَفَرَّدَ عَنْهُ أَبُو الْعَدَبَّسِ وَأَبُو غَالِبٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَمَنَعَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْقِيَامَ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَعَنْ عُبَادَةَ قَالَ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ لَا يُقَامُ لِي إنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ » رَوَاهُ أَحْمَدُ.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُد ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ عُبَادَةَ، فَذِكْرُهُ الرَّجُلَ مَجْهُولٌ وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ وَائِلَةَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَحَابِيٌّ سَكَنَ دِمَشْقَ قَالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فَتَحَرَّكَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ فِي الْمَكَانِ سَعَةً فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُسْلِمِ حَقٌّ» حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ثَنَا
стр. 411
مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُكْرِمَ الْقَاصِدَ إلَيْهِ إذَا كَانَ كَرِيمَ قَوْمٍ أَوْ عَالِمَهُمْ أَوْ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْبِرَّ مِنْهُمْ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِلرَّئِيسِ وَغَيْرِهِ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ الْقِيَامَ إلَيْهِ أَوْ يَرْضَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُنَا: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ فَحَدَّثَنَا يَوْمًا فَقُمْنَا حِينَ قَامَ فَنَظَرْنَا إلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا فَالْتَفَتَ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّك لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِك وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيك فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، لَا أَحْمِلُ لَك حَتَّى تُقَيِّدَنِي مِنْ جَبْذِك الَّذِي جَبَذْتنِي فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَاَللَّهِ لَا أُقَيِّدُكَهَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرًا ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ تَفَرَّدَ عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ بَعْضَهُ.
وَفِيهِ فَهَمُّوا بِهِ فَقَالَ " دَعُوهُ " وَكَانَتْ يَمِينُهُ أَنْ يَقُولَ " لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ".
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ (بَابُ الْقِيَامِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ) ثُمَّ ذَكَرَ قِيَامَ طَلْحَةَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَوْلُهُ ﵇: لَمَّا جَاءَ سَعْدٌ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَعْلَمُ فِي قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ حَدِيثًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ: وَقَدْ احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِيَامِ وَاحْتَجَّ بِهِ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ
стр. 412
الْحَافِي الزَّاهِدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ وَالْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَآخَرُونَ لَا يُحْصَوْنَ.
أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَجْلَسَهُ عَلَى بَعْضِ ثَوْبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ أُمُّهُ فَوَضَعَ شِقَّ ثَوْبِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْآخَرِ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ» . مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا قَامَ إلَيْهِ فَرِحًا بِقُدُومِهِ» .
وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا.
وَعَنْ «جَرِيرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَلْقَى لَهُ كِسَاءَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الْأَحْمَسِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ الشَّعْبِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ: قَامَ وَكِيعٌ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قِيَامَهُ لَهُ فَقَالَ لَهُ وَكِيعٌ: أَنْتَ حَدَّثْتنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ «إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إجْلَالَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» فَأَخَذَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إلَى جَانِبِهِ.
وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ الْحَافِظُ أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو نُعَيْمِ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ لَا يَقُومُ لِأَحَدٍ وَلَا يُجْلِسُ أَحَدًا فِي مَكَانِهِ إلَّا ابْنُ دَارِهِ فَإِنِّي رَأَيْته يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» . وَيَأْتِي فِي الْمُصَالَحَةِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي بَابِ الضَّرِيرِ يُوَلَّى مِنْ كِتَابِ الْإِمَارَةِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 413
كَانَ يَقُومُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ كُلَّمَا أَقْبَلَ وَيَقُولُ مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي » ذَكَرَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ الْخَطَّابِيِّ ذَلِكَ سِوَى الْقِيَامِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ لَك حَاجَةٌ؟» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا صَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى مَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ كِدْتُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ تَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ» .
стр. 414
[فَصْلٌ فِي اسْتِحْبَابِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ]
فَصْلٌ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَحْكَامِهِ الْمُنْتَقَى عَنْ قِيَامِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ. لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي ذَمِّهِ لِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الرَّئِيسِ الرِّجَالَ عَلَى رَأْسِهِ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ وَمَوَاطِنِ الْحُرُوبِ جَائِزٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُوفًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَصَدَ بِهِ الْكِبْرَ وَهُوَ مَذْهَبُ النَّحْوِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَقْصُودٍ شَرْعِيٍّ لَا بَأْسَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي إكْرَامِ كَرِيمِ الْقَوْمِ كَالشُّرَفَاءِ وَإِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ]
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» قَالَ: نَعَمْ هَكَذَا يُرْوَى قُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ السُّوءُ وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي هَذَا وَاحِدٌ قَالَ: لَا قُلْت: فَإِنْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يُكْرِمُهُ، قَالَ: لَا، وَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ حَضَرَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمَعَهُ إبْرَاهِيمُ سِيلَانُ فَرَأَيْته قَدَّمَ الْغُلَامَ، وَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ قَدَّمَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَجَعَلَ الْفَتَى يَمْتَنِعُ، وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِي حَتَّى قَدَّمَهُ.
وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ سَعْدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ أَرْجُو أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ، وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ.
стр. 415
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي إذَا جَاءَ الشَّيْخُ وَالْحَدَثُ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَشْرَافِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ فَيَكُونُوا هُمْ يَتَقَدَّمُونَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْته جَاءَ إلَيْهِ مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَلْقَى لَهُ مِخَدَّةً وَأَكْرَمَهُ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْمِخَدَّةَ مِنْ تَحْتِهِ فَيُلْقِيهَا لَهُ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إعْظَامًا لِإِخْوَانِهِ وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ، لَقَدْ جَاءَهُ أَبُو هَمَّامٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ فَأَخَذَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِالرِّكَابِ وَرَأَيْته فَعَلَ هَذَا بِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْ الشُّيُوخِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ) ثَنَا يَحْيَى بْنُ إسْمَاعِيلَ وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ أَخْبَرَهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» قَالَ أَبُو دَاوُد: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ يَحْيَى مُخْتَصَرٌ.
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ لَيْسَ مِنْ خِيَارِنَا كَمَا قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» كَذَا قَالَ، وَسَبَقَ قَوْلُهُ «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي» .
وَكَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَبَقَ فِي صِحَّةِ تَوْبَةِ غَيْرِ الْعَاصِي كَلَامَ ابْنِ عَقِيلٍ يُوَافِقُ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ مُقْتَضَاهَا التَّحْرِيمُ وَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الصِّيغَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِعِ: ﵊ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ كَذَا» مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ كَبِيرَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ دَعْوَى تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَقَوْلُهُ «يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ.
стр. 416
[فَصْلٌ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ الطِّيبُ وَالْوِسَادَةُ وَاللَّبَنُ]
فَصْلٌ عَنْ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْخُلُ عَلَى أَخِيهِ فَيُلْقِي لَهُ وِسَادَتَهُ إكْرَامًا لَهُ إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ: الطِّيبُ وَالْوِسَادَةُ وَاللَّبَنُ» رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ وَقَدْ «جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَارَتْ الْوِسَادَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي الِاسْتِئْذَانِ فِي الْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ]
قَالَ الْخَلَّالُ: الرَّجُلُ يَسْتَأْذِنُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ عَنْ الْمَجْلِسِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إذَا جَلَسَ رَجُلٌ إلَى قَوْمٍ يَسْتَأْذِنُهُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَالَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ مَا أَحْسَنَهُ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا قَالَ. وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا جَلَسُوا إلَيْهِ فَأَرَادَ الْقِيَامَ اسْتِئْذَانُهُمْ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَكُنْت رُبَّمَا غَمَزْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا فَأَقُولُ قُمْ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَكُنَّا نَقْعُدُ إلَيْهِ كَثِيرًا فَيَقُومُ لَا يَسْتَأْذِنُنَا وَقَالَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَوْ بَيْتِهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ أَصْحَابَهُ أَوْ تَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَقُومَ النَّاسُ) وَذَكَرَ وَلِيمَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى زَيْنَبَ وَجُلُوسَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ وَقَالَ (بَابُ مَنْ اتَّكَأَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ) وَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ عَنْ كَعْبٍ الْإِيَادِيِّ تَفَرَّدَ عَنْهُ تَمَّامٌ قَالَ: كُنْت أَخْتَلِفُ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَامَ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ نَزَعَ نَعْلَهُ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فَعَرَفَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ» .
стр. 417
[فَصْلٌ فِي تَعَلُّمِ الْأَدَبِ وَحُسْنِ السَّمْتِ وَالسِّيرَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالِاقْتِصَادِ]
وَيُسَنُّ أَنْ يُتَعَلَّمَ الْأَدَبُ وَالسَّمْتُ وَالْفَضْلُ وَالْحَيَاءُ وَحُسْنُ السِّيرَةِ شَرْعًا وَعُرْفًا قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا حَسَنٌ ثَنَا زُهَيْرٌ ثَنَا قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» قَابُوسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النُّفَيْلِيِّ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: " الْهَدْيُ السِّيرَةُ وَالْهَيْئَةُ وَالطَّرِيقَةُ " وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ مِنْ شَمَائِلِ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْ جُمْلَةِ خِصَالِهِمْ وَأَنَّهَا جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ أَجْزَاءِ أَفْعَالِهِمْ.
وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ النُّبُوَّةَ تَتَجَزَّأُ وَلَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِلَالَ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَلَا مُجْتَلَبَةٍ بِالْأَسْبَابِ وَإِنَّمَا هِيَ كَرَامَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالنُّبُوَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ وَدَعَتْ إلَيْهِ وَتَخْصِيصُ هَذَا الْعَدَدِ مِمَّا يَسْتَأْثِرُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَعْرِفَتِهِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ «الْقَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ» وَذَكَرَهُ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ «جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَتَرْجَمَ أَبُو دَاوُد عَلَى الْحَدِيثَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ قَوْلَ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا مَشَى كَأَنَّهُ يَتَوَكَّأُ، وَقَوْلَ أَبِي الطُّفَيْلِ كَانَ إذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَهْوِي فِي صَبُوبٍ (بَابٌ فِي هَدْيِ الرَّجُلِ) يُرْوَى صَبُوبٌ بِالْفَتْحِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُصَبُّ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِهِ كَالطَّهُورِ وَالْغَسُولِ، وَبِالضَّمِّ جَمْعُ صَبَبٍ أَيْ فِي مَوْضِعٍ مُنْحَدِرٍ، وَقِيلَ: الصَّبُّ وَالصَّبُوبُ تَصَوُّبُ نَهْرٍ أَوْ طَرِيقٍ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانُوا إذَا أَتَوْا الرَّجُلَ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ نَظَرُوا إلَى سَمْتِهِ وَإِلَى صَلَاتِهِ وَإِلَى حَالِهِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ جَمَاعَةٍ.
стр. 418
وَأَنْ يُحَسِّنَ خُلُقَهُ وَصُحْبَةَ وَالِدَيْهِ وَغَيْرِهِمَا وَأَنْ يَقُولَ مَا وَرَدَ إذَا رَكِبَ دَابَّةً أَوْ غَيْرَهَا أَوْ سَافَرَ أَوْ وَدَّعَ مُسَافِرًا أَوْ يَقُولَ لِلسَّائِلِ رَزَقَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ ذَلِكَ وَرَوَى اللَّفْظَ الْأَوَّلَ عَنْهُ جَعْفَرُ وَالثَّانِيَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لَا تَقُولُوا لِلسَّائِلِ بُورِكَ فِيك فَإِنَّهُ قَدْ يَسْأَلُ الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ وَلَكِنْ قُولُوا رَزَقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ.
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا ذُكِرَ أَحَدٌ عِنْدَهُ فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «ابْدَأْ بِنَفْسِك» وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ الْأَدَبِ: كَتَبَ أَحْمَدُ مَعِي كِتَابًا إلَى رَجُلٍ فَأَمَرَنِي الرَّجُلُ فَقَرَأْته فَكَانَ فِيهِ وَكَفَانَا وَإِيَّاكَ كُلَّ مُهِمٍّ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَهُ «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى» إنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ نَفْسِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَأَنَّ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا الْمُسْتَحَبَّ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ وَإِيثَارُهُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قِيلَ طَالِبُ الْعِلْمِ وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْمُرَادُ بِهِ سَائِلُ الْبِرِّ وَالْمَعْنَى: لَا تَنْهَرْهُ إمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْبَغَوِيُّ: يُقَالُ نَهَرَهُ يَنْتَهِرُهُ إذَا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلَامٍ يَزْجُرُهُ انْتَهَى كَلَامُهُمَا فَهَذَا الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا لَوْ رَدَّهُ بِلِينٍ فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَلَحَّ كَفِعْلِ بَعْضِ السُّؤَالِ سَقَطَ احْتِرَامُهُ وَيُؤَدَّبُ بِلُطْفٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَالْمَصْلَحَةُ ثُمَّ قَدْ يُقَالُ هُوَ أَوْلَى
стр. 419
مِنْ تَرْكِهِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا إنْ قَالَ أَوْ فَعَلَ مَا لَا يَنْبَغِي لِمَا فِيهِ مِنْ زَجْرِهِ وَتَهْذِيبِهِ وَتَقْوِيمِهِ فَهُوَ إحْسَانٌ إلَيْهِ مَعَ إقَامَةِ الشَّرْعِ فِي عُقُوبَةِ الْمُعْتَدِي وَقَدْ يُقَالُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] .
إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ قَصَدَ بَعْضَ الْوُزَرَاءِ فِي حَاجَةٍ لَمْ يَقْضِهَا فَظَهَرَ مِنْهُ ضَجَرٌ فَأَنْشَدَهُ:
لَا يَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مِنْ سَائِلِ ... فَلَخَيْرُ دَهْرِك أَنْ تُرَى مَسْئُولَا
لَا تَجْبَهَنْ بِالرَّدِّ وَجْهَ مُؤَمِّلِ ... فَبَقَاءُ عِزِّك أَنْ تُرَى مَأْمُولَا
تَلْقَى الْكَرِيمَ فَيَسْبِقَنَّكَ بِشْرُهُ ... وَتَرَى الْعُبُوسَ عَلَى اللَّئِيمِ دَلِيلَا
وَاعْلَمْ بِأَنَّك عَنْ قَلِيلٍ صَائِرُ ... خَبَرًا فَكُنْ خَبَرًا يَرُوقُ جَمِيلَا
وَيَقُولُ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك وَزَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى. وَقَالَ صَالِحٌ لِأَبِيهِ: الْمَرْأَةُ تَقُولُ لِأَبِيهَا: اللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْك قَالَ لَوْ اسْتَوْدَعْته اللَّهَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، فَأَمَّا خَلِيفَتِي فَمَا أَدْرِي. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . فِي حَوَاشِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى قَالَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَدَّعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حِينَ أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى بَابِلَ فَقَالَ: لَا جَعَلَهُ اللَّهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنَّا وَمِنْك.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ قَالَ «اسْتَأْذَنْت النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ وَقَالَ: لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مِنْ دُعَائِك فَقَالَ: كَلِمَةٌ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا.» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «أَشْرِكْنَا يَا أَخِي فِي دُعَائِك» .
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَزَادَ: " عَلَى وَلَدِهِ " وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ لِوَلَدِهِ وَأَبُو جَعْفَرٍ تَفَرَّدَ عَنْهُ يَحْيَى.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ»
стр. 420
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَعِنْدَهُ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ قَالَ: " مِنْ الْمَاءِ ".
وَرَوَى أَحْمَدُ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذَا رَأَيْتُك طَابَتْ نَفْسِي، وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أُوَدِّعُك كَمَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَدِّعُنَا فَيَقُولُ: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك وَأَمَانَتَك وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ الصَّحَابِيِّ ﵁.
وَالْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ هَاهُنَا أَهْلُهُ وَمَنْ يَخْلُفُهُ مِنْهُمْ وَمَالُهُ الَّذِي يُودِعُهُ وَيَسْتَحْفِظُهُ أَمِينَهُ وَوَكِيلَهُ، وَجَرَى ذِكْرُ الدِّينِ مَعَ الْوَدَائِعِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإِهْمَالِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ فَدَعَا لَهُ بِالْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ فِيهَا. ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. «وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي قَالَ: زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى قَالَ: زِدْنِي قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ قَالَ: زِدْنِي قَالَ: وَيَسَّرَ لَك الْخَيْرَ حَيْثُ مَا كُنْت.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ: إذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ إلَى سَفَرٍ فَلْيُوَدِّعْ إخْوَانَهُ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي دُعَائِهِمْ بَرَكَةً قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: السُّنَّةُ إذَا قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ سَفَرٍ أَنْ يَأْتِيَهُ إخْوَانُهُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَأْتِيَهُمْ فَيُوَدِّعُهُمْ وَيَغْنَمُ دُعَاءَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ:
فِرَاقُك مِثْلُ فِرَاقِ الْحَيَاةِ ... وَفَقْدُك مِثْلُ افْتِقَادِ الدِّيَمِ
وَقِيلَ:
عَلَيْك السَّلَامُ فَكَمْ مِنْ وَفَا ... أُفَارِقُ مِنْك وَكَمْ مِنْ كَرَمْ
стр. 421
وَقِيلَ:
لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ مَوْقِفَهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا وَالرِّكَابُ وَاقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هَكَذَا وَتَنْطَلِقُ
وَقِيلَ:
لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْفِرَاقِ وَإِنْ كَانَ ... أَخُو الْوَجْدِ وَالِهًا كَلِفَا
أَحْرَقَ مِنْ وَقْفَةِ الْمُشَيِّعِ لِلْقَلْبِ ... يُرِيدُ الرُّجُوعَ مُنْصَرِفَا
وَقِيلَ:
أَقُولُ لَهُ حِينَ وَدَّعْته ... وَكُلٌّ بِعَبْرَتِهِ مُفْلِسُ
لَئِنْ رَجَعَتْ عَنْك أَجْسَامُنَا ... لَقَدْ سَافَرَتْ مَعَك الْأَنْفُسُ
وَقِيلَ:
يَا رَاحِلَ الْعِيسِ عَرِّجْ بِي أُوَدِّعْهُمْ ... يَا رَاحِلَ الْعِيسِ فِي تَرْحَالِكَ الْأَجَلُ
إنِّي عَلَى الْعَهْدِ لَمْ أَنْقُضْ مَوَدَّتَهُمْ ... يَا لَيْتَ شِعْرِي لِطُولِ الْعَهْدِ مَا فَعَلُوا
صَاحَ الْغُرَابُ بِوَشْكِ الْبَيْنِ فَارْتَحَلُوا ... وَقَرَّبُوا الْعِيسَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَاحْتَمَلُوا
وَغَادَرُوا الْقَلْبَ مَا تَهْدَا لَوَاعِجُهُ ... كَأَنَّهُ بِضِرَامِ النَّارِ يَشْتَعِلُ
وَفِي الْجَوَانِحِ نَارُ الْحُبِّ تَقْدَحُهَا ... أَيْدِي النَّوَى بِزِنَادِ الشَّوْقِ إذْ رَحَلُوا
وَقِيلَ:
أُهْدِي إلَيْهِ سَفَرْجَلًا فَتَطَيَّرَا ... مِنْهُ وَظَلَّ مُفَكِّرًا مُتَحَيِّرَا
خَوْفَ الْفِرَاقِ لِأَنَّ شَطْرَ هِجَائِهِ ... سَفَرٌ وَحُقَّ لَهُ بِأَنْ يَتَطَيَّرَا
وَدَّعَ أَعْرَابِيٌّ رَجُلًا فَقَالَ: كَبَتَ اللَّهُ لَك كُلَّ عَدُوٍّ إلَّا نَفْسَك، وَجَعَلَ خَيْرَ عَمَلِك مَا وَلِيَ أَجَلَك قَالَ الشَّاعِرُ:
وَكُلُّ مُصِيبَاتِ الزَّمَانِ وَجَدْتهَا ... سِوَى فُرْقَةِ الْأَحْبَابِ هَيِّنَةَ الْخَطْبِ
стр. 422
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] . اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مَعْنَى مُقْرِنِينَ (مُطِيقِينَ) .
وَاحْتَجَّ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَلَى كَرَاهَةِ أَوَّلِ اللَّيْلِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ «لَا تُرْسِلُوا مَوَاشِيَكُمْ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» وَقَالَ: (بَابٌ فِي أَيِّ يَوْمٍ يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ؟) وَذَكَرَ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ» ، وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ» وَقَالَ: (بَابٌ فِي الِابْتِكَارِ فِي السَّفَرِ) وَذَكَرَ حَدِيثَ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُمَا جَيِّدٌ، وَفِيهِمَا ابْنُ عَجْلَانَ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي أَحْكَامِهِ (بَابُ وُجُوبِ نَصْبِهِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ وَغَيْرِهِمَا) وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ.
وَقَالَ حَفِيدُ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ فَأَوْجَبَ ﷺ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَوُجُوبُ هَذَا يُخَرَّجُ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ (أَشْهَرُهُمَا)
стр. 423
يَجِبُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْجُيُوشِ وَالرُّفَقَاءِ وَالسَّرَايَا) وَذَكَرَ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورَ خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ.
قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ طُرُوقًا قَالَ: نَعَمْ يُؤْذِنُهُمْ قِيلَ بِكِتَابٍ قَالَ: نَعَمْ» وَهَذَا الْخَبَرُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي آخِرِهِ كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ، وَفِي مُسْلِمٍ يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ.
. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَطَالَ الرَّجُلُ الْغَيْبَةَ أَنْ يَجِيءَ أَهْلَهُ طُرُوقًا» .
وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ لَيْلًا، يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَتَاك لَيْلًا طَارِقٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] . أَيْ النَّجْمِ لِأَنَّهُ يَطْرُقُ بِطُلُوعِهِ لَيْلًا، وَقَوْلُهُ تَسْتَحِدَّ أَيْ تُصْلِحَ مِنْ شَأْنِ نَفْسِهَا، وَالِاسْتِحْدَادُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَدِيدِ وَمَعْنَاهُ الِاحْتِلَاقُ بِالْمُوسَى، يُقَالُ: اسْتَحَدَّ الرَّجُلُ إذَا احْتَلَقَ بِالْحَدِيدِ، وَاسْتَبَانَ مَعْنَاهُ إذَا حَلَقَ عَانَتَهُ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ مَنْ يَعْمَلُهُ طَلَبًا لِلْعَثَرَاتِ حَرُمَ لِأَنَّهُ مِنْ التَّجَسُّسِ، وَإِلَّا كَرُهَ. وَإِنَّمَا خَصَّ ﵇ اللَّيْلَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ يُؤْذِنُهُمْ بِكِتَابٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ يَدْخُلُ نَهَارًا وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ ذَكَرْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَجُلًا مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، فَقَالَ: إنَّمَا أَنْكَرْت عَلَيْهِ أَنْ لَيْسَ زِيُّهُ زِيَّ النُّسَّاكِ.
стр. 424
[فَصْلٌ فِيمَا يُسْتَحَبُّ فِي السَّفَرِ وَالْعَوْدِ مِنْهُ مِنْ ذِكْرٍ وَعَمَلٍ]
عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ إذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ» فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ. إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِحَيْثُ لَا يُضَيِّقُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد (بَابُ مَا يُؤْمَرُ مِنْ انْضِمَامِ الْعَسْكَرِ) ثُمَّ رَوَى بَعْدَ هَذَا الْخَبَرِ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَسِيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ اللَّخْمِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «غَزَوْت مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ» إسْمَاعِيلُ حَدِيثُهُ حَسَنٌ عَنْ الشَّامِيِّينَ وَأُسِيدُ مِنْ الرَّمْلَةِ وَسَهْلٌ رَوَى عَنْهُ أَئِمَّةٌ وَهُوَ فِي ثِقَاتِ ابْنِ حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ.
وَالْمُرَادُ لَا جِهَادَ لَهُ كَامِلٌ لِفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الْأَرْضُ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا سِرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَمْكِنُوا الرِّكَابَ أَسْنَانَهَا وَلَا تُجَاوِزُوا الْمَنَازِلَ، وَإِذَا سِرْتُمْ فِي الْجَدْبِ فَاسْتَجِدُّوا وَعَلَيْكُمْ بِالدَّلْجِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ، وَإِذَا تَغَوَّلَ لَكُمْ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ وَإِيَّاكُمْ وَالصَّلَاةَ عَلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ وَالنُّزُولَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مَأْوَى الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ وَقَضَاءَ الْحَاجَةِ فَإِنَّهَا الْمَلَاعِنُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا.» وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا إذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ» . إسْنَادُهُمَا جَيِّدٌ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
стр. 425
وَقَدْ وَرَدَ التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ (بَابُ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ) وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ «قُلْت لِلنَّبِيِّ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَك؟ قَالَ: لَا قُلْت: اللَّهُ أَكْبَرُ.» وَقَوْلَ أُمِّ سَلَمَةَ «اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ» «وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْصَارِيَّيْنِ: إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ» .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِالصِّبْيَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مَرَّةً مِنْ سَفَرِهِ فَسَبَقَ بِي إلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ إمَّا حَسَنٌ وَإِمَّا حُسَيْنٌ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِي رُكُوبِ ثَلَاثَةٍ عَلَى دَابَّةٍ) .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ» وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ» .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ عَنْ زَاذَانَ قَالَ: «رَأَى عَلِيٌّ ثَلَاثَةً عَلَى بَغْلٍ فَقَالَ: لِيَنْزِلْ أَحَدُكُمْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الثَّالِثَ» . إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ تَطُقْ الثَّلَاثَةَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ ﵂.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرٍ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، نَهْمَتُهُ مَقْصُودُهُ.
следующие страницы →