Полный текст (1 529 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ السَّفَرْجَلِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحِ]
) سَبَقَ الْكَلَامُ فِي السَّنَا وَالسَّنُّوتِ فِي فَصْلٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَالْكَلَامُ فِي السَّمْنِ فِي كَلَامٍ عَلَى الْجُبْنِ.
وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ شَرْعًا فِيهِ فَوَائِدُ طِبِّيَّةٌ بَعْضُهَا مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ فِي بَابِ السِّوَاكِ وَأَمَّا السَّفَرْجَلُ فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ عَنْ نَقِيبِ بْنِ حَاجِبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ «دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِيَدِهِ سَفَرْجَلَةٌ فَقَالَ دُونَكَهَا يَا طَلْحَةُ، فَإِنَّهَا تُجِمُّ الْفُؤَادَ» إسْنَادٌ مَجْهُولٌ نَقِيبٌ تَفَرَّدَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ وَتَفَرَّدَ نَقِيبٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَتَفَرَّدَ أَبُو سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ عَائِشَةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ الطَّلْحِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ.
وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّلْحِيُّ عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّلْحِيِّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّلْحِيِّ: عَامَّةُ أَحَادِيثِهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ السَّدُوسِيُّ فِي أَحَادِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا رَوَاهَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عِنْدِي صِحَاحٌ.
وَالسَّفَرْجَلُ جَيِّدٌ لِلْمَعِدَةِ وَمَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ جُرْمِهِ فِي تَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ وَالْحُلْوُ مِنْهُ بَارِدٌ رَطْبٌ وَقِيلٌ: مُعْتَدِلٌ يَسُرُّ النَّفْسَ وَيُدِرُّ، وَالْحَامِضُ أَشَدُّ قَبْضًا وَيُبْسًا وَبَرْدًا وَأَكْلُهُ يُسَكِّنُ الْعَطَشَ وَالْقَيْءَ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيَنْفَعُ مِنْ قُرْحَةِ الْأَمْعَاءِ
стр. 947
وَنَفْثِ الدَّمِ وَالْهَيْضَةِ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْغَثَيَانِ، وَيَمْنَعُ مِنْ تَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ الطَّعَامِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أُكِلَ عَلَى الطَّعَامِ أَطْلَقَ وَقَبْلَهُ يُمْسِكُ قَالَ بَعْضهمْ: إذَا أُكِلَ بَعْدَ الطَّعَامِ أَسْرَعَ بِانْحِدَارِ التُّفْلِ، وَالْحَامِضُ مِنْهُ أَبْلَغُ وَيُطْفِئُ الْمُرَّةَ الصَّفْرَاءَ الْمُتَوَلِّدَةَ فِي الْمَعِدَةِ وَرَائِحَتُهُ تُقَوِّي الدِّمَاغَ وَالْقَلْبَ وَالْإِكْثَارُ مِنْ أَكْلِهِ يُوَلِّدُ وَجَعَ الْعَصَبِ وَالْقُولَنْجِ، وَإِنْ شُوِيَ كَانَ أَقَلَّ لِخُشُونَتِهِ، وَأَخَفُّ وَأَجْوَدُ مَا أُكِلَ مَشْوِيًّا أَوْ مَطْبُوخًا بِالْعَسَلِ، وَحَبُّهُ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الْحَلْقِ وَقَصَبَةِ الرِّئَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَدُهْنُهُ يَمْنَعُ الْعَرَقَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ، وَيَشُدُّ الْقَلْبَ وَيُطَيِّبُ النَّفَسَ.
وَمَعْنَى " تُجِمُّ الْفُؤَادَ " تُرِيحُهُ وَقِيلَ: تَفْتَحُهُ وَتُوَسِّعُهُ مِنْ جُمَامِ الْمَاءِ وَهُوَ اتِّسَاعُهُ وَكَثْرَتُهُ، وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ السَّفَرْجَلِ «فَإِنَّهَا تَشُدُّ الْقَلْبَ وَتُطَيِّبُ النَّفَسَ وَتُذْهِبُ بِطَخَاءِ الصَّدْرِ» . وَالطَّخَاءُ لِلْقَلْبِ مِثْلُ الْغَيْمِ عَلَى السَّمَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الطَّخَاءُ بِالْمَدِّ ثِقَلٌ وَغُثَاءٌ، تَقُولُ مَا فِي السَّمَاءِ طَخَاءٌ أَيْ سَحَابٌ وَظُلْمَةٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ وَجَدْت عَلَى قَلْبِي طَخَاءً وَهُوَ شِبْهُ الْكَرْبِ قَالَ اللِّحْيَانِيُّ مَا فِي السَّمَاءِ طُخْيَةٌ بِالضَّمِّ أَيْ شَيْءٌ مِنْ سَحَابٍ قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ الطُّخْرُورِ وَالطَّخْيَاءِ مَمْدُودٌ اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ وَظَلَامٌ طَاخٌ وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ طَخْيَاءَ لَا تُفْهَمُ.
قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: وَالْكُمَّثْرَى قَرِيبٌ مِنْ السَّفَرْجَلِ وَهُوَ مُعْتَدِلٌ أَكْثَرُ الْفَوَاكِهِ غِذَاءً وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيَقْطَعُ الْعَطَشَ وَأَكْلُهُ بَعْدَ الْغِذَاءِ يَمْنَعُ الْبُخَارَ أَنْ يَرْتَقِيَ إلَى الرَّأْسِ بِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ مَنْعُ فَسَادِ الطَّعَامِ فِي الْمَعِدَةِ وَيُحْدِثُ الْقُولَنْجَ، وَيَضُرُّ بِالْمَشَايِخِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْكَلَ عَلَى طَعَامٍ غَلِيظٍ وَلَا يُشْرَبُ فَوْقَهُ الْمَاءُ وَيُؤْكَلُ بَعْدَهُ المتجرنات الْحَارَّةُ.
وَأَمَّا التُّفَّاحُ فَقَالَ اللَّيْثُ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَكْرَهُ أَكْلَ التُّفَّاحِ وَسُؤْرَ الْفَارِ، وَيَقُولُ: إنَّهُ يُنْسِي، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ، وَيَقُولُ: إنَّهُ يُذَكِّي.
وَقَالَ صَاحِبُ الْأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ: التُّفَّاحُ بَارِدٌ يَابِسٌ فِي الْأُولَى خَاصِّيَّتُهُ عَظِيمَةٌ فِي تَفْرِيحِ الْقَلْبِ وَقَالَ غَيْرُهُ: التُّفَّاحُ بَارِدٌ رَدِيءٌ لِلْمَعِدَةِ يُوَافِقُ مَنْ مِزَاجُهُ حَارٌّ، وَمِنْ
стр. 948
خَوَاصِّهِ تَقْوِيَةُ الْقَلْبِ وَإِيرَاثُ النِّسْيَانِ الشَّدِيدِ.
وَقَالَ ابْن جَزْلَةَ الْحَامِضُ بَارِدٌ غَلِيظٌ وَالْحُلْوُ أَمْيَلُ إلَى الْحَرَارَةِ وَهُوَ يُقَوِّي الْقَلْبَ وَيُقَوِّي ضَعْفَ الْمَعِدَةِ وَالْمَشْوِيُّ مِنْهُ فِي الْعَجِينِ نَافِعٌ لِقِلَّةِ الشَّهْوَةِ وَالْفَجُّ مِنْهُ يُوَلِّدُ الْعُفُونَاتِ وَالْحُمَّيَاتِ وَإِدْمَانُ أَكْلِهِ يُحْدِثُ وَجَعَ الْعَصَبِ وَخُصُوصًا الْحَامِضَ، وَيَدْفَعُ ضَرَرَهُ جوارش النُّعْنُعِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: التُّفَّاحُ جَيِّدٌ لِفَمِ الْمَعِدَةِ غَيْرَ أَنَّهُ يَمْلَأُ الْمَعِدَةَ لُزُوجَاتٍ، وَلَعَلَّ الَّذِي يُوَرِّثُ النِّسْيَانَ الْحَامِضُ لَا الْحُلْوُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِير فِي النِّهَايَةِ: وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ «أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إلَى الْأُتْرُجِّ وَالْحَمَامِ الْأَحْمَرِ» قَالَ مُوسَى: قَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ: هُوَ التُّفَّاحُ الْأَحْمَرُ وَهَذَا التَّفْسِيرُ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
стр. 949
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ السِّلْقِ]
ِ) سَبَقَ فِي الْحِمْيَةِ حَدِيثٌ فِي السِّلْقِ وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الْأُولَى وَقِيلَ: رَطْبٌ وَقِيلَ: مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا وَفِيهِ بِوَرَقِيَّةِ تلطفة وَتَحْلِيلٌ وَتَفْتِيحٌ، فِي الْأَسْوَدِ مِنْهُ قَبْضٌ، وَيَنْفَعُ مِنْ دَاءِ الثَّعْلَبِ وَالْكَلَفِ وَالْحِزَازِ وَالثَّآلِيلِ إذَا طُلِيَ بِمَائِهِ، وَيَقْتُلُ الْقُمَّلَ وَيُطْلَى بِهِ الْقُوبَا مَعَ الْعَسَلِ، وَيَفْتَحُ سُدَدَ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ. وَأَسْوَدُهُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَدَسِ. وَالْأَبْيَضُ يُلَيِّنُ مَعَ الْعَدَسِ وَيُحْقَنُ بِمَائِهِ لِلْإِسْهَالِ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْقُولَنْجِ مَعَ الْمَرِيِّ وَالتَّوَابِلِ. وَالسِّلْقُ قَلِيلُ الْغِذَاءِ رَدِيءُ الْكَيْمُوسِ يُحْرِقُ الدَّمَ وَيُصْلِحُهُ الْخَلُّ وَالْخَرْدَلُ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُوَلِّدُ الْقَبْضَ وَالنَّفْخَ.
стр. 950
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ السَّمَكِ]
ِ) قَدْ وَرَدَ ذِكْرُ السَّمَكِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَجْوَدُهُ مَا لَذَّ طَعْمُهُ وَطَابَ رِيحُهُ وَتَوَسَّطَ مِقْدَارُهُ رَقِيقُ الْقِشْرِ لَا صُلْبَ اللَّحْمِ وَلَا يَابِسَهُ وَكَانَ فِي مَاءٍ عَذْبٍ جَارٍ عَلَى حَصْبَاءَ يَغْتَذِي بِنَبَاتِ لَا قَذَرَ فِيهِ. وَأَصْلَحُ أَمَاكِنِهِ مَا كَانَ فِي نَهْرٍ جَيِّدِ الْمَاءِ وَكَانَ يَأْوِي الْأَمَاكِنَ الصَّخْرِيَّةَ ثُمَّ الرَّمْلِيَّةَ. وَالْمِيَاهَ الْعَذْبَةَ الْجَارِيَةَ لَا قَذَرَ فِيهَا وَلَا حَمْأَةَ، الْكَثِيرَةَ الِاضْطِرَابِ وَالْمَوْجِ الْمَكْشُوفَةَ لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ. وَالسَّمَكُ الْبَحْرِيُّ فَاضِلٌ مَحْمُودٌ لَطِيفٌ.
وَالطَّرِيُّ مِنْ السَّمَكِ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الثَّانِيَةِ عَسِرُ الِانْهِضَامِ يُخَصِّبُ الْبَدَنَ وَيُسَمِّنُهُ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ مُعَطِّشٌ، يُرْخِي الْعَصَبَ وَيُوَرِّثُ غِشَاوَةَ الْعَيْنِ، رَدِيءٌ لِلْقُولَنْجِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَارِدَةِ صَالِحٌ لِلْمَعِدَةِ الْحَارَّةِ وَأَصْحَابِ الصَّفْرَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ بِئْسَ الْغِذَاءُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ اللُّزُوجَاتِ الرَّدِيئَةِ تَتَوَلَّدُ مِنْهُ صُنُوفُ الْأَمْرَاضِ، وَالسَّمَكُ يُوَلِّدُ بَلْغَمًا كَثِيرًا مَائِيًّا قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا الْبَحْرِيَّ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَإِنَّهُ يُوَلِّدُ خَلْطًا مَحْمُودًا. وَأَمَّا الْمَالِحُ فَأَجْوَدُهُ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالتَّمْلِيحِ، وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ وَكُلَّمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ ازْدَادَ حَرُّهُ، وَيَبْسُهُ، يُذِيبُ الْبَلَاغِمَ وَيُحْدِثُ الْبَهَقَ الْأَسْوَدَ، وَيُصْلِحُهُ السَّعْتَرُ وَالْكَرَاوْيَا وَبَعْدَهُ الْحُلْوُ وَالدُّهْنُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ إلَّا الْقَلِيلُ مَعَ الْأَغْذِيَةِ الدَّسِمَةِ.
وَالْجَرِّيُّ ضَرْبٌ مِنْ السَّمَكِ لَا يَأْكُلهُ الْيَهُودُ كَثِيرُ اللُّزُوجَةِ وَهُوَ طَرِيٌّ
стр. 951
مُلَيِّنٌ لِلْبَطْنِ، وَأَكْلُ الْمَالِحِ مِنْهُ الْعَتِيقُ يُصَفِّي قَصَبَةَ الرِّئَةِ وَيُجَوِّدُ الصَّوْتَ، وَإِذَا دُقَّ وَوُضِعَ مِنْ خَارِجٍ أَخْرَجَ السَّلَى وَالْفُضُولَ مِنْ عُمْقِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ لَهُ قُوَّةً جَاذِبَةً. وَمَاءُ مِلْحِ الْجَرِّيِّ الْمَالِحِ إذَا جَلَسَ مَنْ بِهِ قُرْحَةُ الْأَمْعَاءِ مِنْ ابْتِدَاءِ الْعِلَّةِ وَافَقَهُ بِجَذْبِ الْمَوَادِّ إلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَإِذَا احْتُقِنَ بِهِ أَبْرَأَ مِنْ عِرْقِ النَّسَا، وَأَجْوَدُ مَا فِي السَّمَكَةِ مَا قَرُبَ مِنْ مُؤَخِّرِهَا.
стр. 952
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الشَّعِيرِ]
ِ) تَقَدَّمَ فِي الْحِمْيَةِ حَدِيثُ الشَّعِيرِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ وَمَاءِ الشَّعِيرِ أَفْضَلُ صِفَتِهِ أَنْ يُؤْخَذُ الشَّعِيرُ الْحَدِيثُ السَّمِينُ الرَّزِينُ فَيُنْقَعُ وَيُقَشَّرُ وَيُهْرَسُ أَيْ: يُرَضُّ وَيُلْقَى عَلَى كُلِّ صَاعٍ مِنْ الشَّعِيرِ اثْنَا عَشْرَ صَاعًا مِنْ الْمَاءِ الْعَذْبِ الصَّافِي. وَقِيلَ: يُلْقَى عَلَيْهِ عَشْرَةُ آصُعٍ وَيُطْبَخُ بِنَارٍ مُعْتَدِلَةٍ وَيُحَرَّكُ وَتُكْشَطُ رَغْوَتُهُ فَإِذَا نَضِجَ رُفِعَ وَصُفِّيَ. وَقِيلَ: يُلْقَى عَلَى صَاعِ شَعِيرٍ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ مَاءً وَيُطْبَخُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ خُمْسُ مَائِهِ وَيُصَفَّى، وَهُوَ مُبَرِّدٌ مُرَطِّبٌ، وَيَكْسِرُ حِدَةَ الْأَخْلَاطِ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْحُمِّيَّاتِ الْحَادَّةِ وَيُوَلِّدُ دَمًا مُعْتَدِلًا، وَيُسَكِّنُ الْعَطَشَ، وَيَجْلُو، وَيَسْرُعُ نُفُوذُهُ فِي الْأَعْضَاءِ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْمَعِدَةِ وَالْمِعَى بِسُرْعَةٍ، وَتُسْتَفْرَغُ مَعَهُ الْأَخْلَاطُ الْمُحْتَرِقَةُ، وَهُوَ يَضُرُّ بِالْحَشَا الْبَارِدَةِ وَيُنْفَخُ وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْمَعِدَةِ الْبَارِدَةِ، وَيَدْفَعُ ضَرَرَهُ السُّكَّرُ.
стр. 953
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الطِّينِ وَأَنْوَاعِهِ]
ِ) سَبَقَ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالصَّبْرِ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَسَبَقَ ذِكْرُ الصَّبِرِ بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي ذِكْرِ الْحُرْفِ وَهُوَ الرَّشَادُ وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي الطِّيبِ وَالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الضُّفْدَعِ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ وَفِي الطَّرَفَا فِي نَبْقِ ثَمَرِ السِّدْرِ.
وَأَمَّا الطِّينُ فَفِيهِ أَخْبَارٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ضَعِيفَةٌ أَوْ مَوْضُوعَةٌ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ يُصَفِّرُ اللَّوْنَ، وَيَسُدُّ مَجَارِيَ الْعُرُوقِ بَارِدٌ يَابِسٌ مُجَفِّفٌ يَعْقِلُ وَيُوجِبُ نَفْثَ الدَّمِ وَقُرُوحَ الْأَمْعَاءِ وَيُطْلَى بِهِ الْمُسْتَسْقُونَ وَالْمَطْحُولُونَ فَيُنْفَعُونَ بِهِ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُ الطِّينُ الْأَرْمَنِيُّ بَارِدٌ فِي الْأُولَى يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ يَحْبِسُ الدَّمَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الطَّوَاعِينِ شُرْبًا وَطِلَاءً، وَيَنْفَعُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَالْقِلَاعِ، وَيَمْنَعُ النَّزْلَةَ وَالسُّلَّ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْحُمَّى الْوَبَائِيَّةِ وَهُوَ عِلَاجُ ضِيقِ النَّفَسِ مِنْ النَّوَازِلِ وَقَدْرُ مَا يَتَدَاوَى بِهِ مِثْقَالٌ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حُمَّى فَلْيُؤْخَذْ بِمَاءٍ بَارِدٍ وَمَاءِ وَرْدٍ، وَيَنْفَعُ مِنْ كَسْرِ الْعِظَامِ مَعَ الأفانيا طِلَاءٌ، وَمِنْهُ الطِّينُ الْقُبْرُسِيُّ فِيهِ قَبْضٌ مُعْتَدِلٌ يَمْنَعُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَرَارَةِ وَالْأَوْرَامِ طِلَاءً وَيُجْبَرُ الْعِظَامَ، وَيَنْفَعُهَا عِنْدَ السُّقُوطِ مِنْ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، وَقَدْرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الثَّجَجِ الْمِعَائِيِّ وَالْكَبِدِ وَمِنْ نَفْثِ الدَّمِ وَقُرُوحِ الْمِعَى شُرْبًا وَاحْتِقَانًا وَمِنْ الْأَدْوِيَةِ الْقَتَّالَةِ إذَا شُرِبَ مِنْهُ دِرْهَمٌ بِمَاءٍ بَارِدٍ مَطْبُوخٍ.
طِينٌ خُرَاسَانِيٌّ. هُوَ الطِّينُ الْمَأْكُولُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَقِيلَ: حَارٌّ لِمُلُوحَتِهِ يُقَوِّي فَمَ الْمَعِدَةِ، وَيَذْهَبُ بِوَخَامَةِ الطَّعَامِ وَلَهُ خَاصِّيَّةٌ فِي مَنْعِ الْقَيْءِ، وَيَنْفَعُ مِنْ بِلَّةِ الْمَعِدَةِ وَقَدْرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ دِرْهَمٌ وَأَكْثَرُهُ مِثْقَالٌ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْمِزَاجِ مُسَدِّدٌ يُحْدِثُ حَصًى فِي الْكُلَى وَيُقَلِّلُ ضَرَرَهُ الْأَنِيسُونُ وَبِزْرُ الْكَرَفْسِ، وَالْأَصْوَبُ تَرْكُ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّ إفْسَادَهُ أَكْثَرُ مِنْ إصْلَاحِهِ وَمَا يُقَالُ مِنْ تَطْيِيبِهِ النَّفَسَ فَهُوَ لِلْمُشْتَاقِينَ إلَيْهِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ الظَّفْرِ بِالشَّهْوَةِ.
стр. 954
طِينٌ مَخْتُومٌ: مُبَرَّدٌ لَيْسَ دَوَاءٌ أَقْطَعُ مِنْهُ لِلدَّمِ حَتَّى إنَّ الْأَعْضَاءَ لَا تَحْتَمِلُ قُوَّتَهُ إذَا كَانَ بِهَا وَهْنٌ وَوَرَمٌ. حَارٌّ وَخُصُوصًا النَّاعِمَ وَهُوَ يُدْمِلُ الْجِرَاحَاتِ الطَّرِيَّةَ وَالْقُرُوحَ الْعَسِرَةَ، وَيَمْنَعُ الْحَرْقَ مِنْ التَّقْرِيحِ، وَيَحْفَظُ الْأَعْضَاءَ عِنْدَ السَّقَطِ، وَيَنْفَعُ مِنْ السُّلِّ وَنَفْثِ الدَّمِ وَثَجَجِ الْأَمْعَاءِ شُرْبًا وَحَقْنًا وَقَدْرُ مَا يُؤْخَذ مِنْهُ إلَى دِرْهَمَيْنِ وَيُقَاوِم السُّمُومَ وَالنُّهُوشِ شُرْبًا وَطِلَاءً بِالْخَلِّ.
وَالْحَامِضُ مِنْهُ إذَا سُقِيَ لَا يَزَالُ يَغْثِي، وَيَقْذِفُ السُّمَّ وَمِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ الْكَلْبَ قَالَ بَعْضُهُمْ: الطِّينُ الْمَخْتُومُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعٍ يُرْتَابُ فِيهِ بِسَقْيِ شَيْءٍ مِنْ السُّمُومِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي بَدَنِ مُتَنَاوِلِهِ شَيْءٌ مِنْ السَّمُومِ، فَإِنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ وَزْنَ دِرْهَمٍ إلَى مِثْقَالٍ ثُمَّ أَكَلَ طَعَامًا مَسْمُومًا أَوْ شَرَابًا تَقَيَّأَهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامًا مَسْمُومًا أَجَادَ هَضْمَهُ.
стр. 955
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الطَّلْحِ وَهُوَ الْمَوْزُ]
ُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ الْمَوْزُ وَالْمَنْضُودُ الَّذِي قَدْ نَضُدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ كَالْمُشْطِ. وَقِيلَ: الطَّلْحُ الشَّجَرُ ذُو الشَّوْكِ نَضُدَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةٌ فَثَمَرَةٌ قَدْ نَضُدَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَهُوَ مِثْلُ الْمَوْزِ. وَأَجْوَدُ الْمَوْزِ الْكُبَارُ الْبَالِغُ الْحُلْوُ وَهُوَ مُعْتَدِلٌ وَقِيلَ: بَارِدٌ وَقِيلَ: حَارٌّ رَطْبٌ فِي الْأُولَى مُلَيِّنٌ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الصَّدْرِ وَالْحَلْقِ وَالرِّئَةِ وَالسُّعَالِ وَقُرُوحِ الْكُلْيَتَيْنِ وَالْمَثَانَةِ وَيُغَذِّي كَثِيرًا وَقِيلَ: يَسِيرًا يُدِرُّ الْبَوْلَ وَيُحَرِّكُ الْبَاهَ، وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيِّ وَهُوَ ثَقِيلٌ عَلَى الْمَعِدَةِ جِدًّا يَضُرُّهَا، وَيَزِيدُ فِي الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ بِحَسَبِ مِزَاجِ آكِلِهِ وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِالسُّكَّرِ أَوْ الْعَسَلِ وَلْيُؤْكَلْ مِثْلَ الطَّعَامِ وَيُتْبَعَ بِسَكَنْجَبِينٍ الْبُزُورُ وَلَا يَتَنَاوَلُ بَعْدَهُ غِذَاءً حَتَّى يَنْحَدِرَ.
стр. 956
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ طَلْعِ النَّخْلِ]
ِ) سَبَقَ ذِكْرُ الطَّلْعِ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ وَهُوَ حَارٌّ يَجْرِي مَجْرَى الْجُمَّارِ وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي فَصْلٍ يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] وَالنَّضِيدُ الْمَنْضُودُ الَّذِي قَدْ نَضُدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ نَضِيدٌ مَا دَامَ فِي قِشْرِهِ فَإِذَا انْفَتَحَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَالْفَرَّاءُ الْكَافُورُ الطَّلْعُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَهُوَ وِعَاءُ طَلْعِ النَّخْلَةِ وَكَذَلِكَ الْكَفْرِيُّ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨] .
وَهُوَ الْمُنْضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَهُوَ كَالنَّضِيدِ. وَالطَّلْعُ يَنْفَعُ مِنْ الْبَاهِ، وَيَزِيدُ فِي الْمُبَاضَعَةِ وَهُوَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى وَالتَّلْقِيحُ وَهُوَ التَّأْبِيرُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الذَّكَرِ وَهُوَ مِثْلُ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ فَيُجْعَلُ فِي الْأُنْثَى فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللِّقَاحِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «مَرَرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نَخْلٍ فَرَأَى قَوْمًا يُلَقِّحُونَ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: يَأْخُذُونَ مِنْ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِي الْأُنْثَى قَالَ مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا فَبَلَغَهُمْ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يَصْلُحْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا هُوَ ظَنٌّ، إنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا فَاصْنَعُوهُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ عَنْ اللَّهِ فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» وَفِي مُسْلِم مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» .
стр. 957
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْعَدَسِ]
ِ) سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْعَجْوَةِ قَبْلَ ذِكْرِ فُصُولِ الْمُفْرَدَاتِ وَقَبْلَهُ فِي فَصْلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْكَلَامُ فِي الْعُودِ وَالْكَلَام فِي الْعَنْبَرِ فِي فُصُولِ حِفْظِ الصِّحَّةِ بِالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الْعَسَلِ.
وَأَمَّا الْعَدَسُ فَمِنْ الْمَوْضُوعِ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ يَرِقُّ الْقَلْبَ وَيُغْزِرُ الدَّمْعَةَ، وَإِنَّهُ مَأْكُولٌ، وَإِنَّهُ قُدِّسَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا» . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ إِسْحَاقَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي الْعَدَسِ أَنَّهُ قُدِّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا فَقَالَ: وَلَا عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّهُ لَمُؤْذٍ مُنْفِخٌ، وَإِنَّهُ قَرِينُ الْبَصَلِ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ شَهْوَةُ الْيَهُودِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَفِيهِ طَبْعُ الْمَوْتِ بَارِدٌ يَابِسٌ وَفِيهِ قُوَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ إحْدَاهُمَا تَعْقِلُ الطَّبِيعَةَ وَالْأُخْرَى تُطْلِقُهَا وَقِشْرُهُ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ حِرِّيفٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ وَتِرْيَاقُهُ فِي قِشْرِهِ وَلِهَذَا كَانَ صِحَاحُهُ أَنْفَعَ مِنْ مَطْحُونِهِ وَأَخَفَّ عَلَى الْمَعِدَةِ وَأَقَلَّ ضَرَرًا، فَإِنَّ لَبَّهُ بَطِيءُ الْهَضْمِ لِبُرُودَتِهِ وَيُبُوسَتِهِ.
وَقِيلَ: الْعَدَسُ مُعْتَدِلٌ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْمَقْشُورُ مِنْهُ بَارِدٌ فِي الثَّانِيَةِ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ يَعْقِلُ وَيُسَكِّنُ حِدَةَ الدَّمِ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ جَالِينُوسُ وَمَاؤُهُ يَنْفَعُ مِنْ الْخَوَانِيقِ وَهُوَ مُوَلِّدٌ لِلسَّوْدَاءِ، وَيَضُرُّ بالماليخوليا ضَرَرًا بَيِّنًا، وَيَرَى أَحْلَامًا رَدِيئَةً وَيُغْلِظُ الدَّمَ فَلَا يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ، رَدِيءٌ لِلْأَعْصَابِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُوَلِّدُ الْجُذَامَ وَيُظْلِمُ الْبَصَرَ إذَا كَانَ بِعَيْنِ آكِلِهِ يُبْسٌ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِزَاجُ عَيْنِهِ رَطْبًا.
فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ وَهُوَ عَسِرُ الْهَضْمِ رَدِيءٌ لِلْمَعِدَةِ، وَيَضُرُّ بِأَصْحَابِ عُسْرِ الْبَوْلِ جِدًّا، وَيَمْنَعُ دُرُورَ الْحَيْضِ وَيُوجِبُ الْأَوْرَامَ الْبَارِدَةَ وَالرِّيَاحَ الْغَلِيظَةَ. وَيُقَلِّلُ ضَرَرَهُ السِّلْقُ وَالْإِسْفَانَاخُ وَإِكْثَارُ الدُّهْنِ. وَأَرْدَأُ مَا أُكِلَ
стр. 958
بِالْمَكْسُودِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يُخْلَطَ بِهِ حَلَاوَةٌ، فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ السُّدَدَ فِي الْكَبِدِ. وَأَقْرَبُهُ الْأَبْيَضُ السَّمِينُ السَّرِيعُ النِّفَاخِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ كَانَ سِمَاطَ الْخَلِيلِ ﵇ فَقَدْ قَالَ قَوْلًا بِلَا عِلْمٍ وَهُوَ كَذِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 959
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْعِنَبِ وَمَنَافِعِهِ]
ِ) ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الْعِنَبَ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْجَنَّةِ وَهُوَ فِي السُّنَّةِ فِي أَحَادِيثَ كَقَوْلِهِ ﵇ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ «لَوْ أَخَذْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا أَوْ قُطُفًا لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي الصَّحِيحِ. «وَأَكَلَ ﵇ مِنْ الْعِنَبِ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَدَّاسٌ لَمَّا رَجَعَ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ.» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطًا» ، فِيهِ دَاوُد بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْكُوفِيُّ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ يَكْذِبُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ مَتْرُوكٌ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فِي الْعِنَبِ مَنَافِعَ كَثِيرَةً وَيُؤْكَلُ مُتَنَوِّعًا وَهُوَ قُوتٌ وَفَاكِهَةٌ وَشَرَابٌ وَأُدْمٌ وَدَوَاءٌ وَطَبْعُهُ طَبْعُ الْحَيَاةِ الْحَرَارَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَأَجْوَدُهُ الْكُبَارُ الْمَائِيُّ، وَالْأَبْيَضُ أَحْمَدُ مِنْ الْأَسْوَدِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْحَلَاوَةِ، وَالْمَتْرُوكُ بَعْدَ الْقَطْفِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَحْمَدُ مِنْ الْمَقْطُوفِ فِي يَوْمِهِ، وَمُلُوكُ الْفَاكِهَةِ الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ، جَيِّدُ الْغِذَاءِ مُقَوٍّ لِلْبَدَنِ يُسَمِّنُ بِسُرْعَةٍ وَيُوَلِّدُ دَمًا جَيِّدًا، وَيَزِيدُ فِي الْإِنْعَاظِ، وَيَنْفَعُ نَفْعَ الصَّدْرِ وَالرِّئَةِ وَهُوَ مُنْفِخٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ، وَإِذَا أُلْقِيَ عُجْمُهُ أُطْلِقَ أَكْثَرَ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُصَدِّعُ الرَّأْسَ، وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِ بِالرُّمَّانِ الْمُزِّ وَالْحَامِضُ مِنْهُ يُبَرِّدُ الْمَعِدَةَ وَيُكْثِرُ الْقَيْءَ. وَالْعِنَبُ بِأَسْرِهِ يَضُرُّ بِالْمَثَانَةِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ الْغَلِيظِينَ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي شَجَرِهِ فِي كَرْمٍ.
стр. 960
[فَصْلٌ فِيمَا جَاءَ فِي الْفَالُوذَجِ وَخَوَاصِّ الْفِضَّةِ]
(فِيمَا جَاءَ فِي الْفَالُوذَجِ وَخَوَاصِّ الْفِضَّةِ) سَبَقَ ذِكْرُ فَاغِيَةٍ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ فِي فَصْلٍ عَنْ سُلَيْمَانَ. فَالُوذَجُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا سَمِعْنَا بِالْفَالُوذَجِ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أُمَّتَكَ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ فَيُفَاضُ عَلَيْهِمْ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى إنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الْفَالُوذَجَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا الْفَالُوذَجُ قَالَ يَخْلِطُونَ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ جَمِيعًا فَشَهَقَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ شَهْقَةً.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَالُوذُ وَالْفَالُوذَقُ مُعَرَّبَانِ قَالَ يَعْقُوبُ وَلَا تَقُلْ الْفَالُوذَجُ.
وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَأَجْوَدُهَا مَا لَمْ يُخَالِطْهُ غِشٌّ وَهِيَ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَقِيلَ: مُعْتَدِلَةٌ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَقِيلَ: قَابِضَةٌ جِدًّا وَهِيَ تَبْرُدُ وَتَجِفُّ وَإِذَا خُلِطَتْ سِحَالَتُهَا بِالْأَدْوِيَةِ نَفَعَتْ مِنْ الرُّطُوبَاتِ اللَّزِجَةِ وَهُوَ جَيِّدٌ لِلْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ وَسِحَالَتُهَا تَنْفَعُ مِنْ الْبَخَرِ مَعَ أَدْوِيَتِهِ، وَمِنْ الْخَفَقَانِ مَعَ أَدْوِيَتِهِ، وَلِعُسْرِ الْبَوْلِ وَقَدْرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا دَانَقٌ وَمَعَ الزِّئْبَقِ تَنْفَعُ الْبَوَاسِيرَ طِلَاءً.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرِحَةِ النَّافِعَةِ لِلْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ وَضَعْفِ الْقَلْبِ وَخَفَقَانِهِ وَتَجْتَذِبُ بِخَاصِّيَّتِهَا مَا يَتَوَلَّدُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْأَخْلَاطِ الْفَاسِدَةِ خُصُوصًا إذَا أُضِيفَ إلَى ذَلِكَ الْعَسَلُ الْمُصَفَّى وَالزَّعْفَرَانُ، وَمِمَّا يُسَكِّنُ الْعَطَشَ إذَا مُسِكَ فِي الْفَمِ فِضَّةٌ خَالِصَةٌ أَوْ قِطْعَةُ بِلَّوْرٍ أَوْ صَدَفٍ أَوْ تَمْرٍ هِنْدِيٍّ أَوْ حَبِّ رُمَّانٍ حَامِضٍ. الْقِثَّاءُ سَبَقَ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ.
стр. 961
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْقَرْعِ وَهُوَ الدُّبَّاءُ وَمَا وَرَدَ فِيهِ]
ِ) (الْقَرْعُ) وَهُوَ الدُّبَّاءُ بَارِدٌ رَطْبُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: حَارٌّ رَطْبٌ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ غِذَاءٌ شَبِيهٌ بِمَا يَصْحَبُهُ، فَإِنْ أُكِلَ بِالْخَرْدَلِ وَلَّدَ خَلْطًا حِرِّيفًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، غِذَاؤُهُ يَسِيرٌ، وَيَنْحَدِرُ سَرِيعًا جَيِّدٌ لِلصَّفْراوَتَيْنِ يَقْطَعُ الْعَطَشَ جِدًّا وَيُلَيِّنُ الْبَطْنَ وَيُوَلِّدُ بِلَّةَ الْمَعِدَةِ، وَيَضُرُّ بِأَصْحَابِ السَّوْدَاءِ وَالْبَلْغَمِ وَبِالْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ وَيُصْلِحُهُ الْفُلْفُلُ وَالصَّعْتَرُ وَالْخَرْدَلُ وَالزَّيْتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَعُصَارَتُهُ تُسَكِّنُ وَجَعَ الْأُذُنِ مَعَ دُهْنِ وَرْدٍ وَتَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الدِّمَاغِ، وَسَوِيقُهُ يَنْفَعُ مِنْ السُّعَالِ وَوَجَعِ الصَّدْرِ مِنْ حَرَارَةٍ، وَإِنْ شُرِبَ مَاؤُهُ بِتَرَنْجَبِينٍ وَسَفَرْجَلٍ مُرَبًّى أَسْهَلَ صَفْرَاءَ مَحْضَةً. وَمَتَى صَادَفَ الْقَرْعُ فِي الْمَعِدَةِ خَلْطًا رَدِيئًا اسْتَحَالَ إلَيْهِ وَفَسَدَ وَوَلَّدَ فِي الْبَدَنِ خَلْطًا رَدِيئًا.
وَفِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ إذَا طَبَخْتُمْ قِدْرًا فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنْ الدُّبَّاءِ، فَإِنَّهَا تَشُدُّ قَلْبَ الْحَزِينِ» ، وَيَأْتِي فِي آدَابِ الطَّعَامِ قَبْلَ فَصْلٍ قِيلَ: لِأَحْمَدَ يَعْتَزِلُ الرَّجُلُ فِي الطَّعَامِ أَوْ يُوَافِقُ حَدِيثَ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ يَأْكُلُ الدُّبَّاءَ وَيُعْجِبُهُ.» وَرَوَى ابْنَ مَاجَهْ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الْقَرْعَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي طَالُوتَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أَنَسٍ وَهُوَ يَأْكُلُ قَرْعًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا لَكِ شَجَرَةً مَا أَحَبَّكِ إلَيَّ بِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاكِ.» وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَكَانَ أَعْجَبُ الطَّعَامِ إلَيْهِ الدُّبَّاءَ.»
стр. 962
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ قَصَبِ السُّكَّرِ وَالسُّكَّرِ]
ِ) الْقُسْطُ وَهُوَ الْكُسْتُ هُوَ الْعُودُ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ أَعْظَمُ شِفَاءً وَأَكْثَرُ دَوَاءً نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ وَفِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَرُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ أَحَادِيثِ الْحَوْضِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ «مَاؤُهُ أَحْلَى مِنْ السُّكَّرِ» وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. وَأَمَّا الَّذِي فِي الصَّحِيحِ «فَأَبْيَضُ مِنْ الْوَرِقِ» أَيْ الْفِضَّةِ «وَأَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ» وَفِي الصَّحِيحِ «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ» وَفِي الصَّحِيحِ «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ» وَلَمْ أَجِدْ لَفْظَ السُّكَّرِ فِي الْحَدِيثِ وَلَا هُنَا وَلَمْ يَعْرِفْهُ مُتَقَدِّمُو الْأَطِبَّاءِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ الْعَسَلَ وَيُدْخِلُونَهُ فِي الْأَدْوِيَةِ.
وَالسُّكَّرُ حَارٌّ فِي آخِرِ الْأُولَى رَطْبٌ فِي الْأُولَى وَالْعَتِيقُ إلَى الْيُبْسِ وَقِيلَ: السُّكَّرُ بَارِدٌ وَأَجْوَدُهُ الْأَبْيَضُ الشَّفَّافُ الطَّبَرْزَدُ، وَكُلَّمَا عُتِّقَ كَانَ أَلْطَفَ إلَّا أَنَّهُ أَمْيَلُ إلَى الْحَرَارَةِ وَهُوَ مُلَيِّنٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ جَزْلَةَ وَهُوَ يُقَارِبُ فِي الْجَلَاءِ وَالتَّنْقِيَةِ وَيُلَيِّنُ الصَّدْرَ وَيُزِيلُ خُشُونَتَهُ وَهُوَ يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ سِوَى الَّتِي تَتَوَلَّدُ فِيهَا الْمُرَّةُ الصَّفْرَاءُ، فَإِنَّهُ يَضُرُّهَا لِاسْتِحَالَتِهِ إلَيْهَا، وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِمَاءِ اللَّيْمُونِ أَوْ النَّارِنْجِ أَوْ الرُّمَّانِ الْمُزِّ، وَهُوَ مُفَتِّحٌ لِلسُّدَدِ وَيُسْهِلُ مَعَ دُهْنِ اللَّوْزِ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْقُولَنْجِ، وَيَنْفَعُ الْكُلَى وَالْمَثَانَةَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَيَاضِ الرَّقِيقِ الَّذِي فِي الْعَيْنِ، وَهُوَ يُعَطِّشُ دُونَ تَعْطِيشِ الْعَسَلِ.
وَخَاصَّةً الْعَتِيقَ، فَإِنَّهُ يُوَلِّدُ دَمًا عَكِرًا وَيُهَيِّجُ الصَّفْرَاءَ، وَيُصْلِحُهُ الرُّمَّانُ الْمُزُّ وَإِذَا طُبِخَ السُّكَّرُ وَنُزِعَتْ رَغْوَتُهُ سَكَّنَ الْعَطَشَ وَالسُّعَالَ. وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَهُوَ فِي طَبْعِ السُّكَّرِ وَأَشَدُّ تَلْيِينًا مِنْهُ، وَأَجْوَدُهُ الْحُلْوُ الْعَزِيزُ الْمَاءِ وَهُوَ حَارٌّ رَطْبٌ فِي الْأُولَى، وَقِيلَ: مُعْتَدِلُ الْحَرَارَةِ وَقِيلَ: فِيهِ قَبْضٌ، وَالْمَأْخُوذُ كَالصَّمْغِ مِنْ الْقَصَبِ يَجْلُو الْعَيْنَ
стр. 963
وَقَصَبُ السُّكَّرِ يُعِينُ الْقَيْءَ، وَيَنْفَعُ الصَّدْرَ وَالسُّعَالَ وَيُوَلِّدُ دَمًا مُعْتَدِلًا وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيَجْلُو رُطُوبَةَ الصَّدْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَثَانَةَ وَقَصَبَةَ الرِّئَةِ، وَيَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الصَّدْرِ وَالْحَلْقِ إذَا شُوِيَ. وَالْقَصَبُ يَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَيُوَلِّدُ رِيَاحًا وَنَفْخًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ حَارٍّ بَعْدَ تَقْشِيرِهِ لِيَزُولَ نَفْخُهُ.
قَالَ عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفَّارُ: مَنْ مَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ بَعْدَ طَعَامِهِ لَمْ يَزَلْ يَوْمُهُ أَجْمَعُ فِي سُرُورٍ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ: سَمِعْت أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ سَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي: ابْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَعْقُوبَ سَمِعْتُ أَنَّك شَرِبْتَ البلازر فَقُلْت: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ وَاَللَّهِ مَا شَرِبْتُهُ وَلَا هَمَمْتُ بِشُرْبِهِ وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنْبَأَنِي أَبُو سَاجٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُذْ مِثْقَالًا مِنْ كندي وَمِثْقَالًا مِنْ سُكَّرٍ فَدُقَّهُمَا ثُمَّ اسْحَقْهُمَا ثُمَّ اسْتَفَّهُمَا عَلَى الرِّيقِ، فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلنِّسْيَانِ وَالْبَوْلِ، فَدَعَا الْأَمِيرَ بِالدَّوَاةِ فَكَتَبَهُ.
стр. 964
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْكَبَاثِ وَمَا وَرَدَ فِيهِ]
ِ) قَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَافِظَ سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيَّ كَانَ فِي التَّابِعِينَ لَأَقَرُّوا لَهُ بِالتَّقَدُّمِ لِحِفْظِهِ وَعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ. فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ» .
الْكَبَاثُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ثَمَرُ الْأَرَاكِ وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ وَمَنَافِعُهُ كَمَنَافِعِ الْأَرَاكِ يُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَيُجِيدُ الْهَضْمَ، وَيَجْلُو الْبَلْغَمَ، وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الظَّهْرِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَدْوَاءِ وَطَبِيخُهُ يُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَيُمْسِكُ الطَّبِيعَةَ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ وَيُنَقِّي الْمَثَانَةَ. وَإِذَا صُنِعَ مِنْ قُضْبَانِهِ لِلْعَضُدِ، فَإِنَّهُ خِلْخَالٌ مَانِعٌ مِنْ السِّحْرِ.
стр. 965
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْكَتَمِ]
ِ) الْكَتَمُ بِالتَّحْرِيكِ بِتَخْفِيفِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بِتَشْدِيدِهَا نَبْتٌ وَرَقُهُ قَرِيبٌ مِنْ وَرَقِ الزَّيْتُونِ يَعْلُو فَوْقَ الْقَامَةِ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَخْبَارِ فِي صَبْغِ الشَّيْبِ بِهِ وَلَهُ ثَمَرٌ فِي قَدْرِ حَبِّ الْفُلْفُلِ فِي دَاخِلِهِ نَوَى إذَا نَضَجَ اسْوَدَّ، وَإِذَا اُسْتُخْرِجَتْ عُصَارَةُ وَرَقِهِ وَشُرِبَ مِنْهَا قَدْرُ أُوقِيَّةٍ تَقَيَّأَ قَيْئًا شَدِيدًا، وَيَنْفَعُ مِنْ عَضَّةِ الْكَلَبِ. وَأَصْلُ الْكَتَمِ إذَا طُبِخَ بِالْمَاءِ كَانَ مِنْهُ مِدَادٌ يُكْتَبُ بِهِ، وَبِزْرُ الْكَتَمِ إذَا اُكْتُحِلَ بِهِ حَلَّلَ الْمَاءَ النَّازِلَ فِي الْعَيْنِ وَأَبْرَأَهُ. وَقِيلَ: الْكَتَمُ هُوَ الْوَشْمَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْوَشْمَةُ هِيَ وَرَقُ النِّيلِ حَارَّةٌ فِي آخِرِ الْأُولَى يَابِسَةٌ فِي الثَّانِيَةِ فِيهَا قَبْضٌ وَجَلَاءٌ وَتُخْصِبُ الشَّعْرَ.
стр. 966
[فَصْلٌ فِي مَنَافِعِ الْكَرْمَةِ شَجَرَةُ الْعِنَبِ]
ِ) سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ فُصُولِ آدَابِ الْمَسَاجِدِ قَوْلُهُ ﵇ «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ، فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ وَفِي لَفْظٍ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» وَفِي لَفْظٍ «وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ» وَالْحَبَلَةُ أَيْ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانُهَا شَجَرَةُ الْعِنَبِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا الْمُشْمَعِلُّ بْنُ إيَاسٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيّ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْعَجْوَةُ وَالشَّجَرَةُ مِنْ الْجَنَّةِ» إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَعَمْرٌو تَفَرَّدَ عَنْهُ الْمُشْمَعِلُّ لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْعَجْوَةُ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَالشَّجَرَةُ الْكَرْمَةُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّمَا أَرَادَ شَجَرَةَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا اسْتَوْجَبُوا الْجَنَّةَ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ الْمُشْمَعِلِّ وَلَفْظُهُ «الْعَجْوَةُ وَالصَّخْرَةُ مِنْ الْجَنَّةِ» قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُرِيدُ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَذَا قَالَ.
وَشَجَرَةُ الْعِنَبِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَوَرَقُهَا وَعَلَائِقُهَا وَمَرْمُوشُهَا مُبَرِّدٌ فِي آخِرِ الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَإِذَا دُقَّتْ وَضُمِّدَ بِهَا مِنْ الصُّدَاعِ سَكَّنَتْهُ وَمِنْ الْأَوْرَامِ الْحَارَّةِ وَالْتِهَابِ الْمَعِدَةِ، وَعُصَارَةُ قُضْبَانِهِ إذَا شُرِبَتْ سَكَّنَتْ الْقَيْءَ وَعَقَلَتْ الْبَطْنَ، وَكَذَلِكَ إذَا مُضِغَتْ عُرُوقُهَا الرَّطْبَةُ، وَعُصَارَةُ وَرَقِهَا تَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْأَمْعَاءِ وَنَفْثِ الدَّمِ وَقَيْئِهِ وَوَجَعِ الْمَعِدَةِ وَدَمْعَةُ شَجَرِهِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى الْقُضْبَانِ كَالصَّمْغِ إذَا شُرِبَتْ أَخْرَجَتْ الْحَصَاةَ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهَا أَبْرَأَتْ الْقَوَابِيَ وَالْجَرَبَ الْمُتَقَرِّحَ وَغَيْرَهُ، وَيَنْبَغِي غَسْلُ الْعُضْوِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا بِالْمَاءِ وَالنَّطْرُونِ وَهُوَ البورق
стр. 967
الْأَرْمَنِيُّ، وَإِذَا تُمُسِّحَ بِهَا مَعَ الزَّيْتِ حَلَقَتْ الشَّعْرَ، وَرَمَادُ قُضْبَانِهِ إذَا تُضُمِّدَ بِهِ مَعَ الْخَلِّ وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالسَّذَابِ نَفَعَ مِنْ الْوَرَمِ الْعَارِضِ فِي الطِّحَالِ وَقُوَّةُ دُهْنِ زَهْرَةِ الْكَرْمِ قَابِضَةٌ شَبِيهَةٌ بِقُوَّةِ دُهْنِ الْوَرْدِ وَمَنَافِعُهَا تَقْرُبُ مِنْ مَنَافِعِ النَّخْلَةِ لِكَثْرَتِهَا.
стр. 968
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْكُرَّاثِ]
ِ) الْكُرَّاثُ لَهُ أَصْلٌ فِي الصَّحِيحِ «إنَّ مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ بَنُو آدَمَ» وَالْكُرَّاثُ نَبَطِيٌّ وَشَامِيٌّ فَالنَّبَطِيُّ أَجْوَدُ وَهُوَ الْبَقْلُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْمَائِدَةِ حِرِّيفٌ لَيْسَ بِكَرِيهِ الرَّائِحَةِ كَثِيرًا وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ. وَالشَّامِيُّ لَهُ رُءُوسٌ أَقَلَّ حَرَارَةً وَيُبْسًا.
وَقِيلَ: إنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ وَالشَّامِيُّ مَعَ السُّمَّاقِ يَنْفَعُ مِنْ الثَّآلِيلِ وَمَعَ الْمِلْحِ لِلْقُرُوحِ الْخَبِيثَةِ وَهُوَ يَقْطَعُ الرُّعَافَ وَمَعَ مَاءِ الشَّعِيرِ يَنْفَعُ مِنْ الرَّبْوِ عَنْ مَادَّةٍ غَلِيظَةٍ وَخُصُوصًا النَّبَطِيَّ مَعَ عَسَلٍ، وَهُوَ يَقْطَعُ الْجُشَاءَ الْحَامِضَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَوَاسِيرِ الْبَارِدَةِ أَكْلًا وَضِمَادًا وَيُحَرِّكُ الْبَاهَ، وَيَنْفَعُ مِنْ صَلَابَةِ الرَّحِمِ وَانْضِمَامُهَا إذَا جَلَسَتْ الْمَرْأَةُ فِي طَبِيخِ وَرَقِهِ، وَطَبِيخِ أُصُولِ الأسفيدناج بِدُهْنِ الغرطم وَدُهْنِ اللَّوْزِ الشَّيْرَجِيِّ نَافِعٌ مِنْ الْقُولَنْجِ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ، وَيَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَهُوَ يُصَدِّعُ وَيُرِي أَحْلَامًا رَدِيئَةً، وَيُفْسِدُ اللِّثَةَ وَالْأَسْنَانَ وَيُفْلِجُهَا، وَيَضُرُّ بِالْبَصَرِ وَالْمَعِدَةِ، وَيَنْفُخُ، بَطِيءُ الْهَضْمِ وَالشَّامِيُّ أَدْنَى مَضَرَّةً فِي ذَلِكَ وَيُصْلِحُهُ سَلْقُهُ بِمَا بُيِّنَ وَيُجْعَلُ مَعَ الدُّهْنِ وَالْخَلِّ.
وَالنَّبَطِيُّ إذَا سُحِقَ بِزْرُهُ وَعُجِنَ بِقَطِرَانٍ وَنُجِزَتْ مِنْهُ الْأَضْرَاسُ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ نَثَرَهَا وَأَخْرَجَهَا وَسَكَّنَ الْوَجَعَ الْعَارِضَ فِيهَا، وَإِذَا دَخَنَتْ الْمَعِدَةُ بِبِزْرِهِ جَفَّفَتْ الْبَوَاسِيرَ، وَالْكُرَّاثُ الْبَرِّيُّ يُقْرِحُ الْبَدَنَ وَعُصَارَةُ الْكُرَّاثِ الْيَابِسَةِ تُسَهِّلُ الدَّمَ. وَمِنْ الْمَوْضُوعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ ثُمَّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ آمِنًا مِنْ رِيحِ الْبَوَاسِيرِ وَاعْتَزَلَهُ الْمَلَكُ لِنَتِنِ نَكْهَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ.»
стр. 969
[فَصْلٌ فِي الْكَرَفْسِ]
فَصْلٌ الْكَرَفْسُ مِنْ الْمَوْضُوعِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ وَنَكْهَتُهُ طَيِّبَةٌ وَنَامَ آمِنًا مِنْ وَجَعِ الْأَضْرَاسِ وَالْأَسْنَانِ» وَهُوَ رَطْبٌ وَأَصْلُهُ يَابِسٌ، وَقِيلَ: حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: فِي الثَّانِيَةِ يُحَلِّلُ النَّفْخَ وَيُفَتِّحُ وَيُسَكِّنُ الْأَوْجَاعَ الْبَرِّيُّ مِنْهُ يَنْفَعُ مِنْ دَاءِ الثَّعْلَبِ وَشُقَاقِ الْأَظْفَارِ وَشُقُوقِ الْبَرْدِ وَالثَّآلِيلِ. وَالشَّامِيُّ مِنْهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ جِدًّا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَخَرِ وَيُوَافِقُ مَنْ بِهِ عِرْقُ النَّسَا، وَيَنْفَعُ مِنْ الرَّبْوِ وَضِيقِ النَّفَسِ وَأَوْرَامِ الثَّدْيِ وَالْحِشَاءِ، وَالرُّومِيُّ أَجْوَدُهُ لِلْمَعِدَةِ وَهُوَ يَعْدِلُ بِزْرَ الْخَسِّ إذَا أُكِلَ مَعَهُ، وَهُوَ يُدِرُّ الْبَوْلَ وَالطَّمْثَ. وَالْجَبَلِيُّ مِنْهُ يُفَتِّتُ الْحَصَى وَيُخْرِجُ الْمَشِيمَةَ وَيُهَيِّجُ الْبَاهَ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ تَجْتَنِبَهُ الْمُرْضِعَةُ كَيْ لَا يُفْسِدَ لَبَنَهَا لِهَيَجَانِ شَهْوَةِ الْبَاهِ وَطَبْخُهُ مَعَ الْعَدَسِ يَشْفِي مَنْ سُقِيَ سُمًّا وَهُوَ يُسَكِّنُ وَجَعَ الْأَسْنَانِ لَكِنَّهُ يُفَتِّتُهَا.
وَقِيلَ: إذَا عُلِّقَ أَصْلُهُ عَلَى الرَّقَبَةِ نَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ، وَإِذَا لَسَعَتْ الْعَقْرَبُ آكِلَهُ اشْتَدَّ بِهِ الْأَمْرُ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْعَقَارِبُ. وَهُوَ يُهَيِّجُ الصَّرَعَ بِالْمَصْرُوعِينَ وَلِذَلِكَ هُوَ رَدِيءٌ لِلصَّرَعِ، وَقَدْ قِيلَ: يُؤْمَنُ مَضَرَّتُهُ فِيهِمْ إذَا تَعَلَّقَ أَصْلُهُ فِي رِقَابِهِمْ، وَهُوَ يَضُرُّ بِالْحَبَالَى وَيُهَيِّجُ الصُّدَاعَ وَيُصْلِحُهُ الْخَسُّ.
стр. 970
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْمَاءِ]
ِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ وَتُعْرَفُ جَوْدَةُ الْمَاءِ بِصَفَائِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ رَائِحَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ عَذْبَ الطَّعْمِ حُلْوًا خَفِيفًا وَزْنُهُ، بَعِيدَ الْمَنْبَعِ طَيِّبَ الْجَرْيِ بَارِزًا لِلشَّمْسِ وَالرِّيحِ لِيَنْقَصِرَ كَثِيرًا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ سَرِيعَ الْحَرَكَةِ وَالْجَرْيِ، آخِذًا إلَى الشَّمَالِ مِنْ الْجَنُوبِ أَوْ مِنْ الْغَرْبِ إلَى الشَّرْقِ، يَسْخُنُ سَرِيعًا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، وَيَبْرُدُ عِنْدَ غُرُوبِهَا عَنْهُ، وَيَنْحَدِرُ عَنْ الْمَعِدَةِ سَرِيعًا وَيُخَفِّفُ ثِقَلَ الطَّعَامِ عَلَيْهَا.
قَالَ أَبُقْرَاطُ: الْمَاءُ الَّذِي يَسْخُنُ سَرِيعًا، وَيَبْرُدُ سَرِيعًا أَخَفُّ الْمِيَاهِ، وَالْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ بَارِدًا رَطْبًا، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ، فَالْمَكْشُوفُ لِلشَّمَالِ خَاصَّةً فِيهِ يَبَسٌ فَيُكْتَسَبُ مِنْ رِيحِ الشَّمَالِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْجِهَاتِ بِحِسِّهَا وَمَا يَنْبُعُ مِنْ مَعْدِنٍ فَلَهُ طَبِيعَةُ ذَلِكَ الْمَعْدِنِ، وَيُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ تَأْثِيرَهُ وَسَيَأْتِي.
وَنَفْعُ الْمَاءِ الْبَارِدِ مِنْ دَاخِلٍ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ مِنْ خَارِجٍ، وَالْحَارُّ بِالْعَكْسِ، وَيَنْفَعُ الْبَارِدُ مِنْ عُفُونَةِ الدَّمِ وَالْحُمَّيَاتِ الْمُحْتَرِقَةِ وَصُعُودِ الْأَبْخِرَةِ إلَى الرَّأْسِ، وَيَدْفَعُ الْعُفُونَاتِ وَيُوَافِقُ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَسْنَانَ وَالْأَزْمِنَةَ وَالْأَمَاكِنَ الْحَارَّةَ وَيُقَوِّي الْقُوَى الْأَرْبَعَ الْجَاذِبَةَ وَالْمَاسِكَةَ وَالْهَاضِمَةَ وَالدَّافِعَةَ عَلَى أَفْعَالِهَا. وَيُقَوِّي الشَّهْوَةَ وَيُحَسِّنُ وَيُهَضِّمُ بِجَمْعِهِ الْمَعِدَةَ عَلَى الْغِذَاءِ، وَيَحْفَظُ الصِّحَّةَ، وَيَنْفَعُ التَّخَلْخُلَ وَالسَّيَلَانَ، وَيَضُرُّ كُلَّ حَالَةٍ تَحْتَاجُ إلَى نُضْجٍ وَتَحْلِيلٍ كَالزُّكَامِ وَالْأَوْرَامِ، وَالشَّدِيدُ الْبَرْدِ يُؤْذِي الْأَسْنَانَ وَالْإِدْمَانُ عَلَيْهِ يُحْدِثُ انْفِجَارَ الدَّمِ وَالنَّزَلَاتِ وَأَوْجَاعَ الصَّدْرِ وَقَصَبَةِ الرِّئَةِ وَأَصْحَابَ السُّدَدِ يُضْعِفُ الْبَاهَ، وَيَضُرُّ مَنْ أَفْرَطَ بِهِ الِاسْتِفْرَاغَ، وَلْيُجْتَنَبْ عَلَى الرِّيقِ وَعَقِبَ حَمَّامٍ وَجِمَاعٍ
стр. 971
وَحَرَكَةٍ عَنِيفَةٍ كَثِيرَةٍ وَعَطَشٍ شَدِيدٍ حَادِثٍ فِي اللَّيْلِ عِنْدَ النَّوْمِ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
مَالِحٌ أَوْ حَارٌّ يَابِسٌ، فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْمِزَاجَ وَيُوَلِّدُ الِاسْتِسْقَاءَ وَهَذَا الْمَاءُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ وَيُسَكِّنُ سَيَلَانَ الْمَنِيِّ، وَالِاسْتِحْمَامُ بِهِ يَنْفَعُ التَّشَنُّجَ مِنْ امْتِلَاءٍ وَالْأَجْسَامَ الْمُتَخَلْخِلَةَ وَيُرَطِّبُ وَيُسَكِّنُ الْأَوْجَاعَ، وَإِذَا صُبَّ حَوْلَ مَوْضِعٍ يَنْبَعِثُ مِنْهُ الدَّمُ قَطَعَهُ، وَالْبَارِدُ وَالْحَارُّ بِإِفْرَاطٍ يَضُرَّانِ الْعَصَبَ وَأَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُحَلِّلٌ وَالْآخَرَ مُكَثِّفٌ.
وَالْمَاءُ الْحَارُّ يُسَكِّنُ لَذْعَ الْأَخْلَاطِ الْحَادَّةِ وَيُحَلِّلُ وَيُنْضِجُ وَيُخْرِجُ الْفُضُولَ وَيُرَطِّبُ وَيُسَخِّنُ، وَيُفْسِدُ الْهَضْمَ شُرْبُهُ، وَيَطْفُو بِالطَّعَامِ إلَى أَعَالِي الْمَعِدَةِ وَيُرْخِيهَا وَلَا يُسْرِعُ إلَى تَسْكِينِ الْعَطَشِ وَيُذْبِلُ الْبَدَنَ، وَيُؤَدِّي إلَى أَمْرَاضٍ رَدِيئَةٍ، وَيَضُرُّ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرَاضِ، وَهُوَ صَالِحٌ لِلشُّيُوخِ وَأَصْحَابِ الصَّرَعِ وَالصُّدَاعِ الْبَارِدِ وَالرَّمَدِ، وَأَنْفَعُ مَا اُسْتُعْمِلَ مِنْ خَارِجٍ وَإِذَا اُغْتُسِلَ بِهِ كَثِيرُ عَادِيَةِ النَّافِضِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا مُزِجَ بِمَاءٍ بَارِدٍ نَفَعَ الْمَصْرُوعَ وَأَوْرَامَ الْحَلْقِ وَاللَّهَاةِ وَالصَّدْرِ، وَيَجْلُو خَمَلَ الْمَعِدَةِ وَيُطْلِقُ الطَّبْعَ إذَا صَادَفَ خَلْطًا خَاصَّةً إذَا شُرِبَ مَعَ سُكَّرٍ أَوْ عَسَلٍ، وَإِذَا لَمْ يُمْزَجْ بِمَاءٍ بَارِدٍ لَا يَرْوِي وَلَا تَقْبَلُهُ الْأَعْضَاءُ، فَإِنْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَفْسَدَ الْمِزَاجَ وَأَحْدَثَ الرَّهَلَ وَأَرْخَى الْمَعِدَةَ وَمَلَأَ الدِّمَاغَ بُخَارًا وَلِفَسَادِ هَضْمِ شَارِبِيهِ يُصَفِّرُ أَلْوَانَهُمْ، وَيُوَرِّمُ أَطْحَالَهُمْ وَأَكْبَادَهُمْ، وَهُوَ يُهَيِّجُ الرُّعَافَ، وَيَنْبَغِي خَلْطُهُ بِمَاءِ وَرْدٍ حَتَّى لَا يُرْخِيَ الْمَعِدَةَ، وَالشَّدِيدُ السُّخُونَةِ يُفْسِدُ الذِّهْنَ وَيُحْدِثُ الْغَثْيَ وَيُذِيبُ شَحْمَ الْكُلَى وَاللَّحْمَ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي خَلْطُهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ وَالِاسْتِحْمَامِ وَيُلَطِّفُ الْبَلْغَمَ وَيُسَخِّنُ جِدًّا.
وَمَاءُ الْمَطَرِ أَجْوَدُهُ مَا أُخِذَ مِنْ أَرْضٍ جَيِّدَةٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَانَ قَطْرُهُ قَلِيلًا فِي شَهْرِ كَانُونَ وَكَانَ مِنْ سَحَابٍ رَاعِدٍ وَكَانَ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الْجِبَالِ
стр. 972
وَهُوَ أَرْطَبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمِيَاهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ فَيُكْتَسَبُ مِنْ يَبَسِ الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا وَلِهَذَا يَعْفَنُ، وَيَتَغَيَّرُ سَرِيعًا لِطَاقَتِهِ وَسُرْعَةِ انْفِعَالِهِ.
وَأُبُقْرَاطُ يَقُولُ: مَاءُ الْمَطَرِ أَجْوَدُ الْمِيَاهِ وَأَعْذَبُهَا وَأَخَفُّهَا وَزْنًا وَهُوَ أَقَلُّ بَرْدًا مِنْ مَاءِ الْعُيُونِ وَهُوَ يَنْفَعُ مِنْ السُّعَالِ وَخَاصَّةً إذَا طُبِخَ بِهِ أَشْرِبَةُ السُّعَالِ وَهُوَ مُدِرٌّ لِلْعَرَقِ، وَيَضُرُّ بِالْبُحُوحَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ عَفَنِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَطَرُ الشِّتْوِيُّ أَفْضَلُ مِنْ الرَّبِيعِيِّ لِقِلَّةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ حِينَئِذٍ فَلَا يُجْتَذَبُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ إلَّا أَلْطَفُهُ وَالْجَوُّ صَافٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ دُخَانٍ وَغُبَارٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَطَرُ الرَّبِيعِيُّ أَلْطَفُ؛ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ تُوجِبُ تَحَلُّلَ الْأَبْخِرَةِ الْغَلِيظَةِ وَرِقَّةَ الْهَوَاءِ وَلَطَافَتَهُ فَيَخِفُّ بِذَلِكَ الْمَاءُ لِقِلَّةِ أَجْزَائِهِ وَيُصَادِفُ وَقْتَ النَّبَاتِ وَطِيبَ الْهَوَاءِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا رَأَى الْمَطَرَ يَقُولُ رَحْمَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلِأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِهَا «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ " اللَّهُمَّ " وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: فَحَسِرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ فَقُلْنَا: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» .
وَالْمِيَاهُ الْعَفِنَةُ كَمِيَاهِ الْآجَامِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي تَخْرُجُ إلَيْهَا الْأَوْسَاخُ فِيهِ حَرَارَةٌ وَيُغْلِظُ الطِّحَالَ وَالْكَبِدَ وَيُفْسِدُ الْمَعِدَةَ وَيُسَمِّحُ اللَّوْنَ وَيُوَلِّدُ الْحُمَّيَاتِ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِ الْمَاءِ الْعَفِنِ فَلْيَمْزُجْهُ بِرُبُوبِ الْفَوَاكِهِ الْحَامِضَةِ كَرُبِّ الرُّمَّانِ وَالْحِصْرِمِ والريناس. وَالْمَاءُ الْكَدِرُ الْغَلِيظُ يُحْدِثُ الْحَصَى فِي الْمَثَانَةِ وَالْكُلَى وَيُتَدَارَكُ ضَرَرُهُ بِبُقُولٍ لَطِيفَةٍ وَمُدِرَّةٍ وَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَبَصَلٍ وَيُصْلِحُهُ لِلشُّرْبِ الْخُرْنُوبُ الشَّامِيُّ وَحَبُّ الْآسِ وَالزُّعْرُورُ وَالطِّينُ الْحُرُّ وَالسَّوِيقُ
стр. 973
وَأَنْ يُجْعَلَ مَعَ السَّوِيقِ فِي جِرَارٍ جُدُدٍ وَيُسْتَقْطَرَ وَقَدْ يَصْفُو إذَا أُلْقِيَ فِيهِ الشَّبُّ أَوْ لُبَّ نَوَى الْمِشْمِشِ وَنَحْوِهِ أَوْ الْجَمْرِ الْمُلْتَهِبِ.
وَالْمِيَاهُ الرَّدِيئَةُ يُصْلِحُهَا الْخَلُّ وَنَحْوُهُ وَمَاءُ الْآبَارِ قَلِيلُ اللُّطْفِ وَمَاءُ الْقِنَى الْمَدْفُونَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ ثَقِيلٌ لِتَعَفُّنِ أَحَدِهِمَا بِانْحِقَانِهِ وَحَجْبِ الْآخَرِ عَنْ الْهَوَاءِ، وَيَنْبَغِي تَرْكُ شُرْبِهِ حَتَّى يُضَمَّدَ لِلْهَوَاءِ، وَيَأْتِيَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ. وَأَرْدَؤُهُ مَاءُ مَجَارِيهِ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ خَاصَّةً إنْ كَانَتْ تُرْبَتُهَا رَدِيئَةً.
وَأَمَّا مَاءُ الْبَحْرِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣] .
أَيْ خَلَّى بَيْنَهُمَا مَعْنَاهُ أَرْسَلَهُمَا فِي مَجَارِيهمَا فَمَا يَلْتَقِيَانِ (هَذَا عَذْبٌ) طَيِّبٌ (فُرَاتٌ) صِفَةٌ لِعَذْبٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْمَاءِ عُذُوبَةً (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) يُقَالُ: مَاءٌ مِلْحٌ وَاسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَقِيلَ: هُوَ لُغَةً وَالْأُجَاجُ صِفَةُ الْمِلْحِ قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهُوَ الْمُرُّ الشَّدِيدُ الْمَرَارَةِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ أَشَدُّ الْمَاءِ مُلُوحَةً، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُخَالِطُهُ مَرَارَةٌ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ [الفرقان: ٥٣] أَيْ حَاجِزًا وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ فَهُمَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ مُنْفَصِلَانِ لَا يَخْتَلِطَانِ وَقَدْ يَكُونَانِ
стр. 974
فِي مَرْأَى الْعَيْنِ مُخْتَلِطَيْنِ، وَقِيلَ: الْحَاجِزُ الْأَرْضُ وَالْيَبَسُ قَالَهُ الْحَسَنُ ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] .
أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا أَنْ يَغْلِبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ سُبْحَانَهُ مَاءَ الْبَحْرِ كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَيَمُوتُ فِيهِ كَثِيرًا وَلَوْ كَانَ حُلْوًا لَأَنْتَنَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ الْهَوَاءُ، وَيَكْتَسِبُ مِنْهُ ذَلِكَ فَيَفْسُدُ الْعَالَمُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ وَلَا يُغَيِّرُهُ شَيْءٌ أَبَدًا، وَلِأَنَّ أَرْضَهُ سُخْنَةٌ مَالِحَةٌ وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ يَنْفَعُ مِنْ الشُّقُوقِ الْعَارِضَةِ عَنْ بَرْدٍ إذَا اغْتَسَلْت بِهِ، وَيَقْتُلُ الْقَمْلَ وَيُحَلِّلُ الدَّمَ الْمُنْعَقِدَ تَحْتَ الْجِلْدِ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ وَالْقَوَابِي وَالْفَالِجِ وَالْخَدْرِ وَأَوْرَامِ الثَّدْيِ وَيُحْتَقَنُ بِهِ لِلْمَغَصِ وَيُسْقَى فَيُسَهِّلُ ثُمَّ يُشْرَبُ بَعْدَهُ مَرَقُ الدَّجَاجِ فَيَكْسِرُ لَذْعَهُ، وَالْجُلُوسُ فِيهِ يَنْفَعُ مِنْ لَسْعِ الْأَفْعَى وَسَائِرِ الْهَوَامِّ الْقَتَّالَةِ وَشُرْبُهُ يُؤْذِي، فَإِنَّهُ يُعَطِّشُ وَيُهَزِّلُ وَيُحْدِثُ حَكَّةً وَجَرَبًا وَنَفْخًا، وَقَدْ يُتَدَارَكُ ضَرَرُهُ بِاللَّبَنِ وَالْأَشْيَاءِ الدَّسِمَةِ.
وَقَدْ يُدَبَّرُ الْمَاءُ الْمَالِحُ فَيَعْذُبُ بِأَنْ يُوضَعَ فِي إنَاءٍ كَالْقَدَحِ مِنْ شَمْعٍ، فَإِنَّهُ يُرَشَّحُ إلَيْهِ مِنْ خَارِجِهِ مَاءٌ عَذْبٌ أَوْ يُجْعَلَ فِي قِدْرٍ وَيُجْعَلُ فَوْقَ الْقِدْرِ قُضْبَانٌ عَلَيْهَا صُوفٌ مَنْفُوشٌ وَيُوقَدُ تَحْتَ الْقِدْرِ حَتَّى يَرْتَفِعَ بُخَارُهَا إلَى الصُّوفِ فَإِذَا كَثُرَ عَصْرُهُ لَا يَزَالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهُ مَا يُرِيدُ فَيَحْصُلَ لَهُ مِنْ الْبُخَارِ فِي الصُّوفِ مَاءٌ عَذْبٌ أَوْ يَحْفِرَ إلَى جَانِبِهِ حُفْرَةً يُرَشَّحُ مَاؤُهُ إلَيْهَا ثُمَّ أُخْرَى إلَى جَانِبِهَا تُرَشَّحُ هِيَ إلَيْهَا ثُمَّ ثَالِثَةٌ إلَى أَنْ يَعْذُبَ وَيُخْلَطَ بِطِينٍ جَيِّدٍ أَوْ يُخْلَطَ بِسَوِيقٍ فِي جِرَارٍ جُدُدٍ وَتُسْتَقْطَرَ، وَشُرْبُهُ عَلَيْهِ أَغْذِيَةٌ دَسِمَةٌ أَقَلُّ لِضَرَرِهِ، فَالْمَاءُ الْمُرُّ يُمْزَجُ بِحُلْوٍ وَيُؤْكَلُ عَلَيْهِ الْحُلْوُ، وَالْمَاءُ الْمَالِحُ الْعَادِمُ لِلْمَرَارَةِ حَارٌّ يَابِسٌ يُسَخَّنُ وَيُجَفَّفُ وَيُطْلِقُ الطَّبْعَ، فَإِذَا أَدَمْنَ عَلَيْهِ عَقَلَ وَهُوَ كَمَا سَبَقَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ.
وَأَمَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَمَاءٌ شَرِيفٌ مُبَارَكٌ. أَشْرَفُ الْمِيَاهِ وَأَجَلُّهَا عِنْدَ النَّاسِ وَهُوَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ التَّضَلُّعُ مِنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفِقْهِ وَسَبَقَ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي فُصُولِ الصِّحَّةِ.
وَأَمَّا الْأَنْهَارُ الَّتِي مِنْ الْجَنَّةِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
стр. 975
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلُّهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» .
стр. 976
وَفِي مُسْلِمٍ أَوْ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ لَمَّا ذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى قَالَ وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى «أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ فِي الْجَنَّةِ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ: مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ» .
قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْضِ بِخُرُوجِ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ مِنْ أَصْلِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَلْزَمُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَنْهَارَ تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ تَسِيرُ حَيْثُ أَرَادَ اللَّهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الْأَرْضِ وَتَسِيرَ فِيهَا.
وَالْفُرَاتُ بِالتَّاءِ الْمُمْتَدَّةِ فِي الْخَطِّ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ مِنْ أَجْوَدِ الْمِيَاهِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي يَسْقِيهَا النِّيلُ إبلين أَصْلِيَّةً إنْ أَمْطَرَ مَطَرَ الْعَادَةِ لَمْ تُرْوَ فَلَا يَتَهَيَّأُ النَّبَاتُ وَفَوْقَ الْعَادَةِ يَضُرُّ بِهَا وَبِسَاكِنِيهَا فَسَاقَ إلَيْهَا سُبْحَانَهُ هَذَا النَّهْرَ الْعَظِيمَ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُهُ فِي أَقْصَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَمْطَارٍ تَجْتَمِعُ هُنَاكَ وَسُيُولٍ وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ زِيَادَتَهُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكِفَايَةِ الْبِلَادِ فَإِذَا اكْتَفَتْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِتَنَاقُصِهِ لِمَصْلَحَةِ الزَّرْعِ فَسُبْحَانَ مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
стр. 977
فَصْلٌ وَأَمَّا مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ يَكْتَسِبُ مِنْ مَعْدِنِهِ وَيُؤَثِّرُ تَأْثِيرَهُ قَالَ الْأَطِبَّاءُ فِي الْمَاءِ الزِّفْتِيِّ وَالْكِبْرِيتِيِّ وَالنِّفْطِيِّ وَمَاءِ الْعِثَارِ يُسَخَّنُ وَيُجَفَّفُ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَهَقِ وَالْبَرَصِ وَالثَّآلِيلِ، وَأَوْرَامِ الْمَفَاصِلِ، وَالصَّلَابَاتِ، وَالْجَرَبِ، وَالْقَوَابِي إذَا اُسْتُحِمَّ بِهِ، وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الْعَصَبِ الْبَارِدَةِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ جُلُوسًا فِيهِ وَشُرْبًا وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْعَيْنِ يُحْدِثُ الْحِسِّيَّاتِ وَيُصْلِحُهُ رُبُوبُ الْفَوَاكِهِ الْحَامِضَةِ.
وَالْمَاءُ الشَّبِّيُّ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَرْضٍ شبية أَجْوَدُهُ السَّائِغُ الْقَلِيلُ الْقَبْضِ وَهُوَ يُبَرَّدُ وَيُجَفِّفُ، وَيَمْنَعُ الْإِسْقَاطَ وَيُرِقُّ الْحَيْضَ، وَقِيَامَ الدَّمِ وَبَعْثَهُ وَالدَّرْبَ وَالْبَوَاسِيرَ وَهُوَ يُحْدِثُ الْقُولَنْجَ وَهَذِهِ الْمِيَاهُ يُتَدَاوَى بِهَا مِنْ خَارِجٍ وَلَا تَصْلُحُ لِلشُّرْبِ.
وَالْمَاءُ الزِّئْبَقِيُّ يَجْرِي عَلَى مَعْدِنِ الزِّئْبَقِ يُغْتَسَلُ بِهِ لِلْحَكَّةِ وَالْقَمْلِ. وَالْمَاءُ الْحَدِيدِيُّ يَنْبُعُ مِنْ مَعْدِنِ الْحَدِيدِ يُسَخَّنُ وَيُجَفَّفُ، وَيَنْفَعُ الطِّحَالَ وَالْمَعِدَةَ، وَيَحْبِسُ الْبَطْنَ، وَيَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَيُقَوِّيهَا. وَأَمَّا الْمَطْفِيُّ فِيهِ الْحَدِيدُ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ نَفْثِ الدَّمِ، وَيَزِيدُ فِي الْبَاهِ.
وَالْمَاءُ النُّحَاسِيُّ يَنْبُعُ مِنْ مَعْدِنِ النُّحَاسِ يَنْفَعُ الْفَمَ وَالْآذَانَ وَالطِّحَالَ وَالْمَعِدَةَ وَرُطُوبَاتِ الْبَدَنِ وَفَسَادَ الْمِزَاجِ وَيُحْدِثُ عُسْرَ الْبَوْلِ. وَالْمَاءُ الْفِضِّيُّ يَنْبُعُ مِنْ مَعْدِنِ الْفِضَّةِ يُبَرَّدُ وَيُجَفَّفُ بِاعْتِدَالٍ. وَالْمَاءُ النَّطْرُونِيُّ يَجْرِي عَلَى مَعْدِنِ النَّطْرُونِ وَهُوَ البورق الْأَرْمَنِيُّ يُطْلِقُ الطَّبْعَ.
وَمَاءُ الْكَافُورِ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ يَسْتَخْرِجُ الزَّفَرَ مِنْ الْيَدِ. وَمِنْ خَوَاصِّهِ إذَا جُعِلَ عَلَى طَعَامٍ لَمْ تَقْرَبْهُ ذُبَابَةٌ وَرَائِحَتُهُ تَضُرُّ بِالصُّدَاعِ مِنْ حَرٍّ وَيُصْلِحُهُ خَلْطُهُ بِدُهْنِ بَنَفْسَجٍ.
стр. 978
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْمِلْحِ]
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَنَّاطِ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ بِالِاتِّفَاقِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ» وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ مَرْفُوعًا «سَتُوشِكُونَ أَنْ تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، وَلَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ» .
وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ: الْحَدِيدُ، وَالنَّارُ، وَالْمَاءُ، وَالْمِلْحُ» قَالَ الْأَطِبَّاءُ: فِي الْمِلْحِ مَرَارَةٌ وَقَبْضٌ، وَالْمُرُّ مِنْهُ قَرِيبٌ مِنْ البورق هَشٌّ وَمِنْهُ أندراني كَالْبَلُّورِ، وَمِنْهُ نِفْطِيٌّ أَسْوَدُ، وَمِنْهُ بَحْرِيٌّ يَذُوبُ كَمَا يَصُبُّهُ الْمَاءُ.
وَأَجْوَدُهُ الأندراني الْأَبْيَضُ الرَّقِيقُ وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّانِيَةِ جَلَّاءٌ مُحَلِّلٌ قَابِضٌ يُكْثِرُ مِنْ الرِّيَاحِ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْعُفُونَةِ، وَيَنْفَعُ مِنْ غِلَظِ الْأَخْلَاطِ وَيُذِيبُهَا. وَاسْتِعْمَالُ الْمِلْحِ بِالْغَدَاةِ يُحَسِّنُ اللَّوْنَ وَمَعَ الْعَسَلِ وَالزَّيْتِ يُضَمَّدُ بِهِ الدَّمَامِيلُ لِيُنْضِجَهَا وَمَعَ الفوندج وَالْعَسَلِ لِلْأَوْرَامِ الْبَلْغَمِيَّةِ، وَهُوَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ الزَّائِدَ، وَيَنْفَعُ مِنْ الْجَرَبِ الْمُتَقَرِّحِ وَالْحَكَّةِ الْبَلْغَمِيَّةِ وَالنِّقْرِسِ وَيُطْلَى بِهِ مَعَ شَجَرِ الْحَنْظَلِ بُثُورُ الرَّأْسِ. والأندراني يُحِدُّ الْبَخَرَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَيُسَهِّلُ خُرُوجَ التُّفْلِ وَانْحِدَارَ الطَّعَامِ، وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الْمَعِدَةِ الْبَارِدَةِ وَيُسَهِّلُ الْبَلْغَمَ الْعَفِنَ وَالنُّخَامَ وَالسَّوْدَاءَ وَقَدْرُ شَرْبَتِهِ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَيُضَمَّدُ بِهِ مَعَ بِزْرِ كَتَّانٍ لِلَسْعِ الْعَقْرَبِ وَمَعَ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ لِلزَّنَابِيرِ، وَيُشْرَبُ مَعَ سَكَنْجَبِينٍ فَيَدْفَعُ مَضَرَّةَ الْفِطْرِ الْقَتَّالِ وَالْأَفْيُونُ وَالْمِلْحِ الْمُحَرَّقُ يَجْلُو الْأَسْنَانَ وَالْمُرُّ مِنْهُ يُسَهِّلُ السَّوْدَاءَ بِقُوَّةٍ.
وَالْمِلْحُ يَضُرُّ الدِّمَاغَ وَالْبَصَرَ وَالرِّئَةَ وَيُصْلِحُهُ غَسْلُهُ وَشَيُّهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ الصَّعْتَرُ. وَفِي الْمِلْحِ قُوَّةٌ تَزِيدُ الذَّهَبَ صُفْرَةً وَالْفِضَّةَ بَيَاضًا، وَيَمْنَعُ الْقُرُوحَ الْخَبِيثَةَ مِنْ الِانْتِشَارِ. وَإِذَا دُلِّكَ بِهِ بُطُونُ أَصْحَابِ الِاسْتِسْقَاءِ نَفَعَهُمْ.
стр. 979
وَالْمِلْحُ الْهِنْدِيُّ حَارٌّ يَابِسٌ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الْمِلْحِ إسْخَانًا وَتَلْطِيفًا.
الْمِلْحُ النِّفْطِيُّ، أَجْوَدُهُ الْمُنْتِنُ الرَّائِحَةِ حَارٌّ يَابِسٌ يُعِينُ عَلَى الْقَيْءِ وَيُسَهِّلُ السَّوْدَاءَ، وَقَدْرُ شَرْبَتِهِ إلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ، وَيَضُرُّ بِالْمِعَى وَيُصْلِحُهُ الْهَلِيلَجُ مِلْحُ بابازير حَارٌّ يَابِسٌ يَهْضِمُ الْغِذَاءَ وَيُنْفِذُهُ وَيُجَفِّفُ الْبَدَنَ وَيُصْلِحُهُ الْخَشْخَاشُ وَالصَّعْتَرُ، فَإِنَّ الصَّعْتَرَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الثَّالِثَةِ مُحَلِّلٌ مُلَطِّفٌ يَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الْوَرِكَيْنِ وَيُسَكِّنُ وَجَعَ الضِّرْسِ إذَا مُضِغَ، وَيَنْفَعُ الْكَبِدَ وَالْمَعِدَةَ وَيُخْرِجُ الدِّيدَانَ وَيُدِرُّ وَيُشَهِّي الطَّعَامَ وَيُحَلِّلُ الرِّيَاحَ وَأَكْلُهُ يَنْفَعُ مِنْ غِشَاوَةِ الْبَصَرِ الْحَادِثَةِ عَنْ رُطُوبَةٍ، وَيَنْفَعُ الصَّدْرَ وَالرِّئَةَ دُهْنُهُ، وَقِيلَ: يَضُرُّ بِالْأَرْنَبَةِ وَيُصْلِحُهُ الْخَلُّ.
стр. 980
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ النُّورَةِ]
رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي هَاشِمٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا اطَّلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَةِ وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ،» وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ» . أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالثَّانِي كَذَلِكَ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ مِمَّنْ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ، وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَشْيَاءُ أَنْكَرْتُهَا وَمَعَ هَذَا أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ مَرَّةً لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَمَرَّةً لَا بَأْسَ بِهِ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ لَكِنْ فِي سَمَاعِ حَبِيبٍ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَمْثَلُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ أَنَّ مُهَنَّا قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْحَدِيثُ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ «مَا اطَّلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَطَّلِي وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَسْنَدَهُ كَامِلٌ أَبُو الْعَلَاءِ وَأَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵉. وَالنُّورَةُ مِنْ الْأَجْسَامِ الْحَرِيفِيَّةِ الْحَجَرِيَّةِ وَأَجْوَدُهَا الْبَيْضَاءُ السَّرِيعَةُ التَّحَلُّلِ وَغَيْرُ الْمُطْفَأَةِ شَدِيدَةُ الْحَرَارَةِ مُلَطِّفَةٌ مُحْرِقَةٌ جِدًّا. وَالْمُطْفَأَةُ مِنْهَا إذَا بَقِيَتْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِنَّهَا لَا تَحْرِقُ بَلْ تُسَخِّنُ فَقَطْ.
وَالْمَغْسُولَةُ
стр. 981
مُعْتَدِلَةٌ يَابِسَةٌ وَالنُّورَةُ تَقْطَعُ نَزْفَ الدَّمِ إذَا وُضِعَتْ عَلَى الْمَوْضِعِ وَالْمَغْسُولَةُ مُجَفَّفَةٌ بِغَيْرِ لَذْعٍ وَتَأْكُلُ اللَّحْمَ الزَّائِدَ وَتُدْمِلُ وَتَنْفَعُ مِنْ حَرْقِ النَّارِ جِدًّا، وَهِيَ تَضُرُّ بِالنَّحِيفِ إذَا طَلَى بِهَا بَدَنَهُ فِي الْحَمَّامِ وَإِذَا طَلَى بِهَا الْجِلْدَ أَبْرَزَتْ مَا تَحْتَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْهَنَ بَنَفْسَجٌ وَمَاءُ وَرْدٍ وَالْعُصْفُرُ وَبَزْرُ الْبِطِّيخِ وَدَقِيقُ الْأُرْزِ مَعَ مَاءِ وَرْدٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُطْلَى مَكَانُهَا بِالْحِنَّاءِ، وَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهَا تُنَقَّطُ فَيُطْلَى بِدُهْنٍ مَعَ دَقِيقِ عَدَسٍ وَخَلٍّ وَمَاءٍ بَارِدٍ، وَشُرْبُهَا قَتَّالٌ يَعْرِضُ لِمَنْ سُقِيَ مِنْهَا يَبَسُ الْفَمِ وَوَجَعُ الْمَعِدَةِ وَحَرْقُهَا وَعُسْرُ الْبَوْلِ وَالْمَغَصُ وَاسْتِطْلَاقُ الدَّمِ مِنْ الْبَطْنِ لِتَقْرِيحِهَا الْمِعَى وَتَخْرُجُ النُّورَةُ فِي بَوْلِهِ، وَرُبَّمَا عَرَضَ بَرْدُ الْأَطْرَافِ وَالْغَثْيُ وَرُبَّمَا عَرَضَ الْخَفَقَانُ وَيُدَاوَى بِالْقَيْءِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَالدُّهْنِ ثُمَّ بِاللَّبَنِ الْحَلِيبِ وَدُهْنِ اللَّوْزِ وَالْجَلَّابِ وَالْأَمْرَاقِ الدَّسِمَةِ كَمَرَقِ الدَّجَاجِ الْمُسَمَّنِ بِدُهْنِ اللَّوْزِ.
стр. 982
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ النَّبْقِ وَهُوَ ثَمَرُ السِّدْرِ]
ِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى وَجْهِ وَادٍ بِالطَّائِفِ فَأَعْجَبَهُمْ سِدْرُهُ فَقَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ هَذَا. وَهَلِ الْمَخْضُودُ الَّذِي لَا شَوْكَ فِيهِ أَوْ الْمُوَقَّرُ حَمْلُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: هُمَا وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ [سبأ: ١٦] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِسُكُونِ الْكَافِ، وَقَرَأَ غَيْرُهُمَا بِضَمِّهَا، وَقَرَأَ غَيْرُ أَبِي عَمْرٍو (أُكُلٍ) بِالتَّنْوِينِ وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو بِإِضَافَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ: الْخَمْطُ الْأَرَاكُ، وَقِيلَ: كُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، وَقِيلَ: نَبْتٌ طَعْمُهُ مُرٌّ فَعَلَى هَذَا الْخَمْطُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فَتَحْسُنُ قِرَاءَةُ مَنْ نَوَّنَ الْأُكُلَ وَعَلَى مَا قَبْلَهُ هُوَ اسْمُ شَجَرَةٍ وَالْأُكُلُ ثَمَرُهَا فَتَحْسُنُ قِرَاءَةُ مَنْ أَضَافَ. وَالْأَثْلُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الطَّرْفَاءُ، وَقِيلَ: شَجَرٌ يُشْبِهُهُ، وَقِيلَ: السَّمَرُ ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٦] .
وَهُوَ شَجَرَةُ النَّبْقِ أَيْ كَانَ الْخَمْطُ وَالْأَثْلُ أَكْثَرَ مِنْ السِّدْرِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] يُقَالُ فِي أَفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزَى اللَّهُ الْمُؤْمِنَ وَلَا يُقَالُ جَازَاهُ فَقِيلَ: جَازَاهُ أَيْ كَافَأَهُ فَالْكَافِرُ يُجَازَى بِسَيِّئَاتِهِ مِثْلَهَا مُكَافَأَةً لَهُ، وَالْمُؤْمِنُ يُزَادُ فِي ثَوَابِهِ
стр. 983
وَيُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْكَافِرُ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَيُجَازَى بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِ، وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ لَا يُنَاقَشُ الْحِسَابَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ» وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مَرْفُوعًا «أَنَّ آدَمَ لَمَّا هَبَطَ إلَى الْأَرْضِ كَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ أَكَلَ مِنْ ثِمَارِهَا النَّبْقَ» .
النَّبْقُ بِسُكُونِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَهُوَ ثَمَرُ السِّدْرِ الْوَاحِدَةُ نَبِقَةٌ وَنَبْقٌ وَنَبَقَاتٌ مِثْلُ كَلِمَةٍ وَكَلِمٍ وَكَلِمَاتٍ، وَالنَّبْقُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَبَرْدُهُ أَقَلُّ مِنْ بَرْدِ الرَّطْبِ وَفِيهِ تَجْفِيفٌ وَتَلْطِيفٌ وَهُوَ قَابِضٌ يُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَخَاصَّةً إذَا قُلِيَ وَدُقَّ مَعَ نَوَاهُ، وَقِيلَ: النَّبْقُ رَطْبٌ، وَقِيلَ: رَطْبُهُ رَطْبٌ وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِ بِالشَّهْدِ وَغِذَاءُ النَّاسِ مِنْ النَّبْقِ يَسِيرٌ وَالنَّبْقُ يُسَكِّنُ الصَّفْرَاءَ وَيُشَهِّي الطَّعَامَ وَيُوَلِّدُ بَلْغَمًا وَهُوَ بَطِيءُ الْهَضْمِ، وَوَرَقُهُ وَهُوَ السِّدْرُ مُعْتَدِلٌ مُجَفَّفٌ قَابِضٌ لَطِيفٌ يُقَوِّي الشَّعْرَ، وَيَمْنَعُ مِنْ انْتِشَارِهِ وَيُنْضِجُ الْأَوْرَامَ وَفِيهِ تَحْلِيلٌ وَالطَّرِيُّ مِنْهُ مَعَ الْخَلِّ يَنْفَعُ مِنْ تَقْشِيرِ الْجِلْدِ وَطَرِيُّهُ أَيْضًا يَلْصَقُ الْجِرَاحَاتِ وَيُقَوِّي الْعِظَامَ الْوَاهِنَةَ الْوَاهِيَةَ إذَا ضُمِّدَتْ بِهِ أَوْ نُطِلَتْ بِالْمَاءِ الْمَطْبُوخِ فِيهِ.
قَالَ الْأَطِبَّاءُ: الْأَثْلُ ضَرْبٌ مِنْ الطَّرْفَاءِ بَارِدٌ يَابِسٌ فِيهِ قَبْضٌ وَتَجْفِيفٌ. وَثَمَرَتُهُ أَشَدُّ قَبْضًا، وَقِيلَ: إنَّهُ حَارٌّ وَطَبِيخُهُ يُسْتَعْمَلُ نُطُولًا عَلَى الْقَمْلِ فَيَقْتُلُهُ وَوَرَقُهُ لِلْأَوْرَامِ وَالرَّخْوَةِ وَدُخَانُهُ يُجَفِّفُ الْقُرُوحَ الرَّطْبَةَ وَالْجُدَرِيَّ وَرَمَادُهُ عَلَى حُرُوقِ النَّارِ وَالْقُرُوحِ الرَّطْبَةِ وَثَمَرَتُهُ مَعَ رَمَادِهِ تَأْكُلُ اللَّحْمَ الزَّائِدَ وَالْقُرُوحَ الْعَسِرَةَ الِانْدِمَالِ وَطَبِيخُ وَرَقِهِ بِالسَّذَابِ يَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ مَضْمَضَةً وَثَمَرَتُهُ تَنْفَعُ مِنْ النَّفْثِ الْمُزْمِنِ وَيُضَمَّدُ بِقُضْبَانِهِ الْمَطْبُوخَةِ بِالْخَلِّ حَتَّى يَتَهَرَّى الطِّحَالُ وَيُجْلَسُ فِي طَبِيخِهِ لِسَيَلَانِ الرَّحِمِ وَثَمَرَتُهُ تَنْفَعُ مِنْ نَهْشِ الرَّتِيلَا.
стр. 984
[فَصْلٌ فِي خَوَاصِّ الْهِنْدَبَا]
(الْهِنْدَبَا مِنْ الْمَوْضُوعِ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ «كُلُوا الْهِنْدَبَاءَ وَلَا تَنْفُضُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَوْمٌ مِنْ الْأَيَّامِ إلَّا وَقَطَرَاتٌ مِنْ الْجَنَّةِ تَقْطُرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَكَلَ الْهِنْدَبَا وَنَامَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ فِيهِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ وَمَا مِنْ وَرَقَةٍ مِنْ وَرِقِ الْهِنْدَبَا إلَّا وَعَلَيْهَا قَطْرَةٌ مِنْ الْجَنَّةِ» . وَالْهِنْدَبَا بَرِّيٌّ وَبُسْتَانِيٌّ عَرِيضُ الْوَرَقِ وَدَقِيقُ الْوَرَقِ، وَقَدْ تَشْتَدُّ مَرَارَتُهُ فِي الصَّيْفِ فَيَمِيلُ إلَى قَلِيلِ حَرَارَةٍ وَلَا يُؤَثِّرُ، وَالْبُسْتَانِيُّ أَجْوَدُ وَأَفْضَلُهُ الشَّامِيُّ وَهِيَ بَارِدَةٌ فِي آخِرِ الْأُولَى رَطْبَةٌ فِي آخِرِهَا أَيْضًا.
وَقِيلَ: يَابِسَةٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْبَرِّيُّ أَقَلُّ رُطُوبَةً، وَقِيلَ: الْهِنْدَبَا فِي الشِّتَاءِ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ وَفِي الصَّيْفِ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ وَفِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ مُعْتَدِلَةٌ، وَالْهِنْدَبَا تَفْتَحُ سُدَدَ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالْعُرُوقِ وَالْأَحْشَاءِ وَتُنَقِّي مَجَارِي الْكُلَى وَأَنْفَعُهَا لِلْكَبِدِ أَمَرُّهَا، وَفِيهَا قَبْضٌ لَيْسَ بِشَدِيدٍ وَهِيَ تُبَرِّدُ طِلَاءً مَعَ إسْفِيدَاجِ الرَّصَاصِ وَيُضَمَّدُ بِهَا لِلنِّقْرِسِ وَتَنْفَعُ لِلرَّمَدِ الْحَارِّ وَيُضَمَّدُ بِهَا الْخَفَقَانُ مَعَ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَيُسَكَّنُ الْغَثَيَانُ وَهَيَجَانُ الصَّفْرَاءِ وَحَرَارَةُ الْمَعِدَةِ وَتَعَقُّلُ الْبَطْنِ وَتَنْفَعُ مِنْ حُمَّى الرِّبْعِ وَلَسْعِ الْعَقْرَبِ وَالْهَوَامِّ وَالزَّنَابِيرِ وَالْحَيَّةِ وَسَامٍّ أَبْرَصَ ضِمَادًا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ السَّوِيقِ.
وَإِذَا دُقَّتْ وَوُضِعَتْ عَلَى الْأَوْرَامِ الْحَارَّةِ بَرَّدَتْهَا وَحَلَّلَتْهَا، وَأَصْلَحُ مَا أُكِلَتْ غَيْرَ مَغْسُولَةٍ وَلَا مَنْفُوضَةٍ لِئَلَّا تُفَارِقَهَا قُوَّتُهَا بِذَلِكَ وَفِيهَا مَعَ ذَلِكَ قُوَّةٌ تِرْيَاقِيَّةٌ تَنْفَعُ مِنْ جَمِيعِ السُّمُومِ، وَيَدْخُلُ وَرَقُهَا
стр. 985
فِي التِّرْيَاقِ وَمَاؤُهَا يَنْفَعُ مِنْ الْيَرَقَانِ السددي لَا سِيَّمَا إذَا خُلِطَ بِهِ مَاءُ الرازيانج الرَّطْبِ وَشُرْبُ مَائِهَا أَيْضًا يَنْفَعُ مِنْ لَسْعِ الْأَفَاعِي وَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ، وَإِذَا اُكْتُحِلَ بِمَائِهَا يَنْفَعُ مِنْ الْغِشَاوَةِ، وَإِذَا صُبَّ عَلَى مَائِهَا الزَّيْتُ خَلَّصَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْقَتَّالَةِ كُلِّهَا، وَلَبَنُ الْهِنْدَبَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَرِّيُّ يَجْلُو بَيَاضَ الْعَيْنِ، وَالْهِنْدَبَا بَطِيئَةُ الْهَضْمِ وَتَصْلُحُ بِالرَّشَادِ
следующие страницы →