← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21584

نهاية الرتبة في طلب الحسبة - الشيزري

عبد الرحمن بن نصر الشيرزي

Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.

стр. 106

عَلَى الطِّحَالِ؛ [وَ] يَنْفَعُ فَصْدُ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا لِلِاسْتِسْقَاءِ (١)، وَالْأَيْسَرُ يَنْفَعُ لِلطِّحَالِ (٢). فَصْلٌ وَأَمَّا عُرُوقُ الرِّجْلَيْنِ، فَأَرْبَعَةٌ، مِنْهَا عِرْقُ النَّسَا (٣)، وَيُفْصَدُ عِنْدَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ مِنْ الْكَعْبِ، فَإِنْ خَفِيَ فَلْتُفْصَدْ الشُّعْبَةُ الَّتِي بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ [مِنْ الْقَدَمِ]؛ وَمَنْفَعَةُ (٤) ذَلِكَ عَظِيمَةٌ، سِيَّمَا فِي النِّقْرِسِ (٥) وَالدَّوَالِي (٦) وَدَاءِ الْفِيلِ (٧). وَمِنْهَا عِرْقُ الصَّافِنِ (٨)، وَهُوَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ [مِنْ السَّاقِ]، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ عِرْقِ النَّسَا، وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ الْبَوَاسِيرِ، وَيَدِرُّ الطَّمْثَ، وَيَنْفَعُ الْأَعْضَاءَ الَّتِي تَحْتَ الْكَبِدِ. وَمِنْهَا عِرْقٌ مَأْبِضٌ [تَحْتَ] (٩) الرُّكْبَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّافِنِ فِي النَّفْعِ. وَمِنْهَا الْعِرْقُ الَّذِي خَلْفَ الْعُرْقُوبِ، وَكَأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ الصَّافِنِ، وَمَنْفَعَةُ فَصْدِهِ مِثْلُ الصَّافِنِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْعُرُوقُ وَالشَّرَايِينُ الْمَفْصُودَةُ فِي الْغَالِبِ، وَيَجُوزُ فَصْدُهَا، فَهِيَ الصِّغَارُ وَالْبَعِيدَةُ مِنْ الْقَلْبِ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ الَّتِي يَرْقَأُ دَمُهَا إذَا فُصِدَتْ. وَأَمَّا الشَّرَايِينُ الْكِبَارُ الْقَرِيبَةُ الْوَضْعِ مِنْ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْقَأُ (١٠) دَمُهَا إذَا فُصِدَتْ، وَاَلَّتِي يَجُوزُ فَصْدُهَا [مِنْهَا]- عَلَى الْأَكْثَرِ - شِرْيَانُ

стр. 107

الصُّدْغَيْنِ، وَالشِّرْيَانَانِ اللَّذَانِ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ؛ وَقَدْ أَمَرَ جَالِينُوسُ (١) بِفَصْدِهَا فِي الْمَنَامِ. فَصْلٌ وَالْحِجَامَةُ (٢) عَظِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ أَقَلُّ خَطَرًا مِنْ الْفِصَادَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَجَّامُ خَفِيفًا رَشِيقًا، خَبِيرًا بِالصِّنَاعَةِ، فَيُخِفُّ يَدَهُ فِي الشُّرُوطِ وَيَسْتَعْجِلُ، ثُمَّ يُعَلِّقُ الْمِحْجَمَةَ (٣). وَتَكُونُ التَّعْلِيقَةُ الْأُولَى خَفِيفَةً سَرِيعَةَ الْقَلْعِ (٤)، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلَى الْقَلْعِ بِإِبْطَاءٍ وَإِمْهَالٍ. وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْتَحِنَ الْحَجَّامَ بِوَرَقَةٍ يُلْصِقُهَا عَلَى آجُرَّةٍ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِشَرْطِهَا، فَإِنْ نَفَذَ الشَّرْطُ كَانَ ثَقِيلَ الْيَدِ سَيِّئَ الصِّنَاعَةِ؛ وَعَلَامَةُ حِذْقِ الْحَجَّامِ خِفَّةُ يَدِهِ، وَأَلَّا يُوجِعَ الْمَحْجُومَ. فَصْلٌ وَقَدْ ذَكَرَتْ الْحُكَمَاءُ أَنَّ الْحِجَامَةَ تُكْرَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ [وَفِي آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْلَاطَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ] (٥) لَا تَكُونُ قَدْ تَحَرَّكَتْ وَلَا هَاجَتْ، وَفِي آخِرِهِ [تَكُونُ] (٦) قَدْ نَقَصَتْ، فَلَا تُفِيدُ الْحِجَامَةُ شَيْئًا. وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ الْحِجَامَةُ وَسَطَ الشَّهْرِ، إذَا تَكَامَلَ النُّورُ فِي جُرْمِ الْقَمَرِ،

стр. 108

لِأَنَّ الْأَخْلَاطَ تَكُونُ هَائِجَةً، وَتَكُونُ الْأَدْمِغَةُ زَائِدَةً فِي الْأَقْحَافِ (١)؛ وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ الْحِجَامَةِ السَّاعَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ النَّهَارِ. [ فَصْلٌ] (٢) وَأَمَّا مَنَافِعُ الْحِجَامَةِ، فَإِنَّهَا (٣) عَلَى النُّقْرَةِ (٤) خَلِيفَةُ (٥) فَصْدِ الْأَكْحَلِ، وَتَنْفَعُ مِنْ ثِقَلِ الْحَاجِبَيْنِ، وَجَرَبِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْبَخَرِ فِي الْفَمِ؛ غَيْرُ أَنَّهَا تُورِثُ النِّسْيَانَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ مُؤَخَّرَ الدِّمَاغِ مَوْضِعُ الْحِفْظِ، وَتُضْعِفُهُ الْحِجَامَةُ». وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْأَكْحَلِ (٦) خَلِيفَةُ فَصْدُ الباسليق (٧)، وَتَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْمَنْكِبِ وَالْحَلْقِ، غَيْرُ أَنَّهَا تُضْعِفُ فَمَ الْمَعِدَةِ. وَالْحِجَامَةُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ (٨) خَلِيفَةُ فَصْدِ الْقِيفَالِ (٩)، وَتَنْفَعُ الْوَجْهَ وَالْأَسْنَانَ وَالْأَضْرَاسَ، وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْأَنْفَ وَالْحَلْقَ، وَرَعْشَةَ الرَّأْسِ؛ غَيْرُ أَنَّهَا تُحْدِثُ رَعْشَةً فِي الرَّأْسِ لِمَنْ لَمْ [يَكُنْ] (١٠) بِهِ رَعْشَةٌ. وَالْحِجَامَةُ تَحْتَ الذَّقَنِ تَنْفَعُ الْوَجْهَ وَالْأَسْنَان وَالْحُلْقُومَ، وَتُنَقِّي الرَّأْسَ. وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْهَامَةِ (١١) تَنْفَعُ مِنْ اخْتِلَاطِ الْعَقْلِ وَالدُّوَارِ، وَتُبْطِئُ بِالشَّيْبِ؛ غَيْرُ أَنَّهَا تَضُرُّ بِالذِّهْنِ، وَتُورِثُ بَلَهًا. [وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْفَخْذَيْنِ مِنْ قُدَّامٍ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْخُصْيَتَيْنِ وَخُرَّاجَاتِ] (١٢) الْفَخْذَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ، وَاَلَّتِي عَلَى الْفَخْذَيْنِ مِنْ خَلْفٍ تَنْفَعُ مِنْ الْأَوْرَامِ وَالْخُرَّاجَاتِ الْحَادِثَةِ فِي الْأَلْيَتَيْنِ. وَالْحِجَامَةُ عَلَى السَّاقَيْنِ تَقُومُ مَقَامَ الْفَصْدِ، وَتُنَقِّي الدَّمَ، وَتَدِرُّ الطَّمْثَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 109

الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحِسْبَةِ عَلَى الْأَطِبَّاءِ وَالْكَحَّالِينَ (١) وَالْمُجَبِّرِينَ (٢) والجرائحيين (٣) الطِّبُّ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ وَعَمَلِيٌّ، أَبَاحَتْ الشَّرِيعَةُ عِلْمَهُ وَعَمَلَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ وَدَفْعِ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ عَنْ هَذِهِ الْبِنْيَةِ الشَّرِيفَةِ. وَالطَّبِيبُ هُوَ الْعَارِفُ بِتَرْكِيبِ الْبَدَنِ، وَمِزَاجِ الْأَعْضَاءِ، وَالْأَمْرَاضِ الْحَادِثَةِ فِيهَا، وَأَسْبَابِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَعَلَامَاتِهَا، وَالْأَدْوِيَةِ النَّافِعَةِ فِيهَا، وَالِاعْتِيَاضِ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا، وَالْوَجْهِ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، وَطَرِيقِ مُدَاوَاتِهَا، لِيُسَاوِيَ بَيْنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَدْوِيَةِ فِي كَمِّيَّاتِهَا، وَيُخَالِفَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَيْفِيَّاتِهَا. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ مُدَاوَاةُ الْمَرْضَى، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى عِلَاجٍ يُخَاطِرُ فِيهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ (٤) إلَى مَا لَمْ يُحْكِمْ عِلْمَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ مُلُوكَ الْيُونَانِ كَانُوا يَجْعَلُونَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ حَكِيمًا مَشْهُورًا بِالْحِكْمَةِ، ثُمَّ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أَطِبَّاءِ الْبَلَدِ لِيَمْتَحِنَهُمْ، فَمَنْ وَجَدَهُ مُقَصِّرًا فِي عَمَلِهِ أَمَرَهُ بِالِاشْتِغَالِ (٥) وَقِرَاءَةِ الْعِلْمِ، وَنَهَاهُ عَنْ الْمُدَاوَاةِ. وَيَنْبَغِي إذَا دَخَلَ الطَّبِيبُ عَلَى مَرِيضٍ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَرَضِهِ، وَعَمَّا يَجِدُ مِنْ الْأَلَمِ، [وَيَعْرِفَ السَّبَبَ وَالْعَلَامَةَ وَالنَّبْضَ وَالْقَارُورَةَ (٦)]، ثُمَّ يُرَتِّبَ لَهُ قَانُونًا (٧) مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِهَا (٨)؛ ثُمَّ يَكْتُبَ نُسْخَةً بِمَا ذَكَرَهُ لَهُ الْمَرِيضُ، وَبِمَا رَتَّبَهُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَرَضِ، وَيُسَلِّمَ نُسْخَتَهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرِيضِ، بِشَهَادَةِ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ. فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ حَضَرَ وَنَظَرَ إلَى دَائِهِ، وَسَأَلَ الْمَرِيضَ، وَرَتَّبَ لَهُ قَانُونًا عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى

стр. 110

الْحَالِ، وَكَتَبَ لَهُ نُسْخَةً أَيْضًا، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِمْ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمَرِيضُ، أَوْ يَمُوتَ. فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَخَذَ الطَّبِيبُ أُجْرَتَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ حَضَرَ أَوْلِيَاؤُهُ عِنْدَ الْحَكِيمِ (١) الْمَشْهُورِ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ النُّسَخَ الَّتِي كَتَبَهَا لَهُمْ الطَّبِيبُ، فَإِنْ رَآهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَصِنَاعَةِ الطِّبِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَقْصِيرٍ مِنْ الطَّبِيبِ أَعْلَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: " خُذُوا دِيَةَ صَاحِبِكُمْ مِنْ الطَّبِيبِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ بِسُوءِ صِنَاعَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ ". فَكَانُوا يَحْتَاطُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّرِيفَةِ إلَى هَذَا الْحَدِّ، حَتَّى [لَا] يَتَعَاطَى الطِّبَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا يَتَهَاوَنُ الطَّبِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ بُقْرَاطَ (٢) الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَطِبَّاءِ، وَيُحَلِّفَهُمْ أَلَّا يُعْطُوا أَحَدًا دَوَاءً مُضِرًّا، وَلَا يُرَكِّبُوا (٣) لَهُ سُمًّا، وَلَا يَصِفُوا التَّمَائِمَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعَامَّةِ، وَلَا يَذْكُرُوا لِلنِّسَاءِ الدَّوَاءَ الَّذِي يُسْقِطُ الْأَجِنَّةَ، وَلَا لِلرِّجَالِ الدَّوَاءَ الَّذِي يَقْطَعُ النَّسْلَ؛ وَلْيَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنْ الْمَحَارِمِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ عَلَى الْمَرْضَى، وَلَا يُفْشُوا الْأَسْرَارَ، وَلَا يَهْتِكُوا الْأَسْتَارَ. [فَصْلٌ] (٤) وَيَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ جَمِيعُ آلَاتِ الطِّبِّ عَلَى الْكَمَالِ، وَهِيَ كَلْبَاتُ

стр. 111

الْأَضْرَاسِ (١)، وَمَكَاوِي الطِّحَالِ (٢)، وَكَلْبَاتُ الْعَلَقِ (٣)، وَزَرَّاقَاتُ الْقُولَنْجِ (٤)، وَزَرَّاقَاتُ الذَّكَرِ، وَمِلْزَمُ (٥) الْبَوَاسِيرِ، وَمِخْرَطُ (٦) الْمَنَاخِيرِ، وَمِنْجَلُ (٧) النَّوَاصِيرِ، وَقَالِبُ (٨) التَّ شْمِيرِ، وَرَصَاصُ التَّثْقِيلِ (٩)، وَمِفْتَاحُ الرَّحِمِ، وَبَوَّارُ (١٠) النِّسَاءِ، وَمُكَمِّدَةُ الْحَشَا (١١)، وَقَدَحُ الشَّوْصَةِ (١٢)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ، غَيْرَ آلَةِ الْكَحَّالِينَ والجرائحيين، مِمَّا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْتَحِنَ الْأَطِبَّاءَ بِمَا ذَكَرَهُ حُنَيْنُ (١٣) بْنُ إِسْحَاقَ

стр. 112

فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ " مِحْنَةُ الطَّبِيبِ ". وَأَمَّا [كِتَابُ] " مِحْنَةُ الطَّبِيبِ " لِجَالِينُوسَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ [مِنْ الْأَطِبَّاءِ] يَقُومُ بِمَا شَرَطَهُ [جَالِينُوسُ] عَلَيْهِمْ [فِيهِ] (١). فَصْلٌ وَأَمَّا الْكَحَّالُونَ، فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِكِتَابِ حُنَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ [كَذَلِكَ]، أَعْنِي الْعَشْرَ مَقَالَاتٍ فِي الْعَيْنِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فِيمَا امْتَحَنَهُ بِهِ عَارِفًا بِتَشْرِيحِ عَدَدِ (٢) طَبَقَاتِ الْعَيْنِ السَّبْعَةِ، وَعَدَدِ رُطُوبَاتِهَا الثَّلَاثَةِ، وَعَدَدِ أَمْرَاضِهَا الثَّلَاثِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرَاضِ، وَكَانَ خَبِيرًا بِتَرْكِيبِ الْأَكْحَالِ وَأَمْزِجَةِ الْعَقَاقِيرِ، أَذِنَ لَهُ الْمُحْتَسِبُ بِالتَّصَدِّي لِمُدَاوَاةِ أَعْيُنِ النَّاسِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّطَ [الْكَحَّالُ] فِي شَيْءٍ مِنْ آلَاتِ صَنْعَتِهِ، مِثْلِ صنانير السَّبَلِ (٣)، وَالظِّفْرَةِ (٤)، وَمَحَكِّ الْجَرَبِ، وَمَبَاضِعِ الْفَصْدِ، وَدَرَجِ الْمَكَاحِلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا كَحَّالُو (٥) الطُّرُقَاتِ فَلَا يُوثَقُ بِأَكْثَرِهِمْ، إذْ لَا دِينَ لَهُمْ يَصُدُّهُمْ عَنْ التَّهَجُّمِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ بِالْقَطْعِ وَالْكَحْلِ، بِغَيْرِ عِلْمٍ وَمَخْبَرَةٍ بِالْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرْكَنَ إلَيْهِمْ فِي مُعَالَجَةِ عَيْنَيْهِ (٦)، وَلَا يَثِقَ بِإِكْحَالِهِمْ وأشيافاتهم. فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَصْنَعُ أَشْيَافًا أَصْلُهَا مِنْ النَّشَا وَالصَّمْغِ، وَيَصْبُغُهَا أَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً، فَيَصْبُغُ الْأَحْمَرَ بالأسريقون (٧)، وَالْأَخْضَرَ بِالْكُرْكُمِ وَالنِّيلِ، وَالْأَسْوَدَ

стр. 113

بالأقاقيا (١)، وَالْأَصْفَرَ بِالزَّعْفَرَانِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ أَشْيَافَ (٢) ماميتا. وَيَجْعَلُ أَصْلَهُ مِنْ الْبَانِ الْمِصْرِيِّ، وَيَعْجِنُهُ بِالصَّمْغِ الْمَحْلُولِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ كُحْلًا مِنْ نَوَى الْإِهْلِيلِجِ (٣) الْمُحَرَّقِ وَالْفُلْفُلِ. وَجَمِيعُ غُشُوشِ أَكْحَالِهِمْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُ مَعْرِفَتِهَا، فَيُحَلِّفُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَلَى ذَلِكَ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ لِمُعَالَجَةِ أَعْيُنِ النَّاسِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْمُجَبِّرُونَ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّى لِلْجَبْرِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحْكِمَ مَعْرِفَةَ الْمَقَالَةِ السَّادِسَةِ مِنْ كُنَّاشِ بولص (٤) فِي الْجَبْرِ، وَأَنْ يَعْلَمَ عَدَدَ عِظَامِ (٥) الْآدَمِيِّ - وَهُوَ مِائَتَا عَظْمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا - وَصُورَةَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْهَا، وَشَكْلَهُ وَقَدْرَهُ، حَتَّى إذَا انْكَسَرَ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ انْخَلَعَ رَدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا؛ فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَأَمَّا الجرائحيون، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ كِتَابِ جَالِينُوسَ الْمَعْرُوفِ بقاطاجانس (٦) فِي الْجِرَاحَاتِ وَالْمَرَاهِمِ، [وَأَيْضًا كِتَابُ الزَّهْرَاوِيِّ فِي الْجِرَاحِ (٧)]، وَأَنْ يَعْرِفُوا التَّشْرِيحَ وَأَعْضَاءَ الْإِنْسَانِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْعَضَلِ وَالْعُرُوقِ وَالشَّرَايِينِ وَالْأَعْصَابِ، لِيَتَجَنَّبَ [الْجَرَّاحُ] ذَلِكَ فِي

стр. 114

وَقْتَ فَتْحِ الْمَوَادِّ وَقَطْعِ الْبَوَاسِيرِ. وَيَكُونُ مَعَهُ دَسْتُ الْمَبَاضِعِ، فِيهِ مَبَاضِعُ مُدَوَّرَاتُ الرَّأْسِ، وَالْمُوَرِّبَاتُ، وَالْحَرَبَاتُ، وَفَأْسُ الْجَبْهَةِ، وَمِنْشَارُ الْقَطْعِ، وَمِجْرَفَةُ الْأُذُنِ، وَوَرْدُ السَّلَعِ (١)، وَمَرَّ هَمْدَانَ (٢) الْمَرَاهِمِ، وَدَوَاءُ الكندر (٣) الْقَاطِعُ لِلدَّمِ، الَّذِي قَدَّمْنَا صِفَتَهُ. وَقَدْ يُبَهْرِجُونَ عَلَى النَّاسِ بِعِظَامٍ تَكُونُ مَعَهُمْ فَيَدُسُّونَهَا فِي الْجَرْحِ، ثُمَّ يُخْرِجُونَهَا مِنْهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَدْوِيَتَهُمْ الْقَاطِعَةَ أَخْرَجَتْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَضَعُ مَرَاهِمَ مِنْ الْكِلْسِ (٤) الْمَغْسُولِ بِالزَّيْتِ، ثُمَّ يَصْبُغُ لَوْنَهُ أَحْمَرَ بِالْمَغْرَةِ (٥)، أَوْ أَخْضَرَ بِالْكُرْكُمِ وَالنِّيلِ، أَوْ أَسْوَدَ بِالْفَحْمِ الْمَسْحُوقِ؛ فَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ الْعَرِيفُ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 115

الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحِسْبَةِ عَلَى مُؤَدِّبِي (١) الصِّبْيَانِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ تَعْلِيمُ الْخَطِّ [لِلصِّبْيَانِ] (٢) فِي الْمَسَاجِدِ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ»؛ لِأَنَّهُمْ يُسَوِّدُونَ [حِيطَانَهَا] (٣)، وَيُنَجِّسُونَ أَرْضَهَا، إذْ لَا يَحْتَرِزُونَ (٤) مِنْ الْبَوْلِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ؛ بَلْ يَتَّخِذُونَ لِلتَّعْلِيمِ حَوَانِيتَ فِي الدُّرُوبِ وَأَطْرَافِ الْأَسْوَاقِ. فَصْلٌ وَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يُعَلِّمَ الصَّبِيَّ السُّوَرَ الْقِصَارَ مِنْ الْقُرْآنِ، بَعْدَ حِذْقِهِ (٥) بِمَعْرِفَةِ الْحُرُوفِ وَضَبْطِهَا بِالشَّكْلِ، وَيُدَرِّجُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَأْلَفَهُ طَبْعُهُ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ عَقَائِدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (٦)، ثُمَّ أُصُولَ الْحِسَابِ، وَمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْ الْمُرَاسَلَاتِ وَالْأَشْعَارِ دُونَ سَخِيفِهَا وَمُسْتَرْذَلِهَا. وَفِي الرَّوَاحِ يَأْمُرُهُمْ [الْمُؤَدِّبُ] بِتَجْوِيدِ الْخَطِّ عَلَى الْمِثَالِ، وَيُكَلِّفُهُمْ عَرْضَ [مَا] (٧) أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ حِفْظًا غَائِبًا لَا نَظَرًا. وَمَنْ كَانَ عُمْرُهُ فَوْقَ سَبْعِ سِنِينَ أَمَرَهُ [الْمُؤَدِّبُ] بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَلِّمُوا صِبْيَانَكُمْ الصَّلَاةَ لِسَبْعٍ (٨)، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ». وَيَأْمُرُهُمْ [الْمُؤَدِّبُ] بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِمَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمَا وَتَقْبِيلِ أَيْدِيهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ إلَيْهِمَا؛ وَيَضْرِبُهُمْ عَلَى إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ، مِثْلِ اللَّعِبِ بِالْكِعَابِ (٩) وَالْبَيْضِ

стр. 116

وَالسَّيْرِ ونردشير (١)، وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِمَارِ؛ وَلَا يَضْرِبُ صَبِيًّا بِعَصًا غَلِيظَةً تَكْسِرُ الْعَظْمَ، وَلَا رَقِيقَةً تُؤْلِمُ الْجِسْمَ، بَلْ تَكُونُ وَسَطًا؛ وَيَتَّخِذُ مِجْلَدًا عَرِيضَ السَّيْرِ، وَيَعْتَمِدُ فِي ضَرْبِهِ (٢) عَلَى اللَّوَايَا وَالْأَفْخَاذِ وَأَسَافِلِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَا يُخْشَى مِنْهَا مَرَضٌ وَلَا غَائِلَةٌ. فَصْلٌ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ أَحَدَ الصِّبْيَانِ فِي حَوَائِجِهِ وَأَشْغَالِهِ الَّتِي فِيهَا عَارٌ عَلَى آبَائِهِمْ، كَنَقْلِ الزِّبْلِ وَحَمْلِ الْحِجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُرْسِلُهُ إلَى دَارِهِ وَهِيَ خَالِيَةٌ، لِئَلَّا (٣) تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التُّهْمَةُ. وَلَا يُرْسِلُ صَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ لِيَكْتُبَ لَهَا كِتَابًا (٤)، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْفُسَّاقِ (٥) يَحْتَالُونَ عَلَى الصِّبْيَانِ بِذَلِكَ. وَيَكُونُ السَّائِقُ (٦) لَهُمْ أَمِينًا ثِقَةً مُتَأَهِّلًا؛ لِأَنَّهُ يَتَسَلَّمُ الصِّبْيَانَ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، وَيَنْفَرِدُ بِهِمْ فِي الْأَمَاكِنِ الْخَالِيَةِ، وَيَدْخُلُ عَلَى النِّسْوَانِ؛ فَيَلْزَمُ (٧) أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وَلَا يُعَلِّمُ [الْمُؤَدِّبُ] الْخَطَّ امْرَأَةً وَلَا جَارِيَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ الْمَرْأَةَ شَرًّا، وَقِيلَ: إنَّ مَثَلَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَتَعَلَّمُ الْخَطَّ مَثَلُ حَيَّةٍ تُسْقَى سُمًّا. وَيَنْبَغِي [لِلْمُؤَدِّبِ] أَنْ يَمْنَعَ الصِّبْيَانَ مِنْ حِفْظِ شَيْءٍ مِنْ شِعْرِ ابْنِ الْحَجَّاجِ (٨) وَالنَّظَرِ فِيهِ، وَيَضْرِبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ،

стр. 117

وَكَذَلِكَ دِيوَانُ صَرِيعِ الدَّلَّا (١)، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، [وَكَذَلِكَ الْأَشْعَارُ الَّتِي عَمِلَتْهَا الرَّوَافِضُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ؛ فَلَا يُعَرِّفُهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يُعَلِّمُهُمْ الْأَشْعَارَ الَّتِي مُدِحَتْ بِهَا الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، لِيُرَسِّخَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ] (٢).

стр. 118

الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحِسْبَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا مِنْ الْإِمَامِ، أَوْ مِمَّنْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ الْإِمَامُ؛ وَلَا تُعْقَدُ الذِّمَّةُ إلَّا لِمَنْ (١) لَهُ كِتَابٌ أَوْ شِبْهُ (٢) كِتَابٍ مِنْ الْكُفَّارِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس. وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ (٣) مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ (٤) وَلَا شِبْهَ (٥) كِتَابٍ، كَالْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ مَنْ أَظْهَرَ الزَّنْدَقَةَ وَالْإِلْحَادَ، فَلَا (٦) يَجُوزُ لَهُمْ عَقْدُ الذِّمَّةِ، وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِسْلَامِ. فَصْلٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ مَا شَرَطَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي كِتَابِ (٧) الْجِزْيَةِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ وَيُؤْخَذُونَ بِلُبْسِ الْغِيَارِ (٨)، فَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَضَعَ عَلَى كَتِفِهِ خَيْطًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا شَدَّ فِي وَسَطِهِ زُنَّارًا (٩) وَعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ صَلِيبًا، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَبِسَتْ خُفَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ. وَإِذَا عَبَرَ الذِّمِّيُّ إلَى الْحَمَّامِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي عُنُقِهِ (١٠) طَوْقٌ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَيَمْنَعُهُمْ الْمُحْتَسِبُ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَحَمْلِ السِّلَاحِ وَالتَّقَلُّدِ بِالسُّيُوفِ، وَإِذَا رَكِبُوا الْبِغَالَ رَكِبُوهَا

стр. 119

بِالْأَكُفِّ (١) عَرْضًا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ. وَلَا يَرْفَعُونَ بُنْيَانَهُمْ عَنْ بُنْيَانِ الْمُسْلِمِينَ " وَلَا يَتَصَدَّرُونَ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا يُزَاحِمُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الطُّرُقَاتِ، بَلْ يُلْجَئُونَ (٢) إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقَاتِ؛ وَلَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ، وَلَا يُرَحَّبُ بِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ. وَيَشْتَرِطُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْزَالَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ؛ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالْجَهْرِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ (٣)، وَمِنْ إظْهَارِ أَعْيَادِهِمْ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى مَوْتَاهُمْ. فَجَمِيعُ ذَلِكَ اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي كِتَابِهِ، فَيُرَاعِي الْمُحْتَسِبُ أَحْوَالَهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَيُجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ. فَصْلٌ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ عَلَى قَدْرِ طَبَقَاتِهِمْ - عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعِيلِ دِينَارًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ، وَالْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ - عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ. فَإِذَا جَاءَ الْمُحْتَسِبُ أَوْ الْعَامِلُ لِأَخْذِ الْجِزْيَةِ أَقَامَهُ (٤) بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لَطَمَهُ (٥) بِيَدِهِ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: " أَدِّ الْجِزْيَةَ يَا كَافِرُ " وَيُخْرِجُ الذِّمِّيُّ يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ مَطْبُوقَةً عَلَى الْجِزْيَةِ، فَيُعْطِيهَا لَهُ بِذِلَّةٍ وَانْكِسَارٍ. وَيَشْتَرِطُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَيْهِمْ مَعَ الْجِزْيَةِ الْتِزَامَ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ لُزُومِ الْأَحْكَامِ - أَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ أَصَابَهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ آوَى الْمُشْرِكِينَ، أَوْ دَلَّهُمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا - انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَقُتِلَ فِي الْحَالِ، وَغُرِّمَ مَالَهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ قَدْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ. فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِلْزَامُهُمْ بِجَمِيعِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (٦).

стр. 120

الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ يَشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ وَتَفَاصِيلَ فِي أُمُورِ الْحِسْبَةِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الْحِسْبَةِ عَلَى أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الْمَشْهُورَةِ، وَمِنْ كَشْفِ غُشُوشِهِمْ وَتَدْلِيسِهِمْ، مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِلْمُحْتَسِبِ، وَأَصْلٌ يَقِيسُ عَلَيْهِ مَا عَدَاهُ، مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ. وَسَأَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ تَفَاصِيلَ جُمَلٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَذْكُرُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ فِعْلُهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ فِي صَالِحِ الرَّعِيَّةِ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَمِنْ ذَلِكَ السَّوْطُ وَالدِّرَّةُ (١) وَالطُّرْطُورُ (٢): أَمَّا السَّوْطُ فَيَتَّخِذُهُ وَسَطًا، لَا بِالْغَلِيظِ الشَّدِيدِ وَلَا بِالرَّقِيقِ اللَّيِّنِ، بَلْ يَكُونُ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، حَتَّى لَا يُؤْلِمَ الْجِسْمَ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ غَائِلَةٌ؛ وَأَمَّا الدِّرَّةُ فَتَكُونُ مِنْ جِلْدِ الْبَقَرِ أَوْ الْجَمَلِ مَحْشُوَّةً بِنَوَى التَّمْرِ؛ وَأَمَّا الطُّرْطُورُ فَيَكُونُ مِنْ اللِّبْدِ، مَنْقُوشًا بِالْخِرَقِ الْمُلَوَّنَةِ، مُكَلَّلًا بِالْجَزْعِ (٣) وَالْوَدَعِ وَالْأَجْرَاسِ، وَأَذْنَابِ الثَّعَالِبِ وَالسَّنَانِيرِ. وَتَكُونُ هَذِهِ الْآلَةُ جَمِيعُهَا مُعَلَّقَةً عَلَى دِكَّةِ [الْمُحْتَسِبِ] (٤) يُشَاهِدُهَا النَّاسُ، فَتَرْعَدُ مِنْهَا قُلُوبُ الْمُفْسِدِينَ، وَيَنْزَجِرُ بِهَا أَهْلُ التَّدْلِيسِ. فَإِذَا عَثَرَ [الْمُحْتَسِبُ] بِشَارِبِ خَمْرٍ جَلَدَهُ بِالسَّوْطِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي جَلْدِ الثَّمَانِينَ جَلَدَهُ، لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَلَدَ (٥) شَارِبَ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، بِفَتْوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. فَيُجَرِّدُهُ [الْمُحْتَسِبُ] عَنْ ثِيَابِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَهُ بِالسَّوْطِ حَتَّى يَبِينَ بَيَاضُ إبْطِهِ، وَيُفَرِّقُ الضَّرْبَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ وَفَخْذَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ زَانِيًا - وَهُوَ بِكْرٌ - جَلَدَهُ فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً جَلَدَهَا وَهِيَ فِي إزَارِهَا وَثِيَابِهَا. وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ، فَيَجْمَعُ [الْمُحْتَسِبُ] النَّاسَ حَوْلَهُ خَارِجَ الْبَلَدِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِرَجْمِهِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 121

بِمَاعِزٍ (١)؛ وَإِنْ كَانَتْ [امْرَأَةً] (٢) مُحْصَنَةً حَفَرَ لَهَا حُفْرَةً فِي الْأَرْضِ، وَأَجْلَسَهَا فِيهَا إلَى وَسَطِهَا، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِرَجْمِهَا، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغَامِدِيَّةِ (٣)؛ وَإِنْ [كَانَ الْمُذْنِبُ] لَاطَ بِغُلَامٍ (٤) أَلْقَاهُ [الْمُحْتَسِبُ] مِنْ أَعْلَى شَاهِقٍ فِي الْبَلَدِ. هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَتَوَلَّاهُ الْمُحْتَسِبُ. فَصْلٌ وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَعَلَى قَدْرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَقَدْرِ الْجِنَايَةِ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ تَعْزِيرُهُ بِالْقَوْلِ وَالتَّوْبِيخِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُضْرَبُ بِالسَّوْطِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُضْرَبُ بِالدِّرَّةِ وَيُلْبَسُ الطُّرْطُورَ وَيُرْكَبُ عَلَى جَمَلٍ أَوْ حِمَارٍ. وَإِذَا رَأَى [الْمُحْتَسِبُ] رَجُلًا حَامِلَ خَمْرٍ، [أَوْ] (٥) يَلْعَبُ بِمَلْهَاةٍ، كَالْعُودِ وَالْمِعْزَفَةِ وَالطُّنْبُورِ وَالْبَرْبَطِ (٦) وَالْمِزْمَارِ، عَزَّرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي حَقِّهِ، بَعْدَ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ الْمَلْهَاةِ؛ وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى رَجُلًا أَجْنَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، فِي خَلْوَةٍ أَوْ طَرِيقٍ. وَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ أَنْ يَتَفَقَّدَ (٧) الْمَوَاضِعَ الَّتِي (٨) تَجْتَمِعُ فِيهَا النِّسْوَانُ، مِثْلَ سُوقِ الْغَزْلِ وَالْكَتَّانِ، وَشُطُوطِ الْأَنْهَارِ، وَأَبْوَابِ حَمَّامَاتِ النِّسَاءِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنْ رَأَى شَابًّا مُنْفَرِدًا (٩) بِامْرَأَةٍ، وَيُكَلِّمُهَا فِي غَيْرِ مُعَامَلَةٍ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَنْظُرُ إلَيْهَا، عَزَّرَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْوُقُوفِ هُنَاكَ؛ فَكَثِيرٌ مِنْ الشُّبَّانِ الْمُفْسِدِينَ يَقِفُونَ (١٠) فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَلَيْسَ

стр. 122

لَهُمْ حَاجَةٌ غَيْرَ التَّلَاعُبِ عَلَى النِّسْوَانِ. ثُمَّ يَتَفَقَّدُ [الْمُحْتَسِبُ] مَجَالِسَ الْوُعَّاظِ، فَلَا يَدَعُ الرِّجَالَ يَخْتَلِطُونَ بِالنِّسَاءِ، وَيَجْعَلُ بَيْنَهُمْ سِتَارَةً؛ فَإِذَا انْفَضَّ الْمَجْلِسُ خَرَجَ الرِّجَالُ وَذَهَبُوا فِي طَرِيقٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ (١) النِّسَاءُ وَيَذْهَبْنَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ؛ فَمَنْ وَقَفَ مِنْ الشَّبَابِ فِي طَرِيقِهِنَّ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَزَّرَهُ [الْمُحْتَسِبُ]. ثُمَّ يَتَفَقَّدُ الْمَآتِمَ وَالْمَقَابِرَ، فَإِذَا سَمِعَ نَادِبَةً أَوْ نَائِحَةً عَزَّرَهَا وَمَنَعَهَا؛ لِأَنَّ النُّوَاحَ حَرَامٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «النَّائِحَةُ وَمَنْ حَوْلَهَا فِي النَّارِ». وَيَمْنَعُ [الْمُحْتَسِبُ] النِّسَاءَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ». وَإِذَا خَرَجَتْ جِنَازَةٌ أَمَرَ [الْمُحْتَسِبُ] النِّسَاءَ [أَنْ] (٢) يَتَأَخَّرْنَ عَنْ الرِّجَالِ، وَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ، وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ كَشْفِ وُجُوهِهِنَّ وَرُءُوسِهِنَّ خَلْفَ الْمَيِّتِ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَالْأَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ. وَمَتَى سَمِعَ [الْمُحْتَسِبُ] بِامْرَأَةٍ عَاهِرَةٍ، أَوْ مُغَنِّيَةٍ، اسْتَتَابَهَا عَنْ مَعْصِيَتِهَا، فَإِنْ عَادَتْ عَزَّرَهَا وَنَفَاهَا مِنْ الْبَلَدِ؛ وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ بِالْمُخَنَّثِينَ وَالْمُرْدَانِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَسَادِ مَعَ الرِّجَالِ. وَيَمْنَعُ [الْمُحْتَسِبُ] الْخُنْثَى مِنْ حَلْقِ لِحْيَتِهِ [أَوْ نَتْفِهَا] (٣)، وَدُخُولِهِ عَلَى النِّسْوَانِ؛ وَكَذَلِكَ الْأَمْرَدُ النكريش (٤)، مَتَى حَلَقَ لِحْيَتَهُ (٥) كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهِ، فَيُعَزِّرُهُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ. فَصْلٌ وَيُشْرِفُ [الْمُحْتَسِبُ] عَلَى الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، وَيَأْمُرُ قَوَمَتَهَا بِكَنْسِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَنْظِيفِهَا مِنْ الْأَوْسَاخِ، وَنَفْضِ حُصُرِهَا مِنْ الْغُبَارِ، وَمَسْحِ حِيطَانِهَا، وَغَسْلِ قَنَادِيلِهَا وَإِشْعَالِهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. وَيَأْمُرُهُمْ بِغَلْقِ أَبْوَابِهَا عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَصِيَانَتِهَا مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَمِمَّنْ يَأْكُلُ فِيهَا الطَّعَامَ أَوْ يَنَامُ (٦)، أَوْ يَعْمَلُ صِنَاعَةً، أَوْ يَبِيعُ سِلْعَةً، أَوْ يَنْشُدُ ضَالَّةً، أَوْ يَجْلِسُ فِيهَا لِلنَّاسِ لِحَدِيثِ (٧)

стр. 123

الدُّنْيَا؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنْهُ وَكَرَاهِيَةِ فِعْلِهِ. وَيَتَقَدَّمُ [الْمُحْتَسِبُ] إلَى جِيرَانِ كُلِّ مَسْجِدٍ بِالْمُوَاظَبَةِ (١) عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْآذَانِ؛ لِإِظْهَارِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَإِشْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ، سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لِكَثْرَةِ الْبِدَعِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ، وَتَنَوُّعِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَمَا قَدْ صَرَّحُوا بِهِ مِنْ تَعْطِيلِ الشَّرِيعَةِ وَإِبْطَالِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إظْهَارُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِشْهَارُ الشَّرِيعَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، لِتَقْوَى عَقَائِدُ الْعَامَّةِ. [فَصْلٌ] (٢) وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَنَارَةِ إلَّا عَدْلٌ ثِقَةٌ أَمِينٌ عَارِفٌ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ، وَالْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ، فَرَحِمَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ، وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ بِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مَنَعَهُ مِنْ الْأَذَانِ حَتَّى يَعْرِفَهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَذَّنَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ، فَيَسْمَعُهُ الْعَامَّةُ فَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ، فَيَكُونَ هُوَ السَّبَبَ فِي إفْسَادِ صَلَاةِ النَّاسِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ، وَيَقْرَأُ بَابَ الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ (٣) فِي الْفِقْهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَبِيًّا (٤) حَسَنَ الصَّوْتِ. وَيَنْهَى الْمُحْتَسِبُ عَنْ النَّعْيِ فِي الْأَذَانِ، وَهُوَ التَّطْرِيبُ وَالتَّمْطِيطُ؛ وَيَأْمُرُهُ (٥) إذَا صَعَدَ الْمَنَارَةَ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْ النَّظَرِ إلَى دُورِ النَّاسِ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي ذَلِكَ؛ وَلَا يَصْعَدُ إلَى الْمَنَارَةِ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ وَشَكْلِ كَوَاكِبِ كُلِّ مَنْزِلَةٍ، لِيَعْلَمَ أَوْقَاتَ اللَّيْلِ وَمُضِيَّ سَاعَاتِهِ، وَهِيَ ثَمَانٍ (٦) وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً: الشَّرَطَانِ (٧)، وَالْبُطَيْنُ (٨)، وَالثُّرَيَّا، وَالدَّبَرَانُ، وَالْهَقْعَةُ (٩)، وَالْهَنْعَةُ، وَالذِّرَاعُ، وَالنَّثْرَةُ،

стр. 124

وَالطَّرْفُ، وَالْجَبْهَةُ، والخراتان (١)، وَالصِّرْفَةُ، وَالْعُوَاءُ، وَالسِّمَاكُ، وَالْغَفِرُ، وَالزِّبَانَانِ (٢)، وَالْإِكْلِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالشَّوْلَةُ، (٣) وَالنَّعَائِمُ، وَالْبَلْدَةُ، وَسَعْدُ الذَّابِحِ، وَسَعْدُ بَلْعٍ، وَسَعْدُ السُّعُودِ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ، وَالْفَرْغُ الْمُقَدَّمُ، وَالْفَرْغُ (٤) الْمُؤَخَّرُ، وَبَطْنُ الْحُوتِ - وَهُوَ الرِّشَاءُ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ عَدَدِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَالصُّبْحُ يَدُومُ وَيَطْلُعُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ مِنْ هَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَإِنْ عَرَفَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَيِّ مَنْزِلَةِ هُوَ الصُّبْحُ نَظَرَ إلَى الْمَنْزِلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ الطَّالِعَ وَالسَّاقِطَ، وَكَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّبْحِ، وَهَذَا فِيهِ عِلْمٌ وَحِسَابٌ يَطُولُ شَرْحُهُ. فَمَنْ أَرَادَ [مَعْرِفَةَ] (٥) ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْأَنْوَاءِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ (٦)، فَلَا غِنَى لِلْمُؤَذِّنِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، لِيَحْتَاطَ عَلَى مَعْرِفَةِ الصُّبْحِ؛ وَيَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ. وَأَمَّا أَئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالْإِمَامَةِ، فَيَمْنَعُهُمْ الْمُحْتَسِبُ مِنْ أَخْذِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ فَإِنْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ شَيْءٌ (٧) مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الصِّلَةِ أَوْ الْبِرِّ. وَيَأْمُرُ [الْمُحْتَسِبُ] أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ مُرَتَّلًا، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ؛ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ تَلْحِينِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُلَحَّنَةِ، كَمَا تُلَحَّنُ (٨) الْأَغَانِي [وَ] الْأَشْعَارُ، فَقَدْ نَهَى

стр. 125

الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلَا يَأْتُونَ (١) إلَى جِنَازَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمْ وَلِيُّ الْمَيِّتِ، وَإِذَا أُعْطُوا شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ عَلَى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ؛ فَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ فَلَا يَجُوزُ؛ فَيَعْتَبِرُ الْمُحْتَسِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَلَا يُغَسِّلُ الْمَوْتَى إلَّا ثِقَةٌ أَمِينٌ قَدْ قَرَأَ كِتَابَ الْجَنَائِزِ فِي الْفِقْهِ، وَعَرَفَ حُدُودَ ذَلِكَ؛ فَيَسْأَلُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَنْ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَ قَيِّمًا بِهِ تَرَكَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ صَرَفَهُ لِيَتَعَلَّمَ. وَيَنْهَى [الْمُحْتَسِبُ] الْأَضِرَّاءَ (٢) وَأَهْلَ الْكُدْيَةِ (٣) الْمُقْنِفِينَ (٤) عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ لِلْكُدْيَةِ، فَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ ذَلِكَ؛ [وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ الَّذِي عَمِلَتْهُ الرَّوَافِضُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمِنْ ذِكْرِ الْمَصْرَعَ (٥) وَأَشْبَاهِهِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِتْنَةٌ لِلْعَامَّةِ، فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ] (٦). فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَرَدَّدَ إلَى مَجَالِسِ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ (٧)، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الْجَامِعِ وَالْمَسْجِدِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ، وَالذِّمِّيُّ وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَافِي، وَمَنْ لَا يَحْتَرِزُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَيُؤْذُونَ الْمَسْجِدَ وَيُنَجِّسُونَ الْحُصْرَ؛ وَقَدْ تَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ، وَيَكْثُرُ اللَّغَطُ فِيهِ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ وَمُنَازَعَتِهِمْ لِلْخُصُومِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. وَقَدْ رَأَيْت مَكْتُوبًا فِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ (٨) أَنَّ [الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَظْهِرَ بِاَللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ﵀ وَلَّى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ

стр. 126

الشَّافِعِيِّ ﵁[الْحِسْبَةَ بِبَغْدَادَ] (١)، فَنَزَلَ [الرَّجُلُ] إلَى جَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَوَجَدَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ، فَقَالَ [لَهُ]: " سَلَامٌ عَلَيْك، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾. وَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ خَلِيفَتَهُ (٢) الْمُسْتَظْهِرَ بِاَللَّهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْضِهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (٣) وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ جَعَلَنِي وَإِيَّاكَ نَائِبَيْنِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، قَائِمَيْنِ فِي رَعِيَّتِهِ بِحُدُودِ (٤) اللَّهِ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؛ وَنَحْنُ أَوْلَى مَنْ يَعْمَلُ بِحُدُودِهِ، وَلُزُومِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، لِيَقْتَدِيَ بِنَا الْعَامَّةُ. فَنَحْنُ مِلْحُ الْبَلَدِ، نُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ مَنْ يُصْلِحُهُ؟ وَمَجْلِسُك هَذَا لَا يَصْلُحُ فِي الْجَامِعِ، أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾. وَلَيْسَ فِي هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ وَإِنَّهُ لَتَدْخُلُ (٥) إلَيْك الْمَرْأَةُ لِتَحْكُمَ مَعَ بَعْلِهَا، وَمَعَهَا الطِّفْلُ فَيَبُولُ عَلَى الْحُصُرِ؛ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَمْشِي عَلَى النَّجَاسَةِ وَالْقَذَرِ، وَيَدُوسُ الْحُصُرَ بِنَعْلِهِ؛ وَإِنَّ الْأَصْوَاتَ لَتَرْتَفِعُ بِاللَّغَطِ خَارِجَ حَلْقَتِك (٦)؛ وَرُبَّمَا دَخَلَ إلَيْك الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ؛ وَجَمِيعُ ذَلِكَ أَمَرَ نَبِيُّنَا ﷺ بِاجْتِنَابِهِ. فَاجْلِسْ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، بِحَيْثُ لَا يَشُقُّ عَلَى أَحَدٍ الْقَصْدُ إلَيْك، وَالسَّلَامُ ". قَالَ [الصَّيْمَرِيُّ]: (٧) فَنَهَضَ الْقَاضِي مِنْ وَقْتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ يَجْلِسُ فِي الْجَامِعِ لِلْقَضَاءِ. وَمَتَى رَأَى الْمُحْتَسِبُ رَجُلًا يَسْفَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، أَوْ يَطْعَنُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ، أَوْ لَا يَنْقَادُ إلَى حُكْمِهِ، عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا رَأَى الْقَاضِيَ قَدْ اسْتَشَاطَ عَلَى رَجُلٍ غَيْظًا، أَوْ شَتَمَهُ (٨) أَوْ احْتَدَّ (٩) عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ، رَدَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَوَعَظَهُ، وَخَوَّفَهُ بِاَللَّهِ ؛

стр. 127

فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا يَقُولَ هُجْرًا، وَلَا يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا؛ وَكَذَلِكَ يَكُونُ غِلْمَانُهُ وَأَعْوَانُهُ الَّذِينَ (١) بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ شَابٌّ حَسَنُ الصُّورَةِ فَلَا يَبْعَثُهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ النِّسْوَانِ. وَيَنْبَغِي [عَلَى الْقَاضِي] أَنْ يَجْلِسَ لِلنَّاسِ (٢) فِي وَسَطِ الْبَلَدِ، لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ الْقَصْدُ إلَيْهِ. [ فَصْلٌ (٣) ] وَأَمَّا الْوُكَلَاء الَّذِينَ (٤) بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ، وَلَا مَصْلَحَةَ لِلنَّاسِ بِهِمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقُ الدِّينِ يَأْخُذُ مِنْ الْخَصْمَيْنِ، ثُمَّ يَتَمَسَّكُونَ فِيهِ (٥) بِسُنَّةِ (٦) الشَّرْعِ، فَيُوقِفُونَ الْقَضِيَّةَ، فَيَضِيعُ الْحَقُّ وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْ طَالِبِهِ وَصَاحِبِهِ. فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَظْهَرُ سَرِيعًا مِنْ كَلَامِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَكِيلٌ، فَكَأَنَّ تَرْكَ الْوُكَلَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْلَى مِنْ نَصْبِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ غَيْرُ بَرْزَةٍ (٧) أَوْ صَبِيٌّ، فَحِينَئِذٍ يُوَكِّلُ عَنْهَا الْحَاكِمُ وَكِيلًا (٨). فَصْلٌ وَيَقْصِدُ [الْمُحْتَسِبُ] مَجَالِسَ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالشَّفَقَةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَلْيَكُنْ فِي وَعْظِهِ وَقَوْلِهِ فِي رَدْعِهِمْ عَنْ الظُّلْمِ لَطِيفًا ظَرِيفًا، لَيِّنَ الْقَوْلِ بَشُوشًا، غَيْرَ جَبَّارٍ [وَلَا] (٩) عَبُوسٍ. قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ

стр. 128

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكَايَةُ عَنْ الْمَأْمُونِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (١). فَصْلٌ وَمَا سِوَى [ذَلِكَ مِنْ أَرْبَابِ] (٢) الْحِرَفِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّنَائِعِ (٣) الْمَشْهُورَةِ فِي كِتَابِي هَذَا، فَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُحْتَسِبِ كَيْفِيَّةُ الْحِسْبَةِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّطَرُّقُ إلَى كَشْفِ تَدْلِيسِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ يُعْرَفُ (٤) بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعِيَانِ: مِثْلُ الْحِسْبَةِ عَلَى الْبَقَّالِينَ [وَبَاعَةِ] (٥) الْخَضْرَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِبَيْعِ الْبُقُولِ مَغْسُولَةً مِنْ السِّرْجِينِ (٦)، مُنَقَّاةً مِنْ الْحَشِيشِ وَالطَّاقَاتِ (٧) الْمُصَفِّرَةِ؛ وَ [يَأْمُرُهُمْ] بِقَطْعِ شَغَفِ أُصُولِ الْخَسِّ وَالْفُجْلِ؛ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ غَسْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ الرَّطْبَيْنِ (٨)، فَإِنَّ الْمَاءَ يَزِيدُهُمَا (٩) زَفْرَةً وَنُتُونَةً؛ وَإِذَا بَاتَ فِي دَكَاكِينِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَخْلِطُونَهُ (١٠) بِالطَّرِيِّ الْمَقْطُوعِ فِي الْيَوْمِ. وَيَنْهَاهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] عَنْ بَيْعِ مَا دَوَّدَ مِنْ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتِّينِ وَالرُّطَبِ، وَمَا قَدْ تَنَاهَى نُضْجُهُ حَتَّى تَهَرَّى قِشْرُهُ مِنْ ذَلِكَ. [وَ] مِثْلُ الباقلائيين (١١)، يَنْهَاهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا سَوَّسَ مِنْ الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصِ، وَعَنْ خَلْطِ مَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْسِ فِيمَا سَلَقُوهُ الْيَوْمَ؛ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَنْثُرُوا عَلَيْهِ الْمِلْحَ الْمَسْحُوقَ وَالصَّعْتَرَ، لِيَدْفَعَ مَضَارَّهُ؛ وَيَتَفَقَّدُ مَكَايِيلَهُمْ (١٢)، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ قِطْعَةً مِنْ خَشَبٍ يَحْفِرُونَهَا مِكْيَالًا، فَيَكُونُ طُولُهَا شِبْرًا مَثَلًا، وَالْمَحْفُورُ مِنْ دَاخِلِهَا أَرْبَعَ أَصَابِعَ،

стр. 129

فَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِسَعَتِهَا وَطُولِهَا، وَلَا يَعْلَمُونَ الْمِقْدَارَ الْمَحْفُورَ مِنْهَا؛ وَهَذَا تَدْلِيسٌ لَا يَخْفَى. وَمِثْلُ بَاعَةِ الْخَزَفِ وَالْكِيزَانِ وَالْأَوَانِي، فَإِنَّهُمْ يَطْلُونَ مَا كَانَ مَثْقُوبًا مِنْهَا أَوْ مَشْقُوقًا بِالْكِلْسِ (١) الْمَعْجُونِ بِالشَّحْمِ وَبَيَاضِ الْبَيْضِ وَالْخَزَفِ الْأَحْمَرِ الْمَسْحُوقِ. وَمِثْلُ الْغَسَّالِينَ، يَنْهَاهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] عَنْ غَسْلِ ثِيَابِ النَّاسِ بِالْمَاءِ الْمَطْبُوخِ فِيهِ الْقَلْيُ (٢) وَالنَّوْرَةُ (٣) وَالنَّطْرُونُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْمَلَابِسِ وَيُبْلِيهَا سَرِيعًا، وَيُوَلِّدُ فِيهَا الْقُمَّلَ وَالصِّئْبَانَ. وَمِثْلُ السَّقَّائِينَ وَأَصْحَابِ الرَّوَايَا وَالْقِرَبِ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّخُولِ [فِي النَّهْرِ] (٤)، حَتَّى يَبْعُدُوا عَنْ الشَّطِّ وَمَوَاضِعِ الْأَوْسَاخِ؛ وَلَا يَسْتَقُونَ مِنْ مَوْضِعٍ فِي النَّهْرِ بِقُرْبٍ مِنْ سِقَايَةٍ [لِلدَّوَابِّ] أَوْ مُسْتَخْدَمٍ (٥) أَوْ مَجْرَى حَمَّامٍ؛ بَلْ يَصْعَدُونَ عَنْهُ أَوْ يَبْعُدُونَ مِنْ تَحْتِهِ؛ وَمَنْ اتَّخَذَ مِنْهُمْ رَاوِيَةً جَدِيدَةً أَمَرَهُ [الْمُحْتَسِبُ] بِنَقْلِ (٦) الْمَاءِ إلَى مَعَاجِنِ الطِّينِ (٧) أَيَّامًا، وَلَا يَبِيعُهُ لِلشُّرْبِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَغَيِّرَ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ مِنْ أَثَرِ الدِّبَاغَةِ وَالزِّفْتِ، فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ أَذِنَ لَهُ الْمُحْتَسِبُ بِبَيْعِهِ لِلنَّاسِ لِلشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَيَأْمُرُهُمْ [الْمُحْتَسِبُ] أَنْ يَشُدُّوا فِي أَعْنَاقِ دَوَابِّهِمْ الْأَجْرَاسَ وَصَفَاقَاتِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، لِتَعْلُوَ جَلَبَةُ الدَّابَّةِ إذَا عَبَرَتْ فِي سُوقٍ أَوْ مَحَلَّةٍ، فَيَحْتَرِسُ (٨) مِنْهَا الضَّرِيرُ وَالصِّبْيَانُ وَالْإِنْسَانُ الْغَافِلُ؛ وَكَذَلِكَ (٩) يَفْعَلُ الْمُكَارِيَةُ وَحَمَّالُو (١٠) الْحَطَبِ بِدَوَابِّهِمْ. وَيُجْبِرُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُحَمِّلُونَ الدَّوَابَّ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهَا، وَلَا يَسُوقُونَهَا سَوْقًا شَدِيدًا تَحْتَ الْأَحْمَالِ، وَلَا يَضْرِبُونَهَا ضَرْبًا قَوِيًّا، وَلَا يُوقِفُونَهَا فِي الْعِرَاصِ (١١) وَعَلَى ظُهُورِهَا [أَحْمَالُهَا] (١٢)، فَإِنَّ هَذَا

стр. 130

كُلَّهُ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ عَنْ فِعْلِهِ. وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاقِبُوا اللَّهَ فِي عَلَفِ الدَّابَّةِ وَعَلِيقِهَا، وَيَكُونُ مُوَفَّرًا عَلَيْهَا (١) بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ (٢) الشِّبَعُ، وَلَا يَكُونُ مَبْخُوسًا (٣) وَلَا نَزْرًا (٤). وَلَوْ شَرَعْت أَنْ أَذْكُرَ (٥) جَمِيعَ مَا يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ لَطَالَ الْكِتَابُ، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حَصْرٌ، وَلَكِنِّي قَدْ وَضَعْت أُصُولًا وَقَوَاعِدَ يَقِيسُ عَلَيْهَا الْمُحْتَسِبُ مَا يُجَانِسُهَا. وَلَعَمْرِي إنَّ الضَّابِطَ فِي أُمُورِ الْحِسْبَةِ هُوَ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، فَكُلُّ مَا نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ [يَكُونُ] (٦) مَحْظُورًا، وَوَجَبَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إزَالَتُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ أَقَرَّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَتَى كَانَ الْمُحْتَسِبُ جَاهِلًا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَوَقَعَ فِي الْمَحْظُورِ وَالْمَحْذُورِ؛ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ وَالْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

стр. 131

الملحق الأول: إشهاد على أهل الذمّة، وقد انفردت المخطوطة هـ (فينا) دون غيرها من المخطوطات الأخرى بإيراده، في نهاية الباب التاسع والثلاثين منها (انظر ما سبق، ص ١٠٧، حاشية ٦)، ونصه: - نسخه إشهاد على أهل الذمّة أُشْهِد عليه كلّ من فلان وفلان، النصارى الملكيين (١) واليعاقبة (٢)، واليهود الرَّبَّانين (٣) والقرَّاءين (٤) والسامرة (٥)، شهود للإشهاد الشرعيّ أنه قال: سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهالينا وأهل ملّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألّا نُحْدث في _________ (١، ٢) هذه التسمية - ويقال الملكانيون والملكانية أيضا، وهي الأكثر استعمالا - مشتقة من لفظ الملك، والملك المقصود هنا الإمبراطور مرقيان (Marcianus) باعتباره ملكا على الدولة الرومانية في القرن الخامس الميلادي، أو هي مشتقة من اسم الإمبراطور نفسه، وذلك حسبما قال القلقشندي (صبح الأعشى، ج ١٣، ص ٢٧٦)، وعلى هذا الفرض تكون التسمية بدأت برسم "المرقانية"، ثم حرَّفها الاستعمال إلى "ملكانية"، وهو فرض مقبول. والملكانية اتباع المذهب الذي تمخض عنه المجمع الديني الذي عقد بمدينة خلقدونية (Chalcedon) بآسيا الصغرى سنة ٤٥١ م، ولذا يسمي باسم الخلقدوني أيضا، وهو الذي صار مذهبا رسميا للدولة الرومانية في تلك الأزمنة المسيحية الأولى، وأساسه أن للمسيح ﵇ طبيعتين، أي إلهية وبشرية. وهذا يختلف عن مذهب اليعاقبة - أو اليعقوبيين - القائم على أساس أن للمسيح ﵇ طبيعة إلهية واحدة، وهو المذهب الذي ساد عصر والشام وبعض بلاد المشرق التي رنت إلى شيء من الاستقلال بشئونها السياسية والدينية؛ وقد عرف ذلك المذهب أولا باسم المذهب المونوفيزتي - أي مذهب الطبيعة الواحدة، ثم غلبت عليه التسمية الواردة بالمتن نسبة إلى زعيم المونوفيزتية في القرن السادس الميلادي، وهو يعقوب البراذعي (Jacob Baradeus) المتوفي سنة ٥٧٨ م. انظر المقريزي: السلوك، ج ١، ص ٩١٣، حاشية ٥؛ وكذلك (Dictionary of Religion and Ethics). (٣، ٤، ٥) الربانية - ويقال لهم الربانيون أيضا - طائفة كبيرة من اليهود، وهي تعوَّل في أحكام الشريعة على ما في التلمود، ولا تحفل كثيرا بالنصوص الإلهية، متبعة لآراء من تقدمها من الأحبار. أما القرَّاء - وهم القراءون في العصر الحاضر - فإنهم يخالفون الربانية، ويُحَكّمون نصوص التوراة، ولا يلتفتون إلى قول من خالفها. وأما السامرة فليسوا أصلا من اليهود، وإنما هم من قبائل السامرة التي سكنت أولا بلاد الدولة الفارسية، ثم انتقلت إلى الشام واتصلت باليهود؛ وهم ينكرون نبوة داود ومن تلاه من الأنبياء، ويعتبرون أن التوراة التي في أيدي اليهود ليست توراة موسى ﵇. (المقريزى: الخطط - طبعة النيل - جـ ٤، ص ٣٦٨ - ٣٧١)؛ راجع أيضا (Samaritans Ency. Isl. Art .).

стр. 132

مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلّاية (١) ولا صومعة لراهب، ولا نُجَدِّدَها إذا خربت، ولا نُحْيي ما كان منها في خطط المسلمين. ولا نمنع كنائسنا وأديرتنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل أو نهار، وأن نُوسِّع أبوابها للمارّة وابن السبيل، وأن نُنْزِلَ من مَرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام، نُطْعِمَهم الضيافة. ولا نُعَلِّم أولادنا القرآن، ولا نظهر شِرکا، ولا ندعو إليه أحدا من المسلمين. ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إذا أراد (٢)، وأن نُوَقّر المسلمين، ونقوم لأكابرهم من مجالسنا إذا أراد [الواحد منهم] الجلوس. ولا نتشبَّه بهم في شيء من ملبوسهم، حتى العامة والنعلين وفرق الشعر. ولا نتكلّم بكلامهم، ولا نكتنى بكناهم. ولا نركب السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتَّخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله. ولا ننقش على خواتمنا بالعربية، ولا نظهر بيع الخمر، ولا نجزّ مقادم رؤوسنا. وأن نَلْزمَ زيَّنا حيثما كُنَّا، وأن نشدَّ زنانيرنا على أوساطنا، وألا نُظهر صلباننا وكتبنا في شيء من مجالس المسلمين وأسواقهم وطرقهم. ولا نرفع أصواتنا بالقراءة (٣) في كنائسنا ولا غيرها بحضرة المسلمين، ولا نخرج في الشعانين (٤) والأعياد جمعا. ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا. ولا نَتّخذ من الرقيق من جرت عليه سهام المسلمين، ولا نَطّلع عليهم في منازلهم. ولا نضرب أحدا من المسلمين ولا نشتمهم، ولا نشتري شيئا من سبايا المسلمين. وأن نلزم أحكام حكام المسلمين فيما يجب علينا في الشريعة، ولا نحارب المسلمين، ولا نعين عليهم بوجه من الوجوه. وقد شرطنا لَكم ذلك على أنفسنا وأهل مِلّتنا، وقبلنا عليه الأمان، على أن تعطونا ذمّة الله وذمّة المسلمين ألَّا يكلف أحدٌ منا ما لا طاقة له به، ولا غير ما شُرِط عليه، ولا يُظْلَم _________ (١) القلاية - وجمعها قلايا - بناء مرتفع ينفرد فيه راهب واحد، لينصرف إلى العبادة الانعزالية، وقد لا يكون للقلاية باب ظاهر، إمعانا في العزلة. (الخفاجي: شفاء الغليل، ص ١٦٦). (٢) في الأصل "ارادوا". (٣) في الأصل "بالقراة". (٤) عيد الشعانين - ويطلق عليه أيضا عيد الزيتونة - أحد أعياد القبط في مصر، ويقع في سابع أحد من صومهم الكبير الذي يسبق عيد الفصح، وفيه يخرجون بسعف النخيل، ويرون أنه يوم ركوب المسيح بالقدس والناس بين يديه يسبحون، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. (المقريزى: الخطط - طبعة النيل - ج ٢، ص ٢٤).

стр. 133

أحدٌ منّا في نفس ولا مال، ولا عبد (١) ولا أتباع، وأنّ من ظلم أحدًا (٢) منا كان على المسلمين ردّه، وردّ المظلمة على صاحبها. ومن خالف ذلك منّا فلا ذمّة له ولا عهد، وحلّ لكم ما يحلّ من أهل المعاندة والشقاق. وسألوا ذلك لأنفسهم، وأن يُقرّوا على ما شُرط عليهم، على الحكم المشروع أعلاه، بعد إشهاد كلّ منهم على نفسه في حال الصحة والسلامة؛ فأقرّوا على ذلك، سائلين راغبين. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن وفَّى نجا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا، وفَّى بذلك (٣) [فلان]، وفّى الناسخ الفلاني. _________ (١) في الأصل: "معبد"، والمثبت بالمتن هنا أقرب إلى الانسجام مع سائر الجملة. (٢) في الأصل "حد". (٣) في الأصل "بدلها"، والصواب ما بالمتن.

стр. 134

الملحق الثاني: نصُّ سجلٌّ بولاية الحسبة في عهد الدولة الأيوبية، وهو من إنشاء القاضي الفاضل، وبه من الدقة والقدرة على التعبير في النصف الثاني منه ما جعله تلخيصا وافيًا بجميع واجبات الحسبة والشروط التي ينبغي أن تتوفر في المحتسب، وذلك في غير إطالة أو اختصار، مما حمل الناشر على إيراد ذلك السجل هنا برغم سبق وروده مطبوعا في القلقشندي (صبح الأعشى، ج ١٠، ص ٤٦٠ - ٤٦). "مَن شُكرت خلائقُه، وتهذَّبت طرائقُه، وأُمِنَتْ فيما يتولاه بوائِقُه، ونيطت بعرُى الصواب علائقُه، وفُرِجت بسَدَادِه مسالكُ الإشكال ومَضايقُه، واستَحْوى من الأمانة قَرينًا في التصرّفات يُرافِقُه ولا يفارِقه، ونهض إلى الاستحقاق ولم تَعُقْه دونه عوائقه، وأثنى عليه لسانُ الاختبار وهو صحيح القول صادقُه، [و] استوجب أن يُخَصَّ من كلِّ قولٍ بأجمله، وأن يُعَان على نَيْل رجائه وبلوغِ أَمّله، وأن يُقْتدح زَنْدُ نيّته ليُرى نورُ عمله، وتُيَسَّر إلى النجاح متوعَّرات طُرُقه ومشكلاتُ سُبُله، وأن يقابل جَرَيانُه في الولاية قِبَله، فيظهَر عليه أثرُ الإحسان فيَكون الشكر من قِبَل الإحسان لا مِن قِبَله، ويُورَدَ من موارد النجح ما يتكفَّل له بالريّ من غُلَله، ويُوسَمَ من مَيَاسمَ الاصطناع ما يكون حليةَ أوصالِهِ ويُشْفَعُ سداد خِلاله في سَدّ خلله. ولما كنت أيها الشيخُ المشتملَ على ما تقدَّم ذكره، المستكملَ من الوصف ما يجبُ شكرُه، الآوِىَ إلى حِرْز من الصيانة حَريز، المستغنِىَ بغنائه عن الاستظهار بِعِزْوة (١) العزيز، المستوجَبَ إلى أن يُعَدّ من أهل التَّمييز لأنَّهُ من أهل التَّمييز، المستوعبَ من الحلال الجميلة ما لا يقتضيه القول الوجيز، المخرَجَ من قضايا الدنايا فما يستبيح محرَّمها ولا يستجيز، الممدَّحَ في خدمٍ كلها أخلصته خَلَاص الذهب الإبريز، وكانت له مضمارًا تشهدُ له أفعاله [فيها] بالسبق والتبريز، المتوسِّلَ بأمانةٍ عزَّ بها جنابه عن الشبهة ووِجدانُها في الناس عزيز - _________ (١) العزوة هي الاعتزاء إلى أحد الكبراء من الناس. (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١٠، ص ٤٦٠ - ٤٦٢).

стр. 135

تقدم فتى مولانا السيّد الأجلّ باستخدامك على الحسبة بمدينة كذا. فباشر أَمْرها مباشرةَ من يبْذُل في التقوى جهدًا، فلا يرى غيرها على ظمإٍ وِرْدًا، ولا يراه الله حيث نهاه، ولا يأمره أبدًا ويَنهاه إلا نُهاه، ولا يرى ما كشَفَته إلا وهو عالمٌ أن الله يراه. وانتَهِ فيها إلى ما يَنتهى إليه مَنْ بذَلَ غايةَ وسعه، ومن لا يرتدُّ عن جرّ ركبه (١) من عموم نَفْعه، ومن يدُلُّ بتهذيب طباع الناس على طهارة طبعه، ومن يَسْتَجْزِل حسْنَ صنيع الله لديه بحُسْن صُنْعِه، ومن يستَدْعى منه بَذْلَ فضلِه بحَظْر ما أُمِرَ بِحَظْره ومَنْعه. واسلُكْ فيما تستعمله من أمرها المذهب القَصْدَ والمنهج الأقْوَم، واجتهدَ فيها اجتهاد معتصِمٍ بحبل التقوى المتين وسببها المبْرَم. وامنعْ أن يخلو رجل بامرأة ليست بذات مَحْرَم، واستوضحْ أحوالَ المطاعم والمشارب، وقوِّمْ كلَّ من يخرُج في شيءٍ منها عن السَّنَنِ الواجب. وعَيِّرْ المكاييلَ والموازين، فهي آلاتُ معاملات الناس، واجتهدْ في سلامتك من الآثام بسلَامتها من الإلباس والأدناس. وحذِّرْ أن تُحَمَّل دابَّةٌ ما لا تُطِيق حَمْله، وأدِّبْ من يجرى إلى ذلك يتوخَّى (٢) فِعْلَهُ. وأوعِزْ بتنظيف الجوامع والمساجد لتنير بالنظافة مسالكَها، كما تُنِير بالإضاءة حوالكَها، ففي ذلك إظهارٌ لبهجتها وجَمَالها، وإيثارٌ لصيانتها عن إخلاق نَضْرتها وابتذالِها. ولا تمكِّنْ أحدًا أن يحضُرَها إلا أصلاة أو ذِكْر، قاطعًا السان الخِصَام وموقِظًا لعين الفِكْر؛ فأما من يجعلها سُوقًا للتِّجارة، فقد حَصَل بهذه الجَسَارة على الخَسَارة، فهي ميادينُ الضُّمر، وموازين الرُّجْح في الظاهر من أعمالهم والمُضْمَر، وما أحقَّ لياليها أن تقوم بها الهُجَّد لا السُّمَّر، وهل أذَن الله أن ترفَعَ لغير اسمه أو تُعَمَّر. واحظُر أن يحضر الطرقات ما يمنع السلوك أو يُوعره، وافعلْ في هذا الأمر ما يَرْدَع العابثَ ويزجرُه. وخُذِ النصارى واليهودَ والمخالفين بلُبْس الغِيار وشَدِّ الزنَّار، ففي ذلك إظهار لما في الإسلام من العِزَّة وفي المخالفة من الصَّغَار، وإبَانةٌ بالشدّ للتأهُّب للمسير إلى النار، وتفريق بين المؤمنين والكُفَّار. وأدِّبْ مَنْ يکيل مطفِّفًا، أو يَزِنَ متحيِّفًا، أدبًا يكون لمعامَلَتِه مزَيِّفًا، وله من معاودة على فعله زاجرًا ومخوِّفًا. فاعلم هذا واعمل به، إن شاء الله تعالى". _________ (١) في الأصل "ركبه" وربما كان المثبت بالمتن هنا هو المقصود. (٢) كذا في الأصل.

стр. 136

الملحق الثالث: نصوص دالّة على انتقال منصب الحسبة وأعمالها من الدولة الإسلامية إلى المملكة الصليبية بيت المقدس، وفي محتوياتها ما يدلُّ على استخدام الصليبيين للحسبة كما استخدمها المسلمون. وقد عنى الناشر بإيرادها بلغتها الفرنسية القديمة، ثمّ قام بنقلها إلى اللغة العربية كذلك، وهي مأخوذة من كتاب النظم القضائية ببيت المقدس (Assises de Jerusalem) المطبوع في مجموعة مؤرخي الحروب الصليبية.

стр. 137

ترجمة هذه النصوص (ج ٢، ص ٢٣٧) مجلس الحكم ينبغي أن يكون لذلك المجلس كاتب عالم بشئون الكتابة وواجباتها ومستلزماتها، معروف بصفات الإخلاص والعدل واليقظة وقوة الذاكرة. وينبغي أن يكون لذلك المجلس رجل آخر من أهل العلم والمعرفة، واسمه المحتسب، وهو رئيس الشرطة. وكذلك ينبغي أن يكون تحت تصرف المجلس فئة من العسكر (sergans) المزوّدين بالسلاح، لتقوم بما تكلّف به من مختلف الأعمال، ولتأتمر كذلك بأمر نائب القُوْمص (visconte) رئيس المجلس. وينبغي أن يقوم أولئك جميعًا بأعمالهم خير قيام، ويؤدّوا ما عليهم من واجبات على أحسن وجه، كلّ فيما يخصه، على وَفْق اليمين الذي أقسمه كلّ منهم على نفسه، وبحسب الأوامر الملقاة إليه. (ج ٢، ص ٢٣٨) يمين المحتسب ينبغي أن يقسم المحتسب على نفسه أنه سوف يعمل على احترام القوانين، وأنه سوف يحافظ على حقوق الملك، وعلى شرف المجلس وشرف القومص، وأنه سوف ينهي إلى القومص بكلّ الأمور التي تعرض عليه للفصل فيها، وبكل ما يصل إلى علمه من الأشياء المتعلّقة بالقومصيّة كلها، وأن يؤدّي عمله على أحسن وجه مستطاع، وفي إخلاص تام. (ج ٢، ص ٢٤٣ - ٢٤٤) فيما يقوم به المحتسب يجب على من يتولّى منصب الحسبة أن يذهب إلى الأسواق في الأصباح، ليتفقّد حوانيت الجزارين، وحوانيت بيع الخبز والنبيذ، وغيرها من حوانيت المأكول والمشروب. ويجب عليه كذلك أن يتحرّس مما يدخله الباعة والدوَّارون في مبيعاتهم من الغشوش، وأن يراعى وجود الخبز في الأسواق وجودا غير مقطوع، وأن يكون وزن الخبز مطابقا للوزن المقرر بمجلس الحكم.

стр. 138

وعليه مراقبة السلع المعروضة للبيع، ومراعاة أثمانها، وأثمان الخبز والنبيذ واللحم والسمك على وجه التَّخْصِيص، بحيث لا تزيد الأثمان عما يقرّره المنادون والدلّالون. وعليه أن يطوف المدينة، ليقف بنفسه على جميع ما ذُكِر، وليتحقّق أنّ أحدا لم يرتكب أية مخالفة، أو لجأ إلى العنف أو القوة أو المشاجرة، فإذا عثر على شيء من ذلك فعليه أن يمنعه في الحال. ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون للمحتسب فئة من العيون (١) والأعوان كما يحيطونه علما بجميع المخالفات التي لا يستطيع أن يكتشفها بنفسه، أو يمنعها بمفرده. وينبغي أن يأذن القومص لأولئك العيون والأعوان بالسلطة التي يستطيعون بها القيام بتلك الأعمال. وينبغي للمحتسب أيضًا أن يلقي القبض على كلّ من يخرج على القوانين، وأن يعزِّره على حسب ما يليق به من التعزير بقدر الجناية، وأن يقصد إلى القومص حيث يكون، لينهى إليه ويعرض عليه كافة الأمور التي اكتشفها ومنعها. وإذا وصل إلى علمه أن شخصا ارتكب مخالفة أو اقترف ذنبا، فعليه أن يأمر من يجب أن يكون معه من الأعوان بالقبض عليه وأخذه إلى حضرة القومص، وإخبار القومص بذنبه أو تهمته. وإذا كان القومص غائبا أو كان مشغولا بأمرٍ بحيث لا يستطيع النظر في أمر المقبوض عليه، فلمحتسب أن يأمر بحبس المذنب، وأن يخبر القومص بذلك في أقرب وقت مستطاع. وللمحتسب أن يقبض على أي فرد من الناس، وأن يودعه السجن، غير أنّه لا يستطيع إطلاق سراحه إلا بأمر القومص، أو بإذن من مجلس الحكم. وينبغي للمحتسب أيضًا أن يذهب ومعه الأعوان إلى دَرَك النَّوبة في الليل، وأن يتناوب مع القومص سهر الليل كلَّه هناك، فإذا لم يستطع القومص أن يذهب إلى نوبته، فعلى المحتسب أن يحل محلّه، وأن يكون راكبا فرسًا، ومزوّدا بالسلاح (٢). وعلى المحتسب وأعوانه إحضار المحكوم عليهم إلى مكان تنفيذ الأحكام، لتوقيع العقوبة المقرّرة، كالمصادرة، أو الإعدام، أو قطع عضو من أعضاء الجسم. _________ (١) انظر ما سبق ص ١٠، سطر ٣. (٢) انظر المقريزى: المواعظ والاعتبار - طبعة بولاق - ج ٢، ص ١٠٣.

стр. 139

ويأخذ المحتسب معلوم ولايته من دخل القومص، ومبلغ ذلك اثنا عشر بيزنتا (١)، في كل شهر من شهور السنة، وذلك بالإضافة إلى ما يصل إليه من أعوانه، وفضلا عما يدخل إليه من المبيعات والعطايا والتركات. _________ (١) البيزنتا (Besant) عملة ذهبية منسوبة إلى بيزنطة، وهي الاسم القديم للقسطنطينية، وقد ضربها الأباطرة المسيحيون الأوائل، وظلت معمولا بها ببلاد الدولة البيزنطية طوال العصور الوسطى، ولذا تداولها الصليبيون، وهي تقابل الدينار عند المسلمين. (Larousse : Grand Dictionnaire Universel)