Полный текст (778 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وَإِنَّمَا طَلَبَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ لِمَا سَبَقَ؛ وَلِأَنَّهُمْ وَضَّحُوا السَّبِيلَ.
قَالَ بَعْضٌ: وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبُ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَ بِالْإِيمَانِ، وَيَحْصُلُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ بِمَرَّةٍ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَقَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ إلَّا إذَا أَتَى بِهَا مَعَ قَصْدِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا كَانَ عَاصِيًا حَيْثُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُؤْمِنِ.
تَنْبِيهٌ: تَفْسِيرُنَا لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ بِالصَّحَابَةِ هُوَ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ السَّلَفَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مُتَقَدِّمٍ وَسَلَفُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ، وَالصَّالِحُ عُرْفًا وَشَرْعًا هُوَ الْقَائِمُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الْوَلِيِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ، إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وَقَالَ فِي يَحْيَى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] وَقَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] .
وَلَمَّا كَانَتْ الشَّرَائِعُ لَا تَتَّضِحُ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ الْجِدَالِ وَكَانَ مِنْهُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَوْ لِإِبْطَالِ الْبَاطِلِ وَالْحَرَامُ وَهُوَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَرْكُ الْمِرَاءِ) فِي الدِّينِ وَهُوَ بِالْمَدِّ لُغَةً الِاسْتِخْرَاجُ، تَقُولُ: مَرَيْت الْفَرَسَ إذَا اسْتَخْرَجْت جَرْيَهُ، وَالْمُمَارِي يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَعُرْفًا مُنَازَعَةُ الْغَيْرِ مِمَّا يَدَّعِي صَوَابَهُ وَلَوْ ظَنًّا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ طَعْنُك فِي كَلَامِ الْغَيْرِ لِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ سِوَى تَحْقِيرِ قَائِلِهِ وَإِظْهَارِ مَزِيَّتِكَ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ مَالِكٌ: الْجِدَالُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ (وَ) يَجِبُ أَيْضًا تَرْكُ (الْجِدَالِ) مَصْدَرُ جَادَلَ إذَا خَاصَمَ وَحَقِيقَتُهُ الْحُجَّةُ بِالْحُجَّةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: هُوَ تَعَارُضٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِهِ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الثَّانِي، وَقَالَ بَعْضٌ الْمِرَاءُ: وَالْجِدَالُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ قَالَ مَالِكٌ ﵁: الْجِدَالُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا ذَاكَرْت أَحَدًا وَقَصَدْت إفْحَامَهُ وَإِنَّمَا أُذَاكِرُهُ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَقٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ فِي عُلَمَاءِ زَمَانِنَا فَلَا تُجَالِسْهُمْ وَفِرَّ مِنْهُمْ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، وَقَالَ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ الْجِدَالَ وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا ذَاكَرْت حَلِيمًا إلَّا وَحَقَّرَنِي وَلَا سَفِيهًا إلَّا وَأَخْزَانِي، وَقَالَ: مَا اسْتَكْمَلَ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَقَوْلُهُ (فِي الدِّينِ) يَتَنَازَعُهُ الْمِرَاءُ، وَالْجِدَالُ فِي الدِّينِ هُوَ جِدَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ هِجْرَانَ ذِي الْبِدَعِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الدِّينِ أَنَّ الْجِدَالَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا جَائِزٌ بَيْنَ أَهْلِهَا مَعَ مُرَاعَاةِ الْحَقِّ وَالْتِزَامِ الصِّدْقِ وَتَرْكِ اللَّدَدِ وَالْإِيذَاءِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: لِلْمُنَاظَرَةِ الْجَائِزَةِ - وَيُقَالُ لَهَا الْمُذَاكَرَاتُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - شُرُوطٌ وَآدَابٌ، فَأَمَّا شُرُوطُهَا فَهِيَ ضَبْطُ قَوَانِينِ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ كَيْفِيَّةِ إيرَادِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَالِاعْتِرَاضَاتِ وَكَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِهَا وَكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَالِمًا بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمُنَاظَرَاتُ، وَصَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ كَلَامَهُ مِنْ الْفُحْشِ وَالْخَطَأِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالصِّدْقِ فِيمَا يَنْسُبُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا جَمِيعُ أَقْوَالِهِ مُطَابِقَةً لِاعْتِقَادِهِ، وَأَمَّا آدَابُهَا فَهِيَ تَجَنُّبُ اضْطِرَابِ مَا عَدَا اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالِاعْتِدَالُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ، وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ لِكَلَامِ صَاحِبِهِ، وَجَعْلُ الْكَلَامِ مُنَاوَبَةً، وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَةِ إنْ كَانَ مُجِيبًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ إنْ كَانَ سَائِلًا، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ التَّعَنُّتِ وَالتَّعَصُّبِ وَقَصْدِ الِانْتِقَامِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا فِي مَوْضِعِ مَهَانَةٍ وَلَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ تَشْهَدُ بِالزُّورِ لِخَصْمِهِ وَيَرُدُّونَ كَلَامَهُ، وَيَجْتَنِبُ الرِّيَاءَ وَالْمُبَاهَاةَ وَالضَّحِكَ، فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْآدَابُ أَفَادَتْ الْمُنَاظَرَةُ خَمْسَ خِصَالٍ: إيضَاحَ الْحُجَّةِ، وَإِبْطَالَ الشُّبْهَةِ، وَرَدَّ الْمُخْطِئِ لِلصَّوَابِ وَالضَّالِّ إلَى الرَّشَادِ، وَالزَّائِغِ إلَى صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ مَعَ الذَّهَابِ إلَى التَّعْلِيمِ، وَطَلَبِ التَّحْقِيقِ.
الثَّانِي: بَقِيَ بَعْدَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَلْفَاظٌ يَقَعُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ مَعَانِيهَا فَيَنْبَغِي لِلطَّالِبِ مَعْرِفَتُهَا وَهِيَ: الْمُكَابَرَةُ وَالْمُعَانَدَةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْمُنَاكَرَةُ وَالْمُنَاظَرَةُ وَالْمُشَاغَبَةُ وَالْمُغَالَطَةُ، فَالْمُكَابَرَةُ هِيَ الْإِقَامَةُ عَلَى إنْكَارِ الشَّيْءِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُعَانَدَةُ هِيَ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِهِ، وَالْمُجَادَلَةُ هِيَ الْفِكْرُ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ، كَمَا أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمُنَاظَرَةَ قَدْ تَكُونُ مَعَ نَفْسِهِ دُونَ الْمُجَادَلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْغَيْرِ، وَالْمُنَاكَرَةُ لَا
стр. 107
وَتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ.
، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
ــ
[الفواكه الدواني]
تَكُونُ إلَّا مَعَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ، وَالْمُشَاغَبَةُ هِيَ الْمُنَازَعَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ وَلَا لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ، وَالْمُخَالَطَةُ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ لَا لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ.
وَلَمَّا كَانَ كُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفَ قَالَ: (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (تَرْكُ) فِعْلِ (كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ) مِنْ الِابْتِدَاعَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
وَقَالَ ﵊ أَيْضًا: «إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» وَهِيَ ابْتِدَاعَاتُ الْخَلَفِ السَّيِّئِ الَّذِينَ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَمُتْ حَتَّى مَهَّدَ الدِّينَ وَأَسَّسَ قَوَاعِدَهُ وَأَوْضَحَ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ أَحَالَ بَعْدَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثُ، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَوْ اسْتَنَدَ إلَى قِيَاسٍ أَوْ إلَى عَمَلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَهُوَ دِينُ اللَّهِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَبِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَبِهَذَا لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي الْأَقْضِيَةِ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا ضَلَالَةً؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ بِإِيضَاحِ أَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقْتَضِيه قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَلَوْ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي زَمَنِهِ ﷺ لِفِعْلِهِ، وَالْبِدْعَةُ الَّتِي هِيَ فِي ضَلَالَةٍ مَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ هِيَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﷺ سَوَاءٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْبِدْعَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَعْنَاهَا لُغَةً مِنْ أَنَّهَا مَا فُعِلَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ مِثَالٍ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ تَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﵊ وَدَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهَذَا مَعْنَاهَا شَرْعًا، وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ ﵊ «خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . فَإِخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بِدْعَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ الْأَمْرُ بِهِ، وَكَذَلِكَ جَمْعُ الْقُرْآنِ فِي الْمَصَاحِفِ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ، وَالتَّوَسُّعُ فِي لَذِيذِ الْمَآكِلِ، وَأَذَانُ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَقُولُ: الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فَهَذَا هُوَ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ. وَثَانِيهِمَا مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَإِذَا كَانَتْ فَلَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ لُبْسَ الطَّيْلَسَانِ سُنَّةٌ، وَأَلَّفَ السُّيُوطِيّ فِي اسْتِحْبَابِ لُبْسِهِ كِتَابًا وَقَالَ: مَنْ أَنْكَرَ سَنَدَهُ فَهُوَ جَاهِلٌ.
١ -
(خَاتِمَةٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مِنْ الْخَمْسَةِ بِدْعَةٌ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْوُجُوبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ تَبْلِيغَهَا لِمَنْ بَعْدَنَا وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَإِهْمَالَهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا، الثَّانِي: بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَقَوَاعِدُهُ كَالْمُكُوسِ وَتَقْدِيمِ الْجُهَلَاءِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ بِالتَّوَارُثِ لِمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهَا، الثَّالِثُ: بِدْعَةٌ مَنْدُوبَةٌ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ، عَلَى خِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانَ بِالدِّينِ فَلَمَّا اخْتَلَّ النِّظَامُ وَصَارَ النَّاسُ لَا يُعَظِّمُونَ إلَّا بِالصُّوَرِ كَانَ مَنْدُوبًا حِفْظُهَا لِظُلْمِ الْخَلْقِ، الرَّابِعُ: بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَهِيَ مَا تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ الْكَرَاهَةِ كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقُرَبِ الْمَنْدُوبَةِ كَالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَكَالتَّسْبِيحِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ فَيَفْعَلُ أَكْثَرَ مِمَّا حَدَّهُ الشَّارِعُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ حَيْثُ أَتَى بِهِ لَا لِشَكٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ، فَإِنَّ الْعُظَمَاءَ إذَا حَدَثَ شَيْئًا تُعِدُّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ قِلَّةَ أَدَبٍ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ أَذَانُ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ الْخَامِسُ: بِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ وَهِيَ كُلُّ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْإِبَاحَةِ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِإِصْلَاحِ الْأَقْوَاتِ وَاللِّبَاسِ الْحَسَنِ وَالْمَسْكَنِ الْحَسَنِ وَكَالتَّوْسِعَةِ فِي لَذِيذِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعِزُّ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ اتِّخَاذُ الْمَلَاعِقِ وَالضَّابِطُ لِمَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ ﷺ عَرْضُهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فَأَيَّ الْقَوَاعِدِ اقْتَضَتْهُ أُلْحِقَ بِهَا، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَلَمَّا كَانَ الْبَابُ كَالْكِتَابِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ كَالْفَرَاغِ مِنْ الْكِتَابِ خَتَمَهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ فَقَالَ: (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ) وَرَسُولِهِ وَأَفْضَلِ خَلْقِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى السَّيِّدِ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
اللَّهِ إشَارَةً إلَى الْجَوَازِ كَ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» وَكَ «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» وَهُوَ سَعْدٌ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ السَّيِّدِ فِي اللَّهِ فَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ التَّتَّائِيِّ، وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ كَلَامِ مَالِكٍ ﵁ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ مَنْعِ إطْلَاقِ مَا لَمْ يَرِدْ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى، (وَعَلَى آلِهِ) أَيْ أَتْقِيَاءِ أُمَّتِهِ فَتَنَاوَلَ الصَّحَابَةَ، (وَأَزْوَاجِهِ) الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنْ خَدِيجَةَ وَقِيلَ عَائِشَةُ، (وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ) بِلَفْظِ الْمَاضِي لِعَطْفِهِ عَلَى صَلَّى الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ (تَسْلِيمًا كَثِيرًا) قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَةُ وَرُوِيَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا عَلَى الصِّفَةِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ ﵊، وَقَوْلُنَا خَتَمَهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِهِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا إذَا كَانَ الرَّجَاءُ حُصُولَ بَرَكَتِهَا بِحَيْثُ يُقْبَلُ الْفِعْلُ الْمَبْدُوءُ وَالْمَخْتُومُ بِهِمَا لَا لِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْإِخْبَارِ بِتَمَامِ الْبَابِ أَوْ الْكِتَابِ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّهُ لَا يُنْدَبُ إلَّا وَقَدْ قَصَدَ تَفْوِيضَ الْعِلْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا لِقَصْدِ الْإِعْلَامِ بِالْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لِتُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنًى لَا يَنْبَغِي اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةٌ وَتُسَنُّ أَوْ تُنْدَبُ فِي الصَّلَاةِ وَتُسْتَحَبُّ خَارِجُهَا؛ لِأَنَّهَا تُفَرِّجُ الْكُرَبَ وَتُحِلُّ الْعُقَدَ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ فَقَالَ
стр. 109
بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ الْوُضُوءُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ
أَوْ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ مَعَ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب مَا يَجِب مِنْهُ الْوُضُوء وَالْغُسْل]
(بَابٌ) هُوَ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَادِ كَبَابِ الْمَسْجِدِ وَمَجَازٌ فِي الْمَعَانِي، وَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا بِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ فِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ، وَالْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَسْأَلَةً إلَّا مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَاكْتُسِبَ بِهِ، لَا الْأَمْرُ الضَّرُورِيُّ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَرْضٌ وَكَالزَّكَاةِ فَرْضٌ فَلَا تُعَدُّ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ.
(مَا) أَيْ الْمُوجِبُ الَّذِي (يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، وَ) الْمُوجِبُ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ (الْغُسْلُ) وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى مَا الْمَوْصُولَةِ وَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِأَنَّ هَذَا شُرُوعٌ فِي مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالْمُوجِبُ مَا يَلْزَمُ بِسَبَبِهِ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ، وَالْوُضُوءُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَاصْطِلَاحًا طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَالْغُسْلُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ، وَسَيُذْكَرُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَابِهِ، وَمُوجِبَاتُ الْوُضُوءِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِنَوَاقِضِهِ وَمُبْطِلَاتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحْدَاثٌ وَأَسْبَابٌ وَمَا لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا سَبَبٍ وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّهِمَا كَالرِّدَّةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَلَيْسَ مِنْهَا رَفْضُهُ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالرَّفْضِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَلَا بِالْعَزْمِ عَلَى النَّقْضِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِطْرِ، وَبَدَأَ بِأَوَّلِ الْأَقْسَامِ فَقَالَ:
(الْوُضُوءُ) وَقَدْ قَدَّمْنَا تَعْرِيفَهُ وَسَتَأْتِي صِفَتُهُ فِي بَابِهِ (يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ) عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ (مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ) الْمُعْتَادَيْنِ وَهُمَا الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِالدَّاخِلِ بِالْحُقْنَةِ وَلَا بِالْقَرْقَرَةِ الشَّدِيدَةِ وَلَا بِالْحَقْنِ بِالرِّيحِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِعَدَمِ صِدْقِ الْحَدَثِ عَلَيْهِمَا. وَبَيْنَ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ) مِنْ الدُّبُرِ لَا إنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ ذَكَرِ الرَّجُلِ فَلَا يَنْتَقِضُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَحَلِّهِ الْمُعْتَادِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحَصَى وَالدُّودِ الْمُتَخَلِّقَيْنِ فِي الْمَعِدَةِ فَلَا يَنْقُضَانِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا عُذْرَةٌ كَثِيرَةٌ، وَيُعْفَى عَنْ الْخَارِجِ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُمَا وَهُمَا غَيْرُ نَاقِضَيْنِ فَتَابِعُهُمَا كَذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَلَوْ كَثُرَ حَيْثُ كَانَ خُرُوجُ الْحَصَى وَالدُّودِ مُسْتَنْكَحًا بِأَنْ كَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ، أَوْ كَانَ خُرُوجُهُمَا غَيْرَ مُسْتَنْكَحٍ لَكِنْ قَلَّ الْخَارِجُ عَلَيْهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَلِيلِ مَا يَسْتَحِيلُ خُرُوجُهُمَا بِدُونِهِ لَا إنْ كَانَ كَثِيرًا فَيَجِبُ إزَالَتُهُ عَنْ الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْهُ.
وَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ كَسُقُوطِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ الَّتِي لَمْ يُعْفَ عَنْهَا، وَمِثْلُ الْحَصَى وَالدُّودِ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ الدَّمُ وَالْقَيْحُ لَكِنْ بِشَرْطٍ يَخْرُجَا خَالِصَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَإِلَّا نَقَضَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَصَى وَالدُّودِ غَلَبَةُ مُخَالَطَةِ الْحَصَى وَالدُّودِ لِلْعُذْرَةِ وَنُدْرَةُ مُخَالَطَةِ الْقَيْحِ وَالدَّمِ لَهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْحَصَى وَالدُّودَ وَالدَّمَ وَالْقَيْحَ لَيْسَتْ مِنْ الْحَدَثِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِمَا، وَتُوقَفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي ذَاتِ الْحَصَى وَالدُّودِ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أَنَّهُمَا ظَاهِرُ الذَّاتِ وَمُتَنَجِّسَانِ، رَاجَعَ الْأُجْهُورِيَّ عَلَى خَلِيلٍ، وَأَمَّا الْحَصَى وَالدُّودُ غَيْرُ الْمُتَخَلِّقَيْنِ بِأَنْ ابْتَلَعَهُمَا وَخَرَجَا مِنْ مَحَلِّ الْحَدَثِ فَإِنَّهُمَا يَنْقُضَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْحَدَثِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا لَوْ شَرِبَ مَاءً حَارًّا وَابْتَلَعَ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ سَرِيعًا فَلَا شَكَّ فِي نَقْضِ مَا ذَكَرَ لِلْوُضُوءِ.
وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ الْمُلَازِمِ لِصَاحِبِهِ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ إنْ لَازَمَ جُلَّ الزَّمَنِ أَوْ نِصْفَهُ إلَّا أَنْ يَشُقَّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُفَارِقُ أَكْثَرَ الزَّمَنِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ لَا يُنْقَضُ فِي ثَلَاثٍ، وَالنَّقْضُ فِي صُورَةٍ وَمَحَلُّهَا فِي الْمَعْجُوزِ عَنْ رَفْعِهِ وَإِلَّا نَقَضَ فِي الْجَمِيعِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُعْتَادَيْنِ وَهُمَا الْقَبْلُ وَالدُّبْرُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَنْ خَرَجَ بَوْلُهُ أَوْ فَضْلَتَهُ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ مِنْ حَلْقِهِ فَلَا نَقْضَ، أَوْ خَرَجَ حَدَثُهُ مِنْ ثُقْبَةٍ فِي جَسَدِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ مَعَ انْسِدَادِ مَخْرَجَيْهِ فَإِنَّ الْخَارِجَ مِنْهَا يَنْقُضُ اتِّفَاقًا، أَوْ انْقَطَعَ خُرُوجُهُ مِنْ مَحَلِّهِ وَصَارَ مَوْضِعُ الْقَيْءِ مَوْضِعًا لَهُ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ أَيْضًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَظْهَرُ لِي الْجَزْمُ بِالنَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْ ثُقْبَةٍ وَلَوْ فَوْقَ الْمَعِدَةِ حَيْثُ
стр. 110
غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ
وَأَمَّا الْوَدْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ يَخْرُجُ بِأَثَرِ الْبَوْلِ يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ
، وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ
ــ
[الفواكه الدواني]
انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ بِالْأَوَّلِ مِنْ مَحَلِّ الْقَيْءِ وَإِنْ حَاوَلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْته مَا تَقَرَّرَ مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ عِنْدَنَا بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ وَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا يَجِبُ الْوُضُوءُ (لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ مَعَ) وُجُوبِ (غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ) بِنِيَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلَيْنِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي تَعْرِيفِ الْمَذْيِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ امْرَأَتِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلِيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَ الصَّلَاةِ» وَلَفْظُ الْفَرْجِ فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ صَرِيحًا: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ الْأَذَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَسْلَهُ غَيْرُ تَعَبُّدِيٍّ، وَفِيهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: فَفِي النِّيَّةِ وَبُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا أَوْ تَارِكِ كُلِّهِ قَوْلَانِ: الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلِ النِّيَّةِ الْوُجُوبُ كَمَا أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ قَوْلَيْ الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا مَعَ تَرْكِ النِّيَّةِ الصِّحَّةُ مَعَ غَسْلِ جَمِيعِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ فَالْقَوْلَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَوْ مَعَ تَرْكِ النِّيَّةِ عَلَى التَّحْقِيقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالْحَدِيثِ فِي مَذْيِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا مَذْيُ الْمَرْأَةِ فَيَكْفِيهَا غَسْلُ مَحَلِّ الْأَذَى فَقَطْ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي النِّيَّةِ أَوْ اسْتَظْهَرَ افْتِقَارَهَا إلَى نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ، قُلْت: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ.
الثَّانِي: الْمَذْيُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفِيهِ حِينَئِذٍ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: تَسْكِينُ الذَّالِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَكَسْرُ الذَّالِ مَعَ شَدِّ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا سَاكِنَةً، وَيُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَلَعَلَّهُ فِي اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ.
الثَّالِثُ: نَاقَشَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَى التَّصَوُّرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَنَّهُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ التَّصَوُّرِ عَلَى التَّصْدِيقِ حُكْمًا وَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُنَاقَشَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِلْغَيْرِ، وَحُكْمُ الشَّخْصِ عَلَى شَيْءٍ مُتَصَوَّرٍ فِي ذِهْنِهِ قَبْلَ تَصْوِيرِهِ فِي الْخَارِجِ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ مُتَصَوِّرًا لِلْوُضُوءِ حِينَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ.
ثُمَّ عَرَّفَ الْمَذْيَ بِبَيَانِ صِفَتِهِ عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ وَصِفَةِ خُرُوجِهِ فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ الْمَذْيُ (مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ) الْمُعْتَادَةِ وَهِيَ الْمَيْلُ إلَى الشَّيْءِ وَإِيثَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ (بِالْإِنْعَاظِ) أَيْ قِيَامِ الذَّكَرِ (عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ التَّذَكُّرِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مَحَلُّ الْأَذَى، وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَإِلَّا فَلَا يَنْقُضَ إلَّا أَنْ يُفَارِقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ يَقْدِرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَالنَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ بِخِلَافِ غَيْرِ النَّاقِضِ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ مِثْلِ الْمَنِيِّ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ غُسْلًا، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِنْعَاظِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلَوْ كَانَ مَعَ التَّلَذُّذِ وَإِدَامَةِ تَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ، وَقَوْلُنَا عِنْدَ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ عَدَمِ اعْتِدَالِهِ فَقَدْ يَخْرُجُ مَذْيُهُ أَصْفَرَ فَلَا يَخْتَلُّ الْحُكْمُ بَلْ يَجِبُ مِنْهُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ مَعَ خُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ جَوَازُ الْمُلَاعَبَةِ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَقَدْ رَغَّبَ ﵊ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» اهـ. قُلْت: الْحُكْمُ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْأَخْذِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ كَوْنَ الْمُلَاعَبَةِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا الْمَذْيُ جَائِزَةً أَوْ مُحَرَّمَةً وَتَأَمَّلْهُ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ حَيْثُ حَضَّ عَلَى مُلَاعَبَةِ الْبِكْرِ
(وَأَمَّا الْوَدْيُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ كَسْرَهَا وَتَشْدِيدَ الْيَاءِ وَرُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ (فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ ثَخِينٌ (يَخْرُجُ بِإِثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيْ عَقِبَ (الْبَوْلِ) غَالِبًا وَقَدْ يَخْرُجُ وَحْدَهُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ
стр. 111
الْكُبْرَى بِالْجِمَاعِ، رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءٌ رَقِيقٌ أَصْفَرُ يَجِبُ مِنْهُ الطُّهْرُ فَيَجِبُ مِنْ هَذَا طُهْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ كَمَا يَجِبُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ
وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا وَلِسَلَسِ الْبَوْلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ
وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ
أَوْ إغْمَاء
أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ
وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
(يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ) فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْهُ مَحَلُّ الْأَذَى فَقَطْ، وَيُجْزِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ كَالْبَوْلِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُ مُغَايِرًا لِحُكْمِ الْمَذْيِ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ لِحُكْمِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا.
وَلَمَّا كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ اسْتِيفَاءُ أَحْكَامِ الْخَارِجِ مِنْ الْقُبُلِ ذَكَرَ الْمَنِيَّ وَإِنْ كَانَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ قَبْلَ تَتْمِيمِ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَنِيُّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَهُوَ) مِنْ الرَّجُلِ (الْمَاءُ الدَّافِقُ) يَعْنِي الْمَدْفُوقَ الثَّخِينَ (الَّذِي يَخْرُجُ) دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى) وَهِيَ الْحَاصِلَةُ (بِالْجِمَاعِ) بِخِلَافِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْمَذْيُ فَهِيَ صُغْرَى وَالتَّقْيِيدُ بِالْجِمَاعِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ يَخْرُجُ بِغَيْرِهِ وَصِفَةُ (رَائِحَتِهِ) إذَا كَانَ رَطْبًا مِنْ صَحِيحِ الْمِزَاجِ (كَرَائِحَةِ) غُبَارِ (الطَّلْعِ) مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَيَّدْنَا بِ رَطْبًا لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ تُشْبِهُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ وَبِصَحِيحِ الْمِزَاجِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ مِنْ الْمَرِيضِ وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ لِيُرْجَعَ إلَيْهَا عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ إذَا قَامَ مِنْ نَوْمٍ مَثَلًا فَوَجَدَ بَلَلًا أَوْ شَيْئًا جَافًّا رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ أَوْ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنِيٌّ، كَمَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَنِيًّا يَجْعَلُ نُقْطَةَ مَاءٍ حَارٍّ عَلَيْهِ عِنْدَ يُبْسِهِ وَيَشْرَبُهَا سَرِيعًا، وَإِنَّمَا يُشَبَّهُ بِالطَّلْعِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي بِلَادِهِمْ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
(وَ) أَمَّا صِفَةُ (الْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْهَا فَهُوَ (مَاءٌ رَقِيقٌ) ضِدُّ مَاءِ الرَّجُلِ (أَصْفَرُ) غَالِبًا بِخِلَافِ مَاءِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ أَبْيَضُ غَالِبًا، وَأَمَّا طَعْمُهُ فَهُوَ مِنْ الرَّجُلِ مُرٌّ وَمِنْ الْمَرْأَةِ مَالِحٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَاءَانِ فِي الرَّحِمِ كَانَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا، وَأَيُّهُمَا سَبَقَ أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ صَاحِبَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُوجِبُهُ الْمَنِيُّ بِقَوْلِهِ: (يَجِبُ مِنْهُ) أَيْ يَجِبُ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ (الطُّهْرُ) أَيْ غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ حَيْثُ خَرَجَ فِي نَوْمٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي يَقِظَةٍ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ؛ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِأَنَّهُ الْخَارِجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُوجِبُ إلَّا الْوُضُوءَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ طُهْرٌ إلَّا بِخُرُوجِ مَنِيِّهَا وَلَا يَكْفِي إحْسَاسُهَا خِلَافًا لِلْقَاضِيَّ سَنَدٍ وَقَوْلُهُ: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا طُهْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ) تَكْرَارٌ وَلَعَلَّهُ ارْتَكَبَهُ لِأَجْلِ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا يَجِبُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ) وَإِنَّمَا شَبَّهَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَقْوَى الْمَوَانِعِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَا لَا تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنْ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ عَلَيْهَا غَسْلَ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ قَالَ: (وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَرْأَةِ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا أَوْ اسْتِظْهَارِهَا (فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ) فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ إذَا كَانَ نَاقِضًا لِوُضُوئِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا لَا عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ بِأَنْ يُفَارِقَهَا أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ قَدَرَتْ عَلَى رَفْعِهِ، وَأَمَّا لَوْ لَازَمَهَا وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْهُ الْوُضُوءُ.
(وَ) إنَّمَا (يُسْتَحَبُّ لَهَا وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ لِلشَّخْصِ الَّذِي قَهَرَهُ الْبَوْلُ فَسَلِسٌ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ لَهَا (أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: أَنْ يُلَازِمَهُمَا جُلَّ الزَّمَنِ أَوْ نِصْفَهُ، وَمَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا فَارَقَ أَكْثَرَهُ أَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَالِاسْتِحْبَابُ عَلَى مَا لَازَمَ جُلَّ أَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ انْدِفَاعُ التَّنَاقُضِ الَّذِي ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ فِي كَلَامِهِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِسَلِسِ الْبَوْلِ كَانَ الْأَوْلَى وَلِصَاحِبِ السَّلَسِ لِيَشْمَلَ سَائِرَ الْأَحْدَاثِ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ مَذْيًا أَوْ مَنِيًّا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ النَّقْضِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا وَلَازِمٌ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِتَدَاوٍ أَوْ سِتْرٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاقِضًا إلَّا فِي مُدَّةِ تُدَاوِيه وَمُدَّةِ اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي السَّلَسِ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا خَلِيلٌ فَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِطَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ فِي كُلِّ صُورَةٍ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَأَهْلِ الْمَذْهَبِ عُمُومُ هَذَا الْحُكْمِ فِي السَّلَسِ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِيهِ الشَّخْصُ، لَكِنْ جَرَى خِلَافٌ فِي اعْتِبَارِ الْمُلَازَمَةِ هَلْ فِي خُصُوصِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الزَّوَالِ وَمُنْتَهَاهَا طُلُوعُ، الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ مُطْلَقًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا الْمُلَازَمَةُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ
стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
دَرَجَةً وَغَيْرُ وَقْتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ فَأَتَاهُ فِيهَا وَفِي مِائَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَنْقُضُ لِمُفَارِقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ لَا عَلَى مُقَابَلَةٍ لِمُلَازَمَةِ أَكْثَرِهِ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْمَنُوفِيِّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَإِنَّمَا تُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ إتْيَانُ السَّلَسِ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْضَبِطًا فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ يَأْتِيه إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ مَثَلًا وَيُلَازِمُهُ لِلْغُرُوبِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْعَصْرَ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى وَكَذَا يُقَالُ فِي الْعِشَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ وَقْتَ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ.
الْخَامِسُ: يُنْظَرُ فِي النُّقْطَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنْ الشَّخْصِ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَإِنْ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا وَإِنْ نَقَضَتْ الْوُضُوءَ وَتَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ، وَإِذَا تَحَقَّقَ نُزُولُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَلَوْ كَانَ إمَامًا وَيَتْبَعُهُ مَأْمُومُهُ. وَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ نُزُولَهَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وُجُوبًا وَلَا يُعِيدُ مَأْمُومُهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِالْحَدَثِ نَاسِيًا وَهُوَ إمَامٌ فَيُعِيدُ أَبَدًا دُونَ مَأْمُومِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَفْوِ عَنْ النُّقْطَةِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ كُلِّ مَا يَعْسَرُ، وَالنَّقْضُ يَكُونُ بِمَا يُفَارِقُ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ يَقْدِرَ عَلَى رَفْعِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ خِفَّةُ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْحَدَثُ شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَقْسَامِ وَهُوَ الْأَسْبَابُ جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَمِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ، وَيَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: زَوَالُ الْعَقْلِ وَاللَّمْسُ بِشَرْطِهِ وَمَسُّ الذَّكَرِ لِلْبَالِغِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ عَلَى طَرِيقِ الصِّحَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدَثَ نَاقِضٌ بِنَفْسِهِ، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يَنْقُضُ بِوَاسِطَةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ فَقَالَ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ) أَيْ اسْتِتَارِ (الْعَقْلِ) وَهُوَ آلَةُ التَّمْيِيزِ (بِنَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِسُقُوطِ لُعَابِهِ أَوْ حَبْوَتِهِ أَوْ الْكُرَّاسِ مِنْ يَدِهِ وَلَا بِمَنْ يَذْهَبُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا بِمَنْ يَأْتِي وَلَا بِالْأَصْوَاتِ الْمُرْتَفِعَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ لَا إنْ خَفَّ فَلَا يَنْقُضُ، وَلَوْ طَالَ فَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ وَيَشْمَلُهَا قَوْلُ خَلِيلٍ: وَبِسَبَبِهِ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلٍ وَإِنْ بِنَوْمٍ ثَقُلَ وَلَوْ قَصُرَ لَا خَفَّ وَنُدِبَ إنْ طَالَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ خَفِيفِهِ إنْ طَالَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ نَقْضِ الْخَفِيفِ مَا فِي مُسْلِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ الثَّقِيلُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ حِسُّ الْمَرْءِ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِالْحَدَثِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْخَفِيفُ الَّذِي يُحِسُّ مَعَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَلَا يَنْقُضُ، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا نَوْمُ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: هَذَا التَّفْصِيلُ فِي النَّائِمِ جَالِسًا، وَأَمَّا الْقَائِمُ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى شَيْءٍ فِي حَالِ قِيَامِهِ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِسُقُوطِهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِدُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْمُسْتَنَدُ إلَيْهِ لَسَقَطَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِسِ، وَأُمًّا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِسُقُوطِهِ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ عَدَمَ سُقُوطِهِ عَلَامَةٌ عَلَى خِفَّةِ نَوْمِهِ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ النَّقْضُ بِالنَّوْمِ الثَّقِيلِ وَلَوْ كَانَ النَّائِمُ الْجَالِسُ مُتَمَكِّنًا وَمُسْتَقَرًّا وَهُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ اعْتِمَادُهُ عِنْدِي لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ النَّائِمَ تَرْتَخِي أَعْصَابُهُ فَلَا يَشْعُرُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ النَّقْضَ بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ نَقْضُ وُضُوئِهِ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِسْفَارِ سَدُّ الدُّبُرِ
(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ مِنْ حُصُولِ مُطْلَقِ (إغْمَاءٍ) وَهُوَ مَرَضٌ فِي الرَّأْسِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ بِالْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا بِزَوَالِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ (سُكْرٍ) وَلَوْ بِحَلَالٍ (أَوْ) بِسَبَبِ (تَخَبُّطِ جُنُونٍ) بِأَنْ يَتَخَبَّطَهُ الْجِنُّ ثُمَّ يَعُودُ لِحَالِهِ، وَإِنَّمَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِهَذِهِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ طَوِيلِهَا وَقَصِيرِهَا وَلَا بَيْنَ ثَقِيلِهَا وَخَفِيفِهَا لِأَنَّ هَذِهِ يَزُولُ مَعَهَا التَّكْلِيفُ، بِخِلَافِ النَّوْمِ صَاحِبُهُ مُخَاطَبٌ وَإِنْ رُفِعَ عَنْهُ الْإِثْمُ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِتَرَادُفِ الْهُمُومِ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ ﵁ وُجُوبُ الْوُضُوءِ وَقَالَ بِهِ ابْنُ نَافِعٍ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَهْوَ قَاعِدٌ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَمِمَّا لَا يَنْقُضُ زَوَالُهُ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى غَابَ عَنْ إحْسَاسِهِ.
قَالَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَلِي فِي ذَلِكَ وَقْفَةٌ مَعَ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِزَوَالِهِ بِالنَّوْمِ.
الثَّانِي: فَسَّرْنَا زَوَالَ الْعَقْلِ بِالِاسْتِتَارِ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْفَاكِهَانِيُّ: الْعَقْلُ لَا يُزِيلُهُ النَّوْمُ وَلَا الْإِغْمَاءُ وَلَا السُّكْرُ وَإِنَّمَا
стр. 113
الْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ
وَالْقُبْلَةِ لِلَّذَّةِ
وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ
وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ
ــ
[الفواكه الدواني]
تَسْتُرُهُ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ الْمُنْقَطِعُ بِخِلَافِ الْمُطْبَقِ فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ لَا مَحَالَةَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ فِي الْمَذْكُورَاتِ بِلَفْظِ زَوَالٍ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ
وَمِنْ الْأَسْبَابِ اللَّمْسُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ) أَجْلِ (الْمُلَامَسَةِ) الْمُرَادُ اللَّمْسُ وَهُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِبَارِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (لِلَّذَّةِ) أَيْ لِقَصْدِهَا أَوْ وُجُودِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْسٌ يَلْتَذُّ بِهِ صَاحِبُهُ عَادَةً وَلَوْ لِظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ حَائِلٍ وَأُوِّلَ بِالْخَفِيفِ وَبِالْإِطْلَاقِ وَهَذَا حَيْثُ لَا ضَمَّ، وَأَمَّا لَوْ ضَمَّ اللَّذَّاتِ الْمَلْمُوسَةَ أَوْ قَبَضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا فَإِنَّ وُضُوءَهُ يَنْتَقِضُ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ كَثِيفًا قَصَدَ لَذَّةً أَوْ وَجَدَهَا.
قَالَهُ الْأَجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ الْحَطَّابِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي اللَّامِسِ الْبُلُوغُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ وَكَذَلِكَ الْمَلْمُوسُ فَإِنْ بَلَغَ وَالْتَذَّ أَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَاللَّامِسِ وَبِقَيْدِ الْعَادَةِ يَخْرُجُ الِالْتِذَاذُ بِالصَّغِيرَةِ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ أَوْ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إلَّا الِالْتِذَاذُ، أَوْ بِمَسِّ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ لِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ بِالِالْتِذَاذِ بِفَرْجِهِمَا، وَلِذَلِكَ نَصُّوا عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالِالْتِذَاذِ بِالْمُحَرَّمِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ الْمُلَامَسَةِ عَلَى مَا كَانَ بِالْيَدِ فَقَطْ دَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ (الْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ) وَفُهِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُلَامَسَةِ أَنَّ الِالْتِذَاذَ بِالنَّظَرِ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ لَا يَنْقُضُ وَلَوْ أَنْعَظَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا لَذَّةَ بِنَظَرٍ كَإِنْعَاظٍ حَيْثُ لَا مَذْيَ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ كَوْنُهُ بِعُضْوٍ خَاصٍّ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَصْلِيًّا بَلْ وَلَوْ كَانَ اللَّمْسُ بِعُضْوٍ زَائِدٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُسَاوَاتُهُ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ بَلْ الشَّرْطُ قَصْدُ وُجُودِ اللَّذَّةِ حَالَ اللَّمْسِ وَلَوْ بِأَمْرَدَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ وَالْقَصْدُ كَالْوِجْدَانِ.
وَفِي الْأَجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ: لَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ هُنَا كَوْنُهُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ لَهُ إحْسَاسٌ كَمَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ، فَمَتَى حَصَلَ اللَّمْسُ هُنَا بِعُضْوٍ وَلَوْ زَائِدًا لَا إحْسَاسَ لَهُ وَانْضَمَّ لِذَلِكَ قَصْدُهُ لِلَّذَّةِ أَوْ وِجْدَانُهَا نَقَضَ، هَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ انْتَهَى.
الثَّانِي: إذَا قَصَدَ لَمْسَ امْرَأَةٍ يُعْتَقَدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا مَحْرَمٌ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمَسَّ مِنْ يَعْتَقِدُهَا مَحْرَمًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا نَقْضَ، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَلَعَلَّهُ بَنَاهُ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ بِلَمْسِ الْمَحْرَمِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَحْرَمَ كَغَيْرِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ: قَصْدُهَا لِلْفَاسِقِ فِي الْمَحْرَمِ نَاقِضٌ.
قَالَ بَعْضٌ الْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مَنْ مِثْلُهُ يَلْتَذُّ بِمَحْرَمِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ صُوَرَ اللَّمْسِ أَرْبَعٌ: قَصْدٌ فَقَطْ، وِجْدَانٌ فَقَطْ، قَصْدٌ وَوِجْدَانٌ، انْتِفَاءُ الْأَمْرَيْنِ. يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالثَّلَاثِ الْأُوَلِ وَلَا نَقْضَ بِانْتِفَائِهِمَا، وَكَثِيرًا مَا يَتَوَضَّأُ الْإِنْسَانُ وَيَلْمِسُ زَوْجَتَهُ عَقِبَ وُضُوئِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَا وُضُوءُهَا إلَّا مَعَ الْقَصْدِ وَالْوِجْدَانِ
(وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا مِنْ (الْقُبْلَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَهِيَ وَضْعُ الْفَمِ عَلَى الْفَمِ (لِلَّذَّةِ) حَيْثُ كَانَتْ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً وَلَوْ بِامْرَأَةٍ بِمِثْلِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُبْلَةِ طَوْعٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قَصْدٌ وَلَا وِجْدَانٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْقُبْلَةَ فِي غَيْرِ الْفَمِ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِهِ تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْمُلَامَسَةِ، بِخِلَافِهَا عَلَى الْفَمِ فَتَنْقُضُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ انْفِكَاكِهَا عَنْ اللَّذَّةِ عَادَةً، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْقُبْلَةَ بِفَمٍ وَإِنْ بِكُرْهٍ أَوْ اسْتِغْفَالٍ لَا لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ إلَّا أَنْ يَجِدَ اللَّذَّةَ، وَلَا إنْ كَانَتْ عَلَى حَائِلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا أَوْ كَانَتْ عَلَى فَمِ صَغِيرَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْمُقَبِّلُ بِكَسْرِ الْبَاءِ صَبِيًّا أَوْ كَانَتْ الْمُقَبَّلَةُ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى فَلَا نَقْضَ بِتَقْبِيلِهَا وَلَوْ الْتَذَّ الْبَالِغُ بِتَقْبِيلِهَا، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: قُبْلَةُ تَرَحُّمِ الصَّغِيرَةِ وَوَدَاعِ الْكَبِيرَةِ وَلَا لَذَّةُ لَغْوٍ يَقْتَضِي بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالِالْتِذَاذِ حَتَّى بِقُبْلَةِ الصَّغِيرَةِ وَحَرَّرَهُ، وَعَدَمُ النَّقْضِ صَرَّحَ بِهِ الْأَجْهُورِيُّ، وَكَذَا لَوْ قَبَّلَ شَابٌّ شَيْخًا أَوْ شَيْخٌ شَيْخًا فَلَا نَقْضَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَبَّلَ الذَّكَرُ الْبَالِغُ أُنْثَى فَالنَّقْضُ وَلَوْ كَانَ شَابًّا وَهِيَ كَبِيرَةٌ لِأَنَّ شَأْنَ الذَّكَرِ الِالْتِذَاذُ بِالْأُنْثَى وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَإِذَا كَانَ الْوُضُوءُ يَنْتَقِضُ بِالتَّقْبِيلِ مِنْ الْبَالِغِ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِمِثْلِهِ مُطْلَقًا مِنْ بَابِ أَوْلَى تَنْتَقِضُ بِالتَّقْبِيلِ عَلَى فَرْجِ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهُ، لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْفَرْجِ أَوْ مَسَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ اللَّذَّةِ خِلَافًا لِبَحْثِ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
وَمِنْ الْأَسْبَابِ الْمَسُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا (مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ) الْمُتَّصِلِ الْمُرَادُ ذَكَرُ نَفْسِهِ، فَأَلْ عِوَضٌ عَنْ الضَّمِيرِ سَوَاءٌ مَسَّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، لِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَمْدُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ لَذَّةٌ وَلَا قَصْدُهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَاسُّ شَيْخًا أَوْ عِنِّينًا لَكِنْ بِشَرْطِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْحَائِلِ إلَّا مَا خَفَّ جِدًّا وَبِشَرْطِ اتِّصَالِ الذَّكَرِ، وَكَوْنِ الْمَسِّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ أَوْ بِجَنْبِهَا
стр. 114
الْوُضُوءِ بِذَلِكَ.
وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
[مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ]
أَوْ انْقِطَاعِ دَمِ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَالزَّائِدُ الَّذِي فِيهِ إحْسَاسٌ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ غَيْرَهُ عَلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ جَزْمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِنَقْضِ وُضُوءِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمَسِّ ذَكَرِهِ وَنَقْضِ وُضُوءِ الشَّاكِّ فِي حَدَثِهِ، وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا اشْتِرَاطَ مُسَاوَاةِ الزَّائِدِ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ وَالتَّصَرُّفِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا وَمَعَ وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا فِي الْأَجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَصْلِيَّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إحْسَاسٌ بِنَا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَسَّ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ لَا يَنْقُضُ، وَأَيْضًا صَرَّحَ الْأَجْهُورِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَيْضًا اشْتِرَاطُهُمْ فِي الزَّائِدِ مُسَاوَاتَهُ لِغَيْرِهِ فِي الْإِحْسَاسِ شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَبْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ سَمِعَتْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَا يُخَالِفُهُ ضَعِيفٌ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا الْمُتَّصِلِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ بَعْدَ قَطْعِهِ وَلَا بِمَوْضِعِ الْجَبِّ وَلَوْ الْتَذَّ وَلَا بِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ إلَّا لِقَصْدٍ أَوْ الْتِذَاذٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّمْسَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ بِاللَّمْسِ وَالْمَسُّ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي جَانِبِ الذَّكَرِ بِالْمَسِّ لِأَنَّ النَّقْضَ يَحْصُلُ بِمَسِّهِ وَلَوْ سَهْوًا، وَمَفْهُومُ الذَّكَرِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ سَوَاءٌ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ كَالدُّبْرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمَسِّ دُبُرٍ وَلَا أُنْثَيَيْنِ وَلَا فَرْجِ صَغِيرَةٍ وَلَا دَابَّةٍ إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ بِمَسِّ فَرْجِهِمَا فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، بِخِلَافِ جَسَدِهِمَا فَلَا نَقْضَ وَلَوْ الْتَذَّ بِهِ.
(وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ) عَلَيْهَا (بِذَلِكَ) وَعَدَمِهِ عَلَى عِدَّةِ رِوَايَاتٍ: أَحَدُهَا عَدَمُ النَّقْضِ مُطْلَقًا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ وَمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهَا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ أَلْطَفَتْ أَمْ لَا؟ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْإِلْطَافِ بِأَنْ تُدْخِلَ أُصْبُعَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَعَدَمُهُ، وَرِوَايَةٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَرْجَحَهَا أَوَّلُهَا.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِرِدَّةٍ وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا لِمُسْتَنْكِحٍ وَبِشَكٍّ فِي سَابِقِهِمَا، وَالْمُرَادُ الشَّكُّ فِي النَّاقِضِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ إلَّا الرِّدَّةَ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرْتَدُّ بِالشَّكِّ فِي الِارْتِدَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِارْتِدَادِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْمَوْتُ. وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا خُرُوجَ الْمَنِيِّ فَقَالَ: (وَيَجِبُ الطُّهْرُ) أَيْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمْعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ (مِمَّا ذَكَرْنَا) أَوَّلَ الْبَابِ وَأَعَادَهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ) الْمُعْتَادَةِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ بِأَنْ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ، أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَأَمْنَى أَوْ ضُرِبَ فَأَمْنَى أَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ أَوْ نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ أَوْ حَكَّ جَسَدَهُ لِنَحْوِ جَرَبٍ فَأَمْنَى فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَيَسْتَدِيمُهَا بِهَزِّ الدَّابَّةِ أَوْ بِمَا بَعْدَهَا فَيُمْنِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَمَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَدْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ سَوَاءٌ حَصَلَ (فِي نَوْمٍ أَوْ يَقِظَةٍ) وَسَوَاءٌ خَرَجَ (مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الْخُرُوجِ لِلَّذَّةِ، فَلَوْ الْتَذَّ بِتَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ لَذَّتُهُ وَأَمْنَى بَعْدَ ذَهَابِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَلَوْ كَانَ اغْتَسَلَ بَعْدَ اللَّذَّةِ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي مَحَلِّهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي مُطِيقَةٍ وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ اغْتِسَالِهِ أَمْنَى فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْغُسْلِ لِأَنَّ غُسْلَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ إلَّا إذَا كَانَ خُرُوجُهُ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، وَظَاهِرَةٍ وَلَوْ خَرَجَ فِي نَوْمٍ كَمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي نَوْمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ اشْتِرَاطُ اللَّذَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ يَقَظَةً، وَأَمَّا مَا خَرَجَ فِي النَّوْمِ فَالشَّرْطُ وُجُودُ الْبَلَلِ، وَلَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ شَكَّ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: شَكُّ الْجَنَابَةِ كَتَحَقُّقِهَا
стр. 115
الْحَيْضَةِ أَوْ الِاسْتِحَاضَةِ
أَوْ دَمِ النِّفَاسِ
أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ. وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ يُوجِبُ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَأَحْرَى لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنِيٌّ، وَلَوْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ يُضْرَبُ فَخَرَجَ مَنِيُّهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ لِلَّذَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ بِدُخُولِ مَنِيٍّ فِي فَرْجِهَا مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ مَنِيِّهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمَنِيٍّ وَصَلَ لِلْفَرْجِ وَلَوْ الْتَذَّتْ، أَيْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُنْزِلَ أَوْ تَحْمِلَ حَيْثُ كَانَ خُرُوجُهُ لِجِمَاعِهَا فِي غَيْرِ فَرْجِهَا، وَأَمَّا لَوْ أَخَذَتْهُ مِنْ الْأَرْضِ وَوَضَعَتْهُ فِي فَرْجِهَا أَوْ جَلَسَتْ عَلَيْهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِدُخُولِهِ وَلَوْ حَمَلَتْ.
قَالَ الْأَجْهُورِيُّ: لِأَنَّ اللَّذَّةَ هُنَا غَيْرُ مُعْتَادَةٍ وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِزَوْجِهَا وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الْمَنِيَّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهُهُ أَنَّ خُرُوجَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ سَاحَقَتْ امْرَأَةٌ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِخُرُوجِ مَنِيِّهَا لِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ كُلٍّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ
(أَوْ) أَيْ يَجِبُ الطُّهْرُ مِنْ (انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ) وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُلِ مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً وَإِنْ دَفْعَةً وَمِثْلُهُ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ كَمَا يَأْتِي. (أَوْ) انْقِطَاعِ دَمِ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ الْخَارِجُ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا أَيْ وَاسْتِطْهَارِهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ مِنْ انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ عِنْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ وَاسْتِطْهَارِهَا، وَإِلَّا كَانَ اغْتِسَالُهَا لِانْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مُسْتَحَبًّا فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: لَا بِالِاسْتِحَاضَةِ وَنَدَبَ لِانْقِطَاعِهِ وَهَذَا أَوْلَى مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ عَلَى الرَّاجِحِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ صِنَاعَةً
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا، وَلَوْ كَانَتْ اسْتَعْجَلَتْ خُرُوجَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ خَرَجَ مِمَّنْ تَحْمِلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ تُنْقَضْ بِهِ الْعِدَّةُ كَمَا قَالَ الْمَنُوفِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ، وَتَوَقَّفَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ وَاسْتَظْهَرَ تِلْمِيذُهُ خَلِيلٌ عَدَمَ تَرْكِهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَقَالَ الْأَجْهُورِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَتْرُكُهُمَا مُدَّةَ الدَّمِ وَتَقْضِيهِمَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، وَيُكْرَهُ لَهَا الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ عَادَتِهِ فَعَالَجَتْهُ لِيَخْرُجَ فِي زَمَنِهِ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَالْعِبَادَةِ وَجَوَازِ إقْدَامِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً لِقَطْعِهِ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ لَهَا حَيْثُ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ مَا يَقْطَعُ نَسْلَهُ أَوْ يُقَلِّلَهُ
(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطُّهْرُ مِنْ انْقِطَاعِ (دَمِ النِّفَاس) بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَاصْطِلَاحًا دَمٌ خَرَجَ لِلْوِلَادَةِ بَعْدَهَا اتِّفَاقًا أَوْ مَعَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَجْلِهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ نَفْسَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لَيْسَا بِمُوجِبَيْنِ لِلْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ انْقِطَاعُهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مُوجِبَانِ وَانْقِطَاعُهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ.
(أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ الْغُسْلُ (بِمَغِيبِ) جَمِيعِ (الْحَشَفَةِ) مِنْ بَالِغٍ وَلَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ كَثِيفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَشَفَةِ الْكَمَرَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ عَلَى صَاحِبِهَا حَيْثُ غَيَّبَهَا (فِي الْفَرْجِ) لَا فِي هَوَاهُ وَلَوْ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ مُطِيقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتُ الْفَرْجِ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، وَمِثْلُ الْفَرْجِ الدُّبُرُ بِجَامِعِ اسْتِطْلَاقِ الْمَنِيِّ، وَتَغَيُّبُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا كَالْحَشَفَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا مَا دُونَهَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَجِبُ لِلْإِنْزَالِ، وَالْغُسْلُ يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَيْضًا حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي دُبُرِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الْحَدِّ وَالْغُسْلُ أَحْرَى وَإِنْ كَانَا صَبِيَّيْنِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ بَالِغًا وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الْمَفْعُولِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ الْمَفْعُولُ فَالْغُسْلُ عَلَيْهِ لِلْإِنْزَالِ، وَكَذَا لَوْ غَيَّبَ بَعْضَهَا وَلَوْ الثُّلُثَيْنِ فَلَا غُسْلَ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ بَلَغَ بِالسِّنِّ أَوْ الْإِنْبَاتِ كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ وَلَوْ كَانَ فَرْجَ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَيْضًا.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: قَوْلُنَا مِنْ بَالِغٍ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُغَيِّبُ حَشَفَتَهُ صَبِيًّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ فَقَطْ حَيْثُ بَلَغَ سَنَّ مِنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ حَيْثُ وَطِئَ مُطِيقَةً، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ وَوَطِئَهَا بَالِغٌ اُسْتُحِبَّ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا، كَمَا لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِكَبِيرَةٍ وَطِئَهَا غَيْرُ الْبَالِغِ وَلَمْ تُنْزِلْ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى مَا بَحَثَهُ الْأَجْهُورِيُّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُنْدَبُ لَهَا، وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ مِنْ نَدْبِ غُسْلِ الصَّغِيرَةِ مِنْ وَطْءِ الْبَالِغِ وَحَرَّرَهُ، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ كَانَتْ صَاحِبَةُ الْفَرْجِ مَيِّتَةً صَحِيحٌ بِخِلَافِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَيِّتٍ فَلَا غُسْلَ عَلَى مَنْ غَيَّبَتْ، فَإِذَا غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ حَشَفَةَ دَابَّةٍ مَيِّتَةٍ فِي فَرْجِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُنْزِلَ
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآدَمِيِّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي إنْسِيَّةٍ أَوْ دَابَّةٍ وَسَكَتَ عَنْ الْجِنِّيِّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي إنْسِيَّةٍ أَوْ دَابَّةٍ وَالْإِنْسِيُّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي جِنِّيَّةٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَكْلِيفِ الْجِنِّ أَنَّ الْجِنِّيَّ إذَا غَيَّبَ حَشَفَتَهُ وَلَوْ فِي إنْسِيَّةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، بِخِلَافِ الْإِنْسِيِّ يَرَى نَفْسَهُ يَطَأُ جِنِّيَّةً أَوْ تَرَى الْإِنْسِيَّةُ جِنِّيًّا يَطَؤُهَا فَلَا غُسْلَ عَلَى كُلٍّ،
стр. 116
الْغُسْلَ وَيُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ الصَّدَاقَ وَيُحْصِنُ الزَّوْجَيْنِ وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا وَيُفْسِدُ الْحَجَّ وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ.
وَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تَطَهَّرَتْ وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ تَطَهَّرَتْ مَكَانَهَا رَأَتْهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَاسْتَظْهَرَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا قِيَاسًا عَلَى الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا إنْزَالَ أَوْ تَكُونُ الْجِنِّيَّةُ زَوْجَةً لِلْإِنْسِيِّ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ
الثَّالِثُ: قَدْ شَرَطْنَا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ إطَاقَةَ الْمَفْعُولِ الْآدَمِيِّ، وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي الدَّابَّةِ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الْآدَمِيِّ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الْبَهِيمَةِ عَدَمُ مِيلِ النُّفُوسِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ وَهَذَا مِمَّا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَصَرَّحَ الْأَجْهُورِيُّ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَشَفَةَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْبُلُوغُ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُدْخَلَ فِيهِ مُطِيقًا وَلَوْ آدَمِيًّا، وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ صَاحِبِ الْحَشَفَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ شِدَّةُ الْمِيلِ إلَيْهَا لِكِبَرِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ بِهَا لَا يُمْكِنُ الِالْتِذَاذُ بِهَا إلَّا عِنْدَ إطَاقَتِهَا. وَلَمَّا كَانَ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ مُجَرَّدَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ بِشَرْطِهِ قَالَ: (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) لِحَدِيثِ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» وَحَدِيثُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْمِ فَمَنْ رَأَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ غَيَّبَ ثُمَّ انْتَبَهَ فَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا، ثُمَّ أَعَادَ قَوْلَهُ: (وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ) لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَيُوجِبُ الْحَدَّ) عَلَى الزَّانِي الطَّائِعِ اتِّفَاقًا وَالْمُكْرَهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَيُوجِبُ حَدَّ اللِّوَاطِ عَلَى اللَّائِطِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللِّوَاطَ هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي دُبُرِ الْأُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا فَيُرْجَمُ، وَأَمَّا فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَيُؤَدَّبُ (وَيُوجِبُ الصَّدَاقَ) عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ فِي زَوْجَتِهِ الْمُطِيقَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ وَلَوْ فِي دُبُرِهَا أَوْ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ وَتَقَرَّرَ بِوَطْءٍ وَإِنْ حُرِّمَ وَكَذَا أَيْ يُوجِبُ الصَّدَاقَ عَلَى الْوَاطِئِ الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ، وَكَذَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا أَوْ أَكْرَهَهَا، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ عَالِمَةً طَائِعَةً فَهِيَ زَانِيَةٌ لَا صَدَاقَ لَهَا.
(وَ) مِمَّا يُوجِبُهُ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ أَنَّهُ (يُحْصِنُ الزَّوْجَيْنِ) الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْعَاقِلَيْنِ الْبَالِغَيْنِ إنْ صَحَّ نِكَاحُهُمَا اللَّازِمُ حَيْثُ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُبَاحًا مَعَ انْتِشَارٍ. (وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا) أَوْ اثْنَتَيْنِ (لِلَّذِي طَلَّقَهَا) حُرًّا فِي الْأُولَى أَوْ رَقِيقًا فِي الثَّانِيَةِ بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ التَّحْلِيلِ الْآتِيَةِ فِي مَحَلِّهَا. (وَيُفْسِدُ) عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ عُمْرَتَهُ الَّتِي لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَرْكَانَهَا، وَكَذَا (الْحَجُّ) إنْ وَقَعَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ إفَاضَةٍ وَعَقَبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ. (وَيُفْسِدُ) مَغِيبُ الْحَشَفَةِ سَائِرَ أَنْوَاعِ (الصَّوْمِ) مِنْ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَلَوْ وَقَعَ عَلَى جِهَةِ النِّسْيَانِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي عَمْدِهِ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ أَوْ الْقَضَاءُ فَقَطْ فِي غَيْرِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا هَذَا مَعَ الْعَمْدِ، وَأَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا قَضَاءَ إلَّا فِي الْفَرْضِ عَلَى طَرِيقِ خَلِيلٍ وَلَفْظُهُ: وَقَضَاءٌ فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ عَلَامَةِ الِانْقِطَاعِ فَقَالَ: (وَإِذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ) الْحَائِضُ (الْقَصَّةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ (الْبَيْضَاءَ) أَيْ الْمَاءَ الْأَبْيَضَ الَّذِي يَخْرُجُ آخِرَ الْحَيْضِ كَالْجِيرِ، لِأَنَّ الْقَصَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقَصِّ وَهُوَ الْجِيرُ، وَقِيلَ الْقَصَّةَ مَا يُشْبِهُ الْعَجِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (تَطَهَّرَتْ) جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ إنْ رَأَتْ الْقَصَّةَ عِنْدَ وَقْتِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ. (وَكَذَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ) وَهُوَ عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ لِلطُّهْرِ وَمَعْنَاهُ: أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ خِرْقَةً فِي فَرْجِهَا فَتَخْرُجُ جَافَّةً لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّمِ، وَلَا يَضُرُّ بَلَلُهَا بِغَيْرِ الدَّمِ كَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ إذْ لَا يَخْلُو عَنْهَا غَالِبًا. (تَطَهَّرَتْ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ (مَكَانَهَا) إنْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي رَأَتْ عَلَامَاتِ الطُّهْرِ فِي وَقْتِهَا أَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا مُوَاقَعَتَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ دَعَاهَا أَبَوَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا إلَى مَا يُوجِبُ تَأْخِيرَ غُسْلِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا بِرُّ زَوْجَهَا قَبْلَ بِرِّ أَبَوَيْهَا، لِأَنَّ حَقَّ زَوْجِهَا أَوْكَدُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ عَلَى حَقِّهِمَا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ، كَمَا تُقَدِّمُ الْغُسْلَ عَلَى سَائِرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ مَثَلًا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِوَاءُ الْعَلَامَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُعْتَادَةِ وَالْمُبْتَدَأَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَصَّةُ أَبْلَغُ، فَكُلُّ مَنْ رَأَتْهَا تَتَطَهَّرُ سَرِيعًا وَلَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا وَلَوْ اعْتَادَتْهُ، وَأَمَّا مَنْ رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوَّلًا فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةَ الْقَصَّةِ أَوْ هِيَ وَالْجُفُوفِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا انْتِظَارُ الْقَصَّةِ لِآخِرِ الْمُخْتَارِ، وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ فَقَطْ إذَا أَتَاهَا فَلَا يُنْدَبُ لَهَا انْتِظَارُهَا، وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
الثَّانِي: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ عَلَامَةِ الطُّهْرِ إذَا تَوَهَّمَتْ انْقِطَاعَ حَيْضِهَا إلَّا عِنْدَ
стр. 117
سَاعَةٍ
ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا دَمٌ أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَرَكَتْ الصَّلَاةَ ثُمَّ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةٍ فَيَكُونُ حَيْضًا مُؤْتَنَفًا
، وَمَنْ تَمَادَى بِهَا
ــ
[الفواكه الدواني]
نَوْمِهَا وَعِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ بِرُؤْيَتِهَا عِنْدَ النَّوْمِ تَعْرِفُ حُكْمَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ تَعْرِفُ حُكْمَ صَلَاةِ النَّهَارِ، وَإِذَا رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ غُدْوَةً وَشَكَّتْ هَلْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ صَلَاةِ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ أَنَّهُ انْقَطَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَبْقَى مَا يَسَعُ الطُّهْرَ وَجَمِيعَ الْأُولَى وَرَكْعَةً مِنْ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ تَصُومُ يَوْمَهَا إذَا كَانَ رَمَضَانَ وَتَقْضِيه، وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَإِنْ كَانَتْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِحَيْثُ تُدْرِكَ الْغُسْلَ وَرَكْعَةً قَبْلَ الطُّلُوعِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَإِلَّا سَقَطَتْ، كَمَا لَوْ شَكَّتْ هَلْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَحَيْثُ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الِانْقِطَاعِ فِي وَقْتِ نِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَسُقُوطُ الصَّلَاةِ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ أَدَاءً وَقَضَاءً، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّمَا يَمْنَعُ أَدَاءً لَا قَضَاءً.
وَلَمَّا كَانَتْ الْحَائِضُ تُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا عَلَامَةَ الطُّهْرِ قَالَ: (رَأَتْهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَصَّةِ أَوْ الْجُفُوفِ (بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَائِضَ مَتَى رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ اسْتِمْرَارِهِ نَازِلًا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةً لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ مِنْهُ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِ فَحَدُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِمَنْ تَمَادَى بِهَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ فَلَهُ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّهِ وَهُوَ الْقَطْرَةُ وَلَا حَدَّ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ فَيُرْجَعُ فِي أَقَلِّهِ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ؟ وَلَا يُكْتَفَى فِي بَابِ الْعِدَّةِ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْقَطْرَةِ لِلْأَنْسَابِ بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا لِمَحْضِ حَقِّ الرَّبِّ .
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ تَقَطَّعَ حَيْضُهَا: (ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا (دَمٌ) وَلَوْ قَطْرَةً (أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَرَكَتْ الصَّلَاةَ) وَالصَّوْمَ وَالطَّوَافَ لِأَنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَائِضَ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الْحَيْضُ وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ طُهْرِهَا فَإِنَّهَا تَجْعَلُهُ حَيْضًا وَتَضُمُّهُ لِمَا قَبْلَهُ سَوَاءً، لِأَنَّ النَّازِلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ دَمًا خَالِصًا أَوْ صُفْرَةً وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يُشْبِهُ الصَّدِيدَ وَتَعْلُوهُ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ الدَّمُ الْكُدْرِيُّ الَّذِي يُشْبِهُ غُسَالَةَ اللَّحْمِ، وَتَتْرُكُ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهَا حَائِضٌ حَقِيقَةً (ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا) مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ مُعَاوَدَتِهِ (اغْتَسَلَتْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الْغُسْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ تَعْلَمَ بِنَحْوِ أَمَارَةٍ أَنَّهُ يُعَاوِدُهَا فِي وَقْتِهَا الَّذِي رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ فِيهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّتِي عَاوَدَهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ أَيَّامِ نُزُولِ الدَّمِ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ فَهِيَ فِي حُكْمِ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ) أَيْ الدَّمُ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي عَاوَدَهَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ الطُّهْرِ تَكُونُ زَمَنَ الطُّهْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ طَاهِرًا حَقِيقَةً يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ فَلَيْسَتْ أَيَّامُ الِانْقِطَاعِ (كَدَمٍ وَاحِدٍ) مُتَّصِلٍ (فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ) وَلَا نَظَرَ لِزَمَنِ الِانْقِطَاعِ بَلْ يَنْزِلُ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ فِي زَمَنِ نُزُولِ الدَّمِ، مِثَالُهُ فِي الْعِدَّةِ أَنْ تَحِيضَ الْمَرْأَةُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَتَغْتَسِلُ ثُمَّ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ يُعَاوِدُهَا الدَّمُ بِالْقُرْبِ فَيُجْبَرُ مُطَلِّقُهَا عَلَى رَجْعَتِهَا لِأَنَّهُ كَالْمُطَلِّقِ زَمَنَ سَيْلَانِ الدَّمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ خَلِيلٌ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ: وَمَنَعَ فِيهِ وَوَقَعَ وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعَاوَدَةِ الدَّمِ لِمَا يُضَافُ فِيهِ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْأَرْجَحِ وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ لِلْحَيْضِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ فَفِيهِ إشْكَالٌ عَوِيصٌ، لِأَنَّ الْأَمَةَ الْمُسْتَبْرَأَةَ أَوْ الْمُتَوَاضِعَةَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهَا، وَإِذَا طَهُرَتْ الْمُسْتَبْرَأَةُ أَوْ الْمُتَوَاضِعَةُ وَلَوْ بَعْدَ يَوْمٍ حَلَّتْ لِمُشْتَرِيهَا، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ الثَّانِي كَجُزْءِ الْأَوَّلِ لَمْ تَحِلَّ لِمُشْتَرِيهَا بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي السَّيِّدِ إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا حَتَّى يُعَاوِدَهَا وَيَمْضِيَ مَا هُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْعَوِيصُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الشَّدِيدُ الْقَوِيُّ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: عَوِصَ الْكَلَامُ اشْتَدَّ، وَالْعَوِيصُ مِنْ الشَّعْرِ مَا يَصْعُبُ، وَأَمَّا الْغَوِيصُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ النَّازِلُ يُقَالُ: غَاصَ فِي الْأَرْضِ نَزَلَ فِيهَا.
وَلَمَّا كَانَ جَعْلُ الدَّمِ الثَّانِي مِنْ جُمْلَةِ الْأَوَّلِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ مُضِيِّ طُهْرٍ قَالَ: (حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ)
стр. 118
الدَّمُ بَلَغَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَتَطَهَّرُ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا
وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ وَإِنْ كَانَ قُرْبَ الْوِلَادَةِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ جَلَسَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ.
ــ
[الفواكه الدواني]
بِمُضِيِّ مُدَّةِ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهَا فَعِنْدَ سَحْنُونٍ (مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ) مِثْلُ (عَشَرَةِ أَيَّامٍ) عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ، فَأَوْفَى كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ (فَيَكُونُ) الثَّانِي (حَيْضًا مُؤْتَنَفًا) وَلَا يُضَمُّ لِلْأَوَّلِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْحَائِضَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ عَقِبَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا وَلَوْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْحَيْضِ بِالْقُرْبِ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ انْقِطَاعِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ) أَيْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا أَوْ انْقَطَعَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ عَاوَدَهَا وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ (بَلَغَتْ) جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ مَكَثَتْ تَارِكَةً لِلْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَيْثُ اسْتَمَرَّ نَازِلًا (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) حَيْثُ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (ثُمَّ هِيَ) أَيْ الَّتِي اسْتَمَرَّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى الْخَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا (مُسْتَحَاضَةٌ) أَيْ لَا تَعُدُّ الْخَارِجَ مِنْهَا حَيْضًا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ زَمَنًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَتَطَهَّرَ) عِنْدَ تَمَامِ الْخَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا (وَتَصُومَ وَتُصَلِّيَ وَيَأْتِيهَا) أَيْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا (زَوْجُهَا) وَلَوْ بِالْوَطْءِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ حَقِيقَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِيرُ هَذَا الدَّمُ كَالسَّلَسِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ إنْ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ قَدَرَتْ عَلَى رَفْعِهِ إلَّا أَنْ تُمَيِّزَ بَعْدَ مُدَّةِ الطُّهْرِ وَإِلَّا كَانَ حَيْضًا.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ بَعْدَ طُهْرٍ ثُمَّ حَيْضٍ: وَلَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا أَنْ يَدُومَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي مَيَّزَتْهَا وَيَزِيدَ عَلَى عَادَتِهَا فَتَسْتَظْهِرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَوْ مُعْتَادَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مُعْتَادَةِ أَقَلَّ مِنْهَا يَسْتَمِرُّ الدَّمُ نَازِلًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُعْتَادَةِ ثَلَاثَةً اسْتِظْهَارٌ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا مَا لَمْ تُجَاوِزْهُ ثُمَّ هِيَ طَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَمَرَّ نَازِلًا فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ثُمَّ زَادَ فَإِنَّهَا تَسْتَظْهِرُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ الْعَادَتَيْنِ زَمَنًا لَا وُقُوعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ سَابِقًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَمُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ تَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ
(تَنْبِيهٌ) : قَيَّدْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِغَيْرِ الْحَامِلِ، لِأَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ وَتَزِيدُ أَيَّامُ حَيْضُهَا عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ كِبَرِ الْحَمْلِ وَصِغَرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي السَّابِعِ فَمَا بَعْدَهُ إلَى غَايَةِ حَمْلِهَا فَإِنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا تَمْكُثُ عَشْر يَوْمًا وَنَحْوَهَا كَالثَّلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الثَّالِثِ أَوْ السَّادِسِ وَمَا بَيْنَهُمَا تَمْكُثُ عِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْحَامِلِ، وَلَا تَسْتَظْهِرُ الْحَامِلُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْأُجْهُورِيُّ
. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْحَيْضِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ النِّفَاسِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ وَشَرْعًا دَمٌ أَوْ صُفْرَةٌ أَوْ كُدْرَةٌ يَخْرُجُ لِلْوِلَادَةِ بَعْدَهَا أَوْ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ فَقَالَ: (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ) بِالْمَدِّ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي وَلَدَتْ ثُمَّ رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوْ الْجُفُوفَ عَقِبَ الدَّمِ (وَإِنْ كَانَ) انْقِطَاعُهُ (قُرْبَ الْوِلَادَةِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ زَمَنِهِ كَالْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ وَهُوَ قَطْرَةٌ كَالْحَيْضِ أَيْضًا.
(وَ) مَفْهُومُ انْقَطَعَ (إنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ حَسَبَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً) بِأَيَّامِهَا لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ. (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ نَازِلًا عَلَيْهَا (اغْتَسَلَتْ وَكَانَتْ) أَيْ وَصَارَتْ (مُسْتَحَاضَةً تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ) وَلَا تُبَالِي بِهَذَا الْخَارِجِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالسَّلَسِ وَلَا تَسْتَظْهِرُ النُّفَسَاءُ، وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ السِّتِّينَ يَوْمًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ مُعْتَادَةً، بِخِلَافِ الْحَائِضِ إنَّمَا تُلَفِّقُ عَادَتِهَا فَقَطْ وَتَسْتَظْهِرُ وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً تُلَفِّقُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَإِنْ وَضَعَتْ الثَّانِيَ دَاخِلَ السِّتِّينَ وَقَبْلَ تَمَامِ طُهْرٍ فَلَهُمَا نِفَاسٌ وَاحِدٌ تَغْتَسِلُ بَعْدَ السِّتِّينَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ وَضَعَ الثَّانِيَ عَنْ السِّتِّينَ أَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الطُّهْرِ فَلِكُلِّ نِفَاسٍ مُسْتَقِلٍّ، وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَقَطَّعَ نِفَاسُهَا تُلَفِّقُ سِتِّينَ يَوْمًا كَمَا تُلَفِّق الْحَائِضُ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْمُعْتَادَةُ عَادَتَهَا فَمُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَكُونُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي نِفَاسًا مُؤْتَنَفًا
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ إلَخْ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ النُّفَسَاءِ مِنْ تَأْخِيرِ الْغُسْلِ مَعَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِتَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُنَّ فَلْيُعَلَّمْنَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ هَذَا التَّأْخِيرُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الِانْقِطَاعِ الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: لَوْ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ دَمٍ لَا غُسْلَ، عَلَيْهَا لِأَنَّهُ
стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
شَرَطَ فِي غُسْلِ النُّفَسَاءِ انْقِطَاعَ دَمِهَا فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا وَلَدَتْ بِدَمٍ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ قَوْلَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا وُجُوبُ الْغُسْلِ وَتَنْوِي الطُّهْرَ مِنْ الْوِلَادَةِ.
١ -
(خَاتِمَةٌ) : الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ يَمْنَعَانِ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ وَرَفْعَ الْحَدَثِ وَالصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَوُجُوبَهُمَا وَقَضَاءَ الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَيَمْنَعَانِ الطَّلَاقَ وَإِنْ وَقَعَ، وَيَمْنَعَانِ إبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَرْأَةِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَلَوْ بِحَائِلٍ، وَأَمَّا بِالرُّكْبَةِ فَمَا تَحْتَهَا أَوْ السُّرَّةِ وَمَا فَوْقَهَا فَلَا حُرْمَةَ وَلَوْ بِالْوَطْءِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ فَجَائِزٌ وَلَوْ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَغَايَةُ الْحُرْمَةِ حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَاءِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَلَا يَمْنَعَانِهَا مُدَّةَ السَّيْلَانِ مُطْلَقًا وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا جَنَابَةٌ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى: شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَمَا يُطْلَبُ تَطْهِيرُهُ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ.
стр. 120
[أَحْكَامِ النِّفَاسِ]
بَابُ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ وَمَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ
وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ بِالْوُضُوءِ أَوْ الطُّهْرِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب طَهَارَة الْمَاء وَالثَّوْب وَالْبُقْعَة وَمَا يُجْزِئ مِنْ اللِّبَاس فِي الصَّلَاة]
بَابٌ فِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْمَاءِ
هَذَا مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ الطَّهُورِيَّةُ بَدَلَ طَهَارَةِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ مَا يُرْفَعُ بِهِ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ وَهُوَ الطَّهُورُ وَيُرَادِفُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الطَّهُورِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِطَهَارَةِ لِأَجْلِ الْمَعَاطِيفِ، لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْمَكَانَ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَقَطْ، وَحَقِيقَةُ الْمُطْلَقِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ أَوْ تَقَوُّلٍ هُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرُ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ.
(وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الثَّوْبِ) وَهُوَ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي (وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الْبُقْعَةِ) وَهِيَ مَحَلُّ قِيَامِ الْمُصَلِّي وَسُجُودِهِ أَوْ مَا تَمَاسُّهُ أَعْضَاؤُهُ.
(وَ) فِي بَيَانِ (مَا يُجْزِئُ) مُرِيدَ الصَّلَاةِ (مِنْ اللِّبَاسِ) وَقَوْلُهُ: (فِي الصَّلَاةِ) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَجَمَعَ مَعَ طَهَارَةِ الْمَاءِ الثَّوْبَ وَالْبُقْعَةَ لِاحْتِيَاجِ الْمُصَلِّي إلَى الْجَمِيعِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بَدَنَ الْمُصَلِّي وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ لِفَهْمِهِ مِنْ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ وَالتَّرْجَمَةُ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا تُنَافِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ أَحْكَامِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ زَائِدَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالطَّهَارَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي التَّنْزِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ، فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ، وَمَعْنَى حُكْمِيَّةٌ أَنَّهَا يُحْكَمُ بِهَا وَيُقَدَّرُ قِيَامُهَا بِمَحَلِّهَا، وَلَيْسَتْ مَعْنًى وُجُودِيًّا قَائِمًا بِمَحَلِّهِ، لَا مَعْنَوِيًّا كَالْعِلْمِ وَلَا حِسِّيًّا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِمَلَابِسِهِ فَيَشْمَلُ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَاءَ وَكُلَّ مَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي مُلَابَسَتُهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ يُرِيدُ بِهِ الْمَكَانَ، وَقَوْلُهُ لَهُ يُرِيدُ بِهِ الْمُصَلِّي وَهُوَ شَامِلٌ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ يَخُصُّهُ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ وَفِيهِ وَلَهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ مِنْ قَوْلِهِ لِمَوْصُوفِهَا. وَمَعْنَى تُوجِبُ تُصَحِّحُ وَتُسَبِّبُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ أَحَدَ الْأَحْكَامِ، وَمَعْنَى جَوَازِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ جَوَازُ طَلَبِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ شَرْعًا، لِأَنَّ طَلَبَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْمَانِعِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ طَلَبُ دُخُولِ مَحَلٍّ بِغَيْرِ مِفْتَاحِهِ، فَإِذَا وَجَدَ مِفْتَاحَهُ جَازَ لَهُ طَلَبُ دُخُولِهِ، وَلَا يَرِدُ طَهَارَةُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَةُ الذِّمِّيَّةِ مِنْ حَيْضِهَا لِيَجُوزَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَالطَّهَارَةُ لِنَحْوِ زِيَارَةِ وَلِيٍّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ تُوجِبْ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ الصَّلَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَوْلَا مُقَارَنَةُ الْمَانِعِ لَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَهُوَ الْمَوْتُ وَالْكُفْرُ وَلِعَدَمِ نِيَّةٍ وَقَعَ الْحَدَثُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَوَضَّأُ لِفِعْلِ أَمْرٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِيُبَاحَ بِوُضُوئِهِ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا الطُّهَارَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ فَهِيَ فَضْلَةُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ
، وَأَمَّا الطَّهُورِيَّةُ وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ فَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا، وَأَمَّا الطَّاهِرِيَّةُ فَهِيَ مُقَابَلَةُ النَّجَسِيَّةِ وَهِيَ أَعَمُّ لِصِدْقِهَا بِالطَّهُورِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَهُوَ الطَّاهِرُ فَقَطْ، وَأَمَّا التَّطْهِيرُ فَهُوَ إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ، وَالْمُتَطَهِّرُ الْمَوْصُوفُ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَالطَّاهِرُ ضِدُّ النَّجِسِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى النَّجَاسَةِ.
وَافْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ بِبَعْضِ حَدِيثٍ تَبَرُّكًا بِهِ فَقَالَ: (وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي) أَيْ يُسَارِرُ (رَبَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ) أَيْ يَتَهَيَّأَ (لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّلَاةِ (بِالْوُضُوءِ) إنْ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ. (أَوْ الطُّهْرِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ) بِأَنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: إنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيه وَلَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» .
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاجَاةُ الْمُصَلِّي رَبَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ وَالْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْمُنَاجَاةُ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ فَهِيَ إقْبَالُهُ عَلَى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ
стр. 121
غَيْرِ مَشُوبٍ بِنَجَاسَةٍ وَلَا بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ لِشَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ إلَّا مَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَالرِّضْوَانِ وَمَا يَفْتَحُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْأَسْرَارِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ اسْتَكْمَلَ صَلَاتَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا أَنَّ صَلَاتَهُ تَجْزِيه وَإِنَّمَا فَاتَهُ الْأَفْضَلُ، وَنَقَلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ أَنَّ حُضُورَ الْقَلْبِ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَشْهُورَ فِقْهًا صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا مِنْ أَرْكَانِهَا الْخُشُوعَ وَلَا بُدَّ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا تَرْكُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ تَفَكَّرَ بِدُنْيَوِيٍّ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ حُضُورُ الْقَلْبِ وَاجِبًا لَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّفَكُّرُ وَعَلَى الْوُجُوبِ فَهُوَ فَرْضٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ كَمَا قَالَ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ مُرِيدِ الصَّلَاةِ الْإِنْصَافَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ الْحَالَاتِ لِأَنَّهُ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهِ وَمُتَلَبِّسٌ بِعِبَادَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَشْرَفِ الْأَوْصَافِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: اقْتَصَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ النَّزَاهَةُ عَنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْحِقْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ مَعَ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ أَيْضًا، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَهَّرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَكُونُ كَمَنْ بَنَى دَارًا وَحَسَّنَ ظَاهِرَهَا وَتَرَكَ بَاطِنَهَا مَمْلُوءًا بِالنَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَهْدَى جَارِيَةً مُزَيَّنَةً لِمَلِكٍ وَهِيَ مَيِّتَةٌ لَا يَقْبَلُهَا، فَالْمُتَطَهِّرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ كَذَلِكَ اهـ. وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى طَهَارَةِ الظَّاهِرِ لِأَنَّهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُصَلِّي دَرَجَةَ الْكَمَالِ إلَّا بِطَهَارَةِ جَسَدِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَاءِ الطَّهُورِ بِقَوْلِهِ. (وَيَكُونُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْوُضُوءِ أَوْ الطُّهْرِ (بِمَاءٍ طَاهِرٍ) أَيْ طَهُورٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (غَيْرِ مَشُوبٍ) أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ (بِنَجَاسَةٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَا شَابَتْهُ نَجَاسَةٌ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثِ: اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرِّيحُ (وَلَا بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ (قَدْ تَغَيَّرَ) تَحْقِيقًا أَوْ ظَنَّا وَإِنْ لَمْ يَقْوَ (لَوْنُهُ) أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِشَيْءٍ خَالَطَهُ) أَوْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: كُلُّ تَغَيُّرٍ بِحَالٍ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُغَيِّرُ مِمَّا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا. (مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ) كَبَوْلٍ وَعُذْرَةٍ (أَوْ طَاهِرٍ) كَلَبَنٍ وَعَسَلٍ، فَالْمُتَغَيِّرُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَصِحُّ بِهِ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ، فَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجِسِ يُقَالُ لَهُ مُتَنَجِّسٌ، وَاَلَّذِي غَيَّرَهُ طَاهِرٌ يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ، وَالْأَوَّلُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ وَآدَمِيٍّ، وَغَيْرُ الطَّهُورِ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْعَادَاتِ مِنْ الطَّبْخِ وَالْعَجْنِ دُونَ الْعِبَادَاتِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ تَكْرَارَهُ مَعَ مَا قَبْلِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ الْمَذْكُورِ إلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَيُرَادِفُهُ الطَّهُورُ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ عُرْفًا إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَيْدٍ لَازِمٍ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ، أَوْ تَقُولُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ عَسْكَرٍ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْصَافُهُ بِمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَاءُ آبَارِ ثَمُودَ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُطْلَقِ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَاءُ سَائِرِ الْآبَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا، فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهَا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ النَّهْيِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ الْحُرْمَةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّابِعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَكْثِيرُ مَوْجُودٍ لَا عَلَى أَنَّهُ إيجَادُ مَعْدُومٍ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ خَالَطَهُ بِمَعْنَى لَاصَقَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُفَارِقِ الْمُجَاوِرِ لِلْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَوْ تَغَيَّرَ.
الثَّالِثُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُفَارِقِ الْقَطْرَانُ فَإِنَّهُ يَكُونُ دِبَاغًا لِلْقِرْبَةِ فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ مَائِهَا وَلَوْ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ دِبَاغٍ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ رِيحِ الْمَاءِ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْقَطْرَانِ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ وَأَعْلَاهُ.
الرَّابِعُ: كُلُّ مَوْضِعٍ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّغْيِيرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ بَيَّنَّا إلَّا فِي مَسْأَلَةِ تُغَيِّرْ مَاءِ الْبِئْرِ بِآلَةِ اسْتِقَائِهَا فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بَيَّنَّا بِحَيْثُ يَظْهَرُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَأَمِّلِ، وَيَكْفِي ظَنُّ التَّغَيُّرِ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِ الْمُغَيِّرِ مُفَارِقًا، لَا إنْ تَحَقَّقْنَا التَّغَيُّرَ وَشَكَكْنَا فِي الْمُغَيِّرِ هَلْ هُوَ مِنْ الْمُفَارِقِ أَوْ لَا، فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاصَقَةٍ أَوْ بِمَا جُمِعَ مِنْ عَلَيْهِ كَالنَّدَا الْمَجْمُوعِ مِنْ فَوْقِ الزَّرْعِ فَالْجَمِيعُ مُطْلَقٌ.
وَلَمَّا كَانَ التَّغَيُّرُ السَّالِبُ لِلطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالْمُفَارِقِ غَالِبًا اسْتَثْنَى عَلَى جِهَةِ الِانْقِطَاعِ مَا لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَهُوَ الْمُلَازِمُ لِلْمَاءِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا كَحَيَوَانِ الْبَحْرِ فَقَالَ: (إلَّا مَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ) أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ الثَّلَاثَ وَلَوْ تَحْقِيقًا (الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ بِهَا) فَإِنَّهُ
стр. 122
بِهَا مِنْ سَبِخَةٍ أَوْ حَمْأَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا،
[بَابٌ فِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْمَاءِ]
وَمَاءُ السَّمَاءِ
وَمَاءُ الْعُيُونِ
وَمَاءُ الْآبَارِ
وَمَاءُ الْبَحْرِ طَيِّبٌ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ
، وَمَاءٌ غُيِّرَ لَوْنُهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ حَلَّ فِيهِ فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ أَوْ زَوَالِ نَجَاسَةٍ وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ وَلَا مُطَهِّرٍ،
وَقَلِيلُ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ
وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغُسْلِ سُنَّةٌ وَالسَّرَفُ مِنْهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ (مِنْ سَبِخَةٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْأَرْضِ ذَاتِ سِبَاخٍ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَيَكُونُ بِفَتْحِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ وَرَشْحٍ مُلَازِمٍ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ جَعْلِ سَبِخَةٍ صِفَةً لِلْأَرْضِ فَتُكْسَرُ الْبَاءُ كَمَا قَرَّرَنَا وَبَيْنَ إرَادَةِ وَاحِدَةِ السِّبَاخِ فَتُفْتَحُ. (أَوْ) مِنْ (حَمْأَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَهْمُوزٌ وَهُوَ طِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ (أَوْ نَحْوُهُمَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَاءِ، وَلَوْ أُخْرِجَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ الْمَاءِ وَأُلْقِيَتْ فِيهِ قَصْدًا كَمَغْرَةٍ وَشَبٍ وَمِلْحٍ وَزِرْنِيخٍ مِمَّا هُوَ مِنْ قَرَارِهِ أَوْ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَهِيَ الْخُضْرَةُ الَّتِي تَعْلُو الْمَاءَ وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ بِالرِّيمِ وَكَالسَّمَكِ الْحَيِّ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَيَصِيرُ الْمَاءُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ.
وَأَمَّا تَغَيُّرُ الْمَاءِ بُرُوئِهِ فَيَضُرُّ وَلَوْ حَيًّا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: وَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِالسَّمَكِ وَلَا رَوْثِهِ احْتَاجَ إلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ أَمْ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَيَظْهَرُ لِي مُوَافَقَةُ كَلَامِ الْحَطَّابِ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ عِنْدَ قَوْل الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ مَا لَمْ يُطْبَخْ فِيهِ: وَأَمَّا لَوْ طُبِخَ نَحْوُ الطُّحْلُبِ وَغَيَّرَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ وَلَوْ مِلْحًا أَوْ كِبْرِيتًا عَلَى كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَلَوْ أُخْرِجَ مِنْ مَاءٍ وَأُلْقِيَ فِي آخَرَ وَلَوْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا بَيِّنًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ إنَاءً مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَوَضَعَ فِيهِ الْمَاءَ وَغَيَّرَهُ لَا يَضُرُّ، وَلَوْ أُحْرِقَتْ الْأَوَانَيْ بِالنَّارِ كَالْجِرَارِ الْحُمْرِ وَلَوْ حُرِقَتْ بِزِبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَمَادَ النَّجَسِ وَدُخَانَهُ طَاهِرَانِ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالْجِبْسِ وَلَا بِالْجِيرِ لِأَنَّهُ كَالْفَخَّارِ وَلَا بِالْمِلْحِ وَلَوْ طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا وَلَوْ مَصْنُوعًا إلَّا مَا كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ حَشِيشٍ فَإِنَّهُ إذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ وَغَيَّرَهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ اتِّفَاقًا
وَلَمَّا قَدَّمَ مَا هُوَ كَالْحَدِّ لِلْمُطْلَقِ نَصَّ عَلَى أَنْوَاعِهِ بِالْعَدِّ فَقَالَ: (وَمَاءُ السَّمَاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ طَيِّبٌ طَاهِرٌ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَطَرَ وَالنَّدَا وَالثَّلْجَ وَالْبَرَدَ وَالْجَلِيدَ ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، وَإِذَا وُجِدَ دَاخِلَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ فَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ حِيضَانِ الْأَخْلِيَةِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَإِنْ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ سَلَبَتْ طَهُورِيَّتَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَالْخَبَرُ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» هَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵁.
(وَمَاءُ الْعُيُونِ) النَّابِعَةِ مِنْ الْأَرْضِ كَزَمْزَمَ طَيِّبٌ طَاهِرٌ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ طَعَامٌ يَحْرُمُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ وَتَغَسُّلُ الْمَيِّتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْمُطْلَقِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ عَيْنِ أَوْ حُكْمِ الْخَبَثِ، وَأَمَّا تَغْسِيلُ الْمَيِّتِ بِهِ فَيُكْرَه عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ مَيِّتِهِ وَيَجُوزُ عَلَى طَهَارَتِهِ.
(وَمَاءُ الْآبَارِ) وَلَوْ آبَارَ ثَمُودَ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا طَيِّبٌ طَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ صِحَّةُ صَلَاةِ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا أَوْ تَيَمَّمَ عَلَى أَرْضِهَا لِأَنَّهُ ﵊ وَإِنْ أَمَرَهُمْ بِطَرْحِ مَا عُجِنَ مِنْ مَائِهَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِغَسْلِ أَوَانِيهمْ، فَالْوُضُوءُ بِمَائِهَا كَالْوُضُوءِ بِمَاءِ الْمَغْصُوبِ.
(وَمَاءُ الْبَحْرِ) وَلَوْ الْمِلْحَ وَلَوْ كَانَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ (طَيِّبٌ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ) وَرَافِعٌ لِلْأَحْدَاثِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَيْ مَاؤُهُ طَهُورٌ وَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ.
(تَنْبِيهٌ) : إفْرَادُ الْخَبَرِ وَهُوَ طَيِّبٌ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ حُذِفَ لَفْظُ طَيِّبٍ طَاهِرٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ لِدَلَالَةِ الرَّابِعِ عَلَيْهَا، وَالطَّاهِرُ مُرَادِفٌ لِلطَّيِّبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُفَارِقِ لَا يَصِحُّ بِهِ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ بَيَّنَ هُنَا مَا يُفْعَلُ بِهِ فَقَالَ: (وَمَاءٌ غَيَّرَ لَوْنَهُ) أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ (شَيْءٌ طَاهِرُ حَلَّ فِيهِ) مِمَّا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا كَلَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ وَلَوْ لَمْ يُمَازِجْ عَلَى الْمَشْهُورِ. (فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ غَيْرُ (مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ) فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ (فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ) أَيْ غُسْلٍ. (أَوْ) فِي زَوَالِ حُكْمِ (نَجَاسَةٍ) لِزَوَالِ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَنْهُ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ كَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَإِزَالَةِ أَوْسَاخٍ طَاهِرَةٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ كَرَاهَةٍ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ طَاهِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ) لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنَّا (فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ) وَلَوْ كَثِيرًا فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي طَبْخٍ وَلَا عَجْنٍ (وَلَا مُطَهِّرٍ) لِغَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى جَمْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ أَيْ فَالْمُتَغَيِّرُ بِالطَّاهِرِ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَالْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ مُتَنَجِّسٌ، وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَك شَخْصٌ أَوْ اثْنَانِ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ وَلَمْ تُشَاهِدْ فِيهِ تَغَيُّرًا لِفَقْدِ
стр. 123
غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ وَقَدْ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُدٍّ» وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ وَتَطَهَّرَ بِصَاعٍ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﵊.
ــ
[الفواكه الدواني]
بَصَرٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ وَمُوَافِقًا لَك فِي الْمَذْهَبِ أَوْ مُخَالِفًا وَبَيَّنَ لَك وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك قَبُولُ خَبَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُخَالِفُ وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْمَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا وَاتَّفَقَا مَذْهَبًا وَإِلَّا فَقَالَ يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ، وَمَا لَوْ أَخْبَرَك شَخْصٌ بِطَهَارَةِ مَاءٍ شَكَكْت فِي نَجَاسَتِهِ لَوَجَبَ عَلَيْك الرُّجُوعُ إلَى خَبَرِهِ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي الْمَاءِ مَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ أَوْ يَسْلُبَ طَهُورِيَّتَهُ، وَإِلَّا عَمِلَ بِالتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ مِنْ غَيْرِ صَبِّ مُطْلَقٍ عَلَيْهِ كَبَعْضِ الْبِرَكِ الَّتِي تُلْقَى فِيهَا النَّجَاسَةُ وَكَمَاءِ الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِالْحَرَارَةِ هَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى تَنْجِيسِهِ أَوْ يَنْقَلِبُ طَهُورًا؟ قَوْلَانِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ، وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِصَبِّ مُطْلَقٍ عَلَيْهِ وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ تُرَابٍ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ التُّرَابِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَهُورًا، وَأَمَّا لَوْ ظَهَرَ أَثَرُ التُّرَابِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ تَنْجِيسَهُ، وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الطَّاهِرِ الْمُفَارِقِ بِنَفْسِهِ وَأَوْلَى بِوَاسِطَةِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَهُورًا قَطَعَا.
الثَّانِي: لَوْ تَحَقَّقْنَا تَغَيُّرَ الْمَاءِ وَشَكَكْنَا فِي الْمُغَيِّرِ لَهُ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ أَمْ لَا؟ فَهُوَ طَهُورٌ حَيْثُ اسْتَوَى طَرَفَا الشَّكِّ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى الظَّنِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَحَقَّقْنَا التَّغَيُّرَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُغَيِّرَ مِمَّا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَشَكَكْنَا فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَلَا يَكُونُ طَهُورًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ فَقَطْ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلُ الْمَاءِ) وَهُوَ قَدْرُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَلَوْ لِلْمُتَوَضِّئِ (يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ) الْحَالَّةِ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ) هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ.
قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ أَيْ يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ مُسْتَدِلًّا بِخَبَرِ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا خِرَقُ الْحَيْضِ وَلُحُومُ الْكِلَابِ، إذْ سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِتَضْعِيفِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لَهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ إنَّمَا يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ تُقَدَّمُ عَلَى دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا مَعْنَاهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ فَتَظْهَرُ فِيهِ فَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّنَجُّسَ بِسَبَبِ التَّغَيُّرِ وَالشَّيْءُ يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ سَبَبِهِ، وَحُكْمُ هَذَا الْقَلِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ وَالْكَرَاهَةُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ: وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيَّرْ أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ إلَخْ، وَإِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمَذْكُورِ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا عَلَى الضَّعِيفِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ: لَوْ صَلَّى بِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَبَدًا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَلِيلٍ أَنَّ الْكَثِيرَ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى آنِيَةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِالْفِعْلِ اتِّفَاقًا، وَمَفْهُومُ النَّجَاسَةِ أَنَّ الْقَلِيلَ إذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ مُفَارِقٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ نَزَعٍ.
الثَّانِي: تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِالْمُفَارِقِ عَلَى أَقْسَامٍ: قِسْمٌ طَاهِرٍ طَهُورٌ وَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَقِسْمٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَلَا فَرْق مَعَ التَّغَيُّرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ الْقَلِيلُ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُتَنَجِّسٌ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ مَكْرُوهُ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ وَمَا لَا يَصِحُّ، شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تُرْجِمَ لَهُ فَقَالَ: (وَقِلَّةُ الْمَاءِ) أَيْ وَتَقْلِيلُ الْمَاءِ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ (مَعَ إحْكَامٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إتْقَانِ (الْغُسْلِ) أَوْ الْوُضُوءِ (سُنَّةٌ) بِمَعْنَى مُسْتَحَبَّةٌ، وَعَبَّرَ بِالسُّنَّةِ جَرَيَا عَلَى طَرِيقِ الْبَغْدَادِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الْمُسْتَحَبِّ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْكُلَّ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ مُرَادُهُ بِالسُّنَّةِ مُقَابِلُ الْبِدْعَةِ. (وَالسَّرَفُ) أَيْ الْإِكْثَارُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَاءِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَدِّ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا فِي الْأَعْضَاءِ أَوْ الْغَسَلَاتِ (غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ) وَمَعْنَى الْغُلُوِّ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا يُطْلَبُ شَرْعًا، وَالْبِدْعَةُ كُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ الشَّرْعِ وَهِيَ هُنَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لِقَوْلِهِ فِي النَّوَادِرِ: وَالْقَصْدُ فِي الْمَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَالسَّرَفُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ وَيَتْرُكَ التَّدَلُّكَ، وَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِتَغْيِيرِهِ بِلَفْظِ الْبِدْعَةِ لِإِيهَامِهِ الْحُرْمَةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً، وَلَا فَرْقَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ أَوْ الْمَنْدُوبَيْنِ، وَأَمَّا السَّرَفُ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ الْإِنَاءِ لِزِيَادَةِ التَّنْظِيفِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، كَزِيَادَةِ الْغَسَلَاتِ فِي الْوُضُوءِ
стр. 124
وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ لِلصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِيهِمَا وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَقِيلَ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَيُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ وَظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَالْحَمَّامِ حَيْثُ
ــ
[الفواكه الدواني]
لِنَحْوِ تَبَرُّدٍ أَوْ تَدَفٍّ، وَأَمَّا طَرْحُ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ كَأَنْ يَكُونَ شَرِبَ مِنْهُ مَا عَادَتُهُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَاتِ فَلَا إشْكَالَ فِي الْجَوَازِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبَثًا فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْقُوفًا أَوْ مَمْلُوكًا وَهُوَ فِي مَحَلٍّ لِلْمَاءِ فِيهِ ثَمَنٌ عَظِيمٌ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ هَكَذَا يَنْبَغِي.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُدٍّ» وَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةٍ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُضُوءِ كَمَا قَرَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إلَّا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَامَّةُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُلْحَظٌ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ) وَالرِّطْلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْأَجْوَدِ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمِ وَقِيلَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ الْمَقْطُوعِ الطَّرَفَيْنِ. (وَتَطَهَّرَ) أَيْ غَسَلَ جَمِيعَ جَسَدِهِ ﷺ بَعْدَ غَسْلِ مَا هُنَاكَ مِنْ الْأَذَى (بِصَاعٍ وَهُوَ) أَيْ الصَّاعُ بِمَعْنَى وَزْنِهِ (أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ ﵊) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مِصْدَاقُ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْبَابِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدْرِ الْكَافِي لَا لِلتَّحْدِيدِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ، وَسَيَنُصُّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ التَّحْدِيدُ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ «تَوَضَّأَ ﵊ بِمُدٍّ» ، أَنَّ الْمُرَادَ تَوَضَّأَ مِنْ وَزْنِ مُدٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ كَيْلِ مُدٍّ لَا بِوَزْنِ مُدٍّ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: بِمِقْدَارِ مَا يَبْلُغُهُ وَزْنُ مُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ لَا بِمِقْدَارِ وَزْنِ مُدٍّ مِنْ الْمَاءِ، إذْ مَا يَبْلُغُهُ وَزْنُ مُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ، فَإِذَا وُزِنَ مُدٌّ مِنْ الطَّعَامِ وَوُضِعَ فِي آنِيَةٍ فَإِنَّهُ يَشْغَلُ مِنْهَا أَكْثَرَ مَا يَشْغَلُهُ وَزْنُ الْمُدِّ مِنْ الْمَاءِ إذَا وُضِعَ فِي الْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يَبْلُغُ مِنْ الْآنِيَةِ مَبْلَغَ الْمُدِّ مِنْ الطَّعَامِ، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الصَّاعِ.
الثَّانِي: وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي بَعْضِ الشُّيُوخِ فِي صُورَةِ وُضُوئِهِ ﷺ بِالْمَدِّ هَلْ هُوَ الْوُضُوءُ الَّذِي اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى مَرَّةٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ؟ قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصَّا، وَهَذَا لَا يُنَافِيَ طَلَبَ الِاقْتِصَارِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مِنْ شَفْعِ غُسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ أَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ، وَمَا لَا يَصِحُّ بِهِ وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمُفَارِقِ غَالِبًا، وَمِنْ بَيَانِ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ مِنْهُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُضَادَّةِ لِلطَّهَارَةِ وَهِيَ النَّجَاسَةُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ) وَهِيَ مَكَانُ الْمُصَلِّي (لِلصَّلَاةِ) وَلَوْ نَافِلَةً (وَاجِبَةٌ) وَفَسَّرْنَا الْبُقْعَةَ بِمَكَانِ الْمُصَلِّي الَّذِي تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ لِأَنَّ الْمُومِئَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ طَهَارَةُ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَا طَهَارَةُ مَا يُومِئُ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ حَسْرَ عِمَامَتِهِ حَالَ الْإِيمَاءِ، لِأَنَّ الْحَائِلَ مَانِعٌ مِنْ فَرْضٍ مُجْمَعٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ أَمْرَهَا خَفِيفٌ، وَأَيْضًا أَسْقَطُوا عَنْ الْمُومِئِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَكَيْفَ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ طَهَارَةً أَزْيَدَ مِنْ مَحَلِّ قَدَمَيْهِ؟ (وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ) أَيْ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ الْمُلْقَى بِالْأَرْضِ، سَوَاءٌ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الْوَاجِبَ عَلَى الطَّلَبِ الْمُتَأَكَّدِ قَالَ: (فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْوُجُوبُ (فِيهِمَا) أَيْ الْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ (وَاجِبٌ) مِثْلُ (وُجُوبِ الْفَرَائِضِ) عَلَى الْمُكَلَّفِ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُطْلَبُ مِنْ الصَّبِيِّ، لِأَنَّ الطَّلَبَ بِالشُّرُوطِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ يَسْتَوِي فِي الطَّلَبِ بِهِ الْبَالِغُ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ لَا مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ فِي بُقْعَةٍ مُتَنَجِّسَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيُعِيدُهَا أَبَدًا مَعَ الْعَمْدِ وَلَوْ جَاهِلًا وَفِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ السَّلَامِ وَهُوَ كَرِشُ الْبَعِيرِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ ﷺ وَلَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ وَكَانَ مِنْ مُزَكًّى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْإِشْكَالَ.
(وَقِيلَ) الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ فِيهِمَا (وُجُوبُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ) أَيْ الطَّلَبُ الْمُتَأَكِّدُ لَا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَيَكُونُ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ فِي مُطْلَقِ الطَّلَبِ، وَهَذَا الْقَوْلُ شَهَّرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ: رَفْعُ
стр. 125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
النَّجَاسَاتِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَبَدَانِ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَيْهِ فَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ عَمْدًا الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَالْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ وَالْجُمُعَةَ كَالظُّهْرَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَالْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ لِقَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: لَمْ يَذْكُرْ عَنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَبَدِيَّةِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَهَذَا مُحَصِّلُ قَوْلِ خَلِيلٍ: هَلْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ وَبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ لَا طَرَفَ حَصِيرِهِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَإِلَّا أَعَادَ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ. خِلَافٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ الْوُجُوبَ مُقَيَّدٌ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ مَرْتَبَةِ السُّنِّيَّةِ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، لِأَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا وَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ.
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ وَمِنْهُ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبُقْعَةِ، وَالثَّوْبُ لِلصَّلَاةِ وَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَمَا دَخَلَ فِي الْمَعِدَةِ طَاهِرًا فَلَا حُكْمَ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَا دَخَلَ فِيهَا غَيْرَ طَاهِرٍ فَالرَّاجِحُ وُجُوبُ تقايئه مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا أَعَادَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَبَدًا وُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَنَدْبًا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ وَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ شَامِلٌ لِمَنْ اسْتَعْمَلَ النَّجَاسَةَ مُخْتَارًا أَوْ مُضْطَرًّا، وَسَوَاءٌ تَابَ أَمْ لَا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ طَهَارَةِ الْبَدَنِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، الْمَشْهُورُ مِنْهُ الِاسْتِحْبَابُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْرَقُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ وَسَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عِمْرَانَ: أَنَّهُ حَرَامٌ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِهِ اتِّفَاقًا وَفِي غَيْرِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ بِقِسْمَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ فِي إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْهَا حَيْثُ إنَّهُ حَائِلٌ.
الرَّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَنْ صَلَّى بِجَنْبِ مَنْ بِثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِغَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْجُدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ غَيْرُ طَاهِرِ الثِّيَابِ يَتَّصِلُ بِأَبِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا إذَا سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، أَوْ حَمَلَ لَابِسَ الثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ مِثْلُ أَنْ يَرْكَبَ الصَّغِيرُ أَبَاهُ أَوْ يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَيَقُومُ بِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَتَبْطُلُ لِحَمْلِهِ النَّجَاسَةَ، لِأَنَّ حَمْلَ ذِي الثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ أَشَدُّ مِنْ سُقُوطِ ثِيَابِهِ دُونَ حَمْلِهِ.
١ -
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةِ الْبُقْعَةِ لِلصَّلَاةِ نَاسَبَ ذِكْرَ الْأَمَاكِنِ السَّبْعَةِ الَّتِي يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ. (عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ) وَالْمَعَاطِنُ جَمْعُ مَعْطِنٍ وَهُوَ مَوْضِعُ بُرُوكِهَا عِنْدَ الْمَاءِ لِشُرْبِهَا عِلَلًا وَهُوَ الشُّرْبُ الثَّانِي بَعْدَ نَهَلٍ وَهُوَ الشُّرْبُ الْأَوَّلُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّعَبُّدِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِمَعْطِنِ إبِلٍ وَلَوْ أَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَوْ فَرَشَ شَيْئًا طَاهِرًا فِيهِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّعَبُّدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَوْضِعُ مَبِيتِهَا لَا عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكَثْرَةِ إنْزَالِهَا فِيهِ فَنَكْرَهُ فِي مَبِيتِهَا بِالْأَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَصَلَّى فَفِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا، وَثَانِيهِمَا يُعِيدُ النَّاسِي فِي الْوَقْتِ، وَالْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ يُعِيدَانِ أَبَدًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ إنَّمَا ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ تَكُونُ فِيمَا يُعَادُ اسْتِحْبَابًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِمَعْطِنِ الْإِبِلِ وَلَوْ أَمِنَ، وَفِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ الْإِبِلِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَرَابِضِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ جَائِزَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ وَغَنَمٍ.
(وَ) ثَانِيهَا الصَّلَاةُ فِي (مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ) وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ لِأَنَّ الْمَحَجَّةُ هِيَ الطَّرِيقُ وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ حَيْثُ شُكَّ فِي إصَابَتِهَا بِأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهَا فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ تَحَقَّقْت نَجَاسَتُهَا فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ أَبَدًا مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ وَمَعَ النِّسْيَانِ أَوْ الْعَجْزِ فِي الْوَقْتِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ صَلَّى فِيهَا اخْتِيَارًا، وَأَمَّا اضْطِرَارًا لِضَيِّقِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَلَا كَرَاهَةَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: كُلّ مَوْضِعٍ كُرِهَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ حُكِمَ لَهُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
(وَ) ثَالِثُهَا: الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَلَى (ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ) أَيْ الْكَعْبَةِ لَكِنَّ النَّهْيَ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَتُعَادُ أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِطْعَةٌ مِنْ حِيطَانِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِاسْتِقْبَالِهِ جُمْلَةُ الْبِنَاءِ لَا بَعْضُهُ وَلَا الْهَوَاءِ، وَلَا تَرِدُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى أَبُو قُبَيْسٍ مَعَ كَوْنِ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلًا
стр. 126
لَا يُوقَنُ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَمَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَكَنَائِسِهِمْ
[حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُضَادَّةِ لِلطَّهَارَةِ]
وَأَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ مِنْ اللِّبَاسِ ثَوْبٌ
ــ
[الفواكه الدواني]
لِهَوَاءِ الْكَعْبَةِ لَا لِجُمْلَةِ الْبُنْيَانِ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ الْبَيْتِ يَرْتَفِعُ لَهُ، وَكَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ تَبْطُلُ فِي حُفْرَةٍ تَحْتَهُ أَوْ جَنْبَهُ وَلَوْ نَافِلَةً، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَوْ خَارِجَهَا أَنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إنْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً تُسْتَحَبُّ، وَإِنْ كَانَتْ رَغْبِيَّةً أَوْ سُنَّةً تُمْنَعُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَا تُعَادُ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً تُمْنَعُ وَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ وَبِالْإِطْلَاقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَتْ سُنَّةٌ فِيهَا وَفِي الْحَجَرِ لِأَيِّ جِهَةٍ لَا فَرْضٌ فَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ وَبِالْإِطْلَاقِ.
قَالَ مُحَقِّقُوا شُرَّاحِهِ: مَعْنَى جَازَتْ سُنَّةٌ مَضَتْ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَارِجَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعُ جِدَارِهَا وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَهَا فَالْفَرْضُ بَاطِلٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّفْلِ عَلَى ظَهْرِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَمَلُ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِلْحُرْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) رَابِعُهَا الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ (الْحَمَّامِ) وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ (حَيْثُ لَمْ يُوقَنْ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ) وَلَا نَجَاسَةٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْأَوَّلِ وَيُمْنَعُ فِي الثَّانِي، وَقَوْلُنَا فِي جَوْفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ خَارِجِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ نَزْعِ الثِّيَابِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يُتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى خَارِجِهِ الطَّهَارَةُ.
(فَائِدَةٌ) : الْحَمَّامُ هُوَ الْمَحَلُّ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ مُذَكِّرٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ لِلْخَارِجِ مِنْ الْحَمَّامِ طَابَ حَمِيمُك أَيْ طَابَ عَرَقُك.
(وَ) خَامِسُهَا (الْمَزْبَلَةُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَهِيَ مَوْضِعُ طَرْحِ الزُّبَالَةِ.
(وَ) سَادِسُهَا (الْمَجْزَرَةُ) وَهِيَ الْمَحَلُّ الْمُعَدُّ لِلتَّذْكِيَةِ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ صَلَّى عَامِدًا، وَيَأْتِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْأَحْسَنِ أَيْ أَبَدِيَّةً، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقْت فَلَا كَرَاهَةَ.
(وَ) سَابِعُهَا (مَقْبَرَةُ) مُثَلَّثَةُ الْبَاءِ (الْمُشْرِكِينَ) وَكَذَا الْمُسْلِمِينَ وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ حَيْثُ شُكَّ فِي طَهَارَتِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا فَتُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَتَجُوزُ الْأَمْنُ مِنْ نَجَاسَتِهَا، وَلِذَلِكَ شَهَّرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الْمَحَجَّةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ إنْ أَمِنَتْ تِلْكَ الْبِقَاعُ مِنْ النَّجَسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: وَجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ كَمَقْبَرَةٍ وَلَوْ لِمُشْرِكٍ وَمَزْبَلَةٍ وَمَحَجَّةٍ وَمَجْزَرَةٍ إنْ أُمِنَتْ مِنْ النَّجَسِ وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ أَيْ أَبَدِيَّةَ عَلَى الْأَحْسَنِ إذْ لَمْ تُحَقَّقْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ فِي الْجَمِيعِ إنْ لَمْ تُوقَنْ طَهَارَةُ تِلْكَ الْبِقَاعِ سِوَى الصَّلَاةِ عَلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّ النَّهْيَ لِعَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ وَإِلَّا فَلَا نَهْيَ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَقْبَرَةَ بِالْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (وَ) كَذَا يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي (كَنَائِسِهِمْ) أَيْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرَادُ مَحَلُّ عِبَادَتِهِمْ لِيَشْمَلَ الْكَنِيسَةَ وَالْبِيعَةَ وَبَيْتَ النَّارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَتْ بِكَنِيسَةٍ وَلَمْ تُعَدْ، وَلَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ الْعَامِرَةِ وَالْخَارِبَةِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ صَلَّى فِيهَا اخْتِيَارًا، أَمَّا الْإِعَادَةُ فَمَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يُصَلِّي بِهَا اخْتِيَارًا وَكَانَتْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى فُرُشِهَا فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى عَلَى نَجَاسَةٍ نَاسِيًا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا مُكْرَهًا أَوْ كَانَتْ خَارِبَةً وَلَوْ صَلَّى عَلَى فُرُشِهَا أَوْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى شَيْءٍ طَاهِرٍ فَلَا إعَادَةَ، فَالْكَرَاهَةُ مُعَلَّقَةٌ بِالصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى فُرُشٍ طَاهِرٍ، وَالْإِعَادَةُ مُقَيَّدَةٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا الْكَرَاهَةُ بِخِلَافِ الْكَرَاهَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الْإِعَادَةُ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَلَى الْحُرْمَةِ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِي بَعْضِهَا عِنْدَ عَدَمِ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، وَفِي بَعْضِهَا وَلَوْ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ فَافْهَمْ.
(خَاتِمَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى أَمَاكِنَ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا سِوَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، مِنْهَا: الْبُقْعَةُ الْمُعْوَجَّةُ الَّتِي لَا يَتَمَكَّنُ الْمُصَلَّيْ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا تَصَاوِيرُ وَتَمَاثِيلُ وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي بِهَا نَائِمٌ أَوْ جَمَاعَةٌ أَوْ مُتَيَقِّظٌ وَيُصَلِّي إلَى وَجْهِهِ كُلٌّ لِاشْتِغَالِهِ. وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي بِهَا جِدَارٌ يَرْشَحُ وَيُصَلِّي إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَيَنْبَغِي اسْتِقْبَالُهُ لِأَفْضَلِ الْجِهَاتِ، وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي لَا يَتَوَقَّى أَصْحَابُهَا النَّجَاسَاتِ كَبَيْتِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَتَنَزَّهْ عَنْ النَّجَاسَاتِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْفَرْشُ الَّذِي يَمْشِي عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ، وَمَنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَرَاهَةِ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْإِعَادَةِ تَيَقُّنُ النَّجَاسَةِ أَوْ عَدَمُ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فِي مَا الْغَالِبُ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا عَلَى الثَّلْجِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ فَكَرِهَهَا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالدَّارُ الْمَغْصُوبُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَلَكِنْ لَا إعَادَةَ مَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِ الْأَفْنِيَةِ يَدْخُلُهَا الدَّجَاجُ وَالْكِلَابُ ابْنُ رُشْدٍ مَا لَمْ يَكْثُرْ دُخُولُهَا.
стр. 127
سَاتِرٌ مِنْ دِرْعٍ أَوْ رِدَاءٍ، وَالدِّرْعُ الْقَمِيصُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَعُدْ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الدِّرْعُ الْخَصِيفُ السَّابِغُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَخِمَارٌ تَتَقَنَّعُ بِهِ وَتُبَاشِرُ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ) عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ (مِنْ لِبَاسٍ ثَوْبٌ سَاتِرٌ) جَمِيعَ جَسَدِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ دِرْعٍ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (وَالدِّرْعُ الْقَمِيصُ) الَّذِي يُلْبَسُ فِي الْعُنُقِ وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ كَثِيفًا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ (أَمَّا رِدَاءٍ) عَطْفٌ عَلَى دِرْعٍ، وَالرِّدَاءُ بِالْمَدِّ مَا يَلْتَحِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ كَحِرَامٍ أَوْ بُرْدَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيَابِ عَلَى عَاتِقَيْ الْمُصَلِّي، لِأَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ سُنَّةٌ زِيَادَةٌ عَلَى السِّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ، وَفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فِي الْجَامِعِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَأْمُومِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا السِّتْرُ بِغَيْرِ الْكَثِيفِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْعَوْرَةَ أَيْ يُحَدِّدُهَا مِنْ كَوْنِهَا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً أَوْ يَشِفُّ وَيُرَى مِنْ لَوْنِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بَلْ كَرَاهَةُ لُبْسِ الْوَاصِفِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَّنَ مُحْتَرَزَ مَا يُجْزِئُ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ) الرَّجُلُ (بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) لِخَبَرِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ. (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَكْرُوهَ (لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ) لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ مَا إذَا اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى سَتْرِ أَقَلَّ مِمَّا ذَكَرَ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ السَّتْرُ وَاجِبُ شَرْطٍ أَوْ لَا؟ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى خِلَافٌ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ: وَاجِبٌ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ أَيْضًا، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ عَامِدًا قَادِرًا عَلَى السَّتْرِ فَعَلَى الشَّرْطِيَّةِ يُعِيدُ الْفَرْضَ لِبُطْلَانِهِ، وَعَلَى نَفْيِ الشَّرْطِيَّةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ، لَكِنْ يَأْثَمُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ دُونَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ.
قَالَ خَلِيلٌ: هَلْ سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِكَثِيفٍ وَإِنْ بِإِعَادَةٍ أَوْ طَلَبٍ أَوْ نَجِسٍ وَحْدَهُ كَحَرِيرٍ وَهُوَ مُقَدَّمُ شَرْطٍ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَإِنْ بِخَلْوَةٍ لِلصَّلَاةِ خِلَافٌ، وَمُقَابِلُ الشَّرْطِيَّةِ الْوُجُوبُ الْغَيْرُ الشَّرْطِيِّ كَمَا قَرَّرْنَا لَا السُّنَّةُ وَلَا الِاسْتِحْبَابُ وَإِنْ قِيلَ بِهِمَا لِضَعْفِهِمَا، وَالْخِلَافُ فِي الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَهِيَ مِنْ الرَّجُلِ السَّوْأَتَانِ وَهُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَمِنْ الْمُؤَخَّرِ مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ، وَأَمَّا عَوْرَتُهُ الْمُخَفَّفَةُ فَهُوَ مِنْ الْمُؤَخَّرِ الْأَلْيَتَانِ وَمِنْ الْمُقَدَّمِ الْعَانَةُ وَمَا فَوْقَهَا لِلسُّرَّةِ عَلَى بِحَثٍّ فِيهِ، وَالْمُغَلَّظَةُ يُعِيدُ لِكَشْفِهَا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَبَدًا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ، وَالْمُخَفَّفَةُ يُعِيدُ لِكَشْفِهَا فِي الْوَقْتِ فَقَطْ وَلَوْ عَمْدًا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ شَرْطِيَّةِ سَتْرِهَا وَإِنْ وَجَبَ وَكَشْفُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَكَشْفِ كُلٍّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ لِأَنَّ السَّتْرَ لِلصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَمَا عَدَا الْمُغَلَّظَةَ وَالْمُخَفَّفَةَ مِنْ جَسَدِ الرَّجُلِ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ وَيُكْرَهُ كَشْفُهُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ فَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَكْشُوفَ الْفَخِذِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، هَذَا بَيَانُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ) الْحُرَّةَ (مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) فِي خَلْوَةٍ أَوْ جَلْوَةٍ (الدِّرْعُ الْحَصِيفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْكَثِيفُ الَّذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ (السَّابِغُ) بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ (الَّذِي يَسْتُرُ) جَمِيعَ جَسَدِهَا حَتَّى (ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) حَالَ وُقُوفِهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ بُطُونَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَسْتُورَاتٌ فَإِذَا سَجَدَتْ أَوْ جَلَسَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِهِمَا لِقَوْلِ مَالِكٍ ﵁: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ فِي الصَّلَاة إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا لِأَنَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ عَوْرَةٌ وَلَوْ شَعْرَهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ بِالْعِطْفِ عَلَى الدِّرْعِ (وَخِمَارٌ) بِالْخَاءِ الْمَكْسُورَةِ (تَتَقَنَّعُ بِهِ) أَيْ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا وَشَعْرَهَا وَعُنُقَهَا وَعَقْصَهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَجْعَلَ الْوِقَايَةَ فَوْقَ رَأْسِهَا وَتَتْرُكَ ذَقَنَهَا وَعُنُقَهَا مَكْشُوفِينَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْخِمَارِ مِنْ الْكَثَافَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الدِّرْعِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَصَّ عَلَى سَتْرِهِمَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُغَلَّظَ وَالْمُخَفَّفَ مِنْ جَسَدِهَا وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ إلَّا أَنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ فَالْمُغَلَّظَةُ مَا عَدَا صَدْرَهَا وَأَطْرَافَهَا كَبَطْنِهَا وَظَهْرِهَا وَلَوْ الْمُحَاذِي لِصَدْرِهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَتُعِيدُ صَلَاتَهَا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْهَا أَبَدًا عِنْدَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ، وَفِي الْوَقْتِ عِنْدَ النِّسْيَانِ وَالْعَجْزِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَتْرَهَا وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ وَالْمُخَفَّفَةُ نَحْوَ الصَّدْرِ وَالْأَطْرَافِ.
قَالَ خَلِيلٌ وَأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا وَأَطْرَافِهَا بِوَقْتٍ كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخْذًا لَا رِجْلًا، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ بَدَا صَدْرُهَا أَوْ شَعْرُهَا أَوْ ظَهَرَ قَدَمَيْهَا أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا أَبَدًا، وَقَيَّدْنَا الْمَرْأَةَ بِالْحُرَّةِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَمَةِ وَإِنْ بِشَائِبَةٍ فَإِنَّ عَوْرَتَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْحُرَّةِ، إذْ الْمُغَلَّظَةُ مِنْهَا الْأَلْيَتَانِ وَمَا حَاذَاهُمَا مِنْ الْقَدَمِ وَتُعِيدُ لِكَشْفِهَا أَبَدًا، وَالْمُخَفَّفَةُ مِنْهَا الْفَخِذَانِ تُعِيدُ لِكَشْفِهِمَا أَوْ جُزْءٍ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَا يُعِيدُ لِكَشْفِ
стр. 128
بِكَفَّيْهَا الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ مِثْلُ الرَّجُلِ.
ــ
[الفواكه الدواني]
الْفَخِذِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُنْثَى أَقْبَحُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَمَةِ فِي الصَّلَاةِ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ بَيَانُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مِنْ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا تُعَادُ الصَّلَاةُ لِكَشْفِهِ مِنْهَا أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ الْمُصَنِّفُ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا عَنْ النَّاسِ خَلَا زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةِ مَعَ رَجُلٍ مِثْلِهِ أَوْ امْرَأَةٍ مَحْرَمٍ لَهُ، وَالسُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ خَارِجَتَانِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَخِذَ مِنْ الرَّجُلِ عَوْرَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كَشْفُهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، كَمَا يَحْرُمُ تَمْكِينُ الدَّلَّاكِ مِنْهُ وَلَوْ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَشَدُّ مِنْ النَّظَرِ، وَسَيَأْتِي فِي الْمُصَنِّفِ: وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ حَقِيقَةً يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَاصَّةِ وَلَا يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ غَيْرِهَا، وَأَمَّا عَوْرَتُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ أَمَةً فَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَأَمَّا عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَعَهُ فَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِأَنَّهُ يُنْظَرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَالْفَرْقُ قُوَّةُ دَاعِيَتِهَا لِلرَّجُلِ وَخَفِيفُ دَاعِيَتِهِ لَهَا، وَأَمَّا عَوْرَةُ الْحُرَّةِ مَعَ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا فَكَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ مِثْلِهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَافِرَةً فَعَوْرَتُهَا مَعَهَا جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَمَتَهَا وَإِلَّا كَانَتْ عَوْرَتُهَا مَعَهَا كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ مَحْرَمِهِ، وَعَوْرَةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ أُنْثَى غَيْرِ كَافِرَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَهِيَ أَمَتُهَا، وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ مَعَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَأَنَّ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ مَعَ الذُّكُورِ الْمُسْلِمِينَ الْأَجَانِبِ جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَمِثْلُ الْأَجَانِبِ عَبْدُهَا إذَا كَانَ غَيْرَ وَغْدٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يَرَى مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا مَعَ الْكَافِرِ غَيْرِ عَبْدِهَا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا عَوْرَتُهَا مَعَ الْمَحْرَمِ أَوْ مَعَ عَبْدِهَا الْمُسْلِمِ أَوْ الْكَافِرِ إذَا كَانَ وَغَدًا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهَا مِنْهُمَا فَيَرَيَانِ مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَتَرَى مِنْهُمَا مَا تَرَاهُ مِنْ مَحْرَمِهَا.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ: وَالْعَبْدُ الْوَغْدُ مَعَ سَيِّدَتِهِ كَالْمَحْرَمِ وَأَطْرَافُهَا كَرَأْسِهَا وَذِرَاعَيْهَا وَمَا فَوْقَ مَنْحَرِهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ أَجْنَبِيَّةً لِأَنَّهُ يَرَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَيَرَى مِنْ مَحْرَمِهِ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَتَرَى مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا شُهْرَةَ وَإِلَّا حُرِّمَ النَّظَرُ وَلَوْ لِأُمِّهِ أَوْ بِنْتِهِ.
الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السَّتْرَ بِالْكَثِيفِ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا يُطْلَبُ حَيْثُ الْقُدْرَةُ وَلَوْ بِالِاسْتِعَارَةِ وَأَوْلَى بِالشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَادِ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجَّ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ إلَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا اسْتَتَرَ بِالنَّجِسِ وَأَوْلَى الْحَرِيرُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا صَلَّى عُرْيَانًا، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ عُرْيَانًا نُدِبَ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ خِلَافًا لِ خَلِيلٍ، كَمَا تُنْدَبُ الْإِعَادَةُ لِمَنْ صَلَّى بِحَرِيرٍ أَوْ نَجِسٍ ثُمَّ وَجَدَ ثَوْبًا غَيْرَ حَرِيرٍ أَوْ وَجَدَ مَنْ صَلَّى بِالْمُتَنَجِّسِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَوْ مَاءً يُطَهِّرُ بِهِ الثَّوْبَ وَيُعِيدُ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَالْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ذَكَرَ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ (تُبَاشِرَ بِكَفَّيْهَا الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ مِثْلَ الرَّجُلِ) وَيُكْرَهُ لَهُمَا سَتْرُهُمَا وَلَوْ بِالْكُمَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَجِرَاحَاتٍ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَيْهِمَا فَسُنَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ كَيَدَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُعَادُ فِي الْوَقْتِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَنْ سُنَّةٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَهُوَ فَرْضٌ، فَإِنْ قِيلَ: يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ حَدِيثُ: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «وَلَا أَكُفُّ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ضَمَّ ثِيَابَهُ أَوْ شَعْرَهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ الْجَبْهَةُ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُوبُ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَعَلَى مَا يَحْصُلَانِ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَا يُطْلَبُ تَطْهِيرُهُ لِلصَّلَاةِ مِنْ ثَوْبٍ وَمَكَانٍ، شَرَعَ فِي بَيَانِ وَاجِبَاتِهِمَا وَصِفَاتِهِمَا مُقَدِّمًا الْكَلَامَ عَلَى الْوُضُوءِ فَقَالَ:
стр. 129
[مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ]
بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَمَسْنُونِهِ وَمَفْرُوضِهِ وَذِكْرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَلَيْسَ الِاسْتِنْجَاءُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بِهِ الْوُضُوءُ لَا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ وَلَا فِي فَرَائِضِهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ إيجَابِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ أَوْ بِالِاسْتِجْمَارِ لِئَلَّا يُصَلِّيَ بِهَا فِي جَسَدِهِ وَيُجْزِئُ فِعْلُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَكَذَلِكَ غَسْلُ الثَّوْبِ النَّجِسِ،
[بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ]
وَصِفَةُ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب صفة الْوُضُوء وَمَسْنُونه وَمَفْرُوضه وذكر الِاسْتِنْجَاء وَالِاسْتِجْمَار]
(بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ) وَهُوَ طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ بِنِيَّةٍ.
(وَ) بَيَانُ (مَسْنُونِهِ) وَهُوَ مَا يَطْلُبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ فَيَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ (وَ) بَيَانُ (مَفْرُوضِهِ) وَهُوَ مَا يُطْلَبُ طَلَبًا جَازِمًا. فَإِنْ قِيلَ: الْوُضُوءُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَسْنُونِهِ وَمَفْرُوضِهِ فَكَيْف عَطَفَهُمَا عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ هَكَذَا قَرَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَسْنُونَهُ وَمَفْرُوضَهُ مَعْطُوفَانِ عَلَى لَفْظِ الْوُضُوءِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَمْيِيزِهِ السُّنَّةَ مِنْ الْفَرِيضَةِ فِيمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ وَبَاقِيه فَرِيضَةٌ، أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَسْنُونِهِ وَمَفْرُوضِهِ مَعْطُوفَانِ عَلَى صِفَةِ الْوُضُوءِ لَا عَلَى الْوُضُوءِ، وَتَرْكِيبُهُ بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَفِي بَيَانِ الْمَسْنُونِ مِنْ الْمَفْرُوضِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ مَعْرِفَةُ مَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ فَنَصَّ عَلَى الْأَمْرَيْنِ رِفْقًا بِالْمُتَعَلِّمِينَ.
(وَ) فِي (ذِكْرِ) صِفَةِ (الِاسْتِنْجَاءِ) وَهُوَ عُرْفًا غَسْلُ مَوْضِعِ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ (وَ) صِفَةِ (الِاسْتِجْمَارِ) وَهُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَذَى بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَسُمِّيَ اسْتِعْمَالُ الْحِجَارَةِ اسْتِجْمَارًا لِأَنَّ الْجِمَارَ هِيَ الْحِجَارَةُ الصَّغِيرَةُ
(تَنْبِيهٌ) : يُؤْخَذُ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِبَيَانِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصِ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَا يَعْرِفُ فِيهِ فَرْضًا مِنْ سُنَّةٍ، وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ إنْ أَخَذَ الْوَصْفَ عَنْ عَالِمٍ قَالَهُ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ.
وَلَمَّا اعْتَادَ النَّاسُ تَقْدِيمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الْوُضُوءِ وَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى الْوُضُوءِ قَالَ: (وَلَيْسَ) فِعْلُ (الِاسْتِنْجَاءِ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ بِهِ الْوُضُوءُ) إذْ لَمْ يُعَدَّ (لَا فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ) الْمَحَلُّ لِلْإِضْمَارِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لَا فِي سُنَنِهِ. (وَلَا فِي فَرَائِضِهِ) وَإِنَّمَا هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ، عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَاسْتَنْجَى بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ صَحَّ وُضُوءُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسّ ذَكَرَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَنْ يَلُفَّ خِرْقَةً عَلَى يَدَيْهِ حِينَ فِعْلِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَدَثٌ عِنْدَ فِعْلِهِ.
(وَ) إنَّمَا (هُوَ مِنْ بَابِ) أَيْ طَرِيقِ (إيجَابِ) أَيْ طَلَبِ (زَوَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ تَطْهِيرُ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ (أَوْ بِالِاسْتِجْمَارِ) وَهُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى الْمَحَلِّ بِالْأَحْجَارِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لِئَلَّا يُصَلِّيَ بِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِي جَسَدِهِ) فَلَوْ صَلَّى قَبْلَ إزَالَةِ مَا عَلَى الْمَحَلِّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ عَامِدًا، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَيُعِيدُ أَبَدًا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَفِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِهِ أَوْ بِالِاسْتِجْمَارِ يُوهِم أَنَّ مَرْتَبَتَهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَفْضَلُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَالْمَاءُ أَطْيَبُ.
(وَ) لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْوُضُوءِ (يُجْزِئُ فِعْلُهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ الِاسْتِجْمَارِ (بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَكَذَلِكَ غَسْلُ الثَّوْبِ النَّجِسِ) لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الْمَتْرُوكِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِظُهُورِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فِيهِ وَهِيَ هُنَا النَّظَافَةُ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ كَتَرْكِ الْغَصْبِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَتِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يُثَابُ عَلَى التَّرْكِ إلَّا بِنِيَّةِ الِامْتِثَالِ، وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي التَّعَبُّدَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْقُرَبِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يُقَالُ: اشْتِرَاطُ الْمُطْلَقِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَتْرُوكِ وَأَنَّهَا عِبَادَةٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا طَلَبُ الْمُطْلَقِ لِأَجْلِ فِعْلِ الْعِبَادَةِ بِمَا أُزِيلَتْ عَنْهُ النَّجَاسَةُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان فَلَا يَرِدُ مَا قَالَهُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا تَفْتَقِرُ إزَالَتُهَا إلَى نِيَّةٍ يَدُلُّ
стр. 130
الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَبْدَأ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ فَيَغْسِلَ مَخْرَجَ الْبَوْلِ ثُمَّ يَمْسَحَ مَا فِي الْمَخْرَجِ مِنْ الْأَذَى بِمَدَرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِيَدِهِ ثُمَّ يَحُكَّهَا بِالْأَرْضِ وَيَغْسِلَهَا ثُمَّ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ وَيُوَاصِلَ صَبَّهُ وَيَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا وَيُجِيدَ عَرْكَ ذَلِكَ بِيَدِهِ حَتَّى يَتَنَظَّفَ
وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ
وَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ رِيحٍ
وَمَنْ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَخْرُجُ آخِرُهُنَّ نَقِيًّا أَجْزَأَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَى أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُمْ لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ فَهُوَ تَنَاقُضٌ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَأَوْرَدْته فِي دُرُوسِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَكُلُّهُمْ لَمْ يُجِبْ إلَّا بِمَا لَا يَصْلُحُ وَقَدْ عَلِمْت الْجَوَابَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ الِاسْتِنْجَاءِ مُقَدِّمًا لَهَا عَنْ الْوُضُوءِ لِنَدْبِ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْوُضُوءِ كَمَا عَلِمْت بِقَوْلِهِ: (وَصِفَةُ الِاسْتِنْجَاءِ) الْكَامِلَةُ (أَنْ يَبْدَأَ بَعْدَ غَسْلِ) أَيْ بَلِّ (يَدَيْهِ) وَلَوْ بِغَيْرِ مُطْلَقٍ حَيْثُ لَمْ يُزِلْ مَا عَلَى الْمَحَلِّ بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ. (فَيَغْسِلَ مَخْرَجَ الْبَوْلِ) قَبْلَ غَسْلِ مَخْرَجِ الْغَائِطِ لِئَلَّا تَنْجَسَ يَدُهُ مِنْ الذَّكَرِ إذَا مَسَّ مَخْرَجَ الْغَائِطِ قَبْلَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَلِذَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ قَطْرُ بَوْلِهِ عِنْدَ مَسِّ دُبُرِهِ بِالْمَاءِ يُؤَخِّرُ غَسْلَ قُبُلِهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْدِيمِ حِينَئِذٍ. (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ مَخْرَجِ الْبَوْلِ (يَمْسَحَ مَا فِي الْمَخْرَجِ) الْمُرَادُ مَا عَلَيْهِ فَفِي بِمَعْنَى عَلَى أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ يَمْسَحَ مَا فِي فَمِ الْمَخْرَجِ (مِنْ الْأَذَى بِمَدَرٍ) أَيْ طِينٍ يَابِسٍ (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ كُلِّ مَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ مِنْ الطَّاهِرِ الْمُنَقِّي الْغَيْرِ الْمُؤْذِي أَوْ غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ. (أَوْ) يَمْسَحَهُ (بِ) شَيْءٍ مِنْ أَصَابِعِ (يَدِهِ) الْيُسْرَى إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِصْبَعِ الَّذِي يَسْتَجْمِرُ بِهِ فَقِيلَ الْوُسْطَى وَقِيلَ الْبِنْصِرُ، وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا، وَلَا يَنْبَغِي لَا الِاسْتِجْمَارُ وَلَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالسَّبَّابَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ مَسْحِ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ بِإِصْبَعِ يَدِهِ (يَحُكَّهَا بِالْأَرْضِ) لِإِزَالَةِ الْعَيْنِ (وَيَغْسِلَهَا) بِمَا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهَا مِنْ طَفْلٍ أَوْ صَابُونٍ أَوْ غَاسُولٍ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَبَلُّهَا قَبْلَ لَقِيَ الْأَذَى وَغَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَهُ، فَأَشَارَ إلَى أَنْ بَلَّهَا وَغَسَلَهَا بَعْد الِاسْتِنْجَاء بِكَتُرَابٍ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَاقَى بِهَا الْأَذَى، لَا إنْ أَزَالَ مَا عَلَى الْمَحَلِّ ابْتِدَاءً بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ غَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ وَلَا بَلُّهَا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا. (ثُمَّ) بَعْدَ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ (يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ) الْمُطْلَقِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ.
(وَيُوَاصِلَ صَبَّهُ) حِينَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا) حَالَ الِاسْتِجْمَارِ وَحَالَ الِاسْتِنْجَاءِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ مَا غَابَ فِي طَيَّاتِ الدُّبُرِ مِنْ الْأَذَى. (وَيُجِيدَ عَرْكَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَخْرَجَ (بِيَدِهِ) الْيُسْرَى إنْ قَدَرَ حَتَّى (يَتَنَظَّفَ) بِأَنْ تَذْهَبَ النُّعُومَةُ وَتَظْهَرَ الْخُشُونَةُ، وَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُنَا: إنْ قَدَرَ احْتِرَازٌ مِنْ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ لِفَقْدِ يَدِهِ أَوْ قِصَرِهَا أَوْ كَوْنِهِ سَمِينًا فَإِنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ تَمْكِينُ مَنْ يَجُوزُ لَهُ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ، لَكِنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهَا فَقَطْ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَيُجْبِرُهَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَتَضَرَّرَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَمْكِينُ مَحْرَمٍ وَلَوْ رَضِيَتْ لِحُرْمَةِ كَشْفِ السَّوْأَتَيْنِ وَيَلْزَمُهُ شِرَاءُ أَمَةٍ لِتُزِيلَ أَذَاهُ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ إذَا عَجَزَتْ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِنَفْسِهَا فَلَهَا أَنْ تُمَكِّنَ زَوْجَهَا إنْ طَاعَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ وَلَوْ أَمَتَهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهَا مِنْ رُؤْيَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي بَقِيَّةِ جَسَدِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ بَلُّ يَدِهِ قَبْلَ غَسْلِ مَخْرَجِ الْبَوْلِ إلَّا حَيْثُ لَمْ يَسْتَجْمِرْ بِحَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ صَبِّ الْمَاءِ كَمَا أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ حَكُّ يَدِهِ بِالْأَرْضِ إلَّا إذَا بَاشَرَ بِهَا إزَالَةَ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَزَالَ النَّجَاسَةَ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ قَبْلَ صَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ حَكُّهَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ أَيْضًا يُشْعِرُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَبَلُّهَا قَبْلَ لُقَى الْأَذَى وَغَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَهُ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِلَقْيِ الْأَذَى.
الثَّانِي: لَوْ اسْتَنْجَى وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَحَلَّ نُظِّفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَبَعْدَ الصَّلَاةِ وَجَدَ فِي غُضُونِ الْمَحَلِّ حَبَّةَ تِينٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَذَى وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي اسْتَنْجَى مِنْهُ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عِنْدَ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَيُعِدُّ ذَلِكَ خَارِجًا بَعْدَ الْوُضُوءِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِنَظَافَةِ الْمَحَلِّ عِنْدَ اسْتِنْجَائِهِ.
وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلَا تُطْلَبُ إزَالَتُهَا إلَّا عَنْ الظَّاهِرِ مِنْ الْجَسَدِ
قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ مُرِيدِ الِاسْتِنْجَاءِ (غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ) حَالَ اسْتِنْجَائِهِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، بَلْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَكَلُّفُ ذَلِكَ بِأَنْ يُدْخِلَ الرَّجُلُ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ وَتُدْخِلَ الْمَرْأَةُ أُصْبُعَهَا فِي قُبُلِهَا لِأَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، إذْ هُوَ مِنْ الرَّجُلِ كَاللِّوَاطِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ كَالْمُسَاحَقَةِ، بَلْ الْمَرْأَةُ تَغْسِلُ دُبُرَهَا كَالرَّجُلِ، وَتَغْسِلُ مَا يَظْهَرُ مِنْ قُبُلِهَا حَالَ جُلُوسِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَغَسْلِ اللَّوْحِ وَالْمُرَادُ بِالْمَخْرَجَيْنِ الدُّبُرُ وَقُبُلُ الْمَرْأَةِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ خُرُوجِ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ قَالَ: (وَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ رِيحٍ) أَيْ يُكْرَهُ لِخَبَرِ: «لَيْسَ
стр. 131
وَالْمَاءُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَأَحَبُّ إلَى الْعُلَمَاءِ،
وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بَوْلٌ وَلَا غَائِطٌ وَتَوَضَّأَ لِحَدَثٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا
ــ
[الفواكه الدواني]
مِنَّا مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ الرِّيحِ» وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِطَهَارَتِهِ.
، وَلَمَّا اشْتَهَرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ: (وَمَنْ اسْتَجْمَرَ) مِنْ كُلِّ مُرِيدِ صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أَوْ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ (يَخْرُجُ آخِرُهُنَّ نَقِيًّا أَجْزَأَهُ) أَيْ كَفَاهُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ الْأَفْضَلَ فَقَطْ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِجْزَاءِ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِجْمَارِ لَوْ عَرِقَ وَأَصَابَ ثَوْبًا لَا يُنَجِّسُهُ، فَإِنْ قِيلَ: الْعِبْرَةُ بِنَقَاءِ الْمَحَلِّ لَا بِنَقَاءِ الْأَحْجَارِ فَكَيْفَ يَقُولُ الْمُصَنِّفُ أَجْزَأَهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَقَاءِ الْأَحْجَارِ نَقَاءُ الْمَحَلِّ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِي كَلَامِهِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْمَاءِ، وَلَكِنْ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ غَيْرَ الْحَجَرِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَا يُنَقِّي الْمَحَلَّ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَطْ وَلَوْ يَدًا أَوْ نَجِسًا، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ إزَالَةُ النَّجَاسَةُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَلَا يَكْفِي إزَالَتُهَا عَنْهُ إلَّا بِالْمَاءِ، كَمَا أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ لَا يُجْزِئُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَمَدُ إجْزَاءُ الْوَاحِدِ حَيْثُ حَصَلَ بِهِ الْإِنْقَاءُ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لِحُصُولِ الْإِيتَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ أَنْقَتْ أَجْزَأَتْ كَالْيَدِ دُونَ الثَّلَاثِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِنْجَاءُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ.
وَلَمَّا كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاءِ قَالَ: (وَالْمَاءُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَأَحَبُّ إلَى الْعُلَمَاءِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَا نَقُولُهُ أَظْهَرُ أَيْ أَبْلَغُ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ الْحِجَارَةِ، لِأَنَّ الْمَاءَ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْحُكْمَ وَالْأَحْجَارُ إنَّمَا تُزِيلُ الْعَيْنَ، وَمَعْنَى أَطْيَبُ أَيْ لِلنَّفْسِ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ يُذْهِبُ الشَّكَّ، وَقَوْلُهُ: أَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ جُمْهُورُهُمْ لِأَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ ذَمَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ، وَمَعْنَى الْأَحَبِّيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةٌ: أَعْلَاهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَيَلِيهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَاءِ، وَأَدْنَاهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَحْجَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ، وَلَكِنْ وَقَعَ خِلَافٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ فَقِيلَ: إنَّهُ صَارَ طَاهِرًا، وَقِيلَ: إنَّهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُرْفَعُ حُكْمُ الْخَبَثِ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ صِفَةِ الِاسْتِبْرَاءِ وَحُكْمِهِ مَعَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى بِالذِّكْرِ، وَأَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ بِاسْتِفْرَاغِ أَخْبَثِيهِ وَهُمَا مَحَلُّ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَهُمَا مِنْ الْأَذَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحِسَّ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِسَبَبِ الْخُرُوجِ وَالْإِحْسَاسُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَكْفِي فِي الْغَائِطِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَسْكِ ذَكَرِهِ مِنْ أَصْلِهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ يَسَارِهِ وَيُمِرُّهُمَا إلَى رَأْسِهِ وَيَنْتُرُهُ نَتْرًا خَفِيفًا، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى أُصْبُعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ إلَى قِيَامٍ أَوْ تَنَحْنُحٍ إلَّا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ حَدَثُهُ إلَّا بِقِيَامِهِ أَوْ تَنَحْنُحِهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْخُلُوصُ مِنْ الْحَدَثِ الْمُنَافِي لِلطَّهَارَةِ، فَلَوْ انْقَبَضَ عَلَى شَيْءٍ لَوْلَا قَبْضُهُ لَخَرَجَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ الِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ يَمْسَحُ جَمِيعَ الْمَحَلِّ بِكُلِّ حَجَرٍ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْتَرَ، وَرُبَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَخْرُجُ آخِرُهُنَّ نَقِيًّا.
الثَّالِثُ: مَحَلُّ الِاكْتِفَاءِ بِالِاسْتِجْمَارِ عِنْدَ الْمَاءِ إذَا كَانَ الْحَدَثُ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا أَوْ مَذْيًا غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ بِأَنْ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْحَدَثُ مَذْيًا خَرَجَ بِلَذَّةٍ أَوْ كَانَ حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا أَوْ مَنِيًّا لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَبَوْلِ امْرَأَةٍ وَمُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرٍ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ الْمَذْيُ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَأَمَّا لَوْ نُقِضَ الْوُضُوءُ بِأَنْ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ أَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ لَوَجَبَ فِيهِ الْمَاءُ وَيُقْتَصَرُ عَلَى مَحَلِّ الْأَذَى، لِأَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْجَمِيعِ مَشْرُوطٌ بِاللَّذَّةِ الْمُعْتَادَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا عَفْوَ عَنْهُ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَإِلَّا سَقَطَ وُجُوبُ غَسْلِهِ، وَلَوْ كَانَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِأَنْ فَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ لِأَنَّ الْعَفْوَ شَيْءٌ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ شَيْءٌ آخَرُ. فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ وَلَا يَتَعَيَّنُ
стр. 132
يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ يَدَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ.
[صِفَةِ الطَّهَارَة الْحَدَثِيَّةِ]
وَمِنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ
وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ سَنَةٌ وَبَاقِيهِ فَرِيضَةٌ.
فَمَنْ قَامَ إلَى وُضُوءٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَاءُ، سَوَاءٌ وَجَبَ غَسْلُ جَمِيعِهِ بِأَنْ خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ وَجَبَ غَسْلُ مَحَلِّ الْأَذَى فَقَطْ بِأَنْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَكَمَا يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِيمَنْ خَرَجَ مَنِيُّهُ وَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مَنِيُّهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِخُرُوجِ مَنِيِّهِ بِلَا لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ وَكَانَ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوجِبْ غُسْلًا وَلَا نَقَضَ وُضُوءًا فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ كَالْبَوْلِ وَالْحَصَى وَالدُّودِ الْخَارِجِينَ بِبِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّ الْيَسِيرَةَ يُعْفَى عَنْهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ فِي غَسْلِ الْمَنِيِّ فِي صُورَتَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ أَوْ يَكُونُ غَيْرَ مُوجِبٍ الْغُسْلَ وَنَاقَضَا لِلْوُضُوءِ، وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ فِي صُورَةٍ وَهِيَ أَنْ لَا يُوجِبَ وُضُوءًا وَلَا غُسْلًا.
الرَّابِعُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " ثَلَاثَةِ " بِالتَّاءِ مُطَابِقٌ لِأَحْجَارٍ وَغَيْرُ مُطَابِقٍ لِآخِرِهِنَّ لِأَنَّ التَّاءَ تُشْعِرُ بِالتَّذْكِيرِ وَالنُّونَ بِالتَّأْنِيثِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ أَنَّثَ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَحْجَارِ بِالْجَمَاعَةِ وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافًا عِيَابُهُمْ ... وَيَرْجِعْنَ مِنْ دَارِينَ بُجْرَ الْحَقَائِبِ
وَفِي قَوْلِهِ أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ إشْكَالٌ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَطْيَبَ وَأَطْهَرَ اسْمُ تَفْضِيلٍ وَهُوَ لَا يُبْنَى غَالِبًا إلَّا مِنْ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ لَا يَصِحُّ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْقَائِمَةَ بِالْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ الطَّهَارَةِ الْقَائِمَةِ بِالْحَجَرِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ الْقَاصِرَ لَا يُجَاوِزُ حَدَثُهُ فَاعِلَهُ وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ تَطْهِيرَ الْمَاءِ لِلْمَحَلِّ أَشَدُّ مِنْ تَطْهِيرِ الْحَجَرِ لَهُ وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي أَطْيَبَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى صَوْغِهِ مِنْ طَهَّرَ وَطَيَّبَ الْمُضَاعَفَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ الزَّائِدِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهُوَ ثَانِي الْمُضَعَّفِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمَاءَ أَشَدُّ تَطْهِيرًا لِلْمَحَلِّ مِنْ تَطْهِيرِ الْحَجَرِ لَهُ وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْخَبَثِيَّةِ شَرَعَ فِي صِفَةِ الْحَدَثِيَّةِ لِأَنَّ فِعْلَ الْأُولَى مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ التَّحْلِيَةِ، وَالتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بَوْلٌ وَلَا غَائِطٌ) وَلَا غَيْرُهُمَا مِمَّا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ (وَتَوَضَّأَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأ (لِحَدَثٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْوُضُوءَ) وَلَا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ (فَلَا بُدَّ) لَهُ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (مِنْ غَسْلِ يَدَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ
[سُنَن الْوُضُوءِ]
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ لَا بُدَّ وُجُوبُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَالَ: (وَمِنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ) وَلَوْ مَنْدُوبًا (غَسْلُ الْيَدَيْنِ) إلَى الْكُوعَيْنِ بِمُطْلَقٍ وَنِيَّةٍ وَلَوْ نَظِيفَتَيْنِ لِأَنَّ غَسَلَهُمَا لِلتَّعَبُّدِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ (قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ) حَتَّى تَحْصُلَ السُّنَّةُ حَيْثُ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا يُمْكِنُ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ، لَا إنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ بَحْرًا أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ فَيَغْسِلُهُمَا دَاخِلَهُ حَيْثُ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَوْ مُتَنَجِّسَتَيْنِ لَا يُخْشَى تَغْيِيرُهُ بِغُسْلِهِمَا فِيهِ لِكَثْرَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَيْهِمَا مَا يَسْلُبُ طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ وَكَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ أَوْ يُظَنُّ تَغَيُّرُهُ بِإِدْخَالِهِمَا، فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ التَّحَيُّلُ عَلَى إزَالَةِ مَا عَلَيْهِمَا قَبْلَ إدْخَالِهِمَا أَزَالَهُ وَغَسَلَهُمَا دَاخِلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ كَعَادِمِ الْمَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّنَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى غَسْلِهَا ثَلَاثًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَسُنَنُهُ غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثَلَاثًا تَعَبُّدًا بِمُطْلَقٍ وَنِيَّةٍ، وَصَرَّحَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّثْلِيثِ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: التَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ «لِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ تَارَةً مَرَّتَيْنِ وَتَارَةً مَرَّةً» كَمَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) : كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَقُولَ: وَمِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ لِإِتْيَانِهِ بِمِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ لِتَعَدُّدِ الْمُبَعَّضِ، وَلَا يُقَالُ: يُرَادُ بِسُنَّتِهِ الْجِنْسُ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ، لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُودُ التَّاءِ يُنَافِي ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهَا الْوَحْدَةَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْوَحِدَةِ بَلْ هِيَ كَتَاءِ فِضَّةٍ فَلَا يَمْنَعُ وُجُودُهَا مِنْ إرَادَةِ الْجِنْسِ.
[فَرَائِض الْوُضُوء]
وَلَمَّا قِيلَ بِوُجُوبِ بَعْضِ سُنَنٍ اسْتَأْنَفَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ سُنَّةٌ) فَلَفْظُ الْمَضْمَضَةِ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: سُنَّةٌ خَبَرٌ عَنْهَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مُقَدَّرٌ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ، وَالْمَضْمَضَةُ بِمُعْجَمَتَيْنِ أَوْ مُهْمَلَتَيْنِ لُغَةً التَّحْرِيكُ وَشَرْعًا خَضْخَضَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ ثُمَّ مَجُّهُ، فَلَوْ لَمْ يَمُجَّهُ أَوْ لَمْ يُخَضْخِضْهُ لَمْ يَكُنْ آتَيَا بِالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِنْشَاقُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّنَشُّقِ وَهُوَ لُغَةً الشَّمُّ وَشَرْعًا جَذْبُ الْمَاءِ بِنَفَسِهِ إلَى دَاخِلِ أَنْفِهِ وَالِاسْتِنْثَارُ عَكْسُهُ وَهُوَ طَرْحُ الْمَاءِ بِنَفَسِهِ إلَى خَارِجِ أَنْفِهِ مَعَ وَضْعِ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى أَنْفِهِ، وَصِفَةُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّحْمَتَيْنِ وَآخِرَ السَّبَّابَتَيْنِ فِي الصِّمَاخَيْنِ وَوَسَطَهُمَا مُقَابِلًا لِلْبَاطِنِ دَائِرَيْنِ مَعَ الْإِبْهَامَيْنِ لِلْآخِرَةِ وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ تَتَبُّعَ غُضُونِهِمَا، وَسَيُعِيدُ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى تِلْكَ السُّنَنِ فِي ذِكْرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ
стр. 133
بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْدَأُ فَيُسَمِّي اللَّهَ وَلَمْ يَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ وَكَوْنُ الْإِنَاءِ عَلَى يَمِينِهِ أَمْكَنُ لَهُ فِي تَنَاوُلِهِ وَيَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ غَسَلَ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَمَّا بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ الْوُضُوءِ قَالَ: (وَبَاقِيه فَرِيضَةٌ) بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٌ وَهِيَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عَدِّ فَرَائِضِهِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سَبْعَةٌ: أَرْبَعٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَثَلَاثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ فَرْضِيَّتُهَا وَهِيَ: النِّيَّةُ وَالدَّلْكُ وَالْفَوْرُ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ قَوْلَهُ: وَبَاقِيه فَرِيضَةٌ بِأَنَّ بَعْضَ غَيْرِ مَا قَدَّمَهُ سُنَّةٌ، كَرَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَتَجْدِيدِ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ فَضِيلَةٌ كَشَفْعِ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ وَبَقِيَّةِ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِبَاقِيهِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي آيَةِ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ فُرُوضِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا وَهِيَ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لِلْكَعْبَيْنِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ فَرَائِضَ، وَأَعْضَاءُ السُّنَنِ أَرْبَعٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ هُنَاكَ مَفْعُولَاتِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا هُوَ فَرْضٌ كَالنِّيَّةِ وَالدَّلْكِ وَالْمُوَالَاةِ، وَمَا هُوَ سُنَّةٌ كَالتَّرْتِيبِ وَالتَّجْدِيدِ لِلْأُذُنَيْنِ وَرَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سُنَنَ الْوُضُوءِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَتَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا وَرَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ، وَزَادَ اللَّخْمِيُّ: مَسْحَ الصِّمَاخَيْنِ، وَابْنُ عَرَفَةَ: السِّوَاكَ، وَابْنُ رُشْدٍ: الْمُوَالَاةَ، فَتَصِيرُ جُمْلَةُ السُّنَنِ إحْدَى عَشْرَةَ سُنَّةً.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يَفْتَقِرُ مِنْ السُّنَنِ إلَى نِيَّةٍ وَمَا لَا يَفْتَقِرُ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ وَذَلِكَ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ، وَمَا تَأَخَّرَ عَنْ الشُّرُوعِ فِي الْفَرَائِضِ فَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَشْمَلُهُ كَالْفَضَائِلِ وَصِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ يَدَيْهِ الْإِتْيَانَ بِسُنَنِ الْوُضُوءِ السَّابِقَةِ عَلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ
الثَّانِي: لَمْ يُنَبِّهْ أَيْضًا عَلَى شُرُوطِ الْوُضُوءِ وَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى شَرْطِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ، وَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ، فَالْأَوَّلُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْعَقْلُ وَبُلُوغُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَطْعُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَوُجُودُ الْكَافِي مِنْ الْمُطْلَقِ. وَالثَّانِي سِتَّةُ أَشْيَاءَ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ أَوْ تَذَكُّرُ الْفَائِتَةِ وَالْبُلُوغُ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِهِ وَعَدَمُ النَّوْمِ وَعَدَمُ السَّهْوِ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبِ لَهَا الْوُضُوءُ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ. وَالثَّالِثُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْإِسْلَامُ وَلَوْ حُكْمًا كَوُضُوءِ مَنْ أَجْمَعَ بِقَلْبِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَدَمُ الْحَائِلِ عَلَى مَحَلِّ الطَّهَارَةِ وَعَدَمُ التَّلَبُّسِ بِالْمُنَافِي حَالَ فِعْلِ الطَّهَارَةِ، وَالْمُرَادُ بِشَرْطِ الْوُجُوبِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ، وَبِشَرْطِ الصِّحَّةِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ شَرْطِ الْوُجُوبِ بِمَا لَا يُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصِ تَحْصِيلُهُ وَشَرْطُ الصِّحَّةِ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ تَحْصِيلُهُ لِئَلَّا يُشْكِلَ اجْتِمَاعُهُمَا، وَالْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ إبْدَالُ الْوُجُوبِ بِالطَّلَبِ لِيَتَنَاوَلَ وُضُوءَ الصَّبِيِّ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ سُنَّةٌ وَمَا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْ الْوُضُوءِ، شَرَعَ فِي صِفَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى السُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ فَقَالَ: (فَمَنْ قَامَ إلَى وُضُوءٍ مِنْ نَوْمٍ) مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ مُوجِبَاتِهِ (فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَبْهَرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: إنَّهُ (يَبْدَأُ فَيُسَمِّي اللَّهَ) بِأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ. (وَلَمْ يَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْأَمْرِ الْمَعْرُوفِ) عِنْدَ السَّلَفِ بَلْ جَعَلَهُ مِنْ الْفِعْلِ الْمُنْكَرِ أَيْ مَكْرُوهٌ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ الْإِمَامِ أَشْهُرُهَا مَا صَدَّرَ بِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ: وَتَسْمِيَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهَا مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ (وَ) مِنْ فَضَائِلِ الْوُضُوءِ أَيْضًا (كَوْنُ الْإِنَاءِ) مَوْضُوعًا (عَلَى يَمِينِهِ) إنْ كَانَ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ (أَمْكَنُ) أَيْ أَسْهَلُ (لَهُ فِي تَنَاوُلِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَيَمُّنُ أَعْضَاءٍ وَإِنَاءٍ إنْ فَتَحَ (وَ) بَعْدَ وَضْعِ الْإِنَاءِ عَلَى مَا هُوَ أَمْكَنُ لَهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ (يَبْدَأَ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ) إلَى كُوعَيْهِ (قَبْلَ أَنْ
стр. 134
فَيَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُمَضْمِضُ فَاهُ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ شَاءَ أَوْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ
وَإِنْ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ فَحَسَنٌ،
ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأَنْفِهِ الْمَاءَ وَيَسْتَنْثِرُهُ ثَلَاثًا يَجْعَلُ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ كَامْتِخَاطِهِ وَيُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثٍ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَلَهُ جَمْعُ ذَلِكَ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَالنِّهَايَةُ أَحْسَنُ.
ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ إنْ شَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَإِنْ شَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَيَجْعَلُهُ فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا ثُمَّ
ــ
[الفواكه الدواني]
يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ) حَيْثُ كَانَ يُمْكِنُ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا سَابِقًا (ثَلَاثًا) تَعَبُّدًا بِمُطْلَقٍ وَنِيَّةٍ وَلَوْ نَظِيفَتَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ كُلِّ يَدٍ عَلَى حِدَتِهَا وَيَدْلُكُهَا وَيُخَلِّلُهَا كَغَسْلِ الْفَرْضِ، وَهَذَا الَّذِي يَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ هُوَ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَال أَوْ تَغَوَّطَ) أَوْ أَمَذْي (غَسَلَ ذَلِكَ) الْمَخْرَجَ (مِنْهُ) قَبْلَ غَسْلِ يَدَيْهِ (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ الْأَذَى الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ (تَوَضَّأَ) أَيْ يَغْسِلُ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ قَبْلَ إدْخَالَهُمَا فِي الْإِنَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا سَابِقًا، فَالْمُرَادُ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ يَشْرَعُ يَتَوَضَّأُ. (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ (يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِيَأْخُذَ الْمَاءَ فَيُمَضْمِضُ فَاهُ) بِهِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ شَاءَ أَوْ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الصِّفَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الرَّاجِحُ أَنَّ الثَّانِيَةَ أَفْضَلُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالنِّهَايَةُ أَحْسَنُ، وَالْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَغْرُوفِ مِنْهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
وَلَمَّا كَانَ يُسْتَحَبُّ أَوْ يُسَنُّ الِاسْتِيَاكُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ قَالَ: (وَإِنْ اسْتَاك بِأُصْبُعِهِ فَحَسَنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعَ عَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ إلَخْ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ الِاسْتِيَاكُ بِغَيْرِ الْأُصْبُعِ عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ، وَاسْتَظْهَرَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِحَثِّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَيَسْتَاكُ عِنْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا، وَكَمَا يُطْلَبُ عِنْدَ الْوُضُوءِ يُطْلَبُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْكَلَامِ، بَلْ يَتَأَكَّدُ طَلَبُهُ وَصِفَتُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوَّلًا طُولًا فِي اللِّسَانِ وَعَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ، وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَاكُ بِهِ الْأَرَاكُ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا إلَّا فِي حَقِّ الصَّائِمِ فَيُكْرَهُ لَهُ الْأَخْضَرُ وَلَا يَسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ وَالرَّيْحَانِ لِتَحْرِيكِهِمَا عِرْقَ الْجُذَامِ، وَلَا بِالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْأَكْلَةَ وَالْبَرَصَ، وَلَا بِعُودِ الشَّعِيرِ وَالْحَلْفَاءِ وَلَا بِالْمَجْهُولِ مَخَافَةَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُحَذَّرِ مِنْهُ، وَيَسْتَاكُ لَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلَا فِي مَسْجِدٍ خِيفَةَ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ أَسْنَانِهِ وَقَدْرُهُ شِبْرٌ لَا أَزْيَدُ فَإِنَّ الزَّائِدَ يَرْكَبُ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَطْيِيبُ رَائِحَةِ الْفَمِ لِلْمَلَكِ لِأَنَّهُ يَدْنُو مِنْ فَمِ الشَّخْصِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يُذْهِبُ حُفَرَ الْأَسْنَانِ وَيَجْلُو الْبَصَرَ وَيَشُدُّ اللَّثَةَ وَيُنَقِّي بِالْبَلْغَمِ وَيُرْضِي الرَّبَّ وَيَزِيدُ فِي حَسَنَاتِ الصَّلَاةِ وَيَصِحُّ بِهِ الْجَسَدُ وَيُذَكِّرُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ عَكْسَ الْحَشِيشَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَهُ الْأَصْلِيَّ النَّدْبُ أَوْ السُّنَّةُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَإِزَالَةِ مَا يُوجِبُ بَقَاؤُهُ التَّخَلُّفَ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَوْلَاهُ، وَقَدْ تَعْرِضْ حُرْمَتُهُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْجَوْزِ فِي زَمَنِ الصَّوْمِ، وَقَدْ تَعْرِضُ كَرَاهَتُهُ كَالِاسْتِيَاكِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ لِلصَّائِمِ، وَيَكُونُ مُبَاحًا بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ
(ثُمَّ) بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ يُسَنُّ أَنْ (يَسْتَنْشِقَ بِأَنْفِهِ الْمَاءَ) أَيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ وَيَجْذِبُهُ بِنَفَسِهِ إلَى دَاخِلِ أَنْفِهِ (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَسْتَنْثِرَهُ) أَيْ يَطْرَحَهُ بِنَفَسِهِ إلَى خَارِجِ أَنْفِهِ (ثَلَاثًا) رَاجِعٌ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الِاسْتِنْثَارَ كَذَلِكَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ فِي حَالِ الِاسْتِنْثَارِ أَنْ (يَجْعَلَ يَدَهُ) أَيْ إبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ مِنْ يُسْرَاهُ (عَلَى أَنْفِهِ كَامْتِخَاطِهِ) أَيْ كَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ مَسْكُ أَنْفِهِ بِيُسْرَاهُ فِي حَالِّ امْتِخَاطِهِ، فَالتَّشْبِيهُ فِي الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَنْثِرَ أَوْ يَمْتَخِطَ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ يَدِهِ أَوْ مَعَ وَضْعِ يُمْنَاهُ مَعَ وُجُودِ يُسْرَاهُ لِأَنَّهُ كَامْتِخَاطِ الْحِمَارِ، وَقِيلَ: إنَّ الْوَضْعَ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ يَكُونَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ لَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ فَقَالَ: (وَيُجْزِئُهُ) فِي حُصُولِ السُّنَّةِ (أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثٍ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ فِيهِمَا إلَّا بِالثَّلَاثِ وَهُوَ ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَالْحَدِيثِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مَعَ مَا قَدَّمْنَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى حُصُولِ السُّنَّةِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا» ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِ الْإِجْزَاءُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ أَنَّ الْأَفْضَلَ الثَّلَاثُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ ثَلَاثٌ وَالْمَأْخُوذُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ حَتَّى بِمَرَّةٍ وَالتَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَمَّا ذَكَرَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ، بَيَّنَ هُنَا كَوْنَ الْأَفْضَلِ فِعْلَ الثَّلَاثِ مِنْ غَرْفَةٍ أَوْ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ جَمْعُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا عَلَى الْوَلَاءِ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا عَلَى الْوَلَاءِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْهَا مَرَّةً ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مَرَّةً وَهَكَذَا، وَلَكِنَّ الصِّفَةَ الْأُولَى أَفْضَلُ لِلسَّلَامَةِ مِنْ التَّنْكِيسِ.
(وَ) لَكِنَّ (النِّهَايَةَ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ وَهِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ ثَلَاثٍ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ ثَلَاثٍ،
стр. 135
يَنْقُلُهُ إلَى وَجْهِهِ فَيُفْرِغُهُ عَلَيْهِ غَاسِلًا لَهُ بِيَدَيْهِ مِنْ أَعْلَى جَبْهَتِهِ وَحَدُّهُ مَنَابِتُ شَعْرِ رَأْسِهِ إلَى طَرَفِ ذَقَنِهِ وَدَوْرُ وَجْهِهِ كُلِّهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفِعْلُهُمَا بِسِتٍّ أَفْضَلُ وَجَازَ أَوْ أَحَدُهُمَا بِغَرْفَةٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَلَكِنْ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَنَّ الْأَحْسَنِيَّةَ الْمُشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَالنِّهَايَةُ أَحْسَنُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا حُسْنَ فِيهَا الْكَرَاهَةُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَالَغَ مُفْطِرٌ وَحَقِيقَتُهَا إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَقْصَى الْحَلْقِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُ الْمَاءِ لِأَقْصَى الْأَنْفِ، وَلِذَلِكَ كُرِهَتْ لِلصَّائِمِ خِيفَةَ أَنْ يَسْبِقَهُ شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ.
الثَّانِي: لَا يُقَالُ كَانَ مُقْتَضَى قُوَّةِ الْفَرَائِضِ عَلَى السُّنَنِ تَقْدِيمَهَا عَلَى السُّنَنِ فَلِمَاذَا قُدِّمَتْ السُّنَنُ عَلَى الْفَرَائِضِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا قُدِّمَتْ تِلْكَ السُّنَنُ عَلَى الْفَرَائِضِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلِاخْتِبَارِ حَالِ الْمَاءِ لِأَنَّ بِتَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ يُعْرَفُ لَوْنُ الْمَاءِ، وَبِالْمَضْمَضَةِ يُعْرَفُ حَالُ طَعْمِ الْمَاءِ، وَبِالِاسْتِنْشَاقِ يُعْرَفُ رِيحُ الْمَاءِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ فِعْلِ الْفَرَائِضِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) بَعْدَ الِاسْتِنْثَارِ (يَأْخُذُ الْمَاءَ إنْ شَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَإِنْ شَاءَ) يَأْخُذُهُ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَا أَسْهَلُ (فَيَجْعَلُهُ) أَيْ يُصَيِّرُهُ (فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا ثُمَّ) بَعْدَ تَفْرِيغِهِ فِي يَدَيْهِ (يَنْقُلُهُ إلَى وَجْهِهِ فَيُفْرِغُهُ عَلَيْهِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (غَاسِلًا لَهُ) أَيْ لِوَجْهِهِ أَيْ دَالِكًا لَهُ (بِيَدَيْهِ) إنْ قَدَرَ وَإِلَّا اسْتَنَابَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْغَسْلِ، وَهَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ الْأُولَى مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ الدَّلْكِ لِلصَّبِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْمَلُ الْمُقَارَنَةُ، وَالْمُرَادُ بِيَدَيْهِ بَاطِنُ كَفَّيْهِ لِأَنَّ الدَّلْكَ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا يَكُونُ بِهِمَا، فَلَا يُجْزِي الدَّلْكُ بِظَاهِرِ كَفِّهِ وَلَا بِمِرْفَقِهِ مَعَ إمْكَانِهِ بِبَاطِنِ كَفِّهِ، وَأَحْرَى غَيْرُهُمَا إلَّا فِي دَلْكِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ بِالْأُخْرَى فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَيَّدْنَا بِالْوُضُوءِ لِأَنَّ الْغُسْلَ يَجُوزُ فِيهِ دَلْكُ الْأَعْضَاءِ بِبَعْضِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: يَنْقُلُهُ إلَى وَجْهِهِ شَرْطِيَّةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا الشَّرْطُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ، وَلِذَا لَوْ غَسَلَ عُضْوًا مِنْ الْمَطَرِ عِنْدَ نُزُولِهِ أَوْ مِنْ مَاءِ الْمِيزَابِ لَكَفَى، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إذَا أُرِيدَ مَسْحُهُ، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ غَسْلَهُ نِيَابَةً عَنْ مَسْحِهِ لَكَانَ كَبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، فَلَوْ نَزَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَطَرٌ يَسِيرٌ وَمَسَحَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ، وَأَمَّا لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ فَلَا يَجِبُ نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْغَسْلِ، بَلْ لَوْ نَزَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَطَرٌ كَثِيرٌ فَغَسَلَ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ النَّقْلَ لِلْمَسْحِ لَا لِلْغَسْلِ، وَمِنْ النَّقْلِ مُلَاقَاةُ الْمَطَرِ بِيَدِهِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: يُفْرِغُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ الْمَاءَ مِنْ يَدِهِ وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْبِيرِهِ يُفْرِغُهُ أَنَّهُ لَا يَلْطِمُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ بِقُوَّةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ أَجْزَأَ حَيْثُ عَمَّ، وَفَسَّرْنَا الْغُسْلَ بِالدَّلْكِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الدَّلْكَ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ حَتَّى يُسَمَّى الْفِعْلُ غَسْلًا لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي حَقِيقَةِ الْغَسْلِ عِنْدَ مَالِكٍ أَخَذًا مِنْ «قَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: وَادْلُكِي جَسَدَكِ بِيَدِك» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمَذْهَبِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
الثَّانِي: أَفْهَمَ قَوْلُهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُوَضِّئَ نَفْسَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ عَلَى الدَّلْكِ فَقَطْ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ، بَلْ يَجِبُ عَلَى نَحْوِ الْأَقْطَعِ اسْتِنَابَةُ مَنْ يُوَضِّئُهُ أَوْ يَدْلُكُ لَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ وَالنِّيَّةُ مِنْ الْمُسْتَنِيبِ، فَلَوْ اسْتَنَابَ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ عَلَى الدَّلْكِ اخْتِيَارًا فَقَوْلَانِ: الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا عَدَمُ إجْزَاءِ الِاسْتِنَابَةِ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ فَيَجُوزُ.
الثَّالِثُ: لَوْ أُكْرِهَ شَخْصٌ عَلَى فِعْلِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُجْزِئُهُ هَذَا الْوُضُوءُ لِعَقْدِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا إنْ اسْتَطَاعَ الْمُخَالَفَةَ وَفَعَلَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَجْزَأَهُ حَيْثُ وُجِدَتْ النِّيَّةُ، كَمَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا نَوَى فِعْلَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُخَالَفَةِ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ الدَّلْكُ وَاقِعًا مِنْ الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّلْكُ وَاقِعًا مِنْ الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ فِيهِ لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَكَوْنِهِ ذَا آفَةٍ أَوْ عَلِيلًا كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَبَقِيَ مَا لَوْ أَكْرَهَ شَخْصٌ شَخْصًا عَلَى تَرْكِ الدَّلْكِ وَمَكَّنَهُ مِنْ فِعْلِ الْوُضُوءِ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ صِحَّةُ وُضُوئِهِ لِأَنَّ الدَّلْكَ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ.
الرَّابِعُ: لَوْ وَكَّلَ جَمَاعَةً لِعُذْرٍ فَوُضُوءُهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً لَصَحَّ وُضُوءُهُ حَيْثُ نَوَاهُ لِعَدَمِ فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ عِنْدَنَا عَلَى الْمَذْهَبِ، إلَّا أَنَّهُ تَنْكِيسٌ حُكْمًا فَيُسَنُّ إعَادَةُ الْمُنَكَّسِ مَعَ مَا بَعْدَهُ بِالْقُرْبِ وَحْدَهُ مَعَ الْبُعْدِ لِأَجْلِ سُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَرْتِيبُ سُنَنِهِ أَوْ مَعَ فَرَائِضِهِ فَيُعَادُ الْمُنَكَّسُ وَحْدَهُ إنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ وَإِلَّا مَعَ تَابِعِهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيغُ الْمَاءِ وَالْغَسْلُ (مِنْ أَعْلَى جَبْهَتِهِ) لِيَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى جَمِيعِ الْوَجْهِ،
стр. 136
مِنْ حَدِّ عَظْمَاتِ لَحْيَيْهِ إلَى صُدْغَيْهِ
وَيُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى مَا غَارَ مِنْ ظَاهِرِ أَجْفَانِهِ وَأَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ وَمَا تَحْتَ مَارِنِهِ مِنْ ظَاهِرِ أَنْفِهِ يَغْسِلُ وَجْهَهُ هَكَذَا ثَلَاثًا يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهِ
وَيُحَرِّكُ لِحْيَتَهُ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ بِكَفَّيْهِ لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءُ لِدَفْعِ الشَّعْرِ لِمَا يُلَاقِيه مِنْ الْمَاءِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهَا فِي الْوُضُوءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيُجْرِي عَلَيْهَا يَدَيْهِ إلَى آخِرِهَا
، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي الطَّهَارَةِ الِابْتِدَاءُ بِأَوَّلِ الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ أَسْفَلِهَا أَجْزَأَهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا عَلَّمَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُلِّمَ، وَالْجَبْهَةُ مَا ارْتَفَعَ عَنْ الْحَاجِبَيْنِ إلَى مَبْدَإِ الرَّأْسِ مِمَّا يُصِيبُ الْأَرْضَ فِي حَالِ السُّجُودِ، وَالْجَبِينَانِ مَا أَحَاطَ بِهَا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَالْعَارِضَانِ صَفْحَتَا الْخَدِّ وَالْعُذْرَانِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَارِضَيْنِ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الْجَبْهَةُ وَالْجَبِينَانِ وَالْعَارِضَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَالشَّارِبُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ، فَالشَّعْرُ الْكَثِيفُ يُغْسَلُ ظَاهِرُهُ وَلَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَقِيلَ يَجِبُ، وَمَا كَانَ خَفِيفًا يَجِبُ فِيهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَهُوَ حَقِيقَةُ التَّخْلِيلِ (وَ) أَعْلَى الْجَبْهَةِ هُوَ (حَدُّ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ) الْمُعْتَادُ وَيَنْتَهِي الْغَسْلُ (إلَى طَرَفِ ذَقَنِهِ) وَالذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا تَحْتَ الْعَنْفَقَةِ وَهَذَا فِيمَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيُنْهِي غَسْلَهُ إلَى آخِرِ لِحْيَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ (وَ) إلَى مُنْتَهَى (دَوَرِ وَجْهِهِ كُلِّهِ مِنْ حَدِّ عَظْمَاتِ لَحْيَيْهِ) وَهُوَ مَا تَحْتَ الْأَضْرَاسِ (إلَى) أَيْ مَعَ (صُدْغَيْهِ) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَجْهَ حَدُّهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ أَوْ اللِّحْيَةِ، وَحَدُّهُ عَرْضًا مِنْ وَتَدِ الْأُذُنِ إلَى وَتَدِ الْأُذُنِ الْأُخْرَى، وَالْمُصَنِّفُ بَيَّنَ حَدِّهِ طُولًا بِقَوْلِهِ: مِنْ أَعْلَى الْجَبْهَةِ، إلَى طَرَفِ ذَقَنِهِ، وَعَرْضًا بِقَوْلِهِ: مِنْ حَدِّ عَظْمَاتِ لِحَيَّيْهِ إلَى صُدْغَيْهِ، فَهُوَ كَقَوْلِ خَلِيلٍ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ، وَالصُّدْغَانِ تَثْنِيَةُ صُدْغٍ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا بَيَّنَّا، وَبِشَرْطِ الْمُعْتَادِ يَدْخُلُ الْأَغَمُّ وَيَخْرُجُ الْأَصْلَعُ، فَيَجِبُ عَلَى الْأَغَمِّ وَهُوَ مَا نَزَلَ شَعْرُ رَأْسَهُ عَنْ الْمَنْبَتِ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ غَسَلَ مَا نَزَلَ عَنْ الْمَبْدَأِ الْمُعْتَادِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْأَصْلَعِ وَهُوَ مَنْ انْحَسَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ خَارِجًا عَنْ الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ إدْخَالُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِيَتَحَقَّقَ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
(تَنْبِيهٌ) : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِذَارَ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَارِضِ وَهُوَ صَفْحَةُ الْخَدِّ يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْبَيَاضِ الْكَائِنِ فَوْقَ وَتَدِ الْأُذُنِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: وُجُوبُ غَسْلِهِ مُطْلَقًا، عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا، الْوُجُوبُ عَلَى الْأَمْرِ وَعَدَمُهُ لِصَاحِبِ اللِّحْيَةِ، وَالرَّابِعُ سُنِّيَّةِ غَسْلِهِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِهِ مُطْلَقًا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصُّدْغِ بَعْضُهُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَفَرْضُهُ الْمَسْحُ وَبَعْضُهُ مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فَأَسْفَلَ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، هَذَا حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمَشْغُولِ بِالشَّعْرِ، وَأَمَّا الْبَيَاضُ الْكَائِنُ فِيهِ فَمَا بَيْنَ الشَّعْرِ وَالْأُذُنِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَفَوْقَ وَتَدِ الْأُذُنِ فَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ غَسْلَهُ سَنَةٌ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ. وَأَمَّا مَا نَزَلَ عَنْ الْعَظْمِ النَّاتِئِ مِمَّا تَحْتَ وَتَدِ الْأُذُنِ فَهَذَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا يَجِبُ غَسْلُ الْوَتَدَيْنِ لِتَحَقُّقِ الِاسْتِيعَابِ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا نَبَّهَ هُنَا عَلَى وُجُوبِ تَتَبُّعِ أَمَاكِنِ يَبْعُدُ عَنْهَا الْمَاءُ غَالِبًا بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى مَا غَار) أَيْ غَابَ (مِنْ ظَاهِرِ أَجْفَانِهِ) حَتَّى يَعُمَّهُ الْمَاءُ لَا دَاخِلَ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَاطِنِ (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُمِرَّهُمَا عَلَى (أَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ) وَهِيَ التَّكَامِيشُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا عِنْدَ كِبَرِهِ غَالِبًا، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَ، وَإِلَّا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ وَيَسْقُطُ الدَّلْكُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي وَجْهِهِ مَحَلٌّ غَائِرٌ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ وَدَلْكُهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُمِرَّهُمَا عَلَى مَا (تَحْتَ مَارِنِهِ مِنْ ظَاهِرِ أَنْفِهٍ) وَالْمَارِنُ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ وَاَلَّذِي تَحْتُهُ هُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْخِرَيْنِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْوَتْرَةِ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْحَدِرُ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْلُكْهَا بِيَدِهِ تَصِيرُ لُمْعَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: فَيَضِلُّ الْوَتْرَةَ وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْغَسْلِ إيصَالُ الْمَاءِ مَعَ الدَّلْكِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَسْلُ الْفَرْضُ يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ بَيَّنَ مَا هُوَ الْأَكْمَلُ بِقَوْلِهِ: (يَغْسِلُ وَجْهَهُ هَكَذَا) أَيْ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ تَعْمِيمِ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَإِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ بَعْدَهُ (ثَلَاثًا) لَكِنْ الَّتِي تَعُمُّ الْعُضْوَ هِيَ الْفَرْضُ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِمَّا بَعْدَهَا فَضِيلَةٌ فَيَعُمُّ اعْتِقَادُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمُسْبِغَةِ فَضِيلَةٌ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ الْمُحَقِّقَاتِ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي غَسْلَةٍ هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ؟ فَفِي كَرَاهَتِهَا وَنَدْبِهَا قَوْلَانِ بِخِلَافِ الرَّابِعَةِ الْمُحَقِّقَةِ فَفِي مَنْعِهَا وَكَرَاهَتِهَا قَوْلَانِ إلَّا لِنَحْوِ تَدَفٍّ أَوْ تَنَظُّفٍ، وَمَعْنَى (يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهِ) أَنَّهُ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّقْلَ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا فِي الْمَسْحِ وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: يَغْسِلُ وَجْهَهُ.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُحَرِّكَ لِحْيَتَهُ) الْكَثِيفَةَ (فِي) حَالِ (غَسْلِ وَجْهِهِ بِكَفَّيْهِ لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءَ) إذْ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَعُمَّهَا الْمَاءُ (لِدَفْعِ الشَّعْرِ لِمَا يُلَاقِيه مِنْ الْمَاءِ) وَلَمَّا كَانَ التَّحْرِيكُ غَيْرَ التَّخْلِيلِ قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ)
стр. 137
ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ يُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَيَعْرُكُهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ ثُمَّ يَغْسِلُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ وَيَبْلُغُ فِيهَا بِالْغَسْلِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ يُدَخِّلُهُمَا فِي غَسْلِهِ، وَقَدْ قِيلَ إلَيْهِمَا حَدُّ الْغَسْلِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إدْخَالُهُمَا فِيهِ وَإِدْخَالُهُمَا فِيهِ أَحْوَطُ لِزَوَالِ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ،
ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَيُفْرِغُهُ عَلَى بَاطِنِ يَدِهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا (تَخْلِيلُهَا فِي الْوُضُوءِ فِي) مَشْهُورِ (قَوْلِ مَالِكٍ) بَلْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ تَخْلِيلِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ تَخْلِيلِهَا «أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ كَثِيفَةً وَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى بَشَرَتِهِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ» ، وَعَنْ مَالِكٍ: وُجُوبُ تَخْلِيلِهَا، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: اسْتِحْبَابُ تَخْلِيلِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْوُجُوبَ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَالْقَوْلُ بِالِاسْتِحْبَابِ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ.
(وَ) إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ الْكَثِيفَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ (أَنْ يُجْرِي عَلَيْهَا يَدَيْهِ بِالْمَاءِ) (مُنْتَهَيَا إلَى آخِرِهَا) وَإِنْ طَالَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهَا فِي الْغَسْلِ قَوْلًا وَاحِدًا لِقَوْلِهِ ﷺ «خَلِّلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» وَقَيَّدَ الْكَثِيفَةَ لِأَنَّ الْخَفِيفَةَ يَجِبُ تَخْلِيلُهَا حَتَّى فِي الْوُضُوءِ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّحْرِيكِ وَالتَّخْلِيلِ إذْ التَّحْرِيكُ ضَمُّ الشَّعْرِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ مَعَ تَحْرِيكِهِ لِيُدَاخِلَهُ الْمَاءُ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْكَثِيفَةِ وَالْخَفِيفَةِ، وَالتَّخْلِيلُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي وُجُوبِ تَخْلِيلِ الْخَفِيفَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِتَحْرِيكِ الْكَثِيفَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَلْقُ لِحْيَتِهَا لِأَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّزَيُّنُ لِلرَّجُلِ، وَيُقَاسُ عَلَى شَعْرِ اللِّحْيَةِ الْحَاجِبُ وَالْهُدْبُ وَالشَّارِبُ، وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُجْرِي عَلَيْهَا يَدَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا.
قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ دُخُولِ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ فِي الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهٍ وَرَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ يَفْعَلُهُ فَلَا أَدْرِيه لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
قَالَ الشَّاذِلِيُّ: قُلْت: وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ» قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَمَا وَرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَحْمُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى وُضُوءِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا بِحَسَبِ اللَّفْظِ لَا يَعُمُّ كُلَّ وُضُوءٍ وَأَقُولُ: التَّخْصِيصُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فَإِنْ ثَبَتَ عَنْ الشَّارِعِ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا جَازَ.
(خَاتِمَةٌ) : قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي بِنُورِك يَوْمَ تُبَيِّضُ وُجُوهَ أَوْلِيَائِك، وَلَا تُسَوِّدْ وَجْهِي بِظُلُمَاتِك يَوْمَ تُسَوِّدُ وُجُوهَ أَعْدَائِك، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ وَهُوَ أَوَّلُ الْفَرَائِضِ الْقُرْآنِيَّةِ يَنْتَقِلُ إلَى ثَانِيهَا وَهُوَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ (يَغْسِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ) وَصِفَةُ غَسْلِهَا أَنْ (يُفِيضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَيَعْرُكَهَا) أَيْ يَدْلُكَهَا (بِيَدِهِ الْيُسْرَى) أَيْ بِبَاطِنِ كَفِّهَا مُبْتَدِئًا مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فِي غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُخَلِّلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ) بِأَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ إحْدَاهُمَا بَيْنَ أَصَابِعِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ أَدْخَلَ مِنْ الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ.
وَلَا يُقَالُ: الْإِدْخَالُ مِنْ الْبَاطِنِ تَشْبِيكٌ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْكَرَاهَةُ فِي الصَّلَاةِ لَا فِي غَيْرِهَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِكَرَاهَةِ التَّشْبِيكِ حَتَّى فِي الْوُضُوءِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ فِي الْوُضُوءِ، وَمَا أَدْرِي مَا رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ عَلَى مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ التَّشْبِيكِ حَتَّى فِي الْوُضُوءِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْحَدِيثِ. (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ الْيُمْنَى (يَغْسِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ) أَيْ كَالصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي غَسْلِ الْيُمْنَى (وَيَبْلُغُ فِيهِمَا) وُجُوبًا (بِالْغَسْلِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُغَيَّا بِإِلَى أَصْلُهُ الْخُرُوجُ وَهُوَ هُنَا دَاخِلٌ قَالَ: (يُدْخِلُهُمَا فِي غَسْلِهِ) وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ اللُّغَوِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْغَايَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُغَيَّا تَدْخُلُ فِيهِ كَبِعْت الثَّوْبَ مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ فَيَدْخُلُ الطَّرَفَانِ بِخِلَافِ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي الْآيَةِ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] غَايَةً إلَى الْمَغْسُولِ.
وَأَمَّا لَوْ جُعِلَ غَايَةً لِلْمَتْرُوكِ لَاسْتَقَامَ الْخُرُوجُ، وَلِتَقْدِيرِ: وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَاتْرُكُوا مِنْ آبَاطِكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ، وَمَا قَدَّمَهُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ نَافِعٍ وَأَشْهَبَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ يَنْتَهِي إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ (حَدُّ الْغَسْلِ) الْفَرْضُ (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إدْخَالُهُمَا فِيهِ) أَيْ فِي الْغَسْلِ (وَ) إنَّمَا (إدْخَالُهُمَا فِيهِ) أَيْ الْغَسْلِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِأَنَّهُ (أَحْوَطُ لِزَوَالِ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِدْخَالُهُمَا إلَخْ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: لِزَوَالِ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ عِلَّةً لِسُقُوطِ وُجُوبِ غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ لَا عِلَّةً
стр. 138
الْيُسْرَى ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا رَأْسَهُ يَبْدَأُ مِنْ مُقَدَّمِهِ مِنْ أَوَّلِ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَقَدْ قَرَنَ أَطْرَافَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عَلَى رَأْسِهِ وَجَعَلَ إبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبُ بِيَدَيْهِ مَاسِحًا إلَى طَرَفِ شَعْرِ رَأْسِهِ مِمَّا يَلِي قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى حَيْثُ بَدَأَ
، وَيَأْخُذُ بِإِبْهَامَيْهِ خَلْفَ أُذُنَيْهِ إلَى صُدْغَيْهِ وَكَيْفَمَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ إذَا أَوَعَبَ رَأْسَهُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
لِلِاحْتِيَاطِ، لِأَنَّ طَلَبَ الِاحْتِيَاطِ تَشْدِيدٌ لَا تَخْفِيفٌ فَلَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ لِزَوَالِ إلَخْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْقِيلِ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ يَجْعَلُ غَسْلَهُمَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ غَسْلُ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ حَيْثُ يُخَالِفُ الْأَوَّلَ.
فَيَتَخَلَّصُ أَنَّ فِي غَسْلِ الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَوَّلُهَا مَا صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْفَرْضِ، ثَانِيهمَا سُقُوطُهُ مِنْ الْفَرْضِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ غَسَلَهُ، ثَالِثُهَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ شُرَّاحِهِ، وَسَبَبُ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ غَايَةِ الْغَسْلِ فِي الْيَدَيْنِ بِسَبَبِ الْإِتْيَانِ فِي الْآيَةِ بِإِلَى الْمُحْتَمِلَةِ فِي الْجُمْلَةِ دُخُولَ الْغَايَةِ فِي الْمُغَيَّا وَعَدَمَ دُخُولِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إتْيَانُ الْمُصَنِّفِ بِثُمَّ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مُرَتَّبٌ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَهُوَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَالَ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَيْنِ، إشَارَةً إلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بَلْ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ حَيْثُ عَمَّتْ الْعُضْوَ، وَإِنَّمَا خَيَّرَ فِي جَانِبِ الْيَدَيْنِ وَجَزَمَ بِالتَّثْلِيثِ فِي الرِّجْلَيْنِ وَالْوَجْهِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ يَغْسِلُ الْوَجْهَ ثَلَاثًا وَالْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَوَجْهُ فِعْلِهِ ﷺ أَنَّ فِي الْوَجْهِ مَغَابِنُ وَجَوَانِبُ وَالرِّجْلَانِ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ، وَبِالْجُمْلَةِ الزَّائِدُ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْفَضَائِلِ وَشُفِعَ غَسْلُهُ وَتَثْلِيثُهُ.
الثَّانِي: لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْهَا مِنْ الْفَرْضِ، وَمِثْلُهُ لَوْ خُلِقَتْ نَاقِصَةً وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا كَفٌّ بِمَنْكِبِهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الزَّائِدَةِ حَيْثُ كَانَتْ بِمِرْفَقٍ مُطْلَقًا أَوْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ لَا إنْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ وَلَا مِرْفَقَ لَهَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ عَلَى بِحَثِّ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَالَ السَّنْهُورِيُّ: إنْ وَصَلَتْ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ الْمُحَاذِي لِلْفَرْضِ مِنْهَا لَا إنْ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ، وَمَا جَرَى فِي الْيَدَيْنِ يَجْرِي فِي الرِّجْلَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ شَخْصُ مِنْ النِّصْفِ الْأَعْلَى عَلَى صُورَةِ رَجُلَيْنِ وَالْأَسْفَلِ صُورَةُ وَاحِدٍ لَوَجَبَ غَسْلُ وَجْهَيْهِ وَالْأَرْبَعَةِ أَيْدٍ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ، لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْبَعْضِ تَحَكُّمٌ وَلِدُخُولِ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَيْدِي فِي عُمُومِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] .
الثَّالِثُ: لَوْ كُشِطَ جِلْدُ الْوَجْهِ أَوْ الذِّرَاعِ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُ مَوْضِعِ الْجِلْدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجَبِيرَةِ، وَأَمَّا لَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَوْضِعِ الْجِلْدِ، وَكَذَا الْجِلْدُ إنْ كَانَ مُعَلَّقًا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ لَا إنْ خَرَجَ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مَحَلُّهُ وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي الرِّجْلَيْنِ.
الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ بِالْيَدِ خَاتَمٌ أَوْ سِوَارٌ لَا يَجِبُ نَزْعُهُ إنْ كَانَ لِأُنْثَى مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا أَوْ ذَهَبَا، وَإِنْ كَانَ لِذَكَرٍ وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ كَانَ مُجَرَّمًا كَخَاتَمِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَزْيَدَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ أَوْ تَعَدَّدَ أَوْ لَبِسَهُ لِزِينَةٍ، وَظَاهِرُ بَحْثِ الْأُجْهُورِيِّ وُجُوبُ نَزْعِهِ وَلَوْ اتَّسَعَ، وَمُقْتَضَى بَحْثِ السَّنْهُورِيِّ الِاكْتِفَاءُ بِتَحْرِيكِ الْوَاسِعِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ أَوْ الْمَكْرُوهُ كَخَاتَمِ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ أَوْ الْخَشَبِ أَوْ الْعَظْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِ إنْ كَانَ ضَيِّقًا وَيَكْفِي تَحْرِيكُهُ إنْ كَانَ وَاسِعًا.
الْخَامِسُ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ تَتَبُّعُ عُقَدِ أَصَابِعِهِ وَرُءُوسِهَا كَمَا يَتَتَبَّعُ أَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ بِالْمَاءِ وَالدَّلْكِ، وَأَنْ يَحْنِيَ كَفَّهُ وَيَغْسِلَ ظَاهِرَهُ بِالْأُخْرَى وَيَجْمَعَ رُءُوسَ أَصَابِعِهِ وَيَحُكَّهَا عَلَى كَفِّهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَلْمُ ظُفْرِهِ السَّاتِرِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
(خَاتِمَةٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ غَسْلِهِ يَدَهُ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: وَأَعُوذُ بِك أَنْ تُعْطِيَنِي كِتَابِي بِشِمَالِي أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ يَنْتَقِلُ إلَى الْفَرْضِ الثَّالِثِ وَهُوَ مَسْحُ الرَّأْسِ (يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) إنْ شَاءَ (فَيُفْرِغُهُ عَلَى بَاطِنِ يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ) بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ فِي يُسْرَاهُ وَإِرْسَالِهِ مِنْهَا (يَمْسَحُ بِهِمَا رَأْسَهُ) وَقَوْلُنَا إنْ شَاءَ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَ أَخْذَهُ بِيَدَيْهِ مَعًا وَصِفَةُ الْمَسْحِ الْكَامِلَةُ أَنْ (يَبْدَأَ مِنْ مُقَدَّمِهِ مِنْ أَوَّلِ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ) الْمُعْتَادِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ قَرَنَ) أَيْ جَمَعَ (أَطْرَافَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ) سِوَى إبْهَامَيْهِ (بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عَلَى رَأْسِهِ وَجَعَلَ إبْهَامَهُ فِي صُدْغَيْهِ ثُمَّ) بَعْدَ تِلْكَ الْهَيْئَةِ (يَذْهَبُ بِيَدَيْهِ مَاسِحًا) بِهِمَا جَمِيعَ الرَّأْسِ مُنْتَهَيَا (إلَى طَرَفِ شَعْرِ رَأْسِهِ مِمَّا يَلِي قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى حَيْثُ بَدَأَ)
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَأْخُذَ بِإِبْهَامَيْهِ) أَيْ يَمُرَّ بِهِمَا (خَلْفَ أُذُنَيْهِ إلَى صُدْغَيْهِ) أَيْ مَعَ صُدْغَيْهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: الصُّدْغُ مَا فَوْقَ
стр. 139
فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا مَبْلُولَتَيْنِ وَمَسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ،
ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَبَّابَتَيْهِ وَإِبْهَامَيْهِ وَإِنْ شَاءَ غَمَسَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا
وَتَمْسَحُ الْمَرْأَةُ كَمَا ذَكَرْنَا وَتَمْسَحُ عَلَى دَلَالَيْهَا وَلَا تَمْسَحُ عَلَى الْوِقَايَةِ وَتُدْخِلُ يَدَيْهَا مِنْ تَحْتِ عِقَاصِ شَعْرِهَا فِي رُجُوعِ يَدَيْهَا فِي الْمَسْحِ
، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ يَصُبُّ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى
ــ
[الفواكه الدواني]
الْعَظْمِ بِحَلْقِهِ الْمُحَرَّمَ وَمَا دُونَ الْعِذَارِ، وَقَدَّمْنَا عِنْدَ بَيَانِ حَدِّ الْوَجْهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصُّدْغِ بَعْضُهُ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحُ هُوَ مَا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَبَعْضُهُ مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ فَأَسْفَلُ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، هَذَا حُكْمُ الْمَحَلِّ الْمَشْغُولِ بِالشَّعْرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ مِنْ الْبَيَاضِ فَاَلَّذِي فَوْقَ وَتَدِ الْأُذُنِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَاَلَّذِي تَحْتَهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا يَجِبُ غَسْلُ الْوَتَدِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ لَك وَجْهُ كَوْنِ إلَى بِمَعْنَى مَعَ، وَلَا يَصِحُّ بَقَاؤُهَا عَلَى بَابِهَا لِأَنَّ الْمُغَيَّا بِهَا خَارِجٌ، وَمُنْتَهَى الْمَسْحُ فِي الصُّدْغِ مَنْبَتُ شَعْرِ الْعَظْمِ النَّاتِئِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ الْمُوهِمُ أَنَّ جَمِيعَ الْعَظْمِ يُمْسَحُ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَمَسْحُ مَا عَلَى الْجُمْجُمَةِ بِعَظْمِ صُدْغَيْهِ مَعَ الْمُسْتَرْخِي، وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَرْخِي مَا طَالَ مِنْ الشَّعْرِ وَلَوْ نَزَلَ إلَى الْقَدَمِ، وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ غَيْرَ مُتَعَيِّنَةٍ قَالَ: (وَكَيْفَمَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ إذَا أَوْعَبَ) أَيْ عَمَّ (رَأْسَهُ وَ) لَكِنَّ الْفِعْلَ (الْأَوَّلَ أَحْسَنُ) لِأَنَّهُ صِفَةُ فِعْلِهِ ﷺ لِأَنَّهُ أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ أَدْبَرَ، وَالْمُرَادُ أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ إلَى جِهَةِ قَفَاهُ. وَلَمَّا بَيَّنَ الصِّفَةَ الْكَامِلَةَ فِي أَخْذِ الْمَاءِ ذَكَرَ صِفَةً أُخْرَى بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا) حَالَةَ كَوْنِهِمَا (مَبْلُولَتَيْنِ وَمَسَحَ بِهِمَا رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ) وَإِنَّمَا أَجْزَأَ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعْمِيمُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْفَرْضَ مِنْ ذَلِكَ وَالْمَسْنُونَ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْبَدْءَ مِنْ الْمُقَدَّمِ مَنْدُوبٌ وَأَنَّ تَعْمِيمَهُ بِالْمَسْحِ فَرْضٌ وَالرَّدَّ سُنَّةٌ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ أَوْ لَهُ شَعْرٌ قَصِيرٌ وَإِلَّا وَجَبَ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا لَوْ جَفَّتْ يَدُهُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْحِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الْمَاءِ إنْ جَفَّتْ إلَّا قَبْلَ تَمَامِ الْمَسْحِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا كُرِهَ التَّجْدِيدُ، لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يُسَنُّ حَيْثُ بَقِيَ بَعْدَ مَسْحِ الْفَرْضِ بَلَلٌ وَإِلَّا سَقَطَتْ سُنَّةُ الرَّدِّ، وَلِذَا وَقَعَ مِنْ عَلَّامَةِ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيِّ التَّرَدُّدُ فِيمَا إذَا بَقِيَ بَعْضُ بَلَلٍ لَا يَمْسَحُ جَمِيعَ الرَّأْسِ فِي الرَّدِّ، ثُمَّ اسْتَظْهَرَ أَنَّهُ يَمْسَحُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْبَلَلِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ (يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى سَبَّابَتَيْهِ وَإِبْهَامَيْهِ) بِأَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ وَيُفْرِغَهُ عَلَى سَبَّابَتِهِ الْيُسْرَى مَعَ إبْهَامِهَا، وَمَا اجْتَمَعَ فِي كَفِّ الْيُسْرَى يُفْرِغُهُ عَلَى سَبَّابَةِ الْيُمْنَى مَعَ إبْهَامِهَا (وَإِنْ شَاءَ غَمَسَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ (فِي الْمَاءِ ثُمَّ) بَعْدَ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ (يَمْسَحُ أُذُنِيهِ) عَلَّ جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (ظَاهِرَهُمَا) وَهُوَ مَا يَلِي الرَّأْسَ عَلَى الْأَصَحِّ (وَبَاطِنَهُمَا) وَهُوَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَيُكْرَهُ تَتْبَعُ غُضُونِهِمَا لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّتَبُّعُ مُنَافٍ لَهُ، وَصِفَةُ الْمَسْحِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنْ يَجْعَلَ بَاطِنَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّحْمَتَيْنِ وَيُمِرَّهُمَا وَيَجْعَلَ آخِرَ السَّبَّابَتَيْنِ فِي الصِّمَاخَيْنِ وَوَسَطَهُمَا مُلَاقِيًا لِلْبَاطِنِ دَائِرَيْنِ مَعَ الْإِبْهَامَيْنِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَسْحَ الصِّمَاخَيْنِ دَاخِلٌ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَالْكُلُّ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّ مَسْحَ الصِّمَاخِ سُنَّةٌ اتِّفَاقًا فَلَعَلَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا.
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ سُنَّةٌ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ لَهُمَا فَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَعَزَاهُ لِلْأَكْثَرِ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ النِّسَاءُ شَقَائِقَ الرِّجَالِ قَالَ: (وَتَمْسَحُ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا) وَأُذُنَيْهَا (كَمَا ذَكَرْنَا) فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارًا وَصِفَةً (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ (تَمْسَحَ عَلَى دَلَالَيْهَا) بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ شَعْرِهَا عَلَى وَجْهِهَا وَعَلَى صُدْغَيْهَا وَلَوْ طَالَ: كَمَا يَمْسَحُ الرَّجُلُ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَلَوْ طَالَ إلَى الْقَدَمِ. (وَ) لَوْ كَانَ عَلَى شَعْرِهَا وِقَايَةٌ (لَا تَمْسَحُ عَلَى الْوِقَايَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَجْعَلُهَا عَلَى شَعْرِهَا لِتَقِيهِ مِنْ الْغُبَارِ لِأَنَّهُ حَائِلٌ فَيَجِبُ عَلَيْهَا إزَالَتُهُ وَتَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَضَعَتْهَا لِضَرُورَةٍ كَصُدَاعٍ أَوْ جِرَاحٍ وَلَا تَسْتَطِيعُ الْمَسْحَ عَلَى مَا تَحْتَهَا فَيَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ، كَالرَّجُلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ نَزْعَ عِمَامَتِهِ فَيَمْسَحُ عَلَيْهَا لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ» أَيْ لِضَرُورَةٍ كَانَتْ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْحَائِلُ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ كَمَّلَ الْبَاقِيَ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ وَاجِبٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ الْمَلْبُوسَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ عَرُوسًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا نَزْعُ مَا عَلَى شَعْرِهَا مِنْ زِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَنْ رَخَّصَ لِلْعَرُوسِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ الْمَسْحَ عَلَى الْحَائِلِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ مَسْحِ رَأْسِهَا أَنْ (تُدْخِلَ يَدَيْهَا مِنْ تَحْتِ عِقَاصِ شَعْرِهَا فِي رُجُوعِ يَدَيْهَا فِي الْمَسْحِ) وَكُلٌّ مِنْ الْإِدْخَالِ وَالرَّدِّ فَرْضٌ لِتَوَقُّفِ التَّعْمِيمِ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ تَعْمِيمِ رَأْسِهَا بِالْمَسْحِ يُسَنُّ فِي حَقِّهَا الرَّدُّ وَتُدْخِلُ يَدَيْهَا تَحْتَهُ فِي الرَّدِّ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا حَيْثُ بَقِيَ بِيَدَيْهَا بَلَلٌ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ مِنْ تَحْتِ
стр. 140
رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَعْرُكُهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى قَلِيلًا قَلِيلًا يُوعِبهَا بِذَلِكَ ثَلَاثًا وَإِنْ شَاءَ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ تَرَكَ فَلَا حَرَجَ وَالتَّخْلِيلُ أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَيَعْرُكُ عَقِبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ وَمَا لَا يَكَادُ يُدَاخِلُهُ الْمَاءُ بِسُرْعَةٍ مِنْ جَسَاوَةٍ أَوْ شُقُوقٍ فَلِيُبَالِغْ بِالْعَرْكِ
ــ
[الفواكه الدواني]
عِقَاصِ شَعْرِهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا حَلُّ الْمَعْقُوصِ وَلَا فَكُّ الْمَضْفُورِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَنْقُضُ ضَفْرُ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَيُدْخِلَانِ يَدَيْهِمَا تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اشْتَدَّ ضَفْرُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهَا لِأَنَّهَا حَائِلٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَعْمِيمِ الظَّاهِرِ، وَفِعْلُهُ ﷺ : فَإِنَّهُ «حِينَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّعْمِيمِ، وَأَيْضًا الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ مُطْلَقٍ وَجَبَ اسْتِبْقَاؤُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ الْإِمَامُ أَشْهَبُ: يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَوْ النَّاصِيَةَ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ يَكْفِي قَدْرُ الثُّلُثِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يَكْفِي مَسْحُ الثُّلُثَيْنِ، وَاخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةٌ، فَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَتْرُكُ الصَّلَاةَ لِمَشَقَّةِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَإِذَا أَمَرْنَاهَا بِمَسْحِ الْبَعْضِ تَفْعَلُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا تَهْدِيدُهَا وَلَوْ بِالضَّرْبِ مَعَ ظَنِّ إفَادَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَلَّدَتْ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَشْيَاخِ، لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْعِبَادَةِ وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ أَحْسَنُ مِنْ تَرْكِهَا.
١ -
الثَّانِي: لَوْ خَالَفَ الْمُتَوَضِّئُ الْوَاجِبَ فِي الرَّأْسِ وَغَسَلَهَا أَجْزَأَ وَإِنْ كُرِهَ أَوْ حُرِّمَ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَقَدَّمْنَا أَيْضًا أَنَّ نَقْلَ الْمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا إلَّا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَالْمُرَادُ بِنَقْلِهِ تَجْدِيدُهُ وَلَوْ مِنْ بَلَلِ لِحْيَتِهِ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ.
١ -
الرَّابِعُ: لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ مَسْحِهَا لَا يُعِيدُ مَسْحَ مَوْضِعِهَا وَلَوْ كَانَ شَعْرُهَا طَوِيلًا قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَفِي لِحْيَتِهِ قَوْلَانِ
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَهُوَ الْفَرْضُ الثَّالِثُ (يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) مَعَ كَعْبَيْهِ النَّاتِئَيْنِ بِمَفْصِلَيْ السَّاقَيْنِ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ الرَّابِعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] عَلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ النَّصْبَ عَطْفًا عَلَى وُجُوهِكُمْ وَلَا يُشْكِلُ قِرَاءَةُ الْجَرِّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَسْحِ لِحَمْلِهِ عَلَى لَابِسِ الْخُفِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ مَسْحُ رِجْلَيْهِ إلَّا عَلَى الْخُفِّ، وَصِفَةُ غَسْلِهِمَا أَنَّهُ (يَصُبُّ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى) وَيُنْدَبُ كَوْنُ الصَّبِّ مِنْ أَعْلَى الرِّجْلِ (وَيَعْرُكُهَا) أَيْ يَدْلُكُهَا (بِيَدِهِ الْيُسْرَى قَلِيلًا قَلِيلًا) أَيْ دَلْكًا رَفِيقًا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَةُ الْأَوْسَاخِ الْغُرِّ الْمُتَجَسِّدَةِ لِأَنَّهُ حَرَجٌ، وَإِنَّمَا أَكَّدَ الدَّلْكَ فِي الرِّجْلَيْنِ بِقَلِيلٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ مَحَلُّ الْأَوْسَاخِ، فَرُبَّمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِمَا وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ (يُوعِبَهُمَا بِذَلِكَ ثَلَاثًا) وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى حَيْثُ عَمَّتْ، وَالثَّانِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ كَالثَّالِثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِينَ مِنْ الْخِلَافِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَهَلْ الرِّجْلَانِ كَذَلِكَ؟ أَوْ الْمَطْلُوبُ الْإِنْقَاءُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ: وَيَعْرُكُهَا بِيَدِهِ إلَخْ الْعَرْكُ بِالْيَدِ غَيْرُ شَرْطٍ بَلْ لَوْ دَلَكَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى أَجْزَأَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا كَالْيَدَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّلْكِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا حُكْمُ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَيَجُوزُ دَلْكُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِبَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَعْرُكُهَا فَرْضِيَّةَ الدَّلْكِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَجَزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ فَرْضِيَّةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مُسَاوَاتُهُمَا لِلْيَدَيْنِ فِي وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ خَلَّلَ) الْمُتَوَضِّئُ (أَصَابِعَهُ فِي ذَلِكَ) الْغَسْلِ (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَلَا حَرَجَ) لَا حَاجَةَ إلَى نَفْيِ الْحَرَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى نَفْيِ الْفَرِيضَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَ) لَكِنْ (التَّخْلِيلُ أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ) أَيْ أَفْضَلُ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّعْمِيمِ، وَبِجَعْلِنَا فَاعِلَ خَلَّلَ الْمُتَوَضِّئَ يَخْرُجُ الْمُغْتَسَلُ لِنَحْوِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهُمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ حَيْثُ وَجَبَ تَخْلِيلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ شِدَّةُ اتِّصَالِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ حَيْثُ اُسْتُحِبَّ تَخْلِيلُهَا فِيهِ شِدَّةُ اتِّصَالِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ بِبَعْضِهَا فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهُمَا الْبَاطِنَ، وَافْتِرَاقُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فَأَشْبَهَتْ الْأَعْضَاءَ الْمُسْتَقِلَّةَ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ وُجُوبُ تَخْلِيلِهَا فِي الْغُسْلِ لِأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ بِدَلِيلِ وُجُوبِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ فِيهِ، وَصِفَةُ تَخْلِيلِهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْفَلِ الْأَصَابِعِ فَيَبْدَأُ مِنْ خِنْصَرِ الْيُمْنَى لِأَنَّهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى، وَلَمَّا كَانَ فِي الرِّجْلَيْنِ بَعْضُ أَمَاكِنَ تُشْبِهُ الْبَاطِنَ نَبَّهَ عَلَى تَتَبُّعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَعْرُكُ) أَيْ يَدْلُكُ الْمُتَوَضِّئُ وُجُوبًا (عَقِبَيْهِ) وَهُمَا مُؤَخِّرُ الْقَدَمِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ (وَعُرْقُوبَيْهِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُمَا الْعَصَبُ الْغَلِيظُ الْمُوتِرُ فَوْقَ الْعَقِبِ.
(وَ) كَذَلِكَ (مَا لَا يَكَادُ) أَيْ لَا يَقْرَبُ أَنْ (يُدَاخِلَهُ الْمَاءُ بِسُرْعَةٍ) إمَّا لِارْتِفَاعِهِ أَوْ لِخَفَائِهِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ جَسَاوَةٍ) بِجِيمٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ غِلَظٌ فِي الْجِلْدِ يَنْشَأُ عَنْ قَشَفٍ (أَوْ
стр. 141
مَعَ صَبِّ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ فَإِنَّهُ جَاءَ الْأَثَرُ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» وَعَقِبُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وَآخِرُهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ
وَلَيْسَ تَحْدِيدُ غَسْلِ أَعْضَائِهِ ثَلَاثًا بِأَمْرٍ لَا يُجْزِئُ دُونَهُ، وَلَكِنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَفْعَلُ وَمَنْ كَانَ يُوعِبُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ إذَا أَحْكَمَ ذَلِكَ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي إحْكَامِ ذَلِكَ سَوَاءً
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ طَرَفَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
شُقُوقٍ) فِي الرِّجْلِ (فَلِيُبَالِغْ بِالْعَرْكِ) فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ (مَعَ صَبِّ الْمَاءِ بِيَدِهِ) عَلَيْهَا كَأَسَارِيرِ الْجَبْهَةِ، وَلَمَّا كَانَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ مُعَالَجَةٌ أَتَى الْمُصَنِّفُ فِيهَا بِلَفْظِ يَكَادُ الدَّالُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: كُلُّ شَيْءٍ تُعَالِجُهُ فَأَنْتَ تَكِيدُهُ، فَدَعْوَى زِيَادَتُهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَمَا لَا يَقْرُبُ مُدَاخَلَةُ الْمَاءِ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُنْتَهَى غَسْلِهِمَا آخِرُ الْكَعْبَيْنِ فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمَغْسُولِ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ بِمَفْصِلَيْ السَّاقَيْنِ الْمَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِإِبْرَازِ الرِّجْلَيْنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ الْمُبَالَغَةِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ (جَاءَ الْأَثَرُ) أَيْ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» وَوَيْلٌ كَلِمَةٌ تَقُولهَا الْعَرَبُ لِمَنْ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ وَوَقَعَ فِي الْهَلَاكِ، وَقِيلَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ وَلَا مَانِعَ مِنْ تَخْصِيصِ التَّعْذِيبِ بِالْأَعْقَابِ دُونَ غَيْرِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُمَّ التَّعْذِيبُ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَعَلَيْهِ فَيُقَدَّرُ مُضَافٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْ لِذَوِي الْأَعْقَابِ، وَنَسَبَ الْعَذَابَ لَهَا لِشِدَّتِهِ فِيهَا أَوْ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مُعَذَّبٍ، ثُمَّ إنَّ هَذَا يَجْرِي فِي كُلِّ لُمْعَةٍ تَبْقَى فِي الْأَعْضَاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَعْقَابَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَهُ حِينَ رَأَى أَعْقَابَ النَّاسِ تَلُوحُ وَلَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فِي الْوُضُوءِ.
وَقَوْلُهُ مِنْ النَّارِ مُتَعَلِّقٌ بِوَيْلٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهَلَاكَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا تُوَلْوِلُ تَقُولُ: يَا وَيْلَاه وَتَضِجُّ مِنْ عَذَابِ النَّارِ بِنَاءً عَلَى التَّجَوُّزِ فِي الْإِسْنَادِ لِأَنَّ الَّذِي يُوَلْوِلُ إنَّمَا هُمْ أَصْحَابُ الْأَعْقَابِ، فَمِنْ عَلَى هَذَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَعَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِوَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَكُونُ مِنْ الدَّاخِلَةُ عَلَى النَّارِ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَفَسَّرْنَا الْأَثَرَ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّهُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَقَعُ عَلَى الْمَرْفُوعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا هُنَا، وَعَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ نَحْوِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرُ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُ الْأَثَرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَيَخُصُّ الْخَبَرَ بِالْمَرْفُوعِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ:
وَسَمِّ بِالْمَوْقُوفِ مَا قَصَّرْته بِصَاحِبٍ وَصَلْت أَوْ قَطَعْته
وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ سَمَّاهُ الْأَثَرَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنْ الْمُصَنِّفَ اسْتَعْمَلَهُ هُنَا فِي الْمَرْفُوعِ وَفَسَّرَ الْعَقِبَ بِقَوْلِهِ: (وَعَقِبُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (وَ) هُوَ (آخِرُهُ) لِأَنَّهُ آخِرُ الْقَدَمِ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيه الْعَامَّةُ بِالْكَعْبِ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (بِغَسْلِ) الرِّجْلِ (الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) مِنْ صَبِّ الْمَاءِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَعَرْكِهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَرْكًا لَطِيفًا وَيُوعِبُهَا بِذَلِكَ ثَلَاثًا وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهَا نَدْبًا
(خَاتِمَةٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: يَقُولُ عِنْدَ غَسْلِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تُثَبِّت أَقْدَامَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى: وَأَعُوذُ بِك أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ.
وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي الْوُضُوءِ يُطْلَبُ فِيهَا غَسْلُ كُلِّ عُضْوٍ ثَلَاثًا خُشِيَ أَنْ يَتَوَهَّمَ الْوَاقِفُ عَلَى كَلَامِهِ وُجُوبَهَا قَالَ: (وَلَيْسَ تَحْدِيدُ غَسْلِ أَعْضَائِهِ) كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ (ثَلَاثًا ثَلَاثًا بِأَمْرٍ) أَيْ شَأْنٍ (لَا يُجْزِئُ دُونَهُ وَلَكِنَّهُ) أَيْ التَّثْلِيثَ (أَكْثَرُ مَا يُفْعَلُ) فَلَا يُنَافِي فِي أَنَّ الْوَاجِبَ مَرَّةً وَاحِدَةً حَيْثُ أَسْبَغَتْ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَضِيلَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ فِي الْفَضَائِلِ: وَشَفْعُ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثُهُ وَالزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ الْمُحَقَّقَاتِ قِيلَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ مَمْنُوعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَا رُوِيَ، «أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوُضُوءِ فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَيَدْخُلُ فِي الزَّائِدِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ حَيْثُ كَانَ ثَلَاثًا.
وَمَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ فِي الْوُضُوءِ لَا إنْ فَعَلَهَا لِزِيَادَةِ تَنَظُّفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَنْ تَحَقُّقِ الزِّيَادَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَكَّ فِي ثَالِثَةٍ فَفِي كَرَاهَتِهَا قَوْلَانِ، وَلَمَّا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ التَّثْلِيثَ لَيْسَ بِفَرْضٍ قَالَ: (وَمَنْ كَانَ يُوعِبُ) أَيْ يَغْسِلُ جَمِيعَ الْعُضْوِ (بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ وَهُوَ الثَّلَاثُ (أَجْزَأَهُ) فِعْلُ ذَلِكَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً (إذَا أَحْكَمَ) أَيْ أَوْعَبَ (ذَلِكَ) فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِمَا يَعُمُّ وَلَوْ غَسْلَةً وَاحِدَةٌ قَوْله تَعَالَى: اغْسِلُوا وَلَمْ يُقَيِّدْ بِعَدَدٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ غَسْلٌ، «وَلِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» الْحَدِيثَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ هِيَ الْفَرْضُ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاحِدَةِ الْمُسْبِغَةِ، فَعَنْ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ.
وَعَنْهُ الْكَرَاهَةُ إلَّا مِنْ الْعَالِمِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَالِمِ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ بَقَاءِ لُمْعَةٍ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ
стр. 142
إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَقُولَ بِأَثَرِ الْوُضُوءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْوُضُوءِ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى لِمَا أَمَرَهُ بِهِ يَرْجُو تَقَبُّلَهُ وَثَوَابَهُ وَتَطْهِيرَهُ مِنْ الذُّنُوبِ
ــ
[الفواكه الدواني]
مُطْلَقًا احْتِيَاطِيًّا لِأَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا رَأَى ذَلِكَ يَعْتَمِدُهُ وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِسْبَاغِ بِالْمَرَّةِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ النُّقْصَانُ عَنْ اثْنَتَيْنِ خِيفَةَ تَرْكِ لُمْعَةٍ مِنْ الْأُولَى، وَفِيهِ أَيْضًا تَرْكُ فَضِيلَةٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاجْتِزَاءَ بِالْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُسْبِغَةِ لَا نَافِيَ كَرَاهَةِ تَرْكِ الْإِشْفَاعِ وَالتَّثْلِيثِ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَيَفْعَلُهُ ﷺ ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَطْلُوبٌ بِفِعْلِهِ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ فَلَا إشْكَالَ. وَلَمَّا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي وَكَانَ التَّعْمِيمُ بِهَا قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ قَالَ: (وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي إحْكَامِ ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِتْقَانِ وَالتَّعْمِيمِ بِالْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ (سَوَاءً) بِالنَّصْبِ خَبَرُ لَيْسَ، وَسَوَاءٌ بِمَعْنَى مُسْتَوِيَيْنِ إذْ مِنْهُمْ السَّمِينُ الَّذِي لَا يَغْسِلُ وَجْهَهُ إلَّا أَكْثَرَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْمِيمُ وَلَوْ الثَّلَاثَ وَيَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِيعَابُ يُنْوَى بِهِ الْفَرْضُ.
وَيُلَاحَظُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنْدُوبُ وَلِذَلِكَ قَالَ سَنَدٌ: لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَتَرَكَ مِنْهُ مَوْضِعًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فَإِنْ لَمْ يَخُصَّ الثَّالِثَةَ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ أَنْ لَا يَنْوِيَ بِالزَّائِدِ عَلَى الْمَرَّةِ الْأُولَى الْفَضِيلَةَ
[فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ الْإِتْيَانُ بِهِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ الْإِتْيَانُ بِهِ بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ بِقَوْلِهِ:
(وَقَدْ «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» أَيْ أَتَى بِفَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ وَقِيلَ أَخْلَصَ فِيهِ نِيَّتَهُ «ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ» بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ بَصَرَهُ، وَأَمَّا الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ آخِرُ الشَّيْءِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ «إلَى السَّمَاءِ» أَيْ إلَى جِهَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَرَهَا لِحَائِلٍ أَوْ عَمًى.
وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ دَاوُد مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّظَرِ إلَى السَّمَاءِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالسِّرُّ فِي رَفْعِ الطَّرْفِ إلَى السَّمَاءِ هُوَ شَغْلُ بَصَرِهِ بِأَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَرْئِيَّةِ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَهِيَ السَّمَوَاتِ، وَالْإِعْرَاضُ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَدْعَى لِحُضُورِ قَلْبِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلِسَانِهِ، وَأَمَّا سِرُّ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَيْهَا فَلِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، وَقَوْلُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْهَا غَيْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ أَحْمَدَ رَفَعَ بَصَرَهُ «فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ زَادَهَا التِّرْمِذِيُّ «فُتِّحَتْ» بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ «لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» . وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْفَتْحُ قِيلَ مَعْنَاهُ تَسْهِيلُ أَبْوَابِ الطَّاعَاتِ الْمُوصِلَةِ لِلْجَنَّةِ، وَقِيلَ الْفَتْحُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَّا الصَّائِمُونَ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ» لِأَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يَسْتَلْزِمُ الدُّخُولَ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُزَهِّدُهُ فِيهِ وَيُرَغِّبُهُ فِي الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُرَجِّحُ هَذَا الْقِيلَ قَوْلُهُ: «يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ هَذَا الْفَضْلُ وَلَوْ بِإِحْسَانِ الْوُضُوءِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهُوَ اللَّائِقُ بِصَاحِبِ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. (وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (أَنْ يَقُولَ بِإِثْرِ الْوُضُوءِ) بِكُثْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهَا وَبَعْدَ الذِّكْرِ السَّابِقِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَنْ التَّوَّابِينَ» أَيْ الَّذِينَ كُلَّمَا يُذْنِبُونَ يَتُوبُونَ «وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَصَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْوِيَّ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ يُسَمَّى مُضْطَرِبًا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ مَا قَدْ وَرَدَا مُخْتَلِفًا مِنْ وَاحِدٍ فَأَزْيَدَا إلَى أَنْ قَالَ: وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَجَّحْ بَعْضُ الْوُجُوهِ وَإِلَّا زَالَ الِاضْطِرَابِ وَالْحُكْمُ لِلرَّاجِحِ، وَهُنَا لَمْ يَتَرَجَّحْ بَعْضُهَا فَهُوَ مُضْطَرِبٌ، لَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ.
وَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْإِخْلَاصَ فِي عِبَادَتِهِمْ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ مَعَ التَّشْرِيكِ أَشَارَ لِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُكَلَّفِ الْمُرِيدِ لِلْوُضُوءِ (أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْوُضُوءِ) أَيْ يَأْتِيَ بِالْمَطْلُوبِ فِيهِ (احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ مُخْلِصًا فِيهِ وَمُمْتَثِلًا (لِمَا أَمَرَهُ بِهِ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَالْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ لَا لِرِيَاءٍ
стр. 143
بِهِ وَيُشْعِرُ نَفْسَهُ أَنَّ ذَلِكَ تَأَهُّبٌ وَتَنَظُّفٌ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَعْمَلُ عَلَى يَقِينٍ بِذَلِكَ وَتَحَفُّظٍ فِيهِ فَإِنَّ تَمَامَ كُلِّ عَمَلٍ بِحُسْنِ النِّيَّةِ فِيهِ.
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَا سُمْعَةٍ وَلَهُ مَرَاتِبُ ثَلَاثٍ: دُنْيَا، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ أَوْ خَوْفًا مِنْ نَارِهِ، وَوُسْطَى وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِكَوْنِهِ عَبْدًا مَمْلُوكًا لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَوْلَاهُ شَيْئًا، وَعُلْيَا وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِأَجْلِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ لَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ وَلَا خَوْفًا مِنْ نَارِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَمِلَ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ لِتَقْيِيدِ قَوْلِهِ: يَعْمَلُ عَمَلَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ: (يَرْجُو تَقَبُّلَهُ) فَإِنَّهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَعْمَلُ أَيْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْوُضُوءِ حَالَةَ كَوْنِهِ رَاجِيًا مِنْ اللَّهِ تَقَبُّلَهُ (وَ) رَاجِيًا (ثَوَابَهُ وَتَطْهِيرَهُ مِنْ الذُّنُوبِ بِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ» وَالْخَبَرُ: «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخَرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ تَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ» .
وَرَوَى مُسْلِمٌ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظَافِرِهِ» .
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ (يُشْعِرَ نَفْسَهُ) أَيْ يَعِظُهَا وَيُعَلِّمُهَا (أَنَّ ذَلِكَ) الْوُضُوءَ (تَأَهُّبًا) أَيْ اسْتِعْدَادًا (وَتَنَظُّفًا) أَيْ تَطَهُّرًا مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالذُّنُوبِ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ نَصَبِ تَأَهُّبًا وَتَنَظُّفًا هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ الْمُصَنِّفِ، وَرُوِيَ تَأَهُّبٌ وَتَنَظُّفٌ بِالرَّفْعِ وَلَا إشْكَالَ فِيهَا وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي رِوَايَةِ النَّصْبِ مَعَ وُجُوبِ رَفْعِ خَبَرِ أَنَّ، وَأُجِيبُ بِأَوْجُهٍ
أَحَدُهَا: أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلُهُ: (لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ) وَتَأَهُّبًا وَتَنَظُّفًا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي مُتَعَلَّقِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْوَاقِعِ خَبَرًا.
ثَانِيهَا: أَنَّ نَصْبَهُمَا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِكَانَ الْمَحْذُوفَةِ وَجُمْلَةُ كَانَ مَعَ مَعْمُولَيْهَا فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ إنَّ وَلِمُنَاجَاةِ صِلَةُ تَأَهُّبًا.
ثَالِثُهَا: أَنَّ نَصْبَهُمَا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَنْصِبُ بِأَنَّ الْجُزْأَيْنِ عَلَى حَدِّ: إنْ حُرَّاسَنَا أُسْدًا، وَلِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ يَتَنَازَعُهُ تَأَهُّبًا وَتَنَظُّفًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِمُنَاجَاةِ الْمُصَلِّي لِرَبِّهِ إخْلَاصُ قَلْبِهِ وَتَفْرِيغُ سِرِّهِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ.
(وَ) لِأَجْلِ (الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَالَى لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ) تَعَالَى (بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) فَإِذَا اسْتَشْعَرَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ الْإِجْلَالُ وَتَعْظِيمُ خَالِقِهِ. (فَيَعْمَلُ) الْوُضُوءَ (عَلَى يَقِينٍ) أَيْ إخْلَاصٍ (بِذَلِكَ) الْوُضُوءِ. (وَ) يَعْمَلُهُ عَلَى (تَحَفُّظٍ فِيهِ) أَيْ الْوُضُوءِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْمَلَ الْوُضُوءَ عَلَى الْإِخْلَاصِ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ تَمَامَ) أَيْ صِحَّةَ (كُلِّ عَمَلٍ) يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْلَاصُ (بِحُسْنِ النِّيَّةِ فِيهِ) وَحُسْنُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِمُقَارَنَةٍ مِنْ الْإِخْلَاصِ لَا مُطْلَقِ الْقَصْدِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَقَعُ مِنْ الْمُرَائِي وَالْكَافِرِ.
وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ أَرَادَ النِّيَّةَ الصَّحِيحَةَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا وَهِيَ الْمُقَارِنَةُ لِلْإِخْلَاصِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا شَيْئَانِ فَسَّرَ النِّيَّةَ بِمُطْلَقِ الْقَصْدِ، وَالْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ، فَعَلَى وَحِدَتِهِمَا تَكُونُ النِّيَّةُ رُوحَ الْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصُ رُوحَ النِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِمَا لِلسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَلَا يَكْمُلُ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا نِيَّةٌ إلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ
١ -
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ الْمُوَالَاةُ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِأَفْعَالِ الْوُضُوءِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ مُتَفَاحِشٍ، لِأَنَّ الَّذِي عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ خَمْسُ فَرَائِضَ: غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالدَّلْكُ، وَلَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ الْمُوَالَاةَ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهَا، لِأَنَّهُ قِيلَ بِسُنِّيَّتِهَا وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، فَعَلَى الْوُجُوبِ إنْ فَرَّقَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا بَنَى اسْتِنَانًا فِيهِمَا وَإِنْ طَالَ لَكِنْ بِنِيَّةٍ مَعَ النِّسْيَانِ وَمَعَ الْبِنَاءِ فَعَلَ الْمَنْسِيَّ مَعَ مَا بَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْمُوَالَاةِ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ وَيُتْرَكَ جَمِيعَ مَا بَعْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ مَثَلًا وَيَنْسَى الْيَدَيْنِ وَيَمْسَحَ الرَّأْسَ وَيَغْسِلَ الرِّجْلَيْنِ، فَيُطْلَبُ مِنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى تَكْمِيلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَغْسِلُ الْيَدَيْنِ وَيُعِيدُ مَسْحَ الرَّأْسِ وَيَغْسِلُ الرِّجْلَيْنِ حَيْثُ كَانَ بِالْقُرْبِ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى فِعْل الْمَنْسِيِّ بَعْدَ الطُّولِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُنَكِّسُ، وَإِنْ فَرَّقَ عَمْدًا أَوْ عَجْزًا بَنَى مَا لَمْ يَطُلْ، وَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى الْبِنَاءِ الِاعْتِدَادُ بِمَا فَعَلَ وَالْإِتْيَانُ بَعْدُ بِالْمَتْرُوكِ، وَلَا يُقَالُ: الْعَاجِزُ لَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي حَقِّهِ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ الْبِنَاءُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْعَاجِزُ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ النَّاسِي لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَاجِزِ مَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَافٍ فَيَتَبَيَّنُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطُ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي التَّحَفُّظِ مِمَّنْ أَرَاقَهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَاجِزِ ضَعِيفَ الْبِنْيَةِ الَّذِي
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
لَا يَسْتَطِيعُ مُتَابَعَةَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ بِسُرْعَةٍ لِأَنَّ هَذَا أَوْلَى مِنْ النَّاسِي بِالْبِنَاءِ مُطْلَقًا فَافْهَمْ، وَالطُّولُ مُقَدَّرٌ بِجَفَافِ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ مَعَ اعْتِدَالِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالشَّخْصِ، وَعَلَى السُّنِّيَّةِ إنْ فَرَّقَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا بَنَى وَلَوْ طَالَ بِالْأُولَى مَعَ الْوُجُوبِ وَإِنْ فَرَّقَ عَامِدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا حَصَلَ طُولٌ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا كَتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا عَمْدًا.
١ -
وَبَقِيَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ أَيْضًا وَهِيَ الْفَرِيضَةُ السَّابِعَةُ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الْوُضُوءِ احْتِسَابًا، لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا رُوحُ الْعَمَلِ وَحَقِيقَتُهَا قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْ الشُّرُوعِ فِيهِ لَمْ تَجُزْ مُطْلَقًا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ فَبَاطِلَةٌ اتِّفَاقًا فِي التَّقَدُّمِ بِكَثِيرٍ وَفِي التَّقَدُّمِ بِيَسِيرٍ خِلَافٌ وَلَهَا ثَلَاثُ كَيْفِيَّاتٍ: إحْدَاهَا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْأَعْضَاءِ عِنْدَ أَوَّلِ مَفْعُولٍ، ثَانِيَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ أَيْ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ، ثَالِثَتُهَا أَيْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ صَحَّ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِهَا بَلْ الْأَفْضَلُ تَرْكُ التَّلَفُّظِ إلَّا أَنْ يُرَاعَى الْخِلَافُ، وَشَرْطُهَا عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِمُنَافٍ لِلْمَنْوِيِّ وَكَوْنُ الْمَنْوِيِّ مُكْتَسَبًا لِلنَّاوِي، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ شَخْصٌ فِعْلَ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ مَعْلُومَ الْوُجُوبِ أَوْ مَظْنُونَهُ لَا إنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ لِتَرَدُّدِهَا، فَلِذَا لَا يَصِحُّ وُضُوءُ مَنْ قَالَ: إنْ كُنْت أَحْدَثْت فَلَهُ، فَشُرُوطُهَا ثَلَاثَةٌ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ فِي كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهَا وَالنَّدْبُ فِيمَا يَصِحُّ بِدُونِهَا وَحِكْمَتُهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ لِلنِّيَّةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَمَحَلًّا وَزَمَنًا وَكَيْفِيَّةً وَشَرْطًا وَمَقْصُودًا حَسَنًا.
قَالَ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ:
سَبْعُ سُؤَالَاتٍ أَتَتْ فِي نِيَّةٍ ... تُلْفَى لِمَنْ حَاوَلَهَا بِلَا وَسَنْ
حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌّ وَزَمَنْ ... كَيْفِيَّةٌ شَرْطٌ وَمَقْصُودٌ حَسَنْ
وَقَدْ وَضَّحْنَاهَا، وَالْوَسَنُ بِفَتْحَتَيْنِ النُّعَاسُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَمَقْصُودٌ حَسَنٌ إلَى أَنَّ الْمَنْوِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِلْفَاعِلِ وَزَمَنُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْفِعْلِ.
الثَّانِيَةُ: سَيَأْتِي فِي بَابِ جَامِعِ التَّعَرُّضِ لِبَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوُضُوءِ كَمَسْأَلَةِ مَنْ تَرَكَ امِنْ فَرَائِضِ وُضُوئِهِ أَوْ تَرَكَ لُمْعَةً حَتَّى صَلَّى وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ، وَسُنَّةُ فِعْلِهَا لِمَا يَسْتَقْبِلُ وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِالْفَرْضِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ النِّسْيَانِ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ مَعَ الْعَجْزِ أَوْ الْعَمْدِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ، وَيَفْعَلُ الْمَتْرُوكُ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً ثَلَاثًا وَلَوْ مَعَ الْبُعْدِ وَمَا بَعْدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ الْقُرْبِ حَيْثُ غَسَلَهُ أَوَّلًا ثَلَاثَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَالْأَكْمَلُ الثَّلَاثُ، وَمَعَ الْبُعْدِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَتْرُوكِ، وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِالسُّنَّةِ أَنَّهُ يَفْعَلُهَا إنْ لَمْ يُنِبْ عَنْهَا غَيْرَهَا حَيْثُ لَمْ تَقَعْ إعَادَتُهَا فِي مَكْرُوهٍ، كَرَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ أَخْذِ الْمَاءِ لِرِجْلَيْهِ وَلَا لِغَسْلِ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ لِمِرْفَقَيْهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ نَحْوَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى حَيْثُ كَانَ تَرَكَهَا سَهْوًا لَا فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَعَ الْعَمْدِ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ.
١ -
الثَّالِثَةُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّصْرِيحِ بِجَمِيعِ الْفَضَائِلِ وَأَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفَضَائِلُهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ وَقِلَّةُ مَاءٍ بِلَا حَدٍّ وَتَيَمُّنُ أَعْضَاءٍ وَإِنَاءٌ إنْ فَتَحَ، وَبَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَشَفْعُ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثُهُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْوُضُوءِ وَالْجُلُوسُ مَعَ التَّمَكُّنُ وَفِي مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ وَتَرْتِيبُ سُنَنِهِ أَوْ مَعَ فَرَائِضِهِ وَالتَّسْمِيَةُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِهَا.
[مَكْرُوهَات الْوُضُوء] ١
الرَّابِعَةُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَكْرُوهَاتِهِ وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ سِتَّةً: الْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ، وَالْوُضُوءُ فِي الْخَلَاءِ، وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ، وَالْكَلَامُ فِي أَثْنَائِهِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَغْسُولِ عَلَى ثَلَاثٍ وَعَلَى الْوَاحِدَةِ فِي الْمَمْسُوحِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِغَيْرِ الْعَالِمِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيَانِ صِفَةِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكُبْرَى فَقَالَ:
стр. 145
بَابٌ فِي الْغُسْلِ أَمَّا الطُّهْرُ فَهُوَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَمِنْ الْحَيْضَةِ وَالنِّفَاسِ سَوَاءٌ فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُتَطَهِّرُ عَلَى الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ
ــ
[الفواكه الدواني]
[بَاب فِي الْغُسْل]
بَابٌ فِي بَيَانِ صِفَةِ (الْغُسْلِ) بِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهُرِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ الْعَكْسَ، لِأَنَّ مَصْدَرَ الثُّلَاثِيِّ الْمُتَعَدِّي فَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَاسْمٌ لِمَا يُفْعَلُ بِهِ مِنْ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمْعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ، وَمِنْ الظَّاهِرِ التَّكَامِيشُ الَّتِي فِي الدُّبُرِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ، بِخِلَافِ دَاخِلِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالْفَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ الظَّاهِرِ فِي هَذَا الْبَابِ، بِخِلَافِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهَا مِنْهُ وَفَرَائِضُهُ خَمْسَةٌ: تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَالنِّيَّةُ وَالْمُوَالَاةُ كَالْوُضُوءِ وَالدَّلْكُ وَبِالِاسْتِنَابَةِ مَعَ الْعُذْرِ وَتَخْلِيلُ الشَّعْرِ وَلَوْ كَثِيفًا وَضَغْثُ الْمَضْفُورِ وَسُنَنُهُ خَمْسٌ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ أَوَّلًا وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَمَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا الثُّقْبَانِ فَيَمْسَحُ مِنْهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِمَّا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ وَذَلِكَ بِحَمْلِ الْمَاءِ فِي يَدَيْهِ وَإِمَالَةِ رَأْسِهِ حَتَّى يُصِيبَ الْمَاءُ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَبَاطِنَهُمَا. وَلَا يَصُبُّ الْمَاءَ فِي أُذُنَيْهِ صَبَّا لِأَنَّهُ يُورِثُ الضَّرَرَ، وَيَتَحَرَّى التَّجْعِيدَاتِ فِيهِمَا كَمَا يَتَحَرَّى ثُقْبَ الْحَلْقَةِ فِي أُذُنَيْهِ إنْ كَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ كَمَوْضِعِ الْجُرْحِ الَّذِي يَبْرَأُ غَائِرًا وَلَا يَلْزَمُهُ جَعْلُ نَحْوِ زَرْدَةٍ فِيهِ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَفَضَائِلُهُ سَبْعٌ التَّسْمِيَةُ وَالْبَدْءُ بِإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْ جَسَدِهِ وَغَسْلُ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ كُلِّهَا قَبْلَ الْغُسْلِ وَالْبَدْءُ بِغَسْلِ الْأَعَالِي قَبْلَ الْأَسَافِلِ وَالْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ وَتَثْلِيثُ الرَّأْسِ وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغُسْلِ، وَمَكْرُوهَاتُهُ سِتَّةٌ: تَنْكِيسُ الْفِعْلِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ بَعْدَ الْإِسْبَاغِ وَالْغُسْلُ فِي الْخَلَاءِ وَفِي مَوَاضِعِ الْأَقْذَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمُصَنِّفُ اعْتَنَى بِبَيَانِ الصِّفَةِ اتِّبَاعًا لِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ التَّعْلِيمِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ الْوَاجِبَاتِ فَقَالَ: وَ (أَمَّا الطُّهْرُ) الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْغُسْلِ (فَهُوَ مِنْ الْجَنَابَةِ) الشَّامِلَةِ لِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ (وَمِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ سَوَاءٌ) فِي الصِّفَةِ الْآتِي بَيَانُهَا مِنْ وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَدَلْكِهِ وَتَخْلِيلِ شَعْرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي الْحُكْمِ أَيْضًا: وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مُرِيدَ الْغُسْلِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَانْقَطَعَ عَنْهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ أَوْ هُمَا وَاغْتَسَلَ لِأَحَدِهِمَا نَاسِيًا لِلْآخَرِ أَوْ ذَاكِرًا لَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ لَأَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمْعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَوَتْ الْحَيْضَ وَالْجَنَابَةَ أَوْ أَحَدَهُمَا نَاسِيًا لِلْآخَرِ حَصَلَا فَقَدْ قَالَ شُرَّاحُهُ: لَا مَفْهُومَ لِنَاسِيَةٍ وَلَا مَفْهُومَ لِلْجَنَابَةِ وَمَا مَعَهَا بَلْ سَائِرُ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ فِي الصِّفَةِ عِنْدنَا سَوَاءٌ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَأَمَّا الطُّهْرُ فَهُوَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ لِيَشْمَلَ سَائِرَ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ لِوُجُوبِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَلِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُتَطَهِّرُ عَلَى الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالطُّهْرِ الْوَاجِبِ، وَلِذَا قُلْنَا: إنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ مِثْلُ الْوَاجِبِ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى الْحَالَتَيْنِ مَفْضُولَةٌ وَفَاضِلَةٌ، فَالْمَفْضُولَةُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ دُونَ تَقَدُّمِ وُضُوءٍ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُتَطَهِّرُ) مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ (عَلَى الْغُسْلِ) أَيْ تَعْمِيمِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ (دُونَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ) وَلَهُ الصَّلَاةُ بِهِ إذْ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ حَالَ دَلْكِهِ، وَصُورَةُ مَا يَفْعَلُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ بِنِيَّةِ سُنَّةِ الْغُسْلِ وَيَغْسِلَهُمَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ثُمَّ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ ثُمَّ يَحُكَّ يَدَهُ فِي الْحَائِطِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَسْتَنْثِرَ وَيَمْسَحَ قَعْرَ أُذُنَيْهِ وَيَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ أَوْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا اسْتِحْبَابًا وَيَعُمَّ سَائِرَ جَسَدِهِ وَيَخْتِمَ بِرِجْلَيْهِ وَقَدْ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَتَحِلَّ لَهُ الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى وُضُوءٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «مِنْ الْجَنَابَةِ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ أَيْضًا: وَأَيُّ وُضُوءٍ أَعَمُّ مِنْ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَمَسَّ فَرْجَهُ وَأَجْزَأَ الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ تَبَيَّنَ عَدَمَ جَنَابَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَيُجْزَى عَنْ الْوُضُوءِ
следующие страницы →