Полный текст (778 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أَبِيهَا وَكَذَلِكَ إنْ زَوَّجَهَا أَخُوهَا وَإِنْ زَوَّجَهَا وَلِيٌّ وَلَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَّا رُبُعُ دِينَارٍ.
ــ
[الفواكه الدواني]
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَالْكَشْحُ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إلَى الضِّلْعِ الْخَلْفِ.
(تَنْبِيهٌ) الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي صَاحِبِهِ بِوُجُودِ أَحَدِ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَلَوْ وُجِدَ بِمُرِيدِ الرَّدِّ مِنْهُمَا مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ يَتَزَايَدُ بِوَاسِطَةِ الِاجْتِمَاعِ عَادَةً لَا لِتَأْثِيرِهَا، فَالْأَجْذَمُ لَهُ رَدُّ الْجَذْمَى مَثَلًا لِمَا أَجْرَى اللَّهُ مِنْ الْعَادَةِ فِي خَلْقِهِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمَعِيبِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْعَيْبِ قَائِمًا بِهِ، وَالْمُقْتَضِي لِلْخِيَارِ كَرَاهَةُ النَّفْسِ لِذِي الْعَيْبِ، فَالْأَبْرَصُ لَا يُحِبُّ الْأَبْرَصَ وَهَكَذَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْعَيْبِ الْمُخْتَصِّ بِالْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) تُرَدُّ الْمَرْأَةُ أَيْضًا مِنْ دَاءِ (الْفَرْجِ) الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْجِمَاعُ عُرْفًا إمَّا لِتَعَذُّرِهِ أَوْ لِعَدَمِ طِيبِ النَّفْسِ مَعَهُ، وَذَلِكَ كَرَتْقِهَا وَعَفَلِهَا وَإِفْضَائِهَا وَقَرَنِهَا وَبَخَرِهَا، (فَالرَّتْقُ) هُوَ انْسِدَادُ الْمَحَلِّ إمَّا بِاللَّحْمِ أَوْ الْعَظْمِ، وَالْعَفَلُ لَحْمٌ يَبْرُزُ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ يُشْبِهُ أُدْرَةَ الرَّجُلِ وَقِيلَ رَغْوَةٌ تَحْدُثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، وَالْإِفْضَاءُ اخْتِلَاطُ مَسْلَكِ الذَّكَرِ بِمَسْلَكِ الْبَوْلِ، وَأَحْرَى اخْتِلَاطُ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْقَرَنُ شَيْءٌ يَبْرُزُ فِي الْفَرْجِ كَقَرْنِ الشَّاةِ، وَالْبَخَرُ هُوَ نَتْنُ الْفَرْجِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ كَالِاسْتِحَاضَةِ وَحَرْقِ الْفَرْجِ وَنَتْنِ الْفَمِ وَالسَّوَادُ وَالْكِبَرُ وَالصِّغَرُ الْفَادِحُ وَالْعَمَى وَالثُّيُوبَةُ فَلَا رَدَّ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ يَظُنُّهَا بِصِفَةِ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا يَخْلُفُ الظَّنُّ كَالْقَرَعِ وَالسَّوَادِ مِنْ بَيْضٍ وَنَتْنِ الْفَمِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْعَوَرِ وَالْمَرَضِ وَكَوْنِهَا رَشْحَاءَ أَوْ زَلَّاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ شَرَطَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِغَيْرِهَا إنْ شَرَطَ السَّلَامَةَ وَلَوْ بِوَصْفِ الْوَلِيِّ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَأَمَّا الْعُيُوبُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَيَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ كَرِهَ صَاحِبُهُ مِنْ أَجْلِهَا السَّلَامَةَ مِنْهَا، وَقَدَّمْنَا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ شِدَّةِ النَّفْسِ لِلْمُتَّصِفِ بِهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَى عُيُوبِ الزَّوْجِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً إلَخْ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَبِخِصَائِهِ وَجَبِّهِ وَعُنَّتِهِ وَاعْتِرَاضِهِ، فَالْخِصَاءُ قَطْعُ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ فَقَطْ حَيْثُ لَمْ يُنْزِلْ، وَالْجَبُّ قَطْعُ الذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَأَحْرَى لَوْ خُلِقَ بِغَيْرِهِمَا، وَالْعُنَّةُ صِغَرُ الذَّكَرِ جِدًّا، وَلَا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ كِبَرِ سِنٍّ أَوْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَاهَاتِ الَّتِي تَكْرَهُهَا النَّفْسُ كَالْجَرَبِ وَالصُّنَانِ إلَّا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِنْهَا، لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اشْتَرَطَتْ سَلَامَةَ الزَّوْجِ مِنْ الْكِبَرِ أَوْ الْعَمَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ غَيْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى لَهَا بِشَرْطِهَا، بَلْ هِيَ أَحْرَى مِنْ وُجُوبِ الْوَفَاءِ لِلزَّوْجِ بِشَرْطِهِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ لِلرَّجُلِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ، وَيَدُلُّك عَلَى هَذَا أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ الدُّخُولِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ وَحَرَّرَهُ.
الثَّانِي: عُلِمَ قَرَّرَنَا أَنَّ مَحَلَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِالشَّرْطِ، أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ مِمَّنْ يُرِيدُ الرَّدَّ عِلْمٌ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَا فِعْلٌ بَعْدَ الْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ كَتَلَذُّذٍ أَوْ طُولِ إقَامَةٍ هِيَ مَظِنَّةٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِلَّا سَقَطَ الْخِيَارُ، إلَّا الْمَرْأَةَ تَجِدُ الرَّجُلَ مُعْتَرِضًا وَتُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا رَاجِيَةً زَوَالَ عُذْرِهِ فَلَمْ يَزُلْ عُذْرُهُ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَتُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهَا أَنَّهَا إنَّمَا مَكَّنَتْهُ رَاجِيَةً زَوَالَ عُذْرِهِ، بِخِلَافِ زَوْجَةِ نَحْوِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعَيْبِهِ فَلَا يُقْبَلُ لَهَا كَلَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ إمْكَانُ زَوَالِ الِاعْتِرَاضِ مَعَ وُجُودِ آلَةِ الْوَطْءِ، بِخِلَافِ زَوْجَةِ الْخَصِيِّ أَوْ الْمَجْبُوبِ تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعَيْبِهِ فَلَا يُقْبَلُ اعْتِذَارُهَا لِاسْتِحَالَةِ زَوَالِ نَحْوِ الْخِصَاءِ بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ.
الثَّالِثُ: إذَا تَنَازَعَا فِي الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَسَقَطَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ.
الرَّابِعُ: بَقِيَ قِسْمٌ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ فِي الزَّوْجَةِ وَهُوَ الْجُذَامُ أَوْ الْبَرَصُ أَوْ الْجُنُونُ الْحَاصِلُ بِالرَّجُلِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ فِي الزَّوْجِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبَيِّنِ وَالْبَرَصِ الْمُضِرِّ الْحَادِثَيْنِ بَعْدَهُ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ قُدْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى الْفِرَاقِ دُونَ الْمَرْأَةِ
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اخْتِيَارِهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ الْبَالِغُ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُطِيقَةِ ذَاتِ الْعَيْبِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَعْلَمْ) بِعَيْبِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بَلْ كَفَّ عَنْهَا وَطَلَّقَهَا.
(أَدَّى صَدَاقَهَا) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهَا جَمِيعَ مَا سَمَّاهُ لَهَا لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَطْءِ، وَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ بِالدُّخُولِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَوْ مَجْنُونًا وَهُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَائِلًا: لِأَنَّ الَّذِي عَقَدَ لِأَجْلِهِ قَدْ حَصَلَ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ قَصَرَ الْكَلَامَ عَلَى مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوَطْءُ الْكَامِلُ كَالْأَجْذَمِ لَا مَنْ ذَكَرُهُ صَغِيرٌ جِدًّا أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ كَالْمَجْبُوبِ.
(وَ) إذَا أَدَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ لَهَا (رَجَعَ بِهِ) كُلِّهِ (عَلَى أَبِيهَا وَكَذَلِكَ إنْ زَوَّجَهَا أَخُوهَا) يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ الَّذِي أَدَّاهُ لَهَا، وَكُلُّ مَنْ غَرِمَ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأَخِ الصَّدَاقَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَتَفُوزُ بِمَا قَبَضَهُ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَقْدَ، وَالْغَارِمُ هُوَ الْوَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَمْرُهَا، وَمَفْهُومُ دَخَلَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ
стр. 457
وَيُؤَخَّرُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً فَإِنْ وَطِئَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَتْ.
وَالْمَفْقُودُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ ذَلِكَ
ــ
[الفواكه الدواني]
السَّالِمُ بِعَيْبِ الْآخَرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَارَقَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ الْعَيْبَ إنْ كَانَ بِالزَّوْجَةِ فَهِيَ غَارَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِالزَّوْجِ فَالْفِرَاقُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ يُوجِبُ الرَّدَّ مُطْلَقًا أَوْ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا صَدَاقَ وَبَعْدَهُ فَمَعَ عَيْبِهِ الْمُسَمَّى، وَمَعَهَا رَجَعَ بِجَمِيعِهِ عَلَى وَلِيٍّ لَمْ يَغِبْ كَابْنٍ وَأَخٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَمَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ ظَاهِرُهُ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا أَوْ بِهِ كَانَ الرَّدُّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ أَمْ بِغَيْرِهِ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ مَا مُحَصَّلُهُ: هَذَا إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهَا الَّتِي اخْتَارَتْ مُفَارَقَتَهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ بِالزَّوْجَةِ وَرَدَّهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا لَوْ رَدَّهَا بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لَلَزِمَهُ النِّصْفُ لَهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الرَّدَّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ يَقْتَضِي الرِّضَا بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ لَنَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّدَّ هُنَا إنَّمَا يَكُونُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الرَّدُّ إلَّا بِالطَّلَاقِ فَرَاجِعْ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا إذَا غَرِمَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا لَوْ حَضَرَتْ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ وَعَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورِهَا كَاتِمَيْنِ، ثُمَّ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهَا إنْ أَخَذَهُ مِنْهُ لَا الْعَكْسُ، وَلَمَّا مَرَّ حُكْمُ مَا إذَا زَوَّجَهَا قَرِيبُهَا الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا إذَا زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا الْبَعِيدُ الَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ زَوَّجَهَا) أَيْ ذَاتَ الْعَيْبِ (وَلِيٌّ لَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ) كَابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَخَذَتْهُ الزَّوْجَةُ مِنْ الصَّدَاقِ (وَ) إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ بِحَيْثُ (لَا يَكُونُ لَهَا) مِنْهُ (إلَّا رُبُعُ دِينَارٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ عَلَيْهَا فِي كَابْنِ الْعَمِّ إلَى رُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنْ عَلِمَ بِأَمْرِهَا فَكَقَرِيبِ الْقَرَابَةِ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ إذَا رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ رُبُعِ دِينَارٍ، وَإِذَا رَجَعَ عَلَيْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ لَزِمَ عُرُوُّ الْبُضْعِ عَنْ الصَّدَاقِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ رُبُعَ الدِّينَارِ حَقُّ اللَّهِ.
وَثَانِيهِمَا إذَا رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ تَفُوزُ هِيَ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ فَلَمْ يَعْرُ بُضْعُهَا عَنْ صَدَاقٍ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، مَنْ أَكْرَى مَطْمُورَةً يُخَزِّنُ فِيهَا الْحَبَّ مَثَلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُوضَعُ فِيهَا يُسَوَّسُ فَسَاسَ جَمِيعُ مَا وَضَعَهُ الْمُكْتَرِي يَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَمَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَلِيِّ الْعَالِمِ بِعَيْبِ الْمَنْكُوحَةِ، وَبِذَلِكَ حَكَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَ الْمَطْمُورَةَ لَمَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَمِثْلُ مَا حَكَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ فِيمَا إذَا بَاعَ أَوْ أَكْرَى خَابِيَةً دَلَّسَ فِيهَا بِالْكَسْرِ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَجْعَلُ فِيهَا زَيْتًا جَعَلَهُ فِيهَا فَانْهَرَقَ مِنْ كَسْرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْكِرَاءِ لَا فِي الْبَيْعِ، مِنْ التَّتَّائِيِّ بِتَصَرُّفٍ لِلْإِيضَاحِ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الْفَحْصِ عَنْ حَالِهَا بِخِلَافِ الْكِرَاءِ لَا تَقْصِيرَ عِنْدَ الْمُكْتَرِي، لِأَنَّ الْمُكْرِيَ أَكْرَاهَا لِمَنْ لَهُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَالْمُكْرِي غَارٌّ، وَلَا يُقَالُ: كَذَلِكَ الْبَائِعُ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهَا لَا لِيَضَعَ فِيهَا شَيْئًا بَلْ لِيَتَمَلَّكَ مَحَلَّهَا، وَحَرِّرْهُ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوَلِيَّ الْبَعِيدَ إذَا عَلِمَ بِعَيْبِهَا يَكُونُ كَالْقَرِيبِ جِدًّا، فَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجُ مَعَ الْبَعِيدِ فِي الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ الْبَعِيدِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَيْبَهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ لِلزَّوْجِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ وَبَعْدَ حَلِفِهِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ، وَإِذَا بَرِئَ الْوَلِيُّ مِنْ الصَّدَاقِ إمَّا بِحَلِفِهِ أَوْ بِنُكُولِ الزَّوْجِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ يُضَيِّعُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ إذْ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إذَا لَا يَبْرَأُ الْوَلِيُّ وَلَكِنْ أَعَسَرَ.
الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرَّدَّ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ الْخِيَارَ مُطْلَقًا أَوْ بِالشَّرْطِ وَاضِحٌ، وَعَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَأَمَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَيَجِبُ قَصْرُ الْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الرَّدِّ بِمَا يُوجِبُ الْخِيَارَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُهُ إلَّا بِشَرْطٍ كَعَدَمِ الْبَيَاضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا خِيَارَ فِيهِ إلَّا بِالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَجِدْ مَا شَرَطَهُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا زَادَهُ لِأَجْلِ مَا اشْتَرَطَهُ، أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، فَيَدْفَعُ لَهَا الْمُسَمَّى وَلَا يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ، فَلَيْسَ كَالْعَيْبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً) بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَإِنْ مَرِضَ وَالْعَبْدُ نِصْفَهَا.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَجَدَتْهُ الْمَرْأَةُ مُعْتَرِضًا وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ مَرْبُوطًا أَيْ لَهُ آلَةٌ لَكِنْ لَا تَنْتَشِرُ عِنْدَ الْوَطْءِ إمَّا بِسِحْرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ يَتَحَيَّلُ فِيهِ عَلَى إزَالَةِ اعْتِرَاضِهِ وَقَدْرُهُ سَنَةً إنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، وَنِصْفُهَا إنْ كَانَ عَبْدًا، وَابْتِدَاءُ تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنْ يَوْمِ قِيَامِ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
صَحِيحًا، فَإِنْ قَامَتْ وَهُوَ مَرِيضٌ فَابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ الصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى طَرَيَانِ الْمَرَضِ بَعْدَ ذَلِكَ.
(فَإِنْ وَطِئَ) الزَّوْجُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ تُصَدِّقْهُ وَلَكِنْ حَلَفَ عَلَى الْوَطْءِ فِي السَّنَةِ سَقَطَ خِيَارُهَا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا حَصَلَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَ وَطْئِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ انْقَضَتْ السَّنَةُ لِلْحُرِّ وَالنِّصْفُ لِلْعَبْدِ وَلَمْ يَطَأْ مَعَ تَصْدِيقِهَا لَهُ، أَوْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ مَعَ إنْكَارِهَا.
(فُرِّقَ بَيْنَهَا) بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ.
(إنْ شَاءَتْ) الزَّوْجَةُ الْفِرَاقَ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِالطَّلَاقِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ؟ قَوْلَانِ: فَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَ الْأَجَلِ بِالْإِقَامَةِ مُدَّةً مَعَ بَقَاءِ الِاعْتِرَاضِ ثُمَّ أَرَادَتْ الْقِيَامَ فَلَهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ الرِّضَا بِلَا أَجَلٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ: رَضِيت بِالْبَقَاءِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ، أَوْ قَالَتْ: أَقْعُدُ مَعَهُ الْأَبَدَ، فَلَيْسَ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ زَوْجَةَ الْمَجْذُومِ لَهَا الْفِرَاقُ وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْإِقَامَةِ مَعَهُ طُولَ عُمْرِهَا أَوْ أَطْلَقَتْ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شِدَّةُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا دُونَ زَوْجَةِ الْمُعْتَرِضِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُعْتَرِضِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ وَطْءٌ قَبْلَ اعْتِرَاضِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ كَوْنِ اعْتِرَاضِهِ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَهَا سَلِيمًا ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَ وَطْئِهِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهَا، كَحُصُولِ أُدْرَةٍ لَهُ مَانِعَةٍ لَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْقَيْلِيطِ، أَوْ حَصَلَ لَهُ هَرَمٌ بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا الزِّنَا فَلَهَا التَّطْلِيقُ، لِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ التَّطْلِيقَ بِالضَّرَرِ الثَّابِتِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
الثَّانِي: إذَا تَنَازَعَ الْمُعْتَرِضُ مَعَ الزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُصَدَّقُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى فِيهَا الْوَطْءَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَلَهَا التَّطْلِيقُ، وَإِنْ نَكَلَتْ لَزِمَهَا الْبَقَاءُ، بِخِلَافِ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْوَطْءَ بَعْدَهُ فَلَا يُصَدَّقُ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ التَّنَازُعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَبْطُلُ اخْتِيَارُهَا، فَإِنْ نَكَلَ بَقِيَتْ زَوْجَةً إلَى الْأَجَلِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْلِفَ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ مِنْ حَقِّهِ، فَإِنْ حَلَفَ أَوْ وَطِئَ عِنْدَهُ بَطَلَ خِيَارُهَا، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى إنْكَارِهِ حَلَفَتْ وَإِلَّا بَقِيَتْ زَوْجَةً فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ.
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى صَدَاقِهَا، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّهُ بِالْوَطْءِ أَوْ بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ لِأَنَّ إقَامَةَ السَّنَةِ عِنْدَنَا كَالْوَطْءِ.
الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى النَّفَقَةِ لَزَوْجَةِ الْمُعْتَرِضِ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا كَلَامُ الشُّيُوخِ، فَاسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ عَدَمَ النَّفَقَةِ لَهَا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: أَنَّ كُلًّا مِنْ امْرَأَةِ الْمَجْنُونِ وَالْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمُعْتَرِضِ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالتَّمْكِينِ مِنْهُ، وَإِذَا مَنَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ بَعْدَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا امْرَأَةَ الْمَجْنُونِ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الضَّرَرِ، وَمِثْلُهَا زَوْجَةُ الْمُعْسِرِ بِالصَّدَاقِ إذَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ صَدَاقَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَكَتَمَهُ.
الْخَامِسُ: مَفْهُومُ الْمُعْتَرِضِ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ ذَوِي الْعُيُوبِ لَا يُؤَجَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَنْ يُمْكِنُ زَوَالُ عَيْبِهِ كَالْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ يُؤَجَّلُ سَنَةً عِنْدَ رَجَاءِ بُرْئِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجِّلَا فِيهِ وَفِي بَرَصٍ وَجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا سَنَةً، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا بَيْنَ الْعَيْبِ السَّابِقِ عَلَى الْعَقْدِ وَالْحَادِثِ بَعْدَهُ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّابِقَ عَلَى الْعَقْدِ فِيهِ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُتَأَخِّرَ عَلَى الْعَقْدِ إنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ فَقَطْ، وَقَيَّدْنَا بِمَنْ يُمْكِنُ زَوَالُ عُذْرِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ فَلَا فَائِدَةَ مِنْ تَأْجِيلِهِمَا.
السَّادِسُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا طَلَبَتْ التَّأْخِيرَ لِمُدَاوَاةِ عَيْبِهَا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ زَوَالُ عَيْبِهَا بِمُعَالَجَةٍ فَإِنَّهَا تُؤَجَّلُ لَهُ مُدَّةً بِاجْتِهَادِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجِّلَتْ الرَّتْقَاءُ لِلدَّوَاءِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خِلْقَةً.
قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّتْقَاءِ بَلْ ذَاتُ الْقَرَنِ وَالْعَفَلِ مِمَّا يُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ، كَذَلِكَ وَيَلْزَمُ الرَّجُلَ الصَّبْرُ حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى مُدَاوَاتِهَا حُصُولُ عَيْبٍ فِي فَرْجِهَا، كَمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ إذَا كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَاوَاةِ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ لِلْمُتَأَمِّلِ.
السَّابِعُ: لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَيْبًا بِصَاحِبِهِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الرِّجَالِ كَانَ بِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ حَيْثُ كَانَ فِي ظَهْرِ أَوْ بَطْنِ الرَّجُلِ أَوْ فِي كَفِّ أَوْ وَجْهِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ فَإِنْ كَانَ فِي دُبُرٍ أَوْ فَرْجٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ بِيَمِينِهِ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، إلَّا إنْ كَانَ يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِغَيْرِ نَظَرٍ كَالْخِصَاءِ وَالْجَبِّ فَإِنَّهُ يُجَسُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجُسَّ عَلَى ثَوْبِ مُنْكِرِ الْجَبِّ وَنَحْوِهِ، وَصُدِّقَ فِي الِاعْتِرَاضِ كَالْمَرْأَةِ فِي دَائِهَا أَيْ فِي نَفْيِ دَائِهَا، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ إلَّا بِرِضَاهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَيْبُهَا دَاخِلَ الثِّيَابِ وَفِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَالدُّبُرِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ مِنْ النِّسَاءِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ عُيُوبَ النِّسَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالرِّجَالِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مَا كَانَ بِنَحْوِ بَطْنِهَا أَوْ ظَهْرِهَا، وَمَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِهِنَّ بَعْدَ حَلِفِهِنَّ وَهُوَ دَاءُ الْفَرْجِ، وَقَوْلُنَا: إلَّا بِرِضَاهَا نَصَّ عَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا، وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ مُحَصَّلُهُ: كَيْفَ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ بِرِضَا صَاحِبِهَا مَعَ تَصْدِيقِهِ
стр. 459
وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ ثُمَّ تَعْتَدُّ كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ.
وَلَا يُورَثُ مَالُهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ
ــ
[الفواكه الدواني]
فِي نَفْيِ الْعَيْبِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ جَوَازُ نَظَرِنَا إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ إذَا رَضِيَ عِنْدَ دَعْوَاهَا أَوْ بِدُبُرِهِ بَرَصًا أَوْ جُذَامًا، بَلْ كَانَ الرَّجُلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَحَرِّرْهُ
[أَحْكَامِ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ فَقَالَ: (وَالْمَفْقُودُ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ مُمْكِنُ الْكَشْفِ عَنْهُ، فَالْأَسِيرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ لَا يُسَمَّى مَفْقُودًا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَفْقُودُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ إمْكَانِ الْكَشْفِ عَنْهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَوْضِعٌ وَكَانَ فَقْدُهُ فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ وَلَا وَبَاءٍ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِالصَّبْرِ إلَى قُدُومِهِ فَلَهَا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ الْقَاضِي أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي عَدَمِهِ، أَوْ وَالِي الْمَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُجْبِي الزَّكَاةَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ رَفَعَتْ لِصَالِحِي جِيرَانِهَا لِيَفْحَصُوا عَنْ حَالِ زَوْجِهَا، لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تُثْبِتَ الزَّوْجِيَّةَ وَغَيْبَةَ الزَّوْجِ وَالْبَقَاءَ فِي الْعِصْمَةِ إلَى الْآنَ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَتَبَ كِتَابًا مُشْتَمِلًا عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي يَظُنُّ وُجُودَهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ وُجُودَهُ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ كَتَبَ إلَى الْبَلَدِ الْجَامِعِ، وَاسْتَصْوَبَ ابْنُ نَاجِي أَنَّ أُجْرَةَ الرَّسُولِ الَّذِي يَفْحَصُ عَنْ الْمَفْقُودِ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِذَا انْتَهَى الْكَشْفُ وَرَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وَأَخْبَرَهُ بِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى خَبَرِهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ (يُضْرَبَ لَهُ أَجَلٌ) قَدْرُهُ (أَرْبَعُ سِنِينَ) لِلْحُرِّ وَسَنَتَانِ لِلْعَبْدِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ مَحْضُ تَعَبُّدٍ لَفِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَمَحَلُّ التَّأْجِيلِ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا فِي الْأَجَلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ لَكِنْ بَعْدَ إثْبَاتِ مَا تَقَدَّمَ، وَتُزِيدُ إثْبَاتَ الْعَدَمِ وَاسْتِحْقَاقَهَا لِلنَّفَقَةِ وَتَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ لَهَا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ مِنْهُ نَفَقَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُمَكِّنُهَا الْحَاكِمُ مِنْ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا بِأَنْ تُوقِعَهُ وَيَحْكُمَ بِهِ أَوْ يُوقِعَهُ الْحَاكِمُ، وَمِثْلُ الْمَفْقُودِ مَنْ عُلِمَ مَوْضِعُهُ وَشَكَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ يُرْسِلُ إلَيْهِ الْقَاضِي: وَإِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُرْسِلَ النَّفَقَةَ أَوْ تُطَلِّقَهَا، وَإِلَّا طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ، بَلْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَعَدِمَتْ النَّفَقَةُ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا الْفَسْخُ إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ لَا مَاضِيَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ تَعْتَدُّ عِدَّةَ طَلَاقٍ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ لِلْحُرَّةِ وَقُرْأَيْنِ لِلْأَمَةِ فِيمَنْ تَحِيضُ، وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرَّةِ وَالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَشْهُرِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ابْتِدَاءَ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ) زَوْجَتُهُ (ذَلِكَ) أَيْ أَمْرَ زَوْجِهَا وَيُرْسِلُ الْحَاكِمُ فِي النَّوَاحِي لِلْكَشْفِ عَنْهُ.
(وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ) فَحِينَئِذٍ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ بِمُجَرَّدِ الرَّفْعِ بَلْ بَعْدَ تَمَامِ الْكَشْفِ، وَإِلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ الرَّفْعُ لِلْقَاضِي وَالْوَلِيِّ وَوَالِي الْمَاءِ وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُؤَجَّلُ أَرْبَعَ سِنِينَ إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا، وَالْعَبْدُ نِصْفُهَا مِنْ الْعَجْزِ عَنْ خَبَرِهِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ كَمَا يَأْتِي.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَنُصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ تَرْفَعُ لَهُ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ الثَّلَاثَةِ لَا تَرْفَعُ إلَّا لِلْقَاضِي لَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ رَفَعَتْ لِغَيْرِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّفْعِ لَهُ حَرُمَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَإِنْ مَضَى مَا فَعَلَهُ إنْ كَانَ هُوَ الْوَالِي أَوْ وَالِي الْمَاءِ لَا جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَأَمَّا لَوْ رَفَعَتْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ وُجُودِ الْوَالِي أَوْ وَالِي الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ مُضِيُّ فِعْلِهِمْ.
وَفِي السَّنْهُورِيِّ وَتَبِعَهُ اللَّقَانِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ الثَّلَاثَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ أَضْبَطُ، وَوُجُودُ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ يَجُوزُ أَوْ يَأْخُذُ الْمَالَ الْكَثِيرَ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ فَتَرْفَعُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا، لِوُجُوبِ لَوَازِمِ الزَّوْجِيَّةِ بِإِطَاقَتِهَا وَبُلُوغِ زَوْجِهَا وَتَمْكِينِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَمَا مَرَّ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ زَوْجَاتٌ وَرَفَعَتْ وَاحِدَةٌ لِنَحْوِ الْقَاضِي، ثُمَّ رَفَعَتْ وَاحِدَةٌ أُخْرَى، فَإِنَّ الْأَجَلَ الْمَضْرُوبَ لِلْأُولَى يَكُونُ أَجَلًا لِلْبَاقِيَاتِ إنْ طَلَبْنَ الْفِرَاقَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالضَّرْبُ لِوَاحِدَةٍ ضَرْبٌ لِبَقِيَّتِهِنَّ.
(ثُمَّ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ بَعْدَ تَمَامِ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ (تَعْتَدُّ) زَوْجَتُهُ (كَعِدَّةِ) زَوْجَةِ (الْمَيِّتِ) وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لِلْحُرَّةِ، وَشَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ مَعَ أَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَيَلْزَمُهَا مَا يَلْزَمُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مِنْ الْإِحْدَادِ.
زَمَنَ عِدَّتِهَا، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ عِنْدَ شُرُوعِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ فَتُنْفِقُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ مَوْتَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ وَسَقَطَتْ بِهَا النَّفَقَةُ وَلَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَى إذْنٍ وَلَيْسَ لَهَا الْبَقَاءُ بَعْدَهَا.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْعِدَّةِ (تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ) وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الْبَقَاءُ فِي عِصْمَةِ الْمَفْقُودِ لِأَنَّهَا أُبِيحَتْ لِغَيْرِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهَا فِي أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا إنْ قَدِمَ لِأَنَّهَا عَلَى حُكْمِ الْفِرَاقِ حَتَّى تَظْهَرَ حَيَاتُهُ، إذْ لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ لَمْ يُوقَفْ لَهُ إرْثٌ مِنْهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَا لَوْ جَاءَ الْمَفْقُودُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ وَحُكْمُهَا حِينَئِذٍ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، فَإِنْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَكِنْ عَلِمَ الْمُتَزَوِّجُ بِهَا بِأَنَّ زَوْجَهَا الْمَفْقُودَ جَاءَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَكِنْ
стр. 460
إلَى مِثْلِهِ.
وَلَا تُخْطَبُ الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ.
وَمَنْ نَكَحَ بِكْرًا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا
ــ
[الفواكه الدواني]
كَانَ عَقْدُهُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ، فَلَا تَفُوتُ عَلَى الْمَفْقُودِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ لَوْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ تَلَذُّذِ الثَّانِي بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ يَفُوتُ بِالدُّخُولِ فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَى الْمَفْقُودِ.
قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ فَكَالْوَلِيَّيْنِ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ وَلَمْ يَتَكَلَّمَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ، وَحُكْمُهَا كَمَا لَهُ فِي الْوَقْفِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ حَيْثُ كَانَ لِسَيِّدِهَا مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ، وَإِلَّا تُجِزْ عِتْقَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَتَتَزَوَّجُ بَعْدَ حَيْضَةٍ لِأَنَّهَا عِدَّتُهَا مِنْ سَيِّدِهَا، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ
وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ مَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ) أَيْ الْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ (حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ) وَهِيَ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ سَبْعُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَحَكَمَ بِخَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي سَنَةٍ فَالْأَقَلُّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَتِهِمْ تَحْقِيقٌ بَلْ تَجُوزُ عَلَى التَّقْدِيرِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا مَرَّ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ إنَّمَا هُوَ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا زَوْجَةُ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ وَمِثْلُهَا زَوْجَةُ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُمَا يَبْقَيَانِ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ وَأَوْلَى مَالُهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُضْرَبْ لَهُمَا أَجَلٌ كَزَوْجَةِ مَفْقُودِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْ زَوْجِهِمَا وَمَحَلُّ بَقَائِهِمَا إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهُمَا كَغَيْرِهِمَا وَإِلَّا فَلَهُمَا التَّطْلِيقُ: قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا جَازَ لَهَا التَّطْلِيقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا إذَا خَشِيَتْ عَلَى نَفْسِهَا الزِّنَا بِالْأَوْلَى لِشِدَّةِ ضَرَرِ تَرْكِ الْوَطْءِ النَّاشِئِ عَنْهُ الزِّنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ عَنْ زَوْجِهَا يَلْزَمُهَا الْإِسْقَاطُ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ عَنْهُ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ لَا يَلْزَمُهَا وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ، وَأَيْضًا النَّفَقَةُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ بِتَسَلُّفٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ يُحْكَمُ بِمَوْتِ مَنْ ذُكِرَ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَيُقْسَمُ مَالُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَئِذٍ لَا عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَ فَقْدِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ يَوْمَ الْفَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْمُعْتَبَرُ وَرَثَتُهُ يَوْمَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ فَإِنَّ الْقَسْمَ لَا يَمْضِي وَيَرْجِعُ لَهُ مَتَاعُهُ، وَلَا يُقَاسُ هَا هُنَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ اشْتَهَرَ بِجِزْيَةٍ وَأَوْصَى وَمَاتَ فَإِنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ، وَيَمْضِي بَيْعُ الْوَصِيِّ إنْ عُذِّرَتْ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ.
قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ خَطِّ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي مُعْتَرَكِ الْمُسْلِمِينَ فَتَعْتَدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي التَّكَشُّفِ عَنْهُ، وَلَا يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ يُقْسَمُ مَالُهُ حِينَ شُرُوعِهَا فِي الْعِدَّةِ، أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْجَيْشِ وَلَمْ تُشَاهِدْهُ فِي الْمُعْتَرَكِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجْرِي فِي زَوْجَتِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي زَمَنِ الْمَجَاعَةِ أَوْ الْوَبَاءِ أَوْ الْكُبَّةِ أَوْ السُّعَالِ فَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْقِتَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ كَائِنَةً بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ وَبَقِيَ مَنْ شَكَّ فِي حَالِهِ هَلْ فُقِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْكُفَّارِ؟ لَا نَصَّ فِي حَالِهِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِالْأَحْوَطِ، فَتُعَامَلُ زَوْجَتُهُ مُعَامَلَةَ زَوْجَةِ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ، بِخِلَافِ مَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ فَانْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْمَفْقُودِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فُقِدَ فِي شِدَّةِ رِيحٍ وَالْمَرَاكِبُ فِي الْمَرْسَى وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ خَبَرٌ، فَيُحْكَمُ بِمَوْتِهِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَرَقِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَفْقُودَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ وَقَدْ مَرَّتْ مُفَصَّلَةَ الْأَحْكَامِ.
الثَّانِي: لَوْ مَاتَ مُورِثُ الْغَائِبِ وُقِفَ نَصِيبُ ذَلِكَ الْغَائِبِ مِنْهُ، فَإِنْ قَدِمَ أَخَذَهُ وَإِنْ مَاتَ بِالتَّعْمِيرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْمَوْقُوفُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ حِينَ مَاتَ الْمُعَمِّرُ، وَيَرِثُ الْمُعَمِّرَ وَرَثَتُهُ حِينَ مَاتَ بِالتَّعْمِيرِ،
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَسْبَابِهِ فِي زَمَنِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ (أَنْ تُخْطَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ التَّصْرِيحُ بِالْخِطْبَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ وَمُوَاعَدَتِهَا كَوَلِيِّهَا وَلَوْ عِدَّةَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ بِهَا فِي عِدَّتِهَا لَا يُؤَبِّدُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْمُوَاعَدَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ الْوَعْدُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَكُرِهَ فَقَطْ وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِدَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِدُونِ الثَّلَاثِ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِنْ عِدَّتِهَا فَضْلًا عَنْ الْخِطْبَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ الْمُعْتَدَّةِ الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ الزِّنَا تُحْرَمُ خِطْبَتُهَا فِي زَمَنِ اسْتِبْرَائِهَا وَلَوْ مِنْهُ وَكَذَا مُوَاعَدَتُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةُ وَاضِحٌ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وَخَطَبَهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ اسْتِبْرَائِهَا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ فِرَاقُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا وَتَزْوِيجُ زَانِيَةٍ أَوْ مُصَرَّحٍ بِهَا بَعْدَهَا وَنُدِبَ فِرَاقُهَا وَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا زَمَنَ عِدَّتِهَا وَدَخَلَ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا إنْ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ) مِنْ مُرِيدِ النِّكَاحِ أَوْ وَلِيِّهِ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا (بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ) أَيْ الْحَسَنِ الْمُقْتَضِي لِتَرْغِيبِهَا فِي
стр. 461
دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ وَفِي الثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ فَإِنْ شَاءَ وَطْءَ الْأُخْرَى فَلْيُحَرِّمْ عَلَيْهِ فَرْجَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا تَحْرُمُ بِهِ وَمَنْ وَطِئَ أَمَةً بِمِلْكٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا
ــ
[الفواكه الدواني]
نِكَاحِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ تَعْرِيضٌ: كَفِيك رَاغِبٌ، وَأَنَا لَك مُحِبٌّ، وَأَبْشِرِي بِالْخَيْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُرَغِّبُهَا فِي نِكَاحِهِ مِنْهُ، وَمَحَلُّ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ فِيمَنْ يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ الْفَرْقَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقِ غَيْرِهِ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ، فَيَحْرُمُ التَّعْرِيضُ لَهَا إجْمَاعًا كَمَا نَقَلَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَعَزَاهُ الْقُرْطُبِيُّ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ إرْسَالِ الْهَدِيَّةِ لِلْمُعْتَدَّةِ، وَنَصَّ خَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا بَيْنَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي: الْهَدِيَّةُ فِي زَمَانِنَا أَقْوَى مِنْ الْمُوَاعَدَةِ، فَالصَّوَابُ حُرْمَتُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ فَعَلَهَا لَا لِإِرَادَةِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهِ لِأَنَّهُ كَالتَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ بَلْ أَقْوَى.
الثَّانِي: لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَهْدَاهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ: أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ لَا رُجُوعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ، وَذَكَرَ الشَّمْسُ اللَّقَانِيُّ تَفْصِيلًا مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ عَدَمُ النِّكَاحِ مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ رَجَعَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا حَيْثُ لَا عُرْفَ وَلَا شَرْطَ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ، وَأَقُولُ: الْعُرْفُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرُهَا فِي بَابِ الْقَسْمِ فَقَالَ: (وَمَنْ نَكَحَ) عَلَى زَوْجَتِهِ (بِكْرًا) وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً (فَلَهَا) عَلَيْهِ (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا) أَيْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا (دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ فِي خِلَالِ السَّبْعَةِ.
(وَ) أَمَّا لَوْ تَزَوَّجَ (الثَّيِّبَ) عَلَى غَيْرِهَا لَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ عِنْدَهَا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ وَلِلثَّيِّبِ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَتْ الْبِكْرُ مِنْ الثَّيِّبِ بِطُولِ الْإِقَامَةِ عِنْدَهَا لِمَا عِنْدَهَا مِنْ الْوَحْشَةِ بِفِرَاقِ أَهْلِهَا وَأَيْضًا لِتَتَأَنَّسَ مِنْ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ وَالْإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تُنَافِي الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ وَصَلَاتِهِ الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ لَهَا مَنْعُهُ فَلَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ يَجِبُ الْقَسْمُ وَيَبْدَأُ بِأَيَّتِهِنَّ أَحَبَّ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَوَّازِ الْبُدَاءَةَ بِالْقَدِيمَةِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ عِنْدَهَا وَلَا الْبَيَاتُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ إضْرَارَهَا، فَعَلَيْهِ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالْبَيَاتِ عِنْدَهَا أَوْ بِالْمُؤَانَسَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ فِي السَّابِقَةِ فِي الدَّعْوَةِ لِلدُّخُولِ أَوْ بِالْعَقْدِ إنْ تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَةِ وَإِلَّا أَقْرَعَ، وَهَذَا عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لِلْمَرْأَةِ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَالْخِيَارُ لِلزَّوْجِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يُجْمَعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وَنَحْوِهِمَا كَعَمَّتَيْنِ أَوْ خَالَتَيْنِ أَوْ امْرَأَةٍ وَأُمِّهَا.
(فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْأُخْتَيْنِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْخِدْمَةِ أَوْ وَاحِدَةٌ لِلْخِدْمَةِ وَوَاحِدَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ وَاحِدَةٌ وَوَطِئَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا غَيْرَهَا مِمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ شَاءَ) بَعْدَ تَلَذُّذِهِ بِوَاحِدَةٍ (وَطْءَ الْأُخْرَى) أَيْ الَّتِي يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَ الَّتِي تَلَذَّذَ بِهَا (فَلْيُحَرِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ (فَرْجَ الْأُولَى) الَّتِي تَلَذَّذَ بِهَا إمَّا (بِبَيْعٍ) بَتَّ وَلَوْ بِعَيْبٍ دَلَّسَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي (أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ) وَلَوْ لِأَجَلٍ (وَشِبْهِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ (مِمَّا يَحْرُمُ بِهِ) مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُحَرِّمُ فَرْجَ الْمَوْطُوءَةِ عَلَيْهِ كَإِخْدَامِهَا الزَّمَنَ الطَّوِيلَ كَالْأَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ عَقْدِ نِكَاحِهَا اللَّازِمِ، أَوْ أَسْرِهَا أَوْ إبَاقِهَا الْمُوجِبَيْنِ لِلْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّتْ الْأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ، أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وَإِنْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إنْكَاحٍ بِحِلِّ الْمَبْتُوتَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا بِكُلِّ عَقْدٍ لَيْسَ لَهُ حَلُّهُ، فَلَا تَحِلُّ بِفَاسِدٍ لَمْ يَفُتْ، وَلَا بِبَيْعِ خِيَارٍ أَوْ عُهْدَةِ ثَلَاثٍ أَوْ إخْدَامِ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَلَا بِحَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ، أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ، وَلَا بِرِدَّةٍ وَلَا بِإِحْرَامٍ وَلَا ظِهَارٍ وَلَا هِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ، وَلَا بِبَيْعِهَا أَوْ هِبَتِهَا لِعَبْدِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَطِئَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْأُولَى عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِغَيْرِ الْحَدِّ، وَيُوقَفُ عَنْهُمَا مَعًا حَتَّى يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لِلْوَطْءِ وَيُحَرِّمَ الْأُخْرَى، فَإِنْ حَرَّمَ الْأُولَى فَلَا يَطَأُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا لِفَسَادِ مَائِهِ الْحَاصِلِ فِيهَا، وَإِنْ حَرَّمَ الثَّانِيَةَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا زَمَنَ الْإِيقَافِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقِفَ إنْ وَطِئَهُمَا لِيُحَرِّمَ فَإِنْ أَبْقَى الثَّانِيَةَ اسْتَبْرَأَهَا.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حَلَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ مِمَّا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْأُولَى،
стр. 462
وَتَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ
وَالطَّلَاقِ بِيَدِ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ وَلَا طَلَاقَ لِصَبِيٍّ
وَالْمُمَلَّكَةُ وَالْمُخَيَّرَةُ لَهُمَا أَنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُولَى إلَى حَالَتِهَا الْأُولَى الْخَالِيَةِ عَنْ الْمُحَرَّمِ فَلَا تَرْجِعُ الْحُرْمَةُ فِيمَنْ حَلَّتْ، كَمَا لَوْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ رَجَعَتْ الْمَأْسُورَةُ أَوْ رَجَعَتْ الْمَبِيعَةُ.
قَالَ الْحَطَّابُ: مَنْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ أَقَامَ عَلَى وَطْءِ الْأَمَةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْهُ ثُمَّ زَوَّجَهَا وَأُخْتَهَا ثُمَّ رَجَعَتَا إلَيْهِ جَمِيعًا وَطِئَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ إلَّا أَنْ يَطَأَ أُولَاهُمَا رُجُوعًا، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ بَاعَ أَمَةً بَعْدَ وَطْئِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ وَطْءٌ حَتَّى اشْتَرَى الْمَبِيعَةَ لَمْ يَطَأْ إلَّا الزَّوْجَةَ، لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ كَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ عَقَدَ فَاشْتَرَى فَالْأُولَى أَيْ مُتَعَيَّنَةٌ لِلْبَقَاءِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ وَطْءَ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى أَصْلِ الْوَاطِئِ وَفَرْعِهِ كَمَا يَحْرُمُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَطِئَ) مِنْ الْبَالِغِينَ (أَمَةً بِمِلْكٍ) وَلَوْ فَاسِدًا أَوْ تَلَذَّذَ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا) وَإِنْ عَلَتْ (وَلَا ابْنَتُهَا) وَإِنْ سَفَلَتْ قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا وَطْءُ غَيْرِ الْبَالِغِ فَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُمَّ مَوْطُوءَتِهِ وَلَا ابْنَتَهَا لِلْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِالْوَطْءِ أَوْ التَّلَذُّذِ يُعْتَبَرُ فِيهِ بُلُوغُ الْوَاطِئِ، وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ الْعَاقِدِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(وَتَحْرُمُ) أَيْضًا تِلْكَ الْمَوْطُوءَةُ أَوْ الْمُتَلَذَّذُ بِهَا (عَلَى آبَائِهِ) أَيْ الْوَاطِئِ وَالْمُرَادُ أُصُولُهُ وَإِنْ عَلَوْا (وَ) تَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى (أَبْنَائِهِ) الْمُرَادُ فُرُوعُهُ وَإِنْ سَفُلُوا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ بِالتَّلَذُّذِ بِالْمِلْكِ (كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ) أَيْ الْعَقْدِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] وَمَفْهُومُ وَطِئَ أَنَّ مُجَرَّدَ عَقْدِ الْمِلْكِ لَا يُحَرِّمُ أَصْلَ الْمَمْلُوكَةِ وَلَا فَرْعَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَلَا عَلَى فُرُوعِهِ، بَلْ وَلَا تَحْرُمُ ذَاتُهَا عَلَى أَصْلِ الْمَالِكِ وَلَا عَلَى فَرْعِهِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ كَمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْوَطْءِ بَلْ مُطْلَقُ التَّلَذُّذِ وَلَوْ بِالنَّظَرِ، كَمَا فُهِمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ بِمِلْكٍ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا بِزِنًا لَمْ يَحْصُلْ التَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِطْلَاقُهُ الْوَطْءَ فِي الْمَمْلُوكَةِ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ الْحَرَامَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَمْلُوكَةُ مَجُوسِيَّةً، وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِ الْأُجْهُورِيِّ
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا عِنْدَ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّلَاقُ) كَائِنٌ (بِيَدِ الْعَبْدِ) الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَزَوَّجَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ أَمْضَاهُ لَهُ (دُونَ السَّيِّدِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَهُوَ الزَّوْجُ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَفَسْخُ نِكَاحِهِ بِيَدِ سَيِّدِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ وَتَكُونُ بَائِنَةً، بِخِلَافِ الْأَمَةِ تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا فَيَتَحَتَّمُ عَلَى سَيِّدِهَا رَدُّ نِكَاحِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْعَبْدَ بِالْمُكَلَّفِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: (وَلَا طَلَاقَ) صَحِيحٌ (لِصَبِيٍّ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ وَلَوْ سَكِرَ حَرَامًا بِحَيْثُ صَارَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ وَلَوْ بِأَكْلِ حَشِيشَةٍ، وَكَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ وَلَا السَّكْرَانِ بِحَلَالٍ وَلَا الْكَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا يُطَلِّقُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي طَلَاقِ الشَّخْصِ لَزَوْجَةِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَطَلَاقُ الْفُضُولِيِّ كَبَيْعِهِ أَيْ فَيَصِحُّ بِإِجَازَةِ الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَ الْمُطَلِّقُ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، وَلِذَلِكَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ يَوْمِ إجَازَتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ قَوْلُهُ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» وَلِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِطَلَاقِهِ، وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَجْوِيزٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى طَلْقَةٍ فَأَوْقَعَ أَكْثَرَ أَوْ عَلَى الْعِتْقِ فَطَلَّقَ أَوْ عَكْسُهُ وَعَلَى أَنْ يَهَبَ أَوْ يَبِيعَ الْبَعْضَ فَوَهَبَ أَوْ بَاعَ الْكُلَّ لَا يَلْزَمُهُ لِشَبَهِهِ بِالْمَجْنُونِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْإِكْرَاهِ كَوْنُهُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ بِوُقُوعِ الْمَخُوفِ بِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَقُدْرَةُ الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ عَلَى فِعْلِ مَا خَوَّفَ بِهِ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ.
[النِّيَابَةِ فِي الطَّلَاقِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَابَةِ فِي الطَّلَاقِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: تَوْكِيلٌ وَرِسَالَةٌ وَتَخْيِيرٌ وَتَمْلِيكٌ، فَالتَّوْكِيلُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ جَعْلُ إنْشَائِهِ بِيَدِ الْمُخَيَّرِ بَاقِيًا مَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ إنْشَائِهِ، فَلَهُ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْهُ قَبْلَ إيقَاعِهِ اتِّفَاقًا، وَحَقِيقَةُ الرِّسَالَةِ جَعْلُ الزَّوْجِ إعْلَامَ الزَّوْجَةِ ثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ كَفَى أَحَدُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ حُصُولُهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَحَقِيقَةُ التَّمْلِيكِ جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يُخَصُّ بِمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ، وَحَقِيقَةُ التَّخْيِيرِ جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ لِغَيْرِهِ ثَلَاثًا حُكْمًا، أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَ) الْمَرْأَةُ (الْمُمَلَّكَةُ) أَيْ الَّتِي مَلَّكَهَا زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا أَيْ عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِأَنْ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ: مَلَّكْتُك أَمْرَك، أَوْ طَلَاقَك أَوْ أَمْرُك بِيَدِك، أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت (وَ) الزَّوْجَةُ (الْمُخَيَّرَةُ) أَيْ الَّتِي خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فِي اخْتِيَارِ نَفْسِهَا أَوْ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا تَخْيِيرًا مُطْلَقًا عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِأَنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك،
стр. 463
يَقْضِيَا مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ
وَلَهُ أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ وَلَيْسَ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ أَنْ تَقْضِيَ إلَّا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ لَا نُكْرَةَ لَهُ فِيهَا.
وَكُلُّ حَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ.
وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إلَّا بَعْدَ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَخَبَرُ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ جُمْلَةُ.
(لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا) بِالْفِرَاقِ أَوْ الْبَقَاءِ (مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّخْيِيرُ أَوْ التَّمْلِيكُ مَا لَمْ تُوقَفْ أَوْ تُوطَأْ، فَإِنْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاخْتِيَارِ، أَوْ أَوْقَفَهَا قَاضٍ أَوْ وُطِئَتْ أَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ بِحَيْثُ خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ سَقَطَ مَا بِيَدِهَا، إلَّا أَنْ يَهْرُبَ الزَّوْجُ مُرِيدًا قَطْعَ مَا بِيَدِهِمَا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَانٍ تَخْتَارُ فِي مِثْلِهِ وَلَمْ تَخْتَرْ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَمَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهِ الْقَضَاءُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ، وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ أَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مَا جَعَلَ لَهُمَا مَا لَمْ يُوقَفَا عِنْدَ قَاضٍ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الزَّوْجِ تَمْكِينٌ، وَلَوْ حَصَلَ مُفَارَقَةٌ وَخُرُوجٌ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَرَجَعَ مَالِكٌ إلَى بَقَائِهِمَا بِيَدِهَا فِي الْمُطْلَقِ مَا لَمْ تُوقَفْ أَوْ تُوطَأْ، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالسُّقُوطِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ لِلْإِمَامِ وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْمَرْجُوعُ عَنْهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَيْهِ آخِرَ أَمْرِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ مُوهِمًا عَدَمَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَمَفْهُومُ الْمُطْلَقِ أَنَّ التَّخْيِيرَ أَوْ التَّمْلِيكَ الْمُقَيَّدَ بِزَمَانٍ، كَخَيَّرْتُكِ أَوْ مَلَّكْتُك فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا، أَوْ بِالْمَكَانِ كَخَيَّرْتُكِ أَوْ مَلَّكْتُك فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِهِ وَلَوْ طَالَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوقِفَهَا وَلَا يُمْهِلَهَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقِفَتْ وَإِنْ قَالَ إلَى سَنَةٍ مَتَى عُلِمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ عَزْلُهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ لَوْ وَكَّلَهَا فِي طَلَاقِهَا فَلَهُ عَزْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ لَهَا بِذَلِكَ حَقٌّ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: إنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ لَا تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُمَلَّكِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ عَنْ نَفْسِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ الْمَرْأَةِ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ كَطَلَاقِهِ وَرَدِّهِ كَتَمْكِينِهَا طَائِعَةً، فَإِنْ أَجَابَتْ بِالطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ مِنْك، أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي، أَوْ أَنَا بَائِنَةٌ، أَوْ أَنْتَ بَائِنٌ مِنِّي، عُمِلَ بِهِ وَتَطْلُقُ مِنْهُ كَمَا تَطْلُقُ مِنْ الزَّوْجِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ صَرِيحُ طَلَاقٍ، وَإِنْ أَجَابَتْ بِرَدِّ مَا جَعَلَهُ لَهَا عُمِلَ بِهِ كَقَوْلِهَا: رَدَدْت مَا جَعَلْته لِي أَوْ لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْك، وَمِثْلُ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ الرَّدُّ بِغَيْرِهِ، كَمُضِيِّ زَمَنِ تَخْيِيرِهَا، وَكَتَمْكِينِهَا مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا وَطَوْعِهَا وَلَوْ مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُكْمِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا مَكَّنَتْهُ مِنْهُ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَا إنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِالتَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ فَلَا يَبْطُلُ مَا جَعَلَهُ لَهَا وَلَوْ وَطِئَهَا بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ، وَإِنْ أَجَابَتْ بِمَا يَحْتَمِلُ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ بِأَنْ قَالَتْ: قَبِلْت أَوْ قَبِلْت أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتنِي وَطُلِبَ مِنْهَا التَّفْسِيرُ وَيُقْبَلُ مَا فَسَّرَتْ بِهِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا أَجَابَتْ بِهِ، سَوَاءٌ صَرِيحُ اللَّفْظِ أَوْ الْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ لَا الْخَفِيَّةُ، فَلَا تُعْتَبَرُ هُنَا وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ أَصَالَةً فَيُقْبَلُ مِنْهُ قَصْدُ حِلِّهَا وَلَوْ بِاسْقِنِي الْمَاءَ
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا لَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَنَازَعَهَا الزَّوْجُ مُدَّعِيًا إرَادَةَ أَقَلَّ فَقَالَ: (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ الَّذِي فَوَّضَ لِزَوْجَتِهِ أَمْرَهَا (أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً) إنْ أَوْقَعَتْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا، وَمِثْلُ الْمُمَلَّكَةِ الْمُخَيَّرَةُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَنَاكَرَ مُخَيَّرَةً لَمْ تَدْخُلْ وَمُمَلَّكَةً مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُنَاكِرُ الزَّوْجُ كُلًّا مِنْهُمَا بِشُرُوطٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَاحِدًا بِقَوْلِهِ: فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ زَادَ عَلَى طَلْقَةٍ وَأَنْ يَكُونَ نَوَى الْوَاحِدَةَ عِنْدَ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ لَا إنْ نَوَى أَكْثَرَ أَوْ أَطْلَقَ، وَأَنْ يُبَادِرَ بِالْمُنَاكَرَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الزَّائِدَةِ، لَا إنْ تَأَخَّرَ بَعْدَ السَّمَاعِ فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزَّائِدَ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عِنْدَ الْمُنَاكَرَةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لِيَرْتَجِعَهَا، وَعِنْدَ إرَادَةِ الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: أَمْرُك بِيَدِك مَثَلًا مَعَ عَدَمِ قَصْدِ التَّأْكِيدِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ التَّخْيِيرُ أَوْ التَّمْلِيكُ مُشْتَرَطًا لِلزَّوْجَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ الْمُخَيَّرَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا (فِي التَّخْيِيرِ) الْمُطْلَقِ الْعَارِي عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَدٍ.
(أَنْ تَقْضِيَ إلَّا بِالثَّلَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فِي الْمُطْلَقِ إنْ قَضَتْ بِدُونِ الثَّلَاثِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا بِيَدِهَا وَتَبْقَى فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا بَعْدُ، وَلَهَا عَمَّا جَعَلَهُ الشَّارِعُ لَهَا مِنْ إيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَقَيَّدْنَا التَّخْيِيرَ بِالْمُطْلَقِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُقَيَّدِ بِعَدَدٍ فَلَا تُوقِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي سَمَّاهُ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا قَضَتْ بِهِ وَتَسْتَمِرُّ عَلَى تَخْيِيرِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ إنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتِيَارِ تَطْلِيقَتَيْنِ أَوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ وَمِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَلَا تَقْضِي إلَّا بِوَاحِدَةٍ، لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ مُنَاكَرَةِ
стр. 464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمُخَيَّرَةِ حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ذَكَرَ الْمَدْخُولَ بِهَا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ الْمُخَيَّرَةُ) تَخْيِيرًا مُطْلَقًا بَعْدَ الدُّخُولِ (لَا نُكْرَةَ لَهُ فِيهَا) عِنْدَ إيقَاعِهَا الثَّلَاثَ لِبُطْلَانِ مَا بِيَدِهَا إنْ قَضَتْ بِأَقَلَّ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نُكْرَةَ لَهُ إنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُمَلَّكَةِ يُنَاكِرُهَا وَلَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَالْمُخَيَّرَةِ لَا يُنَاكِرُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا دَلَالَةُ اخْتَارِي نَفْسَك عَلَى قَطْعِ الْعِصْمَةِ، وَلَا تَنْقَطِعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إلَّا بِالثَّلَاثِ بِخِلَافِ مَلَّكْتُك أَمْرَك.
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ التَّخْيِيرِ، وَفِيهِ خِلَافٌ بِالْإِبَاحَةِ وَعَدَمِهَا، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَمُبَاحٌ اتِّفَاقًا، إلَّا إنْ قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا التَّوْكِيلُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَرَاهَتَهُ إنْ قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ، وَلَعَلَّ حُكْمَهُ الْجَوَازُ كَجَوَازِ التَّوْكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَرُبَّمَا يُفْهِمُ خِفَّةُ أَمْرِهِ عَنْ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ بِجَوَازِ عَزْلِهَا فِيهِ دُونَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنْ فَوَّضَ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ لَا تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا.
الثَّانِيَةُ: لَمْ يَنُصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الزَّوْجِ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ لِعِلْمِهِ مِمَّا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَخْيِيرُهَا وَتَمْلِيكُهَا، وَيَصِحُّ مَا قَضَتْ بِهِ حَيْثُ كَانَتْ مُمَيِّزَةً مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ أَطَاقَتْ الْوَطْءَ، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ الْأَجْنَبِيُّ، يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُفَوِّضَ لَهُ أَمْرَ الزَّوْجَةِ تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا أَوْ تَوْكِيلًا، وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَتِهَا فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُنَاكَرَةٍ وَعَدَمِهَا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهَا، وَقُرْبُ غَيْبَتِهِ كَالْيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ فَيَصِيرُ لَهَا مَا جَعَلَهُ لِلْبَعِيدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ التَّفْوِيضُ لِغَيْرِهَا وَلَهُ النَّظَرُ وَصَارَ كَهِيَ إنْ حَضَرَ أَوْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً كَيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ فَيَنْتَقِلُ لَهَا النَّظَرُ، إلَّا أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا فَيَسْقُطُ مَا كَانَ بِيَدِهَا، أَوْ مَا كَانَ بِيَدِ الْغَيْرِ إذَا عَلِمَ بِتَمْكِينِهَا وَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَكَذَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَجْعُولِ لَهُ أَمْرُهَا إذَا كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَابَ وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ، فَإِنْ أَشْهَدَ فَفِي بَقَائِهِ بِيَدِهِ أَوْ يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ مَلَّكَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ لِرَجُلَيْنِ وَأَمَرَهُمَا بِطَلَاقِهَا، فَإِنْ قَالَ لَهُمَا: طَلِّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالُ بِطَلَاقِهَا إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ كَالْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُمَا: طَلِّقَاهَا وَلَمْ يَقُلْ إنْ شِئْتُمَا لَكَانَ لِكُلٍّ الِاسْتِقْلَالُ بِطَلَاقِهَا، وَأَمَّا لَوْ فَوَّضَ لَهُمَا فِي إعْلَامِهَا بِطَلَاقِهَا فَإِنَّهُ يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي إخْبَارِهَا وَتَعْتَمِدُ عَلَى إخْبَارِهِ وَتَعْتَدُّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهُمَا: أَعْلِمَاهَا بِأَنِّي طَلَّقْتهَا أَوْ بِطَلَاقِهَا.
هَذَا تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَبَحْثُ الْأُجْهُورِيُّ.
[الْإِيلَاء]
وَلَمَّا قِيلَ: إنَّ الْإِيلَاءَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الطَّلَاقُ فِي الْإِسْلَامِ، ذَكَرَ غَالِبَ مَسَائِلِهِ عَقِبَ الطَّلَاقِ وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً مُطْلَقُ الِامْتِنَاعِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ بِيَمِينٍ وَشَرْعًا حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الْآيَةَ فَقَالَ: (وَكُلُّ حَالِفٍ) مِنْ زَوْجٍ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْجِمَاعُ وَلَوْ سَكْرَانَ سُكْرًا حَرَامًا أَوْ أَخْرَسَ إذَا فُهِمَ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَكِتَابَةٍ وَالْأَعْجَمِيِّ بِلِسَانِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ مِنْ كَافِرٍ لِآيَةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] سَوَاءٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِأَنَّهَا الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ، أَوْ بِمَا فِيهِ الْتِزَامٌ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ) لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَوْ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكُهُ، كَحَلِفِهِ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لَا يَلْتَقِي مَعَهَا وَمَفْعُولُ تَرْكِ (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِلْحُرِّ وَأَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ.
قَالَ خَلِيلٌ: الْإِيلَاءُ يَمِينُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ، وَإِنْ مَرِيضًا يَمْنَعُ وَطْءَ زَوْجَتِهِ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
(فَهُوَ مُولٍ) الْجُمْلَةُ خَبَرُ " كُلُّ " الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ لِمَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْعُمُومِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالشَّرْطِ، وَقَوْلُنَا مِنْ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ إنَّمَا هُوَ حَلِفُ الزَّوْجِ، وَأَمَّا حَلِفُ السَّيِّدِ عَلَى وَطْءِ أَمَتِهِ فَلَا يُعَدُّ إيلَاءً لِآيَةِ: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَقَوْلُنَا مُسْلِمٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَافِرِ فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْهُ إيلَاءٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّ الْغُفْرَانَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِ لِآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَقَوْلُنَا مُكَلَّفٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَصِيِّ الْمَجْبُوبِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ إيلَاءٌ، وَقَوْلُنَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمُرْضِعِ مُدَّةَ رَضَاعِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا، إلَّا إذَا قَصَدَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ إضْرَارَهَا، لَا إنْ قَصَدَ إصْلَاحَ الْوَلَدِ، أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ، لِمَا أَنَّ وَطْءَ الْمُرْضِعِ يُؤْذِي الْوَلَدَ غَالِبًا، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ اشْتِرَاطُ إطَاقَةِ الزَّوْجَةِ، لَا إنْ لَمْ تُطِقْهُ لِصِغَرٍ أَوْ رَتَقٍ أَوْ شِدَّةِ مَرَضٍ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ بِحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَكْثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ يَقَعُ بِهِ الْإِيلَاءُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا، كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ عَلَى الشَّهْرَيْنِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ يَكْفِي، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَجَلِ الْحُرِّ اعْتِمَادًا
стр. 465
أَجَلِ الْإِيلَاءِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ وَشَهْرَانِ لِلْعَبْدِ حَتَّى يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ.
وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي هَذَا كَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ الثَّانِي، لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَيَظْهَرُ مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الضَّرَرِ الْحُرْمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهِ مُولِيًا.
شَرَعَ فِي بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي يَضْرِبُ لَهُ وَيُطَلَّقُ عَلَيْهِ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُولِي (الطَّلَاقُ) إلَّا (بَعْدَ مُضِيِّ أَجَلِ الْإِيلَاءِ) الَّذِي ضَرَبَهُ الْقَاضِي لِلزَّوْجِ بَعْدَ إيلَائِهِ (وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ) ابْتِدَاؤُهَا مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ، كَوَاللَّهِ لَا أَطَؤُك فَوْقَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ إنْ احْتَمَلَتْ الْمُدَّةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرِ وَعَدَمَهَا، كَوَاللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْأَجَلُ مِنْ الْيَمِينِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، لَا إنْ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ أَوْ حَلَفَ عَلَى حِنْثٍ، فَمِنْ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ لِأَنَّهُ فِي الْأَجَلِ الَّذِي لَهَا الْقِيَامُ بَعْدَ مُضِيِّهِ.
(وَشَهْرَانِ لِلْعَبْدِ) لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ (حَتَّى) تَرْفَعَهُ الزَّوْجَةُ، وَ (يُوقِفُهُ السُّلْطَانُ) أَوْ الْقَاضِي وَيَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ وَهِيَ الرُّجُوعُ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِنْ وَطِئَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ وَعَدَ بِهِ أُمْهِلَ وَاخْتُبِرَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ طَلَّقَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْ بِالْوَطْءِ بِأَنْ قَالَ بِلَفْظِهِ: لَا أَطَأُ وَلَا يُتَلَوَّمُ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَطْءَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ، وَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ إنْ شَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ قَوْلَانِ، وَتَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لِمَا اُشْتُهِرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُولِي وَالْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ رَجْعِيٌّ، وَفُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُولِي بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْبَقَاءِ وَالْفِرَاقِ وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ سَفِيهَةً، فَلَهَا إسْقَاطُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ أَمَةً يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا سَيِّدِهَا عِنْدَ إرَادَتِهَا الْبَقَاءَ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَمَعْنَى فَاءُوا رَجَعُوا إلَى الْوَطْءِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِمْ مِنْهُ، وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ بِمُجَرَّدِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِ الثَّيِّبِ، وَافْتِضَاضِ الْبِكْرِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ مَعَ جُنُونِ الرَّجُلِ لَا مَعَ إكْرَاهِهِ، فَلَا تَحْصُلُ بِوَطْئِهِ مُكْرَهًا لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: وَطْءُ الْمُكْرَهِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَعَ الْإِكْرَاهِ لَا يَنْتَفِي مَعَهُ قَصْدُ الضَّرَرِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ حَتَّى يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ لِلرَّدِّ عَلَى أَشْهَبَ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ مُرُورِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ وَالشَّهْرَانِ لِلْعَبْدِ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْمَشْهُورِ بِمَا تُعْطِيهِ الْفَاءُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا فَتَكُونُ الْفَيْئَةُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُوقِفُ الْمُولِي إلَّا مَعَ عَدَمِ انْحِلَالِ الْإِيلَاءِ عَنْ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِزَوَالِ مِلْكِ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ وَلَمْ يَعُدْ بِغَيْرِ إرْثٍ، وَكَتَعْجِيلِ الْحِنْثِ، وَتَكْفِيرِ مَا يُكَفَّرُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الِانْحِلَالُ فَلَهَا وَلِسَيِّدِهَا إنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْأَجَلِ بِالْفَيْئَةِ وَهِيَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُلِ إلَى آخِرِهِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ الْمُولِيَ لَهُ أَجَلَانِ: أَحَدُهُمَا الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهِ، وَالثَّانِي الَّذِي يَضْرِبُهُ الْحَاكِمُ لِلْمُولِي حِينَ إخْبَارِ الزَّوْجَةِ لَهُ بِأَنَّ زَوْجَهَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ
[الظِّهَار]
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْإِيلَاءِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الظِّهَارِ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَنْ تَحِلُّ أَوْ أَجْزَاءَهَا بِظَهْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ جُزْئِهِ ظِهَارٌ، وَالْمُسْلِمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ، فَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ ظِهَارٌ وَلَوْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَيْنَا، بِخِلَافِ إيلَائِهِ فَإِنَّنَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ الرَّفْعِ، وَالْمُكَلَّفُ يَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالسَّكْرَانَ، وَتَذْكِيرُ الْأَوْصَافِ يَقْتَضِي أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَقَعُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وَكَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ حِينَ جَادَلَتْهُ ﷺ ، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي اللَّفْظِ الَّذِي جَادَلَتْهُ بِهِ فَقِيلَ: «إنَّهَا قَالَتْ لَهُ: أَكَلَ شَبَابِي وَفَرَشْت لَهُ بَطْنِي فَلَمَّا كَبِرَ سِنِّي ظَاهَرَ مِنِّي، وَلِي صِبْيَةٌ مِنْهُ صِغَارٌ إنْ ضَمَمْتهمْ إلَيْهِ ضَاعُوا وَإِنْ ضَمَمْتهمْ إلَيَّ جَاعُوا، وَهُوَ ﵊ يَقُولُ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ فِي ابْنِ عَمِّك» فَمَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] أَيْ تَرَاجُعَكُمَا، فَقَالَ ﵊: «لِيُعْتِقْ رَقَبَةً.
قَالَتْ: لَا يَجِدُ.
قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ
стр. 466
بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا طَرَفٌ مِنْ حُرِّيَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَلَا يَطَؤُهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْكَفَّارَةُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَتُبْ
ــ
[الفواكه الدواني]
بِهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنْت فَاذْهَبِي وَأَطْعِمِي سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي لِابْنِ عَمِّك» .
وَالْعَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالتَّسْكِينِ سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَسُمِّيَ ظِهَارًا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الظَّهْرِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ رُكُوبٌ وَالرُّكُوبُ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا عَلَى الظَّهْرِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَظَاهَرَ) مِنْ الْأَزْوَاجِ أَوْ السَّادَاتِ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (مِنْ امْرَأَتِهِ) وَلَوْ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ مِنْ أَمَتِهِ وَلَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمِّ وَلَدٍ وَنَوَى الْعُودَ لِوَطْئِهَا (فَلَا يَطَؤُهَا) وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا (حَتَّى يُكَفِّرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَمَعْنَى الْمُظَاهَرَةِ أَنْ يُشَبِّهَ مَنْ تَحِلُّ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهَا: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الْمُرَادُ لِنَقِيضِ مَا قَالُوا، لِأَنَّ الَّذِي قَالُوهُ التَّحْرِيمُ وَنَقِيضُهُ التَّحْلِيلُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ قَوْلِهِ فَلَا يَطَؤُهَا فَلَا يَمَسُّهَا لَفُهِمَ الْوَطْءُ بِالْأُولَى، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ قَبْلَهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَعَلَيْهَا مَنْعُهُ وَوَجَبَ إنْ خَافَتْهُ رَفْعُهَا لِلْحَاكِمِ، وَجَازَ كَوْنُهُ مَعَهَا إنْ أَمِنَ، وَيَلْزَمُهَا خِدْمَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا بِشَرْطِ الِاسْتِتَارِ بِغَيْرِ وَجْهِهَا وَرَأْسِهَا وَأَطْرَافِهَا لِجَوَازِ نَظَرِهِ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ وَتَتَحَتَّمُ بِالْوَطْءِ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعُودِ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْإِمْسَاكِ.
(بِعِتْقِ رَقَبَةٍ) لَا جَنِينٍ فَلَا يُجْزِئُ وَلَكِنْ يُعْتَقُ بَعْدَ وَضْعِهِ، وَبَيَّنَ وَصْفَهَا اللَّازِمَ بِقَوْلِهِ: (مُؤْمِنَةٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ الْقُرْبَةُ، وَعِتْقُ الْكَافِرِ يُنَافِيهَا، فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِمُؤْمِنَةٍ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الرَّقَبَةَ قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
(سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ) فَلَا يُجْزِئُ رَقِيقٌ مَقْطُوعُ الْأُصْبُعِ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَبْكَمُ، وَلَا مَجْنُونٌ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ جُنُونِهِ، وَلَا مَرِيضٌ مُشْرِفٌ، وَلَا مَقْطُوعُ أُذُنَيْنِ، وَلَا أَصَمُّ، وَلَا ذُو هَرَمٍ وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ، وَلَا مُجْذَمٌ وَلَا أَبْرَصُ وَلَا أَفْلَجُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ ذِي الْعُيُوبِ الْمُنَقِّصَةِ نَقْصًا مُتَفَاحِشًا، بِخِلَافِ ذِي الْمَرَضِ الْخَفِيفِ أَوْ الْعَرَجِ الْخَفِيفِ أَوْ الْعَوَرِ.
(وَلَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا طَرَفٌ مِنْ حُرِّيَّةٍ) فَلَا يُجْزِئُ الرَّقِيقُ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ أَوْ اُشْتُرِيَ لِلْعِتْقِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الرَّقَبَةُ مُحَرَّرَةً لِأَجْلِ الظِّهَارِ، لَا إنْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ، وَلَا الْمُشْتَرَاةُ عَلَى شَرْطِ حُرِّيَّتِهَا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُحَقَّقَةَ الصِّحَّةِ، لَا إنْ كَانَتْ غَائِبَةً مَقْطُوعَةَ الْخَبَرِ، فَإِنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُتَّصِفَةً بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ أَجْزَأَتْ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَلَكِنْ كَلَّفَ نَفْسَهُ وَتَدَايَنَهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ فَتَكَلَّفَ الْغُسْلَ، وَكَمَنْ فَرْضُهُ الْجُلُوسُ فَصَلَّى قَائِمًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَوْ تَكَلَّفَهُ الْمُعْسِرُ جَازَ، وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْغَيْرِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ إنْ عَادَ وَرَضِيَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُرَتَّبَةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) عِنْدَهُ رَقَبَةً تُجْزِئُ وَلَا ثَمَنَهَا (صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) وَيَنْوِي تَتَابُعَهُمَا وَيَنْوِي بِهِمَا الْكَفَّارَةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَنْوِي التَّتَابُعَ وَالْكَفَّارَةَ فَإِنْ ابْتَدَأَهُمَا بِالْهِلَالِ اكْتَفَى بِهِمَا وَإِنْ كَانَا نَاقِصَيْنِ، وَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ صَحَّ وَتَمَّمَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ الثَّالِثِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ الْعَجْزُ عَنْ الْعِتْقِ وَقْتَ الْأَدَاءِ أَيْ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ، فَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَأَنْ يَمْلِكَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِكَمَرَضٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ بِمِلْكِ رَقَبَةٍ فَقَطْ ظَاهَرَ مِنْهَا فَيُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ مِنْهَا وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ عِتْقِهَا مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَظَاهِرِ الْمَالِكِ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَعَادِمِ الْمَاءِ الْوَاجِدِ لِثَمَنِهِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الْعَدَمَ فِي كُلٍّ حَيْثُ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي الظِّهَارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: ٤] قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ الْمَظَاهِرَ فَعَلَ كَبِيرَةً بِارْتِكَابِهِ الظِّهَارَ فَشُدِّدَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ الْغَالِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ لِضَرُورَةِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَأَيْضًا تَكَرُّرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَيْسَرَ فِيهِ تَمَادَى إلَّا أَنْ يُفْسِدَهُ فَيَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ، وَنُدِبَ الْعِتْقُ فِي كَالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعِتْقِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ، وَمِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِغِلَظِ أَمْرِهِمَا (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْمَظَاهِرُ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ (أَطْعَمَ) أَيْ مَلَّكَ (سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ وَمَفْعُولُ أَطْعَمَ الثَّانِي (مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ)
стр. 467
إلَى اللَّهِ فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ بِإِطْعَامٍ أَوْ صَوْمٍ فَلْيَبْتَدِئْهَا.
وَلَا بَأْسَ بِعِتْقِ الْأَعْوَرِ فِي الظِّهَارِ
ــ
[الفواكه الدواني]
بِمُدِّهِ ﵊ وَيَدْفَعُهُمَا بُرًّا إنْ اقْتَاتُوهُ أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ فَعَدْلُهُمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا مِنْهُ الْإِطْعَامُ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، كَالشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ وَالسُّلْتِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالدَّخَنِ وَالتَّمْرِ، وَالْمُرَادُ بِعَدْلِهِمَا أَيْ فِي الشِّبَعِ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا شَبِعَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُدَّيْنِ الْكَائِنَيْنِ مِنْ الْبُرِّ كَمْ يُشْبِعُهُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ فَيُقَالُ كَذَا فَيُخْرَجُ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ تِلْكَ الْأَمْدَادِ لِأَقَلَّ مِنْ السِّتِّينَ وَلَا لِأَكْثَرَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ وَهُوَ قَدْرُ مُدٍّ وَثُلُثَيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ ﷺ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّ هِشَامٍ قَدْرُ مُدَّيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ ﷺ ، لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: شَاهَدْت بِالْمَدِينَةِ مُدَّ هِشَامٍ وَحَقَّقْته فَوَجَدْته قَدْرَ مُدَّيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ ﷺ ، نَقَلَ ذَلِكَ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ كَغَيْرِهَا لَا تَصِحُّ مُلَفَّقَةً كَصَوْمِ الشَّهْرِ وَإِطْعَامِ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا وَمِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ لَكِنْ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ لِذِي الرِّقِّ وَلِمَنْ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَقَدْ الْتَزَمَ عِتْقَ مَنْ يَمْلِكُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَصُومُ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْمُهُ يَضُرُّ بِسَيِّدِهِ مِنْ جِهَةِ خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ عَبْدَ خِدْمَةٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ خَرَاجِهِ إنْ كَانَ عَبْدَ خَرَاجٍ، وَإِلَّا أَخَّرَ الصَّوْمَ حَتَّى يَقْوَى عَلَيْهِ وَيَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِطْعَامِ جَازَ لَهُ التَّفْكِيرُ بِهِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: تَعَيَّنَ لِذِي الرِّقِّ مَعْنَاهُ لَا الْعِتْقُ فَلَا يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْإِطْعَامِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ جَوَازُ الْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالشُّرُوعِ فِي الْكَفَّارَةِ قَالَ: (وَلَا يَطَؤُهَا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُظَاهِرِ أَنْ يَمَسَّ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا وَلَوْ بِالْقُبْلَةِ.
(فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَحَتَّى تَنْقَضِيَ الْكَفَّارَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: حَتَّى يُكَفِّرَ حَتَّى تَتِمَّ الْكَفَّارَةُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ قَبْلَهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَعَلَيْهَا مَنْعُهُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَلَا يَطَؤُهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَوْ نَهَارًا، وَإِنْ كَانَ بِالصَّوْمِ فَلَهُ وَطْءُ غَيْرِهَا لَيْلًا لِأَنَّهُ بِالنَّهَارِ صَائِمٌ (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَسَّ الْمُظَاهَرُ مِنْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْكَفَّارَةِ (فَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَوُجُوبُ التَّوْبَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ عَمْدًا لِأَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِي، وَقَيَّدْنَا بِقَبْلِ الشُّرُوعِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ) لِلْمُظَاهَرِ مِنْهَا أَوْ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا. (بَعْدَ أَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ بِإِطْعَامٍ أَوْ صَوْمٍ) وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا يَسِيرًا، كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ إطْعَامِ مِسْكِينٍ، سَوَاءٌ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا، فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَلْيَبْتَدِئْهَا) أَيْ الْكَفَّارَةَ لِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَلِبُطْلَانِ الْإِطْعَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَانْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِوَطْءِ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ وَإِنْ لَيْلًا نَاسِيًا، وَمِثْلُ وَطْءِ الْمُقَدَّمَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الْآيَةَ فِيهَا الْمَسُّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَطْءِ، كَبُطْلَانِ الْإِطْعَامِ وَيُفْطِرُ السَّفَرُ أَوْ بِمَرَضٍ هَاجَهُ، لَا إنْ لَمْ يُهِجْهُ فَلَا يُقْطَعُ كَالْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ أَوْ ظَنِّ غُرُوبٍ، فَإِنْ قِيلَ: الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ بِالْوَطْءِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ سَبْقِيَّةَ بَعْضِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ جَمِيعِهَا وَقَدْ قِيلَ بِالْإِجْزَاءِ لَوْ تَقَدَّمَ الْوَطْءُ عَلَى الْجَمِيعِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُمَاسَّةَ الَّتِي يُطْلَبُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا هِيَ الْمُمَاسَّةُ الْمُبَاحَةُ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] مِنْ قَبْلِ أَنْ تُبَاحَ لَهُ الْمُمَاسَّةُ، وَالْمُمَاسَّةُ الْوَاقِعَةُ فِي خِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَيْسَتْ مُبَاحَةً، فَاسْتُؤْنِفَتْ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لِقَصْدِ كَفَّارَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى مُمَاسَّةٍ مُبَاحَةٍ، وَأَمَّا وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي اللَّيْلِ وَلَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ وَلَوْ عَالِمًا، كَمَا لَا يُبْطِلُهُ نَهَارًا مَعَ النِّسْيَانِ،
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الرَّقَبَةِ مِنْ الْعُيُوبِ عَدَمُ إجْزَاءِ كُلِّ ذِي عَيْبٍ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْعَيْبُ الْفَاحِشُ لَا الْخَفِيفُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِعِتْقِ الْأَعْوَرِ) وَهُوَ مَا ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهِ (فِي الظِّهَار) قَالَ خَلِيلٌ: وَيُجْزِئُ أَعْوَرُ وَمَغْصُوبٌ وَمَرْهُونٌ وَجَانٍ إنْ افْتَدَيَا وَذُو مَرَضٍ وَعَرَجٍ خَفِيفَيْنِ وَمَقْطُوعُ بَعْضِ أُصْبُعٍ، وَكَذَا مَقْطُوعُ بَعْضِ الْأُذُنِ أَوْ الْأَنْفِ، كَمَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْغَيْرِ بِشَرْطِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَمِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ غَيْرُهَا، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: وَجَازَ، وَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَجَازَ مَالِكٌ عِتْقَ الْأَعْوَرِ لِأَنَّ
стр. 468
وَوَلَدِ الزِّنَا وَيُجْزِئُ الصَّغِيرُ وَمَنْ صَلَّى وَصَامَ أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَ اللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ فِي نَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ تَسُدُّ مَسَدَّ الْعَيْنَيْنِ وَتُغْنِي عَنْهُمَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ فِيهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً.
(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِعِتْقِ (وَلَدِ الزِّنَا) فِي الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا السَّابِقُ وَالْآبِقُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ.
(وَ) كَذَا يَجُوزُ (يُجْزِئُ) عِتْقُ (الصَّغِيرِ) فِي الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ صَغِيرًا جِدًّا وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا لِجَبْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلِصِدْقِ اسْمِ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا الْكِتَابِيُّ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ فَفِي إجْزَاءٍ عِتْقِهِ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ، وَعَلَى الْإِجْزَاءِ فَقِيلَ: يُوقَفُ عَنْ وَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا حَتَّى يُسْلِمَ، وَقِيلَ: لَا، وَعَلَى الْوَقْفِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِدُونِ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى عَدَمِهِ تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ، وَإِنَّمَا جَازَ عِتْقُ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ حَالًا دُونَ الشَّيْخِ الزَّمِنِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ تُرْجَى قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ الشَّيْخِ الْفَانِي فَهُوَ كَذِي الْمَرَضِ الشَّدِيدِ.
(وَ) عِتْقُ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا لَكِنْ عِتْقُ (مَنْ صَلَّى وَصَامَ أَحَبُّ إلَيْنَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ كَفَّارَةِ عِتْقٍ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَعَقَلَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ أَيْ عَرَفَ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرَبِ بِأَنْ بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاحْتِلَامِ، لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ وَعَرَفَ مَا سَبَقَ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَالْعَمَلِ بِحَيْثُ يَتَمَعَّشُ مِنْ كَسْبِهِ.
(خَاتِمَةٌ) مِنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ أَعْتَقَ كَبِيرًا زَمِنًا لَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ وَيَمُوتَ الْكَبِيرُ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ
[اللِّعَان]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الظِّهَارِ شَرَعَ فِي اللِّعَانِ هُوَ لُغَةً الْبُعْدُ فَيُقَالُ: لَعَنَهُ اللَّهُ أَبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَطْرُدُ الشِّرِّيرَ وَتُسَمِّيهِ لَعَيْنًا لِئَلَّا تُؤَاخَذَ بِجَرَائِرِهِ، وَلِذَا اُشْتُقَّ اللِّعَانُ مِنْ اللَّعْنَةِ الَّتِي فِي خَامِسَةِ الزَّوْجِ لِسَبْقِهِ فِي اللِّعَانِ وَكَوْنِهِ أَقْوَى وَسَبَبًا فِي لِعَانِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى زِنَى زَوْجَتِهِ، أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ، وَاحْتُرِزَ بِاللَّازِمِ عَنْ غَيْرِ اللَّازِمِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا أَوْ خَصِيًّا، فَهَذَا الْوَلَدُ مَنْفِيٌّ عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ مَعَ فَسْخِ النِّكَاحِ لِتَبَيُّنِ وُقُوعِهِ فِي الْعِدَّةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَحَلِفُهَا مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا، كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا، وَاللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِحُكْمِ قَاضٍ عَنْ لِعَانِ الزَّوْجَيْنِ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ، وَحُكْمُ اللِّعَانِ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَالْجَوَازُ إنْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَالسَّتْرُ أَوْلَى قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَسَبَبُهُ: إمَّا رُؤْيَةُ الزِّنَا أَوْ نَفْيُ الْحَمْلِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجَيْنِ وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَاللِّعَانُ) مَشْرُوعٌ (بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ) وَلَوْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا أَوْ فَسَقَا أَوْ رَقَّا لَا كَفَرَا، بِشَرْطِ إسْلَامِ الزَّوْجِ وَتَكْلِيفِهِ وَلَوْ عِنِّينًا أَوْ هَرَمًا، أَوْ خَصِيًّا مَقْطُوعَ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ، أَوْ ذَاهِبَ الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى، أَوْ مَجْبُوبًا، لَكِنْ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْقَذْفِ، وَأَمَّا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فَلَا لِعَانَ عَلَى الْمَجْبُوبِ، بَلْ يَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، كَحَمْلِ زَوْجَةِ الصَّبِيِّ وَكَذَا الْخَصِيُّ بِقِسْمَيْهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَقَالُوا فِي الْعِدَدِ: يَرْجِعُ فِيهِ النِّسَاءُ وَشَرْطُهُ إطَاقَةُ الزَّوْجَةِ وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَغَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، لَكِنَّ الْبَالِغَ تُلَاعِنُ كَالزَّوْجِ، وَالْمُطِيقَةُ إنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجُهَا دُونَهَا، وَغَيْرُ الْمُطِيقَةِ لَا لِعَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ صِحَّةُ النِّكَاحِ، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: كُلُّ نِكَاحٍ يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ فَفِيهِ اللِّعَانُ وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَمَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ أُخْتَهُ غَيْرَ عَالِمٍ وَقَدْ حَمَلَتْ وَأَنْكَرَ الْوَلَدَ فَإِنَّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ لِأَنَّهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ، فَإِنْ نَكَلَتْ حُدَّتْ، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ لِلْقَذْفِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ، وَلَا يُشَكِّلُ عَلَى حَصْرِ اللِّعَانِ فِي الزَّوْجَيْنِ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ، لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ شَبِيهٌ بِوَطْءِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ لُحُوقِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ الْحَدِّ، وَاحْتُرِزَ بِالزَّوْجَيْنِ عَنْ السَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَابْنُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا لَاحِقٌ بِهِ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَفْيُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي بَابِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مُلَاعَنَةِ عُوَيْمِرِ الْعَجْلَانِيِّ زَوْجَتَهُ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَيْضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ اللِّعَانُ حَصْرُهُ فِي الزَّوْجَيْنِ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ نَحْوُ الْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ، وَالْخَبَرُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَلِّقُ الطَّرَفِ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ
стр. 469
أَوْ رُؤْيَةُ الزِّنَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ فِي الْقَذْفِ.
وَإِذَا افْتَرَقَا بِاللِّعَانِ لَمْ يَتَنَاكَحَا أَبَدًا.
وَيَبْدَأُ الزَّوْجُ
ــ
[الفواكه الدواني]
بِمَشْرُوعٍ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فِي نَفْيِ حَمْلٍ) فَهُوَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَالتَّقْدِيرُ: وَاللِّعَانُ مَشْرُوعٌ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ حَالَ كَوْنِهِ فِي نَفْيِ حَمْلٍ؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَحَدِ سَبَبَيْ اللِّعَانِ، وَيَصِحُّ اللِّعَانُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ وَلَوْ مَيِّتًا أَوْ مُتَعَدِّدًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ (يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ) وَلَوْ بِحَيْضَةٍ، وَمِثْلُ الِاسْتِبْرَاءِ دَعْوَاهُ عَدَمَ وَطْئِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا الْحَمْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْمَنْفِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ مَا يَقْطَعُ الثَّانِيَ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَفْيُ حَمْلِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ إلَّا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى أَمْرٍ قَوِيٍّ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ شَكِّهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى وَطْئِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ لِعَانُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي نَفْيِهِ عَلَى عَزْلِهِ، وَلَا عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لَهُ، وَلَا سَوَادِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، وَلَا عَلَى كَوْنِهِ كَانَ يَطَؤُهَا بَيْنَ فَخِذَيْهَا حَيْثُ كَانَ يُنْزِلُ، وَلَا عَلَى وَطْءٍ بِغَيْرِ إنْزَالٍ حَيْثُ وَطِئَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلَّ حَتَّى وَطِئَهَا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ الْمَنِيِّ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَأَشَارَ إلَى السَّبَبِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) فِي دَعْوَاهُ (رُؤْيَةَ الزِّنَا) وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: رَأَيْت فَرْجَ الزَّانِي فِي فَرْجِهَا (كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) وَحَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَصْفُهُ كَالشُّهُودِ بِأَنْ يَقُولَ: رَأَيْت فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: رَأَيْتهَا تَزْنِي، قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ الْبَصِيرُ زِنَاهَا لَاعَنَ وَإِنْ لَمْ يَرَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ يَكْفِي التَّيَقُّنُ وَلَوْ مِنْ الْبَصِيرِ، فَلَوْ قَالَ: أَوْ فِي الزِّنَا الْمُتَيَقَّنِ لَشَمِلَ الْأَعْمَى فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ حَتَّى فِي دَعْوَى الزِّنَا حَيْثُ تَيَقُّنِهِ بِحِسٍّ أَوْ جَسٍّ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُوهِمِ قَصْرَهُ عَلَى الْبَصِيرِ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُشْتَرَطُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ يَكْفِي التَّيَقُّنُ، وَإِذَا لَاعَنَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِذَلِكَ اللِّعَانِ مَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا عَنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدِ سَقْطٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَانْتَفَى مَا وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا لَحِقَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَيَنْتَفِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَ اسْتِبْرَائِهِ وَوَضْعِهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، وَأَمَّا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا حَالَ اسْتِبْرَائِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: شَرْطُ اللِّعَانِ بِالرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَطَأَهَا بَعْدَهَا، كَمَا أَنَّ شَرْطَهُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ الْمُبَادَرَةُ بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ وَطِئَ أَوْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أَوْ حَمْلٍ بِلَا عُذْرٍ امْتَنَعَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَطْءِ وَالتَّأْخِيرِ يَمْنَعُ اللِّعَانَ إذَا كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ الْوَطْءُ لَا التَّأْخِيرُ.
الثَّانِي: شَرْطُ اللِّعَانِ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَأَنْ يَقْذِفَهَا صَرِيحًا، وَأَمَّا بِالتَّعْرِيضِ فَقَوْلَانِ، وَعَلَى عَدَمِ اللِّعَانِ يَحُدُّ، وَشَرْطُ لِعَانِهَا أَنْ لَا يَثْبُتَ غَضَبُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَاعَنَا إنْ رَمَاهَا بِغَضَبٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَظْهَرْ وَإِلَّا الْتَعَنَ فَقَطْ.
الثَّالِثُ: اللِّعَانُ إنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِ الْمَرْأَةِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَاعَنَ فِي الْحَمْلِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِدَعْوَى الزِّنَا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الدَّعْوَةِ أَوْ الرُّؤْيَةِ أَوْ التَّيَقُّنِ فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الرُّؤْيَا فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ مِنْ بَائِنٍ لَا إنْ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ رَآهَا أَوْ تَيَقَّنَ زِنَاهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَحْرَى أَنَّهُ رَآهَا بَعْدَهَا فَلَا لِعَانَ وَإِنَّمَا يُحَدُّ فَقَطْ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ إمَّا نَفْيُ الْحَمْلِ أَوْ دَعْوَى رُؤْيَةٍ أَوْ تَيَقُّنُ الزِّنَا، أَشَارَ إلَى حُكْمِ الْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ عَنْ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ أَوْ التَّيَقُّنِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ) وَعَدَمِهِ (فِي الْقَذْفِ) الْمُجَرَّدِ عَنْ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ أَوْ تَيَقُّنِ الزِّنَا أَوْ نَفْيِ الْحَمْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ أَوْ لِعَانِهِ خِلَافٌ بِأَنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَوْ أَنْتِ زَنَيْت، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ نَفْيِ حَمْلٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُلَاعَنُ وَالْأَكْثَرُ يُحَدُّ فَقَطْ
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا افْتَرَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بِاللِّعَانِ) مِنْهُمَا (لَمْ) يَحِلَّ لَهُمَا أَنْ (يَتَنَاكَحَا أَبَدًا) وَلَا بَعْدَ زَوْجٍ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُؤَيِّدُ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ لِعَانُهَا بَعْدَ لِعَانِهِ أَوْ قَبْلَهُ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ إعَادَتِهَا بَعْدَ لِعَانِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِلِعَانِهَا تَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا وَإِنْ مُلِكَتْ أَوْ انْفَشَّ حَمْلُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي، قَالَ: «لَا مَالَ لَك إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ، وَأَبْعَدُ لَك مِنْهَا» قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ثُبُوتِ مَهْرِ الْمُلَاعَنَةِ بِالدُّخُولِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَبَدًا.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ كَالْحُرْمَةِ إلَّا بِتَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمُقَابِلُهُ لِسَحْنُونٍ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، وَيَنْبَنِي عَلَى
стр. 470
فَيَلْتَعِنُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ ثُمَّ يُخَمِّسُ بِاللَّعْنَةِ ثُمَّ تَلْتَعِنُ هِيَ أَرْبَعًا أَيْضًا وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ .
وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ رُجِمَتْ إنْ كَانَتْ حُرَّةً مُحْصَنَةً بِوَطْءٍ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ أَوْ زَوْجٍ غَيْرِهِ وَإِلَّا جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ.
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا لَمْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْخِلَافِ التَّوَارُثُ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ وَقَبْلَ لِعَانِهَا فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَتَوَارَثَانِ لَا عَلَى مُقَابِلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِعَانًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْكَامُ إلَّا إذَا وَقَعَ بِحُكْمِ قَاضٍ
[صِفَةِ اللِّعَانِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ: (وَ) صِفَتُهُ أَنْ (يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنَ) أَيْ يَذْكُرَ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ) بِأَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، إنْ كَانَ اللَّعْنُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَهَذَا أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يَقُولُ فِي اللِّعَانِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَزَنَتْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الزِّنَا كَوْنُ الْحَمْلِ مِنْ الزَّانِي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ اللِّعَانُ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَى أَشْهَدُ بِاَللَّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْحُقُوقِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَشَهِدَ بِاَللَّهِ أَرْبَعًا لَرَأَيْتهَا تَزْنِي، أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَقَوْلُ الْمَلَاعِنِ لَرَأَيْتهَا لَعَلَّهُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ الزِّنَا بِحِسٍّ أَوْ جَسٍّ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَقُولُ: تَيَقَّنْتهَا تَزْنِي بَدَلَ رَأَيْتهَا، وَحَرِّرْهُ (ثُمَّ) بَعْدَ الْأَرْبَعِ شَهَادَاتٍ (يُخَمِّسُ بِاللَّعْنَةِ) بِأَنْ يَقُولَ: وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، أَوْ يَقُولَ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ فِي الْخَامِسَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ بَلْ هِيَ لَفْظُ اللَّعْنَةِ فَقَطْ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ وَوَصْلُ خَامِسَةٍ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ ذِكْرَ أَشْهَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجِ (تَلْتَعِنُ هِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ بِأَنْ تَذْكُرَ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ أَيْضًا) تَرُدُّ بِهَا شَهَادَاتِ الرَّجُلِ بِأَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي إنْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا زَنَيْت، إنْ كَانَ قَالَ فِي شَهَادَاتِهِ لَزَنَتْ، وَإِنْ كَانَ قَالَ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، تَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ.
(وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) بِأَنْ تَقُولَ: وَ ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] أَوْ لَقَدْ كَذَبَ فِيهِمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ بُدَاءَةِ الزَّوْجِ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ حُكْمَهُ الْوُجُوبُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ حُكْمَ مَا لَوْ بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْخِلَافِ فِي إعَادَتِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ أَيْضًا حُكْمُ ذِكْرِ أَشْهَدُ وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ النَّاطِقِ، فَلَا يَكْفِي أَحْلِفُ وَلَا أُقْسِمُ، كَمْ يَجِبُ لَفْظُ اللَّعْنِ فِي خَامِسَةِ الرَّجُلِ، وَالْغَضَبِ فِي خَامِسَةِ الْمَرْأَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ أَشْهَدُ وَاللَّعْنُ وَالْغَضَبُ وَبِأَشْرَفِ الْبَلَدِ كَالْمَسْجِدِ لِلْمُسْلِمَةِ وَالْكَنِيسَةِ لِلذِّمِّيَّةِ، وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الدُّخُولِ مَعَهَا فِي الْكَنِيسَةِ، وَلَا تَدْخُلُ هِيَ مَعَهُ الْمَسْجِدَ، وَيَجِبُ كَوْنُهُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ لِتَظْهَرَ الشَّعِيرَةُ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ إثْرَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَيَّدْنَا وُجُوبَ أَشْهَدُ بِالنَّاطِقِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْأَخْرَسِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ إنْ فُهِمَ، كَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ، وَالزَّوْجَةُ الْخَرْسَاءُ كَذَلِكَ، وَالصَّمَّاءُ يَقْذِفُهَا زَوْجُهَا تُلَاعِنُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الطَّلَاقِ اللِّسَانُ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَلَوْ اُعْتُقِلَ لِسَانُ النَّاطِقِ قَبْلَ اللِّعَانِ فَإِنْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُ عُذْرِهِ عَنْ قُرْبٍ أُمْهِلَ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ أَوْ يُرْجَى عَنْ بُعْدٍ فَيُلَاعِنُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ بَعْدَ إتْيَانِ الزَّوْجِ بِشَهَادَاتِهِ (رُجِمَتْ) أَيْ ضُرِبَتْ بِالْحِجَارَةِ إلَى أَنْ تَمُوتَ. (إنْ كَانَتْ حُرَّةً مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ (بِوَطْءٍ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ) الْمَلَاعِنِ (أَوْ) مِنْ (زَوْجٍ غَيْرِهِ) فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ، وَحَصَلَ فِيهِ وَطْءٌ مُبَاحٌ بِانْتِشَارِ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً (جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ) حَيْثُ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً مُكَلَّفَةً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَنِصْفُ الْحَدِّ، وَالذِّمِّيَّةُ يَلْزَمُهَا الْأَدَبُ لِأَذِيَّتِهَا لِزَوْجِهَا وَرُدَّتْ لِحُكَّامِ مِلَّتِهَا بَعْدَ تَأْدِيبِهَا لِاحْتِمَالِ اسْتِحْقَاقِهَا الْحَدَّ عِنْدَهُمْ بِنُكُولِهَا. (وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ) بَعْدَ رَمْيِهِ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا أَوْ قَوْلِهِ لَهَا: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَامْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ وَالْحَالُ أَنَّ زَوْجَتَهُ عَفِيفَةٌ (جُلِدَ) أَيْ حُدَّ لِقَذْفِهَا (حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً حَيْثُ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً مُسْلِمَةً عَفِيفَةً. (وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ) لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِلِعَانٍ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَالزَّوْجَةُ بَالِغَةً فَإِنْ رَمَاهَا بِالزِّنَا فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ انْتَفَى عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ مُطِيقَةً اُلْتُعِنَ دُونَهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَيَتَلَاعَنَانِ، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتْ حُدَّتْ
стр. 471
يَكُنْ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا فَإِنْ كَانَ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا رَجَعَتْ بِمَا أَعْطَتْهُ وَلَزِمَهُ الْخُلْعُ وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ بِرِضَاهَا.
وَالْمُعْتَقَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ لَهَا الْخِيَارُ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ أَوْ تُفَارِقَهُ
وَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ.
وَطَلَاقُ الْعَبْدِ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْبِكْرُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْوَطْءُ بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا مُكَلَّفًا وَالزَّوْجَةُ حُرَّةً مُكَلَّفَةً تَلَاعَنَا، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ لِلْقَذْفِ حَيْثُ كَانَتْ كِتَابِيَّةً وَأَمَةً فَلَا يُحَدُّ لَهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّاكِلَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهِ مِنْ اللِّعَانِ وَلَوْ قَالَ أَرْجِعُ لِلِّعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَوْ عَادَ إلَيْهِ قَبْلُ كَالْمَرْأَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَاعْتَرَضَهُ الْأُجْهُورِيُّ قَائِلًا: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ، الرَّجُلُ لَا يَقْبَلُ وَالْمَرْأَةُ تَقْبَلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نُكُولَهَا كَإِقْرَارِهَا بِالزِّنَا وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَنُكُولُ الرَّجُلِ كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِقَذْفِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَالتَّفْصِيلُ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ.
الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى اللِّعَانِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ، ثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجِ، أَوَّلُهَا: رَفْعُ الْحَدِّ عَنْهُ إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً، أَوْ الْأَدَبُ إذَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً. ثَانِيهَا: إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَوْ أَمَةً، أَوْ الْأَدَبِ عَلَى الذِّمِّيَّةِ إنْ لَمْ يُلَاعِنْ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كَالْمُصَدَّقَةِ.
ثَالِثُهَا: قَطْعُ نَسَبِ الْوَلَدِ. وَثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجَةِ، أَوَّلُهَا: رَفْعُ الْحَدِّ عَنْهَا. ثَانِيهَا: فَسْخُ نِكَاحِهَا اللَّازِمِ.
ثَالِثُهَا: تَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا
ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخُلْعِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ الْوَعْدُ بِهَا فَقَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِلْمَرْأَةِ) الرَّشِيدَةِ (أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا) وَلَوْ سَفِيهًا أَوْ صَبِيًّا (بِصَدَاقِهَا) جَمِيعِهِ (أَوْ) بِ (أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) بِنَصٍّ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَآيَةُ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ، وَيَفُوزُ الزَّوْجُ بِكُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ. (إذَا لَمْ يَكُنْ) الِافْتِدَاءُ نَاشِئًا (عَنْ ضَرَرٍ بِهَا) غَيْرِ شَرْعِيٍّ (فَإِنْ كَانَ) مُسَبَّبًا (عَنْ ضَرَرٍ) أَوْقَعَهُ (بِهَا) فَلَا يَفُوزُ بِهِ وَ (رَجَعَتْ) عَلَيْهِ (بِمَا أَعْطَتْهُ) لَهُ (وَلَزِمَهُ الْخُلْعُ) بَعْدَ إثْبَاتِهَا الضَّرَرَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ الْمَالُ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ عَلَى الضَّرَرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا السَّمَاعِ كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ لَوْ ذَكَرَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَالْخَدَمِ وَنَحْوِهِمْ عُمِلَ بِشَهَادَتِهَا أَوْ امْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَرُدَّ الْمَالُ بِيَمِينِهَا مَعَ شَاهِدٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ، وَلَا يَضُرُّهَا إسْقَاطُ بَيِّنَةِ الضَّرَرِ، وَقَيَّدْنَا بِالرَّشِيدَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الصَّغِيرَةِ وَالسَّفِيهَةِ وَالرَّقِيقَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا عَلَى مَالٍ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَيُرَدُّ الْمَالُ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا مِنْ صَغِيرَةٍ وَسَفِيهَةٍ وَذَاتِ رِقٍّ وَرُدَّ الْمَالُ وَبَانَتْ كَمَا يُرَدُّ بِتَبَيُّنِ كَوْنِهَا بَائِنًا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْخُلْعِ، أَوْ فَاسِدَةَ النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ كَخَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ أَوْ مُتَّصِفَةٍ بِعَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْخِيَارِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعَيْبَ الْمُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ كَالْعَدَمِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَقَيَّدْنَا الضَّرَرَ بِغَيْرِ الشَّرْعِيِّ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ ضَرَبَهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ أَوْ شَتَمَتْهُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي إمْسَاكِهَا مَعَ تَأْدِيبِهَا أَوْ يُفَارِقُهَا وَلَوْ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا تَرْجِعُ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَلَا خَلِيلٌ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ الْمَالُ الْمُخَالَعُ بِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ يَثْبُتُ أَنَّ الطَّلَاقَ لِضَرَرٍ بِهَا، فَهَلْ لِلْأَجْنَبِيِّ الرُّجُوعُ بِهِ كَالزَّوْجَةِ أَوْ لَا؟ وَاسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ الرُّجُوعَ إلَى قَصْدِ الدَّافِعِ، فَإِنْ قَصَدَ بِدَفْعِهِ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ، وَنَظِيرُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَنْ دَفَعَ لِعَبْدٍ مَالًا يُوفِي بِهِ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَإِنْ قَصَدَ تَخْلِيصَهَا أَوْ تَجَرَّدَ دَفْعُهُ عَنْ قَصْدٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ نَظَرًا إلَى مَا يَغْلِبُ قَصْدُ النَّاسِ إلَيْهِ. (وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا) وَهَذَا مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَعَادَهُ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشُهُودٍ (بِرِضَاهَا) إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ رِضَا الْمُجْبِرِ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ وَلَوْ قَبْلَ زَوْجٍ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَحْصُلُ بِدَفْعِ الْعِوَضِ وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَعِلْمِهَا، وَمِثْلُهُ لَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَائِنًا، كَمَا أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا إذَا وَقَعَ بِعِوَضٍ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ رَجْعِيٌّ لَا بِشَرْطِ نَفْيِ الرَّجْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِنًا، بَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى الْخُلْعِ، وَعَدَمِ دَفْعِ عِوَضٍ عِنْدَهُ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ،
وَلَمَّا كَانَ فِرَاقُ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ نَاسَبَ ذِكْرَهُ عَقِبَ مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ بِقَوْلِهِ: (وَ) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ (الْمُعْتَقَةُ) كُلُّهَا عِتْقًا نَاجِزًا وَهِيَ (تَحْتَ الْعَبْدِ لَهَا الْخِيَارُ) فِي (أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ) تَحْتَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا (أَوْ) أَيْ وَلَهَا الْخِيَارُ فِي أَنْ (تُفَارِقَهُ) وَتَسْتَقِلَّ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَغَيْرُهَا يَنْظُرُ لَهَا السُّلْطَانُ، فَإِنْ نَظَرَتْ فِي نَفْسِهَا مَضَى إنْ كَانَ صَوَابًا وَيَجِبُ وَقْفُهَا وَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ حَتَّى تَخْتَارَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ فَقَطْ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا نِصْفَ لَهَا لِمَجِيءِ الْفِرَاقِ مِنْ قِبَلِهَا، كَزَوْجَةِ الْأَبْرَصِ أَوْ الْأَجْذَمِ وَقَيَّدْنَا بِكُلِّهَا، وَبِنَاجِزٍ
стр. 472
طَلْقَتَانِ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَكَفَّارَاتُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ.
وَكُلُّ مَا وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي الْحَوْلَيْنِ مِنْ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ وَإِنْ مَصَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُحَرِّمُ مَا أُرْضِعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا مَا قَرُبَ مِنْهُمَا
ــ
[الفواكه الدواني]
لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُدَبَّرَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ أَوْ الْمُبَعَّضَةِ فَإِنَّهَا لَا خِيَارَ لَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ؟ فَكَانَتْ إحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا» الْحَدِيثَ، وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا» وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فِيهِ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّاسِ، أَيْ وَاَلَّذِي قَالَهُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَمَحَلُّ خِيَارِهَا مَا لَمْ يُعْتِقْهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا إلَّا سَقَطَ خِيَارُهَا كَسُقُوطِهِ مَعَ زَوْجِهَا الْحُرِّ أَصَالَةً.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ وُجُوبِ وَقْفِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا عَدَمُ جَوَازِ تَأْخِيرِهَا بِالِاخْتِيَارِ، إلَّا لِأَجْلِ حَيْضٍ أَوْ لِأَجْلِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ مِنْ الْبَقَاءِ، فَتُؤَخَّرُ مُدَّةَ النَّظَرِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعِتْقِهَا إلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، فَلَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً بَعْدَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ اخْتِيَارُهَا، فَلَوْ تَنَازَعَا فِي الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْجَهْلَ،
وَلَمَّا كَانَ الْفَسْخُ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ لِحُصُولِ الْفِرَاقِ عَقِبَ كُلٍّ مِنْهُمَا قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ) أَوْ مَلَكَهَا بِسَبَبٍ غَيْرِ الشِّرَاءِ كَهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ إرْثٍ. (انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) وَلَوْ بِمِلْكِ بَعْضِهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهَا إذَا طَالَبَتْهُ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ يُطَالِبُهَا بِحَقِّ الْمِلْكِ فَيَتَعَارَضَانِ فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ وَإِنْ طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتِقَ عَنْهَا، وَإِذَا حَصَلَ الْمِلْكُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا صَدَاقَ لَهَا وَلَهُ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ
[طَلَاقُ الْعَبْدِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ يُخَالِفُ الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَطَلَاقُ الْعَبْدِ) وَلَوْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ. (طَلْقَتَانِ) وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَطَلَاقُ الْحُرِّ ثَلَاثٌ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فَيَكْمُلُ النِّصْفُ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ (وَعِدَّةُ) الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ) وَلَوْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ (حَيْضَتَانِ) وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالْمَرْأَةِ عَكْسُ الطَّلَاقِ وَعَبَّرَ بِحَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَا إمَامُنَا اخْتَارَ تَفْسِيرَ الْأَقْرَاءِ بِالْأَطْهَارِ لِاسْتِلْزَامِ الْحَيْضِ لِلطُّهْرِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ طُهْرَانِ بَدَلَ حَيْضَتَانِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ تَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَلَامَ عَلَى الْعِدَّةِ قَبْلَ بَابِهَا جَمْعًا لِلنَّظِيرِ مَعَ نَظِيرِهِ. (وَكَفَّارَاتُ الرَّقِيقِ) الْمُرَادُ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ الرِّقِّ وَلَوْ أُنْثَى. (كَالْحُرِّ) فِي الْجُمْلَةِ فَمَا يَصِحُّ لِلْحُرِّ إخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ مِنْهُ يُخْرَجُ مِنْهُ لِلرَّقِيقِ، وَمَا لَا يَصِحُّ لِلرَّقِيقِ، وَقَوْلُنَا فِي الْجُمْلَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِهِ الْحُرُّ لَا الرَّقِيقُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُرُّ مِدْيَانًا فَيَسْتَوِيَانِ فِي عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَى النِّصْفِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالطَّلَاقِ وَالْحَدِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي الْمُوجِبَاتِ لِلْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي. (بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّ الْعَبْدَ بِمَعْنَى الرَّقِيقِ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَإِضَافَةُ مَعَانِي الْحُدُودِ بَيَانِيَّةٌ أَوْ أَنَّهَا زَائِدَةٌ، فَيُعَدُّ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ نِصْفُ الْحُرِّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: مَا يُسَاوِي الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ وَمَا لَا يُسَاوِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ عَلَى الْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ كَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَالْجُمُعَةِ وَالزَّكَاةِ، وَقِسْمٌ يَجِبُ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَاتِ وَتَحْلِيلِ الْمُحَلَّلَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقِسْمٌ يُشَاطِرُ الرَّقِيقُ الْحُرَّ فِيهِ كَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ، وَقِسْمٌ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ النِّكَاحُ وَأَجَلُ الْمَفْقُودِ انْتَهَى، وَالْمَشْهُورُ التَّسَاوِي فِي النِّكَاحِ، فَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَرْبَعٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَعَلَى النِّصْفِ فِي أَجَلِ الْمَفْقُودِ وَالْمُعْتَرِضِ
[الرَّضَاع]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرَّضَاعِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وُصُولُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ لِمَحَلٍّ مَظِنَّةَ غِذَاءِ آخَرَ لِلتَّحْرِيمِ بِالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ، وَلَا دَلِيلَ إلَّا مُسَمًّى الرَّضَاعِ.، وَعَقَّبَ مَا سَبَقَ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ لِلِّعَانِ، أَوْ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ لِحُصُولِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ كُلٍّ لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ بِالْجَمِيعِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَالَ: (وَكُلُّ مَا وَصَلَ) وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ كَالْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ السَّنْهُورِيِّ (إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي) دَاخِلِ (الْحَوْلَيْنِ مِنْ اللَّبَنِ) وَلَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ طَالِبٍ عَلَيْهِ، وَفَرْعُ اللَّبَنِ كَالْجُبْنِ وَالسَّمْنِ كَهُوَ، وَاحْتُرِزَ بِاللَّبَنِ عَنْ الْمَاءِ الْأَصْفَرِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَخَبَرُ " كُلُّ " الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً. (فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ) مِثْلَ مَا حَرَّمَهُ النَّسَبُ (وَإِنْ) كَانَ الْوَاصِلُ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ (مَصَّةً وَاحِدَةً) عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 473
كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ وَالشَّهْرَيْنِ وَلَوْ فُصِلَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فِصَالًا اسْتَغْنَى فِيهِ بِالطَّعَامِ لَمْ يُحَرِّمْ مَا أُرْضِعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحَرِّمُ بِالْوَجُورِ وَالسَّعُوطِ.
وَمَنْ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَبَنَاتُ فَحْلِهَا مَا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ إخْوَةٌ لَهُ وَلِأَخِيهِ نِكَاحُ بَنَاتِهَا
ــ
[الفواكه الدواني]
وَقَوْلُهُ ﵊: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» لَا تَحْدِيدَ فِيهِ بِعَشْرٍ وَلَا خَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّحْدِيدِ فَمَنْسُوخٌ بِمَا قَدَّمْنَا.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَةَ اللَّبَنِ بِكَوْنِهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، إشَارَةً أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَبِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ، فَإِذَا شَرِبَ الصَّغِيرُ لَبَنَ الْمَيِّتَةِ أَوْ النَّائِمَةِ صَارَ ابْنًا لَهَا فَلَا يَتَزَوَّجُ أُصُولَهَا وَلَا فُرُوعَهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا أَيْضًا بِكَوْنِهَا آدَمِيَّةً، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالْآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ ارْتَضَعَ صَغِيرَانِ عَلَى بَهِيمَةٍ فَلَا يَحْرُمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ أَيْضًا ذَاتَ اللَّبَنِ بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: حُصُولُ لَبَنِ امْرَأَةٍ وَإِنْ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً وَلَوْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ، إلَى قَوْلِهِ: مُحَرِّمٌ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُحَرِّمُ مَا) أَيْ اللَّبَنُ الَّذِي (أُرْضِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ عَلَى ضَمِيرِ مَا (بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا) مَا رَضَعَهُ فِي (مَا قَرُبَ مِنْهُمَا كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ (وَقِيلَ وَالشَّهْرَيْنِ) وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَشَرْطُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعِ مُطْلَقًا عَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالطَّعَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَوْ فُصِلَ) أَوْ مُنِعَ الرَّضِيعُ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ (قَبْلَ) تَمَامِ (الْحَوْلَيْنِ فِصَالًا) بَيِّنًا بِحَيْثُ (اسْتَغْنَى فِيهِ) الرَّضِيعُ (بِالطَّعَامِ) عَنْ اللَّبَنِ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللَّبَنِ (لَمْ يُحَرِّمْ مَا) أَيْ اللَّبَنُ الَّذِي (اُرْتُضِعَ) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ (بَعْدَ ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: إنْ حَصَلَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ زِيَادَةِ الشَّهْرَيْنِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ وَلَوْ فِيهِمَا، فَلَا تَحْرِيمَ بِالرَّضَاعِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَمَانُ الرَّضَاعِ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ الْفِطَامِ بِنَحْوِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُعِيدَ لِلرَّضَاعِ لَكَانَ قُوَّةً فِي غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِصَالًا بَيِّنًا.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ تَنَازَعَتْ الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ فِي فِطَامِ الصَّغِيرِ لَمْ يُلْتَفَتْ لِمَنْ أَرَادَ الْفِطَامَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلْأَبَوَيْنِ مَعًا، فَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لَمْ يُلْتَفَتْ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمَا مَعًا.
قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ.
قَالَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ الرَّضَاعُ عُرْفًا شُرْبَ الْوَلَدِ بِفَمِهِ وَكَانَ التَّحْرِيمُ يَحْصُلُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ مِنْ الْأَنْفِ أَوْ مِنْ الدُّبُرِ قَالَ: (وَيُحَرِّمُ) اللَّبَنُ الْوَاصِلُ إلَى الْجَوْفِ (بِالْوَجُورِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ الصَّبُّ فِي الْحَلْقِ. (وَالسَّعُوطِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الصَّبُّ فِي الْأَنْفِ.
قَالَ خَلِيلٌ: حُصُولُ لَبَنِ امْرَأَةٍ وَإِنْ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً بِوَجُورٍ أَوْ سَعُوطٍ أَوْ حُقْنَةٍ تَكُونُ غِذَاءً أَوْ خَلْطُ الْأَغْلَبِ وَلَا كَمَاءٍ أَصْفَرَ، إلَى قَوْلِهِ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَ النَّسَبُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَتَوَقَّفَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي الْأَصْلِ إلَى الْجَوْفِ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَفَوْقَهَا وَيَظْهَرُ لِي التَّحْرِيمُ، لِأَنَّ الثُّقْبَةَ النَّافِذَةَ إلَى مَحَلِّ الْغِذَاءِ تُشْبِهُ الدُّبُرَ، وَالْوَاصِلُ مِنْهُ إلَى مَحَلِّ الْغِذَاءِ مُحَرِّمٌ، لِأَنَّهُمْ عَوَّلُوا عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، نَعَمْ جَرَى التَّرَدُّدُ فِي الْحَاصِلِ بِالْحُقْنَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْغِذَاءِ مِنْهُ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا؟ وَكَلَامُ خَلِيلٍ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ ذَلِكَ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ لَا، وَيَظْهَرُ لِي مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْمَصَّةِ رُجْحَانُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي لَبَنِ الْخُنَثِي الْمُشْكِلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَرِّمُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، قَالَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ مِثْلُ تَحْرِيمِ الْوِلَادَةِ، وَيَحْرُمُ لَهُ مِثْلُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ نَحْوِ أُمِّ أَخِيك الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا أُمَّ أَخِيك وَأُخْتِك، أَوْ أُمَّ وَلَدِك وَجَدَّةَ وَلَدِك وَأُخْتَ وَلَدِك وَأُمَّ عَمِّك وَعَمَّتِك وَأُمَّ خَالِك وَخَالَتِك فَقَدْ لَا يَحْرُمْنَ مِنْ الرَّضَاعِ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَقَدْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّحْقِيقِ وَنَاقَشَهُ بَعْضٌ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيُّ
(وَمَنْ أَرْضَعَتْ) مِنْ الْآدَمِيَّاتِ (صَبِيًّا) لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ اللَّبَنِ. (فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ) وَلَوْ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ فَحْلِهَا الْيَوْمَ (وَبَنَاتُ فَحْلِهَا) الْيَوْمَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الرَّضَاعُ بِلَبَنِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ. (مَا تَقَدَّمَ) عَلَى رَضَاعِهِ (أَوْ تَأَخَّرَ) عِنْدَ الْجَمِيعِ (أُخُوَّةٌ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الصَّبِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ ثَلَاثَةٌ: الرَّضِيعُ وَالْمُرْضِعَةُ وَفَحْلُهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّضِيعُ ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَجَمِيعُ أَقَارِبِهَا إلَّا بَنَاتَ إخْوَتِهَا وَأَخَوَاتِهَا لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ وَبَنَاتُ أَخْوَالٍ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَقَارِبِ الزَّوْجِ صَاحِبِ اللَّبَنِ إلَّا بَنَاتَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ أَعْمَامٍ وَعَمَّاتٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّضِيعُ أُنْثَى حُرِّمَتْ عَلَى أَقَارِبِ الْمُرْضِعَةِ إلَّا بَنِي إخْوَتِهَا وَأَخَوَاتُهَا، وَكَذَا تَحْرُمُ عَلَى أَقَارِبِ الزَّوْجِ إلَّا عَلَى بَنِي إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَتَحْرُمُ الرَّضِيعَةُ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ وَمَا تَنَاسَلَ مِنْهَا لِأَنَّهَا بِنْتُهُ، وَمَا يَتَنَاسَلُ مِنْهَا حَفَدَةٌ، وَمِنْ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إلَى الْأَطْرَافِ، ثُمَّ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، بَيَانُهُ
стр. 474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
إذَا حُرِّمَتْ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا لِأَنَّهُنَّ جَدَّاتٌ، وَأَخَوَاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا، وَأَوْلَادُهَا مِنْ الْجِهَتَيْنِ إخْوَةٌ، وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الْإِخْوَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الرَّضِيعِ أَحْفَادُ الْمُرْضِعَةِ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي الرَّضِيعِ وَلَا عَلَى أَخِيهِ، وَكَذَلِكَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ أَوْ الْمُرْتَضِعِ، وَأَبُوهُ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمٌّ، وَوَلَدُهُ أَخٌ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ مِنْهُ بِصَاحِبِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الرَّضِيعَ يَصِيرُ أَخًا لِأَوْلَادِ فَحْلِ الْمُرْضِعَةِ، وَلَوْ كَانَ رَضَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الْفَحْلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَكُونُ أَخًا لِبَنَاتِ ذَلِكَ الْفَحْلِ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا إذَا كَانَ قَدْ وَطِئَ الْمُرْضِعَةَ وَأَنْزَلَ قَبْلَ الْإِرْضَاعِ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ لَبَنِ ذَلِكَ الْفَحْلِ، وَأَمَّا لَوْ رَضَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحِهِ إيَّاهَا ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الرَّضَاعِ فَلَا تَكُونُ بَنَاتُهُ أَخَوَاتٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهِ حَتَّى يَكُونَ ابْنًا لَهُ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ لِلرَّبِيبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ امْرَأَةِ أَبِيهِ مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ حَيْثُ شَرَطُوا عَدَمَ رَضَاعِهَا مِنْ لَبَنِ أَبِيهِ بِأَنْ فُطِمَتْ قَبْلَ نِكَاحِ أَبِيهِ لِأُمِّهَا.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ أَرْضَعَ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: أَرْضَعَتْ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمِرٍ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حَرْ
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إلَى لَفْظِ مَنْ فَاتَهُ يَجُوزُ مُرَاعَاةُ لَفْظِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] إذْ لَوْ رَاعَى الْمَعْنَى لَقَالَ: وَمَنْ تَقْنُتْ لِأَنَّ التَّاءَ مَعَ الْمُضَارِعِ كَالتَّاءِ مَعَ الْمَاضِي فِي اللُّزُومِ، وَقَوْلُهُ: فَبَنَاتُهَا وَبَنَاتُ فَحْلِهَا إخْوَةٌ، كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَخَوَاتٌ لِأَنَّهُ جَمْعُ أُخْتٍ وَإِخْوَةً جَمْعُ أَخٍ الْمَذْكُورِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ رَاعَى لَفْظَ مَا مِنْ قَوْلِهِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ بَنَاتِهَا أَخَوَاتٍ لِلرَّضِيعِ وَعَدَمِ حِلِّهِنَّ لِإِخْوَتِهِ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِأَخِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الصَّبِيِّ نَسَبًا (نِكَاحُ بَنَاتِهَا) لِأَنَّ الَّذِي يُقَدَّرُ وَلَدًا لِلْمُرْضِعَةِ خُصُوصُ الرَّضِيعِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَلِصَاحِبِهِ مِنْ وَطْئِهِ، فَكَأَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ بَطْنِهَا وَمِنْ ظَهْرِهِ وَفُرُوعُهُ كَهُوَ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ وَأُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَعَمَّاتُهَا وَخَالَاتُهَا كَمَا تَحْرُمُ عَلَى فُصُولِهِ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَى أُصُولِهِ وَلَا عَلَى إخْوَتِهِ، وَيَسْتَمِرُّ كُلُّ مَنْ رَضَعَ وَلَدًا لِصَاحِبِ اللَّبَنِ لِانْقِطَاعِهِ وَإِنْ بَعْدَ سِنِينَ وَاشْتَرَكَ مَعَ الْقَدِيمِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ أُصُولَ الرَّضِيعِ مَعَ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إخْوَتُهُ أَجَانِبُ فِي تِلْكَ الْمُرْضِعَةِ فَتَحِلُّ لَهُنَّ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَلِصَاحِبِهِ مَنْ وَطْئِهِ لِانْقِطَاعِهِ وَإِنْ بَعْدَ سِنِينَ فَمُحْتَرِزٌ خَاصَّةً أُصُولُهُ وَإِخْوَتُهُ، وَأَمَّا فُصُولُهُ فَلَمْ يُحْتَرَزْ بِخَاصَّةٍ عَنْهَا بَلْ هُمْ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(تَتِمَّتَانِ) الْأُولَى: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ إنْ فَشَا قَبْلَ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ أَوْ أُمَّهَاتِهِمَا، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ، لَا بِامْرَأَةٍ وَلَوْ فَشَا وَلَوْ كَانَتْ عِدْلَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّضَاعِ حَصَلَ فِي زَمَنِ إسْلَامِ الْمَرْأَةِ أَوْ كُفْرِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَرَضَاعُ الْكُفْرِ مُعْتَبَرٌ، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ رَضَعَ عَلَى كَافِرَةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَوْلَادِهَا وَلَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ.
الثَّانِيَةُ: الرَّضَاعُ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ مُحَرِّمٌ، كَمَا أَنَّ الشَّكَّ فِي وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ مُحَرِّمٌ كَمَا عِنْدَ ابْنِ نَاجِي وَتَبِعَهُ الْخَطَّابُ وَالسَّنْهُورِيُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
[بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ]
[أَسْبَابُ الْعِدَّةِ]
وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ قَدْ يَتَسَبَّبُ عَنْ ثُبُوتِ الرَّضَاعِ نَاسَبَ ذِكْرَ بَابِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ:
стр. 475
بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَالْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ قُرْءَانِ كَانَ الزَّوْجُ فِي جَمِيعِهِنَّ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَالْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ أَوْ مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ فَثَلَاثَةُ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) بَيَانُ أَحْكَامِ (الْعِدَّةِ) وَقَدْرِهَا، وَمَنْ تَلْزَمُهَا، وَمَنْ لَا تَلْزَمُهَا، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرْكُهُ زَمَنَهَا. وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ مَنْعِ مَنْ طَلَّقَ رَابِعَةً مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا لَا يُقَالُ لَهُ عِدَّةٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ النِّكَاحِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ كَزَمَنِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْمَرَضِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مُعْتَدٍ (وَ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ (النَّفَقَةِ) وَهِيَ مَا بِهِ قَوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ.
(وَ) فِي بَيَانِ (الِاسْتِبْرَاءِ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ غَامِضٍ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الْأَرْحَامِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ. وَأَسْبَابُ الْعِدَّةِ ثَلَاثَةٌ: مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَهَا ثَلَاثَةٌ أَقْرَاءٌ وَشُهُورٌ وَوَضْعُ حَمْلٍ. وَبَدَأَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ) الْبَالِغِ غَيْرِ الْحَامِلِ (الْمُطَلَّقَةِ) بَعْدَ خَلْوَةِ زَوْجِهَا الْبَالِغِ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ خَلْوَةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِيهَا (ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ) جَمْعُ قَرْءٍ بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ أَطْهَارٍ، وَتَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُطَلِّقِ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ، أَوْ الرَّابِعَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَتَعَجَّلَ بِالْعَقْدِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ، بَلْ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ؛ لِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْعِدَّةِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا يُقَالُ: مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ وَعَدَمُ الْحِلِّ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ الِاسْتِمْرَارُ وَعَدَمُ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ، وَقَيَّدْنَا الْحُرَّةَ بِالْبَالِغِ لِقَوْلِهِ ثَلَاثُ أَقْرَاءٍ، وَبِغَيْرِ الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ حَمْلِهَا كَمَا يَأْتِي، وَبِالزَّوْجِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ زَوْجَةَ الصَّبِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْمَوْتِ، وَبِغَيْرِ الْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ إنْ كَانَ يُعَالِجُ وَيُنْزِلُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ خَلِيلٌ، وَعَلَى الثَّانِي عِيَاضٌ، وَإِلَى هَذِهِ الْقُيُودِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: تَعْتَدُّ حُرَّةٌ وَإِنْ كِتَابِيَّةً بِخَلْوَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَجْبُوبٍ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ إنْ نَفَيَاهُ. وَأَمَّا مَقْطُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ قَائِمُ الذَّكَرِ فَيَجِبُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْعِدَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ (كَانَتْ) تِلْكَ الْحُرَّةُ الْمُطَلَّقَةُ (مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً) طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ أَوْ أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
(وَ) أَمَّا عِدَّةُ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ (الْأَمَةُ وَ) كُلُّ (مَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَمُبَعَّضَةٍ وَأَوْلَى الْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ فَهِيَ (قَرْءَانِ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ طُهْرَانِ، فَتَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ، أَوْ الثَّالِثَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي حَيْضٍ، وَإِنَّمَا اعْتَدَّتْ بِقَرْأَيْنِ مَعَ أَنَّ الرَّقِيقَ عَلَى النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْقَرْءَ لَا يَتَبَعَّضُ وَسَوَاءٌ (كَانَ الزَّوْجُ فِي جَمِيعِهِنَّ) أَيْ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْقِنِّ، وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا) لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالْمَرْأَةِ، وَفِي الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالطَّلَاقَ مِنْ الزَّوْجِ. ثُمَّ فَسَّرَ الْأَقْرَاءَ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَقْرَاءُ) مَعْنَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي) تَحْصُلُ (بَيْنَ الدَّمَيْنِ) خِلَافًا لِمَنْ أَرَادَ بِهَا الْحَيْضَ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ بِلَفْظِ الْأَقْرَاءِ الدِّمَاءَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ قَرْءٌ وَاحِدٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَقْرَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْحَيْضَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، حَيْثُ كَانَتْ تُمَيِّزُ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ مُرْتَابَةً، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
(تَنْبِيهٌ) . مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَسَّرَهَا بِالدِّمَاءِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَيَانُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهَا حِلُّهَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ أَقْرَاءٍ إذَا كَانَ طَلَاقُهَا فِي آخِرِ طُهْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْمُنْقَضِي طُهْرَانِ وَبَعْضُ طُهْرٍ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْجَمْعَ قَدْ أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِ - تَعَالَى - عَلَى مُعْظَمِ الْمُدَّةِ
стр. 476
أَشْهُرٍ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ.
وَ عِدَّةُ الْحَامِلِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَضْعُ حَمْلِهَا كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَالْمُطَلَّقَةُ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ
ــ
[الفواكه الدواني]
كَ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مَعَ أَنَّهُ فِي شَهْرَيْنِ وَعَشْرِ لَيَالٍ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ طُهْرٍ كَامِلٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاعْتَدَّتْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَحْظَةً.
لَمَّا فَرَغَ مِنْ عِدَّةِ ذَاتِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهَا فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ) الْمُطَلَّقَةُ (مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ وَلَكِنْ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ (أَوْ) كَانَتْ كَبِيرَةً لَكِنْ (قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ) بِأَنْ جَاوَزَتْ السَّبْعِينَ (فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) عِدَّتُهَا (فِي) حَقِّ (الْحُرَّةِ، وَ) مِثْلُهَا (الْأَمَةُ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أَيْ عِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَأَيْضًا الْحَمْلُ لَا يَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَتُعْتَبَرُ الشُّهُورُ بِالْأَهِلَّةِ، وَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ عَمِلَتْ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى الْأَهِلَّةِ وَكَمَّلَتْ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ الرَّابِعِ، وَلَوْ كَانَ الْمُنْكَسِرُ نَاقِصًا، وَلَا تَحْسُبُ يَوْمَ الطَّلَاقِ إنْ طَلُقَتْ بَعْدَ فَجْرِهِ، وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا عِدَّةَ طَلَاقٍ عَلَيْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: زَوْجَةُ الصَّبِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَوْ كَبِيرَةً وَهُوَ مُطِيقٌ، وَالْمُطِيقَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حَيْثُ كَانَ زَوْجُهَا بَالِغًا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَاءَ لَهُ قَطْعًا فَعَدَمُ الْحَمْلِ مِنْ وَطْئِهِ مُحَقَّقٌ، وَأَمَّا الْمُطِيقَةُ فَلَا يُقْطَعُ بِعَدَمِ حَمْلِهَا لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْبَنَاتِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا تَعْتَدُّ الصَّغِيرَةُ بِشَرْطِهَا بِالْأَشْهُرِ حَيْثُ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي آخِرِهَا وَإِلَّا انْتَقَلَتْ لِلْأَقْرَاءِ، وَالْآيِسَةُ إذَا رَأَتْ الْحَيْضَ فِي أَثْنَاءِ أَشْهُرِهَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ.
[عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ]
وَمِمَّا تَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ أَيْضًا عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَشَارَ إلَيْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ) الزَّوْجَةِ (الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ) الْمُسْتَحَاضَةِ أَيْضًا يَسْتَرْسِلُ عَلَيْهَا الدَّمُ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ الْمُعْتَادِ لَهُمَا (فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ) بِشَرْطِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ، وَمِثْلُهُمَا فِي الِاعْتِدَادِ بِسَنَةٍ مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ لِمَرَضٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ أَوْ مَرِضَتْ تَرَبَّصَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةٍ، فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ كُلَّ السَّنَةِ لَيْسَ بِعِدَّةٍ بَلْ تِسْعَةٌ اسْتِبْرَاءٌ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ عِدَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ عَلَى كُلِّ السَّنَةِ عِدَّةً، وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا مَيَّزَتْ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ لَا بِالْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْمُمَيَّزَ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ يُعَدُّ حَيْضًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُمَيَّزُ بَعْدَ طُهْرٍ تَمَّ حَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
[عِدَّةُ الْحَامِلِ]
وَمِمَّا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ أَيْضًا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحَامِلِ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَضْعُ حَمْلِهَا) كُلِّهِ حَيْثُ كَانَ لَاحِقًا أَوْ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ دَمًا مُجْتَمِعًا سَوَاءٌ (كَانَتْ) تِلْكَ الْمُعْتَدَّةُ (حُرَّةً أَوْ أَمَةً) مُسْلِمَةً (أَوْ كِتَابِيَّةً) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَهَذِهِ مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقَوْله تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وَإِنَّمَا خَصَّصَتْ آيَةُ الْحَوَامِلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِدَّةِ الِاسْتِدْلَال عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَوَضْعُ الْحَمْلِ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ الزَّمَانِ وَالْحَيْضِ، وَقَوْلُنَا اللَّاحِقُ بِالْفِعْلِ أَوْ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ؛ لِيَدْخُلَ حَمْلُ الْمُلَاعَنَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا فَلَا تَنْقَضِي عِدَّةُ زَوْجَتِهِ بِوَضْعِ حَمْلِهَا لَا مِنْ مَوْتٍ وَلَا طَلَاقٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فِي الطَّلَاقِ تَعُدُّ نَفْسَهَا حَيْضَةً، وَعَلَيْهَا فِي الْوَفَاءِ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَهُوَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْوَضْعِ، أَوْ تَمَامُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي الْحُرَّةِ، أَوْ الشَّهْرَيْنِ وَالْخَمْسِ لَيَالٍ فِي الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ، وَقَوْلُنَا كُلُّهُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِوَضْعِهِمَا، فَلَوْ نَزَلَ بَعْضُ الْوَاحِدِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ وَلَوْ الثُّلُثُ فَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَوْ مَاتَ الْحَمْلُ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ وَبَقِيَ فِي بَطْنِهَا نَحْوُ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ كَمَا لَوْ تَقَطَّعَ الْحَمْلُ وَتَأَخَّرَ ذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَوْكِيدِ خَلِيلٍ بِكُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَعْضِ الْبَاقِي الْمُتَّصِلِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. نَعَمْ ظَهَرَ لَنَا حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِتَمَامِ وَضْعِ الْحَمْلِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمِّ وَالْأَبِ، كَأَنْ تَضَعَ حَيَوَانًا بَهِيمًا، وَرُبَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
وَلَمَّا كَانَ مُوجِبُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ الدُّخُولَ بِهَا قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ) مُطَلِّقُهَا الْبَالِغُ (بِهَا) أَوْ دَخَلَ وَلَكِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَطْؤُهَا (لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) إلَّا أَنْ تُقِرَّ الزَّوْجَةُ بِهِ أَوْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُؤْمِنَاتِ، وَلِأَنَّ
стр. 477
كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَفِي الْأَمَةِ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِذَلِكَ لَا عِدَّةَ عَلَى زَوْجَةِ الصَّغِيرِ، وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْوَفَاةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ بُلُوغِ زَوْجٍ أَوْ إطَاقَةِ زَوْجَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَرْبًا مِنْ التَّعَبُّدِ.
[عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا غَيْرِ الْحَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ) لِزَوْجِهَا وَلَوْ عَبْدًا (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) بِرَفْعِ أَرْبَعَةُ وَعَشْرٌ خَبَرُ عِدَّةُ الْوَاقِعَةُ مُبْتَدَأٌ سَوَاءٌ (كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً) وَلَوْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ غَيْرَ مُطِيقَةٍ أَوْ الْكَبِيرَةُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهَا وَسَوَاءٌ (دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً) حَيْثُ كَانَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ مُسْلِمًا كَانَ الزَّوْجُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ، أَوْ لَا كَصَبِيٍّ أَوْ مَجْبُوبٍ حَيْثُ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ كَخَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، إلَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ مُطِيقَةٌ فَتَعْتَدُّ كَالْمُطَلَّقَةِ، وَكَذِمِّيَّةٍ تَحْتَ ذِمِّيٍّ يَمُوتُ عَنْهَا وَيُرِيدُ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً تَحِيضُ، أَوْ بِحَيْضَةٍ إنْ كَانَتْ أَمَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِلَّا فَكَالْمُطَلَّقَةِ إنْ فَسَدَ.
قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ، وَإِنْ تَكُنْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَامِلًا وَالْحَالُ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ عَنْهَا وَنِكَاحُهَا مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَقَرْءَانِ إنْ كَانَتْ أَمَةً وَهَذَا إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِلَّا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ أَوْ آيِسَةً اُسْتُبْرِئَتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: كَالذِّمِّيَّةِ تَحْتَ ذِمِّيٍّ تَشْبِيهٌ فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ، وَاحْتُرِزَ بِتَحْتِ ذِمِّيٍّ عَمَّا لَوْ كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَمَاتَ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَنْقَضِي قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا أَوْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا تَحِلُّ إلَّا إنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: إنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَا رِيبَةَ بِهَا، وَإِلَّا انْتَظَرَتْهَا أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ لَا تَتِمُّ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْحَيْضَ فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ وَتَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا إمَّا لِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ وَلَمْ تُمَيِّزْ، أَوْ كَانَتْ تَتِمُّ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِ حَيْضَتِهَا وَلَكِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ بِهَا رِيبَةٌ مِنْ جَسِّ بَطْنٍ انْتَظَرَتْ الْحَيْضَةَ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْحَيْضَةِ عَنْ عَادَتِهَا، وَكَذَا قَوْلُ النِّسَاءِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَيْضَةِ أَوْ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ أَوْ لَمْ تَزُلْ حَلَّتْ، وَإِنْ زَادَتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ انْتَظَرَتْ أَقْصَى الْأَمَدِ، إلَّا أَنْ تَزُولَ الرِّيبَةُ قَبْلَ الْأَقْصَى، وَإِلَّا حَلَّتْ، وَالْأَقْصَى قِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ، فَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ذَاتِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَتَحِلُّ بِتَمَامِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَمِثْلُهَا الْمَأْمُونَةُ الْحَمْلِ إمَّا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا أَوْ كَوْنِ الزَّوْجِ لَا يُولَدُ لَهُ تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَكَذَا غَيْرُ مَأْمُونَةِ الْحَمْلِ وَلَكِنْ تَتِمُّ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، أَوْ لَا تَتِمُّ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضِهَا وَلَكِنْ أَتَاهَا الْحَيْضُ فِيهَا أَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ لِمَرَضٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَيْضَةِ أَوْ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَتَحِلُّ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ رِيبَةٌ بَعْدَ التِّسْعَةِ فَتَمْكُثُ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَأَخُّرَ الْحَيْضِ لِمَرَضٍ كَالتَّأَخُّرِ لِغَيْرِ سَبَبٍ فِي انْتِظَارِ الْحَيْضِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، وَحَكَى عَلَيْهِ ابْنُ بَشِيرٍ الِاتِّفَاقَ أَنَّهُ كَالتَّأْخِيرِ لِلرَّضَاعِ فَتَحِلُّ بِتَمَامِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ حَيْثُ قَالَتْ النِّسَاءُ لَا رِيبَةَ بِهَا.
الثَّانِي: إنَّمَا تَرَكَ التَّاءَ مِنْ عَشْرٍ حَيْثُ قَالَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ؛ إمَّا لِأَنَّ الْمُرَادَ عَشْرُ مُدَدٍ كُلَّ مُدَّةٍ وَلَيْلَةٍ، وَالْمُدَّةُ مُؤَنَّثَةٌ وَالتَّاءُ تُتْرَكُ مِنْ الْمَعْدُودِ الْمُؤَنَّثِ مِنْ الثَّلَاثِ إلَى الْعَشَرَةِ أَوْ تَغْلِيبًا لِلَّيَالِيِ عَلَى الْأَيَّامِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهَا، فَلَوْ زُوِّجَتْ بَعْدَ عَشْرِ لَيَالٍ وَقَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ فُسِخَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ يَتَحَرَّكُ فِيهَا الْحَمْلُ، وَزِيدَتْ الْعَشْرُ لِاحْتِمَالِ نَقْصِ الشُّهُورِ أَوْ تَأَخُّرِ الْحَرَكَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَأْنِيثَ الْعَشْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّيْلِيُّ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرِ لَيَالٍ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الْحُرَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) قَدْرُ زَمَنِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ (فِي) حَقِّ الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَمُبَعَّضَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ (شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ) مَعَ أَيَّامِهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ مَجْبُوبٍ أَوْ صَغِيرٍ، أَوْ رَأَتْ الْحَيْضَ فِي دَاخِلِهَا، أَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَإِلَّا مَكَثَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَتَحِلُّ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتَمْكُثَ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَتَحِلَّ، إلَّا تَزِيدُ الرِّيبَةُ فَتَمْكُثُ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ
стр. 478
مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ فَتَقْعُدُ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ.
وَأَمَّا الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَقَدْ بُنِيَ بِهَا فَلَا تُنْكِحُ فِي الْوَفَاةِ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَالْإِحْدَادُ أَنْ لَا تَقْرَبَ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ بِحُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَجْتَنِبَ الصِّبَاغَ كُلَّهُ إلَّا الْأَسْوَدَ وَتَجْتَنِبَ الطِّيبَ كُلَّهُ وَلَا تَخْتَضِبَ بِحِنَّاءٍ وَلَا تَقْرَبُ دُهْنًا مُطَيِّبًا وَلَا تَمْتَشِطُ
ــ
[الفواكه الدواني]
مُكْثُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ مِنْ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَإِنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ لِقِصَرِ مُدَّةِ عِدَّةِ الْأَمَةِ فَلَا يَظْهَرُ الْحَمْلُ فِيهَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَنَصَّفَتْ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتِسْعَةٌ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ ذَاتَ الْحَيْضِ الْمَدْخُولَ بِهَا إنْ لَمْ تَحِضْ دَاخِلَهَا تَمْكُثُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، سَوَاءٌ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا أَمْ لَا، وَلَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ فَرَاجِعْهُ، وَلَمَّا كَانَ حِلُّ الْمُعْتَدَّةِ بِانْقِضَاءِ زَمَنِ عِدَّتِهَا مَشْرُوطًا بِعَدَمِ رِيبَتِهَا قَالَ: (مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً (بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ) ، وَإِلَّا (فَتَقْعُدْ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ) إمَّا بِحَيْضَةٍ أَوْ بِتَمَامِ مُضِيِّ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ، هَذَا حُكْمُ الْمُرْتَابَةِ بِتَأَخُّرِ الْحَيْضِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا مَدْخُولٌ بِهَا وَتَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا عَنْ عَادَتِهَا وَزَوْجُهَا يُولَدُ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ رِيبَتُهَا بِجَسِّ بَطْنٍ فَإِنَّهَا تَمْكُثُ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ أَرْبَعَ أَوْ خَمْسَ سِنِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَاتَ الرِّيبَةِ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ الْأَمَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي حُكْمِ غَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ (الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَ) الْحَالُ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ (قَدْ بَنَى بِهَا فَلَا) يَحِلُّ أَنْ (تُنْكِحَ فِي الْوَفَاةِ إلَّا بَعْدَ) مُضِيِّ (ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَحِلُّ بِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَنَّ الَّتِي يَتَوَقَّفُ حِلُّهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنَّمَا هِيَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَنَصَّفَتْ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتِسْعَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ يَأْسٍ أَوْ حَاضَتْ فِيهَا أَوْ كَانَ زَوْجُهَا صَغِيرًا أَوْ مَجْبُوبًا فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ضَعِيفٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَوَابِعِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِحْدَادُ) لُغَةً الِامْتِنَاعُ مِنْ حَدَدْت الرَّجُلَ مِنْ كَذَا إذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ وَأَحَدَّتْ الْمَرْأَةُ امْتَنَعَتْ مِنْ الزِّينَةِ، وَمِنْهُ الْحُدُودُ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الْجَانِيَ مِنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِ مَا فَعَلَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ لَا تَقْرَبَ) الْمَرْأَةُ (الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَرَكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ، وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً، وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ بِالْمَصْبُوغِ، وَلَوْ أَدْكَنَ إنْ وَجَدَتْ غَيْرَهُ إلَّا الْأَسْوَدَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» .
قِيلَ: الْعَصْبُ ثِيَابٌ مِنْ الْيَمَنِ فِيهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَالنُّبْذَةُ بِضَمِّ النُّونِ الْقِطْعَةُ وَالشَّيْءُ الْيَسِيرُ، وَالْقُسْطُ بِضَمِّ الْقَافِ، وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مِنْ الْبَخُورِ رَخَّصَ فِيهِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ لِتَطْهِيرِ الْمَحَلِّ، وَإِزَالَةِ كَرَاهِيَتِهِ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَصَرَ مَالِكٌ الْإِحْدَادَ عَلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الْإِبْعَادُ عَمَّا تُرَادُ الْمَرْأَةُ لَهُ صَوْنًا لِلْأَنْسَابِ، وَإِنْ ارْتَابَتْ فَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ، وَصِلَةُ الزِّينَةِ (بِحُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ نَحْوِ إزَالَةٍ لِشُعْثٍ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَكْتَحِلُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَتَسْتَعْمِلُهُ لَيْلًا وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ مُعْتَدَّةٍ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا: اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ نَهَارًا» وَعَيْنُهَا بِضَمِّ النُّونِ فَاعِلُ اشْتَكَتْ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ بِمَعْنَى مَرِضَتْ عَيْنُهَا، وَالْحُلِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُفْرَدٌ فَيَكُونُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَمْعٌ فَيَكُونُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْيَاءِ جَمْعُ حَلْيٍ وَهُوَ كُلُّ مَا تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ قُرْطٍ وَسِوَارٍ وَخَاتَمِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَعْنَى لَا تَقْرَبُ الزِّينَةَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ زَمَنَ عِدَّتِهَا عَصَتْ وَوَجَبَ عَلَيْهَا التَّوْبَةُ، وَإِنْ اكْتَفَتْ بِعِدَّتِهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَجْتَنِبَ) لُبْسَ سَائِرِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ (الصِّبَاغِ كُلِّهِ إلَّا) الْمَصْبُوغَةَ بِنَوْعِ (الْأَسْوَدِ) فَإِنَّهَا لَا تَجْتَنِبُهُ، وَإِنْ وَجَدَتْ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ زِينَةً لَهَا لِشِدَّةِ بَيَاضِهَا. (وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَجْتَنِبَ الطِّيبَ كُلَّهُ) الْمُذَكَّرَ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى أَثَرُهُ كَالْوِرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، وَمُؤَنَّثِهِ وَهُوَ مَا يَخْفَى لَوْنُهُ وَتَظْهَرُ رَائِحَتُهُ كَالْمِسْكِ وَالزُّبْدَةِ، وَعَبَّرَ بِتَجْتَنِبُ إشَارَةً لِلتَّعْمِيمِ فَلَا تَتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا تَتَّجِرُ بِهِ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى ذَلِكَ فِي تَمَعُّشِهَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا الضَّيَاعَ بِتَرْكِ ذَلِكَ، وَإِلَّا انْبَغَى الْجَوَازُ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (لَا تَخْتَضِبَ بِحِنَّاءٍ) قَالَ خَلِيلٌ: فَلَا تَمْتَشِطُ بِحِنَّاءٍ أَوْ كَتَمٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَهُوَ شَيْءٌ أَسْوَدُ يُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرُ يُذْهِبُ حُمْرَتَهُ وَلَا يُسَوِّدُهُ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (لَا تَقْرَبَ
стр. 479
بِمَا يُخْتَمَرُ فِي رَأْسِهَا وَعَلَى الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ الْإِحْدَادُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْكِتَابِيَّةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ إحْدَادٌ وَتُجْبَرُ الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ.
وَ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا فَإِنْ قَعَدَتْ عَنْ الْحَيْضِ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ حَيْضَةٌ انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ
ــ
[الفواكه الدواني]
دُهْنًا مُطَيِّبًا وَلَا تَمْتَشِطُ بِمَا تُخْتَمَرُ) أَيْ تَبْقَى رَائِحَتُهُ (فِي رَأْسِهَا) بِخِلَافِ نَحْوِ الزَّيْتِ وَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ فَيَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِحْدَادُ مُتَحَتِّمًا عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا قَالَ: (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْأَمَةِ) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (وَالْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ الْإِحْدَادُ) لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرَةِ الْوَلِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجَنِّبَهَا كُلَّ مَا يُزَيِّنُ زَمَنَ عِدَّتِهَا.
(وَاخْتُلِفَ فِي) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (الْكِتَابِيَّةِ) فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا وَعَدَمِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتُرِكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ، وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً، وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ لَا تَلْبَسُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْمُعَصْفَرَ، وَلَمَّا كَانَ الْإِحْدَادُ مَشْرُوعًا خَوْفَ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، خُصَّ بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا دُونَ الْمُطَلَّقَةِ وَلِذَا قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ) زَمَنَ عِدَّتِهَا (حَدَّادٌ) وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَأَمْكَنَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْفِيَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا. (وَتُجْبَرُ) الزَّوْجَةُ (الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ) زَوْجِهَا (الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ) فَتَتَرَبَّصُ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَفِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ أَوْ كَبِيرَةً لَا تَحِيضُ، وَمَفْهُومُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَوْجُهَا كَافِرًا لَا يَكُونُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا إنْ أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَلَوْ فِي الْوَفَاةِ حَيْثُ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَتْ الْعِدَّةُ مُخْتَصَّةً بِالزَّوْجَةِ.
[عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا]
شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِالْمِلْكِ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَوْ يُعْتِقُهَا بِبَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ) وَهِيَ الْحُرَّةُ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا (مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهَا كَالْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَوْ عِدَّةَ حُرَّةٍ وَلَوْ مِنْ وَفَاةٍ. (كَذَلِكَ) تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ (إنْ أَعْتَقَهَا) قَبْلَ مَوْتِهِ، وَأَرَادَ الْغَيْرُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا مَفْهُومَ لِأُمِّ الْوَلَدِ بَلْ كُلُّ أَمَةٍ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا لَا تَتَزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ أُمَّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ فِيهَا شَائِبَةَ حُرِّيَّةٍ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَيْضَةَ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِيهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ فِي الْمَوْتِ أَوْ عِنْدَ عِتْقِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِالْغَيْرِ عِنْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الْحَيْضَةِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَلَوْ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا اسْتَأْنَفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا كَالْحُرَّةِ تَطْهُرُ مِنْ الْحَيْضِ ثُمَّ يَمُوتُ الزَّوْجُ قَبْلَ وَطْئِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ، وَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ يَسْتَبْرِئُهَا سَيِّدُهَا بِحَيْضَةٍ أَوْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْ مُطَلِّقِهَا فَفِيهَا تَفْصِيلٌ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى حَيْضَةٍ بَلْ تَحِلُّ مَكَانَهَا، وَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ يَسْتَبْرِئُهَا سَيِّدُهَا الْوَارِثُ اسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَبِمَوْتِ سَيِّدٍ، وَإِنْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمَةَ تَسْتَأْنِفُ حَيْضَةً بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا لَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَسْتَأْنِفُ إنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَا إنْ كَانَتْ غَيْرَهَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَغَيْرِهَا شَبَّهَ أُمَّ الْوَلَدِ بِالْحُرَّةِ، وَالْحُرَّةُ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً بِمَوْتِ الزَّوْجِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. (فَإِنْ قَعَدَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ صَغُرَتْ (عَنْ الْحَيْضِ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) عِدَّتُهَا مِنْ سَيِّدِهَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إطْلَاقِ الْعِدَّةِ عَلَى الْحَيْضَةِ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ سَيِّدِهَا فِيهِ تَجَوُّزٌ، إذْ هُوَ اسْتِبْرَاءٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالزَّوْجَةِ وَلَوْ أَمَةً، وَأَيْضًا الْعِدَّةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْأَطْهَارُ لَا الْحَيْضُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَجُوزُ بِإِطْلَاقِ الْعِدَّةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ إيَّاهَا حَيْضَةٌ.
الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي مَاتَ سَيِّدُهَا وَزَوْجُهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عِدَّةِ الْأَمَةِ أَوْ جُهِلَ فَعِدَّةُ حُرَّةٍ، وَمَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ الْأَمَةُ وَفِي الْأَقَلِّ عِدَّةُ حُرَّةٍ، وَهَلْ قَدْرُهَا كَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ قَوْلَانِ.
[وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَلَى الْأَمْرِ الْغَامِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الْأَرْحَامِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَهُوَ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الزَّوْجَاتِ لِخَبَرِ
стр. 480
أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ هِيَ فِي حِيَازَتِهِ قَدْ حَاضَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ إنَّهُ اشْتَرَاهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ.
وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ تُوطَأُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاَلَّتِي لَا تُوطَأُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.
وَمَنْ ابْتَاعَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ فَلَا يَقْرَبُهَا وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى تَضَعَ.
وَالسُّكْنَى لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا وَلَا نَفَقَةَ إلَّا لِلَّتِي طَلُقَتْ دُونَ
ــ
[الفواكه الدواني]
سَبَايَا أَوْطَاسٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» .
فَقَالَ: (وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ) لِمَنْ لَمْ تَتَيَقَّنْ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا، وَكَانَتْ تَحِلُّ لَهُ مُسْتَقْبَلًا، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ قَبْلَ حُصُولِ مِلْكِهَا (حَيْضَةٌ) وَاحِدَةٌ حَيْثُ كَانَتْ تَحِيضُ سَوَاءٌ (انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ) مِنْ الْغَيْرِ لَهُ (أَوْ) بِقَبُولٍ مِنْ (هِبَةٍ) أَوْ وَصِيَّةٍ (أَوْ) انْتَقَلَ مِلْكُهَا لَهُ (بِسَبْيٍ) لَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَإِرْثٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَمْتَعَ بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا مُحَرَّمًا لَهَا عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ إنْ لَمْ تُوقَنْ الْبَرَاءَةُ وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا وَلَمْ تَحْرُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ تَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَأَخَّرَتْ أَوْ أَرْضَعَتْ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَالصَّغِيرَةِ وَالْيَائِسَةِ، وَنَظَرَ النِّسَاءُ فَإِنْ ارْتَابَتْ فَتِسْعَةٌ أَيْ تَمْكُثُ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ الرِّيبَةُ أَوْ ذَهَبَتْ حَلَّتْ، وَإِنْ زَادَتْ تَرَبَّصَتْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ مَا قَدَّمْنَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ هِيَ) أَيْ الْأَمَةُ (فِي حِيَازَتِهِ) بِرَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، وَالْحَالُ أَنَّهَا (قَدْ حَاضَتْ عِنْدَهُ) وَعُلِمَ بِذَلِكَ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ وَلَوْ امْرَأَةً (ثُمَّ إنَّهُ اشْتَرَاهَا) أَوْ مَلَكَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ (فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ) خُرُوجًا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِيهِ أَوْ يَلِجُ سَيِّدُهَا عَلَيْهَا، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا لِسُوءِ الظَّنِّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ مَنْ لَا تَحِيضُ بِقَوْلِهِ: (وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَيْعِ) أَيْ إذَا أَرَادَ سَيِّدُهَا أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ (إنْ كَانَتْ تُوطَأُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) قَبْلَ بَيْعِهَا أَوْ قَبْلَ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهِيَ لَمْ يُقْطَعْ بِعَدَمِ حَمْلِهَا. (وَ) كَذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ (الْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي لَمْ تُمَيِّزْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الَّتِي تُمَيِّزُ فَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ إنْ كَانَتْ تُوطَأُ بِقَوْلِهِ: (وَاَلَّتِي لَا تُوطَأُ) لِصِغَرِهَا كَبِنْتِ خَمْسِ سِنِينَ (فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا) عَلَى مَالِكِهَا عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهَا، وَلَا عَلَى مُشْتَرِيهَا عِنْدَ اشْتِرَائِهَا، لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا اسْتِبْرَاءَ إنْ تُطِقْ الْوَطْءَ أَوْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ كَمُودَعَةٍ، وَمَبِيعَةٍ بِالْخِيَارِ وَلَمْ تَخْرُجْ وَلَمْ يَلِجْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَ وَتَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، وَإِنْ بَعُدَ الْبِنَاءُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطِيَّةَ لِلْوَطْءِ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا وَلَوْ كَانَتْ وَخْشَةً وَلَا تَحْمِلُ عَادَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ صَغِيرَةً أَطَاقَتْ الْوَطْءَ أَوْ كَبِيرَةً لَا تَحْمِلَانِ عَادَةً أَوْ وَخْشًا أَوْ بِكْرًا أَوْ رَجَعَتْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ اُشْتُرِيَتْ وَهِيَ مُتَزَوِّجَةٌ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بِنَائِهِ بِهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ الْحَامِلُ فَقَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ) كَزَوْجٍ أَوْ زَانٍ (أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ) كَإِرْثٍ أَوْ صَدَقَةٍ (فَلَا يَقْرَبُهَا) بِوَطْءٍ (وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ (حَتَّى تَضَعَ) حَمْلُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْوَضْعِ كَالْعِدَّةِ، وَحَرُمَ فِي زَمَنِهِ الِاسْتِمْتَاعُ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا حَرُمَ وَطْؤُهَا فَقَطْ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، بِخِلَافِ الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَاتٍ حَرُمَ وَطْؤُهَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ وَطْؤُهُمَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِمَا بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَا بِأَعْلَاهَا لِقَوْلِهِ ﵊: «الْحَائِضُ تَشُدُّ إزَارَهَا وَشَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا» وَإِلَّا الْمَزْنِيَّ بِهَا وَالْمُغْتَصَبَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا سَيِّدِهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَلَوْ وَطْئًا.
فَيُفِيدُ قَوْلُ خَلِيلٍ بَعْدَ بَيَانِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ: وَقَدْرُ عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَوَجَبَ إنْ وُطِئَتْ بِزِنًى أَوْ غَصْبٍ قَدْرُهَا بِغَيْرِ الْحَامِلِ فَرَاجِعْ شُرَّاحَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَمْلُوكَةِ الْحَامِلِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي لَا يَحِلُّ لَهُ إتْيَانُ الْحَبَالَى مِنْ غَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْحَامِلَ مِنْهُ لَوْ زَنَتْ بِغَيْرِهِ زَمَنَ حَمْلِهَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ يُكْرَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُعْتَدَّةُ زَمَنَ عِدَّتِهَا مِنْ سُكْنَى أَوْ نَفَقَةٍ بِقَوْلِهِ: (وَالسُّكْنَى) وَاجِبَةٌ (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا) سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ أَوْ الْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى فَتَدْخُلُ الْمَحْبُوسَةُ بِزِنَاهُ، أَوْ فُسِخَ نِكَاحُهُ الْفَاسِدُ لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ أَوْ لِعَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْفَسَادِ أَوْ نَحْوِهِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْحَبْسِ بِسَبَبِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي التَّقْيِيدِ بِحَيَاتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وَلَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِ الْمَسْكَنِ لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ
стр. 481
الثَّلَاثِ وَلِلْحَامِلِ كَانَتْ مُطَلَّقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا.
وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ إلَّا فِي الْحَمْلِ.
وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعَنَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَا نَفَقَةَ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ أَوْ قَدْ نَقَدَ كِرَاءَهَا.
وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فِي طَلَاقٍ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرُ الْمُطِيقَةِ كَزَوْجَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
(وَلَا نَفَقَةَ) لِلزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ (إلَّا الَّتِي طَلُقَتْ دُونَ الثَّلَاثِ) حَيْثُ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ كَالزَّوْجَةِ إلَّا فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْأَكْلِ مَعَهَا. (وَ) إلَّا (لِلْحَامِلِ كَانَتْ مُطَلَّقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ كَوْنُ الزَّوْجِ حُرًّا وَالزَّوْجَةُ حُرَّةً لَا إنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ النَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ رَقِيقٌ لَهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَهِيَ حُرَّةٌ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ فَيَلْزَمَ إيَّاهُ رَضَاعُهُ وَنَفَقَتُهُ، إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ فَعَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إسْقَاطِ نَفَقَتِهِ بِعِتْقِهِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا ادَّعَتْ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا أَنَّهَا حَامِلٌ لِتَأْخُذَ النَّفَقَةَ لَمْ تُصَدَّقْ حَتَّى يَظْهَرَ بِحَرَكَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نَفَقَةَ بِدَعْوَاهَا بَلْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ وَحَرَكَتِهِ فَتَجِبُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَمِثْلُ ظُهُورِهِ بِحَرَكَتِهِ أَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِحَمْلِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ أُنْفِقَ عَلَيْهَا مُدَّةً بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَرَكَةِ أَوْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ ثُمَّ ظَهَرَتْ غَيْرَ حَامِلٍ لَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ أَنْفَقَ بِحُكْمٍ أَمْ لَا.
الثَّانِي: لَوْ طَلَّقَ طَلَاقًا بَائِنًا وَهُوَ غَائِبٌ، وَأَنْفَقَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْبَتِهِ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِطَلَاقِهِ، فَقِيلَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ إعْلَامِهَا بِالطَّلَاقِ، وَعَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَتْ الْمُطَلَّقَةُ وَيَغْرَمُ مَا تَسَلَّفَتْ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُخْبِرْهَا مَنْ يَثْبُتُ بِخَبَرِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ عَدْلَانِ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا لَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا الْحَامِلُ قَالَ: (وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ) لِبَيْنُونَتِهَا (إلَّا فِي) زَمَنِ (الْحَمْلِ) اللَّاحِقِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَالَعَهَا عَلَى إسْقَاطِهَا فَتَسْقُطُ، كَمَا تَسْقُطُ لَوْ خَالَعَهَا عَلَى إسْقَاطِ أُجْرَةِ رَضَاعِهَا إيَّاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَازَ شَرْطُهُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا مُدَّةَ رَضَاعِهِ فَلَا نَفَقَةَ لِلْحَمْلِ.
(وَ) كَذَا (لَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعَنَةِ) لِانْقِطَاعِ عِصْمَتِهَا بِلِعَانِهَا (وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا) ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ شَرْطُهَا كَوْنُ الْحَمْلِ لَاحِقًا بِصَاحِبِ الْعِدَّةِ، وَلِذَا لَوْ اسْتَلْحَقَ الْمَلَاعِنُ الْوَلَدَ الَّذِي نَفَاهُ حُدَّ وَلَحِقَ بِهِ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ كَانَ مُوسِرًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نَفَقَةَ لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ وَأَمَةٍ وَلَا عَلَى عَبْدٍ إلَّا الرَّجْعِيَّةَ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ فِي الْوَفَاةِ وَارِثَةً وَالْوَارِثُ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي التَّرِكَةِ إلَّا بَعْدَ قَسْمِهَا قَالَ: (وَلَا) تَجِبُ (نَفَقَةٌ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ) وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا كِسْوَةٌ لِدُخُولِهَا فِي مَفْهُومِ النَّفَقَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا (وَ) إنَّمَا تَجِبُ (لَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ) مَمْلُوكَةً (لِلْمَيِّتِ أَوْ) كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً وَالْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ نَقَدَ كِرَاءَهَا) وَهِيَ أَحَقُّ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إنْ دَخَلَ بِهَا وَالسَّكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْكَنُ لَهُ وَلَا نَقَدَ كِرَاءَهُ فَقِيلَ: لَا سُكْنَى لَهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً، فَالْخِلَافُ فِي الْوَجِيبَةِ، وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَسْكَنَهَا مَعَهُ وَضَمَّهَا إلَيْهِ فَلَهَا السُّكْنَى، وَإِنْ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ زَوْجُهَا إنَّمَا أَسْكَنَهَا؛ لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يَكْرَهُ فَلَا سُكْنَى لَهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَهَا السُّكْنَى بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ سُكْنُهَا مَعَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ أَسْكَنَهَا؛ لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يَكْرَهُ حَيْثُ كَانَتْ مُطِيقَةً، وَإِلَّا فَلَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ مَعَ التَّحْقِيقِ فَرَاجِعْهُ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى زَمَنَ عِدَّتِهَا إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطٍ بَيَّنَ مَحِلَّهَا وَصِفَةَ إقَامَتِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ (تَخْرُجَ) الْمُعْتَدَّةُ (مِنْ بَيْتِهَا) الَّذِي كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ عِدَّتِهَا، بَلْ لَوْ نَقَلَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ وَاتُّهِمَ عَلَى النَّقْلِ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ، أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَإِنْ بِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضَاعٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ إنْ لَمْ يَرْضَ أَهْلُ الطِّفْلِ بِإِرْضَاعِهِ فِي مَحَلِّهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَسَكَنَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْكُنُ وَرَجَعَتْ لَهُ إنْ نَقَلهَا وَاتُّهِمَ أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضَاعٍ وَانْفَسَخَتْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَرْجِعَ إنْ خَرَجَتْ لِحَجِّ الصَّرُورَةِ وَبَلَغَهَا مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقُهَا إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَوَجَدَتْ ثِقَةً تَرْجِعُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَتْ تُدْرِكُ
стр. 482
وَفَاةٍ حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ فَلْتَخْرُجْ وَتُقِيمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.
وَالْمَرْأَةُ تُرْضِعُ وَلَدَهَا فِي الْعِصْمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا يُرْضِعُ وَلِلْمُطَلَّقَةِ رَضَاعُ وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
شَيْئًا مِنْ الْعِدَّةِ بَعْدَ رُجُوعِهَا، لَا إنْ كَانَتْ قَرِيبَةَ الْوَضْعِ بِحَيْثُ لَا تُدْرِكُ شَيْئًا إنْ رَجَعَتْ، وَأَمَّا فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْقُرَبِ كَالْخُرُوجِ لِرِبَاطٍ أَوْ زِيَارَةِ صَالِحٍ فَتَرْجِعُ، وَلَوْ وَصَلَتْ بَلْ وَلَوْ بَعْدَ إقَامَتِهَا نَحْوَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ فَبَلَغَهَا الْمَوْتُ أَوْ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَيِّ مَحَلٍّ شَاءَتْ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا تَخْرُجُ أَيْ خُرُوجَ انْتِقَالٍ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا فَيَجُوزُ لَهَا لَكِنْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَأْمُونَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمِنَةِ، فَفِي الْأَمْصَارِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ وَفِي غَيْرِهَا فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَلَكِنْ لَا تَبِيتُ إلَّا فِي مَسْكَنِهَا، كَمَا إذَا كَانَتْ تَتَكَسَّبُ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ مَحَلِّهَا كَالْقَابِلَةِ وَالْمَاشِطَةِ، فَلَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهَا قَهْرًا عَلَيْهَا وَلَوْ بِالْأَدَبِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ (فِي) عِدَّةِ (طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ) فَيَجِبُ أَنْ تَمْكُثَ (حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَةِ وَ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] «وَقَوْلُهُ ﵊ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِلْفُرَيْعَةِ لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِوَفَاةِ زَوْجِهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ إلَى مَحَلِّ أَهْلِهَا: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ) السَّاكِنَةُ بِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعَارِيَّةِ الْمَحْدُودَةِ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ (لَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ) أَنْ يَكُونَ كِرَاءً لَهَا بَلْ طَلَبَ أَزْيَدَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا (فَلْتَخْرُجْ) وَلَا يَلْزَمُهَا وَلَا زَوْجَهَا الْإِقَامَةُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ لَا يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ مَعَهُ، كَخَوْفِ سُقُوطِ الْمَحَلِّ أَوْ اللُّصُوصِ أَوْ ضَرَرِ الْجِيرَانِ وَلَا حَاكِمَ بِالْبَلَدِ، وَإِلَّا رَفَعَتْ لَهُ، فَمَنْ تَبَيَّنَ ضَرَرَهُ زَجَرَهُ الْحَاكِمُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أُشْكِلَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ يَخْرُجُ، هَكَذَا قَالَ خَلِيلٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ: يُخْرِجُ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَأَرَادَتْ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إخْرَاجُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَوْلَى الْوَرَثَةُ، وَإِنَّمَا يَبِيعُونَهَا إنْ أَرَادُوا ذَلِكَ مَعَ الْبَيَانِ لِلْمُشْتَرِي.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُرَمَاءِ بَيْعُ الدَّارِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَمِثْلُ الْغُرَمَاءِ الْوَرَثَةُ حَيْثُ يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ بِشَرْطِ اسْتِثْنَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَإِلَّا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِنْ ارْتَابَتْ فَهِيَ أَحَقُّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الصَّبْرِ وَالْفَسْخِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ بِالْحَمْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ بَيْعُهَا، بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالْوَارِثَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّيْنِ، وَأَمَّا بِالْأَشْهُرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا حَتَّى لِلزَّوْجِ لَكِنْ بِشَرْطِ اسْتِثْنَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ.
الثَّانِي: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لِرَبِّ الدَّارِ إخْرَاجَ الْمُعْتَدَّةِ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا زَادَ غَيْرُهُ عَلَى الْأُجْرَةِ الْأُولَى النَّاقِصَةِ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَطَالَبَهَا بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ فَأَبَتْ، وَأَمَّا لَوْ رَضِيَتْ بِدَفْعِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُهَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا لِلِانْتِقَالِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ أَنْ (تُقِيمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْأَوَّلِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ يُطَالَبُ بِأُجْرَةِ الْمَحَلِّ الثَّانِي، وَهُوَ الزَّوْجُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّكْنَى مُطْلَقًا، فَيَلْزَمُهُ إبْدَالُ الْمُنْهَدِمِ وَالْمُعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَأُبْدِلَتْ فِي الْمُنْهَدِمِ وَالْمُعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ الْمُنْقَضِي الْمُدَّةِ، وَأَمَّا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لَهَا السُّكْنَى إذَا كَانَ الْمَسْكَنُ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَإِذَا انْهَدَمَ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ السُّكْنَى، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا وَلَوْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى امْرَأَةِ نَحْوِ الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ مِنْ كُلِّ سَاكِنٍ بِمَحَلٍّ مَوْقُوفٍ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْوَصْفِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيَنْتَصِبُ غَيْرُهُ مَكَانَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَامْرَأَةُ الْأَمِيرِ وَنَحْوِهِ لَا يُخْرِجُهَا الْقَادِمُ، وَإِنْ ارْتَابَتْ، بَلْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى زَمَنَ الْعِدَّةِ، وَلَوْ تَوَلَّى غَيْرُ الْمَيِّتِ الْمُطَلِّقِ وَتَسْتَمِرُّ وَلَوْ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَكَذَا امْرَأَةُ مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ دَارُ حَيَاتِهِ وَبَعْدُ تَصِيرُ حَبْسًا عَلَى غَيْرِهِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ الْأَوَّلُ وَتَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ انْتَقَلَ الْحَبْسُ لَهُ إخْرَاجُهَا، وَلَوْ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ كَخَمْسِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَبَسَ دَارِهِ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلِزَوْجَتِهِ السُّكْنَى، وَلَا يَجُوزُ لِلذُّرِّيَّةِ مُعَارِضَتُهَا زَمَنَ الْعِدَّةِ.
١ -
وَأَمَّا زَوْجَةُ نَحْوِ إمَامِ الْمَسْجِدِ أَوْ خَطِيبِهِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُهَا فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا السُّكْنَى خِلَافٌ. اقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا السُّكْنَى زَمَنَ عِدَّتِهَا حَيْثُ قَالَ: بِخِلَافِ حَبْسِ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَةِ الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ بِأَنَّ دَارَ الْإِمَارَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَزَوْجَةُ نَحْوِ الْأَمِيرِ لَهَا حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ بِالتَّبَعِ لِزَوْجِهَا، بِخِلَافِ خَادِمِ الْمَسْجِدِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْتُ الْمَسْجِدِ
стр. 483
وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا إنْ شَاءَتْ.
وَالْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ بَعْدَ الطَّلَاقِ إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ وَنِكَاحِ الْأُنْثَى وَدُخُولِهَا، وَذَلِكَ
ــ
[الفواكه الدواني]
مَوْقُوفًا عَلَى خُصُوصِ مَنْ مَاتَ مِنْ نَحْوِ إمَامٍ، خِلَافًا لِابْنِ زَرْقُونٍ فِي تَقْيِيدِهِ بِالدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفَةُ عَلَى خُصُوصِ الْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ فَيَكُونُ لَهَا السُّكْنَى كَزَوْجَةِ الْأَمِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَالَفَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِطْلَاقُ خَلِيلٍ أَيْضًا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ أَوْ نَفَقَتِهَا، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ إرْضَاعُ الصَّغِيرِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ حَضَانَتَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى (الْمَرْأَةِ) أَنْ (تُرْضِعَ وَلَدَهَا) مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ مَا دَامَتْ (فِي الْعِصْمَةِ) أَيْ أَبِيهِ وَلَوْ حُكْمًا؛ لِتَدْخُلَ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ فِي ذَلِكَ لِلُزُومِ نَفَقَتِهَا، وَغَايَةُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ الرَّضَاعِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] هَذَا أَكْثَرُهُ، وَالصَّحِيحُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِيمَنْ هُوَ حَقُّهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْأُمِّ «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا مِنْهَا: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي» .
وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِمَا، وَلِذَا لَا يَجُوزُ فِطَامُ الْوَلَدِ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ لُزُومُ الرَّضَاعِ لِلْأُمِّ مُقَيَّدًا بِغَيْرِ ذَاتِ الْقَدْرِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا يُرْضِعُ) وَلَدَهُ لِعُلُوِّ قَدْرٍ أَوْ مَرَضٍ نَزَلَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُهَا فَعَالِيَةُ الْقَدْرِ، مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ " الْوَالِدَاتُ " فِي الْآيَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَصَّ مَالِكٌ دُونَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِاسْتِثْنَاءِ عَالِيَةِ الْقَدْرِ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ؛ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ
بِالْمَصْلَحَةِ
؛ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ تَكْلِيفِهَا بِذَلِكَ، وَهُوَ كَالشَّرْطِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْإِرْضَاعِ فَلَهَا الْأَجْرُ عَلَى الْأَبِ، كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ سُقُوطِ الرَّضَاعِ عَنْ عَالِيَةِ الْقَدْرِ كَوْنُ الْأَبِ أَوْ الْوَلَدِ غَنِيًّا مَعَ وُجُودِ مَنْ يُرْضِعُهُ غَيْرُ أُمِّهِ وَقَبُولُهُ إيَّاهَا، وَإِلَّا لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْأُمِّ الْمُتَزَوِّجَةِ وَالرَّجْعِيَّةِ رَضَاعُ وَلَدِهَا بِلَا أَجْرٍ إلَّا لِعُلُوِّ قَدْرٍ كَالْبَائِنِ إلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا، أَوْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ وَلَا مَالَ لِلصَّبِيِّ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ إلَّا أُمَّهُ لَزِمَهَا إرْضَاعُهُ وَلَهَا الْأَجْرُ مِنْ مَالِهِ حَيْثُ يَكُونَ لَهُ مَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكُلُّ مَنْ يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ وَلَا لَبَنَ لَهَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْجَارُ مَنْ يُرْضِعُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَأْجَرَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ، وَفَاعِلُ اسْتَأْجَرَتْ مَنْ يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ مَجَّانًا وَجَبَ عَلَيْهَا خَلَفُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهَا بِمَا تَدْفَعُهُ فِي الْأُجْرَةِ، وَيَجِبُ فِيمَنْ تَسْتَأْجِرُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي لَبَنِهَا عَيْبٌ كَكَوْنِهَا حَمْقَاءَ أَوْ جَذْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالرَّضِيعِ.
وَمَفْهُومٌ فِي الْعِصْمَةِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْمُطَلَّقَةِ) الْبَائِنِ (رَضَاعُ وَلَدِهَا) بِالْأُجْرَةِ وَتَرْجِعُ بِهَا (عَلَى أَبِيهِ) الْمُوسِرِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِيهِ مَنْ يُرْضِعُهُ مَجَّانًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا إنْ قَبِلَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ أُمِّهِ مَجَّانًا عَلَى الْأَرْجَحِ فِي التَّأْوِيلِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِلْأُمِّ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الرَّضَاعُ مِنْ شَرِيفَةِ قَدْرٍ أَوْ بَائِنٍ إذَا قَبِلَ غَيْرَهَا أَنْ تُرْضِعَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الْأَبِ أَوْ مَالِ الْوَالِدَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي طَلَبِ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ مُتَبَرِّعَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَهِيَ حَرَامٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الَّتِي مِثْلُهَا لَا تُرْضِعُ وَلَدَهَا لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ لَا يَجُوزُ لَهَا طَلَبُ الْأَجْرِ دَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهَا) أَيْ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ لِعُلُوِّ قَدْرِهَا (أَنْ) تُرْضِعَ وَلَدَهَا وَ (تَأْخُذَ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا) مِنْ أَبِيهِ (إنْ شَاءَتْ) وَلَوْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَهَا إنْ قَبِلَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَعَلَى حَمْلِ هَذَا عَلَى مَنْ فِي الْعِصْمَةِ انْدَفَعَ تَكْرَارُ هَذِهِ مَعَ مَا قَبْلَهَا.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَضَانَةِ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُتَرْجِمِ لَهُ مَمْدُوحَةٌ فَقَالَ: (وَالْحَضَانَةُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ مِنْ كَسْرِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحِضْنِ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَا دُونَ الْإِبْطِ كِفَايَةُ الطِّفْلِ وَتَرْبِيَتُهُ وَالْإِشْفَاقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ هِيَ مَحْصُولُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ: حِفْظُ الْوَلَدِ فِي مَبِيتِهِ، وَمُؤْنَةِ طَعَامِهِ وَلِبَاسِهِ، وَمَضْجَعِهِ وَتَنْظِيفِ جِسْمِهِ حَقٌّ (لِلْأُمِّ بَعْدَ الطَّلَاقِ) مِنْ أَبِي الْمَحْضُونِ أَوْ مَوْتِهِ غَايَتِهَا. (إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ) الْمُحَقَّقِ (وَ) إلَى (نِكَاحِ الْأُنْثَى وَدُخُولِهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الرَّضَاعِ حَيْثُ «طَلَّقَ شَخْصٌ زَوْجَتَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ ابْنَهَا فَأَتَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» قَالَ خَلِيلٌ: وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ لِلْبُلُوغِ وَالْأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ لِلْأُمِّ وَلَوْ لِأُمِّهِ عِتْقُ وَلَدِهَا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَيَّدْنَا الذَّكَرَ بِالْمُحَقَّقِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ تَسْتَمِرُّ حَضَانَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا، وَالْمُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ هُنَا بِغَيْرِ الْإِنْبَاتِ بَلْ بِالسِّنِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَلَامَاتِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُ الذَّكَرِ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فَتَنْتَهِي حَضَانَةُ الذَّكَرِ بِبُلُوغِهِ وَلَوْ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ لِبُلُوغِهِ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا، وَتَنْتَهِي حَضَانَةُ الْأُنْثَى بِدُخُولِ الزَّوْجِ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ، وَإِنْ اسْتَمَرَّتْ نَفَقَتُهُمَا عَلَى أَبِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ سُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالْحَضَانَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدُّخُولَ بِالصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ
стр. 484
بَعْدَ الْأُمِّ إنْ مَاتَتْ أَوْ نُكِحَتْ لِلْجَدَّةِ ثُمَّ لِلْخَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي رَحِمِ الْأُمِّ أَحَدٌ فَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ.
فَإِنْ لَمْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمُعْسِرِ مُسْقِطٌ لِلْحَضَانَةِ دُونَ النَّفَقَةِ، وَالزَّوَاجُ بِالْبَالِغِ الْمُوسِرِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ مُسْقِطٌ لِلنَّفَقَةِ حَيْثُ دُعِيَ لِلدُّخُولِ مَعَ إطَاقَتِهَا الْوَطْءَ مَعَ بَقَاءِ الْحَضَانَةِ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ، وَبِبَيَانِهَا يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ خَلِيلٍ مِنْ تَشْبِيهِ الْحَضَانَةِ بِالنَّفَقَةِ السَّاقِطَةِ بِدُخُولِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ أَوْ الْمُوسِرِ، أَوْ الْمَدْعُوِّ إلَى الدُّخُولِ مَعَ بُلُوغِهِ، وَإِطَاقَتِهَا وَاسْتِمْرَارِ حَضَانَتِهَا، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ سَلِيمَةٌ مِنْ إيهَامِ، خِلَافِ الْمُرَادِ لِتَصْرِيحِهَا بِسُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالدُّخُولِ، وَيُفْهَمُ مِنْهَا عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالْعَقْدِ دُونَ الدُّخُولِ، وَإِنْ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَمَةً عَتَقَ وَلَدُهَا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، إلَى قَوْلِ مَالِكٍ: إذَا أُعْتِقَ وَلَدُ الْأَمَةِ وَزَوْجُهَا حُرٌّ فَطَلَّقَهَا فَهِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتَظْعَنَ إلَى غَيْرِ بَلَدِ الْأَبِ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، أَوْ يُرِيدُ الْأَبُ انْتِقَالًا عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَالْعِتْقُ نَصٌّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يُعْتَقْ، وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا، وَكَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهِمَا فَلَهُمَا حَضَانَتُهُ إذَا عَتَقَا أَوْ مَاتَ سَيِّدُهُمَا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمَةِ حَضَانَةَ ابْنِهَا مِنْ زَوْجِهَا أَنْ لَا يَتَسَرَّرَهَا لِسَيِّدٍ أَيْ يَتَّخِذُهَا لِلْوَطْءِ؛ لِأَنَّ تَسَرُّرَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ دُخُولِ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْحَضَانَةِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ الْحَضَانَةِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْأُمِّ، وَمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهَا وَهُوَ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ، إنْ لَوْ يُوجَدْ إلَّا الْحَاضِنُ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَحْضُونِ وَالْكِفَائِيُّ عِنْدَ تَعَدُّدِهِ، وَلِذَا إذَا وَجَدَ جَمَاعَةٌ طِفْلًا مَنْبُوذًا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْتِقَاطُهُ وَحَضْنُهُ، فَإِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ ظَاهِرَةٌ وَلَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا حَصْرُ الْحَضَانَةِ فِي الْأُمِّ لِمَا تَقَرَّرَ فِي النَّحْوِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ نَحْوُ: الْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ، وَالْمَجْدُ فِي قُرَيْشٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِقْهًا؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا يَحْضُنُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ حَصْرٌ إضَافِيٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: الْحَضَانَةُ بَعْدَ طَلَاقِ الْأُمِّ لَهَا لَا لِلْأَبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهَا لَهُ الْحَضَانَةُ إذَا سَقَطَتْ حَضَانَةُ مَنْ قَبْلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ حَضَانَةِ الْوَلَدِ (بَعْدَ الْأُمِّ إنْ مَاتَتْ أَوْ نَكَحَتْ) أَيْ تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ وَدَخَلَ بِهَا يَنْتَقِلُ (لِلْجَدَّةِ) أُمِّ أُمِّ الْمَحْضُونِ، وَإِنْ عَلَتْ لِقُرْبِ شَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِ ابْنَتِهَا.
وَمِثْلُهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أُمُّ أَبِ الْأُمِّ، فَالْمُرَادُ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الشَّامِلَةِ لِجِهَةِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَإِنْ قُدِّمَتْ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الْإِنَاثِ. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْضُونِ جَدَّةٌ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ أَوْ كَانَتْ وَلَكِنْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ (لِلْخَالَةِ) أَيْ خَالَةِ الْمَحْضُونِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهِ مُطْلَقًا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ يُوجَدُ (مِنْ ذَوِي رَحِمٍ) أَيْ قَرَابَاتِ (الْأُمِّ أَحَدٌ فَالْأَخَوَاتُ) يَحْضُنَّ الطِّفْلَ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَخَوَاتِ بَعْدَ خَالَةِ الْمَحْضُونِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَسْقَطَ بَعْدَ الْخَالَةِ خَالَةَ الْخَالَةِ، وَعَمَّةَ أُمِّهِ، وَعَمَّةَ خَالَتِهِ، وَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَعْدَهُمَا الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ كَأُمِّ أَبِيهِ وَأُمِّ أَبِ أَبِيهِ، وَبَعْدَ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَةِ أَبِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى أَخَوَاتِ الْمَحْضُونِ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ خَالَتُهَا ثُمَّ جَدَّةُ الْأَبِ ثُمَّ الْأَبُ، وَإِنْ كَانَ خَلِيلٌ أَسْقَطَ أَيْضًا عَمَّةَ الْأُمِّ وَعَمَّةَ الْخَالَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ جَعْلُ الْمُصَنِّفِ الْأَخَوَاتِ بَعْدَ الْخَالَاتِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إمَامٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: يَجِبُ تَقْيِيدُ الرَّحِمِ بِالْمَحْرَمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ كَبِنْتِ عَمَّةِ الْمَحْضُونِ أَوْ بِنْتِ خَالَتِهِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْحَضَانَةِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَضَانَةَ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى وَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ رَحِمٍ، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَى الْمَحْضُونِ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ رَحِمٍ وَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَبِنْتِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْعَمَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَحِمٍ لَهُ كَالْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ بِالصِّهَارَةِ أَوْ الرَّضَاعِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ انْفِرَادُ الْحَاضِنِ فِي السُّكْنَى عَمَّنْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهُ.
(وَ) يَلِي مَرْتَبَةَ أَخَوَاتِ الطِّفْلِ (الْعَمَّاتُ) الْمُرَادُ عَمَّتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ أُخْتَ الْأَبِ أَوْ أُخْتَ أَبِ الْأَبِ، وَبَعْدَ الْعَمَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ الْخَالَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَهِيَ بَعْدَ عَمَّةِ الْأَبِ، وَسَوَاءٌ أُخْتُ أُمِّ الْأَبِ أَوْ أُخْتُ أُمِّ أَبِيهِ، وَإِنْ عَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْضُونِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ عَمَّةٌ وَلَا خَالَةٌ أَوْ كَانَتْ وَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فَقِيلَ: تَلِيهَا بِنْتُ الْأَخِ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَقِيلَ: بِنْتُ الْأُخْتِ شَقِيقَةً أَوْ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الْأَخِ أَوْ الْأُخْتِ أَوْ الْأَكْفَاءِ مِنْهُنَّ أَيْ أَوْ هُمَا فِي الْمَرْتَبَةِ سَوَاءٌ، وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي شَأْنِهِمَا فَيَقْضِي لِأَحْرَزِهِمَا، وَمَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْهُمَا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْضُونِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ بَعْدَ الْإِنَاثِ السَّابِقَاتِ عَلَى الْأَبِ وَالْمُتَأَخِّرَات عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ
стр. 485
يَكُونُوا فَالْعَصَبَةُ.
وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ النَّفَقَةُ إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً.
وَعَلَى أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ.
وَعَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ
ــ
[الفواكه الدواني]
يَكُونُوا) أَيْ الْإِنَاثُ السَّابِقَاتُ اللَّاتِي لَهُنَّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ أُمِّ الْمَحْضُونِ، وَلِذَا قَالَ بَعْدُ: الصَّوَابُ يَكُنْ بَنُونَ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ رَاعَى الْأَشْخَاصَ فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُقَدَّمْنَ فِي الْحَضَانَةِ لِرِفْقِهِنَّ (فَالْعَصَبَةُ) غَيْرُ الْأَبِ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَضَانَةَ، وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الْعَصَبَةِ الشَّامِلُ لِعَصَبَةِ الْوَلَاءِ، وَإِنْ قُدِّمَتْ عَصَبَةُ النَّسَبِ عَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْقَاقِ الْعَصَبَةِ بَعْدَ الْإِنَاثِ السَّابِقَاتِ حَيْثُ لَا وَصِيَّ، وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَى الْعَصَبَةِ فِي الْإِنَاثِ الصِّغَارِ، وَفِي الذُّكُورِ مُطْلَقًا، وَلَهُ حَضَانَةُ الْإِنَاثِ الْكِبَارِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَوَاتُ مَحَارِمَ فَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي حَضَانَتِهِ لَهُنَّ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَالٍ، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الشَّفَقَةِ فَهُوَ أَحَقُّ، وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُ الْوَصِيِّ وَصِيُّ الْوَصِيِّ، وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي، وَيُقَدَّمُ بَعْدَ الْوَصِيِّ أَخُ الْمَحْضُونِ، وَيُقَدَّمُ الشَّقِيقُ عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ لَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَاخْتَارَ خِلَافَهُ، وَالْمُرَادُ ثُمَّ بَعْدَ الْوَصِيِّ الْأَخُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِخَلِيلٍ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبُ الْأَبِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْأَخِ وَابْنِهِ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَمَّا الْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَعَلَى أَنَّهُ لَهُ الْحَضَانَةُ عَلَى اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ.
وَاسْتَظْهَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّ مَرْتَبَتَهُ تَلِي مَرْتَبَةَ الْجَدِّ أَبِ الْأَبِ، ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْمُعْتِقُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَعَصَبَتُهُ مِنْ مَوَالِي النَّسَبِ، ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَهُوَ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَصُورَتُهُ إنْسَانٌ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْحَضَانَةُ وَهُوَ مَوْلًى أَعْلَى فَوُجِدَ قَدْ مَاتَ وَلَهُ عَتِيقٌ فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَنْتَقِلُ لِعَتِيقِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الشَّقِيقَ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِيهِمْ الشِّقَاقَةُ، ثُمَّ الَّذِي لِلْأُمِّ عَلَى ذِي الْأَبِ لَا فِي نَحْوِ الْوَصِيِّ وَلَا الْمَوْلَى.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الْعَصَبَةَ بِقَوْلِنَا غَيْرِ الْأَبِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ مَرْتَبَةَ أَبِ الْمَحْضُونِ قَبْلَ أَخَوَاتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي خَلِيلٍ، خِلَافًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُوهِمِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَصَبَةِ الْمُؤَخَّرِينَ فِي الْمَرْتَبَةِ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا حَضَانَةَ لَهُ، إذْ جَعَلَ مَرْتَبَةَ الْعَصَبَةِ وَالِيَةً لِمَرْتَبَةِ الْإِنَاثِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْعَصَبَةِ وَيَلِيهِ الْإِخْوَةُ كَمَا ذَكَرْنَا تَبَعًا لِخَلِيلٍ ﵀.
الثَّانِي: إذَا اجْتَمَعَ شَخْصَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْمَرْتَبَةِ قُدِّمَ مَنْ لَهُ صِيَانَةٌ وَشَفَقَةٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَصْفٍ قُدِّمَ صَاحِبُ الشَّفَقَةِ عَلَى ذِي الصِّيَانَةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ قُدِّمَ بِالسَّوَاءِ، فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْجَمِيعِ فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ.
١ -
الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى شُرُوطِ الْحَاضِنِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَشَرْطُ الْحَاضِنِ الْعَقْلُ وَالْكَفَاءَةُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْضُونِ، فَالزَّمِنُ وَالْمُسِنُّ وَالْأَعْمَى وَالْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ لَا حَضَانَةَ لَهُمْ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ نَحْوِ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ، لِمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ مِنْ حُصُولِ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَرَضِ الْمُتَّصِلِ بِصَاحِبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّشْدِ وَالضَّبْطِ بِحَيْثُ يَحْفَظُ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ الْحِفْظُ، وَيَكْتَفِي بِحَضْنِ حَاضِنِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَهُ حَاضِنٌ، وَعَدَمُ الْقَسْوَةِ فَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ قِلَّةُ الْحَنَانِ وَالْعِطْفِ إمَّا لِطَبْعِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنِ أَبَوَيْ الْمَحْضُونِ قُدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَكَوْنُ الْمَكَانِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ الْحَاضِنُ حِرْزًا بِأَنْ لَا يُخْشَى عَلَى الْبِنْتِ الْفَسَادُ فِيهِ، وَكَذَا الذَّكَرُ إنْ كَانَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفَسَادُ أَيْضًا.
وَهَذَا يَتَضَمَّنُ اشْتِرَاطَ أَمَانَةِ الْحَاضِنِ عَلَى الْمَحْضُونِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْحَاضِنِ الذَّكَرِ أُنْثَى تَحْضُنُ كَامْرَأَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ الْأَزْوَاجِ يَسْتَأْجِرُهَا، أَوْ أَمَةٍ لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْوَطْءِ، وَكَوْنُ الْأُنْثَى الْحَاضِنَةِ خَالِيَةً عَنْ دُخُولِ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ بِهَا، وَإِلَّا انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ لِمَنْ بَعْدَهَا، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالدُّخُولِ وَيَسْكُتَ الْعَامَ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ حَضَانَتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحَرَّمًا لِلْمَحْضُونِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَضَانَةٌ كَخَالَةٍ وَتَزَوَّجَ بِالْحَضَانَةِ غَيْرِ الْأُمِّ أَوْ كَانَ وَالِيًا لِلْمَحْضُونِ كَابْنِ عَمِّهِ، أَوْ كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ الْحَاضِنَةِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ الْحَضَانَةُ لِذَاتِ الزَّوْجِ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمُبَاشَرَةِ، فَمَنْ اتَّصَفَ بِضِدِّهَا سَقَطَ حَقُّهُ جُمْلَةً إلَّا الْقُدْرَةَ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ، فَالْحَاضِنُ الْمُسِنُّ لَوْ طَلَبَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحْضُنُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْأَجْذَمِ أَوْ صَاحِبِ الْقَسْوَةِ فَلَا حَقَّ لَهُ.
الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ يَقْبِضُ نَفَقَةَ الْمَحْضُونِ، وَاَلَّذِي يَقْبِضُهَا الْحَاضِنُ قَهْرًا عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَطْفَالَ لَمْ يَنْضَبِطْ لَهُمْ حَالٌ، وَلَكِنْ قَبْضُهَا مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِالسَّعَةِ وَعَدَمِهَا، فَتَكُونُ بِالْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ، وَإِذَا ادَّعَى الْحَاضِنُ ضَيَاعَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى الضَّيَاعِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالسُّكْنَى تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَأُجْرَةُ مَحَلِّ الْحَاضِنِ عَلَى أَبِ الْمَحْضُونِ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَاضِنَةَ شَيْءٌ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ، وَلَا تَسْتَحِقُّ الْحَاضِنَةُ شَيْئًا لِأَجْلِ حَضَانَتِهَا لَا نَفَقَةَ وَلَا أُجْرَةَ حَضَانَةٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحَاضِنَةُ أُمَّ الْمَحْضُونِ وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَالْمَحْضُونُ مُوسِرٌ، وَإِلَّا وَجَبَ لَهَا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ فَقْرِهَا، وَلَوْ لَمْ تَحْضُنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[النَّفَقَةُ وَأَسْبَابُهَا]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَضَانَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَالِثِ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا وَهُوَ بَابُ النَّفَقَةِ
стр. 486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ وَأَسْبَابُهَا ثَلَاثَةٌ: الزَّوْجِيَّةُ وَالْمِلْكُ وَالْقَرَابَةُ، فَقَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ) الْمُوسِرَ (النَّفَقَةُ) عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَحْرَارِ غَيْرِ الْأَقَارِبِ بِغَيْرِ اضْطِرَارٍ أَوْ الْتِزَامٍ (إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ) الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَرِيضَةً وَلَوْ مُشْرِفَةً، أَوْ الَّتِي دَعَتْهُ لِلدُّخُولِ بِهَا، وَهِيَ مُطِيقَةٌ لِوَطْئِهِ مَعَ بُلُوغِهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا، فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ (كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً) قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ لِلْمُمَكِّنَةِ مُطِيقَةِ الْوَطْءِ عَلَى الْبَالِغِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا قُوتٌ وَإِدَامٌ وَكِسْوَةٌ، وَمَسْكَنٌ بِالْعَادَةِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَحَالِهَا وَالْبَلَدِ وَالسِّعْرِ، وَإِنْ أَكُولَةً، وَتُزَادُ الْمُرْضِعُ مَا تَتَقَوَّى بِهِ، إلَّا الْمَرِيضَةَ وَقَلِيلَةَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا مَا تَأْكُلُ إلَّا الْمُقَرَّرُ لَهَا شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ، فَيَلْزَمُ الْمُقَرَّرَ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْحَرِيرُ، قِيلَ مُطْلَقًا وَقِيلَ فِي حَقِّ الْمَدَنِيَّةِ لِقَنَاعَتِهَا، فَيُفْرَضُ لَهَا الْمَاءُ وَالزَّيْتُ وَالْحَطَبُ وَالْمِلْحُ وَاللَّحْمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِلْقَادِرِ، وَيَلْزَمُهُ الْحَصِيرُ وَالسَّرِيرُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْقَابِلَةِ، وَيَلْزَمُهُ لَهَا الزِّينَةُ الَّتِي تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهَا كَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ الْمُعْتَادَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ لَهَا مُكْحُلَةٌ وَلَا دَوَاءٌ إذَا مَرِضَتْ، وَلَا أُجْرَةُ حِجَامَةٍ وَلَا ثِيَابُ مَخْرَجٍ، وَيَلْزَمُهَا لَهُ الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ وَفَرْضٍ وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ إنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْبَوَادِي اللَّاتِي اعْتَدْنَ ذَلِكَ، لَا إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَادَةُ زَوْجَتِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، كَبَعْضِ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ وَلَا يَلْزَمُهَا التَّكَسُّبُ لَهُ كَغَزْلٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ نَسْجٍ وَلَوْ كَانَ عُرْفُ بَلَدِهَا ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضٌ: إلَّا أَنْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا نَحْوُ الْخِيَاطَةِ وَغَسْلُ الثِّيَابِ فَيَجْرِي عَلَى الْعُرْفِ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ الرَّجُلُ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ بَالِغًا وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ اتَّسَعَ فِي الْمَالِ وَافْتَضَّهَا؛ لِأَنَّهَا أَوْ وَلِيَّهَا هِيَ الْمُسَلَّطَةُ لَهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ أَوْ تُطِيقُهُ، لَكِنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الدُّخُولِ أَوْ مَكَّنَتْهُ وَدَعَتْهُ لَكِنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ بَالِغٌ إلَّا أَنَّهَا مُشْرِفَةٌ عَلَى الْمَوْتِ بِأَنْ أَخَذَتْ فِي النَّزْعِ، بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا إلَّا مَوْتُهَا.
الثَّانِي: قَيَّدْنَا الرَّجُلَ بِالْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ، بَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ بِأَكْلِهَا مَعَهُ، وَلَوْ مُقَرَّرَةً، وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَحْجُورَةً لِسَفَهِهَا؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِ، وَكَذَا تَسْقُطُ إذَا مَنَعَتْهُ الْوَطْءَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا بِوَجْهٍ، وَإِلَّا وَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ إذَا خَرَجَتْ لِضَرَرٍ بِهَا مِنْهُ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ الْحَاضِرِ زَوْجُهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، لَا إنْ كَانَ غَائِبًا وَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةَ سَفَرِهِ، أَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا مُطْلَقًا أَوْ بَائِنًا، وَهِيَ حَامِلٌ، وَإِلَّا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّ طَاعَتِهِ، وَإِذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِنْفَاقِ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَنَفَقَتُهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ إلَّا لِعُرْفٍ بِأَنَّهَا عَلَى السَّيِّدِ.
١ -
الثَّالِثُ: لَوْ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ النَّفَقَةِ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا الْفَسْخُ إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ لَا مَاضِيَةٍ إلَّا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ وَرَاضِيَةً بِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ أَوْ أَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ أَوْ يَشْتَهِرَ بِالْعَطَاءِ وَيَنْقَطِعَ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ، وَصِفَةُ الْفَسْخِ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ ثَابِتَ الْعُسْرِ وَالْمَرْأَةِ ثَابِتَةَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ بِالشُّهْرَةِ أَوْ يَكُونَانِ طَارِئَيْنِ فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتِ الْعُسْرِ فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَنْفَقَ أَوْ طَلَّقَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِ بِأَنْ يَأْمُرَهَا بِطَلَاقِهِ أَوْ يَقُولَ طَلَّقْتهَا مِنْك.
وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ رَجْعَتِهَا إلَّا إنْ وَجَدَ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا، بِحَيْثُ يَجِدُ شَيْئًا يَظُنُّ مَعَهُ إدَامَةُ النَّفَقَةِ، وَيَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهَا مَعَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا لَوْ تَجَمَّدَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ فَلَهَا الطَّلَبُ بِهَا حَيْثُ تَجَمَّدَتْ فِي زَمَنِ يُسْرِهِ، وَلَكِنْ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا كَمَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا، بِخِلَافِ عَجْزِهِ عَنْ الْحَالِ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا التَّطْلِيقُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ التَّطْلِيقُ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَسْبَابَ النَّفَقَةِ ثَلَاثَةٌ وَقَدَّمَ الْآكَدَ مِنْهَا وَهُوَ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ، شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَسْبَابِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ بِقَوْلِهِ: (وَ) لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ الْحُرَّ الْمُوسِرَ النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ قَرَابَاتِهِ (عَلَى أَبَوَيْهِ) دُنْيَةِ الْحُرَّيْنِ (الْفَقِيرَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْقَرَابَةِ عَلَى الْمُوسِرِ نَفَقَةٌ وَالْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُطَالَبَ بِالنَّفَقَةِ إنْ كَانَ زَوْجًا اُشْتُرِطَ بُلُوغُهُ وَيَسَارُهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مَالِكًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغٌ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَيْنِ غَنِيَّانِ بِسَيِّدِهِمَا بِدِنْيَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ لَا تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ وَلَدَ الْوَلَدِ، لِلْأَبَوَيْنِ إثْبَاتُ فَقْرِهِمَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ الْعُسْرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَيَمِينٍ، وَاخْتُلِفَ فِي حَمْلِ الْوَلَدِ عَلَى الْمَلَأِ أَوْ الْعَمِّ إذَا طَلَبَهُ
стр. 487
الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ عَلَى الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَلَا زَمَانَةَ بِهِمْ وَعَلَى الْإِنَاثِ حَتَّى يُنْكَحْنَ وَيَدْخُلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَلَا نَفَقَةَ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْأَبَوَانِ، وَادَّعَى الْعَجْزَ عَلَى قَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ مَلِيءٌ، وَإِلَّا اتَّفَقَ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَلَأِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَدَمُ، وَقَيَّدْنَا الْوَلَدَ بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْكَسْبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَخَالَفَهُ اللَّخْمِيُّ، وَإِذَا كَانَ لِلْوَالِدَيْنِ نَحْوُ دَارٍ لِأَفْضَلَ فِي ثَمَنِهَا فَكَالْعَدِمِ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ خَادِمِهِمَا وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُحْتَاجَيْنِ إلَيْهِ، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اتِّخَاذُ خَادِمٍ لَهُمَا إنْ احْتَاجَا إلَيْهِ وَحَرِّرْهُ.
وَكَذَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ نَفَقَةُ خَادِمِ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ إعْفَافُ أَبِيهِ بِزَوْجَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوتِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ أَمَةٍ لَهُ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ إلَّا إذَا لَمْ تُعِفَّهُ الْوَاحِدَةُ، وَإِذَا تَعَدَّدَتْ زَوْجَةُ الْأَبِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَخْتَارُهَا الْأَبُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُنَّ أُمَّهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَتَعَدَّدُ إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ يُنْفِقُ عَلَى أُمِّهِ فَقَطْ حَيْثُ كَانَتْ تُعِفُّهُ، وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ عَلَى الْوَلَدِ. الْأُمُّ يُنْفِقُ عَلَيْهَا بِالْقَرَابَةِ وَالْأُخْرَى بِالزَّوْجِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَالزَّوْجِيَّةُ، وَالْقَوْلُ لِلْأَبِ فِيمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا الْوَلَدُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ وَطَلَبَ الْأَبُ النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ نَفَقَتُهَا أَكْثَرُ، وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ الْأُمُّ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ هُنَا لِلزَّوْجَةِ لَا لِلْقَرَابَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) لَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ الْفَقِيرَةُ بِفَقِيرٍ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُسْقِطُهَا تَزْوِيجُهَا بِفَقِيرٍ، وَمِثْلُهَا الْبِنْتُ لَوْ تَزَوَّجَتْ بِفَقِيرٍ تَسْتَمِرُّ نَفَقَتُهَا عَلَى أَبِيهَا، وَلَوْ قَدَرَ زَوْجُ الْأُمِّ أَوْ الْبِنْتِ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ لَزِمَ الْوَلَدَ وَالْأَبَ إكْمَالُهَا.
(تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ الْوَلَدُ مُتَعَدِّدًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى الْأَوْلَادِ حَسَبَ الْيَسَارِ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ.
(وَ) كَمَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَى أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ إجْرَاؤُهَا (عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ) الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُ الْإِنْفَاقِ (عَلَى الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَ) الْحَالُ أَنَّهُمْ (لَا زَمَانَةَ) أَيْ لَا عَجْزَ قَائِمٌ (بِهِمْ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ وَتَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا سَعَةَ تَقُومُ بِهِ عَلَى الْأَبِ الْحُرِّ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَيَجِدُ مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ صَنْعَةٌ لَا مَعَرَّةَ فِيهَا تَقُومُ بِهِ لَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا أَنْ يَنْفَدَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَفْرُغَ مَالُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ يَدْفَعُهُ الْأَبُ قِرَاضًا وَيُسَافِرُ الْعَامِلُ وَلَا يُوجَدُ مُسَلِّفٌ فَتَعُودُ عَلَى الْأَبِ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ الرَّقِيقُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ وَلَوْ حُرًّا، وَلَا عَلَى الْأَبِ الرَّقِيقِ نَفَقَةٌ وَلَهُ وَلَوْ حُرًّا، وَنَفَقَةُ وَلَدِهِ الْحُرِّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ كَانَ مُتَخَلِّفًا عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْعِتْقِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ زَمِنًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَعْمَى، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ أَوْ يَلْحَقُهُ بِهِ الْمَعَرَّةُ لَمْ يَسْقُطْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَ صَحِيحًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ بِحَيْثُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ ثُمَّ طَرَأَتْ زَمَانَتُهُ أَوْ جُنُونُهُ لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(تَنْبِيهٌ) . عُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَهُ مَالٌ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، كَمَا عُلِمَ أَنَّ مِثْلَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ مَنْ بَلَغَ زَمِنًا أَوْ مَجْنُونًا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَلَا مَالَ لَهُ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَى أَبِيهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ (عَلَى الْإِنَاثِ) الْفَقِيرَاتِ وَلَوْ كَبِرْنَ وَجَاوَزْنَ حَدَّ التَّعْنِيسِ (حَتَّى يُنْكَحْنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُعْقَدُ عَلَيْهِنَّ (وَيَدْخُلُ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ) الْبَالِغُونَ الْمُوسِرُونَ، وَمِثْلُ الدُّخُولِ الدَّعْوَى لِلدُّخُولِ حَيْثُ كَانَ بَالِغًا وَهِيَ مُطِيقَةٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَقَةُ الْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الصَّبِيُّ أَوْ الْفَقِيرُ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ أَبِيهَا لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْأُمِّ الْفَقِيرَةِ، وَمِثْلُهَا الْبِنْتُ لَا تَسْقُطُ بِالزَّوَاجِ لِلْفَقِيرِ، فَلَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِ بَكَارَتِهَا فَإِنَّ نَفَقَتَهَا تَعُودُ عَلَى أَبِيهَا، بِخِلَافِ لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا ثِيبَةً صَحِيحَةً.
قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَمَرَّتْ إنْ دَخَلَ زَمِنَةً ثُمَّ طَلَّقَ لَا إنْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ، وَالْمَعْنَى: إنْ عَادَتْ إلَى الْأَبِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ بَالِغَةٌ صَحِيحَةٌ قَادِرَةٌ عَلَى الْكَسْبِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ عِنْدَ الزَّوْجِ بَعْدَ بُلُوغِهَا صَحِيحَةً فَلَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ فِي ذَلِكَ إنْ ثِيبَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ مَعَ بُلُوغِهَا وَصِحَّتِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْ أَبِيهَا، وَلَوْ طَرَأَتْ عَلَيْهَا الزَّمَانَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَطَلُقَتْ، بِخِلَافِ لَوْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا زَمِنَةً وَاسْتَمَرَّتْ حَتَّى طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْأَبِ كَعَوْدِهَا بِطَلَاقِهَا أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ وَلَوْ ثَيِّبًا.
١ -
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ الْكَلَامِ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمِ الْأَوْلَادِ أَوْ اتِّخَاذِهِ عِنْدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَعِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَلْزَمُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَبَ أَنْ يَخْدُمَ الْوَلَدَ إنْ احْتَاجَ وَكَانَ مَلِيًّا قَالَ فِيهَا: وَإِنْ أَخَذَ الْوَلَدَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ فَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى مَا بَقُوا فِي الْحَضَانَةِ وَيَخْدُمُهُمْ إنْ اتَّسَعَ إلَى ذَلِكَ.
١ -
стр. 488
لِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَقَارِبِ وَإِنْ اتَّسَعَ فَعَلَيْهِ إخْدَامُ زَوْجَتِهِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ وَيُكَفِّنَهُمْ إذَا مَاتُوا وَاخْتُلِفَ
ــ
[الفواكه الدواني]
الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَادٍ أَوْ أَبَوَيْنِ، وَالصَّوَابُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ بِالْأَصَالَةِ وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ بِالْعُرُوضِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَفَقَةُ الْأُمِّ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبِ، وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلَى نَفَقَةِ الْكَبِيرِ، وَنَفَقَةُ الْأُنْثَى عَلَى نَفَقَةِ الذَّكَرِ، وَعِنْدَ التَّسَاوِي يَقَعُ التَّحَاصُصُ كَمَا يَقَعُ التَّحَاصُصُ فِي الزَّوْجَاتِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ نَفْسِهِ فَتُقَدَّمُ وَلَوْ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِسُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ حِينَئِذٍ.
الثَّالِثُ: مُقْتَضَى لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْإِنْفَاقُ إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ أَنَّ الْأُنْثَى لَيْسَتْ كَالذَّكَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا بَيْنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ فَتُسَاوِي الرَّجُلَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوْلَادِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأُمِّ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ الْيَتِيمِ الْفَقِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي آخِرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ: نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ دُونَ الْأُمِّ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا لُزُومُ اسْتِئْجَارِ مَنْ لَزِمَهَا الرَّضَاعُ وَلَا لَبَنَ لَهَا؛ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ كَجَرَيَانِهِ بِلُزُومِ الْإِرْضَاعِ لِغَيْرِ عَالِيَةِ الْقَدْرِ مَا دَامَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى أَبِيهِ وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ.
١ -
الرَّابِعُ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، بَلْ صَرِيحُ الْآيَةِ أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمٍ حَيْثُ كَانَ فَقْرُهُمَا ثَابِتًا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ الدَّيْنِ الْمُسْقِطِ لِزَكَاةِ مَا عِنْدَ الْوَلَدِ مِنْ الْمَالِ الْحُكْمِ مَعَ التَّسَلُّفِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الْوَلَدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الْفَقِيرِ عَلَى وَالِدِهِ، وَلَفْظُ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَنْظِيرِهِ فِي تَقْرِيرِ بَعْضِ الشُّيُوخِ، إذْ يَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ الْمُعْسِرِ تَجِبُ عَلَى وَالِدِهِ الْمُوسِرِ بِمُجَرَّدِ الْعُسْرِ وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت. وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ صَرِيحُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ وَعَكْسُهُ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ بِالْأَصَالَةِ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ كَانَتْ سَاقِطَةً فَلَا تَجِبُ إلَّا بِالْحُكْمِ.
١ -
الْخَامِسُ: لَوْ تَرَكَ الْوَلَدُ الْإِنْفَاقَ عَلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ مُدَّةً مَعَ وُجُوبِهَا أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا مَنْ وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْقُطُ عَنْ الْمُوسِرِ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ إلَّا لِقَضِيَّةٍ أَوْ يُنْفِقُ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَنَازَعَ فِيهَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ عَنْ الْمُوسِرِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ بِالْقَرَابَةِ مُخْتَصَّةً بِالْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ فَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ النَّفَقَةَ بِالْقَرَابَةِ مَحْصُورَةُ الْأُبُوَّةِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا وَاجِبَةً عَلَى الْأَبِ أَوْ لَهُ قَالَ: (وَلَا نَفَقَةَ) وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُوسِرِ (لِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ (مِنْ الْأَقَارِبِ) فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَلَا عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، وَلَا عَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْأُصُولِ وَعَلَى الِابْنِ وَابْنِهِ وَعَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَخِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِهَا عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ اتَّسَعَ) الزَّوْجُ الْأَهْلَ لِلْإِخْدَامِ (فَعَلَيْهِ إخْدَامُ زَوْجَتِهِ) الْمُتَأَهِّلَةِ لِلْإِخْدَامِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِخْدَامُ أَهْلِهِ، وَإِنْ بِكِرَاءٍ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَقَضَى لَهَا بِخَادِمِهَا إنْ أَحَبَّتْ إلَّا لِرِيبَةٍ، وَإِخْدَامُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِأُنْثَى أَوْ بِذَكَرٍ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ، فَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إخْدَامُهَا إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ أَهْلِيَّةً فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَإِذَا اشْتَرَى لَهَا خَادِمًا يَخْدُمُهَا فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ إلَّا بِهِبَةٍ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ خَلِيلٍ الْمُفِيدِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا انْتَفَتْ الْأَهْلِيَّةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُهُ إخْدَامُهَا وَلَوْ كَثُرَ مَالُهُ، إلَّا إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ، وَمَفْهُومُ إنْ اتَّسَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّسَعِ لَا يَلْزَمُهُ إخْدَامٌ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَهْلًا وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ بِنَفْسِهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَشَارَ إلَى السَّبَبِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ وَلَوْ رَقِيقًا (أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ) وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُدَبَّرَةٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ وَلَوْ أَشْرَفَ الرَّقِيقُ عَلَى الْمَوْتِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَكُونُ الْإِنْفَاقُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، فَلَا يُسْرِفُ وَلَا يَقْتُرُ وَيَنْظُرُ لِوُسْعِهِ وَحَالِ الْعَبِيدِ فَلَيْسَ النَّجِيبُ كَالْوَغْدِ، فَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ بِيعَ مَا يُبَاعُ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ سَيِّدُهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى، وَإِلَّا بِيعَ كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُبَاعُ كَأُمِّ الْوَلَدِ فَقِيلَ يُنْجِزُ عِتْقَهَا وَقِيلَ تُزَوَّجُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنْ كَانَ فِي خِدْمَتِهِ مَا يَكْفِيهِ خُدِمَ وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَإِلَّا نَجَّزَ عِتْقَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبِيدِ عَبِيدِهِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ سَيِّدُهُمْ الْأَسْفَلُ (وَ) كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ عَبِيدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُكَفِّنَهُمْ إذَا مَاتُوا) وَسَائِرُ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ النَّفَقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ، وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا
стр. 489
فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَالِهَا، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي مَالِ الزَّوْجِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَتْ مَلِيَّةً فَفِي مَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَفِي مَالِ الزَّوْجِ. .
ــ
[الفواكه الدواني]
فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْأَصْلِ الدَّانِي وَالْفَرْعِ الْقَرِيبِ وَالرَّقِيقِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» .
تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي أَوْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الْوَلَدُ: أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدْعُنِي، فَجَعَلَ الَّذِي يَعُولُهُ الشَّخْصُ زَوْجَتَهُ وَرَقِيقَهُ وَوَلَدَهُ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ وَقْفٌ عَلَى عِيَالِي، أَوْ هَذِهِ الْعُلُوفَةُ عَلَى الْعِيَالِ تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ فِي الْعِيَالِ، وَقَلَّ أَنْ يَعْرِفَهَا الطَّالِبُ مِنْ غَيْرِ هَذَا فَافْهَمْ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا جَرَى فِي الْكَفَنِ خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
(فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) كَفَنُهَا وَسَائِرُ مُؤَنِ تَجْهِيزِهَا (فِي مَالِهَا) وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ إلَى قَوْلِهِ: لَا زَوْجِيَّةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً لِانْقِطَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمَوْتِهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ مَالِهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَعَلَى سَيِّدِهَا. (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ) كَفَنُهَا، وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهَا (فِي مَالِ زَوْجِهَا) إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ لَهَا النَّفَقَةُ لِبُلُوغِهِ وَيُسْرِهِ لِبَقَاءِ أَثَرِ الزَّوْجِيَّةِ لِجَوَازِ التَّغْسِيلِ وَالنَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ وَعُزِيَ لِمَالِكٍ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ: وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً (وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَتْ غَنِيَّةً) بِحَيْثُ يُوجَدُ عِنْدَهَا مَا تُكَفَّنُ بِهِ (فَفِي مَالِهَا) كَسَائِرِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ. (وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَفِي مَالِ الزَّوْجِ) وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَفَّنَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَالِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا. (فَائِدَةٌ) سَحْنُونٌ: لُقِّبَ بِهِ لِحِدَّةِ فَهْمِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَفِي سِينِهِ وَجْهَانِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الْكَثِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفَتْحُ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَالضَّمُّ.
١ -
(تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: سَكَتَ عَنْ كَفَنِ مَنْ يَلْزَمُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ سِوَى الزَّوْجَةِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّفَقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ، وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حُرًّا، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَرَقِيقُهُ وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ السَّيِّدِ إلَّا مَا يُكَفِّنُ أَحَدَهُمَا قُدِّمَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ سَيِّدِهِ.
١ -
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ أَبُو شَخْصٍ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلَدُهُ وَنَفَقَةُ كُلٍّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَعَجَزَ عَنْ تَكْفِينِ الْجَمِيعِ فَحُكْمُهُ كَالنَّفَقَةِ، فَيُقَدَّمُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ بِالْأَصَالَةِ، وَيَنْظُرُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَى عَلَى تَكْفِينِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ بَعْضِ الْأَوْلَادِ، وَمُقْتَضَى الْإِجْرَاءِ عَلَى النَّفَقَةِ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَالصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَلْتُحَرَّرْ الْمَسْأَلَةُ.
وَيَظْهَرُ الِاقْتِرَاعُ عِنْدَ تَسَاوِي الْوَلَدَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا مَا يُكَفِّنُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْكَفَنُ الْمَوْجُودُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَكْفِي فِي السَّتْرِ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَحَرِّرْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا.
الثَّالِثَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْلُوكِ الْبَهِيمِيِّ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ عَلَفُهُ الْمُعْتَادُ، وَلَوْ بِالشِّرَاءِ أَوْ يَبْعَثُهُ لِلْمَرْعَى، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُهُ، فَإِنْ لَمْ يُطْعِمْهُ أَوْ كَلَّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُهُ بِيعَ عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ بَيْعِهِ أَوْ ذَبْحِهِ.
١ -
الرَّابِعَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ أَيْضًا عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ كَرْمٌ أَوْ زَرْعٌ يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ بِحَيْثُ يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَوْ بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ بِبَيْعِهِ.
[بَابٌ فِي الْبُيُوعِ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَبَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِ الذَّبَائِحِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْجِهَادِ وَالْأَنْكِحَةِ، وَمَا يَطْرَأُ لَهَا مِنْ طَلَاقٍ وَعِدَّةٍ وَسُكْنَى وَنَفَقَةٍ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ بِقَوْلِهِ:
стр. 490
بَابٌ فِي الْبُيُوعِ، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي الدُّيُونِ إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرْبَى لَهُ فِيهِ.
وَمِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ
ــ
[الفواكه الدواني]
(بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (الْبُيُوعِ)
جَمْعُ بَيْعٍ مَصْدَرُ بَاعَ، وَيَتَنَوَّعُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، وَلِذَا صَحَّ جَمْعُهُ، بِخِلَافِ الْمُؤَكِّدِ لِعَامِلِهِ لَا يُثَنَّى، وَلَا يُجْمَعُ، وَحَقِيقَتُهُ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ وَاصْطَلَحَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ: الْإِخْرَاجُ عَكْسُ اشْتَرَى، يُقَالُ: بَاعَ الشَّيْءَ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَاشْتَرَاهُ إذَا أَدْخَلَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا شَرَى فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا، وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِخْرَاجِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَاعُوهُ، وَالضَّمِيرُ فِي بَاعُوهُ لِإِخْوَةِ يُوسُفَ الَّذِينَ أَخَذُوهُ مِنْ السَّيَّارَةِ بِادِّعَاءِ أَنَّهُ عَبْدُهُمْ وَأَبَقَ مِنْهُمْ ثُمَّ بَاعُوهُ لَهُمْ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَيْعُ الْأَعَمُّ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ، فَيَخْرُجُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّكَاحِ، وَيَدْخُلُ هِبَةُ الثَّوَابِ وَالصَّرْفِ وَالْمُرَاطَلَةِ وَالسَّلَمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: وَالْغَالِبُ عُرْفًا أَخَصُّ مِنْهُ بِزِيَادَةِ ذُو مُكَايَسَةِ أَحَدِ عِوَضَيْهِ غَيْرِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الْعَيْنِ فِيهِ لِتَخْرُجَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ الدَّاخِلَةُ فِي الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ لَا مُكَايَسَةَ أَيْ لَا مُغَالَبَةَ فِيهَا، وَالصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ وَالْمُبَادَلَةُ الْعِوَضَانِ فِيهَا مِنْ الْعَيْنِ وَالسَّلَمِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ الْعَيْنُ، وَهِيَ رَأْسُ الْمَالِ، وَأَمَّا غَيْرُ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ فِي الذِّمَّةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ مُعَيَّنًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ تَعْبِيرَ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْعَيْنِ فِي رَأْسِ الْمَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا، وَيَنْقَسِمُ الْبَيْعُ الْأَعَمُّ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُسَاوَمَةٍ، وَمُزَايَدَةٍ، وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا، وَبَيْعِ مُرَابَحَةٍ، وَهُوَ جَائِزٌ جَوَازًا مَرْجُوحًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الصِّدْقِ الْمَتِينِ، وَبَيْعِ اسْتِئْمَانٍ وَاسْتِرْسَالٍ، وَحَقِيقَةِ بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَتَرَاضَى الشَّخْصَانِ عَلَى ثَمَنٍ وَلَا تَقْبَلُ زِيَادَةً بَعْدَهُ، وَلَوْ تَضَمَّنَ غَبْنًا، وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنْ يُطْلِقَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ فِي يَدِ الدَّلَّالِ لِلنِّدَاءِ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَعْطَى فِيهَا ثَمَنًا لَزِمَهُ إنْ رَضِيَ مَالِكُهَا وَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى وَيَطْلُبَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ هَذَا يُورِثُ الضَّغَائِنَ فِي الْقُلُوبِ.
وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ وَيَبِيعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الِاسْتِرْسَالُ أَنْ يَصْرِفَ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ قَدْرَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ لِعِلْمِ صَاحِبِهِ بِجَهْلِ الصَّارِفِ بِهِ أَيْ بِقَدْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ الْجَاهِلُ لِلْعَالِمِ: اشْتَرِ مِنِّي كَمَا تَشْتَرِي مِنْ النَّاسِ، أَوْ بِعْنِي كَمَا تَبِيعُ النَّاسُ، وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْجَاهِلِ إذَا كَذَبَ عَلَيْهِ الْعَالِمُ بِأَنْ غَرَّهُ، وَمُقَابِلُ الْأَكْثَرِ سَمَاعُ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ لَا يَصِحُّ، وَيُفْسَخُ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَ رَدَّ مِثْلَ الْمِثْلِيِّ، وَقِيمَةَ الْمُقَوَّمِ (وَ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ (مَا شَاكَلَ) أَيْ شَابَهُ (الْبُيُوعَ) مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ، كَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّرْجَمَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَا تَرْجَمَ لَهُ مُبْتَدِئًا بِحُكْمِ الْبَيْعِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْجَوَازُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي لَا تَخْصِيصَ فِيهِ، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْفَاسِدَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بَيْعٌ إلَّا عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخَصُّصُ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: وَأَحَلَّ اللَّهُ كُلَّ بَيْعٍ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَمَنْ اُضْطُرَّ لِشِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالنَّدْبُ كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ مَنْدُوبٌ، وَالْكَرَاهَةُ كَبَيْعِ الْهِرِّ وَالسَّبُعِ؛ لِأَخْذِ جِلْدِهِ، وَالتَّحْرِيمُ كَبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْ بَيْعِهِ نَحْوِ الْكَلْبِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْبَيْعَ تَعْرِضُ لَهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ الْكِتَابُ
стр. 491
النَّسِيئَةِ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَلَا يَجُوزُ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ وَلَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ إلَّا مِثْلًا.
ــ
[الفواكه الدواني]
دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» وَالْبَيْعُ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَمْ يَعْصِ صَاحِبُهُ بِهِ وَلَا فِيهِ وَلَا مَعَهُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِأَرْكَانِ الْبَيْعِ وَلَا لِشُرُوطِ عَاقِدِهِ، وَلَا الْمَقْعُودِ عَلَيْهِ، وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: الْعَاقِدُ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ، وَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِ الْعَاقِدِ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ التَّمْيِيزُ بِأَنْ يَفْهَمَ السُّؤَالَ وَيَرُدَّ جَوَابَهُ، وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا، وَشَرْطُ اللُّزُومِ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ وَالطَّوْعِ، فَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَلَا السَّفِيهِ وَلَا الْمُكْرَهِ إكْرَاهًا حَرَامًا، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا.
قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ، وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا وَرَدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْعَاقِدِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا، بَلْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَازِمًا وَيُجْبَرُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ إدَامَةِ الْمِلْكِ، وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا الطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً حَيْثُ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اللُّزُومِ، وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَهُ وَلَا نَوْعَهُ، وَعَدَمُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ الصِّيغَةُ، وَيَكْفِي فِيهَا كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَوْ مُعَاطَاةً، خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْكَلَامِ كُلَّمَا يُفْهَمُ مَعَهُ الْمُرَادُ وَلَوْ إشَارَةً؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْقَوْلِ وَعَلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِفَادَةُ مِنْ إشَارَةٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ خَلِيلٌ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ تَقَدُّمُ إيجَابٍ عَلَى قَبُولٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى الرِّبَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى مَا يُفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (وَحَرَّمَ) اللَّهُ (الرِّبَا) بِالْقَصْرِ بِقِسْمَيْهِ النَّسَاءُ بِالْمَدِّ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ وَالْفَضْلُ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ، وَفِي مُسْلِمٍ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ» فَمَنْ اسْتَحَلَّ الرِّبَا كَفَرَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَكَانَ مَنْ بَاعَ بِالرِّبَا فَهُوَ فَاسِقٌ يُؤَدَّبُ بَعْدَ فَسْخِ بَيْعِهِ، وَيَلْزَمُهُ رَأْسُ الْمَالِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَمَنْ قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ رَدَّهُ لِرَبِّهِ إنْ عَرَفَهُ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ فَهُوَ لَهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ بَلْ يَسْقُطُ عَمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
(وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ) ، وَهِيَ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ (فِي الدُّيُونِ) إذَا تَمَّ أَجَلُ الدَّيْنِ يَقُولُ لَهُ مَنْ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي شَأْنِهِ (إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ) مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ (وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ) أَيْ يَزِيدَ (لَهُ فِيهِ) وَيُؤَخِّرَهُ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ. مِثَالُ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ وَيَدْفَعَ لَهُ عَنْ الْعَشَرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ بَدَلَ عَدَدِ الْكِلَابِ رِيَالَاتٍ، أَوْ عَنْ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَنَادِقَةً، فَإِنْ وَقَعَ وَأَخَّرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ.
وَفِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْحُرْمَةِ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ رَهْنًا أَوْ يُقِيمَ لَهُ حَمْلًا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، وَمِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرِ مُخَالِفٍ لِجِنْسِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ سَارَتْ قِيمَتُهُ حِينَ التَّأْخِيرِ قَدْرَ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا وَحَلَّ أَجَلُهَا فَأَخَّرَهُ بِهَا أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا طَعَامًا أَوْ عَرَضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ أَوْ مَنَافِعِ عَيْنٍ. وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الْحَقِّ وَأَخَّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ رِبَا الْفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ) كَخَطِيئَةٍ فَهُوَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ الزِّيَادَةُ وَيُقَالُ لَهَا رِبًا أَيْ زِيَادَةُ الْفَضْلِ (بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ) حَالَ كَوْنِهِ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ مُنَاجَزَةً وَحَالَ كَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ (الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ) مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ مَصُوغَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ؛ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ» ، وَمَعْنَى لَا تُشِفُّوا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ لَا تُفَضِّلُوا.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ حُرْمَةُ الْمُفَاضَلَةِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا وَلَوْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ قَدْ أَجَازُوا الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: الْأُولَى الْمُبَادَلَةُ. وَهِيَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا عَدَدًا فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِشُرُوطٍ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ بِأَنْ تَكُونَ سِتَّةً فَأَقَلَّ، وَأَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ السُّدُسَ فَأَقَلَّ، وَأَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْمُعَاقَدَةُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ، وَأَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَادَةِ الْمَعْرُوفُ. وَالثَّانِيَةُ: الْمُسَافِرُ تَكُونُ مَعَهُ الْعَيْنُ غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ، وَلَا تَرُوجُ مَعَهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا لِلسَّكَّاكِ لِيَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا مَسْكُوكًا، وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ أُجْرَةِ السِّكَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ زَائِدَةٌ وَعَلَى كَوْنِهَا
стр. 492
بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ
وَالْفِضَّةُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا يَدًا بِيَدٍ.
وَالطَّعَامُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْقُطْنِيَّةِ وَشَبَهِهَا مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ أَوْ إدَامٍ لَا يَجُوزُ الْجِنْسُ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ.
وَلَا يَجُوزُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ
ــ
[الفواكه الدواني]
عَرَضًا تُفْرَضُ مَعَ الْعَيْنِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُسَافِرِ مِنْ السَّفَرِ عِنْدَ تَأْخِيرِهِ لِضَرْبِهَا.
الثَّالِثَةُ: الشَّخْصُ يَكُونُ مَعَهُ الدِّرْهَمُ الْفِضَّةُ وَيَحْتَاجُ إلَى نَحْوِ الْغِذَاءِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لِنَحْوِ الزَّيَّاتِ وَيَأْخُذَ بِبَعْضِهِ طَعَامًا أَوْ جُدُدًا، وَبِالنِّصْفِ الْآخَرِ فِضَّةً حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ أَوْ عِوَضَ كِرَاءٍ بَعْدَ تَامِّ الْعَمَلِ لِوُجُوبِ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ، وَكَوْنُ الْمَدْفُوعِ دِرْهَمًا فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ وَالْمَدْفُوعُ مَسْكُوكَيْنِ، وَأَنْ يَجْرِيَ التَّعَامُلُ بِالْمَدْفُوعِ وَالْمَأْخُوذِ وَلَوْ لَمْ تَتَّحِدَ السِّكَّةُ، وَأَنْ يَتَّحِدَا فِي الرَّوَاجِ بِأَنْ تَكُونَ الْفِضَّةُ الْمَأْخُوذَةُ تَرُوجُ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ وَأَنْ يَتَعَجَّلَ الدِّرْهَمَ، وَمُقَابَلَةٌ مِنْ عَيْنٍ، وَمَا مَعَهَا. وَوَجْهُ التَّفَاضُلِ فِي هَذِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ يُفْرَضُ مَعَهَا عَيْنًا، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ إلَخْ. وَإِلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ وَأُجْرَتُهُ دَارَ الضَّرْبِ؛ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ. وَإِلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ إلَخْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ مُتَفَاضِلًا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) بَيْعُ (ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَلَا) بَيْعُ (فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ) لَا مُرَاطَلَةَ وَلَا مُبَادَلَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةٍ.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (مِثْلًا بِمِثْلٍ) ، وَمَقْبُوضًا (يَدًا بِيَدٍ) فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ: مُبَادَلَةُ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ، وَإِعْطَاءُ الْمُسَافِرِ نَحْوَ التِّبْرِ وَيَأْخُذُ مَسْكُوكًا، وَمَسْأَلَةُ الدِّرْهَمِ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ الْمُمَاثَلَةُ وَوُجِدَتْ الْمُنَاجَزَةُ جَازَ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ أَوْ الْمُرَاطَلَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِصَنْجَةٍ أَوْ كِفَّتَيْنِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ بِنَوْعِهَا شَرَعَ فِي بَيْعِهَا بِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) بَيْعُ (الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ رِبًا) فَيَحْرُمُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا يَدًا بِيَدٍ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَضَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» وَتَلَخَّصَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، وَأَمَّا النَّسَاءُ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُطْلَقًا مُخْتَلِفًا أَوْ مُتَّفِقًا مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَهُ.
١ -
(تَنْبِيهٌ) بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا مُرَاطَلَةٌ، وَإِمَّا مُبَادَلَةٌ، وَإِمَّا صَرْفٌ، فَالْمُرَاطَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ وَزْنًا، وَالْمُبَادَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ عَدَدًا، وَالصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ، وَتَجِبُ الْمُنَاجَزَةُ فِي الْجَمِيعِ، وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ بِعَدَمِهَا وَلَوْ قَرِيبًا أَوْ غَلَبَةً، وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ فَتَجِبُ فِي الْمُرَاطَلَةِ، وَكَذَا فِي الْمُبَادَلَةِ إذَا زَادَ الْعَدَدُ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ بَعْضِهَا أَكْثَرَ مِنْ السُّدُسِ.
١ -
(فَرْعٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْإِنَاءِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ إقْنَاؤُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ وَلَوْ فِي حَقِّ الْأُنْثَى، وَلَكِنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ يَصْنَعُهُ حُلِيًّا بِعَرَضٍ أَوْ نَقْدٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ اُشْتُرِطَتْ الْمُنَاجَزَةُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ وَالْمُنَاجَزَةُ، وَأَمَّا الْمُصَنَّعُ مِنْ النَّقْدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالْعَرَضِ، وَلَا يَجُوزُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا وَلَوْ التَّابِعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا الْمُحَلَّى بِالنَّقْدَيْنِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ بِأَنْ كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الثُّلُثَ، وَالْجَوْهَرُ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِجِنْسِ الْأَقَلِّ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ قَدْرَ الْفِضَّةِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا بِالْعَرَضِ.
(خَاتِمَةٌ) وَقَعَ خِلَافٌ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي النُّقُودِ، فَقِيلَ غَلَبَةُ الثَّمَنِيَّةِ، وَقِيلَ مُطْلَقُ الثَّمَنِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْرُجُ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّبَا وَيَدْخُلُهَا عَلَى الثَّانِي.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَطْعِمَةِ وَبَيَانِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَا مِنْهَا، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّعَامُ) الْكَائِنُ (مِنْ الْحُبُوبِ) ذَاتِ السُّنْبُلِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَأُلْحِقَ بِهِمَا السُّلْتُ (وَ) الْكَائِنُ مِنْ (الْقُطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَوْ ضَمِّهَا وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا، وَتُجْمَعُ عَلَى قَطَانِيٍّ كَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَالْبَسِيلَةِ وَالْجُلْبَانِ وَالتُّرْمُسِ وَاللُّوبِيَا وَالْكِرْسِنَّةِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ وَفِي لَوْنِهَا حُمْرَةٌ، وَالْبَاجِيُّ يَقُولُ: هِيَ الْبَسِيلَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ بِالْمَحَلِّ وَلَا تَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَ) مِنْ (شَبَهِهَا) أَيْ الْقُطْنِيَّةِ (مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ) كَزَبِيبٍ أَوْ لَحْمٍ (أَوْ إدَامٍ) كَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَخُبْزٍ الطَّعَامُ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً. (لَا يَجُوزُ) بَيْعُ (الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) لِلسَّلَامَةِ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَلِلسَّلَامَةِ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ (يَدًا بِيَدٍ) وَقَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ، وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَوْ قَرِيبًا، وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بِالْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ إنْ وُجِدَ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَالْمِعْيَارُ لِأَهْلِ مَحَلِّ الْبَيْعِ، فَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَهُمْ بِأَمْرَيْنِ اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيمَا يُوزَنُ بِشَيْءٍ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّحَرِّي إنْ أَمْكَنَ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَكِيلِ وَالْمَعْدُودِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهِمَا تَعَذُّرٌ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَاعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَبِالْعَادَةِ، فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي عِنْدَ إمْكَانِهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ وَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ أَنَّ عِلَّةَ أَيْ عَلَامَةَ كَوْنِ الطَّعَامِ رِبَوِيًّا أَنْ يَكُونَ يَحْصُلُ بِهِ
стр. 493
خِلَافِهِ كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ وَلَا بَأْسَ بِالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ، وَمَا لَا يُدَّخَرُ مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ.
وَسَائِرِ الْإِدَامِ وَالطَّعَامِ
وَالشَّرَابِ إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ، وَمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ سَائِرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ إلَّا فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ.
وَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ
ــ
[الفواكه الدواني]
الِاقْتِيَاتُ وَيُمْكِنَ ادِّخَارُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ، وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ تَأْوِيلَانِ، وَلِذَلِكَ جَرَى الْخِلَافُ فِي رِبَوِيَّةِ التِّينِ وَالزَّيْتِ وَالْجَرَادِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ إلَّا فِي الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ الْمُتَّحِدِ الْجِنْسِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَمَعْنَى الِاقْتِيَاتِ قِيَامُ بِنْيَةِ الْآدَمِيِّ بِهِ، وَمَعْنَى الْإِدْخَارِ عَدَمُ فَسَادِهِ بِالتَّأْخِيرِ الْمَعْرُوفِ فِيهِ.
وَلَمَّا كَانَ رِبَا النَّسَاءِ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ مُحَرَّمًا وَلَوْ فِي مُطْلَقِ الْجِنْسَيْنِ الْمَطْعُومَيْنِ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) بَيْعُ (طَعَامٍ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ) وَلَوْ قَرِيبًا (كَانَ مِنْ جِنْسِهِ) كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ (أَوْ مِنْ خِلَافِهِ) سَوَاءٌ (كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ) كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ (أَوْ لَا يُدَّخَرُ) كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ؛ لِدُخُولِ رِبَا النَّسَاءِ فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ، فَتَخَلَّصَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ، وَأَمَّا رِبَا النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ التَّأْخِيرُ فَيَدْخُلُ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ، وَمُخْتَلِفِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُقْتَاتٍ غَالِبًا كَالْخِيَارِ وَالْفَوَاكِهِ؛ لِأَنَّ رِبَا النَّسَاءِ يَدْخُلُ فِي كُلِّ مَا فِيهِ الطَّعْمِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ إلَّا فِي الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالْفَوَاكِهِ) أَيْ بِبَيْعِ الْفَوَاكِهِ كَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ (وَالْبُقُولِ) كَالْخَسِّ وَالْهُنْدُبَا مِنْ كُلِّ مَا يُجَزُّ مِنْ أَصْلِهِ.
(وَ) كُلُّ (مَا لَا يُدَّخَرُ) مِنْ الْخُضَرِ، وَهِيَ كُلُّ مَا يُجَزُّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ كَالْمُلُوخِيَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلَوْ (مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ كَانَ) جَمِيعُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) حَيْثُ وَقَعَ التَّنَاجُزُ (يَدًا بِيَدٍ) وَلَمَّا قَدَّمَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عَلَامَةَ الطَّعَامِ الَّذِي يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، ذَكَرَ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ) كَالْبُنْدُقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِدْخَارُ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ الْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الِاقْتِيَاتِ وَالْإِدْخَارِ، وَقِيلَ كَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، فَالْمُفْتَى بِهِ مَا عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّ الْفَوَاكِهَ لَا يَدْخُلُهَا رِبَا الْفَضْلِ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا.
قَالَ خَلِيلٌ: لَا خَرْدَلَ وَزَعْفَرَانَ وَخُضَرَ وَدَوَاءَ وَتِينَ، وَمَوْزَ وَفَاكِهَةَ وَلَوْ اُدُّخِرَتْ بِقُطْرٍ، أَيْ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ رِبَوِيَّةَ التِّينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِدْخَارِ كَوْنُهُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا.
(وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ (سَائِرِ) أَنْوَاعِ (الْإِدَامِ) كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ، فَقَوْلُهُ: وَسَائِرِ بِالْجَرِّ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ: فِيمَا يُدَّخَرُ (وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا اتَّحَدَ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ (الطَّعَامِ) الْكَائِنَةِ مِنْ غَيْرِ الْحُبُوبِ كَاللَّحْمِ وَالْمَرَقِ فَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ مَا سَبَقَ.
(وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي كُلِّ مَا اتَّحَدَ مِنْ أَنْوَاعِ (الشَّرَابِ) الْمُتَّخَذَةِ مِمَّا هُوَ رِبَوِيٌّ كَالشَّرَابِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ التَّمْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اتِّحَادَ الْجِنْسِيَّةِ تَابِعٌ لِلْغَرَضِ، فَنَحْوُ الْأَنْبِذَةِ كُلِّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أُصُولُهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وَالْغَرَضَ مِنْهَا الْحَلَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْخُلُولَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الْحُمُوضَةُ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَلْبَانِ وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ وَآدَمِيٍّ، بِخِلَافِ الْعُسُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأُصُولِ فَإِنَّهَا أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا فِي اسْتِعْمَالِهَا. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الشَّرَابِ قَوْلَهُ: (إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ) فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالطَّعَامِ لِأَجَلٍ وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطَّعَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَذْبُ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ وَلَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَثَانِيهمَا الْأُجَاجُ، وَهُوَ مَا لَا يُشْرَبُ لِمَرَارَتِهِ كَالْبَحْرِ الْمَالِحِ، وَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ بِالْآخَرِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا بَيْعُ الْمَاءِ بِمَاءٍ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ جَازَ، وَلَوْ إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَيَمْتَنِعُ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُعَجَّلُ فَفِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ هُوَ الْكَثِيرَ فَفِيهِ تُهْمَةُ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا اتَّحَدَ جِنْسُهُ، وَهُوَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ بِقَوْلِهِ: (، وَمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِنْ غَيْرِ الْحُبُوبِ. (وَمِنْ سَائِرِ) أَيْ جَمِيعِ (أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ) وَلَوْ الْمُقْتَاتَةَ الْمُدَّخَرَةَ (وَمِنْ) سَائِرِ أَنْوَاعِ (الثِّمَارِ وَالطَّعَامِ) وَخَبَرُ مَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً قَوْلُهُ: (فَلَا بَأْسَ) أَيْ فَلَا حَرَجَ فِي بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ الْآخَرِ (بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ) حَالَةَ كَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ مُنَاجَزًا فِيهِ «لِقَوْلِهِ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِيهِ الرِّبَا: فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ قَوْلَهُ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُطْلَقِ الطَّعَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلَّا فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ) وَلَوْ اُدُّخِرَتْ بِقُطْرٍ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ حُرْمَةَ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ
стр. 494
وَالزَّبِيبُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَالتَّمْرُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَالْقُطْنِيَّةُ أَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ صِنْفٌ وَلُحُومُ الطَّيْرِ كُلُّهُ صِنْفٌ وَلُحُومُ دَوَابِّ
ــ
[الفواكه الدواني]
لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بِشَرْطِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَمَا هُوَ أَجْنَاسٌ بِقَوْلِهِ: (وَالْقَمْحُ) مُبْتَدَأٌ (وَالشَّعِيرُ) ، وَهُمَا مُعَرَّفَانِ (وَالسُّلْتُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ وَاللَّامِ السَّاكِنَةِ حَبٌّ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ وَخَبَرُ الْقَمْحِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً (كَجِنْسٍ وَاحِدٍ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ (فِي) كُلِّ (مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ) ؛ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ أَوْ السُّلْتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، خِلَافًا لِلسُّيُورِيِّ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ وَتَبِعَهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ» إلَخْ وَدَلِيلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لِفَتًى عَلَفَ حِمَارَهُ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ مِثْلُهُ، وَأَيْضًا اُشْتُهِرَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اتِّحَادُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي الْجِنْسِيَّةِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النَّاسِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ السُّلْتَ يَلْحَق بِهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: كَجِنْسٍ وَاحِدٍ أَيْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اتِّحَادُ جِنْسِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ فَلَمْ يَزُلْ اتِّحَادُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ.
(وَالزَّبِيبُ كُلُّهُ) أَحْمَرُهُ وَأَسْوَدُهُ رَدِيئُهُ وَجَيِّدُهُ جَدِيدُهُ وَعَتِيقُهُ (صِنْفٌ وَاحِدٌ) وَكَذَا كُلُّ أَفْرَادِ التِّينِ جِنْسٌ وَاحِدٌ (وَ) كَذَلِكَ (التَّمْرُ كُلُّهُ) بَرْنِيُّ وَصَيْحَانِيٌّ وَعَجْوَةٌ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَمْرٌ وَزَبِيبٌ وَلَحْمُ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ جِنْسٌ، فَيَجِبُ التَّمَاثُلُ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ وَلَوْ شَكًّا، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ رَطْبًا وَالْآخَرُ يَابِسًا، وَأَمَّا الْبَلَحُ قَبْلَ أَنْ يَتَتَمَّرَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ عَلَفٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ بِالطَّعَامِ لِأَجَلٍ، وَأَمَّا الْبَلَحُ الْكَبِيرُ، وَهُوَ الرَّامِخُ أَوْ الْبُسْرُ، وَهُوَ الزَّهْوُ أَوْ الرُّطَبُ فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمِثْلِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِجَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبُسْرِ بِالزَّهْوِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِالرُّطَبِ وَلَا بِالتَّمْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ بِشَرْطِ التَّمَاثُلِ وَالتَّنَاجُزِ إلَّا الرَّطْبَ بِالْيَابِسِ، فَلَا يُبَاعُ الْقَمْحُ الْيَابِسُ بِالْبَلِيلَةِ، وَلَا الْفُولُ الْيَابِسُ بِالْحَارِّ، وَلَا النَّبِيذُ بِالتَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ وَلَوْ مُتَمَاثِلًا، بِخِلَافِ الْخَلِّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِمَا وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لِبُعْدِ الْخَلِّ عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَأَمَّا الْخَلُّ وَالنَّبِيذُ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مَعَ التَّمَاثُلِ وَالتَّنَاجُزِ لَا مَعَ التَّفَاضُلِ أَوْ عَدَمِ التَّنَاجُزِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِقُرْبِ الْخَلِّ مِنْ النَّبِيذِ، فَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا انْتَقَلَ عَنْ أَصْلِهِ صَارَ كَالْجِنْسِ الْآخَرِ،؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ الْبُعْدِ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ مَعَ النِّيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَالْقُطْنِيَّةُ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَوْ ضَمِّهَا وَاحِدَةُ الْقَطَانِيِّ كُلُّ مَا لَهُ غِلَافٌ يُخْزَنُ بِهِ كَالْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالْبَسِيلَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْجُلْبَانِ وَالتُّرْمُسِ وَعَنْهَا الْكِرْسِنَّةُ حَبٌّ قَرِيبٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هِيَ الْبَسِيلَةُ (وَأَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ) عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ (وَ) إنْ (اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ) فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْخِلَافِ مَا صَدَّرَ بِهِ مِنْ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي النَّوْعَيْنِ مِنْهُ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ (وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ) أَيْ الْإِمَامِ فِيهَا (فِي الزَّكَاةِ) بَلْ جَزَمَ (أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ) يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى يَكْمُلَ النِّصَابُ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَتُضَمُّ الْقَطَانِيُّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ، وَعَدَمُ اخْتِلَافِ قَوْلِ الْإِمَامِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا أَصْنَافٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ يُقَدَّمُ مَا فِيهَا عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
١ -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ نَحْوِ الْأُرْزِ وَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ هِيَ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي الْبُيُوعِ وَالزَّكَاةِ.
الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا جَازَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ قَوِيٍّ بِحَيْثُ يُبْعِدُهُ عَنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ كَقَلْيِ الْحَبِّ أَوْ طَبْخِهِ أَوْ جَعْلِهِ خُبْزًا لَا بِطَحْنِهِ وَلَوْ عُجِنَ، وَلَا بِصَلْقِهِ إلَّا التُّرْمُسَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ جِنْسًا آخَرَ بِصَلْقِهِ وَوَضْعِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِيرَ حُلْوًا، وَأَمَّا صَلْقُ الْقَمْحِ أَوْ الْفُولِ أَوْ الْحِمَّصِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُلُهُ، فَلِذَا لَا يُبَاعُ الْيَابِسُ بِالْمَصْلُوقِ مِنْهَا، وَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ مِنْ بَيْعِ الْفُولِ الْحَارِّ بِالْيَابِسِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْجِنْسِ وَالْأَجْنَاسِ مِنْ الْحُبُوبِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْمُتَّحِدَ وَالْمُخْتَلِفَ مِنْ أَنْوَاعِ غَيْرِ الْحُبُوبِ بِقَوْلِهِ (وَلُحُومُ) مُبْتَدَأٌ (ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ) كَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْإِبِلِ (وَ) مِنْ (الْوَحْشِ) كَالْغَزَالِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَخَبَرُ لَحْمٌ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَطْبُوخُ كُلُّهُ صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ طَبْخِهِ كَقَلْيِهِ بِعَسَلٍ وَأُخْرَى بِخَلٍّ أَوْ لَبَنٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ طَبْخِهَا بِأَبْزَارٍ
стр. 495
الْمَاءِ كُلِّهَا صِنْفٌ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ لُحُومِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ شَحْمٍ فَهُوَ كَلَحْمِهِ وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَجُبْنُهُ وَسَمْنُهُ صِنْفٌ.
ــ
[الفواكه الدواني]
أَمْ لَا، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الطَّبْخَ بِالْأَبْزَارِ نَاقِلٌ عَنْ اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، وَفَائِدَةُ الِاتِّحَادِ فِي الصِّنْفِيَّةِ وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ، وَحُرْمَةُ التَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَوْ لَحْمُ جَمَلٍ بِلَحْمِ ضَأْنٍ (وَ) كَذَلِكَ (لَحْمُ الطَّيْرِ كُلِّهَا) الْإِنْسِيُّ وَالْوَحْشِيُّ كَالنَّعَامَةِ وَلَوْ طَيْرَ مَاءٍ أَوْ جَرَادٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ خَبَرُ لُحُومٍ، فَالرَّخَمَةُ مِثْلُ الْحَمَامَةِ، وَالْحِدَأَةُ مِثْلُ الدَّجَاجَةِ وَالْغُرَابِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَرَقَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
(تَنْبِيهٌ) . هَذَا فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْمُبَاحَةِ وَالطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْأَنْعَامِ بِالْخَيْلِ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ نَقْدًا، وَمُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَأَمَّا بِالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ فَمَكْرُوهٌ بَيْعُ لَحْمِ الْأَنْعَامِ بِهَا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي أَكْلِهَا، وَمَالِكٌ يَكْرَهُ أَكْلَهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَكْرُوهَ الْأَكْلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحِ مِنْهَا، وَإِلَّا حَرُمَ بَيْعُ لَحْمِ الْمُبَاحِ مِنْهَا بِالْمَكْرُوهِ مُتَفَاضِلًا، وَحَرُمَ أَيْضًا بَيْعُ الْحَيِّ بِلَحْمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَعَلَيْهِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ لَحْمِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، كَمَا يُكْرَهُ بَيْعُ الْحَيِّ مِنْ الْمَكْرُوهِ بِلَحْمِ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَوْ الْمَكْرُوهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ أَنَّهُ يَجْرِي فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ الطَّيْرِ مَا جَرَى فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
(وَلُحُومُ) مُبْتَدَأٌ (دَوَابِّ الْمَاءِ) كَضُفْدَعٍ وَسَمَكٍ وَتِمْسَاحٍ وَآدَمِيِّ الْمَاءِ وَكَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ مِنْهَا (كُلِّهَا) وَخَبَرُ لُحُومُ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الصَّبْرُ بِتَمْلِيحِهِ عَنْ أَصْلِهِ فَالْفَسْخُ لَا يَخْرُجُ عَنْ جِنْسِ الْحُلْوِ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْبَطَارِخَ فِي حُكْمِ الْمُودَعِ فِي السَّمَكِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيُبَاعُ بِالسَّمَكِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، كَمَا يُبَاعُ الطَّيْرُ وَلَحْمُهُ بِبَيْضِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، وَلَوْ فِي قِيَاسِ الْبَطَارِخِ عَلَى الْبَيْضِ وَقْفَةٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَأَيْضًا الْبَطَارِخُ كَالشَّحْمِ، وَالشَّحْمُ كَاللَّحْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) كُلُّ (مَا تَوَلَّدَ مِنْ لُحُومِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ) مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الطُّيُورِ أَوْ دَوَابِّ الْمَاءِ (مِنْ شَحْمٍ) أَوْ كَبِدٍ أَوْ قَلْبٍ أَوْ طِحَالٍ أَوْ رَأْسٍ (فَهُوَ كَلَحْمِهِ) بَلْ الْعَظْمُ وَالْمَرَقُ وَالْجِلْدُ كَذَلِكَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَرَقُ وَالْعَظْمُ وَالْجِلْدُ كَهُوَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَظْمُ مُتَّصِلًا فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ فِي حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ؛ لِأَجْلِ الْعَظْمِ؛ لِأَنَّهُ كَاللَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ اللَّحْمِ فَإِنَّمَا يَكُونُ كَاللَّحْمِ إذَا كَانَ يُمْكِنُ أَكْلُهُ كَالْقُرْقُوشَةِ إلَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ أَجْنَبِيًّا كَنَوَى الْبَلَحِ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فَائِدَةُ كَوْنِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ كَاللَّحْمِ حُرْمَةُ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَمَا مَرَّ فِي الْحُبُوبِ مَا لَمْ يَنْتَقِلْ اللَّحْمُ عَنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا جَازَ التَّفَاضُلُ وَنَقْلُ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ عَنْ اللَّحْمِ النِّيءِ أَنْ يُطْبَخَ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْأَبْزَارِ، وَلَوْ الْخَفِيفَةَ كَالْأُرْزِ أَوْ الْبَصَلِ زِيَادَةً عَلَى الْمِلْحِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعِيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ، وَمِثْلُ طَبْخِ اللَّحْمِ بِالْأَبْزَارِ شَيُّهُ أَوْ تَجْفِيفُهُ بِالشَّمْسِ أَوْ الْهَوَاءِ بِالْأَبْزَارِ، وَأَمَّا طَبْخُهُ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ فَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ اللَّحْمِ النِّيءِ؛ لِأَنَّهُ صَلْقٌ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَنْ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ.
الثَّانِي: لَوْ طُبِخَ لَحْمٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ، فَإِنْ طُبِخَا بِغَيْرِ أَبْزَارٍ أَوْ طُبِخَ أَحَدُهُمَا بِهَا وَالْآخَرُ بِدُونِهَا فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فَيُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا لَوْ طُبِخَا بِأَبْزَارٍ وَلَوْ فِي قِدْرَيْنِ فَقِيلَ هُمَا بَاقِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا، وَقِيلَ صَارَا جِنْسًا وَاحِدًا فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا هُمَا مَعَ لَحْمٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا بِغَيْرِ نَاقِلٍ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمَا لِانْتِقَالِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَطْبُوخًا بِنَاقِلٍ لَجَرَى فِيهِ الْخِلَافُ.
١ -
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَلْبَانِ بِقَوْلِهِ: (وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ) الْمُتَقَدِّمِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْإِنْسِيِّ مِنْهُ وَالْوَحْشِيِّ كُلِّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
(وَ) كَذَلِكَ (جُبْنُهُ وَسَمْنُهُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (صِنْفٌ) فَصِنْفٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَلْبَانِ وَالْجُبْنِ، وَلَا يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ فَضْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْجُزُولِيُّ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ: وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ صِنْفٌ وَجُبْنُهُ صِنْفٌ وَسَمْنُهُ صِنْفٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا لَا مُتَفَاضِلًا، فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْعَلَّامَةُ خَلِيلٍ كَثِيرًا مَا يَسْلُكُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَتَمْرٌ وَزَبِيبٌ وَلَحْمُ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسُ الْمُرَادِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ جِنْسٌ، وَكَوْنُ أَلْبَانِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ صِنْفًا يُوهِمُ أَنَّ لَبَنَ الْآدَمِيِّ صِنْفٌ آخَرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمِيعُ صِنْفٌ وَاحِدٌ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمُطْلَقُ لَبَنٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ لَبَنُ آدَمِيِّ الْجَمِيعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَجَمِيعُ الْأَلْبَانِ: صِنْفٌ لِيُوَافِقَ كَلَامَ خَلِيلٍ، وَلِيَشْمَلَ الْمَخِيضَ مِنْهُ وَالْمَضْرُوبَ وَالْحَلِيبَ، فَيُبَاعُ الْحَلِيبُ بِالْمَخِيضِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ صِنْفٌ يَطْرَأُ عَلَيْك إشْكَالٌ، وَهُوَ إيهَامُ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بِالسَّمْنِ أَوْ الْجُبْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْحُكْمُ الْمَنْعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَأَنْوَاعُ اللَّبَنِ مِنْ فُرُوعِهَا سَبْعَةٌ: حَلِيبٌ، وَمَخِيضٌ، وَمَضْرُوبٌ وَجُبْنٌ وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ وَأَقِطٌ، وَالصُّوَرُ الْحَاصِلَةُ مِنْ بَيْعِ
следующие страницы →