← Фикх малики

Фикх малики · id 21589

الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني

النفراوي

Полный текст (778 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا. وَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْهُ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَهِيَ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ. وَلَا يَنْفَعُهُ الْعَزْلُ إذَا أَنْكَرَ وَلَدَهَا وَأَقَرَّ بِالْوَطْءِ فَإِنْ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَطَأْ بَعْدَهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ. وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنَ بِمَالِهِ. وَمَنْ أَعْتَقَ ــ [الفواكه الدواني] (وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ عَلَيْهَا (غَلَّةٌ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالْغَلَّةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ يَسْتَعْمِلُهَا بِنَفْسِهِ مِنْ الطَّحْنِ وَغَيْرِهِ، وَالْغَلَّةُ بِأَنْ يُؤَجِّرَهَا لِغَيْرِهِ فَإِنْ أَجَرَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فُسِخَتْ وَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهَا، وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ: لِأُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْحَرَائِرِ فِي سِتَّةِ أَوْجُهٍ، وَحُكْمُ الْعَبِيدِ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، فَأَمَّا السِّتَّةُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يُرْهَنَّ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُؤَجَّرْنَ وَلَا يُسَلَّمْنَ فِي جِنَايَةٍ وَلَا يُسْتَسْعَيْنَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَانْتِزَاعُ أَمْوَالِهِنَّ مَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ وَإِجْبَارُهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ وَاسْتِخْدَامُهُنَّ لَكِنْ فِي خَفِيفِ الْخِدْمَةِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ وَلَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِنَّ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ شَهَادَتِهِنَّ وَحْدَهُنَّ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ وَعَدَمُ إرْثِهِنَّ وَعَدَمُ الْقَسْمِ لَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَادِهَا الْحَاصِلِينَ مِنْهَا بَعْدَ اسْتِيلَائِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ خِدْمَةٍ وَغَلَّةٍ (فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ) الْحَاصِلُ لَهَا بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْ سَيِّدِهَا. (وَهُوَ) أَيْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا (بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ) فَيَجِبُ أَنْ (يَعْتِقَ بِعِتْقِهَا) بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَلَدَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ فَهُوَ حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ فَهُوَ رَقِيقٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا وَبَعْدَ اسْتِيلَادِهَا فَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا فِي حَيَاتِهَا، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُمْ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لَمْ يَعْتِقْ أَوْلَادُهَا حَتَّى يَمُوتَ سَيِّدُهُمْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْهُ) الْأَمَةُ بَعْدَ اعْتِرَافِ سَيِّدِهَا بِوَطْئِهَا وَعَدَمِ اسْتِبْرَائِهَا (مِمَّا يُعْلَمُ) بِشَهَادَةِ الْعَارِفَاتِ مِنْ النِّسَاءِ (أَنَّهُ وَلَدٌ) كَمُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ وَهِيَ الدَّمُ الْمُجْتَمِعُ الَّذِي لَا يَذُوبُ بِصَبِّ الْمَاءِ الْحَارِّ عَلَيْهِ (فَهِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا أَسْقَطَتْهُ (أُمُّ وَلَدٍ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَجِبُ بِهِ الْغُرَّةُ، فَالثَّلَاثَةُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُنَا: بَعْدَ اعْتِرَافِ سَيِّدِهَا إلَخْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا إقْرَارُ السَّيِّدِ بِوَطْئِهَا مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَوْ قَالَ إقْرَارُهُ فِي حَالِ مَرَضِهِ، وَالثَّانِي أَنْ تَثْبُتَ وِلَادَتُهَا أَوْ سَقْطُهَا وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ مَعْدُومًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ وَقَالَتْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْك مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا وَإِنْزَالِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَهَادَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِ الْوَلَدِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ الْوَطْءَ وَلَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِوَطْئِهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ أَنَّهُ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَنَفَى مَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ اسْتِبْرَائِهَا، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ لِانْتِفَائِهِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ نَفْيِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى لِعَانٍ، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ أَمَدِ الْحِلِّ مِنْ يَوْمِ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ الْوَلَدِ لِاعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْحَامِلُ عِنْدَنَا تَحِيضُ. (فَرْعٌ) مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالْوَطْءِ وَوُجِدَتْ أَمَتُهُ حَامِلًا فَإِنَّهَا لَا تَعْتِقُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أُمُومَةِ الْوَلَدِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) إذَا أَتَتْ أَمَةُ السَّيِّدِ بِوَلَدٍ (لَا يَنْفَعُهُ) دَعْوَى (الْعَزْلِ) عَنْهَا وَهُوَ الْإِنْزَالُ خَارِجَ الْفَرْجِ (إذَا أَنْكَرَهَا وَلَدَهَا) وَقَالَ لَيْسَ مِنِّي (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ (أَقَرَّ بِالْوَطْءِ) لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْبِقُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ بِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَدْفَعُهُ عَزْلٌ أَوْ وَطْءٌ بِدُبُرٍ أَوْ فَخْذَيْنِ إنْ اعْتَرَفَ بِالْإِنْزَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْإِنْزَالِ عِنْدَ وَطْئِهَا إنْزَالُهُ عِنْدَ غَيْرِهَا أَوْ مِنْ احْتِلَامٍ وَلَمْ يَبُلْ حَتَّى وَطِئَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ، بِخِلَافِ لَوْ قَالَ: كُنْت أَطَأُ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ، وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ وَلَمْ يَدَّعِ اسْتِبْرَاءَهَا (فَإِنْ ادَّعَى اسْتِبْرَاءً) بِحَيْضَةٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ بَعْدَهُ وَمَضَى لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ. [أَحْكَامِ الْعِتْق النَّاجِز] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ أُمِّ الْوَلَدِ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَرْجَمِ لَهُ، وَحَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ الْخُلُوصُ وَالْكَرَمُ وَالْحُرِّيَّةُ لِخُلُوصِ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ، وَلِذَا سُمِّيَ الْبَيْتُ بِالْعَتِيقِ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ الْغَرَقِ وَالطُّوفَانِ، وَحَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَلَى آدَمِيٍّ حَيٍّ حَتَّى خَرَجَ بِآدَمِيٍّ حَيَوَانٌ غَيْرُ آدَمِيٍّ، وَبِقَوْلِهِ حَيٍّ رَفَعَهُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ مِلْكٍ رَفَعَ غَيْرَهُ كَرَفْعِ الْحُكْمِ بِالنَّسْخِ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ حَقِيقِيٍّ لِيَخْرُجَ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ بِحُرِّيَّةٍ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا حَقِيقَةً، وَقَوْلُهُ لَا بِسَبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ بِغَيْرِ سِبَاءٍ لَا بِسَبَاءٍ لِيَخْرُجَ بِهِ فِدَاءُ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ سِبَاءً، وَقَوْلُهُ عَنْ آدَمِيٍّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رَفْعُ وَحُكْمُ الْعِتْقِ مَنْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ

стр. 562

بَعْضَ عَبْدِهِ اسْتَتَمَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَعَتَقَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ــ [الفواكه الدواني] أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ قُلْت: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنْهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِامْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ رَقَبَةً: لَوْ كُنْت أَخْدَمْتِيهَا أَقَارِبَك لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِك» اللَّخْمِيُّ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَاقِصَ عُضْوٍ لَا يَحْجُبُ النَّارَ عَنْ الْعُضْوِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مِنْهُ وَهُوَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيِّ عُضْوٍ شَاءَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ النَّارَ أَنْ تَأْكُلَ مَوْضِعَ السُّجُودِ» وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ ثُمَّ أَعْلَى الرِّقَابِ ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى ثَمَنًا كَافِرًا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَنَسَبَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ لِلْجُمْهُورِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قِيلَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعْتَقُ مِنْ النَّارِ إلَّا بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ دِيَتُهُ مِثْلَ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ كَالْمَرْأَةِ، أَمَّا إنْ تَسَاوَيَا فَالْمُسْلِمُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ كَالدَّيْنِ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمَا ثَمَنًا. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ: إنَّمَا يَكُونُ الْأَعْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْمُعْتِقُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ وَعَدَمُ إحَاطَةِ الدُّيُونِ بِمَالِهِ فَقَالَ مُشِيرًا إلَى هَذَا الشَّرْطِ. (وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ مَنْ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ) كَمَا لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ وَلَوْ بَعْدَ أَجَلِ تِلْكَ الدُّيُونِ إلَّا بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ إلَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَنَفَقَةِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَكِسْوَتِهِمْ، وَكَالْأُضْحِيَّةِ وَنَفَقَةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَهُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرْضِ لَكِنْ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ. قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا يَصِحُّ إعْتَاقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ بِلَا حَجْرٍ وَبِلَا إحَاطَةِ دَيْنٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَصِحُّ عِتْقُهُ وَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ طَلَاقُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مَوْلَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا عِتْقُ مَنْ أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ فَلِلْغُرَمَاءِ رَدُّهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَسْكُتَ بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا، أَوْ يَطُولُ زَمَانُ الْعِتْقِ بِحَيْثُ يَشْتَهِرُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَيَرِثُ الْوَارِثَاتِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِلْمُهُ، أَوْ إلَّا أَنْ يَسْتَفِيدَ مَا يُوَفِّي مِنْهُ الدَّيْنَ فَيُنَفَّذُ وَلَا يُرَدُّ، كَمَا يُنَفَّذُ عِتْقُ الزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا عِتْقُهُمَا مَا يَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ فَلِوَرَثَةِ الْمَرِيضِ وَلِلزَّوْجِ الرَّدُّ وَالْإِجَازَةُ. وَالثَّانِي مِنْ الْأَرْكَانِ: الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَشَرْطُهُ أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ وَلَوْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُبَعَّضُ وَالْمُكَاتَبُ يَصِحُّ تَنْجِيزُ عِتْقِ الْجَمِيعِ، وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنَّ عِتْقَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. وَالثَّالِثُ مِنْ الْأَرْكَانِ: الصِّيغَةُ وَهِيَ صَرِيحَةٌ وَكِنَايَةٌ، فَالصَّرِيحُ كُلُّ مَا فِيهِ لَفْظُ الْعِتْقِ أَوْ التَّحْرِيرِ أَوْ الْفَكِّ أَوْ لَا مِلْكَ أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَوْ فَكَكْت أَوْ حَرَّرْت رَقَبَتَك أَوْ أَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِلْعِتْقِ وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ نَوَى صَرْفَهُ إلَّا لِقَرِينَةٍ كَمَدْحٍ أَوْ خَلَفٍ أَوْ دَفْعِ مَكْسٍ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ عَجِبَ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ أَوْ خَالَفَهُ عِنْدَ أَمْرِهِ بِشَيْءٍ فَقَالَ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَفِيهَا أَيْضًا: وَلَوْ مَرَّ عَلَى عُشَارٍ فَقَالَ هُوَ حُرٌّ عِنْدَ طَلَبِ الْمَكْسِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحُرِّيَّةَ فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالظَّاهِرَةُ مَا لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِنِيَّةِ صَرْفِهِ كَوَهَبْتُ لَك نَفْسَك وَمَلَّكْتُك نَفْسَك، وَالْخَفِيَّةُ مَا لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَاذْهَبْ وَاغْرُبْ وَاسْقِنِي الْمَاءَ مِمَّا لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ عِتْقِ مَنْ لَمْ يَحُطَّ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، حَيْثُ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ أَوْ سَيِّدُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَفِي الثَّلَاثِ يَلْزَمُ الْعِتْقُ وَلَوْ لَمْ يَبِنْ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِمَا وَلَمْ يَحْصُلْ إسْلَامٌ مِنْهُمَا فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ إلَّا إذَا بَانَ عَنْهُ الْعَبْدُ. [الْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِتْقِ الْمَقْصُودِ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ اسْتَتَمَّ عَلَيْهِ) أَيْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَبِالْحُكْمِ مَعَهُ جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَالْبَاقِي لَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَلَوْ يَدًا أَوْ رِجْلًا مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي يَمْلِكُ جَمِيعَهُ فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، وَقَوْلُهُ بَعْضَ عَبْدِهِ يَشْمَلُ الْقِنَّ الْمَحْضَ وَالْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا رَشِيدًا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يُرَدُّ الْعَبْدُ أَوْ بَعْضُهُ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْكَافِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا أَوْ يَبِينَ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ مَا يَشْمَلُ نَحْوَ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ

стр. 563

لَهُ مَالٌ بَقِيَ سَهْمُ الشَّرِيكِ رَقِيقًا. وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ مُثْلَةً بَيِّنَةً مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ وَنَحْوِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ. وَمَنْ مَلَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدًا ــ [الفواكه الدواني] الْبَعْضِ الِاتِّصَالُ بِالْعَبْدِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَعْتَقَ نَحْوَ الشَّعْرِ وَالْكَلَامُ وَالرَّقِيقُ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى طَلَاقِ الزَّوْجَةِ بِذَلِكَ وَعَدَمِهِ، هَذَا حُكْمُ عِتْقِ بَعْضِ عَبْدٍ يَمْلِكُ جَمِيعَهُ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ (مَعَهُ فِيهِ شَرِكَةُ قُوِّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الَّذِي أَعْتَقَ حِصَّتَهُ (نَصِيبُ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ) وَتُعْتَبَرُ (يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَعَتَقَ) عَلَيْهِ حِينَئِذٍ جَمِيعُهُ وَالْمَعْنَى بِإِيضَاحٍ: أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَدْفَعَ الْقِيمَةَ بِالْفِعْلِ لِشَرِيكِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوْ الْعَبْدُ فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ وَالشَّرِيكَانِ كَفَرَةً فَلَا تَقْوِيمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ ذِمِّيًّا وَالْعَبْدُ كَذَلِكَ وَغَيْرُ الْمُعْتِقِ مُسْلِمًا. ثَالِثُهَا: أَنْ يَعْتِقَ الشَّرِيكَ بِاخْتِيَارِهِ لَا إنْ وَرِثَ جُزْءًا مِنْ أَبِيهِ فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ. رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ الْعِتْقَ لِأَنَّهُ الَّذِي أَبَّدَ الرَّقَبَةَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ حُرَّ الْبَعْضِ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَمْلِيَاءَ وَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ ابْتِدَاءً وَتَبِعَهُ الثَّانِي بِإِعْتَاقِ حِصَّتِهِ وَامْتَنَعَ الثَّالِثُ مِنْ الْعِتْقِ، فَإِنَّ حِصَّتَهُ تُقَوَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الثَّانِي بِتَقْوِيمِهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ لِلْعِتْقِ مُعْسِرًا لَمْ تُقَوَّمْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي إلَّا بِرِضَاهُ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَا مَعًا أَوْ مُتَرَتِّبًا وَجَهِلَ الْأَوَّلُ قُوِّمَتْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَيْهِمَا إنْ أَيْسَرَ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوسِرِ مِنْهُمَا. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ لِحِصَّتِهِ مُوسِرًا بِقِيمَةِ الشَّرِيكِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِهَا عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا هُوَ مُوسِرٌ بِهِ، وَالْمُعْسِرُ بِهِ لَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ رَضِيَ شَرِيكُهُ بِاتِّبَاعِ ذِمَّتِهِ. وَسَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقِيمَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ يُسْرُهُ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا زَائِدَةً عَلَى مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ) أَيْ لِلْمُبْتَدِئِ الْعِتْقَ (مَالٌ) زِيَادَةً عَلَى مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ (بَقِيَ سَهْمُ الشَّرِيكِ) الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ (رَقِيقًا) وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ وَلَوْ رَضِيَ شَرِيكُهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالشُّرُوطُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا يُقَوَّمُ الْمَعْتُوقُ بِالسِّرَايَةِ عَلَى مَنْ ابْتَدَأَ الْعِتْقَ بِمَالِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكِهِ مِنْ الْعِتْقِ وَنُقِضَ لَهُ بَيْعٌ مِنْهُ وَتَأْجِيلُ الثَّانِي أَوْ تَدْبِيرُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَحَدَهُمَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ مَثَّلَ) بِشَدِّ الْمُثَلَّثَةِ (بِعَبْدِهِ) الْمُرَادُ بِرَقِيقِهِ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ أَوْ بِرَقِيقِ رَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ (مُثْلَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ عُقُوبَةً وَوَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: (بَيِّنَةً) أَيْ ظَاهِرَةً وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ) كَيَدٍ أَوْ أُنْمُلَةٍ أَوْ فَقْءِ عَيْنٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْقَطْعِ كَوَسْمِ وَجْهِهِ بِالنَّارِ أَوْ فَقْءِ عَيْنِهِ قَاصِدًا تَعْيِيبَهُ (عَتَقَ عَلَيْهِ) هَذَا جَوَابُ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَيَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْحُكْمِ إنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ رَقِيقِهِ أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ غَيْرَ سَفِيهٍ وَعَبْدٍ ذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ أَيْ وَغَيْرَ ذِمِّيٍّ بِمُثْلَةٍ وَغَيْرَ زَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ وَغَيْرَ مَدِينٍ، وَأَمْثِلَةُ الشَّيْنِ الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ كَقَطْعِ ظُفْرٍ وَقَطْعِ بَعْضٍ أُذُنٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ سِنٍّ أَوْ سَحْلِهَا أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ أَوْ لِحْيَةِ تَاجِرٍ أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ لَا غَيْرِهِ، وَفِي وَسْمِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ النَّارِ قَوْلَانِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْأَمَةِ أَوْ لِحْيَةِ التَّاجِرِ لَا يَكُونُ مُثْلَةً لِسُرْعَةِ عَوْدِهِمَا، كَمَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْوَسْمَ بِالنَّارِ مُثْلَةٌ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ أَنْ يَقَعَ التَّمْثِيلُ عَمْدًا بِقَصْدِ الشَّيْنِ، وَيَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى قَصْدِهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، وَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ فِي نَفْيِ الْعَمْدِ وَهَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ، اقْتَصَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ مِنْ الْمُشْتَرِي. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمُمَثِّلُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا رَشِيدًا حُرًّا وَيَعْتَبِرُ إسْلَامَهُ أَوْ إسْلَامَ الْعَبْدِ، فَلَا عِتْقَ عَلَى ذِمِّيٍّ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ زَوْجَةً مَثَلًا بِمَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَيَّ الثُّلُثِ وَلَا مَدِينًا. الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ عَلَى الْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ: «أَنَّهُ كَانَ لِزِنْبَاعٍ عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرًا أَوْ ابْنَ سَنْدَرٍ فَوَجَدَهُ يُقَبِّلُ جَارِيَةً لَهُ فَجَبَّهُ وَقَطَعَ أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَمَا كَرِهْتُمْ فَبِيعُوا، وَمَا رَضِيتُمْ فَأَمْسِكُوا، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مُثِّلَ بِنَارٍ أَوْ حُرِقَ بِالنَّارِ فَهُوَ حُرٌّ وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِ بِي، فَقَالَ: أُوصِي بِك كُلَّ مُسْلِمٍ» وَمَعْنَى مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ الْعِتْقَ كَانَ بِسَبَبِهِمَا لَا أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَخَرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَ مُسْتَصْرِخٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَيْحَك مَالَكَ؟ فَقَالَ سَنْدَرٌ: أَبْصَرَ لِسَيِّدِهِ جَارِيَةً فَغَارَ فَجَبَّ مَذَاكِيرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَطَلَبَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَنْ نُصْرَتِي؟ فَقَالَ: عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . الرَّابِعُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ مِنْ

стр. 564

مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنَاتِهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ أَوْ أَخَاهُ لِأُمٍّ أَوْ أَبٍ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا عَتَقَ عَلَيْهِ. وَمَنْ أَعْتَقَ حَامِلًا كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا وَلَا يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ عِتْقٍ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَا أَعْمَى وَلَا أَقْطَعُ ــ [الفواكه الدواني] كَلَامِ الْمُؤَلَّفِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: طَلْقَةً بَائِنَةً، ابْنُ رُشْدٍ: مُثْلَةُ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ وَبَيْعُهُ لَهَا وَإِنْكَاحُهُ إيَّاهَا وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِهَا وَتَزْوِيجِهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ النَّاجِزِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ وَبِالْمُثْلَةِ ذَكَرَ الْعِتْقَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ وَشَرْطُهَا (مَلَكَ أَبَوَيْهِ) نَسَبًا وَإِنْ عَلَيَا (أَوْ) مَلَكَ (أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ بَنَاتِهِ) وَإِنْ سَفَلُوا (أَوْ جَدَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ) وَلَوْ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ (أَوْ) مَلَكَ (أَخَاهُ) أَوْ أُخْتَهُ (لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا عَتَقَ) كُلٌّ (عَلَيْهِ) فَقَوْلُهُ عَتَقَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَعِتْقُهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ الْأَبَوَانِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَلَوْ لِأُمٍّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّخْصَ إذَا مَلَكَ أَصْلَهُ وَإِنْ عَلَا أَوْ فَرْعَهُ وَإِنْ سَفَلَ أَوْ حَاشِيَتَهُ الْقَرِيبَةَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ، وَمَحَلُّ الْعِتْقِ حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ مُسْلِمَيْنِ، وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ رَشِيدًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْمِلْكِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ الْبَتُّ اللَّازِمُ، أَوْ بِالْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ إنْ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْطَى بِالْفَتْحِ، وَلَا فَرْقَ مَعَ عِلْمِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ دَيْنٌ أَمْ لَا، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ أَعْتَقَ لِعِلْمِ الْمُعْطِي لِعَدَمِ قَبُولِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ لَا يُبَاعُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ عَتَقَ لِقَبُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ، وَحَيْثُ لَا قَبُولَ فَلَا يُبَاعُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَمَّا الْمَمْلُوكُ بِالْإِرْثِ أَوْ الشِّرَاءِ فَمَحَلُّ عِتْقِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ وَإِلَّا بِيعَ فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ، وَقَوْلُنَا: حَيْثُ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا تَعَرُّضَ لَهُمَا، وَقَوْلُنَا: الْبَيْعُ الصَّحِيحُ وَمِثْلُهُ الْفَاسِدُ إذَا فَاتَ لَا إنْ لَمْ يُفْتِ، أَوْ كَانَ عَلَى خِيَارٍ وَلَمْ تَنْقَضِ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَلَا عِتْقَ، وَقَوْلُنَا: نَسَبًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مِلْكِ أَبَوَيْ الرَّضَاعِ أَوْ أَوْلَادِ الرَّضَاعِ أَوْ الْإِخْوَةِ مِنْهُ فَلَا عِتْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِتْقِ بِالْقَصْدِ وَالْعِتْقِ بِالسِّرَايَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ وَالْعِتْقِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ، شَرَعَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ بِالتَّبَعِيَّةِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ) أَمَتَهُ حَالَةَ كَوْنِهَا (حَامِلًا) مِنْ غَيْرِهِ كَزَوْجِهَا أَوْ زِنًا (كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا) وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ حَدَثَ مِنْ غَيْرِ مِلْكِ يَمِينٍ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْأُصُولِ حُرَّةٌ حَامِلٌ بِرَقِيقٍ إلَّا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ أَمَةٌ حَامِلٌ بِحُرٍّ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَسَّتْهُ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا وَهُوَ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ بِعِتْقِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى جِهَةِ النُّدُورِ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: قَدْ وُجِدَتْ حُرَّةٌ حَامِلٌ بِعَبْدٍ وَصُورَتُهَا: أَنْ يَكُونَ عَبْدٌ وَطِئَ جَارِيَتَهُ فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَأَعْتَقَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَّى أَعْتَقَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَعِتْقُ الْأَمَةِ مَاضٍ وَقَادِرٌ عَلَيْهَا وَتَصِيرُ حُرَّةً وَالْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِ أَبِيهِ، وَلَمَّا نَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ نَاجِي فِي دَرْسِ شَيْخِهِ أَبِي مَهْدِيٍّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا وَضَعَتْهُ قَبْلَ عِتْقِ السَّيِّدِ الْعَبْدَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ حِينَ الْعِتْقِ لَتَبِعَ أُمَّهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْجَنِينِ عِنْدَ عِتْقِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْهَا، وَمِثْلُ الْعِتْقِ بَيْعُ الْأُمِّ أَوْ رَهْنُهَا بِخِلَافِ هِبَتِهَا أَوْ التَّصَدُّقِ أَوْ الْإِيصَاءِ بِهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَسْتَمِرُّ رَقِيقًا لِلْوَاهِبِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِتْقِ الْجَنِينِ بِعِتْقِ أُمِّهِ ظَاهِرٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَالِكِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ بِأَنْ وُهِبَتْ الْأُمُّ لِشَخْصٍ وَاسْتَثْنَى الْوَاهِبُ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَأَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيلَ: يَدْخُلُ جَنِينُهَا فِي الْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا بِمُجَرَّدِ عِتْقِهَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يَخْرُجُ حُرًّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَعَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ قِيمَتُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَبَعْدَ انْفِصَالِهِ يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ، وَعَلَى عَدَمِ عِتْقِهِ أَصْلًا أَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ تَصِيرُ حُرَّةً حَامِلَةً بِعَبْدٍ. الثَّانِي: وَأَمَّا عَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ عِتْقُ الْجَنِينِ فَقَطْ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَتْبَعُهُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ كَوْنُ الْوَلَدِ كَجُزْءٍ مِنْ أُمِّهِ فَإِنْ عَتَقَ الْكُلَّ تَبِعَهُ جُزْؤُهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِتْقُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ دُونَهَا حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهَا، وَإِلَّا رَقَّ حَيْثُ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ قَبْلَ وَضْعِهِ مُطْلَقًا أَوْ لَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيْثُ كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهِ، وَإِلَّا مَضَى عِتْقُهُ وَتَابَعَ أُمَّهُ دُونَهُ بَعْدَ وَضْعِهَا. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التَّوْضِيحِ وَمَسْأَلَةِ الْأَمَةِ الْمَوْهُوبَةِ تَصَوُّرُ الْحُرَّةِ الْحَامِلَةِ بِالرَّقِيقِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ كَوْنُ الرَّقِيقَةِ حَامِلَةً بِحُرٍّ فَفِي مَسَائِلَ سِتَّةٍ تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ: الْأُولَى: الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ يَطَؤُهَا الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَا يُبَاعُ. الثَّانِيَةُ: الْأَمَةُ الْجَانِيَةُ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِجِنَايَتِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ عَدِيمٌ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ. الثَّالِثَةُ: أَمَةُ التَّرِكَةِ يَطَؤُهَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ وَالْوَاطِئُ لَهَا عَدِيمٌ وَعَالِمٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ

стр. 565

الْيَدِ وَشِبْهُهُ وَلَا مَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ. وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الصَّبِيِّ وَلَا الْمَوْلَى عَلَيْهِ. وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا ــ [الفواكه الدواني] دُونَ وَلَدِهَا. الرَّابِعَةُ: أَمَةُ الْمُفْلِسِ يَطَؤُهَا بَعْدَ وَقْفِهَا لِلْبَيْعِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ دُونَ وَلَدِهَا. الْخَامِسَةُ: الْأَمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ يَطَؤُهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مَعَ عُسْرِهِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ وَضْعِهَا دُونَ وَلَدِهَا. السَّادِسَةُ: أَمَةُ الْقِرَاضِ يَطَؤُهَا الْعَامِلُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَمَةَ الْمُكَاتَبِ، وَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ مَنْدُوبًا وَلَوْ لِرَقَبَةٍ مَعِيبَةٍ عَيْبًا فَاحِشًا أَوْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ إجْزَاءُ الْجَمِيعِ حَتَّى فِي الْعِتْقِ الْوَاجِبِ قَالَ: (وَلَا) يُجْزِئُ أَنْ (يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ) كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ الْيَمِينِ أَوْ الْمُشْتَرَاةِ مِنْ الزَّكَاةِ وَنَائِبُ فَاعِلِ يُعْتَقُ (مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ عِتْقٍ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَأُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ عِنْدِ الْمُكَفِّرِ أَوْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ، وَإِمَّا لَمْ يَجُزْ مَا ذَكَرَ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي رَقِيقِهَا أَنْ تَكُونَ حُرِّيَّتُهُ لِخُصُوصِهَا. (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ عِتْقُ (أَعْمَى وَلَا أَقْطَعِ الْيَدِ) أَوْ الرِّجْلِ أَوْ الْأُصْبُعِ (وَشِبْهِهِ) كَالْأَشَلِّ وَمَنْ فِيهِ عَيْبٌ غَيْرُ خَفِيفٍ (وَ) كَذَا (لَا يُجْزِئُ) فِيهَا عِتْقُ (مَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالْمُؤْمِنَةِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَالْمُطْلَقَةُ تُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ، وَأَمَّا ذَاتُ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ فَيُجْزِئُ عِتْقُهَا، كَالْأَعْوَرِ وَذِي مَرَضٍ خَفِيفٍ أَوْ عَرَجٍ خَفِيفٍ أَوْ ذَاهِبِ مَا دُونَ الْأُصْبُعِ أَوْ بَعْضِ أُذُنٍ أَوْ أَنْفٍ لَا جَمِيعِ كُلٍّ، كَمَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمَغْصُوبِ وَالْمَرْهُونِ وَالْجَانِي حَيْثُ فَكَالْبَقَاءِ الْجَمِيعُ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ. (تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ الْوَاجِبَةِ الْإِجْزَاءُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ عِتْقِ غَيْرِ الْمُجْزِئِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهُوَ لُزُومُ الْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ يُجْزِئُ، فَلَا تَرْجِعُ الرَّقَبَةُ رَقِيقَةً بَعْدَ عِتْقِهَا. وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ الْمُعْتِقِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ (عِتْقُ الصَّبِيِّ) وَلَا الْمَجْنُونِ لِفَقْدِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ التَّكْلِيفُ (وَلَا الْمَوْلَى عَلَيْهِ) لِفَقْدِ الرُّشْدِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ إلَّا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَكَمَالُ الرُّشْدِ وَهُوَ حُسْنُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي صِحَّةَ وَصِيَّةِ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ لِأَنَّ شَرْطَهَا التَّمْيِيزُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ لِمَا أَوْصَى بِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْهُمَا لِعَدَمِ لُزُومِهَا وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِمَا فِيهَا لَكَانَ الْحَجْرُ لِحَقِّ غَيْرِهِمَا، وَمَفْهُومُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ يَصِحُّ عِتْقُهُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، قَالَ خَلِيلٌ: وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إذَا رَشَدَ بَعْدَهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ جَوَازِ عَقْدِ السَّفِيهِ عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُ عِتْقَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَقَلِيلُ الْخِدْمَةِ كَمَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُهُ وَالْكَفَّارَةُ، وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ فَيُكَفِّرَ بِالْأَقَلِّ قِيمَةً فِيمَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ. الثَّانِي: لَوْ أَعْتَقَ الْوَلِيُّ عَبْدَ مَحْجُورٍ مِنْ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، إنْ كَانَ أَبًا جَازَ عِتْقُهُ لِعَبْدِ مَحْجُورٍ بِعِوَضٍ قَدْرَ الْقِيمَةِ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ حَيْثُ كَانَ مُوسِرًا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ جَازَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعِتْقِ لِمُضِيِّ الْعِتْقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ وَصِيًّا أَوْ أَبًا مُعْسِرًا أَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ الصَّغِيرِ فَرُدَّ الْعِتْقُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ إنْ عَتَقَ الْوَلِيُّ وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ رَقِيقَ مَحْجُورٍ بِعِوَضٍ قَدْرَ الْقِيمَةِ فَأَكْثَرَ جَازَ حَيْثُ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْعَبْدِ، وَالْمُخْتَصُّ بِالْأَبِ الْعِتْقُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَيَجُوزُ لِلْأَبِ الْمُوسِرِ دُونَ الْوَصِيِّ، وَمَفْهُومُ الْعِتْقِ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ وَهَبَهُ لَا يَمْضِي فِعْلُهُ وَيُرَدُّ وَلَوْ مِنْ الْأَبِ الْمُوسِرِ. [مَنْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ وَهُوَ أَحَدُ خَوَاصِّ الْعِتْقِ فَقَالَ: (وَالْوَلَاءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ مِنْ الْوَلَايَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ النَّسَبِ وَالْعِتْقِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَأَمَّا مِنْ الْإِمَارَةِ وَالتَّقْدِيمِ فَبِالْكَسْرِ وَقِيلَ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَالْمَوْلَى لُغَةً يُقَالُ لِلْمُعْتَقِ وَالْمُعْتِقِ وَأَبْنَائِهِمَا، وَالنَّاظِرِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْقَرِيبِ وَالْعَاصِبِ وَالْحَلِيفِ وَالْقَائِمِ بِالْأَمْرِ وَنَاظِرِ الْيَتِيمِ وَالنَّافِعِ الْمُحِبِّ، وَالْمُرَادُ هُنَا وَلَايَةُ الْإِنْعَامِ وَالْعِتْقِ وَسَبَبُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ رَقِيقٍ فَهُوَ مَوْلَاهُ سَوَاءٌ نَجَزَ أَوْ عَلَّقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَرَّفَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا كَائِنٌ. (لِمَنْ أَعْتَقَ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَيَشْمَلُ مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْوَلَاءُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْوَلَاءُ بِالْجَرِّ، وَعِتْقُ الْغَيْرِ يَشْمَلُ النَّاجِزَ وَلِأَجَلٍ وَالتَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ عَنْ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا فَيَكُونَ الْوِلَاءُ لِوَرَثَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا، كَعِتْقِهِ فِي كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ مَنْذُورًا أَوْ بِسَبَبِ حَلِفٍ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ قَاطَعَهُ فَأَدَّى وَخَرَجَ حُرًّا، أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ لَزِمَهُ، أَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدُهُ عَبْدًا بِإِذْنِهِ، أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ بِسِرَايَةٍ أَوْ مُثْلَةٍ أَوْ لِقَرَابَةٍ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُعْتَقُ الْوَلَاءَ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مِلْكًا لِلْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ، وَأَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ حُرًّا، وَأَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الدَّيْنِ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا فَإِنْ وَلَّاهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِمُعْتِقِهِ الْكَافِرِ وَلَوْ أَسْلَمَ

стр. 566

هِبَتُهُ وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ. وَلَا يَكُونُ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَوَلَاءُ مَا أَعْتَقْت الْمَرْأَةُ لَهَا وَوَلَاءُ مَنْ يَجُرُّهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَتْهُ. وَلَا تَرِثُ مَا أَعْتَقَ غَيْرُهَا مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَمِيرَاثُ ــ [الفواكه الدواني] بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدُ الَّذِي لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ عِنْدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَجَازَهُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ لَا لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْعَبْدِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ لِعَبْدِهِ حَتَّى أَعْتَقَهُ، وَمِثْلُ عَدَمِ الْعِلْمِ لَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَا لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ مُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ رَقِيقًا فَإِنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَوَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَخَلَّصَ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ الْكَافِرَ الْمُعْتَقَ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ، وَالرَّقِيقُ الْمُعْتَقُ لِعَبْدِهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَالْمُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةَ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ لَا وَلَاءَ لَهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَقَوْلُهُ ﵊: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (تَنْبِيهٌ) كَمَا يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ يَكُونُ لَهُ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ وَوَلَاءُ أَوْلَادِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَرَّ وَلَدَ الْمُعْتَقِ كَأَوْلَادِ الْمُعْتَقَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ وَإِلَّا لَرَقَّ أَوْ عَتَقَ لِآخَرَ، وَشَرْطُ جَرِّ وَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ عَدَمُ حُرِّيَّتِهِ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُرُّ وَلَاءَ الَّذِي كَانَ أَعْتَقَهُ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ، مِثَالُهُ لَوْ أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ثُمَّ هَرَبَ السَّيِّدُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ فَسُبِيَ وَبِيعَ وَأُعْتِقَ فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى مُعْتِقِهِ وَلَاءَ الَّذِي كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَلْ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَقًا لِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ أَيْ قَبْلَ هُرُوبِهِ وَقَبْلَ عِتْقِهِ. قَالَ الْجَعْدِيُّ: وَلَا يَكُونُ وَلَاءُ وَلَدِ الْمَرْأَةِ لِمَوَالِيهَا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَنْ يَكُونَ أَبُوهُمْ عَبْدًا، أَوْ يَكُونُوا مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ أَبٍ لَاعِنٍ فِيهِمْ وَنَفَاهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونَ الْأَبُ حَرْبِيًّا بِدَارِ الْحَرْبِ. وَلَمَّا كَانَ الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْوَلَاءِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ (وَلَا هِبَتُهُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ» وَإِنَّمَا قُلْنَا: وَلَوْ حُكْمًا إشَارَةً إلَى قَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْتَقَ) رَقِيقَهُ (عَنْ رَجُلٍ) الْمُرَادُ عَنْ شَخْصٍ (فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ) الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ يَقْدِرُ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ، وَشَرْطُ كَوْنِهِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ كَوْنُهُ حُرًّا مُسْلِمًا، أَمَّا إنْ كَانَ رَقِيقًا فَإِنَّ وَلَاءَ الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ كَافِرًا يَكُونُ وَلَاءُ الَّذِي أَعْتَقَ عَنْهُ مُسْلِمًا لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ. وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ شَخْصٍ هَلْ يَكُونُ لَهُ وَلَاءٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا، بَيَّنَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ: (وَ) إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى يَدَيْ حُرٍّ مُسْلِمٍ (لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ) عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ (لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَ) إنَّمَا (هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ الْمَذْكُورَ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَصْدُ الْمُصَنِّفُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ رَاهْوَيْهِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ، وَدَلِيلُ الْمَشْهُورِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعَةِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وُقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إنْ أَحَبَّ أَهْلُك أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ» إلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَأَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا، وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ» وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَجَابَ عَنْهُ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فِي نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَتَوَلِّي دَفْنَهُ إذَا مَاتَ، لَا أَنَّهُ يَرِثُ مَالَهُ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُخَالِفُ. (وَ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (وَلَاءُ مَا أَعْتَقْت الْمَرْأَةُ لَهَا، وَ) كَذَا (وَلَاءُ مَنْ يَجُرُّهُ) وَلَاؤُهُ لَهُمَا (مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَتْهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَرِثُ أُنْثَى إنْ لَمْ تُبَاشِرْهُ بِعِتْقٍ أَوْ جَرَّهُ وَلَاءٌ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ، وَقَالَ فِيهَا: وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ وَلَدُ مَنْ أَعْتَقْنَ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا شَيْءَ لَهُنَّ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَافْهَمْ، وَقَوْلُهُ: لَا تَرِثُهُ أُنْثَى الْمُرَادُ لَا تَرِثُ بِهِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بِهِ الْمَالُ. (تَنْبِيهٌ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُنَاقَشَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ التَّعْبِيرُ بِمَا فِي قَوْلِهِ: مَا أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ وَمَا لِمَا لَا يَعْقِلُ وَإِثْبَاتُ التَّاءِ فِي أَعْتَقَتْهُ مَعَ أَنَّ فَاعِلَ أَعْتَقَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى الْوَلَدِ أَوْ الْعَبْدِ فَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجَوَابِ عَنْ إثْبَاتِ التَّاءِ فِي أَعْتَقَتْهُ، وَأَحْسَنُ مَا أُجِيبَ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُعْتِقَةُ أَوْ لَا أَسْنَدَ إلَيْهَا الْفِعْلَ إقَامَةً لِسَبَبِ مَقَامِ الْمُبَاشَرَةِ فَحِينَ تَسَبَّبَتْ فِي الْعِتْقِ الْأَوَّلِ أَسْنَدَ إلَيْهَا الْعِتْقَ الثَّانِي. وَثَانِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَلِدُ مَنْ أَعْتَقَتْهُ لَهَا وَلَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ أَوْ لَا، مَعَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ كَمَا فِي خَلِيلٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَجَرُّ وَلَدِ الْمُعْتَقِ كَأَوْلَادِ الْمُعْتَقَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرٍّ بِأَنَّ كَانُوا مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ حَصَلَ فِيهِمْ لِعَانٌ. وَلَمَّا كَانَتْ النِّسَاءُ لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا وَلَاءَ مَنْ بَاشَرْنَ عِتْقَهُ أَوْ جَرَّهُ إلَيْهِنَّ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقْنَ بِعِتْقٍ أَوْ وِلَادَةٍ قَالَ: (وَلَا تَرِثُ) الْأُنْثَى وَلَا (مَا أَعْتَقَ) هـ (غَيْرُهَا) وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْغَيْرَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَإِذَا أَعْتَقَ الْأَبُ رَقَبَةً وَخَلَفَ ابْنًا وَبِنْتًا فَوَلَاءُ تِلْكَ الرَّقَبَةِ لِلِابْنِ دُونَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ عِتْقَهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا. قَالَ

стр. 567

السَّائِبَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْوَلَاءُ لِلْأَقْعَدِ مِنْ عُصْبَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فَإِنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ مَوْلَى لِأَبِيهِمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَيَّ أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ. وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَتَرَكَ وَلَدًا وَمَاتَ أَخُوهُ وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا. ــ [الفواكه الدواني] فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا مَا أَعْتَقَ أَبٌ لَهُنَّ أَوْ أُمٌّ أَوْ أَخٌ أَوْ ابْنٌ وَالْعُصْبَةُ أَحَقُّ بِالْوَلَاءِ مِنْهُنَّ، وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ وَلَدَ مَنْ أَعْتَقْنَ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، وَلَا شَيْءَ لَهُنَّ فِي وَلَدِ الْبَنَاتِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يُوَرَّثُ بِالتَّعْصِيبِ وَالنِّسَاءُ لَا يَرِثْنَ بِهِ. (وَمِيرَاثُ السَّائِبَةِ) وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: أَنْتَ سَائِبَةٌ أَوْ سَيَّبْتُك قَاصِدًا بِذَلِكَ الْعِتْقَ لَا عَنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ثَابِتٍ (لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) وَسَوَاءٌ قَالَ مَعَ ذَلِكَ أَنْتَ حُرٌّ أَمْ لَا، أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ عِتْقًا، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَمَا يَرِثُونَهُ يَعْقِلُونَ عَنْهُ وَيَلُونَ عَقْدَ نِكَاحِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى وَيَحْضُنُونَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ السَّيْبُ مُسْلِمًا وَسَيِّدُهُ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِمَنْ سَيَّبَهُ إنْ أَسْلَمَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لِي عَلَيْك، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: يَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ قَائِلًا: الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ ثَبَتَ لَهُ وَوَلَاؤُهُ شَرْعًا، وَلَا نَظَرَ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا وَلَاءَ عَلَيْك لِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الشَّرْعِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَاؤُك لِي أَوْ عَكْسُهُ لَكَانَ الْحُكْمُ لِأَوَّلِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ عِتْقِ السَّائِبَةِ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْأَنْعَامِ. الثَّانِي: أَنْظُرُ هَلْ يَدْخُلُ نَفْسُ الْمُعْتَقِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي يَكُونُ الْوَلَاءُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَرِثُ مَعَهُمْ أَوْ لَا يَدْخُلُ؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِمْ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْخُلُ فِي قُرْبَتِهِ كَمَا قَالُوهُ فِيمَنْ أَوْقَفَ عَلَى بَنِي أَبِيهِ أَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ وَافْتَقَرَ قَبْلَ إعْطَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ فَقَالَ: (وَالْوَلَاءُ) بِالْمَدِّ ثَابِتٌ (لِلْأَقْعَدِ) أَيْ الْأَقْرَبِ (مِنْ عُصْبَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ) الْمُرَادُ الْأَقْرَبُ مِنْ عُصْبَةِ الْمُعْتِقِ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ تَرَكَ) الْأَنْسَبُ خَلْفَ الْمُعْتَقِ (ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ) بِالْمَدِّ (مَوْلَى) أَيْ مُعْتَقٍ (لِأَبِيهِمَا) لَا عَاصِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ (ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الِابْنَيْنِ (وَتَرَكَ ابْنَيْنِ) وَأَخَاهُ (رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَى أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ) لِأَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ لِلْمُعْتِقِ مِنْ بَنِي الْمَيِّتِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ عَاصِبُ النَّسَبِ ثُمَّ عُصْبَتُهُ كَالصَّلَاةِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِ الْوَلَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ الْمُعْتِقُ ثُمَّ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا، وَالْأَعْلَى يَحْجُبُ الْأَسْفَلَ، فَإِنْ عَدِمَ بَنُو الْمُعْتِقِ فَأَبُوهُ، فَإِنْ عَدِمَ أَبُوهُ فَإِخْوَتُهُ الْأَشِقَّاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا، فَإِنْ اسْتَوَتْ الدَّرَجَةُ فَالشَّقِيقُ أَوْلَى، فَإِنْ عَدِمَتْ أُخُوَّةُ الْمُعْتِقِ وَبَنُوهُمْ فَجَدُّ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَعْمَامُ وَهُمْ فِي التَّرْتِيبِ كَالْإِخْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ مُعْتَقُ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُعْتِقُهُ انْتَقَلَ الْحُكْمُ لِعُصْبَةِ مُعْتِقِهِ إنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ وَإِلَّا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ. مِثَالُهُ: لَوْ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ قَرِيبٍ لَهَا، فَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ كَانَ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَتْهُ لِابْنِهَا، فَإِذَا مَاتَ ابْنُهَا لَمْ يَرِثْ ابْنُهُ مَا أَعْتَقَتْهُ أُمُّهُ بِالْوَلَاءِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَخَبَرُ: «مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ» غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْعَاصِبِ الَّذِي يَرِثُ الْوَلَاءَ الْعَاصِبُ بِالنَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ وَلَا مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا تَرِثُ الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ، وَلَا الْأُخْتُ مَعَ الْأَخِ، وَلَا الْأَبُ مَعَ الِابْنِ، وَلَا الْبِنْتُ مَعَ الِابْنِ. (تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَوَرِثَ إلَخْ مُسَامَحَةً لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بِهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ لِلْأَقْعَدِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ ابْنَيْ الْمُعْتَقِ (وَتَرَكَ وَلَدًا ذَكَرًا وَمَاتَ أَخُوهُ) أَيْ أَخُو الْمَيِّتِ أَيْضًا (وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ) ذَكَرَيْنِ (فَالْوَلَاءُ) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) حَالَةَ كَوْنِهِ (أَثْلَاثًا) لِاسْتِوَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ أَرْبَعَ بَنِينَ وَمَاتَ الْآخَرُ عَنْ ذَكَرٍ فَقَطْ لَكَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا، وَإِذَا كَانَ مَعَ الذُّكُورِ إنَاثٌ فَلَا إرْثَ لَهُنَّ. (خَاتِمَةٌ) لِلْوَلَاءِ حُكْمُ النَّسَبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ لَوْ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا شَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى الْبَتِّ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَلَاءُ، وَإِنْ كَانَ لِمُقِيمِ الْوَاحِدِ الْحَلِفُ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَتِيقِ إلَّا الْمَالُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ مُسَبَّبٌ عَنْ الْوَلَاءِ، وَكَيْفَ يَثْبُتُ الْمُسَبَّبُ دُونَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ؟ وَنَظِيرُ هَذَا مَنْ يَدَّعِي زَوْجِيَّةَ مَيِّتٍ وَيُقِيمُ شَاهِدًا فَإِنَّ لَهُ الْحَلِفَ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ حَيْثُ لَا وَارِثَ لِلْمَيِّتِ ثَابِتُ النَّسَبِ، وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ لِمُقِيمِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ لِاحْتِمَالِ دَعْوَى آخَرَ وَيُقِيمُ شَاهِدَيْنِ. [بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ، شَرَعَ فِي تِسْعَةِ أَبْوَابٍ بِتَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ:

стр. 568

بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحُبُسِ وَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ وَالْغَصْبِ ــ [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) بَيَانِ (الشُّفْعَةِ) الشُّفْعَةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَفَتْحُ الْعَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَضُمُّ مَا يَأْخُذُهُ إلَى حِصَّتِهِ فَتَصِيرُ شَفْعًا، وَالْآخِذُ بِالشُّفْعَةِ يُسَمَّى شَافِعًا وَشَفِيعًا وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخَذَ مَبِيعَ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ، أَيْ طَلَب الشَّرِيكُ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَ بِهِ سَوَاءٌ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، وَالشُّفْعَةُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْآخِذُ بِالْمَدِّ وَهُوَ الشَّافِعُ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَالشَّيْءُ الْمَأْخُوذُ وَهُوَ الشِّقْصُ الْمُبْتَاعُ، وَالْمَأْخُوذُ بِهِ وَالثَّمَنُ أَوْ قِيمَةُ الشِّقْصِ إذَا أَخَذَ فِي صُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ فِي صَدَاقٍ. (وَ) الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ (الْهِبَةِ) وَهِيَ مَصْدَرُ وَهَبَ هِبَةً وَوَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِفَتْحِهَا، وَاسْمُ مَصْدَرِ وَهَبَ الْمُوهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا، وَالْإِيهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ، وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُهَا وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: هِبَةُ ثَوَابٍ وَهِبَةٌ لِمُجَرَّدِ وَجْهِ الْمُعْطِي، فَهِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ، وَغَيْرُهَا الْعَطِيَّةُ لِمُجَرَّدِ ذَاتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَتَخْرُجُ الصَّدَقَةُ فَإِنَّهَا الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْعَارِيَّةُ وَالْوَقْفُ وَالْعُمْرَى فَإِنَّ الذَّاتَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَالْمَدْفُوعُ لِلْغَيْرِ إنَّمَا هُوَ الْمَنْفَعَةُ. (وَ) الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ (الصَّدَقَةِ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِتَصَدَّقَ، وَمَصْدَرُهُ التَّصَدُّقُ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ لَهُ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطِي عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ. (وَ) الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامِ (الْحُبُسِ) وَيُرَادِفُهُ الْوَقْفُ وَحْدَهُ، ابْنُ عَرَفَةَ مُصَدِّرًا بِقَوْلِهِ: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا، وَاسْمًا بِقَوْلِهِ: مَا أَعْطَيْت مَنْفَعَةً مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا فَخَرَجَ عَطِيَّةُ الذَّاتِ فَإِنَّهَا إمَّا هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ تَقْدِيرًا إلَى صِحَّةِ وَقْفِ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ عَلَى تَقْدِيرِ مِلْكِهِ كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْت هَذَا فَهُوَ وَقْفٌ، كَمَا يَصِحُّ الْمُعْتِقُ كَذَلِكَ، وَإِلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَحْوُ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى مَنْ سَيُحَدِّثُهُ اللَّهُ لِزَيْدٍ. وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: الْوَاقِفُ، وَالْعَيْنُ الْمَوْقُوفَةُ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَالصِّيغَةُ، فَعَاقِدُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةُ وَالْحُبُسُ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِأَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا مَالِكًا لِمَا تَبَرَّعَ بِهِ، فَيَدْخُلُ الْمَرِيضُ وَالزَّوْجَةُ فِي الثُّلُثِ، فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَلَا مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ. (وَ) الْبَابُ الْخَامِسُ فِي أَحْكَامِ (الرَّهْنِ) مَصْدَرُ رَهَنَ الشَّيْءَ رَهْنًا وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اللُّزُومُ وَالْحُبُسُ، وَشَرْعًا مَالٌ قُبِضَ مُوثَقًا بِهِ فِي دَيْنٍ وَيَدْخُلُ فِي الْمَالِ أَذْكَارُ الْحُقُوقِ. (وَ) الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَحْكَامِ (الْعَارِيَّةِ) اسْمُ مَصْدَرِ أَعَارَ وَالْمَصْدَرُ الْإِعَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ مُشَدَّدَةُ الْيَاءِ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةً لِلْعَارِ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ، وَبِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ مَالُ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ دُخُولِ الْوَقْفِ الْمُؤَقَّتِ بِمُدَّةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ تَأْيِيدِ الْوَقْفِ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّعْرِيفِ وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ. (وَ) الْبَابُ السَّابِعُ فِي أَحْكَامِ (الْوَدِيعَةِ) مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ وَهِيَ لُغَةً الْأَمَانَةُ، وَشَرْعًا تَوْكِيلٌ عَلَى حِفْظِ مَالٍ. (وَ) الْبَابُ الثَّامِنُ فِي أَحْكَامِ (اللُّقَطَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يَلْتَقِطُهُ، وَالِالْتِقَاطُ أَحَدُ الشَّيْءِ عِنْدَ وُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ. (وَ) الْبَابُ التَّاسِعُ فِي أَحْكَامِ (الْغَصْبِ) مَصْدَرُ غَصَبَ الشَّيْءَ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا. وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَخْذُ مَالِ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا لِخَوْفِ قِتَالٍ فَيَخْرُجُ الْأَخْذُ غِيلَةً لِأَنَّهُ بِمَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ، وَيَخْرُجُ التَّعَدِّي لِأَنَّهُ أَخْذُ الْمَنَافِعِ، وَيَخْرُجُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَكَوْنِ الْأَخْذِ بِالْمَدِّ لَهُ مَالٌ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَهُوَ يَجْحَدُهُ، كَمَا تَخْرُجُ السَّرِقَةُ لِأَنَّهَا لَا قَهْرَ مَعَهَا لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ خُفْيَةً، وَمِثْلُهَا الْمَأْخُوذُ عَلَى وَجْهِ الْخِيَانَةِ وَالِاخْتِلَاسِ وَإِنْ شَارَكَتْ الْغَصْبَ فِي الْحُرْمَةِ، وَهَذَا آخِرُ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ مَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُتَرْجَمِ لَهُ مَحْمُودَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي آيَةِ: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] وَفِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .

стр. 569

وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا قُسِمَ وَلَا لِجَارٍ. وَلَا فِي طَرِيقٍ وَلَا عَرْصَةَ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا. وَلَا فِي فَحْلِ نَخْلٍ أَوْ بِئْرٍ إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ أَوْ الْأَرْضُ. وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ. وَلَا شُفْعَةَ ــ [الفواكه الدواني] ثُمَّ شَرَعَ فِي تِلْكَ الْأَبْوَابِ عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ) وَهِيَ كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ (فِي) مَبِيعِ الشَّرِيكِ (الْمُشَاعِ) وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ عَلَى حِدَةٍ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ مُحْتَرِزَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا) أَيْ مَبِيعٍ (قَدْ قُسِمَ) قَبْلَ بَيْعِهِ (وَلَا لِجَارٍ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ أَثْبَتَهَا لِلْجَارِ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الشُّيُوعَ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَحْصُلُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ وَهُوَ الْعَقَارُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ نَحْوِ حَيَوَانِ الْحَائِطِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا ضَرَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّائِعِ بِالْأَجْزَاءِ الْمَسْمُومَةِ وَالْجَارُ تَنَاوَلَ الشَّائِعَ لِلِاشْتِرَاكِ بِأَذْرُعٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الشُّفْعَةُ مَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلًا: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» . مَالِكٌ: ذَلِكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا: وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ، لِأَنَّ ضَرْبَ الْحُدُودِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَقَارِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِجَارٍ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقِبِهِ» . وَقَوْلُهُ ﵊: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ جَارِهِ أَوْ بِالْأَرْضِ» . وَقَوْلُهُ ﵊: «الْجَارُ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ» وَيَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثًا إنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا مُجَابٌ عَنْهُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ بِمَعُونَتِهِ وَالْعَرْضُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الصَّقَبَ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعَرْضِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنَّا نَمْنَعُ صِحَّتَهُ سَلَّمْنَاهَا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَرْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يَنْتَظِرُ بِهَا ثَلَاثًا، وَالشَّفِيعُ الْغَائِبُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالثَّلَاثِ، عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْجَارِ. (وَلَا) شُفْعَةَ أَيْضًا (فِي طَرِيقٍ) قُسِمَ مَتْبُوعُهَا (وَلَا) فِي (عَرْصَةِ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الدَّارَ أَوْ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ قَوْمٍ إذَا اقْتَسَمُوهَا وَتَرَكُوا الطَّرِيقَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَبَاعَ أَحَدُهُمْ مَا يَخُصُّهُ فِيهَا فَلَا شُفْعَةَ لِلْبَاقِينَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الطَّرِيقِ وَلَوْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ، سَوَاءٌ بَاعَ حِصَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ وَجَدَهَا أَوْ مَعَ مَا نَابَهُ مِنْ الدَّارِ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى بُيُوتٍ وَعَرْصَةٍ، وَإِذَا قُسِمَتْ الْبُيُوتُ وَتُرِكَتْ الْعَرْصَةُ مُشْتَرَكَةً وَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ مَتْبُوعِهَا مِنْ الْبُيُوتِ لَا شُفْعَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مَتْبُوعُ الطَّرِيقِ وَالْعَرْصَةُ، قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي، وَالْعَرْصَةُ هِيَ السَّاحَةُ الْخَالِيَةُ مِنْ الْبِنَاءِ تُجْمَعُ عَلَى عَرَصَاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا أَيْ يَتَفَسَّحُونَ. (وَلَا) شُفْعَةَ أَيْضًا (فِي فَحْلِ نَخْلٍ) أَيْ وَكَذَا لَا شُفْعَةَ فِي (بِئْرٍ إذْ قُسِمَتْ النَّخْلُ) رَاجِعٌ لِلْفَحْلِ (أَوْ الْأَرْضُ) رَاجِعٌ لِلْبِئْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّخْلَ الْمُشْتَرَكَ إذَا قُسِمَتْ إنَاثُهُ وَبَقِيَ الْفَحْلُ عَلَى الشَّرِكَةِ ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِبَقِيَّةِ شُرَكَائِهِ وَلَوْ مَعَ نَصِيبِهِ مِنْ الْإِنَاثِ، وَكَذَا إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ عَلَى الْبِئْرِ وَبَقِيَتْ الْبِئْرُ عَلَى الشَّرِكَةِ وَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا لَا شُفْعَةَ لِشُرَكَائِهِ فِيهَا لِقَسْمِ مَتْبُوعِهَا وَهُوَ الْأَرْضُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ ظَاهِرُهُ اتَّحَدَتْ الْبِئْرُ أَوْ تَعَدَّدَتْ وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْقَسْمَ بِمَنْعِ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: ثَابِتَةٌ، وَاخْتَلَفَ هَلْ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ خِلَافٌ؟ وَعَلَيْهِ الْبَاجِيُّ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْوِفَاقِ، فَحَمَلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْبِئْرِ الْمُتَّحِدَةِ، وَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْآبَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ، أَوْ تُحْمَلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى بِئْرٍ لَا فِنَاءَ لَهَا، وَالْعُتْبِيَّةُ عَلَى بِئْرٍ لَهَا فِنَاءٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَبِئْرٍ لَمْ تُقْسَمُ أَرْضُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَأُوِّلَتْ أَيْضًا بِالْمُتَّحِدَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِ الشُّفْعَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِي. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُتَّصِلِ بِالْأَرْضِ مِنْ الْبِنَاءِ، فَظَاهِرُهُ شُمُولُ مَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ: عَقَارًا وَلَوْ مُنَاقَلًا بِهِ إنْ انْقَسَمَ وَفِيهَا الْإِطْلَاقُ، وَعَمِلَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ فِي نَحْوِ الْفُرْنِ وَالْحَمَّامِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي سَبَبِ الشُّفْعَةِ هَلْ هُوَ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ أَوْ ضَرَرُ الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبهَا الْبَعْضُ وَأَبَى غَيْرُهُ؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَثْبَتَهَا فِي الْجَمِيعِ، وَمَنْ قَالَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ مَنَعَهَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، إذْ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ لَهَا مِنْ طَلَبِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَوْ مَعَ الْإِمْكَانِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ فَسَادُ الْمَقْسُومِ. الثَّانِي: أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا: وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِي إلَى مَا اسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الثِّمَارِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ مَعَ أَصْلِهَا أَوْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَحَدًا قَبْلِي مِنْ

стр. 570

لِلْحَاضِرِ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْغَائِبِ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ. [مَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ] وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ ــ [الفواكه الدواني] أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَهُ وَلَكِنِّي اسْتَحْسَنْته فَهِيَ إحْدَى مُسْتَحْسَنَاتِهِ الْأَرْبَعِ، وَأَلْحَقَ أَصْحَابُهُ بِالثِّمَارِ الْمَقَاثِيَ وَالْقُطْنَ وَالْبَاذِنْجَانَ وَالْقَرْعَ وَكُلَّ مَا تَجِيءُ ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ إلَّا أَنْ تَيْبَسَ الثَّمَرَةُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَيَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي، وَثَانِيَتُهَا الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ بِالْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ أَوْ الْمُعَارَةِ، وَثَالِثَتُهَا الْقِصَاصُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَرَابِعَتُهَا فِي أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ اسْتَحْسَنَهَا الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ أَحَدٌ بِهَا. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِنْ قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ عَدَمُ ثُبُوتِهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْبُقُولِ وَالزَّرْعِ، فَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ حِصَّتَهُ مِنْهُ بَعْد يُبْسِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِهِ، سَوَاءٌ بَاعَهَا مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَفَرَّقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ بِأَنَّ النَّخْلَ إذَا بِيعَتْ وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَالْأَرْضُ إذَا بِيعَتْ وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَاضِرِ) فِي بَلَدِ الشِّقْصِ يَوْمَ بَيْعِهِ وَلَوْ حَضَرَ الْعَقْدَ (بَعْدَ) انْقِضَاءِ (السَّنَةِ) وَمَا قَارَبَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِبَيْعِ حِصَّتِهِ، خِلَافًا لِتَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدٍ بَيْنَ حُضُورِهِ لِلْعَقْدِ وَكِتَابَتِهِ خَطَّهُ فَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الشِّرَاءِ أَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ فَبِمُضِيِّ سَنَةٍ وَلَوْ جَهِلَ كَوْنَ السُّكُوتِ مُسْقِطًا، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ: أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ شَهْرَيْنِ إنْ حَضَرَ الْعَقْدَ وَإِلَّا سَنَةً. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا يَكُونُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُسْقِطًا لِشُفْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ الشَّفِيعُ عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا عَالِمًا بِالْبَيْعِ وَلَا عُذْرَ لَهُ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ أَوْ يَزُولَ الْعُذْرُ فَيَنْزِلَ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ حَاضِرَ الْعَقْدِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا. الثَّانِي: مَحَلُّ كَوْنِ الشَّفِيعِ عَلَى شُفْعَتِهِ فِي السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا بِشَرْطِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِهَا وَإِلَّا سَقَطَتْ وَلَوْ قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَتْ إنْ قَاسَمَ أَوْ طَلَبَ مُقَاسَمَةَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يُقَاسِمْ بِالْفِعْلِ أَوْ اشْتَرَى أَوْ سَاوَمَ أَوْ سَكَتَ بِهَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ اسْتَأْجَرَ حِصَّةَ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ. (وَ) مَفْهُومُ الْحَاضِرِ أَنَّ (الْغَائِبَ) عَنْ الْبَلَدِ يَوْمَ الْبَيْعِ يَسْتَمِرُّ (عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) أَوْ عَلِمَ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ زَمَنَ غَيْبَتِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ حَتَّى غَابَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ غَيْبَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ الْعَالِمِ بِالْبَيْعِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ قَرِيبَةٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَيَّدَهَا أَشْهَبُ بِالْبَعِيدَةِ، وَأَمَّا الْقَرِيبَةُ الَّتِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَكَالْحَاضِرِ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِهِمْ: وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَعَلِمَ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ وَغَابَ بَعْدَ عِلْمِهِ وَقَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ الَّذِي لَمْ يَغِبْ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا، إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ إلَّا لِظَنِّهِ الرُّجُوعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: كَأَنْ عَلِمَ فَغَابَ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْأَوْبَةَ قَبْلَهَا فَعِيقَ وَحَلَفَ إنْ بَعُدَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ غَيْبَةَ الشَّفِيعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ عَلَى شُفْعَتِهِ فِيهِمَا مُطْلَقًا بَعْدَ الْبَيْعِ، وَالْعِلْمُ يَكُونُ كَالْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ سَافَرَ لِيَرْجِعَ سَرِيعًا فَعِيقَ، وَلَمَّا كَانَ الشِّقْصُ الْمَأْخُوذُ بِالشُّفْعَةِ قَدْ يُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ أَوْ يَظْهَرُ بِهِ عَيْبٌ، وَكَانَ الْمُشْتَرَى لَهُ كَالْبَائِعِ وَالشَّفِيعُ كَالْمُشْتَرِي. قَالَ: (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ) كَائِنَةٌ (عَلَى الْمُشْتَرِي) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشِّقْصَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، كَمَا يَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَيْهِ كَمُشْتَرِي سِلْعَةٍ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ مِلْكِ بَائِعِهَا فَتُسْتَحَقُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِهَا عَلَى بَائِعِهَا وَيَرُدُّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حِينَ الشِّرَاءِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رُجُوعُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَدَرْكُ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْ لُحُوقُهُ لِأَنَّ الدَّرْكَ هُوَ اللُّحُوقُ، يُقَالُ: أَدْرَكَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا لَحِقَهُ، فَدَرْكٌ اسْمُ مَصْدَرٍ إنْ كَانَ الْفِعْلُ أَدْرَكَ، وَمَصْدَرٌ إنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْفِعْلَ دَرَكَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَتَفْسِيرُ الدَّرْكِ بِاللُّحُوقِ لَعَلَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ هُنَا ظُهُورُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَيْبِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ الدَّرْكُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ أَثَرَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ إلَّا بَعْدَ تَعَدُّدِ الْبِيَاعَاتِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَخَذَ بِأَيِّ بَيْعٍ وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ وَنَقَضَ مَا بَعْدَهُ وَمَحَلُّ تَخْيِيرِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَعَدُّدِهَا أَوْ عَلِمَ فِي غَيْبَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَالِمًا بِتَعَدُّدِهَا فَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ بِشَرِكَةِ غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَعُهْدَتُهُ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَيْعَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِمَنْ بِيَدِهِ الشِّقْصُ، فَإِنْ اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْثَرَ كَمَا إذَا كَانَ عِشْرِينَ مَثَلًا وَالْأَخِيرُ

стр. 571

تَرَكَ. وَلَا تُوهَبُ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ. وَتُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ. وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حَبْسٌ إلَّا بِالْحِيَازَةِ. [أَحْكَام الْهِبَة] فَإِنْ ــ [الفواكه الدواني] عَشَرَةٌ فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشَرَةً وَيَدْفَعُ الْعَشَرَةَ الْأُخْرَى لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ دَفَعَ لَهُ عَشَرَةً وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي مَسْأَلَتَانِ الْعُهْدَةُ فِيهِمَا لَيْسَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي بَلْ عَلَى الْبَائِعِ، إحْدَاهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ عَامِلُ الْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا هُوَ شَفِيعُهُ. وَثَانِيَتُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا وَرَبُّ الْمَالِ هُوَ شَفِيعُهُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ فِي هَاتَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا لَضَاعَ الثَّمَنُ عَلَى دَافِعِهِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْحَاضِرِ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ عَلَى شُفْعَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إيقَافُ الشَّفِيعِ وَطَلَبُهُ لِيَأْخُذَ أَوْ يُسْقِطَ حَقَّهُ قَالَ: (وَيُوقِفُ) الْمُشْتَرِي (الشَّفِيعَ) مَفْعُولُ يُوقِفُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ (فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ تَرَكَ) فَإِنْ أَخَذَ لَزِمَهُ الثَّمَنُ وَلَوْ دَيْنًا أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا بِرَهْنِهِ وَضَامِنِهِ وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَعَقْدِ شِرَاءٍ وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، وَقِيمَةُ الشِّقْصِ فِي كَخَلْعٍ وَصُلْحِ عَمْدٍ وَجُزَافِ نَقْدٍ، وَقَوْلُنَا: بَعْدَ وُقُوعِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِسْقَاطُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَطُولِبَ بِالْأَخْذِ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ لَا قَبْلَهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْعِتْقِ وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ أَنَّهُ يُوقِفُهُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوقِفُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَهُ عِنْدَ سُكُوتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ، وَإِذَا اخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي قَدْ وَهَبَ الشِّقْصَ أَوْ حَبَسَهُ فَإِنَّ لَهُ نَقْضَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَلَوْ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَتُجْعَلُ الْأَنْقَاضُ فِي حَبْسٍ آخَرَ، وَثَمَنُ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ شَفِيعًا. الثَّانِي: إذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الْمُهْلَةَ عِنْدَ إيقَافِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَعْجَلَ إنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرِي إلَّا كَسَاعَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِيقَافِ. وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكُ التَّصَرُّفِ حَتَّى يَعْلَمَ الشَّفِيعُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَرْكُ الْبَيْعِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ خِلَافًا لِفَتْوَى ابْنِ رِزْقٍ. وَفِي شَرْحِ الْأُجْهُورِيِّ: لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ قَبْلَ إيقَافِ الشَّفِيعِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تُوهَبَ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ يَهَبَ أَوْ يَبِيعَ الشِّقْصَ الَّذِي لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لِلْمُشْتَرِي فَتَجُوزُ الْهِبَةُ دُونَ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَا قَبْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَلَكِنْ لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهَا لِشَخْصٍ قَبْلَ الشِّرَاءِ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. (وَ) إذَا تَعَدَّدَ الشَّفِيعُ فَإِنَّ الْحِصَّةَ الْمَأْخُوذَةَ بِالشُّفْعَةِ (تُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِوَاحِدٍ نِصْفُهَا، وَلِآخَرَ ثُلُثُهَا، وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ ثُلُثَهُ لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ، فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَاعًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الرُّبُعُ الْبَاقِي، وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْصِبَاءُ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَمَعْصَرَةٍ وَفُرْنٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الرُّءُوسِ اتِّفَاقًا، وَقَوْلُنَا: لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الشُّرَكَاءِ لَتَرَكَ لَهُ حِصَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا. قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ عَلَى الْأَنْصِبَاءِ وَتَرَكَ لِلشَّرِيكِ حِصَّةً، فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لِأَحَدِهِمْ الرُّبُعُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ أَيْضًا وَلِآخَرَ النِّصْفُ فَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ فَإِنَّ لِصَاحِبَيْ الثُّمُنَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ نِصْفَ الْمَبِيعِ وَبَاقِيهِ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا. (تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الشُّرَكَاءِ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ الْمُشَارِكُ لِلْبَائِعِ فِي سَهْمِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهْمِ وَإِنْ كَانَ لِأَبٍ أَخَذَتْ سُدُسًا، وَإِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ زَوْجَاتٌ وَأَخَوَاتٌ مَثَلًا فَبَاعَتْ إحْدَى الزَّوْجَاتِ فَحِصَّتُهَا بَيْنَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ وَلَا دُخُولَ لِغَيْرِهِنَّ مِنْ الْأَخَوَاتِ إلَّا إذَا أَسْقَطَ الْمُشَارِكُ فِي السَّهْمِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهِبَةِ وَقَدَّمَ تَعْرِيفَهَا فَقَالَ: (وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ) لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ لِقَصْدِ الثَّوَابِ فِي الدُّنْيَا. (وَلَا صَدَقَةٌ) وَهِيَ الْعَطِيَّةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ أَوْ لَهُ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ. (وَلَا حُبُسٌ) وَهُوَ مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَارِيَّةِ وَلَا الْعُمْرَى بَلْ عَلَى وَجْهِ الْوَقْفِيَّةِ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْهَا، وَحَقِيقَتُهَا فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطَى فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطِي أَوْ نَائِبِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْحَوْزِ فِي الْحُبُسِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالرَّهْنِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا، فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ لَمْ تَنْفَعْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَى الْقَبْضِ لِأَنَّ الْحِيَازَةَ شَرْطٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:

стр. 572

مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ. إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ إنْ كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ. وَالْهِبَةُ ــ [الفواكه الدواني] الْقَبُولُ وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ إلَّا أَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ وَالْحِيَازَةُ شَرْطٌ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ خَوْفًا مِنْ قَوْلِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فِي مَرَضِهِ: ادْفَعُوا لِفُلَانٍ كَذَا فَإِنِّي كُنْت وَهَبْت لَهُ قَبْلَ مَرَضِي فَيُحْرَمُ الْوَارِثُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَوْلُنَا: قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ وَالْفَلَسُ وَالْجُنُونُ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ احْتِرَازًا عَنْ عَطِيَّةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ عَلَى يَتِيمٍ. قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا شَهِدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ فَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ، وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُعْطِي إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حَيْثُ وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ تَصْوِيرِهَا لِلطَّالِبِ وَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى التَّصَوُّرِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نَحْوِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحُكْمُ النَّدْبُ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّتْ عَلَى نَدْبِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . وَقَوْلُهُ ﵊ أَيْضًا: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَدْبِهَا، وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهَا عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَكَوْنُهَا مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا لِأَرْكَانِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى لَهُ وَالشَّيْءُ الْمُعْطَى وَالصِّيغَةُ، فَأَمَّا الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ، فَدَخَلَ الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فِي الثُّلُثِ، وَيَخْرُجُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَهُمَا فِي زَائِدِ الثُّلُثِ، وَأَمَّا الْمُعْطَى لَهُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ تَمَلُّكُ الْعَطِيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ مِلْكُهُ فَتَدْخُلُ عَطِيَّةُ الرَّقِيقِ لِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمُعْطَى فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّقْلَ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَشْمَلُ كَلْبَ الصَّيْدِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَشْيَاءَ الْمَجْهُولَةِ، وَيَخْرُجُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَالْحُبُسِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا. وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُعْطَى لَهُ وَلَوْ فِعْلًا، كَدَفْعِ دِينَارٍ لِفَقِيرٍ، وَكَنِحْلَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ. الرَّابِعُ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ أَنَّ الْمَذْكُورَاتِ تَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا، وَيَقْضِي عَلَى الْفَاعِلِ بِدَفْعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهَا، وَلِلْمُعْطَى لَهُ أَنْ يَحُوزَهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ وَإِنَّمَا لَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا لِأَنَّهَا كَالْبَيْعِ وَقَعَتْ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» حَيْثُ شَبَّهَ الرَّاجِعَ فِيهَا بِالْكَلْبِ وَالْمَرْجُوعَ فِيهِ بِالْقَيْءِ، وَذَلِكَ غَايَةُ التَّنْفِيرِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ. الْخَامِسُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ إلَخْ يُوهِمُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِثْلُهَا بَقِيَّةُ الْعَطَايَا كَالنِّحْلَةِ وَالْمِنْحَةِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْإِسْكَانِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْإِرْفَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْإِخْدَامِ وَالصِّلَةِ وَالرَّهْنِ وَالْعُمْرَى وَالْإِحْبَاءِ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَضَعَتْ الْعَرَبُ لِأَنْوَاعِ الْإِرْفَاقِ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً، فَالْعَارِيَّةُ لِتَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِعِوَضِ إجَارَةٍ، وَالرُّقْبَى إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ لِمُدَّةٍ أَقْصَرُهُمَا عُمْرًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ، وَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ عُمْرِهِ فَهُمَا أَخَصُّ مِنْ الْعَارِيَّةِ، وَالْإِفْقَارُ عَارِيَّةُ الظَّهْرِ الْمَرْكُوبِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَقَارِهِ وَهُوَ عِظَامُ سِلْسِلَتِهِ، أَوْ لِإِسْكَانِ هِبَةِ مَنَافِعِ الدَّارِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَالْمِنْحَةُ هِبَةُ لَبَنِ الشَّاةِ، وَالْعَرِيَّةُ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَنْحُ وَالْعَطَاءُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ، انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ. وَالنِّحْلَةُ مَصْدَرُ نَحَلْته أَعْطَيْته فَهِيَ الْعَطِيَّةُ، وَالْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا وَالْمِهْدَى بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُهْدَى فِيهِ كَالطَّبَقِ وَنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَلَا يُسَمَّى مِهْدَى إلَّا وَفِيهِ مَا يُهْدَى، وَالْإِرْفَاقُ النَّفْعُ يُقَالُ أَرْفَقْته نَفَعْته، وَالْمُرْفَقُ مِنْ الْإِرْفَاقِ مَا ارْتَفَقْت بِهِ أَيْ انْتَفَعْت بِهِ، وَالْعِدَةُ جَمْعُهَا عِدَاتٌ مَصْدَرُ وَعَدَ فَهِيَ الْوَعْدُ فَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنْ الْوَاوِ، وَالْإِخْدَامُ إعْطَاءُ خَادِمٍ غُلَامٍ أَوْ جَارِيَةٍ، وَالصِّلَةُ الْعَطِيَّةُ، وَالْحِبَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْمَدِّ الْعَطَاءُ، وَالرَّهْنُ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ قَصْدًا لِنَفْعِ الطَّالِبِ لِعِزَّةِ بَيَانِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْحَوْزِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ) الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ الْمُحْبِسُ أَوْ الْمُعْمِرُ بِالْكَسْرِ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ عَطِيَّةٌ (قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ) تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ سِوَى عَطِيَّةِ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ. (فَهِيَ مِيرَاثٌ) لِبُطْلَانِهَا بِالْمَوْتِ قَبْلَ تَمَامِهَا بِالْحَوْزِ، وَمِثْلُ مَوْتِ الْوَاهِبِ أَوْ الْوَاقِفِ إحَاطَةُ الدُّيُونِ بِمَالِهِ أَوْ جُنُونُهُ أَوْ

стр. 573

لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِفَقِيرِ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهَا وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ. وَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ مَا لَمْ يُنْكِحْ لِذَلِكَ أَوْ يُدَايَنْ أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا. وَالْأُمُّ تَعْتَصِرُ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ لَمْ ــ [الفواكه الدواني] مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ أَوْ وُهِبَتْ لِثَانٍ وَجَازَ أَوْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ أَوْ اسْتَوْلَدَ، وَلَا قِيمَةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ الْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ بُطْلَانُ الْهِبَةِ وَمَا مَعَهَا بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ وَلَوْ وُجِدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ مَا عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ إنْ جَدَّ وَسَارَعَ فِي حَوْزِهَا فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَفْظُهُ: وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَرَوَّى أَوْجَدَ فِي الْقَبْضِ أَوْ فِي تَزْكِيَةِ شَاهِدِ الْهِبَةِ عِنْدَ إنْكَارِ الْوَاهِبِ فَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَوْ فَلِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ فَلَا تَبْطُلُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالْمُفْلِسِ إذَا خَاصَمَهُ الرَّجُلُ فِي عَيْنِ سِلْعَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْمُفْلِسُ أَنَّ رَبَّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَيْسَ لَهُ إيقَافُهَا إلَّا فِي الْبَيِّنَةِ الْقَرِيبَةِ مِثْلُ السَّاعَةِ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الْبَعِيدَةُ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا إلَّا مَعَ شَاهِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ الْمَذْكُورَاتِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْحَوْزِ فِي غَيْرِ الْوَاقِعِ مِنْهَا فِي حَالِ الْمَرَضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْهِبَةِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا صَدَرَ مِنْ الْمُعْطِي (فِي) حَالِ (الْمَرَضِ) الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ (فَذَلِكَ) التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْحُبُسِ فِي حَالِ الْمَرَضِ (نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ وَهِيَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَتَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) الْإِعْطَاءُ (لِغَيْرِ وَارِثٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ بِالثُّلُثِ كَبُطْلَانِهَا لِغَيْرِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ الْبَاطِلَةَ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ كَانَتْ لِوَارِثٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَا دَيْنٍ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ صَحِيحًا رَشِيدًا لَهُ التَّبَرُّعُ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحَبَّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَطِيَّةُ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَمَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) وَهُوَ مَنْ يُحَرَّمُ نِكَاحُهُ وَلَوْ غَنِيًّا. (أَوْ لِفَقِيرٍ) أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَتِيمٍ (كَالصَّدَقَةِ) فِي أَنَّهَا (لَا رُجُوعَ فِيهَا) لِأَنَّهَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّحِمِ، بَلْ كُلُّ مَا يَكُونُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ وَلَوْ مِنْ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الرَّحِمَ لِتَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّهُمْ أَوْلَى بِفِعْلِ الْمَعْرُوفِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» أَيْ يُعْطِيهِمْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِلْفَقِيرِ بِأَنْ تَكُونَ لِأَجْنَبِيٍّ غَنِيٍّ لَا تَكُونُ كَالصَّدَقَةِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَيُقْضَى بِهَا وَلَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ فِيهَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» كَمَا يَأْتِي ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلِذَا كَانَ الْأَوْلَى الْإِتْيَانَ بِالْفَاءِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) فِيمَا تَصَدَّقَ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا إلَّا لِشَرْطٍ. وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ لِلْأَبِ دَنِيَّةً (أَنْ يَعْتَصِرَ) أَيْ يَأْخُذَ قَهْرًا (مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ) لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِفَقْرِهِ وَلَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بَلْ وَهَبَهُ لِوَجْهِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْتَصِرُ الْأَبَوَانِ مَا تَصَدَّقَا بِهِ عَلَى وَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَأَمَّا الْهِبَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهُ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَمَّا الْحُبُسُ فَهُوَ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيَعْمَلُ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْحُبُسِ، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةً لِإِخْرَاجِ الْجَدِّ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ (مَا لَمْ يُنْكِحْ) الْوَلَدَ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ (أَوْ يُدَانُ) أَيْ يُعْطِي دَيْنًا لِأَجْلِهَا. (أَوْ يَحْدُثْ فِي الْهِبَةِ حَدَثٌ) أَيْ حَادِثٌ يُنْقِصُهَا فِي ذَاتِهَا أَوْ يَزِيدُهَا فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اعْتِصَارُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ فَقَطْ، إلَى أَنْ قَالَ: إنْ لَمْ تَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ، وَلَمْ يَنْكِحْ أَوْ يُدَايَنْ لَهَا أَوْ يَطَأْ ثَيِّبًا أَوْ يَمْرَضْ كَوَاهِبٍ إلَّا أَنْ يَهَبَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ، أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ أَوْ النَّقْصُ أَوْ يَرْجِعَ الزَّبَدُ فَإِنَّهُ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْصِ بَيْنَ الْحِسِّيِّ كَهُزَالِ الْحَيَوَانِ الَّذِي كَانَ سَمِينًا، وَالْمَعْنَوِيِّ كَنِسْيَانِ الْعَبْدِ صَنْعَتَهُ، وَكَذَا تَفُوتُ الْهِبَةُ الْمِثْلِيَّةُ بِخَلْطِهَا بِمِثْلِهَا. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لِذَلِكَ أَنَّ التَّدَايُنَ وَالْإِنْكَاحَ إنَّمَا يَكُونَانِ مُفَوِّتَيْنِ لِلِاعْتِصَارِ عِنْدَ قَصْدِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، وَصَاحِبُ الْمَالِ فِي الدَّيْنِ أَنَّ النِّكَاحَ وَالدَّيْنَ لِخُصُوصِهَا، لَا إنْ لَمْ يَقْصِدَا ذَلِكَ أَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا يَنْكِحُ وَلَا يُدَايَنُ الشَّخْصُ لِأَجْلِهَا فَلَا يُفَوِّتَانِ الِاعْتِصَارَ، وَلَا إنْ قَصَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِعَقْدِ نِكَاحِهِ أَوْ تَدَايُنِهِ تَفْوِيتَهَا دُونَ قَصْدِ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ. (وَالْأُمُّ) دَنِيَّةٌ كَالْأَبِ لَهَا أَنْ (تَعْتَصِرَ) مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الَّذِي لَهُ أَبٌ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. (مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا) وَلَوْ مَجْنُونًا زَمَنَ الْهِبَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِهِبَتِهَا صِلَةَ الرَّحِمِ أَوْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، أَوْ يَكُونَ فَقِيرًا

стр. 574

تَعْتَصِرْ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ وَالَيْتُمْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ. وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَسْكُنْ ذَلِكَ أَوْ يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ. وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ ــ [الفواكه الدواني] بَائِنًا عَنْ أَبِيهِ فَلَا تَعْتَصِرُهَا، وَقَوْلُنَا دَنِيَّةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَعْتَصِرُ كَالْجَدِّ كَمَا قَدَّمْنَا. (فَإِذَا مَاتَ) الْأَبُ (لَمْ تَعْتَصِرْ) الْأُمُّ مَا وَهَبَتْهُ وَلَوْ كَانَ وَلَدُهَا غَنِيًّا لِأَنَّهُ صَارَ يَتِيمًا. (وَ) الْأُمُّ (لَا تَعْتَصِرُ مِنْ يَتِيمٍ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ وَقَعَتْ الْهِبَةُ قَبْلَ يُتْمِهِ أَوْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا تَعْتَصِرُ مِنْ ذَوِي الْأَبِ وَلَوْ تَيَتَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ وَهَبَتْ لِكَبِيرٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي وَهَبَتْهُ أُمُّهُ إنْ كَانَ بَالِغًا حِينَ الْهِبَةِ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ مَا دَامَ أَبُوهُ حَيًّا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا حِينَ الْهِبَةِ وَلَا أَبَ لَهُ فَلَا اعْتِصَارَ لَهَا وَلَوْ بَلَغَ قَبْلَ الِاعْتِصَارِ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ الصَّغِيرَ ذَا الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَالصَّبِيُّ صَغِيرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَهَا الِاعْتِصَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ. ثُمَّ بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَلَدُ يَتِيمًا بِقَوْلِهِ: (وَالْيُتْمُ) فِي الْآدَمِيِّ (مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةِ فَقْدِ (الْأَبِ) فَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا يَصِيرُ يَتِيمًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَلَا يُسَمَّى يَتِيمًا، وَأَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَقَطْ فَلَا يُقَالُ لَهُ يَتِيمٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ مِنْ الطَّيْرِ فَهُوَ مَنْ فَقَدَهُمَا مَعًا، وَأَمَّا فِي نَحْوِ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا فَمِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَقَطْ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَنَّ الْآدَمِيَّ إنَّمَا يُضَيَّعُ بِفَقْدِ أَبِيهِ غَالِبًا. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْهِبَةَ وَمَا مَعَهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ، بَيَّنَ هُنَا أَنَّ مَا سَبَقَ فِي غَيْرِ هِبَةِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا وَهَبَهُ) الْأَبُ الرَّشِيدُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ السَّفِيهِ (فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ) مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْأَبِ إلَى أَنْ فَلِسَ أَوْ مَاتَ، لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لِمَحْجُورِهِ، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِالرَّشِيدِ لِأَنَّ الْأَبَ السَّفِيهَ لَا يَحُوزُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحُوزُ وَلِيُّهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِيَازَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ لَهُ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهُ، وَثَانِي الشُّرُوطِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَسْكُنْ) الْأَبُ (ذَلِكَ) الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ إنْ كَانَ مِمَّا يُسْكَنُ كَدَارٍ أَوْ حَانُوتٍ. (أَوْ) إذَا لَمْ (يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا) أَمَّا إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ دَارَ سُكْنَاهُ وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ اسْتَمَرَّ لَابِسًا لِمَا وَهَبَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُلْبَسُ حَتَّى حَصَلَ الْمَنَافِعُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَصِحُّ حَوْزُهُ لَهُ: وَدَارُ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا وَيُكْرَى لَهُ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، وَالْأَكْثَرُ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَ دَارَ سُكْنَاهُ لِكِبَارِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا سَكَنَهُ فَقَطْ، وَيَصِحُّ مَا جَازَهُ الْوَلَدُ كَانَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، وَالْوَقْفُ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي ذَلِكَ. وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَحُوزُ) الْأَبُ (لَهُ) أَيْ لِمَحْجُورِهِ (مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) كَدَارٍ أَوْ دَابَّةٍ، فَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَالًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَحَازَهَا حَتَّى حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فَلَسٍ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِهَا، بِخِلَافِ لَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا أَوْ وَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا تَبْطُلُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ إلَّا مَا لَا يَعْرِفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَحْجُورٍ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي، وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ أَجْوَدُ لِشُمُولِهَا الْأَبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَحْجُورَ الصَّبِيَّ وَغَيْرَهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ إلَخْ أَنَّ حِيَازَةَ الْأُمِّ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ لَا تَصِحُّ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةَ الْوَلَدِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ فَيَصِحُّ حَوْزُهَا لَهُ حِينَئِذٍ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ حِيَازَةِ الْأَبِ لِمَحْجُورِهِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْ غَلَّةَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ كَالْوَقْفِ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الْغُبْرِينِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا تَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ يَصْرِفُ غَلَّةَ الْمَوْهُوبِ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَخَلِيلٌ فِي دَارِ السُّكْنَى مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ حَوْزِهَا مِنْ كِرَائِهَا بِاسْمِ الْمَحْجُورِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ صَرْفِ الْغَلَّةِ وَعَقْدِ الْكِرَاءِ. الثَّالِثُ: كَمَا لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ بِبَقَائِهَا تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، كَذَلِكَ هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْهِبَةُ: وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ يَدَهُ عَنْ هِبَتِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُ هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ هِبَةُ السَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدٍ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِهِ إلَى مَوْتِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَ الْإِشْهَادُ عَلَى الْهِبَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هِبَةَ الْوَلِيِّ لِمَحْجُورِهِ وَأَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ خَلَا دَارِ السُّكْنَى أَوْ دَارِ سُكْنَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَالسَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا حِيَازَةٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا لَا يُنَافِي تَمَامَهُ مِنْ الْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ:

стр. 575

إلَّا بِالْمِيرَاثِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ. وَلَا يَشْتَرِي مَا تَصَدَّقَ بِهِ. وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ ــ [الفواكه الدواني] (وَأَمَّا) مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ (الْكَبِيرِ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ) وَإِنَّمَا يَحُوزُ لِنَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ كَالصَّغِيرِ يَحُوزُ لَهُ أَبُوهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ حَائِزًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ رَشِيدًا وَلَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَائِزًا لَهُ، وَاخْتُلِفَ لَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَجَهِلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ أَبُوهُ حَائِزًا حَتَّى مَاتَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ عَلَى الرُّشْدِ فَتَبْطُلُ؟ لِعَدَمِ حِيَازَتِهِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ قَوْلَانِ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَيَحُوزُهُ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا وَلَا تُعْتَبَرُ حِيَازَتُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَإِنَّهُ يَحُوزُهُ لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَيُؤْنِسُ مِنْهَا الرُّشْدَ. (لَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُتَصَدِّقُ (فِي صَدَقَتِهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. (وَلَا) يَنْبَغِي أَنْ (تَرْجِعَ إلَيْهِ إلَّا بِالْمِيرَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَمَفْهُومُ الصَّدَقَةِ أَنَّ الْهِبَةَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَالتَّسَبُّبُ فِي تَمَلُّكِهَا مُنَافٍ لِقَصْدِ الْفَاعِلِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ «قَوْلُهُ ﷺ لِعُمَرَ فِي الْفَرَسِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى النَّدْبِ، وَحَمَلَهُ الدَّاوُدِيُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَحَمَلْنَا الرُّجُوعَ عَلَى اسْتِحْدَاثِ مِلْكِهَا بِسَبَبِ إشَارَةٍ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ إبْطَالَ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ لِلُزُومِ سَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى الْوَصِيَّةِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ إبْطَالُهَا إلَّا عَطِيَّةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ كَمَا مَرَّ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ شَرَطَ فِي عَقْدِ صَدَقَتِهِ الرُّجُوعَ وَإِلَّا عَمِلَ بِشَرْطِهِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مَعَ أَجْنَبِيٍّ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ إنْ شَاءَ فَإِنَّ لَهُ بَيْعَهُ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. (تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَجَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ بَيْنَ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِحَمْلِ كَلَامِ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى مَا إذَا أَخْرَجَهَا لِمُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ، وَحَمْلُ كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى إخْرَاجِهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الَّذِي يَأْخُذُهَا، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ) الْمُتَصَدِّقُ (مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ) مِنْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ شُرْبَ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ رُجُوعٌ فِي صَدَقَتِهِ وَقَدْ قَالَ أَوَّلًا: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا بِمِيرَاثٍ، وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا كَالْمُنَاقِضِ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ بِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ، عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَلَوْ مَعَ رِضَاهُ أَوْ الرَّشِيدِ مَعَ عَدَمِ رِضَاهُ، وَحَمْلِ قَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ عَلَى شُرْبِهِ مِنْ لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ بِرِضَاهُ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ. " مُحَمَّدٌ " وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ، وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ قَوْلَهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ إلَخْ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ وَنَحْوُهُ شَيْئًا يَسِيرًا بِحَيْثُ يَكُونُ ثَمَنُهُ تَافِهًا أَوْ كَثِيرًا وَرَضِيَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى مَا إذَا كَانَ اللَّبَنُ كَثِيرًا وَلَمْ يَرْضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ بِأَخْذِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ هَذَا مَا لَمْ يَفْتَقِرْ الْأَبُ وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا يَصَّدَّقُ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَيُنْفِقُ عَلَى أَبٍ افْتَقَرَ مِنْهَا وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ، كَمَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ صَدَقَتِهِ وَإِنْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ مِمَّا تَصَدَّقَتْ بِهِ عَلَيْهِ. الثَّانِي: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَعَلَيْهِ ابْنُ نَاجِي أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَلَا يَشْتَرِي) الْمُتَصَدِّقُ (مَا تَصَدَّقَ بِهِ) فَهُوَ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْدِثَ مِلْكَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ اخْتِيَارًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِالْمِيرَاثِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الرُّجُوعِ. (تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ فِي صَدَقَتِهِ اخْتِيَارًا أَشْيَاءُ مِنْهَا: الْعَرِيَّةُ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْمُعْرِي شِرَاؤُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ إلَخْ، وَمِنْهَا مَنْ أَعْمَرَ شَخْصًا دَارِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُعَمِّرِ بِالْكَسْرِ شِرَاؤُهَا، وَمِنْهَا مَنْ سَبَّلَ مَاءً عَلَى غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِدْهُ

стр. 576

رَدَّ الْهِبَةَ فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا. وَذَلِكَ إذَا كَانَ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ ــ [الفواكه الدواني] عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَمِنْهَا مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِأَمَةٍ فَتَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ لِلضَّرُورَةِ وَيَسْتَقْصِي، بِخِلَافِ مَا تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِوَجْهِ الْمُعْطِي شَرَعَ فِي الْهِبَةِ لِثَوَابِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ فَقَالَ: (وَالْمَوْهُوبُ لِلْعِوَضِ) الْمُخَيَّرُ (إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْقَبْضِ فَيَلْزَمُ قَبُولُهَا. (أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ) لِوَاهِبِهَا وَهَذَا التَّخْيِيرُ مَعَ عَدَمِ فَوَاتِ الذَّاتِ الْمَوْهُوبَةِ. (فَإِنْ فَاتَتْ) بِيَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) جَبْرًا عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ وَاهِبُهَا لَا الْمَوْهُوبُ الْقِيمَةَ إلَّا لِفَوَاتٍ يَزِيدُ أَوْ نَقَصَ. ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ اسْتِحْقَاقِ الْوَاهِبِ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ لُزُومُ الْقِيمَةِ لِلْوَاهِبِ بَعْدَ فَوَاتِ الْهِبَةِ مَشْرُوطٌ بِمَا (إذَا كَانَ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ (يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُظَنُّ (أَنَّهُ أَرَادَ) أَيْ قَصَدَ الْهِبَةَ لِأَجْلِ (الثَّوَابِ) أَيْ الْعِوَضِ (مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَفَقِيرٍ يَدْفَعُ شَيْئًا لِغَنِيٍّ، بِخِلَافِ هِبَةِ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ فِي هِبَتِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إذَا كَانَ يُرَى إلَخْ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قَصْدِ الثَّوَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ وَاهِبٌ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ، وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ عَامٌّ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِأَجْلِ عُرْسٍ أَوْ عِنْدَ قُدُومٍ مِنْ حَجٍّ، وَلِوَاهِبِ الثَّوَابِ طَلَبُ الثَّوَابِ وَلَوْ مُعَجَّلًا وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عُرْسٌ إلَّا لِعَادَةٍ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الْوَاهِبَ بِمَا أَكَلَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ إحْضَارِ الْهِبَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْحُمُولَةِ، وَالتَّصْدِيقُ فِي إرَادَةِ الثَّوَابِ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا، وَقِيلَ الْيَمِينُ عِنْدَ إشْكَالِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ فَقَطْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالثَّوَابِ يُعْمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَسْكُوكًا أَوْ كَانَ الْوَاهِبُ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَمَا فِي خَلِيلٍ حَيْثُ لَا عَادَةَ وَإِلَّا عَمِلَ بِهَا لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالشَّرْطِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ هِبَةِ الثَّوَابِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ لَا مَنْدُوبَةٌ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّبَا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ عَطِيَّةً لِيُعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَذَلِكَ أَنْ يُهْدِيَ هَدِيَّةً لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَأَبَاحَهُ اللَّهُ لِسَائِرِ النَّاسِ، وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ إنَّمَا تَجُوزُ لِأُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا لَهُ لِآيَةِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ جَوَازِ قَبُولِهَا وَدَفْعِهَا بَلْ لَكُمْ حُكْمٌ. الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ جَوَازِ الْهِبَةِ لِقَصْدِ الثَّوَابِ جَوَازُ دَفْعِهَا مَعَ شَرْطِ الثَّوَابِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ حَيْثُ رَضِيَ بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ التَّعْيِينُ، وَقَوْلُهُمْ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَفُتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْوَاهِبُ الْقِيمَةَ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُعَيِّنْ الثَّوَابَ وَيَرْضَى بِهِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعْيِينٌ وَإِلَّا صَارَ عَقْدُهَا لَازِمًا، وَقُضِيَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِدَفْعِهِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ هِبَةُ الثَّوَابِ مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِ الْعِوَضِ مَعَ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَهُوَ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا مِنْهُ الثَّوَابُ وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ، فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا عَنْ غَيْرِ نَوْعِ الْمَوْهُوبِ، وَيُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَلَا عَكْسَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا عَنْ الْعَيْنِ مِنْ صِنْفِهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَجَّرِ، وَلَا عَنْ الْحَيَوَانِ لَحْمًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسَهُ لِحُرْمَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ وَقَضَائِهِ عَنْهُ، وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرْضًا أَوْ دَنَانِيرَ لَا طَعَامًا وَلَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ رِبَا النِّسَاءِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ بَيْنَ الْعَامَّةِ مِنْ رَدِّ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ فَحَرَامٌ، وَمِثْلُهُ قَضَاءُ الدَّرَاهِمِ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ الذَّهَبِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقَعَ قَضَاءُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا بَلْ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْعٌ. الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إمَّا أَثَابَ الْقِيمَةَ أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبُ لَهُ دَفْعَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبُ قَبُولَ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا طَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُهُ وَأَبَى الْوَاهِبُ مِنْ أَخْذِ أَزِيدَ مِنْ قِيمَةِ هِبَتِهِ، فَأَفْتَى الْقَابِسِيُّ بِجَبْرِ الْوَاهِبِ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَرَادَ صَاحِبُهُ لَقُضِيَ بِتَحْنِيثِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَاتِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، هَذَا

стр. 577

كُلَّهُ. وَأَمَّا الشَّيْءُ مِنْهُ فَذَلِكَ سَائِغٌ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ أَوْ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْضُهَا. وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا عَلَى الْوَاهِبِ ــ [الفواكه الدواني] مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَابِسِيِّ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى قَبُولِ الزَّائِدِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ مَا يَتَوَقَّعُ الْمَنَّ بِهِ. الْخَامِسُ: هِبَةُ الثَّوَابِ شَبِيهَةٌ بِالْبَيْعِ، وَلِذَا لَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ قَبْلَ حِيَازَةِ الْهِبَةِ لَمْ تَبْطُلْ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَوْ مَرَضِ أَوْ فَلَسِ وَاهِبِهَا قَبْلَ حَوْزِهَا فَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا الَّتِي تَبْطُلُ بِعَدَمِ حِيَازَتِهَا قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ. [هِبَة الْوَالِد جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ هِبَةِ الْوَالِدِ جَمِيعَ مَالِهِ لِبَعْضِ أَوْلَادِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِلشَّخْصِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ (أَنْ يَهَبَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ) وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا (مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَضَى بِشَرْطِ الْحِيَازَةِ قَبْلَ مَوْتٍ أَوْ مَرَضِ الْوَاهِبِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَاقِي الْأَوْلَادِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِمْ مَخَافَةَ مُطَالَبَتِهِمْ بِنَفَقَةٍ وَإِلَّا رُدَّتْ، وَمِثْلُ الْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْكَرَاهَةِ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ إذَا كَانَ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانُوا ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إنَاثًا فَقَطْ فَلَا كَرَاهَةَ، كَمَا لَا يُكْرَهُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَمِثْلُهَا لَوْ وَقَعَتْ فِي صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ. (وَأَمَّا) هِبَةُ (الشَّيْءِ) الْقَلِيلِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَتَتِمُّ بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْأَبِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى هِبَةِ الثَّوَابِ كَمَا مَرَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا وَرَدَ: «أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ نَحَلَهُ أَبُوهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَأَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَشْهَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ» وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ لِلْمَشْهُورِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَنَّ النَّبِيَّ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ كَمَالِهَا، وَلَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً لَقَالَ ﵊ إنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ عَطِيَّةَ الْأَبِ كُلُّ مَالِهِ أَوْ جُلُّهُ لِبَعْضِ الْأَوْلَادِ يُؤَدِّي إلَى عُقُوقِ الْبَاقِينَ وَحِرْمَانِهِمْ وَيُؤَدِّي إلَى تَبَاغُضِهِمْ، وَالْمَطْلُوبُ الْحِرْصُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ وَالْمُوَادَّةِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، وَلِذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» . وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الشَّخْصَ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْبَارِّ وَالْعَاقِّ. وَلَمَّا كَانَ عِلَّةُ كَرَاهَةِ هِبَةِ جَمِيعِ أَوْ جُلِّ الْمَالِ مُنْتَفِيَةً فِي الْأَجَانِبِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ (عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ ابْتِغَاءً لِلثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَعَيِّنَ أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَلِأَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﵊، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَدِّقُ طَيِّبَ النَّفْسِ بَعْدَ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْدَمُ عَلَى الْبَقَاءِ بِلَا مَالٍ، وَأَنَّ مَا يَرْجُوهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمَاثِلًا لِمَا تَصَدَّقَ بِهِ فِي الْحَالِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُنْدَبُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْدَبْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إنْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةَ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ يُكْرَهُ إنْ تَيَقَّنَ الْحَاجَةَ إلَيْهِ لِمَنْ يُنْدَبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ كَحَوَاشِيهِ، لِأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَاقِلِ الرَّشِيدِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ إحَاطَةِ دَيْنٍ. الثَّالِثُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ يَمِينٍ وَلَا نَذْرٍ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ وَلَا يَحْبِسُ مِنْهُ شَيْئًا سِوَى مَا يَرُدُّهُ دَيْنٌ، بِخِلَافِ مَنْ الْتَزَمَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِهِ بِنَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ حَنِثَ فِيهِ فَيُجْزِيهِ ثُلُثُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَمِثْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ. [مُبْطِلَات الْهِبَة] ثُمَّ شَرَعَ فِي مُبْطِلَاتِ الْهِبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً) لِغَيْرِ ثَوَابِ الدُّنْيَا بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ أَوْ لِلْآخِرَةِ أَوْ لَهُمَا (فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) بَلْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْوَاهِبِ وَلَمْ يَجِدَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي حَوْزِهَا (حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ) أَوْ جُنَّ وَاتَّصَلَ كُلٌّ بِمَوْتِهِ (أَوْ) حَتَّى (أَفْلَسَ) وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدُّيُونِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ حُصُولِ الْمَرَضِ أَوْ الْفَلَسِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُمَا (قَبْضُهَا) لِبُطْلَانِهَا بَعْدَ حَوْزِهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِلَمْ يَجِدَّ فِي الْحَوْزِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ بُطْلَانِهَا بِعَدَمِ الْحَوْزِ مَعَ الْجِدِّ فِي الْحَوْزِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهَا بِالْمَرَضِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ نَحَلَ ابْنَتَهُ عَائِشَةَ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ

стр. 578

الصَّحِيحِ. وَمَنْ حَبَسَ دَارًا فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ. إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَلَوْ كَانَتْ حَبْسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ جَازَتْ ــ [الفواكه الدواني] الْوَفَاةُ قَالَ: وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدَ مَوْتِي عَنْك، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْك، وَإِنِّي كُنْت نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْت جَذَذْتِيهِ وَأَخْذَتَيْهِ لَكَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمُ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاك وَأُخْتَاك فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ . (تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الْهِبَةَ بِغَيْرِ هِبَةِ الثَّوَابِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ حَوْزِهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ مَرِضَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْحَوْزِ ثُمَّ صَحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً فَإِنَّهَا تُحَازُ وَتَتِمُّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْفَلَسِ وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدُّيُونِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَلَسُ الْخَاصُّ وَهُوَ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِخَلْعِ مَالِ الْمَدْيُونِ، وَلَا فَرْقَ فِي الدَّيْنِ الْمُحِيطِ بَيْنَ السَّابِقِ عَلَى الْهِبَةِ وَالْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ بُطْلَانِ الْهِبَةِ بِعَدَمِ الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ الْهِبَةُ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا الْوَاهِبُ مَعَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَأَرْسَلَ بِهَا رَسُولًا، فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ وَلَا بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُعَيَّنِ إذَا كَانَ الْوَاهِبُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي مُبْطِلَاتِ الْهِبَةِ: أَوْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً أَوْ أَرْسَلَهَا ثُمَّ مَاتَ أَوْ الْمُعَيَّنُ لَهَا إنْ لَمْ يُشْهِدْ. وَفِي صَدَقَاتِ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهَا: مَنْ بَعَثَ بِهَدِيَّةٍ أَوْ صِلَةٍ لِغَائِبٍ فَمَاتَ الْمُعْطِي أَوْ الْمُعْطَى لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ حِينَ بَعَثَ بِهَا عَلَى إنْفَاذِهَا فَهِيَ لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ أَوْ وَارِثِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حِينَ بَعَثَ بِهَا فَهِيَ لِلَّذِي أَعْطَى أَوْ وَارِثِهِ، وَحُكْمُ مَنْ اسْتَصْحَبَ هَدِيَّةً مَعَهُ لِغَائِبٍ حُكْمُ مَنْ أَرْسَلَهَا فَعِنْدَ الْإِشْهَادِ لَا تَبْطُلُ وَبِدُونِهِ تَبْطُلُ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْلَ الْحَوْزِ ذَكَرَ حُكْمَ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ) الْحُرُّ الَّذِي لَمْ تُقْصَدْ عَيْنُهُ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ بِمَوْتِهِ وَ (كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ حَقًّا لَهُ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَارِثِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْوَاهِبَ بِالصَّحِيحِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ أَوْ فَلِسَ قَبْلَ حَوْزِهَا فَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ الطَّلَبُ بِهَا لِبُطْلَانِهَا بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَقَيَّدْنَا الْمَوْهُوبَ لَهُ بِالْحُرِّ لِأَجْلِ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَارِثِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ الرَّقِيقَ يَقْبِضُ سَيِّدُهُ مَا وُهِبَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَانَ لِوَارِثِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الرَّقِيقِ الْقِيَامُ بِهَا لَكَانَ أَشْمَلَ وَوَافَقَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وُهِبَ لِحُرٍّ هِبَةٌ أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ فَلِوَرَثَةِ الْحُرِّ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ قَبْضُهَا، وَهَذَا فِي الْهِبَةِ وَمِثْلُهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا الْوَاجِبَةُ كَالْكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ فَتَوَقَّفَ فِيهَا بَعْضُ الشُّيُوخِ هَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ أَمْ لَا؟ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا الَّذِي لَمْ تُقْصَدْ عَيْنُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الْوَاهِبُ قَالَ: هَذِهِ هِبَةٌ لِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ لَا لِغَيْرِهِ وَلَا لِوَارِثِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا يَأْخُذُهَا الْوَارِثُ، فَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي قَصْدِ عَيْنِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهَا، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لِأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَانْظُرْ أَيَّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. [أَحْكَام الحبس] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ شَرَعَ فِي الْحُبُسِ لِأَنَّهُ عَقِبُهُ فِي التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَيُرَادِفُهُ الْوَقْفُ مَصْدَرُ وَقَفَ الْمُجَرَّدُ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ، وَالرَّدِيئَةُ أَوْقَفَ عَكْسُ أَعْتَقَ وَعَتَقَ، وَسُمِّيَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ وَمَحْبُوسَةٌ وَقَدْ مَرَّتْ حَقِيقَتُهُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي حُكْمِهِ، وَالصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بَلْ نَدْبُهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْسَنِ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ حَبَسَ نَبِيُّنَا ﷺ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ دُورًا وَحَوَائِطَ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَمُقَابِلُ الْجُمْهُورِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى مَنْعِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْوَاقِفِ وَهُوَ مِلْكٌ يُوَرَّثُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ أَوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَوْتِهِ كَأَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَمْ يَنْهَضْ لَهُمْ دَلِيلًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَعْرِيفَهُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ أَرْكَانَهُ أَرْبَعَةٌ: الْوَاقِفُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَالْمَوْقُوفُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَلَوْ طَعَامًا أَوْ نَقْدًا عَلَى مَنْ يَتَسَلَّفُهُمَا أَوْ يَرُدُّ مِثْلَهُمَا أَوْ رَقِيقًا أَوْ مُسْتَأْجَرًا، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ وَلَوْ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ كَقَنْطَرَةٍ وَمَسْجِدٍ، وَالصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ وَإِلَّا التَّنْجِيزُ كَلَفْظِ حَبَسْت وَوَقَفْت مُطْلَقًا أَوْ تَصَدَّقْت إنْ قَارَنَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ كَقَوْلِهِ: هَذَا صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَوْ يَغْتَلُّونَهُ أَوْ يَنْتَفِعُونَ بِذَاتِهِ بِالسُّكْنَى فِيهِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى مَجْهُولٍ مَحْصُورٍ كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ وَنَسْلِهِ لِقِيَامِ التَّعْقِيبِ مَقَامَ الْقَيْدِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَبَيْنَ النَّاسِ كَالْمَسْجِدِ يَبْنِيهِ وَيَفْتَحُهُ لِلنَّاسِ، وَكَالطَّاحُونِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ عُمُومُ النَّاسِ فَقَالَ: (وَمَنْ حَبَسَ) مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ (دَارًا) أَوْ حَائِطًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ كُلِّ مَمْلُوكٍ لِلْمُحْبِسِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ (فَهِيَ) قَاصِرَةٌ (عَلَى مَا جَعَلَهَا) الْمُحْبِسُ بِالْكَسْرِ (عَلَيْهِ) بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالصِّيغَةِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَلَا

стр. 579

حِيَازَتُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ. وَلْيُكْرِهَا لَهُ وَلَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ. وَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ ــ [الفواكه الدواني] الرُّجُوعُ فِيهَا لِمَا قَالَهُ أَئِمَّتُنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ اللُّزُومُ فِي الْحَالِ إذَا نَجَزَهُ أَوْ أَطْلَقَ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّنْجِيزِ، وَلِذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا الِاسْتِبْدَالُ فِي الْوَقْفِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قَبُولٍ حَيْثُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ لِتَعَذُّرِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ أَوْ وَلِيَّهُ إنْ كَانَ مَحْجُورًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوقَفِ عَلَيْهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ وَلِيٌّ فَيُقِيمُ لَهُ السُّلْطَانُ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ، فَإِنْ رَدَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ الْأَهْلُ مَا وَقَفَهُ الْغَيْرُ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَرْجِعُ حُبُسًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَيَّنَ الْجِهَةَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وَيُصْرَفُ فِي غَالِبِ مَا تَحْبِسُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَعْيِينُ مَصْرِفِهِ وَصُرِفَ فِي غَالِبٍ وَإِلَّا فَالْفُقَرَاءُ. الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ إنْ جَازَ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَكَذَا إنْ كَرِهَ كَاشْتِرَاطِ وَقْفِهِ عَلَى قِرَاءَةِ سَبْعٍ جَمَاعَةً أَوْ عَلَى ضَحِيَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ الْوَاقِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَحِلُّ وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِشَرْطِهِ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ كَاشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ دَرْسِ عِلْمٍ فِي مَحَلٍّ وَيَخْرَبُ بِحَيْثُ لَا تُمْكِنُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ أَوْ يَتَعَذَّرُ حُضُورُ الطَّالِبِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَفِعْلُهُ كَشَرْطِهِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُقَرِّرَ مُدَرِّسًا مَالِكِيًّا يَقْرَأُ فِي مَسْجِدِهِ ثُمَّ يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ إنْ مَاتَ الْمَالِكِيُّ أَنْ يُقَرِّرَ حَنَفِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا، وَإِنَّمَا يُقَرِّرُ مَالِكِيًّا اتِّبَاعًا لِفِعْلِ الْوَاقِفِ. الثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَنَا التَّأْبِيدُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَهِيَ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ التَّأْبِيدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْوَقْفِ حَيْثُ قَالَ: إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ وَأَنَّهُ بَنَى التَّعْرِيفَ عَلَى الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ وَيَصِيرُ الَّذِي كَانَ مَوْقُوفًا مِلْكًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَغَيْرُهُ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا لِنَاظِرِ الْوَقْفِ بِأَنْ يَفْعَلَ فِي الْوَقْفِ كُلَّ مَا كَانَ قَرِيبًا لِغَرَضِهِ وَإِنْ خَالَفَ شَرْطَهُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ مَاءً عَلَى الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فَيَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُمَكِّنَ الْعَطْشَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ تَمَامِ وَقْفِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ) أَوْ فَلَسِهِ أَوْ جُنُونِهِ، فَلَوْ قَالَ قَبْلَ كَمَوْتِهِ لَشَمِلَ بَقِيَّةَ الْمَانِعِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ جُنُونٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ حِيَازَةٌ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ فَلِسَ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَحَقِيقَةُ الْحِيَازَةِ رَفْعُ يَدِ الْوَاقِفِ عَنْ الْوَقْفِ وَتَمْكِينِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ بِمَا يَجُوزُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ وَبَيْنِ النَّاسِ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالطَّاحُونِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلَدًا كَبِيرًا وَلَوْ سَفِيهًا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ اعْتِبَارِ حِيَازَتِهِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحِيَازَةُ وَفِيهِ خِلَافٌ، قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَقِيلَ يَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ: وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ الْعَدْلُ عَايَنْته تَحْتَ يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْوَاقِفِ، وَلَا يَكْفِي إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِالْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ. (وَلَوْ كَانَتْ) الدَّارُ أَوْ غَيْرُهَا (حُبُسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) أَوْ عَلَى يَتِيمٍ فِي وَصِيَّتِهِ (جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ) وَتَسْتَمِرُّ (إلَى أَنْ يَبْلُغَ) فَإِنْ بَلَغَ وَجَبَ أَنْ يَحُوزَ لِنَفْسِهِ وَلَوْ سَفِيهًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ اعْتِبَارِ حِيَازَتِهِ وَهَذَا فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَيَسْتَمِرُّ الْوَلِيُّ حَائِزًا لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ وَتَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى صَلَاحِ حَالِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْحُرِّ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَيَحُوزُ لَهُ سَيِّدُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ. وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ حِيَازَةِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيُكْرِهَا لَهُ وَلَا يَسْكُنُهَا) إذَا كَانَتْ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ دَارَ سُكْنَى الْوَاقِفِ (فَإِنْ لَمْ يَدَعْ) الْوَاقِفُ أَيْ يَتْرُكْ (سُكْنَاهَا) بَلْ اسْتَمَرَّ سَاكِنًا فِيهَا كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا (حَتَّى مَاتَ) أَوْ فَلِسَ (بَطَلَتْ) وَقْفِيَّتُهَا وَتَرْجِعُ مِيرَاثًا، وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ الْأَقَلُّ وَأَكْرَى لَهُ الْأَكْثَرُ لَصَحَّ الْوَقْفُ فِي جَمِيعِهَا، لِأَنَّ الْأَقَلَّ يَتْبَعُ الْأَكْثَرَ فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ النِّصْفُ وَأَكْرَى النِّصْفَ لَبَطَلَ فِيمَا سَكَنَ وَصَحَّ فِيمَا أَكْرَى، هَذَا حُكْمُ وَقْفِ دَارِ سُكْنَاهُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ دَارَ سُكْنَاهُ عَلَى كِبَارِ وَلَدِهِ وَسَكَنَ الْبَعْضَ فَلَا يَبْطُلُ إلَّا مَا سَكَنَ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِثْلُ الْوَقْفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَبَسَ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ وَهَبَهَا لَهُمْ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ حَائِزٌ وَحَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِي كُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا حَتَّى مَاتَ فَيَبْطُلُ جَمِيعُهَا وَتُوَرَّثُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَأَمَّا الدَّارُ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْمَسَاكِنِ يَسْكُنُ أَقَلَّهَا وَيُكْرِي لَهُمْ بَاقِيهَا فَذَلِكَ نَافِذٌ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا يَسْكُنُ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ حِيَازَةِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ الْوَاقِفُ عَلَى وَقْفِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ، وَأَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ

стр. 580

رَجَعَتْ حُبُسًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ. وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا حَيَاتَهُ دَارًا رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ مِلْكًا ــ [الفواكه الدواني] عَايَنَتْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ أَيْضًا، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إقْرَارِ الْوَاقِفِ دُونَ مُعَايَنَةِ الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ، لِأَنَّ الْمُنَازِعَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ إمَّا الْوَرَثَةُ وَإِمَّا الْغُرَمَاءُ، وَالْبَيِّنَةُ إمَّا تَشْهَدُ عَلَى مَا عَايَنَتْهُ وَأَنْ تُثْبِتَ أَنَّ الْوَاقِفَ كَانَ يَصْرِفُ جَمِيعَ أَوْ جُلَّ الْغَلَّةِ فِي مَصَالِحِ الْمَحْجُورِ، فَلَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ الْحِيَازَةُ. قَالَ خَلِيلٌ مُسْتَثْنِيًا فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْزِ الْحِسِّيِّ: إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حِيزَتْ دَارُ السُّكْنَى أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا لَهُ غَلَّةٌ بَعْدَ وَقْفِهَا ثُمَّ عَادَ الْوَاقِفُ لِسُكْنَاهَا بَعْدَ حِيَازَتِهَا وَفِي ذَلِكَ تَفْضِيلٌ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ حَوْزِهَا عَامًا لَمْ يَبْطُلْ تَحْبِيسُهَا لِحُصُولِ شُهْرَةِ وَقْفِيَّتِهَا، وَإِنْ عَادَ لَهَا قَبْلَ مُضِيِّ عَامٍ مِنْ يَوْمِ التَّحْبِيسِ بَطَلَ تَحْبِيسُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَحَرْبِيٍّ وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ، أَوْ عَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ، أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ، أَوْ جَهِلَ سَبْقَهُ لِدَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لَمْ يُجْرِهِ كَبِيرُ وَقْفٍ عَلَيْهِ وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ وَلِيَّ صَغِيرٍ، أَوْ لَمْ يُخْلِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ إلَّا لِمَحْجُورِهِ إذَا أَشْهَدَ وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ إلَّا مُعْقَبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ تَرْجِعُ لَهُ الذَّاتُ الْمَوْقُوفَةُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ انْقَرَضَ) أَيْ انْقَطَعَ (مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ) الدَّارُ وَنَحْوُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ وَلَمْ تَنْقَضِ (رَجَعَتْ حَبْسًا عَلَى) فُقَرَاءِ (أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحَبِّسِ يَوْمَ الْمَرْجِعِ) قَالَ خَلِيلٌ: رُوجِعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ، وَامْرَأَةٌ لَوْ رَجَلَتْ لَعَصَّبَتْ وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْلِ وَقْفِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ الْمَرْجِعِ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَانَ لَهَا جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَرِيبٌ يَوْمَ الْمَرْجِعِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ» . وَقَوْلُهُ ﷺ : «اجْعَلْهَا فِي أَقَارِبِك» . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رُجُوعُهَا لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحَبِّسِ وَلَوْ كَانَ الْمُحَبِّسُ حَيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْخُلُ فِي صَدَقَةِ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ لَا يَدْخُلُ هُوَ فِيهِمْ، وَكَمَنْ عَزَلَ زَكَاةَ مَالِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهَا لِلْفُقَرَاءِ حَتَّى ضَاعَ الْأَصْلُ وَصَارَ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ سَهْمَ الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِضَيَاعِ الْأَصْلِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: مَنْ حُبِّسَتْ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُحَبِّسَ عَلَيْهِ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ كَزَيْدٍ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ نَحْوَ الْفُقَرَاءِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الْحُكْمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ وَحَصَلَ فِيهِمَا انْهِدَامٌ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي كَقَنْطَرَةٍ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُرْجَى عَوْدُهَا فَإِنَّهُ يُحَبِّسُ لَهَا. الثَّانِي: إنَّمَا قُلْنَا عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ مُدَّةً وَلَمْ تَنْقَضِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَقْفِ مُدَّةً وَانْقَضَتْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِلْكًا لِوَاقِفِهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَقْفِ التَّأْبِيدُ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهِ، وَكَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: الْوَقْفُ يَتَنَوَّعُ إلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ: مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، مُنْقَطِعُ الْآخِرِ، مُنْقَطِعُ الطَّرَفَيْنِ، مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، مُنْقَطِعُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، فَالْأَوَّلُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَنْتَفِعُ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَالثَّانِي: كَالْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ. وَالثَّالِثُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى مَيِّتٍ لَا يَنْتَفِعُ. وَالرَّابِعُ: كَالْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ عَلَى مَعْصِيَةٍ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَالْخَامِسُ: كَالْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى الْمُحَارِبِينَ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ عَلَى مَدْرَسَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَبْطُلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ إذَا أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ الِانْقِطَاعُ لِأَنَّ الْوَقْفَ نَوْعٌ مِنْ التَّمْلِيكِ فِي الْمَنَافِعِ أَوْ الْأَعْيَانِ، فَجَازَ أَنْ يَعُمَّ أَوْ يَخُصَّ كَالْعَوَارِيِّ وَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِابْتِدَاءِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الِانْتِهَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُمْنَعُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ وَالْوَسَطِ، هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَى بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهِيَ بِالْقَصْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعُمْرِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لَهَا، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: هِيَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً، فَيَخْرُجُ إعْطَاءُ الذَّاتِ وَيَخْرُجُ بِحَيَاةِ الْمُعْطَى الْحُبُسُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْمُعْطَى فِي كَلَامِهِ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَأَمَّا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاةَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَهِيَ عَارِيَّةٌ حَقِيقَةً، وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا لَفْظَ الْعُمْرَى فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: بِغَيْرِ عِوَضٍ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ، وَيَخْرُجُ بِإِنْشَاءِ الْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُمْرَى وَحُكْمُهَا النَّدْبُ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَهِيَ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالْهِبَةِ وَصِيغَتُهَا أَعَمَرْتُك وَأَسْكَنْتُك، وَتَجُوزُ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْحُلِيِّ وَالنَّبَاتِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا) أَوْ امْرَأَةً (حَيَاتَهُ دَارًا) أَوْ غَيْرَهَا لِيَنْتَفِعَ بِسُكْنَاهَا مُدَّةَ عُمْرِهِ صَحَّ ذَلِكَ وَ (رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ مِلْكًا

стр. 581

لِرَبِّهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَ عَقِبَهُ فَانْقَرَضُوا بِخِلَافِ الْحُبُسِ فَإِنْ مَاتَ الْمُعْمِرُ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ مِلْكًا. [أَحْكَام الْعُمْرَى] وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ فَنَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ. وَيُؤْثَرُ فِي الْحُبُسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ وَمَنْ سَكَنَ فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ إلَّا ــ [الفواكه الدواني] لِرَبِّهَا) إنْ كَانَ حَيًّا (وَكَذَلِكَ) تَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهَا إنْ كَانَ حَيًّا (إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِأَنْ قَالَ: أَعَمَرْت أَوْلَادَك فَقَطْ (فَانْقَرَضُوا) وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْمَرَهُ وَعَقِبَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعَمَرْتُك وَوَارِثَك فَإِنَّهَا تَكُونُ لِوَارِثِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَبَعْدَ انْقِرَاضِ وَارِثِهِ تَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهَا، وَالصُّوَرُ ثَلَاثَةٌ: إعْمَارُهَا فَقَطْ، عَقِبُهُ فَقَطْ، إعْمَارُهُ مَعَ عَقِبِهِ. (بِخِلَافِ الْحُبُسِ) فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبِسِ عَلَيْهِ مِلْكًا لِرَبِّهِ بَلْ يَسْتَمِرُّ حُبُسًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عُصْبَةِ الْمُحْبِسِ وَامْرَأَةٌ لَوْ رَحَلَتْ لَعَصَبَتْ (فَإِنْ مَاتَ الْمُعْمِرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوْ مَاتَ الْعَقِبُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُعْمَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ. (كَانَتْ) أَيْ الدَّارُ (لِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْمُعْمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمَ مَوْتِهِ) لَا يَوْمَ الْمَرْجِعِ إذَا مَاتَ عَنْ ابْنِ رَقِيقٍ أَوْ كَافِرٍ وَأَخٍ أَوْ عَمٍّ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَمُتْ الْمُعْمَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَخِ لَا لِلِابْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا حِينَ مَوْتِهِ، وَقَوْلُهُ (مِلْكًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ الْعَائِدِ عَلَى الدَّارِ لِتَأَوُّلِهِ بِمَمْلُوسَةٍ، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ رَجَعَتْ رُجُوعَ مِلْكٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَصَدَ بِبَيَانِ صِفَةِ رُجُوعِ الْعُمْرَى مِلْكًا الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: الْمُعَقَّبَةُ لَا تَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: تَرْجِعُ الْمُعْقِبَةُ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ» فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لَا تَرْجِعُ لِلَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا، لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمُوَارَثَةُ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ لِأَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْعُمْرَى لَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَقَارِ، كَمَا لَا تَتَقَيَّدُ بِعُمْرِ الْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَا بِلَفْظِ أَعَمَرْتُك، فَلَوْ قَالَ لَهُ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمْرِك كَانَتْ عُمْرَى. [بَيَان حُكْمِ الْحُبُسِ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْحُبُسِ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ مَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ) وَهُمْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ (فَنَصِيبُهُ) مُوَزَّعٌ (عَلَى مَنْ بَقِيَ) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنَيْنِ كَقَوْلِهِ: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ، فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ، وَلَا يُمْنَعُ وَلَدُ الْوَلَدِ لِوُجُودِ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ، وَلِذَا يَنْتَقِضُ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ أَوْ لِآبَائِهِمْ، كَمَا يَنْتَقِضُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ وَلَوْ صَغِيرًا فِي غَيْرِ دُورِ السُّكْنَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ بُيُوتَ سُكْنَى فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَدُ الذَّكَرُ مَعَ أَبِيهِ إلَّا إذَا تَزَوَّجَ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا تُعْطَى لِأَنَّهَا فِي كَفَالَةِ أَبِيهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا، فَإِنْ مَنْ مَاتَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ لِأَخِيهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدُ وَلَدٍ، وَلَوْ قَالَ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى لِأَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يَحْجُبُ فَرْعَ نَفْسِهِ لَا فَرَعَ غَيْرِهِ. (تَنْبِيهٌ) وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمُعَيَّنِينَ فَيُعْطَى لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَتُعْطَى الْأُنْثَى مِثْلُ الذَّكَرِ لِأَنَّ شَأْنَ الْعَطَايَا التَّسَاوِي إلَّا لِشَرْطٍ خِلَافِهِ، فَيُعْمَلُ بِالشَّرْطِ إلَّا فِي مَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا يُزَادُ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ، لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. (تَتِمَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ عَزِيزَةِ الْوُجُودِ) (مُلَخَّصَةٍ مِنْ كَلَامِ عَلَّامَةِ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ ﵀ وَغَيْرِهِ) مِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ غَلَّةَ ثَمَرَةٍ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْضُ أَهْلِ الْحُبُسِ قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَرَةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ مِنْهَا وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ الْمَوْتُ بَعْدَ طِيبِ الثَّمَرَةِ فَحَظُّ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ إبَارِهَا فَلَا شَيْءَ لِوَارِثِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ الطِّيبِ فَخَمْسَةُ أَقْوَالٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ وَهَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى مِثْلِ بَنِي زُهْرَةَ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْقِسْمَةِ، وَكُلُّ مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ قَبْلَهَا غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ لَا يُعْطَى وَارِثُهُ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ غَابَ لِيَرْجِعَ سَرِيعًا فَيُوقَفُ لَهُ نَصِيبُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَمِنْهَا الْحُبُسُ عَلَى قَوْمٍ لِلِاغْتِلَالِ كَالدُّورِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَيُرِيدُونَ قِسْمَتَهُ فَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ تَجُوزُ قِسْمَتُهُ بِتَرَاضِيهِمْ قِسْمَةَ انْتِفَاعٍ أَوْ اغْتِلَالٍ بِشَرْطِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي نَقْضَهَا مِنْ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوْ

стр. 582

أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحُبُسِ شَرْطٌ فَيُمْضَى. وَلَا يُبَاعُ الْحُبُسُ وَإِنْ خَرِبَ وَيُبَاعُ الْفَرَسُ الْحُبُسُ يُكْلَبُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي ــ [الفواكه الدواني] نَقْصِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ تَرَاضِيهِمْ عَلَى قَسْمِهِ ذَاتَه، وَمِنْهَا الْوَقْفُ عَلَى نَحْوِ إمَامٍ أَوْ مُؤَذِّنٍ أَوْ مُدَرِّسٍ إذَا أَخَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ شَرْعًا، كَالْإِمَامِ يَتْرُكُ الْإِمَامَةَ مُدَّةً وَلَمْ يُقِمْ نَائِبًا، أَوْ الْمُؤَذِّنِ أَوْ الْمُدَرِّسِ ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُعْزَلُ أَوْ يَسْتَمِرُّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا زَمَنَ إخْلَالِهِ وَيُعْطَى مَا يُقَابِلُ عَمَلَهُ أَوْ لَا يُعْطَى شَيْئًا؟ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، فَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْوَانْشَرِيسِيُّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ وَلَا فِي نَظِيرِ مَا عَمِلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَمِلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ كَالْأَجِيرِ يَتَبَعَّضُ لَهُ الْعِوَضُ بِتَبْعِيضِ الْمَنْفَعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَقْفُ خَرَاجِيًّا أَوْ هِلَالِيًّا، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَاهُ أَيْضًا فَتْوَى بَعْضِ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ تَقَرَّرَ فِي وَظِيفَةٍ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَإِنَّ لَهُ أَوْ لِمُوَرِّثِهِ بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ، وَلَا يُعْطَى الْمُقَرَّرُ بَعْدَهُ إلَّا مِنْ يَوْمِ مُبَاشَرَتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ تَقْدِيرِهِ السَّابِقِ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْقِرَاءَةِ فِي سَبْعٍ أَوْ أَجْزَاءٍ يُقَصِّرُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَحْيَانَا أَوْ يَمُوتُ، فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَهُمْ كَالْأَجْزَاءِ لِكُلٍّ وَاحِدٌ أَوْ وَارِثُهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَإِلَّا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [صِفَةِ قَسْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَقْفِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ قَسْمِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْوَقْفِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي أَمْرِ الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَنْ (يُؤْثِرَ فِي) قَسْمِ (الْحُبُسِ أَهْلَ الْحَاجَةِ) وَالْعِيَالَ عَلَى غَيْرِهِمْ (بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ أَوْ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَضَّلَ الْمَوْلَى أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالَ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى بِاجْتِهَادِهِ، لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الْإِرْفَاقُ وَالْإِحْسَانُ بِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَسَدُّ خَلَّتِهِمْ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَقْرِ أَوْ الْغِنَى فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ الْأَقْرَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَلَا يُفَضِّلُ فَقِيرًا عَلَى غَنِيٍّ، وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ، وَلَا صَغِيرًا عَلَى كَبِيرٍ، وَيُعْطَى مِنْهُ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، بِخِلَافِ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّمَا يُعْطَى مِنْهُ الْحَاضِرُ لَا الْغَائِبُ وَقْتَ الْقِسْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَعْنَى الْإِيثَارِ عَلَى مَعْنَاهُ التَّفْضِيلُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ عَلَى غَيْرِهِ، فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالثَّانِي. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَهُوَ الْأَحْسَنُ: بِخِلَافِ الْإِيثَارِ فِي الْوَصَايَا فَإِنَّهُ بِالزِّيَادَةِ لَا بِالتَّقْدِيمِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْوَصَايَا لَفَاتَ غَرَضُ الْمُوصِي بِسَبَبِ حِرْمَانِ الْبَاقِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: الْمُبَدَّأُ فِي الْحُبُسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ، فَلَا سُكْنَى لِلْأَغْنِيَاءِ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْإِيثَارِ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِيجَابِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ غَرَضِ الْوَاقِفِ عِنْدَ فَقْدِ شَرْطِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إيثَارَ الْمُحْتَاجِ مُوَافِقٌ لِغَرَضِهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِيثَارِ حَتَّى فِي السُّكْنَى خُرُوجُ مَنْ سَكَنَ فَقِيرًا ثُمَّ اسْتَغْنَى. (فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ) مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ ذَوِي الْعِيَالِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحُبُسِ شَرْطٌ) بِإِخْرَاجِ مَنْ اسْتَغْنَى (فَيُمْضَى) شَرْطُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يَخْرُجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ سَفَرِ انْقِطَاعٍ أَوْ بَعِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ عَدَمُ رُجُوعِ صَاحِبِهِ، بِخِلَافِ مَنْ سَافَرَ لِيَرْجِعَ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ مَحَلَّهُ إلَى أَنْ يَعُودَ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَوْدِ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَأْسُ مِنْ عَوْدِهِ، هَذَا حُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ كَالْمَغَارِبَةِ مَثَلًا، أَوْ عَلَى ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِوَصْفٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِقِرَاءَةِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَى الْمُلَازِمِ لِلْمُجَاوِرَةِ فِي الْأَزْهَرِ ثُمَّ سَكَنَ وَاحِدٌ بِوَصْفِهِ وَزَالَ وَصْفُهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ أَوْلَادِ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِمْ، وَالْحُكْمُ أَنَّ مَنْ سَكَنَ مِنْ أَهْلِ الْحُبُسِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَكَّنِ الِانْفِرَادِ عَنْ أَبِيهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ بَلَغَ وَقَوِيَ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَمْ يَسْكُنْ كَالْكَبِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَزَوَّجُ حَيْثُ ضَاقَ عَنْهُ مَسْكَنُ أَبِيهِ، وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا مَسْكَنَ لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ فِي كَفَالَةِ الْأَبِ. الثَّانِي: أَقَامَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَنْ مَاتَ وَغَابَ غَيْبَةَ انْتِقَالٍ اسْتَحَقَّ الْحَاضِرُ مَكَانَهُ، وَأَمَّا مَنْ سَافَرَ لِيَرْجِعَ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، أَنَّ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَقَامَ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا سِوَاهُ وَيَعُودُ إلَى مَحَلِّهِ بِالْقُرْبِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِيَامُ الطَّالِبِ مِنْ دَرْسِ الْعِلْمِ لِحَاجَةٍ وَيَعُودُ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ حَيْثُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَكَانٌ مَعْلُومٌ، وَيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَحَلٍّ مُبَاحٍ كَطَرِيقٍ أَوْ جُلُوسِ بَاعَةٍ فِي سُوقٍ وَأَخْذِ مَاءٍ مِنْ بِئْرٍ مُبَاحٍ. [مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَقْفِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَقْفِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُحَرَّمُ أَنْ (يُبَاعَ) الْعَقَارُ (الْحُبُسُ وَإِنْ خَرِبَ) بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَرْجُ عَوْدَهُ. قَالَ مَالِكٌ ﵁: لَا يُبَاعُ الْعَقَارُ الْحُبُسُ وَلَوْ خَرِبَ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةً دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُرْجَى عَوْدُهُ، وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ وَلَا شَكَّ فِي مُخَالَفَتِهِ

стр. 583

مِثْلِهِ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ. وَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ. وَلَا تَنْفَعُ ــ [الفواكه الدواني] لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَعَلَّ وَجْهُ كَلَامِهِ ﵁ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّطَرُّقِ إلَى بَيْعِ الْأَوْقَافِ بِدَعْوَى الْخَرَابِ، وَالْإِمَامُ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ الْحُبُسُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِهِ. (تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَيْعَهُ وَإِلَّا جَازَ، سَوَاءٌ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ قِيَاسًا عَلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ فِي صَدَقَتِهِ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِتَوَسُّعٍ كَمَسْجِدٍ وَيُؤَجَّرُ أَوْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يُجْعَلُ حُبُسًا كَالْأَوَّلِ، وَمِثْلُ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ، لِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِ الْوَقْفِ فَهُوَ قَرِيبٌ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَأَيْضًا يُسْتَبْدَلُ بِالثَّمَنِ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ الْبَائِعُونَ مِنْ جَعْلِ الثَّمَنِ فِي مِثْلِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاخْتِلَالُ أَمْرِ الْوَقْفِ يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُنَافٍ لِجَبْرِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵁ فِي الدُّورِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ مَسْجِدِهِ ﷺ وَهِيَ مُحْبَسَةٌ فَإِنَّهَا اُشْتُرِيَتْ وَزِيدَتْ فِيهِ، وَقَيَّدْنَا بِمَسْجِدِ الْجُمُعَةِ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ، فَلَا يُبَاعُ الْوَقْفُ لِتَوْسِعَتِهِ كَمَا لَا يُبَاعُ لِتَوْسِعَةِ نَحْوِ الْمِيضَأَةِ، وَأَشَارَ إلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُبَاعَ الْفَرَسُ الْحُبُسُ يَكْلَبُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ وَالْكَلْبُ فَقْدُ الْإِلْهَامِ، لِأَنَّهُ إذَا أَصَابَ الْفَرَسَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَيَعَضُّ كُلَّ مَنْ يَقْرَبُ إلَيْهِ، وَمِثْلُ الْكَلْبِ الْهَرَمُ وَالْمَرَضُ، وَمِثْلُ الْفَرَسِ الْكَلْبِ عَلَى مَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ كَالْكَبِيرَةِ مِنْ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ لِنَسْلِهَا أَوْ لِعَمَلِهَا، وَالزَّائِدُ الذُّكُورُ عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ. (وَ) إذَا بِيعَ الْفَرَسُ الْكَلْبُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ (يُجْعَلَ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَالنَّفْعِ الَّذِي كَانَ فِي الْمُبَاعِ إذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ ثَمَنَ شَيْءٍ مُمَاثِلٍ لِلْأَوَّلِ. (أَوْ يُعَانَ بِهِ فِيهِ) أَيْ فِي شِرَاءِ مِثْلِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَيْعُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ كَانَ أَتْلَفَ، وَفُضِّلَ الذُّكُورُ وَمَا كَبُرَ مِنْ الْإِنَاثِ فِي إنَاثٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ مَا بِيعَ ثَمَنَ شَيْءٍ كَامِلٍ وَإِلَّا أَمْكَنَ الْإِعَانَةُ بِهِ فِي شِقْصِهِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَثَمَنُ الْفَرَسِ يُفَرَّقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ، وَثَمَنُ الْحَيَوَانِ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ الثَّوْبِ الْخَلْقِ عَلَى الْعُرَاةِ. (تَنْبِيهٌ) تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ الْمَوْقُوفَةِ غَيْرِ الْعَقَارِ إذَا تَعَطَّلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَيَوَانُ يُعْلَفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَرْعَى فِي الْمَرْجِ حِرْصًا عَلَى الْوَفَاءِ بِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَبَقَاؤُهُ مُعَطَّلُ الِانْتِفَاعِ مُفَوِّتٌ لَهُ. (وَاخْتُلِفَ فِي) حُكْمِ (الْمُعَاوَضَةِ) أَيْ الْمُبَادَلَةِ (بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ) وَلَوْ كَانَ جَدِيدًا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْجَوَازِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: لَا عَقَارَ وَإِنْ خَرِبَ وَنُقِضَ وَلَوْ بِغَيْرِ خَرِبٍ، أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَلَا إبْدَالُ الرَّبْعِ الْخَرِبِ بِالرَّبْعِ غَيْرِ الْخَرِبِ وَالْجَوَازُ لِرَبِيعَةَ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ ﵁، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ ضَعِيفٌ. (خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ) مِنْهَا: أَنَّ الذَّاتَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَّا الْمَنْفَعَةُ الْمُعْطَاةُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ عَمَلٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ هُوَ إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ الْوَقْفُ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ وَظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ وَقِيلَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ أَنَّ لَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَكْرَى بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ زَمَنَ الْعَقْدِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ إجَارَةَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنْ وَقَعَتْ مِنْ نَاظِرِهِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَصَحِيحَةٌ لِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ، فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِ مَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ نَحْوَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ الْعُشْرُ سَوَاءٌ كَانَتْ تَرْجِعُ لَهُ بِمِلْكٍ أَوْ تَحْبِيسٍ هَذَا حُكْمُ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الدُّورُ الْمَوْقُوفَةُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا شَرْطَ مِنْ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِلَّا اتَّبَعَ شَرْطَهُ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى مُخَالَفَتِهِ وَإِلَّا جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ، فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ أَكَابِرِ أَهْلِ الْغَرْبِ بِجَوَازِ كِرَاءِ دَارٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَتَخَرَّبَتْ وَلَمْ يُوجَدْ مَا تُعَمَّرُ بِهِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ بِشَرْطِ إصْلَاحِهَا مِنْ كِرَائِهَا وَأَبَى أَنْ يَسْمَحَ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ. [بَاب الرَّهْن] وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الرَّهْنِ

стр. 584

الشَّهَادَةُ فِي حِيَازَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ. وَ ضَمَانُ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنْ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَثَمَرَةُ ــ [الفواكه الدواني] وَالْوَقْفِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ التَّمَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ فَقَالَ: (وَالرَّهْنُ) لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحُبُسُ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ، فَلَا يَصِحُّ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِقَوْلِهِ: الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ، وَمَعْنَى التَّوَثُّقِ بِالرَّهْنِ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ إذَا عَجَزَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ عَنْ وَفَائِهِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (جَائِزٌ) حَضَرًا وَسَفَرًا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا: «أَنَّهُ ﵊ تُوُفِّيَ وَلَهُ دِرْعٌ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» . وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالسَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ مُسْتَدِلًّا بِظَاهِرِ آيَةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ٢٨٣] لِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْكَاتِبِ الَّذِي هُوَ الْبَيِّنَةُ فِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلرَّهْنِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الرَّاهِنُ وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُ وَشَرْطُهُمَا التَّأَهُّلُ لِلْبَيْعِ صِحَّةً وَلُزُومًا، فَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا وَيَلْزَمُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ. وَالثَّالِثُ: الشَّيْءُ الْمَرْهُونُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ، فَيَدْخُلَ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمُعَارِ لِلرَّهْنِ وَالدَّيْنُ وَوَثِيقَتُهُ، لِجَوَازِ بَيْعِهَا وَبَيْعِ مَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، لَكِنَّ صِحَّةَ رَهْنِ الدَّيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ أَجَلِهِ مِثْلَ أَجَلِ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ، لَا إنْ كَانَ يَحِلُّ قَبْلَ الْمَرْهُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَدَائِهِ إلَى الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ وَهُوَ انْتِفَاعُهُ بِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَجَلِ، وَيَدْخُلُ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ، وَيَكْفِي فِي الصِّحَّةِ الْعَزْمُ عَلَى الرَّدِّ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الْعَزَاءِ إلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ، وَيَدْخُلُ رَهْنُ الشَّيْءِ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ لِخِفَّةِ غَرَرِهِمَا، بِخِلَافِ مَا اشْتَدَّ غَرَرُهُ أَوْ حُرِّمَ تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا. الرَّابِعُ: الْمَرْهُونُ فِيهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّافِعِ الْعَيِّنَةَ أَوْ مَنْفَعَتَهَا مِنْ ذَاتِ ثَمَرِ الرَّهْنِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ لَازِمًا أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ، كَالْجَعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا كَكِتَابَةٍ وَجَعْلٍ قَبْلَ الْعَمَلِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ صِيغَةَ الرَّهْنِ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الْخِلَافَ فِيهَا بِقَوْلِهِ: فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأْوِيلَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى تَأْوِيلَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: أَنْفِقْ عَلَيَّ الرَّهْنَ وَنَفَقَتَهُ فِي الرَّهْنِ هَلْ يَكُونُ رَهْنًا فِيهَا بِنَاءً عَلَى افْتِقَارِهِ لِلَفْظٍ مُصَرِّحٍ بِهِ أَوْ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِنَاءً عَلَى افْتِقَارِهِ لِلَفْظٍ مُصَرِّحٍ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ابْنُ يُونُسَ وَالثَّانِي ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَبْلُونٍ. (وَلَا يَتِمُّ) الرَّهْنُ بِحَيْثُ يَخْتَصُّ بِهِ مُرْتَهِنُهُ دُونَ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ بِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ وَلَوْ جَدَّ فِيهِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْجَدَّ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ حَوْزِهِمَا، لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ رَاهِنِهِ بِخِلَافِهِمَا. (تَنْبِيهٌ) لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَضْعِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَطَلَبَ وَضْعَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَمِينِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَكْفِي وَمَا لَا يَكْفِي مِنْ الْحِيَازَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّهَادَةُ فِي) أَيْ عَلَى مُجَرَّدِ (حِيَازَتِهِ) بَلْ لَا تُعْتَبَرُ الْحِيَازَةُ (إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ) لِحَوْزِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلرَّاهِنِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ وَهُوَ شَهَادَتُهَا عَلَى مُعَايَنَةِ تَسْلِيمِ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ لِلْقَوْلَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وَبِهِ عَمِلَ أَوْ التَّحْوِيزُ وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ قَبْلَ الْمَانِعِ أَوْ عَلَى التَّحْوِيزِ، أَنَّهُ لَوْ وُجِدَتْ سِلْعَةٌ لِلْمِدْيَانِ بِيَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمِدْيَانِ أَوْ فَلَسِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ عِنْدَهُ وَحَازَهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُصَدَّقْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا يُفِيدُ وَلَوْ شَهِدَ الْأَمِينُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ وَدَعْوَى الْحَوْزِ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا تُفِيدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ، أَوْ تَشْهَدُ عَلَى التَّحْوِيزِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْحَوْزِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَى الْحَوْزِ، وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا وَلَوْ الْوَاحِدُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَالٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَخَلِيلٍ حُكْمَ مَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ وَشَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى عَدَمِ الْحَوْزِ، وَنَصَّ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ، وَالْمُثْبِتَةُ تُقَدَّمُ عَلَى النَّافِيَةِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ قَبْضَ الرَّهْنِ وَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ دَفْعِهِ، وَذَكَرَ خَلِيلٌ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إنْ كَانَ مُعَيِّنًا وَمُشْتَرِطًا فِي صُلْبِ عَقْدِ الْمُعَامَلَةِ وَإِلَّا لَزِمَهُ رَهْنُ ثِقَةٍ، وَنَصُّهُ: وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ شَرَطَ بِبَيْعٍ وَعَيَّنَ وَإِلَّا فَرَهْنُ ثِقَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالرَّهْنِ الثِّقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِلدَّيْنِ. [ضَمَانُ الرَّهْنِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى

стр. 585

النَّخْلِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ. وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنُ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ. وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا إلَّا بِشَرْطٍ. وَمَا هَلَكَ بِيَدِ أَمِينٍ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ. وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ. يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ ــ [الفواكه الدواني] ضَمَانِ الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ: (وَضَمَانُ الرَّهْنِ) إذَا عَرَضَ لَهُ تَلَفٌ أَوْ ضَيَاعٌ (مِنْ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَيْ يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَحُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ وَسَفِينَةٍ فِي حَالِ جَرْيِهَا. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ لَا إنْ كَانَ بِيَدِ أَمِينٍ. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَغَيْرِ تَفْرِيطِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ إنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِكَحَرْقِهِ وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ أَوْ عَلِمَ احْتِرَاقَ مَحَلِّهِ إلَّا بِبَقَاءِ بَعْضِهِ مُحَرَّقًا، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ يُغَابُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُرْتَهِنُ (مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالْحَيَوَانِ وَلَوْ طَيْرًا وَكَالْعَقَارِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْقَطْعِ، وَكَسَفِينَةٍ فِي مِرْسَاةٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ وَغَيْرُهُ لَا يَضْمَنُهُ الْعَمَلُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُؤْخَذْ لِمَنْفَعَةِ رَبِّهِ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَا لِمَنْفَعَةِ الْآخِذِ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ كَالْعَرَضِ، بَلْ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَوَسَّطَ فِيهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ إنْ ضَمِنَهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا لَكِنْ بَعْدَ حَلِفِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ إنْ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ عِنْدَ دَعْوَى التَّلَفِ، أَوْ أَنَّهُ ضَاعَ عِنْدَ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا حَلَفَ مَعَ غُرْمِ قِيمَتِهِ مَخَافَةَ إخْفَائِهِ، وَإِذَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الضَّمَانِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ نُصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ غَايَةَ ضَمَانِ الرَّهْنِ، وَبَيَّنَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاسْتَمَرَّ ضَمَانُهُ إنْ قَبَضَ الدَّيْنَ أَوْ وَهَبَ إلَّا أَنْ يَحْضُرَهُ لِرَبِّهِ أَوْ يَدْعُوَهُ لِأَخْذِهِ فَيَقُولَ اُتْرُكْهُ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ بَعْدَ بَرَاءَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ضَاعَ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ رَبِّهِ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك أَمْ لَا، أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ فَقَالَ لَهُ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك فَضَاعَ فَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْحَالَتَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَةُ مُصِيبَتُهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا مِنْ رَبِّهَا. [مُسْتَحِقّ غَلَّةَ الرَّهْنِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُسْتَحِقِّ غَلَّةَ الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ: (وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الرَّهْنِ) بَاقِيَةٌ (لِلرَّاهِنِ) وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً يَوْمَ عَقْدِ الرَّهْنِيَّةِ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ ثَمَرَةِ الرَّهْنِ (غَلَّةُ الدُّورِ) لِلرَّاهِنِ وَكَذَا كِرَاءُ نَحْوِ الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ إدْخَالُ مَا ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ وَإِلَّا دَخَلَ. وَلَمَّا كَانَ وَلَدُ الرَّهْنِ مُخَالِفًا لِغَلَّتِهِ قَالَ: (وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ) وَمِثْلُ الْأَمَةِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ رَهَنَ أَمَةً حَامِلًا كَانَ مَا فِي بَطْنِهَا وَمَا تَلِدُ بَعْدَ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَهَا، وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ لَا يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ، وَكَذَلِكَ نِتَاجُ الْحَيَوَانِ، وَمِثْلُ الْوَلَدِ فِي الدُّخُولِ فِي الرَّهْنِيَّةِ الصُّوفُ التَّامُّ. قَالَ خَلِيلٌ: وَانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ وَجَنِينٌ وَفَرْخُ نَخْلٍ لَا غَلَّةٌ وَثَمَرَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ أَنَّ الصُّوفَ التَّامَّ سِلْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَقْتَ الرَّهْنِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى إدْخَالِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ. (تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: تَلِدُهُ تَحْمِلُ بِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ تَضَعُهُ لِدُخُولِ الْجَنِينِ يَوْمَ الرَّهْنِيَّةِ، وَإِنَّمَا احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِيَّةِ عَنْ الَّذِي انْفَصَلَ عَنْهَا قَبْلَ الرَّهْنِيَّةِ فَلَا يَدْخُلُ. وَمِثْلُ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ فِي عَدَمِ الدُّخُولِ مَالُ الْعَبْدِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (رَهْنًا) مَعَهُ (إلَّا بِشَرْطِ) دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِ فَيَدْخُلُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ، كَانَ مَالُهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَمِثْلُ مَالِ الْعَبْدِ بِيضُ الطَّيْرِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِالشَّرْطِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَيَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَتِهِ إنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ لَا قَرْضٍ، وَاشْتِرَاطُهَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، لِأَنَّهُ تَارَةً يَشْتَرِطُ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَهَا مَجَّانًا، وَتَارَةً يَشْتَرِطُ أَخْذَهَا لِتُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ اُشْتُرِطَتْ لِتُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ يَدْفَعُهُ أَوْ يَتْرُكُهُ لَهُ الرَّاهِنُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنْ يُوفِيَهُ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ شَيْئًا مُؤَجَّلًا فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ أَخْذَهَا مَجَّانًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ اشْتَرَطَ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَعُيِّنَتْ مُدَّتُهَا، فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ امْتَنَعَ لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَخْذُهَا مَجَّانًا فِي دَيْنِ الْقَرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ فِي عَقْدِهِ أَوْ تَطَوَّعَ بِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَلَّةٍ غَيْرِ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا إلَّا مَجَّانًا وَلَا فِي الدَّيْنِ، لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَأَمَّا لَوْ بَدَا صَلَاحُهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ طَعَامًا وَالْمُؤَجَّرُ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا لَا مَجَّانًا لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ؛ وَلَا مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ اقْتِضَاءِ طَعَامٍ عَنْ ثَمَنِ الطَّعَامِ، وَاقْتِضَاءِ طَعَامٍ عَنْ أُجْرَةِ الزِّرَاعَةِ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ. وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ ضَمَانِ الرَّهْنِ كَوْنُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ ذَكَرَ مُحْتَرَزَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا هَلَكَ) مِنْ الرَّهْنِ الَّذِي يُغَابُ عَلَيْهِ

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] (بِيَدِ أَمِينٍ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ) كَضَمَانِهِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ. (خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَابِ) مِنْهَا: إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ رَدَّ الرَّاهِنِ إلَى الرَّهْنِ وَقَبَضَ دِيَتَهُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ الرَّدَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْضُهُ بِبَيِّنَةٍ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَظَاهِرُهُ قَبَضَ الدَّيْنَ أَمْ لَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ رَدَّ الرَّهْنِ كَدَعْوَى الْمُسْتَعِيرِ رَدَّ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا يَضْمَنُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى حَائِزٌ عَبْدَيْنِ مَمْلُوكَيْنِ لِغَيْرِهِ أَنَّهُمَا رَهْنٌ وَقَالَ رَبُّهُمَا بَلْ أَحَدُهُمَا صَدَقَ، بِخِلَافِ لَوْ ادَّعَى حَائِزٌ عَبْدًا رُهِنَ جَمِيعُهُ وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ نِصْفُهُ صَدَقَ حَائِزُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَمِنْهَا: لَوْ أَتَى الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءٍ وَادَّعَى أَنَّهُ لِلرَّاهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ هُوَ غَيْرُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ. [بَاب الْعَارِيَّةِ] وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَحْكَامِ الرَّهْنِ، شَرَعَ فِي تَالِيهِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ سَادِسُ الْأَبْوَابِ وَهُوَ بَابُ الْعَارِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَارِيَّةُ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا اسْمُ مَصْدَرٍ وَالْمَصْدَرُ إعَارَةٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ أَعَارَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الشَّيْءُ الْمُعَارُ، وَحَقِيقَةُ الْعَارِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ، فَيَخْرُجُ تَمْلِيكُ الذَّاتِ وَتَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ، لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتَةٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِتَدَخُّلِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِإِخْرَاجِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ مَنْفَعَةَ سَيِّدِهِ فَلَيْسَتْ بِعَارِيَّةٍ وَلِإِخْرَاجِ الْحُبُسِ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ التَّأْبِيدُ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ إلَخْ فَهِيَ مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مُؤَدَّاةٌ) أَيْ مَضْمُونَةٌ، وَقِيلَ مَرْدُودَةٌ لِخَبَرِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» . وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْعَارِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ فِي حُكْمِهَا وَهُوَ النَّدْبُ هَذَا حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ، وَتَتَأَكَّدُ فِي الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ لِمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَطَلَبَهُ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْهِلَالَ بِتَرْكِهِ، كَكِسَاءٍ فِي زَمَنِ شِدَّةِ بَرْدٍ، وَالْحُرْمَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالْكَرَاهَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَالْإِبَاحَةُ إذَا أَعَانَ بِهَا غَنِيًّا، دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعَارَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دِرْعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ لَهُ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» . وَفِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْمِنْحَةُ الشَّاةُ أَوْ نَحْوُهَا تُعَارُ لِأَخْذِ لَبَنِهَا. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ. الثَّانِي: مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ أَرْكَانِهَا الْأَرْبَعَةِ الْمُعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَمَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي يُرِيدُ الْإِعَانَةَ بِهَا وَلَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ اسْتِعَارَةٍ، لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يُعِيرَ إنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ، كَأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَسْمَحَ بِإِعَارَتِهَا لِغَيْرِ هَذَا الْمُسْتَعِيرِ، وَالْمُسْتَعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ شَرْعًا انْتِفَاعُهُ بِالْعَارِيَّةِ، فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُصْحَفِ لِلْكَافِرِ، أَوْ الْغُلَامِ الْمُسْلِمِ لِخِدْمَةِ الْكَافِرِ، وَالشَّيْءُ الْمُعَارُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ ذَاتِهِ كَالْكِتَابِ وَالثَّوْبِ وَالْبَيْتِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ وَالنَّقْدِ فَلَا يُعَارَانِ لِأَنَّهُمَا يُسْتَهْلَكَانِ عِنْدَ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَإِنَّمَا يُقْرَضَانِ، وَأَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهُ مُبَاحَةً لِلْمُسْتَعِيرِ، فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ أَوْ الزَّوْجَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهِمَا، وَلَا الْأَمَةُ لِخِدْمَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، أَوْ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ فَرْعُ الْمِلْكِ، وَمِلْكُهَا لَا يَسْتَقِرُّ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُعِيرَتْ الْأَمَةُ أَوْ الْعَبْدُ لِمَنْ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ وَيَمْلِكَانِ خِدْمَتَهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ وَلَا الْمُسْتَعِيرُ، وَمَا بِهِ الْعَارِيَّةُ وَهِيَ الصِّيغَةُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تُفْهَمُ مِنْهُ الْعَارِيَّةُ، ثُمَّ إنْ قُيِّدَتْ بِزَمَنٍ فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهَا لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ وَهُوَ يَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ، فَاللَّازِمُ مَا تُعَارُ لِمِثْلِهِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُقَيَّدَةُ بِعَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ لِانْقِضَائِهِ وَإِلَّا فَالْمُعْتَادَةُ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: مُؤَدَّاةٌ بِمَعْنَى مَضْمُونَةٍ ضَمَانُهَا مُطْلَقًا وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (يَضْمَنُ) الْمُسْتَعِيرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَارِيَّةِ (مَا يُغَابُ عَلَيْهِ) أَيْ يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَالْحُلِيِّ وَالْكِتَابِ وَالثِّيَابِ وَالسَّفِينَةِ السَّائِرَةِ إذَا ادَّعَى تَلَفَ أَوْ ضَيَاعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، إلَّا أَنْ تَشْهَدَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ فَلَا ضَمَانَ

стр. 587

دَابَّةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى. وَالْمُودَعُ إنْ قَالَ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَيْك صَدَقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ. وَإِنْ قَالَ ذَهَبْت فَهُوَ مُصَدَّقٌ ــ [الفواكه الدواني] عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا لِبَيِّنَةٍ، وَهَلْ وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ تَرَدَّدَ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ نَفْيَ الضَّمَانِ، لِأَنَّ الْإِعَارَةَ مَعْرُوفٌ وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ، وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّلَفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَسُوسٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ قَرْضِ فَأْرٍ لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يَنْقُصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ بَعْدَ الْحَلِفِ، لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إخْفَائِهَا رَغْبَةً فِي أَخْذِهَا بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَنَقَصَتْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا مَعَ مُرَاعَاةِ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ. الثَّانِي: إذَا غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ الْقِيمَةَ ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ اللِّصِّ فَإِنَّهَا تَكُونُ حَقًّا لِلْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لِغُرْمِ قِيمَتِهَا، وَمِثْلُ الْمُسْتَعِيرِ الْحَيَّاكُ وَالْخَيَّاطُ وَالصَّبَّاغُ يَدَّعُونَ الضَّيَاعَ وَيَغْرَمُونَ قِيمَةَ مَا ضَاعَ ثُمَّ يُوجَدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ حَقًّا لَهُمْ، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ كَالْغَاصِبِ يَدَّعِي ضَيَاعَ أَوْ تَلَفَ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُسْتَعِيرُ (مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ (مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) كَبَقَرَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ بِمِرْسَاةٍ وَلَوْ شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ قَالَ خَلِيلٌ: لَا غَيْرُهُ وَلَوْ بِشَرْطٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ تَشْهَدُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) عَلَيْهَا بِأَنَّ حَمْلَهَا أَضَرَّ مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَلَوْ أَقَلُّ قَدْرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ وَمِثْلُهُ وَدُونِهِ لَا أَضَرَّ، وَجَوَازُ فِعْلِ الْمِثْلِ جَائِزٌ وَلَوْ فِي الْمَسَافَةِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْعُدُولُ عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي لِمَا فِي الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَهُوَ يَجُوزُ، وَإِذَا ثَبَتَ تَعَدِّيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، وَنَظِيرُهُ وَلَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا جَدِيدًا لِلُبْسِهِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَهُ سَرِيعًا دُونَ ثُبُوتٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ بَعْدَ لُبْسِهِ شَهْرًا كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ قَبْلُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ شَيْءٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ: وَحُكْمُهُ إذَا زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارَيْنِ أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كِرَاءَ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ، قِيلَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِي جَمِيعِ مَا حُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الزَّائِدِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَفَعَ لِلْمُعِيرِ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ هَكَذَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا لَوْ سَلِمَتْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ أَوْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ وَسَلِمَتْ أَوْ عَطِبَتْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعِيرِ إلَّا كِرَاءَ الزَّائِدِ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ. الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ مَعَ قِيَامِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَإِنَّ الْخِيَارَ فِيهِ لِلْمُعِيرِ، إنْ شَاءَ يَأْمُرُ الْمُسْتَعِيرَ بِقَلْعِهِمَا وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، أَوْ يَدْفَعُ لَهُ قِيمَتَهُمَا مَقْلُوعَيْنِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغَرَسَهَا أَوْ بَنَاهَا. [بَاب الْوَدِيعَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْعَارِيَّةِ شَرَعَ فِي سَابِعِ الْأَبْوَابِ وَهُوَ بَابُ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أَيْ مَا تَرَكَ عَادَةَ إحْسَانِهِ فِي الْوَحْيِ إلَيْك وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَسْمَى لُغَةً الْأَمَانَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَالٌ وَكُلٌّ عَلَى حِفْظِهِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَقَالَ خَلِيلٌ: الْإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ فَيَدْخُلُ إيدَاعُ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَبِ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ لِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الضَّمَانِ، وَأَيْضًا الْحُرُّ لَا يُقَالُ لَهُ مَالٌ، وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَمَةِ مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ عِنْدَ أَمِينَةٍ، لِأَنَّ وَضْعَهَا لَمْ يَكُنْ لِحِفْظِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِخْبَارِ بِحَيْضِهَا، وَقَوْلُهُ يُنْقَلُ تَقْتَضِي إخْرَاجَ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ الَّتِي لَمْ تَقْبَلْ النَّقْلَ حِسًّا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِيدَاعَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا يُنْقَلُ حِسًّا، فَيَكُونُ الْإِيدَاعُ فِيهِ لِيَحْفَظَهُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ مِمَّنْ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْإِيدَاعِ فِي الْأَصْلِ الْجَوَازُ لِلْفَاعِلِ وَالْقَابِلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ كَخَائِفٍ فَقْدَهَا الْمُوجِبِ لِهَلَاكِهِ أَوْ فَقْرِهِ إنْ لَمْ يُودِعْهَا مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا، وَالْحُرْمَةُ كَإِيدَاعِ الْغَاصِبِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَحْدِهَا لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ مُسْتَغْرِقَ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ بِضَمِّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَدْبِهَا حَيْثُ يَخْشَى

стр. 588

بِكُلِّ حَالٍ. وَالْعَارِيَّةُ لَا يُصَدَّقُ فِي هَلَاكِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ. وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ ضَمِنَهَا. وَإِنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ فَرَدَّهَا فِي ــ [الفواكه الدواني] مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يَخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَخَبَرُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَمِنْ عَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ فَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَعَمَلِ الْفُسَّاقِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُسْنِ الْإِيدَاعِ وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ، وَالْمُودَعُ بِالْفَتْحِ، وَشَرْطُهُمَا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ لِيَشْمَلَ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَوَكَّلُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُودَعَانِ وَلَا يَسْتَوْدِعَانِ، لَكِنْ إنْ أَوْدَعَاك شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْك يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ، وَإِنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُمَا فَأَتْلَفَا أَوْ فَرَّطَا لَمْ يَضْمَنَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا أَوْ فَرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَالثَّالِثُ الشَّيْءُ الْمُودَعُ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ وَلَوْ عَقَارًا، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ شَرْطٌ وَقِيلَ رُكْنٌ رَابِعٌ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، حَتَّى لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعَهُ عِنْدَ جَالِسٍ رَشِيدٍ بَصِيرٍ سَاكِتٍ وَذَهَبَ الْوَاضِعُ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ حِفْظُهُ بِحَيْثُ يَضْمَنُهُ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى ضَاعَ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْمَنَ إنْ فَرَّطَ فَقَالَ: (وَالْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (إنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْك) يَا مُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ (صَدَقَ) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمَانَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ أَيْ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ التَّسَاهُلُ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنْ وَكَّلَ حَلَفْت يَا مُودِعُ إنْ حَقَّقْت عَلَيْهِ الدَّعْوَى كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا وَتُضَمِّنُهُ الْوَدِيعَةَ، وَهَذَا عَامٌّ فِي دَعْوَى الرَّدِّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَلَا يَغْرَمُ إذَا نَكَلَ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى مُودِعٍ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَلَا تُتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ اتَّهَمَ وَإِذَا نَكَلَ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ) بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الرَّدِّ لِلْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عَلَى يَدِ بَيِّنَةٍ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلتَّوَثُّقِ هِيَ الَّتِي يَقُولُ مُشْهِدُهَا: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَشْهَدْت خَوْفَ دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الْجَحْدِ، وَأَمَّا إشْهَادُهَا خَوْفَ الْمَوْتِ أَوْ خَوْفَ دَعْوَى التَّلَفِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّوَثُّقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَصْدُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ أَشْهَدَ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مِنْ قَصْدِهِ وَفِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا لِلتَّوَثُّقِ عِلْمُ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودَعَ بِالْكَسْرِ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِزَيْدٍ مَثَلًا قَاصِدًا إشْهَادَهَا عَلَى قَبْضِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَإِشْهَادِهَا الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ كَإِشْهَادِهَا فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ. (تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: رَدَدْتهَا عَلَيْك أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتهَا لِوَالِدِك مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّ دَعْوَى الرَّدِّ لِلْيَدِ الَّتِي لَمْ تَدْفَعْ لَا تَنْفَعُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِلْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَتْهُ أَوْ عَلَى وَارِثِهَا وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الضَّمَانُ، وَلَمَّا كَانَتْ دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ مُخَالِفَةٌ لِدَعْوَى الرَّدِّ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ) مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (ذَهَبَتْ) أَوْ ضَاعَتْ أَوْ هَلَكَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنِّي فِي حِفْظِهَا (فَهُوَ مُصَدَّقٌ) فِيمَا ادَّعَاهُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا أَوْ حَقَّقَ عَلَيْهِ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ الدَّعْوَى وَالْمُتَّهَمُ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَفِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ لَا يَغْرَمُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (بِكُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ أَمْ لَا، كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَمْ لَا. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ، أَوْ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بِتَقْصِيرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي إتْلَافِهَا أَوْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا، وَنَظِيرُهَا فِي الضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي أَوْ اُقْتُلْ وَلَدِي، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: احْرِقْ ثَوْبِي وَاقْطَعْ يَدِي فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِذْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الْتِزَامُ حِفْظِهَا بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِذْنُ. وَلَمَّا كَانَتْ الْعَارِيَّةُ

стр. 589

صُرَّتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ. وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالرِّبْحُ لَهُ إنْ كَانَتْ عَيْنًا. وَإِنْ بَاعَ الْوَدِيعَةَ ــ [الفواكه الدواني] تُخَالِفُ الْوَدِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَ قَالَ: (وَالْعَارِيَّةُ) مُخَالِفَةٌ لِلْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ (لَا يُصَدَّقُ فِي) دَعْوَى (هَلَاكِهَا) أَوْ ضَيَاعِهَا (فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَارِيَّةَ مُؤَدَّاةٌ أَيْ مَضْمُونَةٌ، وَإِنَّمَا أَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ وَإِنْ قَدَّمَهَا فِي الْعَارِيَّةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ) بِأَنْ حَرَقَهَا أَوْ دَلَّ لِصًّا عَلَيْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (ضَمِنَهَا) لِصَاحِبِهَا وَمِنْ التَّعَدِّي عَلَيْهَا إطْلَاقُ الْفَحْلِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَمِنْهُ نَقْلُهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَوْ لَهَا وَلَكِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا نَقْلَ أَمْثَالِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا وَيَخْلِطُهَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ حَيْثُ وَقَعَ الْخَلْطُ بِالْمِثْلِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْإِحْرَازِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ وَدِيعَةً إذْ غَيْرُهَا أَحْرَى فِي الضَّمَانِ بِالتَّعَدِّي مِنْ عَارِيَّةٍ وَرَهْنٍ وَغَيْرِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ التَّعَدِّي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِتْلَافِ خِلَافًا لِظَاهِرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ مَتَى حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ ضَمِنَهَا وَلَوْ خَطَأً. قَالَ خَلِيلٌ: تُضَمْنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا مِنْ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ كَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَأْتِي لِبَائِعِ الْفَخَّارِ وَيَقُولُ لَهُ: قَلِّبْ مَا يُعْجِبُك فَيَأْخُذُ شَيْئًا يُقَلِّبُهُ فَيَسْقُطُ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا عَلَى شَيْءٍ فَيُتْلِفُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَسْقُوطِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ السُّقُوطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ يَضْمَنُ بِبَعْثِهَا لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَضْيِيعٍ مِنْ الرَّسُولِ وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ، أَوْ سَافَرَ بِهَا أَوْ يَسْتَعْمِلُهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَتَتْلَفُ، أَوْ أَمَرَهُ بِوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ فَخَالَفَ وَوَضَعَهَا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ حِرْزٍ لَهَا، أَوْ تَكُونُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ إغْرَاءٌ لِلسَّارِقِ كَوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ عَلَيْهِ قُفْلَانِ. الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِمَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ إيدَاعُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَمَانَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ اعْتَادَ الْإِيدَاعَ عِنْدَهُ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ عُذْرٌ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ عِنْدَ الْغَيْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْعُذْرِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ، كَمَا لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا مِثْلِيًّا (دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ) وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا. (فَرَدَّهَا فِي صُرَّتِهَا) الْمُرَادُ مِثْلُهَا (ثُمَّ هَلَكَتْ) بَعْدَ دَعْوَاهُ رَدَّهَا (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ) وَعَدَمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَجَمَاعَةٍ حَيْثُ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهًا بِأَنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُعْدَمًا لَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا، كَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ الْمُقَوَّمَةِ كَعَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ وَحَرَامٌ، فَالْجَائِزُ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ مُطْلَقًا، وَالْحَرَامُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ حَيْثُ كَانَتْ مُقَوَّمَةً مُطْلَقًا أَوْ مِثْلِيَّةً وَهُوَ مُعْدَمٌ، وَإِذَا ادَّعَى رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهَا لِيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهَا عَلَى رَدِّهَا إلَى مَوْضِعِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَرِئَ إنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْجَائِزُ وَالْمُحَرَّمُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالسَّلَفِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِمَا لِيَدِ صَاحِبِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالًا لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرَّدِّ إلَى مَحَلِّ الْوَدِيعَةِ إلَّا فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ بِخِلَافِ قِسْمَيْ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بِأَنَّ الْجَائِزَ وَالْمُحَرَّمَ صَارَا بِمَنْزِلَةِ الْقَرْضِ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمَضْمُونَ وَهُوَ الْمِثْلُ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَالْقِيمَةُ إنْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً، وَالضَّمَانُ لَهَا فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُودَعُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَضْمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ أَيْضًا، لَكِنْ يَدْفَعُهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَقَبِلَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ لَا فِي رَقَبَتِهِ، إلَّا أَنْ يُسْقِطَ سَيِّدُهُ عَنْهُ ضَمَانَهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَسْقَطْتهَا عَنْ عَبْدِي فَلَا يُتْبَعُ بِهَا وَلَوْ عَتَقَ لِأَنَّهُ عَيْبٌ أَسْقَطَهُ عَنْ عَبْدِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا هُوَ الْمُسَلِّطُ لَهُمَا عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَبُولُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، اللَّهُمَّ أَنْ يَصُونَا بِهَا مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِمَّا صَوَّنَّاهُ لَا إنْ تَلِفَ مَا صَوَّنَّاهُ وَاسْتَفَادَا غَيْرَهُ. [حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ) عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا (فَذَلِكَ) الِاتِّجَارُ (مَكْرُوهٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُحَرَّمُ تَسَلُّفُهُمَا كَالْمُقَوَّمِ مُطْلَقًا وَالْمِثْلِيِّ لِلْمُعْدَمِ، أَوْ يُكْرَهُ كَالْمِثْلِيِّ لِلْمَلِيءِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالتِّجَارَةِ، بِأَنَّ الْمُتَسَلِّفَ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا بِصَرْفِهَا فِي مَصَالِحِهِ، وَالْمُتَّجِرَ قَصَدَ تَحْرِيكَهَا لِيَأْخُذَ رِبْحَهَا وَيَحْبِسَ رَأْسَ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ. (وَ) إذَا اتَّجَرَ الْوَدِيعَةِ فَ (الرِّبْحُ لَهُ)

стр. 590

وَهِيَ عَرْضٌ فَرُبَّهَا مُخَيَّرٌ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي. وَمَنْ وَجَدَ لُقْطَةَ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا. ــ [الفواكه الدواني] وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ (إنْ كَانَتْ عَيْنًا) دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لِأَنَّ ضَمَانَهَا زَمَنَ الِاتِّجَارِ مِنْهُ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مِنْ تَنَاوُلِ الْكَرَاهَةِ لِمَا يُحَرَّمُ تَسَلُّفُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ كَانَتْ عَيْنًا لَيْسَ شَرْطًا فِي الْكَرَاهَةِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ: وَالرِّبْحُ لَهُ. وَأَشَارَ إلَى حُكْمُ غَيْرِ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ بَاعَ) الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ (الْوَدِيعَةَ) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا (وَهِيَ عَرْضٌ) أَيْ غَيْرُ عَيْنٍ (فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ) عِنْدَ عَدَمِ فَوَاتِهَا (فِي) إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ (الثَّمَنِ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ وَعِنْدَ فَوَاتِهَا يَجِبُ لَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ. (أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي) لِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عِنْدَ قِيَامِهَا لَهُ الْإِجَازَةُ وَأَخْذُ الثَّمَنِ وَلَهُ رَدُّ الْبَيْعِ وَأَخْذُ سِلْعَتِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ فَوَاتِهَا فَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْأَكْثَرِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، وَمِثْلُهُ كُلُّ مُتَعَدٍّ بِالْبَيْعِ عَلَى سِلْعَةِ غَيْرِهِ وَلَوْ غَاصِبًا، وَهَكَذَا حُكْمُ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّجَارٍ فِي ثَمَنِهَا، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهَا عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ فَفِي بَيْعِهَا تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ بَاعَهَا بِعَرْضٍ وَالْعَرْضُ بِعَرْضٍ وَهَلُمَّ جَرًّا فَلَا رِبْحَ لَهُ وَلَهُ الْأَجْرُ، وَإِنْ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ فَالرِّبْحُ الْكَائِنُ فِي ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُودِعَهُ سِلْعَةً اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ فَرَبُّهَا لَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ وَأَخْذُ الْعِشْرِينَ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ وَأَخْذُ سِلْعَتِهِ، وَبَعْدَ الْفَوَاتِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ يَوْمَ بَيْعِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الْأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِهِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُتَّجِرِ فِي الْعَرْضِ بِعَرْضٍ لَهُ الْأَجْرُ أَنَّ الْمُتَّجِرَ إنَّمَا فَعَلَ مَكْرُوهًا بِخِلَافِ هَذَا. (تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْمُودَعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ عِنْدَ الِاتِّجَارِ بِالْعَيْنِ الْوَصِيُّ يَتَّجِرُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَهُ الرِّبْحُ وَعَلَيْهِ الْخُسْرُ، وَمِثْلُهُمَا أَيْضًا نَاظِرُ الْوَقْفِ يَتَّجِرُ فِي مَالِ الْوَقْفِ، إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ وَالنَّاظِرَ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمَا، وَمِثْلُ مَنْ ذَكَرَ الْغَاصِبَ لِدَرَاهِمَ وَاتَّجَرَ فِيهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ رَأْسُ الْمَالِ وَالرِّبْحُ لَهُ، لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ تَاجِرًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرَ لَمْ يَقْبِضْ الْمَالَ تَنْمِيَةً لِرَبِّهِ، بِخِلَافِ الْمُبَعِّضِ مَعَهُ وَالْمُقَارِضِ إذَا اتَّجَرَا بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا فَلَا رِبْحَ لَهُمَا بَلْ لِرَبِّ الْمَالِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ خُسْرٌ فَهُوَ عَلَيْهِمَا بِتَعَدِّيهِمَا. (تَنْبِيهٌ آخَرُ) مَحَلُّ تَخَيُّرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ إلَخْ مَا لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ يَبْلُغْهُ الْبَيْعُ وَيَسْكُتُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا وَإِلْزَامُهُ لِلْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ كَمَا قَالُوهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ. [بَاب اللُّقَطَة] ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّالِي لِلْوَدِيعَةِ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ بَابُ اللُّقَطَةِ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ، وَالِالْتِقَاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا بَلْ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ رَقِيقًا صَغِيرًا، وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الْعَمَارِ أَوْ الْخَرَابِ أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ، لَا نَحْوُ عَنْبَرٍ وَعَقِيقٍ فَلِوَاجِدِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَالُ اللَّقِيطِ وَخَرَجَ بِمُحْتَرَمًا مَالُ الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ يَلْقُطُهُ بَلْ إمَّا فَيْءٌ أَوْ غَنِيمَةٌ، وَخَرَجَ الْآبِقُ الْكَبِيرُ فَلَا يُسَمَّى لُقَطَةً، كَمَا خَرَجَ آخِذُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى ضَالَّةَ الشَّيْءِ، فَالشَّيْءُ الْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: لُقَطَةٌ أَوْ لَقِيطٌ أَوْ آبِقٌ أَوْ ضَالَّةٌ، فَاللُّقَطَةُ تَقَدَّمَ حَدُّهَا، وَأَمَّا اللَّقِيطُ فَهُوَ صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا رِقُّهُ، أَمَّا لَوْ عُلِمَ رِقُّهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ اللُّقَطَةُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ الْآبِقُ وَجَدُّهُ رَقِيقٌ كَبِيرٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ، وَأَمَّا الضَّالَّةُ فَحَدُّهَا نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ فَيَخْرُجُ مَا كَانَ يُحَرِّزُهُ أَوْ مَعَ مَنْ يَحْفَظُهُ فَلَيْسَ بِضَالَّةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ) مِنْ الْمُكَلَّفِينَ (لُقَطَةً) وَقَدْ مَرَّ تَعْرِيفُهَا لِابْنِ عَرَفَةَ، وَعَرَّفَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا الْتَقَطَهَا. (فَلْيُعَرِّفْهَا) وُجُوبًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ. (سَنَةً) حَيْثُ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ كَدَلْوٍ وَمِخْلَاةٍ وَدُرَيْهِمَاتٍ فَإِنَّهَا تُعَرَّفُ أَيَّامًا لَا سَنَةً عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ الْحَقِيرُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النُّفُوسُ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ أَصْلًا وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ أَكْلُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ رَبُّهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لِرَبِّهِ فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَهُ، وَمِثْلُهُ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَلَحْمٍ وَرُطَبٍ، وَبَيَّنَ مَحَلَّ التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ: (بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا) أَيْ بِمَوْضِعٍ يَرْجُو وُجُودَ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا فِيهِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعْرِيفُهَا سَنَةً بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ، وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ إثْرَ الِالْتِقَاطِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ فَفِي كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً، وَتَعْرِيفُهَا فِي الْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا، وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْإِبْهَامُ عِنْدَ التَّعْرِيفِ، فَلَا يَكُونُ نَوْعُهَا وَيُظَنُّ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَتِهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ دَفْعُهَا الْعَالِمَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ عَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَأْثَمْ، فَإِنْ أَخَّرَ تَعْرِيفَهَا حَتَّى تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِدَفْعِهَا لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَمْ يَأْتَمِنْهُ رَبُّهَا عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَتَرَكَ الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ الِالْتِقَاطِ لَعَلَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُنَافِي لِغَرَضِهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ بِشَرْطَيْنِ: عِلْمُ أَمَانَةِ نَفْسِهِ وَخَوْفُ الْخَائِنِ، فَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ، وَأَمَّا إنْ

стр. 591

فَإِنْ تَمَّتْ سَنَةً وَلَمْ يَأْتِ لَهَا أَحَدٌ فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ. وَإِنْ انْتَفَعَ بِهَا ضَمِنَهَا وَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ لَمْ يَضْمَنْهَا. وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَخَذَهَا. وَلَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ ضَالَّةَ ــ [الفواكه الدواني] لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَيُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ مَعَ عِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا وَلَوْ خَافَ الْخَائِنُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ أَخْذُهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ هُوَ فَيُحَرَّمُ وَإِلَّا كُرِهَ، وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَفَائِدَةُ الْحُرْمَةِ أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ رَدِّهَا لِمَحَلِّهَا بِحَالِهَا، وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَرْكِهَا، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا إذَا أَخَذَهَا وَرَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَضَاعَتْ. الثَّانِي: لَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ زَمَنَ تَعْرِيفِهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا كَمَا إذَا أَخَذَهَا لِيَتَمَلَّكَهَا فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ، فَلَوْ تَنَازَعَ مَعَ رَبِّهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا أَوْ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَهَا وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُلْتَقِطِ بِلَا يَمِينٍ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَخْذَهَا وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (فَإِنْ تَمَّتْ) أَيْ انْقَضَتْ (سَنَةٌ) أَوْ أَيَّامٌ فِيمَا يُعْرَفُ أَيَّامًا (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَأْتِ) أَيْ لَمْ يَظْهَرْ (لَهَا أَحَدٌ) يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا بِوَصْفِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ شَاءَ) الْمُتَلَقِّطُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ (حَبَسَهَا) لِرَبِّهَا (وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا) عَنْ رَبِّهَا (وَضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ) فَوَجَدَهُ تَصَدَّقَ بِهَا وَقَدْ فَاتَتْ عِنْدَ الْفَقِيرِ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا، وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُهَا قِيمَتَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ فَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْفَقِيرِ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَقِّطُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ضَامِنًا لَهَا فِي الصُّورَتَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ وَلَوْ بِمَكَّةَ ضَامِنًا فِيهِمَا، وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكَّةَ إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَقَوْلُهُ ﵊: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَاجِّ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَنْ يُرِيدُ تَمَلُّكَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ بَلْ لَا تُؤْخَذُ إلَّا لِتُعْرَفَ، وَسَبَبُ تَنْبِيهِ الشَّارِعِ عَلَى خُصُوصِ لُقَطَةِ مَكَّةَ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَادَ حَتَّى فِي غَيْرِهَا أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْحَرَمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الَّذِي قُطْرُهُ بَعِيدٌ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أَخْذُهَا بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ، فَنَبَّهَ ﵊ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا بِهَذَا الْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا كَذَلِكَ، وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا لِرَبِّهَا أَوْ بَيْعُهَا وَحَبْسُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِرَبِّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَا تَمَلُّكُهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَشَقَّةُ تَخْلِيصِ مَا فِي ذِمَّةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَبَقَ مِنْهُ عَبْدٌ وَبَلَغَهُ أَنَّهُ بِيَدِ الْإِمَامِ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَهُ أَنَّهُ بِيَدِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَوْ كَانَ مَنْ بِيَدِهِ غَاصِبًا وَلَكِنْ أَقَرَّ بِهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَهَرَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَضْمَنُ اللُّقَطَةَ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا وَلَوْ عَنْ رَبِّهَا وَفِي حَالَةِ تَمَلُّكِهَا لَا فِي حَالَةِ حَبْسِهَا لِرَبِّهَا فَإِنَّ ضَمَانَهَا فِيهَا مِنْ رَبِّهَا لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ مُسْتَحِقُّ غَلَّةِ اللُّقَطَةِ، وَفِي خَلِيلٍ: وَلَهُ كِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَضْمُونًا أَيْ مَأْمُونًا، وَلَهُ رُكُوبُ دَابَّةٍ مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا إلَى مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ قَوَدُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا، وَلِلْمُلْتَقِطِ غَلَّاتُهَا مِنْ لَبَنٍ وَجُبْنٍ، لَا صُوفُهَا وَلَا نَسْلُهَا وَلَا كِرَاؤُهَا الزَّائِدِ عَلَى عَلَفِهَا فَإِنَّهُ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ كَلَّفَهَا الْمُلْتَقِطُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا غَلَّةٌ فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا وَدَفْعِ كُلْفَتِهَا وَلَهُ تَسْلِيمُهَا لِلْمُلْتَقِطِ فِي كُلْفَتِهَا وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهَا لِأَنَّ رَبَّهَا لَا يَلْزَمُهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَتِهَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ لَقَدِمَ الْمُلْتَقِطُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى ذِي الدَّيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ. وَلَمَّا كَانَتْ اللُّقَطَةُ كَالْوَدِيعَةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَيَّنَ حُكْمَ مَا إذَا تَعَدَّى وَانْتَفَعَ بِهَا فَقَالَ: (وَإِنْ انْتَفَعَ) . الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَفٌ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا لِمَالِكِهَا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُكْرِي الدَّوَابَّ، وَأَمَّا لَوْ هَلَكَتْ لَا بِسَبَبِ انْتِفَاعِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ هَلَكَتْ) أَيْ اللُّقَطَةُ سَوَاءٌ كَانَ (قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ) أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ الْمُلْتَقِطِ. (لَمْ يَضْمَنْهَا) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ اللُّقَطَةَ تَحْتَ يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُودَعُ لَا يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إلَّا بِتَعَدِّيهِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ بِالْبَيْعِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي بَيْعِهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ، وَقَبْلَ السَّنَةِ يُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ قِيمَتُهَا إنْ فَاتَتْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ، بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا، وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتُهَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (الْعِفَاصَ) وَهُوَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطَةُ فِيهَا الْمَالُ. (وَ) عَرَفَ أَيْضًا (الْوِكَاءَ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ طَرَفُ

стр. 592

الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ وَلَهُ أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ لَا عِمَارَةَ فِيهَا. [أَحْكَام الضَّالَّةِ] وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَكُلُّ مَا ــ [الفواكه الدواني] الْمَالِ. (أَخَذَهَا) بِلَفْظِ الْمَاضِي أَيْ اسْتَحَقَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَأَحْرَى لَوْ عَرَّفَهُمَا وَعَرَّفَ الْعَدَدَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَعَدَدِهِ بِلَا يَمِينٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا الْعِفَاصَ أَوْ الْوِكَاءَ فَقَطْ لَا يَأْخُذُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَأْخُذُهَا لَكِنَّ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ مُدَّةً لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْتِيَ مَنْ يَعْرِفُ الْوَصْفَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلِطَ بِأَنْ قَالَ: الْعِفَاصُ كَذَا فَيُوجَدُ بِخِلَافِهِ فَلَا تَدْفَعُ لَهُ، كَمَا لَوْ غَلِطَ فِي صِفَةِ الْمَالِ بِأَنْ قَالَ: مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِعَدَدٍ فَيُوجَدُ أَقَلُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا لِاحْتِمَالِ اغْتِيَالِ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ غَلِطَ بِالنَّقْصِ أَيْ أَخْبَرَ بِهِ فَتُوجَدُ أَكْثَرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَفُهِمَ مِنْ تَعْوِيلِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ لَهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطَاهَا إيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» . (فُرُوعٌ) : الْأَوَّلُ: لَوْ عَرَفَ شَخْصٌ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَرَفَ آخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا لَقُضِيَ بِهَا لِمَنْ عَرَفَهُمَا، لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ، كَمَا يَقْضِي لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْعَدَدَ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِيَمِينٍ، وَكَذَا يَقْضِي بِهِمَا لِمَنْ عَرَفَ أَوْصَافًا يَقْوَى بِهَا الظَّنُّ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُهَا عَلَى مَنْ وَصَفَ أَوْصَافًا دُونَهَا. الثَّانِي: لَوْ وَصَفَهَا ثَانٍ مِثْلُ أَوَّلٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ لَوْ انْفَصَلَ بِهَا انْفِصَالًا بَيِّنًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُصُولُ الْعِلْمِ لِلثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ. الثَّالِثُ: لَوْ أَخَذَهَا شَخْصٌ بِالْوَصْفِ وَانْفَصَلَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعِهَا لِلْأَوَّلِ وَتُنْزَعُ مِنْهُ وَتُدْفَعُ لِلثَّانِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ. الرَّابِعُ: لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْ شَخْصَيْنِ بَيِّنَةً فَتُعْطَى لِذِي الْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَالَةِ، فَإِنْ اسْتَوَتَا فِي الْعَدَالَةِ قُدِّمَتْ الْمُؤَرَّخَةُ أَوْ السَّابِقَةُ تَارِيخًا، وَإِنْ اسْتَوَتَا فِي الْجَمِيعِ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمَ اللُّقَطَةِ الَّتِي لَا عِفَاصَ لَهَا وَلَا وِكَاءَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَأْتِي بِأَوْصَافٍ يَغْلِبُ مَعَهَا الظَّنُّ بِصِدْقِ الْآتِي بِهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اللُّقَطَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الضَّالَّةِ وَتَقَدَّمَ أَحَدُهَا بِأَنَّهَا نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَأْخُذَ الرَّجُلُ) أَوْ الْمَرْأَةُ (ضَالَّةَ الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) وَلَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ أَوْ الْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ لِخَبَرِ: «دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ فَإِنْ تَعَدَّى وَأَخَذَهَا فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا بِمَحَلِّهَا» . وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْخَائِنُ وَإِلَّا وَجَبَ الْتِقَاطُهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سَبَبُ تَخْصِيصِ عَدَمِ أَخْذِهَا بِكَوْنِهَا فِي الصَّحْرَاءِ، لِأَنَّ الضَّالَّةَ فِي الْعُمْرَانِ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ الْخَائِنِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: التَّقْيِيدُ بِالصَّحْرَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، وَلَا يَلْحَقُ بِضَالَّةِ الْإِبِلِ الْخَيْلُ وَالْحَمِيرُ بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي اللُّقَطَةِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ وَإِنْ كَلْبًا وَفَرَسًا. (وَلَهُ) أَيْ مُرِيدِ الِالْتِقَاطِ (أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ بِأَرْضٍ (لَا عِمَارَةَ فِيهَا) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِرَبِّهَا وَجَوَازُ ذَبْحِهَا وَأَكْلِهَا وَلَوْ مَعَ تَيَسُّرِ سَوْقِهَا لِلْعُمْرَانِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِهَا حَيَّةً لِلْعُمْرَانِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَاللُّقَطَةِ، وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَهَا فِي الْفَيْفَاءِ وَلَمْ يَأْكُلْهَا حَتَّى دَخَلَ الْعُمْرَانَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا إلَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهَا وَلَمْ يَكُنْ يَتَيَسَّرُ بَيْعًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بَقَرَةً وَشَاةً وَلَوْ بِفَيْفَاءَ أَيْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ. (تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ضَالَّةِ الْبَقَرِ وَحُكْمُهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ بِحَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ أَوْ الْجُوعِ فَإِنَّ حُكْمَهَا كَالشَّاةِ تُوجَدُ بِالْفَيْفَاءِ، فَإِنْ ذَبَحَهَا فِيهَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْكِنَ سَوْقُهَا لِلْعُمْرَانِ وَإِلَّا وَجَبَ فَلَيْسَتْ كَالشَّاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَحَلٍّ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سِبَاعٍ وَلَا جُوعٍ فَإِنَّهَا تُتْرَكُ فَإِنْ أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مِنْ السَّارِقِ وَإِلَّا وَجَبَ الْتِقَاطُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ عِنْدَ خَوْفِ السَّارِقِ سِيَّانُ فِي وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ وَيَفْتَرِقَانِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ الْجُوعِ أَوْ السِّبَاعِ، فَالْإِبِلُ تُتْرَكُ وَالْبَقَرُ يَجُوزُ أَكْلُهَا بِالْفَيْفَاءِ إنْ تَعَذَّرَ سَوْقُهَا لِلْعُمْرَانِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّحْرَاءِ أَنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالشَّاةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْعُمْرَانِ يَجِبُ الْتِقَاطُهَا عِنْدَ خَوْفِ الْخَائِنِ كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالطُّيُورِ وَالْعَرُوضِ وَالنُّقُودِ. (خَاتِمَةٌ) أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى اللَّقِيطِ وَهُوَ صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ وَلَا رِقُّهُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ لَقْطُهُ كِفَايَةً وَلَوْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَوَاءٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً، وَشَرْطُ الْوُجُوبِ كَوْنُ الْوَاجِدِ رَجُلًا رَشِيدًا أَوْ حُرَّةً خَالِيَةً مِنْ الْأَزْوَاجِ أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا الرَّقِيقُ وَلَوْ مُكَاتَبًا فَلَا يُلْتَقَطُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَيَجِبُ عَيْنًا عَلَى

стр. 593

يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ. وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ فَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ بِحَالِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَغَيَّرَ فِي يَدِهِ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ. وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِتَعَدِّيهِ خُيِّرَ أَيْضًا فِي أَخْذِهِ وَأَخَذَ مَا نَقَصَهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ. ــ [الفواكه الدواني] الْمُلْتَقِطِ لِلطِّفْلِ نَفَقَتُهُ وَحَضَانَتُهُ الذَّكَرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَالْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ الْمُوسِرُ كَوَلَدِ الصُّلْبِ، وَأَسْقَطَ الْكَلَامَ عَلَى الْآبِقِ وَهُوَ رَقِيقٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ يُعَرِّفُ سَيِّدَهُ أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهُ لَا يُنْدَبُ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَلَهُ رَفْعُهُ لِلْحَاكِمِ وَلَهُ إرْسَالُهُ. [التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى اللُّقَطَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِقَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ فَقَالَ: (وَ) كُلُّ (مَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا) الْمُرَادُ شَيْئًا غَيْرَ مِثْلِيٍّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْمِثْلِيِّ (فَعَلَيْهِ) غُرْمُ (قِيمَتِهِ) لِرَبِّهِ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ خَطَأً وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ وَلَوْ مُكْرَهًا، لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، وَتَكُونُ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ الْغَيْرِ الْمَأْذُونِ وَغَيْرِ الْمُؤْتَمَنِ، وَالْمُرَادُ بِاسْتَهْلَكَ أَيْ تَسَبَّبَ فِي الْإِهْلَاكِ وَلَوْ لَمْ يُبَاشِرْ، وَمَحَلُّ ضَمَانِ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ إذَا لَمْ يُؤْمَنَا عَلَى مَا أَتْلَفَا وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِ مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ فِي الْمَصُونِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُؤَمَّنُ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ فِي ذِمَّتِهِمَا يَتْبَعَانِ إنْ عَتَقَا كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ عَرْضًا عَلَى فَسَّرْنَا بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا يُوزَنُ) كَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَنُحَاسٍ (أَوْ يُكَالُ) كَقَمْحٍ أَوْ يُعَدُّ وَلَا تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ وَأَتْلَفَهُ شَخْصٌ أَوْ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِ. (فَعَلَيْهِ) غُرْمٌ (مِثْلُهُ) فِي مَوْضِعِ إتْلَافِهِ لِمَالِكِهِ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ تَقُومُ مَقَامَ مِثْلِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فِي الْغَلَاءِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ وَعَكْسُهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ مَفْعُولِ: وَضَمِنَ الْغَاصِبُ بِالِاسْتِيلَاءِ الْمِثْلِيَّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ وَصَبْرٍ لِوُجُودِهِ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ غُرْمٌ مِثْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ مَعْلُومٌ، وَأَمَّا لَوْ جَهِلَ كَيْلَهُ أَوْ وَزْنَهُ أَوْ عَدَدَهُ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مِثْلِهِ، لِأَنَّ الْجُزَافَ كَالْمُقَوَّمِ الْوَاجِبِ عَلَى مُتْلِفِهِ قِيمَتُهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ كَانَ مُتْلِفُهُ غَيْرَ مَالِكِهِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ يَبِيعُ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ ثُمَّ يُتْلِفُهَا قَبْلَ كَيْلِهَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا لِيُوَفِّيَهُ لِلْمُشْتَرِي. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ أَتْلَفَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ بِأَنْ كَانَ رَشِيدًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُتْلِفُ مُؤْتَمَنًا عَلَى مَا أَتْلَفَهُ وَإِلَّا ضَمِنَهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ، كَمَا قَدَّمْنَا التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، وَمِنْ الْإِذْنِ الْمَرِيضُ يَأْذَنُ لِلطَّبِيبِ الْحَاذِقِ فِي طِبِّهِ فَيَطِبُّهُ فَيَمُوتُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرِهِ، وَمُؤَدِّبُ الْأَطْفَالِ يَأْذَنُ لَهُ الْوَلِيُّ فِي التَّأْدِيبِ، وَالْحَاكِمُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مُسْتَوْجِبِهِ فَيَمُوتُ مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ فَعَلَ كُلَّ الْمَطْلُوبِ مَعَ ظَنِّهِ السَّلَامَةَ. الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُقَوَّمِ الْقِيمَةُ وَفِي الْمِثْلِيِّ الْمِثْلُ قَاعِدَةُ أَغْلَبِيَّةٍ لَا كُلِّيَّةٍ خِلَافًا، فَالظَّاهِرُ لَفْظُهُ لِأَنَّ الْمُقَوَّمَ قَدْ يَجِبُ مِثْلُهُ، وَذَلِكَ فِيمَنْ أَتْلَفَ سِلْعَةً وُقِفَتْ عَلَى ثَمَنِ الْوَاجِبِ مِثْلُ الثَّمَنِ لَا غُرْمُ قِيمَتِهَا، وَالْمِثْلِيُّ قَدْ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ كَالْجُزَافِ قَبْلَ مَعْرِفَةٍ كَمِّيَّتِهِ يَجِبُ عَلَى مُتْلِفِهِ غُرْمُ قِيمَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا. [بَاب الْغَصْب] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْغَصْبِ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ بِقَوْلِهِ (وَالْغَاصِبُ) وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي. (ضَامِنٌ لِمَا) أَيْ لِكُلِّ شَيْءٍ (غَصَبَ) وَمَعْنَى ضَمَانِهِ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ لَا أَنَّهُ تَضَمَّنَهُ بِالْفِعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَإِنْ رَدَّ) الْغَاصِبُ (ذَلِكَ) الَّذِي غَصَبَ قَائِمًا (بِحَالِهِ) أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِنَقْصٍ فِي بَدَنِهِ إذْ لَا تُعْتَبَرُ حَوَالَةُ أَسْوَاقِهِ. (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِرَبِّهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ صَبِيًّا اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ رَبُّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْأَدَبَ حَقٌّ لِلَّهِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ لِحُرْمَةِ الْغَصْبِ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، فَالْكِتَابُ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] ، الْآيَةَ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. أَجْمَعَ كُلُّ الْمِلَلِ عَلَى حُرْمَتِهِ. أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فَإِنْ رَدَّهُ بِحَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَغَيَّرَ) الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ غَاصِبِهِ. (فِي يَدِهِ) بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِيهِ (فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ) مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ كَثِيرًا. (أَوْ تَضْمِينِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْقِيمَةَ) يَوْمَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ التَّغَيُّرِ بِالسَّمَاوِيِّ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ) الْحَاصِلُ فِي بَدَنِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ (بِتَعَدِّيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ أَيْ بِفِعْلِهِ وَلَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ كَالْعَمْدِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ كَدَابَّةٍ غَصَبَهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فِي طَحْنٍ أَوْ رُكُوبٍ لَوْ لَمْ يَخْرِقْ فِيهِ فَتَعَيَّبَتْ فِي بَدَنِهَا. (خُيِّرَ) رَبُّهُ (أَيْضًا فِي أَخْذِهِ) نَاقِصًا. (وَأَخْذِ) أَيْ مَعَ أَخْذِ (مَا نَقَصَهُ) أَيْ أَرْشَ نَقْصِهِ بِأَنْ يُقَوَّمَ سَالِمًا مِنْ هَذَا النَّقْصِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، يُقَالُ: مَا قِيمَتُهُ

стр. 594

وَلَا غَلَّةَ لِلْغَاصِبِ وَيَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ انْتَفَعَ. وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ وَطِئَ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ. وَلَا يَطِيبُ لِغَاصِبٍ ــ [الفواكه الدواني] مَعِيبًا بِمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ؟ فَيُقَالُ: ثَمَانِيَةٌ يَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ دِرْهَمَيْنِ وَفِي تَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَالْمُصَنِّفُ حَذَفَ أَحَدَ شِقَّيْ التَّخْيِيرِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَجْعَلُهُ كَالسَّمَاوِيِّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ أَوْ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ السَّابِقِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا لَخُيِّرَ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ وَيَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ لِأَنَّهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ سَالِمًا، وَبَيْنَ أَخْذِ شَيْئِهِ مَعِيبًا وَيَتْبَعُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْئِهِ وَاتِّبَاعُ الْغَاصِبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَخُيِّرَ فِي الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ تَبِعَهُ تَبِعَ هُوَ الْجَانِي، فَإِنْ أَخَذَ رَبُّهُ أَقَلَّ فَلَهُ الزَّائِدُ مِنْ الْغَاصِبِ فَقَطْ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّمَاوِيَّ الْحَاصِلَ عِنْدَ الْغَاصِبِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَتَرْكِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهُ، وَفِي جِنَايَةِ الْغَاصِبِ بَيْنَ أَخْذِهِ مَعَ الْأَرْشِ أَوْ تَرْكِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ، وَفِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَخْذِهِ مَعِيبًا وَيَتْبَعُ الْجَانِي بِالْأَرْشِ فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ. (تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ النَّقْصِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الذَّاتِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا، كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا وَخَاطَهُ أَوْ صَبَغَهُ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ صَاحِبُهُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ مَا زِيدَ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ مَا أَحْدَثَهُ فِي قِيمَتِهِ أَوْ لَمْ يَزِدْ فِيهَا وَلَمْ يَنْقُصْهَا، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ خَالِصًا مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَتَرْكِهِ لِلْغَاصِبِ، وَأَمَّا لَوْ حَدَّثَ فِيهِ شَيْئًا فَنَقَصَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ صَبَغَهُ فَنَقَصَ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَيْبِ السَّمَاوِيِّ، فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ هَذَا النَّقْصِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي التَّخْيِيرِ: كَصِبْغَةٍ فِي قِيمَتِهِ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَدَفَعَ قِيمَةَ الصِّبْغِ بِالْكَسْرِ أَيْ الْمَصْبُوغِ بِهِ وَفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ بَعْدَ سُقُوطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِأَخْذِ بِنَائِهِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ. وَلَمَّا كَانَ الْغَاصِبُ ظَالِمًا وَالظَّالِمُ لَا يَرْبَحُ قَالَ: (وَلَا غَلَّةَ) مُسْتَحَقَّةٌ (لِلْغَاصِبِ، وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ) جَمِيعَ (مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةِ) الْمَغْصُوبِ (أَوْ) قِيمَةِ مَا (انْتَفَعَ) بِهِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ غَصَبَ رَقَبَةً عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا وَاسْتَغَلَّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَكْرَاهُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لِمَالِكِ عِوَضِ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْغَلَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ غَلَّةَ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ هَذَا فِيهِ الْغَلَّةُ النَّاشِئَةُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ الْغَاصِبِ كَثَمَرَةٍ وَنَسْلِ حَيَوَانٍ وَلَبَنٍ وَصُوفٍ وَمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُرَدُّ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَعُلِمَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَأَمَّا مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِهِ كَرِبْحِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَمَاءِ الْبَذْرِ الْمَغْصُوبِ فَهَذَا لِلْغَاصِبِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ إلَخْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الذَّاتَ الْمَغْصُوبَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا هُوَ لِلْغَاصِبِ: وَغَلَّةَ مُسْتَعْمِلٍ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُطِّلَ لَا يَغْرَمُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ شَيْئًا، كَالدَّارِ يُغْلِقُهَا وَالدَّابَّةِ يَحْبِسُهَا وَالْأَرْضِ يُبَوِّرُهَا وَالْعَبْدِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِتَفْوِيتِ الِانْتِفَاعِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَصْبِ الْمَنْفَعَةِ وَيُقَالُ لَهُ التَّعَدِّي، وَالْمُتَعَدِّي يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ إذًا الْمَنْفَعَةَ بَلْ عَطَّلَهُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ نَحْوَ الثَّمَرَةِ وَالنَّسْلِ وَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ وَمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ لِرَبِّ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا رِبْحُ الدَّرَاهِمِ وَنَمَاءُ الْبَذْرِ فَهُوَ لِلْغَاصِبِ وَإِنَّمَا يَرُدُّ رَأْسَ الْمَالِ، وَأَمَّا مَنْفَعَةُ الْحَيَوَانِ وَالرَّقِيقِ فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ أَنَّهَا لِرَبِّ الْمَغْصُوبِ لَا لِلْغَاصِبِ. (تَنْبِيهٌ) سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ الْمَغْصُوبِ. وَفِي خَلِيلٍ أَنَّهَا فِي غَلَّتِهِ حَيْثُ قَالَ: وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ ضَاعَتْ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ السَّارِقُ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا رُجُوعَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ لَا فِي لَبَنٍ وَلَا صُوفٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا ثَمَرَةٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: وَمَا أَنْفَقَ مِنْ الْغَلَّةِ نَحْوَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ أَوْ طَحْنِهَا لَا نَسْلِهَا وَلَا صُوفِهَا وَلَا لَبَنِهَا فَافْهَمْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْمَغْصُوبَةِ يَطَؤُهَا الْغَاصِبُ بِقَوْلِهِ: (وَ) مَنْ غَصَبَ أَمَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا فَيَجِبُ (عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ وَطِئَ) حَيْثُ كَانَ مُكَلَّفًا لِأَنَّهُ زَانٍ وَيَغْرَمُ لِسَيِّدِهَا نَقْصَهَا وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَطْئِهَا صَدَاقٌ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ فَاللَّازِمُ الصَّدَاقُ فِي وَطْئِهَا حَيْثُ وَطِئَهَا قَهْرًا عَلَيْهَا وَكَانَ مُكَلَّفًا. (وَوَلَدُهُ) أَيْ الْغَاصِبِ مِنْ تِلْكَ الْأَمَةِ. (رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ) لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا الْحُرِّ رَقِيقٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًى أَوْ زَوْجٍ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْأَبِ يَطَأُ جَارِيَةَ فَرْعِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ سَفَلَ الْفَرْعُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ قِيمَتِهَا لِمَالِكِهَا بِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمِلْكُ أَبٍ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا وَلَدَتْ وَمَاتَ وَلَدُهَا أَوْ مَاتَتْ وَبَقِيَ الْوَلَدُ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ السَّيِّدِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَإِنَّمَا لَهُ أَمَتُهُ، وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ أُمِّهِ فَقَطْ لِأَنَّهَا الْمَغْصُوبَةُ كَمَا لَوْ مَاتَا مَعًا إنْ وَجَدَهُمَا حَيَّيْنِ أَخَذَهُمَا. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ

стр. 595

الْمَالُ رِبْحُهُ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ كَانَ أَحَبَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. ــ [الفواكه الدواني] رَدُّ غَلَّةِ الْمَغْصُوبِ النَّاشِئَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِهِ وَالنَّاشِئَةِ عَنْ تَحْرِيكِهِ يَمْلِكُهَا، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَتَّى يَرُدَّ الْأَصْلَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَطِيبُ) أَيْ لَا يَحِلُّ (لِغَاصِبِ الْمَالِ) إذَا اتَّجَرَ فِيهِ وَرَبِحَ أَكْلُ. (رِبْحِهِ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الرِّبْحِ وَإِنْ مَلَكَهُ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَفَسَّرْنَا " لَا يَطِيبُ " بِلَا يَحِلُّ لِصَدَقَةٍ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَهُمَا قَوْلَانِ وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْحُرْمَةُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَيِّبِهِ بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ عَدَمُ نَدْبِ التَّصَدُّقِ بِهِ قَالَ كَالْمُسْتَدْرَكِ عَلَيْهِ: (وَلَوْ تَصَدَّقَ) الْغَاصِبُ (بِالرِّبْحِ) بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ (كَانَ) أَيْ التَّصَدُّقُ بِهِ (أَحَبَّ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ) الْإِمَامِ (مَالِكٌ) ﵁ مِنْ أَكْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْإِمَامُ أَشْهَبُ، وَلَعَلَّ وَجْهُ نَدْبِ التَّصَدُّقِ مَعَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِرَدِّ رَأْسِ الْمَالِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ الْإِثْمِ الْحَاصِلِ بِالْغَصْبِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» فَإِنْ قِيلَ: نَدْبُ الصَّدَقَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهَا خَيْرٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَلَا مَفْهُومَ لِرِبْحِ هَذَا الْمَالِ، وَلَعَلَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ فِي حَقِّ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَغْصِبْ، فَلَا يُنَافِي نَدْبَ التَّصَدُّقِ لِكُلِّ مَالِكٍ رَشِيدٍ مُتَّسَعٍ فَافْهَمْ. وَلَمَّا كَانَتْ فُرُوعُ بَابِ الْغَصْبِ كَثِيرَةً قَالَ: (وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى) وَهُوَ الْغَصْبُ وَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ لِمُنَاسَبَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ هَذَا الْكِتَابِ شَرَعَ فِي رَابِعِهَا فَقَالَ:

стр. 596

بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ. أَوْ بِاعْتِرَافٍ. أَوْ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ. يُقْسِمُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ ــ [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ (أَحْكَامِ الدِّمَاءِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْجِرَاحَاتِ مِنْ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ (وَ) فِي بَيَانِ مُوجِبَاتِ (الْحُدُودِ) كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الْجَانِي مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ فِعْلِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَى الْحُدُودِ التَّعَاذِيرُ وَأَحَدُهَا تَعْذِيرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ مَوْكُولٌ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِنَّ تَعْدَادَهَا مَحْدُودٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الزَّجْرُ عَنْ إتْلَافِ مَا حَكَى الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهِ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْسَابِ، فَإِنَّ فِي الْقِصَاصِ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ، وَفِي الْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ الْحِفْظَ لِلْأَمْوَالِ، وَفِي الْحَدِّ لِلزِّنَا حِفْظَ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْحَدِّ لِلشُّرْبِ حِفْظَ الْعُقُولِ، وَفِي الْحَدِّ لِلْقَذْفِ حِفْظَ الْأَعْرَاضِ، وَفِي الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ حِفْظَ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْحُدُودَ جَوَائِزُ أَيْ كَفَّارَاتٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِقَتْلِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الذُّنُوبِ وَأَعْظَمُهَا بَعْدَ الْكُفْرِ لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ سَائِرِ الْمِلَلِ عَلَى حُرْمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» . وَحَدِيثُ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» . وَحَدِيثُ: «مَنْ اشْتَرَكَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» حَتَّى اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، فَآيَةُ الْفُرْقَانِ ظَاهِرُهَا لَهُ التَّوْبَةُ، وَظَاهِرُ آيَةِ النِّسَاءِ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّ شَرْطُ التَّوْبَةِ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ تَحَلُّلُهُمْ مِنْهَا وَرَدُّ تَبِعَاتِهِمْ، وَلَا سَبِيلَ لِلْقَاتِلِ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ الْمَقْتُولَ حَيًّا فَيَعْفُوَ عَنْهُ وَيُحَلِّلَهُ مِنْ دَمِهِ، مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ قَالَ بِتَنْفِيذِ الْوَعِيدِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ. وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ (تُقْتَلَ نَفْسٌ بِنَفْسٍ) أَيْ بِسَبَبِ قَتْلِ نَفْسٍ مُكَافِئَةٍ لَهَا (إلَّا) بَعْدَ الثُّبُوتِ (بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ) أَقَلُّهَا رَجُلَانِ إذْ لَا تَكْفِي شَهَادَةُ النِّسَاءِ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيُثْبِتُ ذَلِكَ مُوجِبَ الدِّيَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِفَةِ الْقَتْلِ، فَلَوْ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي صِفَتِهِ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا ذَبَحَهُ وَقَالَ الْآخَرُ حَرَقَهُ أَوْ جَرَحَهُ بِغَيْرِ ذَبْحٍ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ قَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِالشَّاهِدِينَ بَطَلَ الدَّمُ وَإِنْ قَامُوا بِأَحَدِهِمَا أَقْسَمُوا مَعَهُ وَاقْتَصُّوا وَسَقَطَتْ شَهَادَةُ الْآخَرِ لِاجْتِمَاعِ الْقَاتِلِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى تَكْذِيبِهَا وَإِنْ اعْتَرَفَ الْقَاتِلُ بِالذَّبْحِ وَقَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِشَاهِدِ التَّحْرِيقِ فَإِنْ كَانَ أَعْدَلَ أَقْسَمُوا مَعَهُ وَحَرَقُوهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِصَاصِ بِالتَّحْرِيقِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَعْدَلَ حَلَفَ مَعَهُ الْقَاتِلُ وَقُتِلَ ذَبْحًا لَا بِالْحَرْقِ. (أَوْ) إلَّا بَعْدَ الثُّبُوتِ (بِاعْتِرَافٍ) أَيْ إقْرَارٍ مِنْ الْجَانِي الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ بِالْقَتْلِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ، لَا إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَإِقْرَارِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. [ثُبُوت الْقَتْل بِالْقَسَامَةِ] (أَوْ) إلَّا أَنْ يَحْصُلَ ثُبُوتُ الْقَتْلِ (بِالْقَسَامَةِ) وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا. (إذَا وَجَبَتْ) أَيْ الْقَسَامَةَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ عَاقِلًا بَالِغًا مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ غَيْرَ أَبٍ، وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ وَلَا اعْتِرَافٌ مِنْ الْجَانِي وَإِنَّمَا وُجِدَ لَوْثٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ، وَحَقِيقَةُ اللَّوْثِ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي، فَوُجُوبُ الْقَسَامَةِ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ الْقَتْلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَاتِلَهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ قَتْلًا لَا جُرْحًا. رَابِعُهَا: أَنْ تَتَّفِقَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْقَتْلِ. خَامِسُهَا: أَنْ تَكُونَ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْعَمْدِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا. سَادِسُهَا: أَنْ تَكُونَ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْعَمْدِ رِجَالًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ. سَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَوْلِيَاءِ لَوْثٌ يُقَوِّي دَعْوَاهُمْ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ رُؤْيَةَ الْقَتْلِ أَوْ

стр. 597

الدَّمَ. وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ. وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ. وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ ــ [الفواكه الدواني] رُؤْيَتَهُ لِلْمَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ قُرْبَهُ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ، وَسَيُبَيِّنُ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَصِفَتُهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِشُرُوطِ الْقِصَاصِ وَهِيَ كَوْنُ الْجَانِي مُكَلَّفًا وَغَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ وَقَصْدُهُ الضَّرْبُ، وَعِصْمَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إمَّا بِالْإِيمَانِ أَوْ الْأَمَانِ أَوْ بِحَطِّ الْجِزْيَةِ وَالْكَفَاءَةِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُخْطِئٍ وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ يُقْتَلُ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا إلَّا أَنَّ قَتْلَهُ لَيْسَ لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ، وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى، بِخِلَافِ الْعَكْسِ إلَّا لِغِيلَةٍ فَيُقْتَلُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْقَتْلِ بَعْدَ الثُّبُوتِ هَلْ يَتَعَيَّنُ أَوْ مَوْكُولٌ إلَى اخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: فَالْقَوْلُ عَيْنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْ الْجَانِي قَهْرًا عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعَفْوَ مَجَّانًا، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَلَوْ جَبْرًا عَلَى الْجَانِي. الثَّالِثُ: تَلَخَّصَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ، وَاعْتِرَافُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا وَهَذَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا، وَالثَّالِثُ الْقَسَامَةُ وَفِيهَا خِلَافٌ، الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا الْقَوْدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ فَإِنَّهُ قَالَ: الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ الْقَتْلُ بِالْقَسَامَةِ وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَمِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا: لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَوْدُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ فَقَطْ، وَدَلِيلُ مَالِكٍ ﵁ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» وَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَكَتَبُوا: إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ» قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذِهِ قِصَّةٌ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ لِإِبَايَةِ الْمُدَّعِينَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَمِنْ قَبُولِ أَيْمَانِ الْيَهُودِ، وَتَبَرَّعَ بِأَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِئَلَّا يَبْطُلَ دَمُ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَوْلُهُ ﵊: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ» يَحْتَمِلُ إعْطَاءَ الدِّيَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا قَتْلَهُ عَمْدًا وَلَمْ يُعِينُوا الْقَاتِلَ فَلَا يَلْزَمُ الْقِصَاصُ كَالْقَتِيلِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. وَقَوْلُهُ ﵊: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِلَوْثٍ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى إنْ أَتَيْتُمْ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ، فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ رَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكِلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ. الرَّابِعُ: مُحَيِّصَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ يَاءُ آخَرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ، وَحُوَيِّصَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخَرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا فِيهِمَا وَهُمَا أَبْنَاءُ عَمِّ الْقَتِيلِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ. [صفة الْقَسَامَة وَحَقِيقَتَهَا] ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْقَسَامَةِ وَحَقِيقَتَهَا بِقَوْلِهِ: (يُقْسَمُ) أَيْ يَحْلِفُ (الْوُلَاةُ) جَمْعُ وَلِيٍّ (خَمْسِينَ يَمِينًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ غَائِبًا أَوْ أَعْمَى، لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ. (وَ) بَعْدَ حَلِفِهَا (يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ) فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وَكَيْفِيَّةُ الْحَلِفِ: إنْ كَانُوا خَمْسِينَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ طَاعَ اثْنَانِ مِنْ الْخَمْسِينَ يَحْلِفَا فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَهَا مُتَوَالِيَةً فِي الْعَمْدِ بِأَنْ يَحْلِفَ هَذَا يَمِينًا وَهَذَا يَمِينًا حَتَّى تَتِمَّ الْأَيْمَانُ، وَفِي الْخَطَإِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ، وَبَعْدَ فَرَاغِهِ يَحْلِفُ الْآخَرُ حِصَّتَهُ، وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ فِي الْعَمْدِ يَبْطُلُ الدَّمُ بِنُكُولِ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْخَطَإِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَالِفِ بِنُكُولِ النَّاكِلِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَحَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ يَبْدَءُونَ بِالْيَمِينِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي سَمِعَتْ مِمَّنْ أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ فَيَحْلِفُوا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ أَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ إنْ كَانَ عَاشَ وَلَا يُزَادُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ فَقَطْ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَقُولَ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَفِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ الْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَّا مَوْضِعَيْنِ: اللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي

стр. 598

دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ. أَوْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُ وَيُشْرِبُ. وَإِذًا نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ ــ [الفواكه الدواني] اللِّعَانِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَفِي الْقَسَامَةِ: أَقْسِمُ بِاَللَّهِ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ فَقَطْ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ خَلِيلٍ لَا يَأْبَاهُ، لِأَنَّ قَسَامَةَ الْيَمِينِ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَشْمَلُ الْقَسَامَةَ، وَدَعْوَى الِاسْتِثْنَاءِ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ الْقَسَامَةِ مُخْتَلِفَةً لِأَنَّهُ يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا يَحْلِفُهَا فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عُصْبَةً قَالَ: (وَلَا يَحْلِفُ فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) مِنْ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ نَسَبًا وَإِلَّا فَمِنْ الْمَوَالِي، لِأَنَّ أَيْمَانَ الْأَوْلِيَاءِ أُقِيمَتْ مَعَ اللَّوْثِ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَكْتَفِ فِي الْبَيِّنَةِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَكْفِي فِي الْأَيْمَانِ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ ﵇ عَرَضَ الْأَيْمَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ حَيْثُ قَالَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ وَيَكْتَفِي بِحَلِفِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَرِثَا بِالْفِعْلِ، وَمَفْهُومُ رَجُلَيْنِ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِفْنَ فِي الْعَمْدِ لِعَدَمِ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ، وَإِنْ انْفَرَدْنَ صَارَ الْمَقْتُولُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسَكَتَ عَنْ أَكْثَرِ مَنْ يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْأَقَلُّ مَحْدُودًا عَيْنُهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْأَكْثَرُ مَحْدُودًا سَكَتَ عَنْهُ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَسَامَةَ يَجِبُ بِهَا الْقَوْدُ فِي الْعَمْدِ بَيْنَ مَنْ يُقْتَلُ بِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ عَمْدًا جَمَاعَةً وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مُبَاشَرَةُ قَتْلِهِ وَلَا التَّمَالُؤُ عَلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُعِينُونَ وَاحِدًا بِاخْتِيَارِهِمْ وَيَقْسِمُونَ عَلَى عَيْنِهِ وَيَقُولُونَ هُمْ الْقَسَامَةُ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ لَا مِنْ ضَرْبِهِمْ، فَفِي الْمُوَطَّإِ: لَمْ تُعْلَمْ قَسَامَةٌ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ وَذَلِكَ لِضَعْفِهَا وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ قَتَلَهُ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ؟ فَالْمُحَقَّقُ وَاحِدٌ، وَاَلَّذِي تُرِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ: يُقْسِمُونَ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَيَقْتُلُونَ وَاحِدًا بَعْدَ الْقَسَامَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى غَيْرِهِ سِوَى ضَرْبِ مِائَةٍ وَحَبْسِ سَنَةٍ وَاحْتَرَزْنَا فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ عَمَّا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِمْ قَتْلُهُ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالنَّفَرُ يَقْتُلُونَ رَجُلًا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ وَالْمُتَمَالَئُونَ وَإِنْ بِسَوْطٍ سَوْطٍ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَتْلَ يَحِلُّ بِالْقَسَامَةِ إذَا وَجَبَتْ بَيَّنَ هُنَا مَحَلَّ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَسَامَةُ) فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (بِقَوْلِ الْمَيِّتِ) الْبَالِغِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ قَبْلَ مَوْتِهِ. (دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ) سَوَاءٌ كَانَ فُلَانٌ الْقَاتِلُ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا بِخِلَافِ الْقَاتِلِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلَانِ، وَأَنْ يَتَمَادَى عَلَى إقْرَارِهِ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ الدَّمُ وَهَذَا أَوَّلُ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ بِقَوْلِهِ: كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرَعٍ أَوْ وَلَدًا عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ أَوْ زَوْجَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ عَدُوًّا لِلْمَقْتُولِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُؤَكِّدُ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْقَتْلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعْوَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى قَوْلِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ هُوَ نَصُّ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ إلَّا فِي شَهَادَةٍ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا لَا خَطَأً، فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّ الْمُقِرَّ بِجُرْحِ الْخَطَإِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ نَاقِلٌ شَهَادَتَهُ، وَلَا يَنْقُلُ عَنْ الشَّاهِدِ إلَّا اثْنَانِ وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا. (تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمْت مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْيِيدِ قَبُولِ قَوْلِ الْمَيِّتِ بِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَرْطَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ الْمَوْتِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جُرْحٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَأَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ سُمٍّ، لِأَنَّ التَّدْمِيَةَ الْبَيْضَاءَ لَا يُعْمَلُ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالْحَمْرَاءِ وَهِيَ الَّتِي صَحِبَهَا جُرْحٌ، وَأَشَارَ إلَى مِثَالٍ ثَانٍ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَاهِدٍ) أَيْ وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ أَيْضًا بِسَبَبِ شَهَادَةٍ (عَلَى) مُعَايَنَةِ (الْقَتْلِ) أَيْ مَعَ يَمِينٍ تَكْمِلَةً لِلنِّصَابِ، وَسَوَاءٌ تَأَخَّرَ الْمَوْتُ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْمِثَالِ الثَّالِثِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ وَكَذَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِسَبَبِ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. (عَلَى) مُعَايَنَةِ (الْجَرْحِ) بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلُ أَوْ الضَّرْبُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ مُقَاتَلَةٍ. (ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ) الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ. (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ) وَهَذَا لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا فِي خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ يَتَأَخَّرُ مَوْتُهُ، إذْ لَوْ مَاتَ سَرِيعًا بَعْدَ جَرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلٌ مِنْ مُقَاتِلِهِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ لَثَبَتَ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَسَامَةٍ، وَتَسْتَحِقُّ الْأَوْلِيَاءُ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وَقَوْلُنَا: عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ احْتِرَازٌ عَنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ، وَلَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ الْمَوْتُ لِضَعْفِ أَمْرِ الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ الْمُعَايَنَةِ، وَيَجِبُ فِي حَالِ حَلِفِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ بِأَنْ يَقُولُوا لِمَنْ جُرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ مَاتَ، أَوْ إنَّمَا مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ.

стр. 599

حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاتِهِ مَعَهُ غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَلَفَ الْخَمْسِينَ. ــ [الفواكه الدواني] تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ فِي أَنَّهُ لَوْثٌ شَهَادَتُهُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ مِثْلُ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَا خَطَأً فَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِيهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْخَطَإِ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ نَاقِلٌ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ كَمَا لَوْ قَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ فَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَالْجَرْحُ يَثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَوْثٌ، لَوْ اجْتَمَعَ إقْرَارٌ مِنْ الْقَاتِلِ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً وَشَهَادَةُ شَاهِدٍ عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَيَضْطَرِبُ فِيهِ، وَالشَّخْصُ الْمُتَّهَمُ بِقُرْبِهِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ بِأَنْ كَانَ مَعَهُ الْآلَةُ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ، إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ مِنْ يَمِينٍ مُكَمِّلَةٍ لِلنِّصَابِ، وَمِثْلُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ كُلٍّ مَا يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْعَدْلِ، وَصِفَةُ الْيَمِينِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنِّصَابِ فِيهَا خِلَافٌ، فَقِيلَ يَحْلِفُهَا قَبْلَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَقِيلَ يَحْلِفُهَا مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ بِأَنْ يَقُولَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ: لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ، بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَيَقُولُونَ فِي كُلِّ يَمِينٍ: لَقَدْ قَتَلَهُ فَقَطْ، وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ وَلَيْسَ مِنْ اللَّوْثِ وُجُودُ الْمَقْتُولِ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ حَيْثُ كَانَ يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ قَرْيَتَهُمْ سِوَاهُمْ وَوُجِدَ قَتِيلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا، كَمَا فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَإِنَّهُ ﵊ جَعَلَ فِيهِ الْقَسَامَةَ لِابْنَيْ عَمِّهِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ الْحَلِفِ لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِمْ أَحَدًا يَقْتُلُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وُجُودَ الْمَقْتُولِ بِمَحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْرُوقٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْبَرَ إذْ ذَاكَ لَمْ يَدْخُلْهَا إلَّا الْيَهُودُ. الثَّانِي: حَقِيقَةُ اللَّوْثِ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي وَقَدْ مَرَّتْ أَمْثِلَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَضْعَفُهَا أَوَّلُهَا لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى قَبُولِ دَعْوَى الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ضَعِيفَةٍ، لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ فِيهِ إنَّمَا شَهِدَا عَلَى قَوْلِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ فَقَطْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدِّمَاءَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الْأَمْوَالِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِيهَا وَلَوْ بِفَلْسٍ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي بِالْقَتْلِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ؟ وَأَيْضًا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَكُلُّ مَا يُحَاوِلُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْحُجَجِ ضَعِيفٌ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ وَافَقَ الْإِمَامَ عَلَى قَوْلِهِ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمَقْتُولِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ سِوَى اللَّيْثِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، هَكَذَا حَكَى عَنْ بَعْضِ كِبَارِ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ: قَدْ أَكْثَرَ التَّشْنِيعَ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. قَالَ الشَّاذِلِيُّ فِي الْجَوَابِ الدَّافِعِ لِإِشْكَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَقُولُ: قَوْلُهُ ﵊ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا» إلَخْ صَرِيحٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعِي فِي الدِّمَاءِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَاسْتِدْلَالُ الْجُمْهُورِ لِمَذْهَبِهِمْ بِعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِ الْمَقْتُولِ بِحَدِيثِ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ» إلَخْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لِلدَّمِ الطَّالِبَ لَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْتُولُ وَإِنَّمَا هُوَ الْوَلِيُّ، وَلَمْ نُعْطِهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ بِمَا انْضَمَّ لَدَعْوَاهُ مِنْ قَوْلِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يَغْلِبُ مَعَهُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ؟ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِوُجُودِ الْفَارِقِ وَهُوَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْقَسَامَةِ إنَّمَا هِيَ لِحِرَاسَةِ الْأَنْفُسِ فَتَكْفِي فِيهَا الشُّبْهَةُ وَاللَّطْخُ لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ الَّذِي هُوَ حَيَاةُ الْأَنْفُسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَالْعَمَلُ بِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْإِمَامُ مَذْهَبَهُ، حَتَّى تُرْتَبَ عَنْهُ الْعَلَّامَة خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْقَتْلُ طَرِيقًا لِلْإِصْلَاحِ لَا إنْ كَانَ يَحْصُلُ بِنَحْوِ الْحَبْسِ أَوْ الضَّرْبِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ الِاخْتِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا عَرَفْت. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَتْلَ أَوْ الدِّيَةَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِتَمَامِ الْحَلِفِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَحْلِفْ الْأَوْلِيَاءُ فَقَالَ: (وَإِذَا نَكِلَ مَدْعُوُّ الدَّمِ) عَنْ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَلَوْ بَعْضُهُمْ حَيْثُ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْحَالِفِ فِي الدَّرَجَةِ (حَلَفَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ (الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَدَلِ مُرْتَهَنٌ بِالْقَتْلِ، وَمِثْلُ نُكُولِ الْبَعْضِ عَفْوُهُ، فَإِذَا حَلَفُوا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِذَا أَرَادَ النَّاكِلُ الرُّجُوعَ إلَى الْحَلِفِ لَمْ يُجَبْ إلَى ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ وَمَنْ نَكِلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ. وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: إذَا نَكِلَ

стр. 600

وَلَوْ اُدُّعِيَ الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا. وَيَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ وَلَا تَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي الْعَمْدِ. وَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي الْخَطَإِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُونَ مِنْ ــ [الفواكه الدواني] الْمُدَّعُونَ لِلدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَرُبِعَتْ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ تُرِكُوا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةِ جَلْدَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ مُتَمَرِّدًا فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ، وَإِنَّمَا قُلْت عَلَى الْبَدَلِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا يَقُلْ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَوَجَدَ مَقْتُولًا فِي خَيْبَرَ لَمَّا نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ قَالَ ﷺ : «أَفَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودٌ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» هَذَا حُكْمُ الدَّعْوَى عَلَى جَمَاعَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَاحِدًا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ (مَنْ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاتِهِ) أَيْ وَإِنْ نَكِلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ وَلَا يُطْلَقُ وَلَوْ طَالَ حَبْسُهُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا عَلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَحَدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ إلَى قَوْلِهِ وَالِاسْتِعَانَةُ، بِخِلَافِ وَلَيِّ الدَّمِ فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ أَيْمَانَ الْعَصَبَةِ مُوجِبَةٌ، وَقَدْ يَحْلِفُ فِيهَا مَنْ يُوجِبُ لِغَيْرِهِ كَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَأَيْمَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ دَافِعَةٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَاللَّامُ قَوْلُ خَلِيلٍ وَلِلْوَلِيِّ لِلِاخْتِصَاصِ. (تَنْبِيهٌ) فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: غَيْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْإِظْهَارُ مَوْضِعُ الْإِضْمَارِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ وُلَاتِهِ غَيْرَهُ، بَلْ كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْلُفُ مَعَهُ حَلَفَ الْخَمْسِينَ وَحْدَهُ. (وَلَوْ اُدُّعِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ) وَنَكِلَ الْمُدَّعُونَ عَنْ الْقَسَامَةِ (حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ (خَمْسِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَدَلِ مَرْهُونٌ بِالْقَتْلِ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِحَلِفِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنْ نَكِلَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ عَنْ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ أُطْلِقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَرِّدًا فَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حُكْمُ النُّكُولِ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى إذَا مَا نَكِلَتْ الْأَوْلِيَاءُ فِي دَعْوَى قَتْلِ الْخَطَإِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ نَكِلُوا أَوْ بَعْضٌ حَلَفَ الْعَاقِلَةُ، فَمَنْ نَكِلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَمَنْ حَلَفَ بَرِئَ وَمَنْ نَكِلَ غَرِمَ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ عَنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْخَطَإِ عَاقِلَةٌ حَلَفَ الْخَمْسِينَ وَحْدَهُ وَبَرِئَ، وَإِنْ نَكِلَ غَرِمَ جَمِيعَ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ حِصَّتُهُ الَّتِي تَخُصُّهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةٌ إنْ كَانَ هُنَاكَ بَيْتُ مَالٍ، لَمَّا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ تُوجَدْ عَاقِلَةٌ لِلْقَاتِلِ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ كَانَ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ يَغْرَمُ جَمِيعَهَا الْقَاتِلُ، وَتُدْفَعُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِلْحَالِفِ وَالنَّاكِلِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ إلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ جَمِيعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ لِغَيْبَةِ بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ ثُمَّ قَدِمَ الْبَاقُونَ وَنَكِلُوا وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنَّ حِصَّةَ النَّاكِلِ مِنْهُمْ تُدْفَعُ لِلنَّاكِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَقَطْ وَلَا يَأْخُذُ الْحَالِفُ مِنْهَا شَيْئًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَالِفَ بَعْضِ الْأَيْمَانِ وَالنَّاكِلَ، وَمِثْلُهُمَا مَنْ قَالَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا أَدْرِي يَدْخُلُونَ فِي الْمَالِ الَّذِي يَغْرَمُهُ النَّاكِلُ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ اُدُّعِيَ الْقَتْلُ عَلَى جَمَاعَةٍ إلَخْ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَإِذَا نَكِلَ مَدْعُوُّ الدَّمِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَمَا أَجَابَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ حَمْلِ مَا سَبَقَ عَلَى دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِ. [صِفَةِ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَمَنْ يَحْلِفُهَا] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ حَلِفِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَمَنْ يَحْلِفُهَا إذَا وَجَبَتْ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ) جَمْعُ وَلِيٍّ وَهُمْ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ وَلَوْ بِالْوَلَاءِ. (فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا) كُلُّ وَاحِدٍ يَحْلِفُ يَمِينًا، وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ وُجِدَ مِنْ الْعَصَبَةِ عَدَدُ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ. (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْوُلَاةَ (أَقَلَّ) مِنْ الْخَمْسِينَ (قُسِّمَتْ عَلَيْهِمْ) تِلْكَ (الْأَيْمَانُ) فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشْرَ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ حَصَلَ انْكِسَارٌ بِأَنْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْنِ وَنَقَصُوا عَنْ الْخَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَكْمِيلُ الْكُسُورِ عِنْدَ تَسَاوِيهَا وَتَكْمِيلُ الْأَكْبَرِ عِنْدَ اخْتِلَافِهَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْبَرِ كَسْرِهَا وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ عَدَدَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَكَانُوا أَكْثَرَ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكْفِي حَلِفُ أَقَلِّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكْفِي حَلِفُ اثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأَحْرَى بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَيَحْلِفُ فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا مَعْنَاهُ يَجُوزُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ
следующие страницы →