← Фикх малики

Фикх малики · id 21589

الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني

النفراوي

Полный текст (778 стр.). Показаны 771–778 · переход к 776.

стр. 771

بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ «عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ» وَقَالَ عُمَرُ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْرَهُ أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ فِيمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا وَلَا يُعَبِّرُهَا ــ [الفواكه الدواني] عُبِّيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ. (وَ) أَذْهَبَ عَنْكُمْ أَيْضًا (فَخْرَهَا بِالْآبَاءِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ التَّلَبُّسِ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ، وَمِنْ الطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ وَالطِّيَرَةِ وَالنِّيَاحَةِ وَالِاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ وَمِنْ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ لِأَنَّكُمْ مَا بَيْنَ (مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ) أَيْ مُمْتَثِلٍ لِلْمَأْمُورَاتِ مُجْتَنِبٍ لِلْمَنْهِيَّاتِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عِنْدَ اللَّهِ بِتَقْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسِيبًا. (أَوْ فَاجِرٍ) أَيْ كَافِرٍ (شَقِيٍّ) خَاسِرٍ بِعَدَمِ تَقْوَاهُ وَلَوْ كَانَ نَسِيبًا، فَالتَّفَاضُلُ بِالْآبَاءِ لَا يُكْسِبُ شَيْئًا، وَأَيْضًا (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ) لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ جَمِيعًا. (وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا فَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْفُرُوعِ إلَّا بِالتَّفَاوُتِ فِي خِلَالِ الْخَيْرِ، وَأَيْضًا الْأَصْلُ مِنْ التُّرَابِ الَّذِي يُوطَأُ بِالْأَرْجُلِ، فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ فَرْعُ مَنْ يُوطَأُ بِالْأَقْدَامِ مَعَ إهَانَةِ أَصْلِهِ، وَقَالَ ﵊: «الرَّبُّ وَاحِدٌ، وَالْأَبُ وَاحِدٌ، وَالْأُمُّ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ، وَمَنْ أَسْرَعَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُبْطِئْ بِهِ نَسَبُهُ» وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ أَوْ تَفْرِيطُهُ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ أَيْ لَمْ يَنْفَعْهُ شَرَفُ نَسَبِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ النَّسَبَ لَا يَنْفَعُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَيْضًا التَّفَاخُرُ يُؤَدِّي إلَى إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّنَافُرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَلَمَّا أَفَادَ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِالْآبَاءِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَتَى بِحَدِيثٍ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ فَقَالَ: (وَقَالَ الرَّسُولُ ﵊ فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ) بِحَيْثُ صَارَ يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا ابْنَ عُمَرَ، وَعُمَرَ ابْنَ فُلَانٍ وَابْنَ فُلَانَةَ وَهَكَذَا، لِأَنَّ لَفْظَ رَجُلٍ عَامٌّ، وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ قَدْ تَعُمُّ نَحْوَ عَلِمَتْ نَفْسٌ وَمَقُولُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ (عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ) أَيْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ. (وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ) مُرْتَكِبَهَا بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ وَالْإِثْمُ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِي. قَالَ ﵊: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» بَلْ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَإِذَا كَانَ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى عِلْمِ مَا يَخُصُّهُ فِي دِينِهِ فَاشْتِغَالُهُ بِهِ حَرَامٌ، وَعِنْدِي فِيهِ وَقْفُهُ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبٍ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِهِ ارْتِكَابُ مُحَرَّمٍ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ النَّفْعِ بِمَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ عُمُومُ ذَلِكَ لِنَسَبِ نَفْسِهِ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ ﵁ (تَعَلَّمُوا) وُجُوبًا (مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ) لِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يَتَوَصَّلُ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ الَّذِي تَجِبُ صِلَتُهُ كُلُّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ لَا خُصُوصُ مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ، وَنَظَرَ ابْنُ نَاجِي قَائِلًا: وَانْظُرْ هَلْ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَنْسَابِهِ إلَى مُنْتَهَى أَجْدَادِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَجْدَادٍ وَنَحْوِهَا، وَأَقُولُ: يَظْهَرُ لِي أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ مَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِزِيَارَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا كَثُرَتْ أَرْحَامُهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِلَةُ الْأَقْرَبِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَأْمُورُ بِمَعْرِفَتِهِ مِنْ النَّسَبِ مَا يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ قَالَ: (وَقَالَ مَالِكٌ) الْإِمَامُ ﵁ (وَأَكْرَهُ) أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ، وَقِيلَ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ (أَنْ يَرْفَعَ فِي النَّسَبِ فِيمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ) بَلْ إذَا وَصَلَ إلَى جَدٍّ كَافِرٍ أَمْسَكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا جَدٌّ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَهُ لِآيَةِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَأَيْضًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الرَّفْعِ فِي النَّسَبِ مِنْ التَّفَاخُرِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْآبَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ بِالْكُفَّارِ، وَنَصُّوا هُنَا عَلَى أَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ مُقَدَّمٌ عَلَى شَرَفِ النَّسَبِ، فَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّرِيفِ الْجَاهِلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ وَأَعَادَ قَوْلَهُ ﵊ «وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ هُنَا أَسْقَطَهُ وَأَعَادَ أَيْضًا قَوْلَهُ (وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ) أَوْ يَنْفُثْ أَيْ يَبْزُقُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ (عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ) بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ مَا رَأَى) لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يَحْرُمُ (أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا) لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْكَذِبِ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ مِنْ غَيْرِ الْعَالِمِ كَذِبٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا بِأَنْ كَانَ يَعْلَمُ أُصُولَ التَّعْبِيرِ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَلَامُ الْعَرَبِ وَأَشْعَارُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَفِرَاسَةٌ يَجُوزُ لَهَا حِينَئِذٍ تَعْبِيرُهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْبِيرُهَا

стр. 772

عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَمَا خَفَّ مِنْ الشِّعْرِ أَحْسَنُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ وَمِنْ الشَّغْلِ بِهِ وَأُولَى الْعُلُومِ وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا إلَى اللَّهِ عِلْمُ دِينِهِ وَشَرَائِعِهِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَدَعَا إلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ وَالْفَهْمُ وَالتَّهَمُّمُ بِرِعَايَتِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى ــ [الفواكه الدواني] بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ يَكْشِفُ نَحْوَ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَمَا يُقَالُ لَهُ أَنَا رَأَيْت كَذَا، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِأُصُولِ التَّعْبِيرِ فَهَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَأَوْصَافِ الرَّائِينَ فَعِلْمُهَا غَوِيصٌ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ مَعْرِفَةٍ بِالْمُنَاسَبَاتِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَنَا رَأَيْت نَفْسِي أُؤَذِّنُ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ تَسْرِقُ وَتُقْطَعُ يَدُك، وَسَأَلَهُ آخَرُ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ فَقَالَ لَهُ تَحُجُّ، فَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا فُسِّرَ لَهُ بِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: رَأَيْت هَذَا بِسِمَةٍ حَسَنَةٍ وَالْآخَرُ بِسِمَةٍ قَبِيحَةٍ، وَلَا تَخْرُجُ الرُّؤْيَا عَنْ مَعْنَاهَا وَلَوْ فُسِّرَتْ بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَلَا) يَجُوزُ لِلرَّائِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ التَّعْبِيرَ أَنْ (يُعَبِّرَهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ) كَائِنَةٌ (عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ) لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَلَعِبٌ بِالنُّبُوَّةِ، وَيَنْبَغِي إنْ ظَهَرَ لَهُ خَيْرٌ يَذْكُرُهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ خَيْرًا إنْ شَاءَ أَوْ يَصْمُتُ. وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي الْإِنْشَادِ بَيَّنَ حُكْمَهُ فِي الْمَذْهَبِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ) أَيْ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ شِعْرَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْشَاؤُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي ... لَكُنْت الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إنْشَائِهِ كَمَا يَجُوزُ إنْشَادُهُ، فَلَا بَأْسَ فِي كَلَامِهِ لِلْإِبَاحَةِ لِمَا قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَحْفَظُ أَلْفَ بَيْتٍ، وَكَانَ ﵊ يَقُولُ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» ، وَقَالَ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ » وَأَيْضًا كَانَ ﵊ يَأْمُرُ حَسَّانًا بِالْإِنْشَادِ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِنْشَادَ جَائِزٌ لَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْلَأَهُ شِعْرًا» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهُ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ مَنْ حَرَّمَهُ مُطْلَقًا، نَعَمْ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَدْحِ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ أَوْ ذَمِّ مَنْ لَا يُذَمُّ كَانَ حَرَامًا، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْشَادُ لَا يَسْلَمُ مُرْتَكِبُهُ مِنْ مُجَاوَزَةٍ فِي الْكَلَامِ قَالَ: (وَمَا خَفَّ مِنْ الشِّعْرِ أَحْسَنُ) أَيْ مَعَ كَوْنِ الْإِنْشَادِ مُبَاحًا لَا يَنْبَغِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ لِقِلَّةِ سَلَامَةِ فَاعِلِهِ مِنْ التَّجَاوُزِ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّ غَالِبَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُبَالَغَاتٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَشْعَارِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُونَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا فَهَذِهِ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَعَلُّمِهَا. (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِنْشَادِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا مِنْ الشَّغْلِ بِهِ) هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَا طُلِبَ تَقْلِيلُهُ يُكْرَهُ تَكْثِيرُهُ، وَتَجُوزُ. شَهَادَةُ الشَّاعِرِ إذَا كَانَ لَا يَرْتَكِبُ مُحَرَّمًا وَلَوْ بِذَمِّ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ شَهَادَتُهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ مَكْرُوهٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ. [أَفْضَلِ الْعُلُومِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ بِقَوْلِهِ: (وَأَوْلَى الْعُلُومِ) بِالِاشْتِغَالِ بِهِ (وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (عِلْمُ دِينِهِ) هَذَا خَبَرُ أَوْلَى الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً وَعَطْفُ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ دِينِ اللَّهِ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ، وَيُسَمَّى بِعِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وَبِعِلْمِ الْكَلَامِ وَبِعِلْمِ الصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَهَا وَأَقْرَبَهَا لِأَنَّهُ يُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِ الْبَارِئِ وَصِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَنْبِيَائِهِ، وَالْعِلْمُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ، وَمَعْلُومُ عِلْمِ التَّوْحِيدِ هُوَ ذَاتُ الْبَارِئِ وَصِفَاتُهُ. (وَ) عِلْمُ (شَرَائِعِهِ) وَبَيَّنَ عِلْمَ شَرَائِعِهِ بِقَوْلِهِ: (مِمَّا أَمَرَ) الْمُكَلَّفَ (بِهِ) مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (وَنَهَى عَنْهُ) مِنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ (وَ) الْمَأْمُورُ بِهِ مَا (دَعَا إلَيْهِ) تَعَالَى (وَحَضَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى فِعْلِهِ وَذَلِكَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ (فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) ﵊ لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ إنَّمَا هِيَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. (وَ) مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ (التَّفَقُّهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عِلْمِ الدِّينِ وَالشَّرَائِعِ (وَالتَّفَهُّمُ فِيهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَالتَّهَمُّمُ) أَيْ الِاهْتِمَامُ (بِرِعَايَتِهِ) أَيْ حِفْظِهِ (وَالْعَمَلِ بِهِ) وَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ رَاجِعَةٌ إلَى عِلْمِ دِينِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّفَقُّهُ فِي عِلْمِ الشَّرَائِعِ مِنْ أَوْلَى الْعُلُومِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَرَائِضِ وَأَحْكَامِ مَا يُرِيدُ الْعَمَلَ بِهِ، وَذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ الْعَمَلَ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ. وَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَوْنِ عِلْمِ دِينِ اللَّهِ أَوْلَى الْعُلُومِ أَفْضَلِيَّةُ الْعِلْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ قَالَ: (وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ،

стр. 773

اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً وَفِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً وَالْعِلْمُ دَلِيلٌ إلَى الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا وَاللَّجَأُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَيْرِ الْقُرُونِ مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ نَجَاةً فَفِي الْمَفْزَعِ إلَى ذَلِكَ ــ [الفواكه الدواني] وَمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ» . وَقَالَ ﵊ أَيْضًا: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ طَلَبُ الْعِلْمِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «عَالِمٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَالْمُرَادُ بِهِمْ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِبَنِيهِ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنْ كُنْتُمْ صِغَارَ قَوْمٍ فَسَتَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ تَعَلَّمْ الْعِلْمَ فَإِنْ احْتَجْت إلَيْهِ كَانَ لَك مَالًا، وَإِنْ اسْتَغْنَيْت عَنْهُ كَانَ لَك جَمَالًا. وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْدَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنَارُ سَبِيلِ الْخَيْرِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً هُدَاةً يُهْتَدَى بِهِمْ أَدِلَّةً فِي الْخَيْرِ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ حَتَّى الْحِيتَانُ وَالْهَوَامُّ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ» . وَفَضْلُ الْعِلْمِ مَشْهُورٌ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ فَفِي الْحَدِيثِ: «الْبَابُ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا» . وَعَنْهُ ﵊ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ» ثُمَّ بَيَّنَ أَفْضَلَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى) رِضَا (اللَّهِ) (وَأَوْلَاهُمْ بِهِ) أَيْ بِمَحَبَّتِهِ تَعَالَى وَخَبَرُ أَقْرَبَ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً (أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً) أَيْ خَوْفًا (وَ) أَكْثَرُهُمْ (فِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً) أَيْ رَجَاءً. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَتَفَاضَلُونَ وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْمَرَاتِبِ جَارٍ حَتَّى فِي حَقِّ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ. الثَّانِي: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ، فَفَضَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِمَا الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ، وَفَضَّلَ جَمَاعَةٌ كَالْقُشَيْرِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوْلِيَاءَ الْعَارِفِينَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ الْفُتُوحَاتِ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الِاهْتِدَاءِ كَاسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَعَمُّ نَفْعًا وَأَكْثَرُ فَائِدَةً مِمَّا يُفْتَحُ بِهِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْعَارِفِينَ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُتَعَدِّيَةَ تُقَدَّمُ مُرَاعَاتُهَا عَلَى الْقَاصِرَةِ، وَوَجْهُ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُلُومَ الظَّاهِرَةَ قَدْ تَقْطَعُ طَرِيقَ اللَّهِ وَتَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنْ التَّحْقِيقِ، وَالِاتِّصَافِ بِعُلُومِ الْبَاطِنِ الْمُثْمِرَةِ لِلْخَشْيَةِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْآخِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَتَفْضِيلِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِلِينَ بِعِلْمِهِمْ الْوَاقِفِينَ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ لَا عُلَمَاءُ الدُّنْيَا الطَّالِبِينَ جَاهَهَا وَحُطَامَهَا، إذْ الْعِلْمُ حَقِيقَةً مَا أَوْرَثَ صَاحِبَهُ عَمَلًا وَخَشْيَةً وَإِلَّا كَانَ زِيَادَةَ وَبَالٍ وَخَيْبَةٍ عَلَى صَاحِبِهِ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِ بِعِلْمِهِ أَوَّلُ مِنْ تُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ» وَلَا يَتِمُّ عِلْمُ الْعَالِمِ حَتَّى يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ وَيُعْرِضَ عَمَّا يَصُدُّهُ عَنْ الْعَمَلِ لِخَالِقِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي عج. [الثَّمَرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الثَّمَرَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعِلْمُ) النَّافِعُ لِصَاحِبِهِ (دَلِيلٌ إلَى) فِعْلِ (الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. قَالَ ﷺ : «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ» . وَقَالَ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَهَذَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى حَيَوَانَاتُ الْمَاءِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرَاتِ مَا اسْتَنَدَ فَاعِلُهُ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّجَأُ) مُبْتَدَأٌ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْجِيمِ أَيْ الِاسْتِنَادُ وَالرُّجُوعُ (إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ) إلَى (سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ) إلَى (اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِجْمَاعُ. (وَ) إلَى (خَيْرِ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ (مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ) أَيْ أُظْهِرَتْ (لِلنَّاسِ) وَخَبَرُ اللَّجَأِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً هُوَ (نَجَاةٌ) وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْ عَلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﵊ أَوْ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي عَمَلِ الْخَيْرَاتِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ عَلَى كَلَامِ إمَامِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فِيهِ نَجَاةٌ أَيْ خَلَاصٌ مِنْ الْهَلَاكِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي لَمْ تَسْتَنِدْ إلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَبَيَّنَ وَجْهَ كَوْنِ النَّجَاةِ فِي اللَّجَأِ إلَى مَا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: (فَفِي الْمَفْزَعِ) أَيْ

стр. 774

الْعِصْمَةُ ــ [الفواكه الدواني] الِاسْتِنَادِ (إلَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا بَعْدَهُ (الْعِصْمَةُ) أَيْ الْحِفْظُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُورَاتِ. [الْمُحَافَظَةِ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ] (وَفِي) الْمُحَافَظَةِ عَلَى (اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةُ) مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَالْفَوْزُ بِكُلِّ كَمَالٍ (وَهُمْ) أَيْ السَّلَفُ (الْقُدْوَةُ) مُثَلَّثُ الْقَافِ أَيْ الْمُقْتَدَى بِهِمْ (فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ) وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ، وَإِنَّمَا كَانُوا قُدْوَةً فِيمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الْعِلْمَ الْكَامِلَ وَالْوَرَعَ الْحَاصِلَ وَالنَّظَرَ السَّدِيدَ. وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: فَتَابِعْ الصَّالِحَ مِمَّنْ سَلَفَا ... وَجَانِبِ الْبِدْعَةَ مِمَّنْ خَلَفَا فَأَشَارَ إلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُتَابِعَ فِي عَقَائِدِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَهَيْئَاتِهِ الْفَرِيقَ الصَّالِحَ. قَالَ ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» وَقَوْلُهُ ﵊: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» الْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ غَيْرَ الْخَوَاصِّ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ يَكُونُ أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ تَبِعَنَا فِيهَا الشُّرَّاحُ وَخَصَّهُ فِي التَّحْقِيقِ بِالصَّحَابَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهُمْ الْقُدْوَةُ قَاصِرًا عَلَى خُصُوصِ الْمُقَلِّدِينَ، أَيْ لَا تَكُونُ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ قُدْوَةً إلَّا لِلْمُقَلِّدِينَ، وَعَلَى تَخْصِيصِهِ بِالصَّحَابَةِ يَكُونُ عَامًّا، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ يَقْتَدِي بِهِمْ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُقَلِّدُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ. الثَّانِي: فِي إضَافَةِ الْعِصْمَةِ إلَى الِاسْتِنَادِ إلَى الْكِتَابِ وَإِضَافَتِهِ النَّجَاةَ إلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِأَنَّ الْمَعْصُومَ نَاجٍ وَالنَّاجِي مَعْصُومٌ، كَمَا أَنَّ التَّأْوِيلَ وَالِاسْتِخْرَاجَ بِمَعْنًى، وَقِيلَ: التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِدَلِيلٍ كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﵊: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً، وَالِاسْتِخْرَاجُ هُوَ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِهِمْ حَدَّ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ كَلَامِهِمْ شَرَعَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا. (وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ (فِي الْفُرُوعِ) جَمْعُ فَرْعٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ، وَيُقَالُ لَهَا الْفُرُوعُ الظَّنِّيَّةُ لِأَنَّهَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ بِالِاجْتِهَادِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ ظَنِّيٌّ. (وَ) فِي أَحْكَامِ (الْحَوَادِثِ) وَالنَّوَازِلِ (لَمْ) يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ (يَخْرُجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ ﵃ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ، فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْمِعِينَ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلتَّابِعِينَ إحْدَاثُ ثَالِثٍ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ جَازَ لِلتَّابِعِينَ إحْدَاثُ ثَالِثٍ دُونَ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا، لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵃ وَعَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَإِنَّمَا حَرُمَ تَقْلِيدُ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ عَلَى هُدًى لِعَدَمِ حِفْظِ مَذَاهِبِهِمْ لِمَوْتِ أَصْحَابِهِمْ وَعَدَمِ تَدْوِينِهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَرْبَعَةِ، وَكَذَا مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ يُحْفَظُ مَذْهَبُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَدُوِّنَ حَتَّى عَرَفْت شُرُوطَهُ وَسَائِرَ مُعْتَبَرَاتِهِ، فَالْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْقَرَافِيِّ عَلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا فُقِدَ مِنْهُ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أُصُولِ الدِّينِ وَسَائِرِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ وَمَا يَجُوزُ وَمَا يَسْتَحِيلُ فَلَا يَصِحُّ الِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. ١ - (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ وَإِلَّا امْتَنَعَ إجْمَاعًا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ لِتَقْلِيدِ الرُّخْصَةِ يَوْمًا فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ. وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى آخَرَ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ اقْتَصَرَ الزَّنَاتِيُّ عَلَى الْجَوَازِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ التَّنْقِيحِ لِلْقَرَافِيِّ. قَالَ الزَّنَاتِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ فِي النَّوَازِلِ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَثَلًا عَلَى صِفَةٍ تُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ. الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُ الْفَضْلَ.

стр. 775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتْبَعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ نَقْلًا عَنْ غَيْرِ الزَّنَاتِيِّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ وَالِانْتِقَالُ إلَيْهَا فِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَا مَا يُنْقَضُ فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، فَلِذَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ فِي مِثْلِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ، وَتَرْك الْأَلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ مِنْ شَرْحِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيِّ عَلَى جَوْهَرَتِهِ مَعَ بَعْضِ تَصَرُّفٍ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ التَّقْلِيدِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ وَلَوْ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِغَيْرِهِ، لَا إنْ اعْتَقَدَ مَفْضُولًا فَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَعْظِيمُ مُقَلَّدِهِ وَغَيْرِهِ لَا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يَزِيدُهُمْ جَلَالًا وَعَظَمَةً فِي النُّفُوسِ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ فَإِنَّمَا عَظَّمَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ فَقَدْ اسْتَخَفَّ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . وَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» كَمَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ اللَّعْنَةَ الْكُفْرُ، لِأَنَّ سَبَّ الصَّحَابِيِّ وَالِاسْتِخْفَافَ بِهِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ بَلْ النَّبِيُّ وَالْمَلَكُ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَتْلُ السَّابِّ لَهُمَا حَدًّا لَا كُفْرًا إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ. [خَاتِمَة الْكتاب] وَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِتْمَامِ نَاسَبَ أَنْ يَشْكُرَهُ بِحُسْنِ الْخِتَامِ بِقَوْلِهِ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَكَوْنُ الْجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً أَوْ إنْشَائِيَّةً، وَاخْتَارَتْ خَتْمَهُ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْحَمْدِ لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ الْحَمْدَ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي هَدَانَا) أَوْ وَفَّقَنَا (لِهَذَا) الْمُؤَلَّفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمَحَاسِنِ خِلْقَتِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْحَمْدَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ، وَالْمُطْلَقُ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ لَا لَفْظًا وَلَا نِيَّةَ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، وَأَمَّا شُكْرُ الْمُنْعِمِ بِمَعْنَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ فَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إجْمَاعًا، وَالْحَمْدُ يَقَعُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَكْرُوهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» وَأَمَّا الشُّكْرُ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى السَّرَّاءِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا لِاسْمِ الْإِشَارَةِ بِالْمُؤَلَّفِ أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ النُّقُوشُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَلَا يُقَالُ: الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ إلَّا الشَّخْصُ وَهُوَ لَيْسَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِلَّا انْحَصَرَ فِيهِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ النَّوْعُ، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لِهَذَا أَيْ لِنَوْعِ هَذِهِ النُّقُوشِ أَوْ الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: إنَّ الْإِشَارَةَ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ تَقَدَّمَ تَأْلِيفُ الْكِتَابِ، وَلَا يُقَالُ: الَّذِي فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَالْمُجْمَلُ لَيْسَ هُوَ مُسَمًّى الْكِتَابِ وَإِنَّمَا مُسَمَّاهُ الْمُفَصَّلُ وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي الذِّهْنِ وَالْمُشَارِ إلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، لِأَنَّا نَقُولُ: فِي كَلَامِهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ مُفَصَّلُ هَذَا الْمُجْمَلِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ مُفَصَّلُ الْمُجْمَلِ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَصْفُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) إلَيْهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِأَنْفُسِنَا لِعَجْزِنَا وَضَعْفِنَا (لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) أَيْ لَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ لَنَا، وَهَذَا حَمْدُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ فَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ وَمَنْ يَنْطِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ عَذَابٍ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ فَقَدْ رَآهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَتَبَخْتَرُ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ: بِمَ نِلْت هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ؟ فَقَالَ: بِقَوْلِي فِي الرِّسَالَةِ وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا، وَمِثْلُ هَذَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ وَلَا سِيَّمَا قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: أَخْبَارُ الْمَيِّتِ صِدْقٌ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: هَدَى وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِاللَّامِ أَوْ بِإِلَى أَوْ بِنَفْسِهِ نَحْوَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وَمَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ الْمُوَصِّلَةُ، وَإِنْ عُدِّيَ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي مَعْنَاهُ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ نَحْوَ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] أَيْ لَا تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِيمَنْ أَحْبَبْت، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الدَّلَالَةُ نَحْوَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أَيْ دَلَلْنَاهُمْ إذْ لَا يَصِحُّ خَلَقْنَا فِيهِمْ الِاهْتِدَاءَ، وَالْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ يَجُوزُ إسْنَادُهُ إلَى اللَّهِ نَحْوَ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَإِلَى غَيْرِهِ نَحْوَ: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] . الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ لَوْلَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُهُ: لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا. وَفِي كَلَامِهِ ﵀ هُنَا وَفِي صَدْرِ خُطْبَتِهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الِاقْتِبَاسِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ شَدَّدَ فِي مَنْعِهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَنْعِهِ عَلَى مَا اقْتَضَى أَمْرًا قَبِيحًا كَقَوْلِهِ:

стр. 776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] وَرِدْفُهُ يَنْطِقُ مِنْ خَلْفِهِ ... لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ وَالْخِلَافُ فِي الِاقْتِبَاسِ مَشْهُورٌ. قَالَ السُّيُوطِيّ: قُلْت وَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ ... فَمَالِكٌ مُشَدِّدٌ فِي الْمَنْعِ وَلَيْسَ فِيهِ عِنْدَنَا صَرَاحَهْ ... لَكِنَّ يَحْيَى النَّوَوِيَّ أَبَاحَهْ فِي الْوَعْظِ نَثْرًا دُونَ نَظْمٍ مُطْلَقَا ... وَالشَّرَفُ الْمُقْرِي فِيهِ حَقَّقَا جَوَازَهُ فِي الزُّهْدِ وَالْوَعْظِ وَفِي ... مَدْحِ النَّبِيِّ وَلَوْ بِمَدْحِ مَا اقْتَفَى ١ - وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَلَى الْخِتَامِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَفَاءِ بِمَا اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ الْإِتْيَانَ بِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) كُنْيَةُ الْمُصَنِّفِ (عَبْدُ اللَّهِ) اسْمُهُ (ابْنُ أَبِي زَيْدٍ) كُنْيَةُ أَبِيهِ وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ يُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ إيهَامُ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ لَوْ قَالَ: وَقَدْ أَتَيْت عَلَى مَا شَرَطْت، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَنَّمَا عَدَلَ إلَى هَذَا لِبَيَانِ كُنْيَتِهِ وَاسْمِهِ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ عَدَمِ إثْبَاتِهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ وَمَقُولُ قَالَ: (قَدْ أَتَيْنَا) أَيْ جَرَيْنَا (عَلَى مَا شَرَطْنَا) عَلَى أَنْفُسِنَا (أَنْ نَأْتِيَ بِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا) مِنْ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِنَا فِي أَوَّلِهِ: بِأَجَبْتُكَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا خَوْفًا مِنْ إرْجَاعِ الضَّمِيرِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً، وَبَيْنَ عُمُومِ مَا بِقَوْلِهِ: (مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) وَفَاعِلُ يَنْتَفِعُ (مَنْ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِهِ) أَيْ تَعَلُّمِهِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفَسَّرَ عُمُومَ مَنْ بِقَوْلِهِ: (مِنْ الصِّغَارِ وَ) كَذَا كُلُّ (مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْكِبَارِ) . (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا أَوَّلْنَا تَعْلِيمَ بِتَعَلُّمٍ لِأَجْلِ قَوْلِهِ مِنْ الصِّغَارِ إذْ الْوَاقِعُ مِنْهُمْ التَّعَلُّمُ لَا التَّعْلِيمُ، فَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ، هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ فِي فَهْمِ كَلَامِهِ، وَرَغْبَةِ الصِّغَارِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ مِنْ الْكِبَارِ فِي التَّعَلُّمِ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُعَلِّمَ هُوَ مُحْرِزٌ وَأَنَّهُ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِهَا لِأَنَّهُ السَّائِلُ فِي كُتُبِ الْجُمْلَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَى تَعْلِيمٍ عَائِدٌ عَلَى مَا هَذَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِكَلَامِهِ، وَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهُ، فَإِنَّ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ نِسْبَةِ الرَّغْبَةِ فِي التَّعَلُّمِ لِلصِّغَارِ وَالْحَاجَةِ لِلْكِبَارِ لِأَنَّ الصِّغَارَ لِخُلُوِّ أَذْهَانِهِمْ يَرْغَبُونَ وَقِلَّةُ رَغْبَةِ الْكِبَارِ تُدْرَكُ بِمَا قُلْنَاهُ بِالذَّوْقِ السَّلِيمِ وَالطَّبْعِ الْمُسْتَقِيمِ. (وَفِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ الَّذِي أَتَى بِهِ عَلَى مَا شَرَطَ (مَا يُؤَدِّي) أَيْ يُوَصِّلُ (الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ) أَمْرِ (دِينِهِ) مِنْ الْعَقَائِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْعَقِيدَةِ. (وَ) فِيهِ أَيْضًا مَا يُوَصِّلُهُ إلَى عِلْمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَعْمَلَ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ) كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا. (وَيُفْهَمُ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَفْهَمَ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْكِتَابِ وَمَفْعُولُهُ (كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُنُونِهِ، وَ) كَثِيرًا (مِنْ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ وَالْآدَابِ) الْمُتَعَلِّقَةِ بِالظَّاهِرِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبِالْبَاطِنِ كَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ وَالصَّفْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِآفَاتِ النَّفْسِ. (تَنْبِيهٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَفِيهِ مَا يُؤَدِّي الْجَاهِلَ إلَخْ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ الصَّغِيرُ وَالْوَافِي بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ شَامِلٌ لِمَا يُؤَدِّي الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَقَدْ مَدَحَ النَّاسُ الرِّسَالَةَ وَاعْتَنَوْا بِشَرْحِهَا حَتَّى قِيلَ مُنْذُ وُضِعَتْ: مَا خَلَتْ سَنَةٌ مِنْ شَرْحٍ فَهِيَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ جَلِيلَةُ الْأَمْرِ. وَالْمُتَقَيِّدُ بِهَا مَعَ الْعَمَلِ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَمَّلَهُ دِينُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا مِنْ إخْلَاصِ مُؤَلِّفِهَا. وَلَمَّا كَانَ حُسْنُ الْعِبَارَةِ وَكَثْرَةُ الْمَعْنَى لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ انْتِفَاعَ الْغَيْرِ بِهَا قَالَ: (وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَيْ لَا غَيْرَهُ عَلَى مَا يُفِيدُهُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ. (أَنْ يَنْفَعَنَا وَإِيَّاكَ) ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمُصَنِّفِ وَالْخِطَابِ لِلشَّيْخِ مُحْرِزٍ لِأَنَّهُ السَّائِلُ فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ضَمِيرَ الْخِطَابِ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ. (بِمَا عَلَّمَنَا) مِنْ التَّعْلِيمِ بِأَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ بِهِ، وَاَلَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ لِلْمُصَنِّفِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَاَلَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ لِلشَّيْخِ مُحْرِزٍ الْقُرْآنُ وَنَحْوُهُ مِمَّا كَانَ يَعْرِفُهُ وَيُفِيدُهُ لِلْأَطْفَالِ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَلِّمًا لَهُمْ، وَالنَّفْعُ مَا أَحْسَنْت بِهِ لِغَيْرِك، وَالِانْتِفَاعُ مَا أَحْسَنْت بِهِ إلَى نَفْسِك، تَقُولُ: نَفَعْتُك بِكَذَا نَفْعًا وَانْتَفَعْت بِكَذَا انْتِفَاعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الْكِتَابِ، لِأَنَّهُ يَنَالُ الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَإِلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ. (وَ) أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَيْضًا أَنْ (يُعِينَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى الْقِيَامِ) أَيْ الْوَفَاءِ (بِحَقِّهِ) تَعَالَى (فِيمَا كَلَّفَنَا) أَيْ أَلْزَمَنَا بِهِ مِنْ امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ، فَيُعِينُنَا مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْفَعُنَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى مِثْلِهِ وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى رِعَايَةِ الْوَدَائِعِ وَحِفْظِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي كَلَامِهِ، وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ نَفْسَهُ فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ: إيَّاكَ إنْ كَانَ الْخِطَابُ لِمُحْرِزٍ يَكُونُ ارْتَكَبَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ كُلَّ وَاقِفٍ عَلَى كَلَامِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى الْأَوْلَى مِنْ التَّعْمِيمِ فِي

стр. 777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [الفواكه الدواني] الدُّعَاءِ لِخَبَرِ: «إذَا دَعَوْتُمْ اللَّهَ فَاجْمَعُوا فَلَعَلَّ فِيمَنْ تَجْمَعُونَ مَنْ تَنَالُونَ بَرَكَتَهُ» أَوْ كَمَا قَالَ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قُلْنَا إيثَارُ عَائِشَةَ لِعُمَرَ عَلَى نَفْسِهَا بِدَفْنِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَعَدَّتْهُ لِنَفْسِهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لِجَزْمِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِخَاطِرِهِ ﵊، فَيَكُونُ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ قُرْبَةٍ إلَى أَعْظَمَ مِنْهَا، وَنَدْبُ التَّقْدِيمِ لِنَفْسِ الدَّاعِي عَلَى غَيْرِهِ فِي الْقُرْبِ شَامِلٌ لِلدُّعَاءِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي يُرْسِلُهُ لِغَيْرِهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: تَقْدِيمُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لِزِيَادَةِ التَّحِيَّةِ، وَتَقْدِيمُ نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ، الثَّالِثُ التَّخْيِيرُ، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْكَاتِبِ فِي السِّنِّ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ النَّسَبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ نَدْبِ الْبُدَاءَةِ بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاءِ جَهْلُ مَنْ قَالَ لَهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكُمْ وَبَدَأَ بِكُمْ، بَلْ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا إذَا دَعَا الشَّخْصُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ لَا إنْ خَصَّ غَيْرَهُ، فَلَا يَتَأَتَّى الدُّعَاءُ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِك لِمَنْ عَطَسَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُك اللَّهُ. وَلَمَّا طَلَب الْمُصَنِّفُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ تَعَالَى وَكَانَ ذَلِكَ لَا بِحَوْلِ الْعَبْدِ وَلَا قُوَّتِهِ قَالَ: (وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) فَقَوْلُهُ: لَا حَوْلَ إلَخْ كَالْعِلَّةِ لِسُؤَالِهِ السَّابِقِ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ مَنْ قَالَهَا أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دَاءً أَدْنَاهَا اللَّمَمُ. وَرُوِيَ بَدَلَ اللَّمَمِ الْفَقْرُ فَهِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَهَا لِقَصْدِ ثَوَابِهَا لَا لِلتَّعَجُّبِ، وَوَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ لَا تَحَوُّلَ لِي عَنْ مَعْصِيَتِك إلَّا بِعِصْمَتِك، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى طَاعَتِك إلَّا بِتَوْفِيقِك، وَقِيلَ مَعْنَاهَا لَا يُنَالُ مَا عِنْدَك بِالْحِيلَةِ وَالْقُوَّةِ كَمَا يُنَالُ مَا عِنْدَ غَيْرِك بِالْحِيلَةِ وَالْقُوَّةِ، وَوَرَدَ: «أَنَّ مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ وَضَاقَ عَلَيْهِ مَا يُحَاوِلُهُ مِنْ أَمْرِهِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّهَا مُذْهِبَةُ كُلَّ هَمٍّ عَنْهُ وَكُلَّ ضِيقٍ وَفَقْرٍ» . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ أَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ إذَا وَقَعْت فِي وَرْطَةٍ قُلْتهَا؟ قُلْت: بَلَى جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك. قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْرِفُ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ» وَالْعَلِيُّ مَعْنَاهُ التَّامُّ الْقُدْرَةِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي يَصْغُرُ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُهَيِّئُ لِقَائِلِهَا كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ قَوْلِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَصْلَهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَقْبُولَةً غَيْرَ مَرْدُودَةٍ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ لَا تَزَالُ تُصَلِّي عَلَى رَاقِمِهَا فِي كِتَابٍ مَا دَامَ اسْمُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَكَانَ حُسْنُ الظَّنِّ وَالرَّجَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَرِيمَ إذَا قَبِلَ صَفْقَةَ مُنْكَسِرٍ فَقِيرٍ مُقِلٍّ مُفْلِسٍ وَرَضِيَهَا وَأَثَابَ عَلَيْهَا وَخُلْدُ الْإِنْعَامِ بِإِزَائِهَا لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْهَا جَعَلَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مُكْتَنِفَيْنِ لِمَا أَتَى بِهِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْآدَابِ تَوَسُّلًا إلَى ذَلِكَ. (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ) الْمُرَادُ أَتْقِيَاءُ أُمَّتِهِ. (وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَقَبُولُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ قَطْعِيٌّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَكَابِرِ، وَلَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ قَبُولُهَا قَطْعِيًّا لَقُطِعَ لِلْمُصَلِّي بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: تَبَعًا لِبَعْضٍ أَنَّ مَعْنَى الْقَطْعِ بِقَبُولِهَا إذَا خُتِمَ لِقَائِلِهَا بِالْإِيمَانِ يَجِدُ حَسَنَتَهَا مَقْبُولَةً مِنْ غَيْرِ شَكٍّ بِخِلَافِ حَسَنَةِ غَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْقَطْعِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ قَائِلِهَا عَلَى وَجْهِ مَحَبَّتِهِ لَهُ ﷺ فَيُقْطَعُ بِانْتِفَاعِهِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْخُلُودِ لِعِظَمِ مَحَبَّتِهِ ﵊، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَكَذَا أَبُو لَهَبٍ كُلُّ مِنْهُمَا انْتَفَعَ بِمَحَبَّةِ الْمُصْطَفَى، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ يَشْرَبُ مِنْ نَقْرَةِ الْإِبْهَامِ وَيُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِعِتْقِهِ ثُوَيْبَةَ لِبِشَارَتِهَا بِوِلَادَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ ، وَالتَّخْفِيفُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ بِنَقْلِهِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ أَخَفَّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ عَنْ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ ﵀ وَذَكَرَ لَفْظَ السَّيِّدِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَاسْتِجْوَابِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاسْتِحْبَابُ. وَأَمَّا حَدِيثُ: «لَا تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ» فَقَالَ الْجَلَالُ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَرَدَ لَأَمْكَنَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تُسَيِّدُونِي سِيَادَةً تُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ النُّبُوَّةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّ الدُّعَاءَ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى الرَّسُولِ ﷺ » وَوَرَدَ أَيْضًا: «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَلْيَبْدَأْ بِمَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ يَسْأَلَ اللَّهَ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُنْتِجَ» أَيْ يُسْتَجَابُ لَهُ، لَكِنْ يَتَوَقَّى الشَّخْصُ الْأَمَاكِنَ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ وَتَحْرُمُ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ وَمِثْلُهَا التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ كُلِّ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، وَتُكْرَهُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَالذَّبْحِ وَالْعُطَاسِ وَعِنْدَ الْبَيْعِ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ قَذِرٍ، مِمَّنْ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ سَحْنُونٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ. وَفِي شَرْحِ الْمُلُوكِ لِلْعَيْنِيِّ: وَيَحْرُمُ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ عَمَلٍ يَحْرُمُ أَوْ عَرْضِ سِلْعَةٍ، وَيَلْحَقُ بِالتَّعْجِيبِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْغَضَبِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ: صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْمِلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْكُفْرِ، كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ، انْتَهَى رَاجِعِ التَّحْقِيقَ. ١ -

стр. 778

وَفِي اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ النَّجَاةُ وَهُمْ الْقُدْوَةُ فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. ــ [الفواكه الدواني] (خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ) مِنْهَا: مَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا تَخْتَصُّ التَّرْضِيَةُ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمُ بِغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَصَحَّ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يَقَعْ فِي نُبُوَّتِهِ خِلَافٌ، فَالْمُخْتَلَفُ فِي نُبُوَّتِهِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ. ١ - وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنْ النَّارِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَنَالُهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ مُعَلِّلًا بِمَا يَطُولُ وَلَا يُفِيدُ ذِكْرُهُ. ١ - وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَوْرَدَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَقِبَ إتْمَامِ عَمَلٍ كَمَا هُنَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا الْإِعْلَامَ بِإِتْمَامِهِ، بَلْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَقْصِدَ إلَّا تَحْصِيلَ فَضِيلَتِهِمَا وَإِلَّا دَخَلَ فِي الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ عِنْدَ التَّمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِمَا الْآتِي بِهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُونَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَهُوَ الْحَقُّ، نَعَمْ الْإِتْيَانُ بِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فِي الْأَجْرِ أَكْمَلُ. وَمِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ صَدْرَ الْكِتَابِ مِنْ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ وَبَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَبَعْدَ تَمَامِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أُحْدِثَ عِنْدَ وِلَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ ١ - وَمِنْهَا: يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ ﵊ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَرَى الرَّائِي ذَاتَه الشَّرِيفَةَ حَقِيقَةً أَوْ يَرَى مِثَالًا يَحْكِيهَا، فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي الْغَزَالِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالْيَافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ سِرَاجُ الْهِدَايَةِ وَنُورُ الْهُدَى وَشَمْسُ الْمَعَارِفِ كَمَا يَرَى النُّورَ وَالسِّرَاجَ وَالشَّمْسَ مِنْ بُعْدٍ، وَالْمَرْئِيُّ جُرْمُ الشَّمْسِ بِأَعْرَاضِهِ فَكَذَلِكَ الْبَدَنُ الشَّرِيفُ، فَلَا تُفَارِقُ ذَاتُهُ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، بَلْ يَخْرِقُ اللَّهُ الْحُجُبَ لِلرَّائِي وَيُزِيلُ الْمَوَانِعَ حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ رَاءٍ وَلَوْ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ أَوْ تُجْعَلُ الْحُجُبُ شَفَّافَةً لَا تَحْجُبُ مَا وَرَاءَهَا، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ رُؤْيَاهُ مَنَامًا إدْرَاكٌ بِجُزْءٍ لَمْ تَحِلَّهُ آفَةُ النَّوْمِ مِنْ الْقَلْبِ فَهُوَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ لَا بِعَيْنِ الْبَصَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَرَاهُ الْأَعْمَى. وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ يَقَظَةً. وَرُوِيَ: «مَنْ رَآنِي مَنَامًا فَسَيَرَانِي يَقَظَةً» . وَمُنْكِرُ ذَلِكَ مَحْرُومٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَالْبَحْثُ مَعَهُ سَاقِطٌ لِتَكْذِيبِهِ مَا أَثْبَتَتْهُ السُّنَّةُ أَشَارَ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ. ١ - (وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا ذِكْرُهُ) . وَنَعُوذُ بِك يَا خَالِقَنَا مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، نَعُوذُ بِك اللَّهُمَّ مِنْ شَرِّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ، وَنَسْأَلُك يَا رَبِّ بِحَقِّ الْمُصْطَفَى ﷺ أَنْ تَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ حَصَّلَهُ أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِهِ رَابِعَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْمَسْبُوقَةِ بِالْأَلْفِ. وَعَلَّقَهُ بِيَدِهِ جَامِعُهُ أَفْقَرُ عِبَادِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ غُنَيْمٍ، النَّفْرَاوِيُّ بَلَدًا، الْأَزْهَرِيُّ مَوْطِنًا، الْمَالِكِيُّ مَذْهَبًا، يَرْجُو مِنْ اللَّهِ قَبُولَهُ، وَإِلَى أَعَالِي الدَّرَجَاتِ وُصُولَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ