Полный текст (1 346 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَكَتَبَ إلَيْهِمْ أَفِيدُونَا بِقَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ فَأَذِنَ حِينَئِذٍ فِي قِتَالِهِمْ وَهِيَ رِوَايَاتٌ ثَابِتَةٌ سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): أَنَّهُ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَهُوَ مِنْ أَجْهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ وَجَهَزَ أَيْ بَتَّ قَتْلَهُ وَأَسْرَعَهُ وَتَمَّمَ عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: «وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا».
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْجَمَلِ " إذَا ظَهَرْتُمْ عَلَى الْقَوْمِ، فَلَا تَطْلُبُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَانْظُرُوا مَا حُضِرَتْ بِهِ الْحَرْبُ مِنْ آلَتِهِ فَاقْبِضُوهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُنْقَطِعٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَلَمْ يَسْلُبْ قَتِيلًا وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَسِيرُ الْبُغَاةِ قَالُوا: وَهَذَا خَاصٌّ بِالْبُغَاةِ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِهِمْ عَنْ الْمُحَارَبَةِ.
وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَدْ وَقَعَ.
وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْهَارِبَ إلَى فِئَةٍ يُقْتَلُ إذْ لَا يُؤْمَنُ عَوْدُهُ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ وَكَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ ﵇.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ): قَوْلُهُ: «وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا» أَيْ لَا يُغْنَمُ فَيُقْسَمُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ أَمْوَالَ الْبُغَاةِ لَا تُغْنَمُ، وَإِنْ أُجْلِبُوا بِهَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَأُيِّدَ هَذَا بِقَوْلِهِ ﵌ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ»، وَقَدْ صَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ لَمْ يَأْخُذْ سَلَبًا فَأَخْرَجَ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ كَانَ لَا يَأْخُذُ سَلَبًا وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ يَوْمَ الْبَصْرَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْئًا.
وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ شَهِدْت يَوْمَ صِفِّينَ وَكَانُوا لَا يُجْهِزُونَ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَقْتُلُونَ مُوَلِّيًا، وَلَا يَسْلُبُونَ قَتِيلًا. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُغْنَمُ مَا أُجْلِبُوا بِهِ مِنْ مَالٍ وَآلَةِ حَرْبٍ وَيُخْمَسُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵇: لَكُمْ الْمُعَسْكَرُ وَمَا حَوَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهَا لَا تُغْنَمُ وَبِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَدِيثَ أَكْثَرُ وَأَقْوَى طَرِيقًا.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ): يُؤْخَذُ مِنْ إطْلَاقِ قَوْلِهِ «وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا» أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ فِي الْقِتَالِ مِنْ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَالْحَنَفِيَّةُ وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ ضَمَانًا وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ هَاجَتْ الْفِتْنَةُ الْأُولَى فَأَدْرَكَتْ الْفِتْنَةُ رِجَالًا ذَوِي عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا وَبَلَغْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يُهْدَرَ أَمْرُ الْفِتْنَةِ، وَلَا يُقَامُ فِيهَا عَلَى رَجُلٍ قَاتِلٍ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ قِصَاصٌ فِيمَنْ قَتَلَ، وَلَا حَدَّ فِي سِبَاءِ امْرَأَةٍ سُبِيَتْ، وَلَا يُرَى
стр. 1017
١١٢٠ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
بَابُ قِتَالِ الْجَانِي، وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ
١١٢١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
عَلَيْهَا حَدٌّ، وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا مُلَاعَنَةٌ، وَلَا يُرَى أَنْ يَقْذِفَهَا أَحَدٌ إلَّا جُلِدَ الْحَدَّ وَيُرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ تَعْتَدَّ فَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَيُرَى أَنْ يَرِثَهَا زَوْجُهَا " قُلْت ": وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا، فَإِنَّهُ مُقَوٍّ لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَدِمَاءَهُمْ مَعْصُومَةٌ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ الْهَادَوِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِمَّنْ قَتَلَ مِنْ الْبُغَاةِ وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ نَحْوِ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وَحَدِيثِ «مَنْ اعْتَبَطَ مُسْلِمًا بِقَتْلٍ عَنْ بَيِّنَةٍ، فَهُوَ قَوَدٌ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عُمُومَاتٌ خُصَّتْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
(وَعَنْ عَرْفَجَةَ - بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَجِيمٍ - بْنِ شُرَيْحٍ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرُ شَرْحٍ وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ (قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ». وَفِي لَفْظٍ " فَاقْتُلُوهُ ". وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرٍ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وَفِي لَفْظٍ «مَنْ خَرَجَ عَنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» دَلَّتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إمَامٍ قَدْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُرَادُ أَهْلُ قُطْرٍ كَمَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ لِإِدْخَالِهِ الضَّرَرَ عَلَى الْعِبَادِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ جَائِرًا، أَوْ عَادِلًا، وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ. وَفِي لَفْظٍ مَا لَمْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذِهِ الْمَبَاحِثَ فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ تَحْقِيقًا تُضْرَبُ إلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ.
стр. 1018
١١٢٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: «قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُقَاتَلَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ قَلِيلًا كَانَ الْمَالُ، أَوْ كَثِيرًا، وَهَذَا قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْقِتَالُ عَلَى أَخْذِ الْقَلِيلِ مِنْ الْمَالِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ هَلْ الْقِتَالُ لِدَفْعِ الْمُنْكَرِ، فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، أَوْ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ؟ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ، أَوْ نَفْسُهُ، أَوْ حَرِيمُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ، وَلَا دِيَةٌ، وَلَا كَفَّارَةٌ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، إلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْأَوْزَاعِيُّ بَيْنَ الْحَالِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا جَمَاعَةٌ وَإِمَامٌ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا فِي حَالِ الْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ فَلْيَسْتَسْلِمْ، وَلَا يُقَاتِلْ أَحَدًا.
(قُلْت): وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «أَرَأَيْت إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ قَالَ أَرَأَيْت إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْت إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ قَالَ أَرَأَيْت إنْ قَتَلْته؟ قَالَ: فَهُوَ فِي النَّارِ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ إطْلَاقُ الْأَحْوَالِ.
(قُلْت): هَذَا فِي جَوَازِ قِتَالِ مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَيْ لِمَنْ يُرَادُ أَخْذُ مَالِهِ ظُلْمًا الِاسْتِسْلَامُ وَتَرْكُ الْمَنْعِ بِالْقِتَالِ؟ الظَّاهِرُ جَوَازُهُ. وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ»، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِسْلَامِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ بِالْأَوْلَى فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ هُنَا، وَلَا تُعْطِهِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ.
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَاخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَاضِيهِ عَضِضَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْأُولَى يَعْضَضُ
стр. 1019
١١٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ " بِلَا دِيَةٍ لَهُ، وَلَا قِصَاصٍ "
بِفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ فَأُدْغِمَتْ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إلَى مَا قَبْلَهَا (أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ) أَيْ الذَّكَرُ مِنْ الْإِبِلِ (لَا دِيَةَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ).
اُخْتُلِفَ فِي الْعَاضِّ وَالْمَعْضُوضِ مِنْهُمَا، فَقَالَ الْحَافِظُ: الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَعْضُوضَ أَجِيرُ يَعْلَى لَا يَعْلَى قِيلَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ يَعْلَى هُوَ الْعَاضُّ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِأَجْلِ الدَّفْعِ عَنْ الضَّرَرِ تُهْدَرُ، وَلَا دِيَةَ عَلَى الْجَانِي وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَرَ سِلَاحًا لِقَتْلِهِ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالُوا: وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوضُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَشَرْطُ الْإِهْدَارِ أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَعْضُوضُ، وَأَنْ لَا يُمْكِنَهُ تَخْلِيصُ يَدِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبِ شِدْقِهِ، أَوْ فَكِّ لَحْيَيْهِ لِيُرْسِلَهُمَا وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إلَى الْأَثْقَلِ لَمْ يُهْدَرْ وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلُ شَرْطِ الْإِهْدَارِ بِمَا ذُكِرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ فِي الشَّرْعِ وَإِلَّا، فَلَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ، فَإِنْ كَانَ الْعَضُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْبَدَنِ جَرَى فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ قِيَاسًا.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﵌: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَلَى أَنَّ مَنْ اطَّلَعَ قَاصِدًا لِلنَّظَرِ إلَى مَحَلِّ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ إلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُطَّلَعِ عَلَيْهِ دَفْعُهُ بِمَا ذُكِرَ، وَإِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ).
وَأَمَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِالنَّظَرِ فَالْجُنَاحُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَلَى مَنْ جَنَى عَلَى النَّاظِرِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي مَحَلٍّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِذْنِ، وَلَوْ نَظَرَ مِنْهُ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ مِنْ الْمَالِكِيَّة لَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ تَصَرَّفَ الْفُقَهَاءُ
стр. 1020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي الْحُكْمِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مِنْهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّاظِرُ وَاقِفًا فِي الشَّارِعِ، أَوْ فِي خَالِصِ مِلْكِ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ، أَوْ فِي مَسْلَكَةٍ مُنْسَدَّةِ الْأَسْفَلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَلَا يَجُوزُ مَدُّ الْعَيْنِ إلَى حُرُمِ النَّاسِ بِحَالٍ.
وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا تُفْقَأُ إلَّا عَيْنُ مَنْ وَقَفَ فِي مِلْكِ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ وَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ رَمْيُ النَّاظِرِ قَبْلَ الْإِنْذَارِ وَالنَّهْيِ. فِيهِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَحَدُهُمَا: لَا. وَالثَّانِي: نَعَمْ.
(قُلْت): وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ يَخْتِلُ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهِ لِيَطْعَنَهُ» وَالْخَتْلُ فَسَّرَهُ فِي النِّهَايَةِ بِقَوْلِهِ يُرَاوِدُهُ وَيَطْلُبُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ لَهُ قَصْدُ الْعَيْنِ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ كَالْمِدْرَى وَالْبُنْدُقِيَّةِ وَالْحَصَاةِ لِقَوْلِهِ فَحَذَفْته.
قَالَ الْفُقَهَاءُ: فَأَمَّا لَوْ رَمَاهُ بِالنُّشَّابِ أَوْ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ فَقَتَلَهُ، فَهَذَا قَتْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ.
وَمِمَّا تَصَرَّفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ هَذَا النَّاظِرَ إذَا كَانَ لَهُ مَحْرَمٌ فِي الدَّارِ، أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ مَتَاعٌ لَمْ يَجُزْ قَصْدُ عَيْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ إلَّا مَحَارِمُهُ.
وَمِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ إلَّا صَاحِبُهَا فَلَهُ الرَّمْيُ إنْ كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، وَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَجُوزُ رَمْيُهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْحَرِيمَ إذَا كُنَّ فِي الدَّارِ مُسْتَتِرَاتٍ، أَوْ فِي بَيْتٍ، فَفِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ قَصْدُ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَى شَيْءٍ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْضَبِطُ أَوْقَاتُ السَّتْرِ وَالتَّكَشُّفِ، وَالِاحْتِيَاطُ حَسْمُ الْبَابِ.
وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ بَابُهُ مَفْتُوحًا، أَوْ ثَمَّ كُوَّةٌ وَاسِعَةٌ، أَوْ ثُلْمَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَازًا لَمْ يَجُزْ قَصْدُهُ، وَإِنْ كَانَ وَقَفَ وَتَعَمَّدَ فَقِيلَ لَا يَجُوزُ قَصْدُهُ لِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الدَّارِ بِفَتْحِ الْبَابِ وَتَوْسِيعِ الْكُوَّةِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِتَعَدِّيهِ بِالنَّظَرِ. وَأُجْرِيَ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا نَظَرَ مِنْ سَطْحِ بَيْتِهِ، أَوْ نَظَرَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْمِئْذَنَةِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ هَاهُنَا عِنْدَهُمْ جَوَازُ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْفِقْهِيَّةِ دَاخِلًا تَحْتَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهَا وَمَا لَا فَبَعْضُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِالْحَدِيثِ وَبَعْضُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِيمَا ذُكِرَ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ صِحَّةُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّهَا تُهْدَمُ الصَّوَامِعُ الْمُحْدَثَةُ الْمُعْوِرَةُ وَكَذَا تَعْلِيَةُ الْمِلْكِ إذَا كَانَتْ مُعْوِرَةً، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْقَاسِمِ الرَّسِّيُّ، وَهُوَ رَأْيُ عُمَرَ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فُتُوحِ مِصْرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى غُرْفَةً بِمِصْرَ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَكَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " سَلَامٌ عَلَيْك أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ بَنَى غُرْفَةً وَلَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِ جِيرَانِهِ، فَإِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَاهْدِمْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسَّلَامُ ".
стр. 1021
١١٢٤ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ
١١٢٥ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ - لَا أَجْلِسُ
(وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ) مَدَارُهُ عَلَى الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حِزَامٍ عَنْ الْبَرَاءِ وَحِزَامٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ الْبَرَاءِ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ تَبَعًا لِابْنِ حَزْمٍ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ. وَفِيهَا الِاخْتِلَافُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَخَذْنَا بِهِ لِثُبُوتِهِ وَاتِّصَالِهِ وَمَعْرِفَةِ رِجَالِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ مَا أَفْسَدَتْهُ الْغَنَمُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُضَمِّنُ مَا أَفْسَدَتْهُ بِالنَّهَارِ وَيَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ وَكَانَ يَقُولُ النَّفْشُ بِاللَّيْلِ وَرَوَى مُرَّةُ عَنْ مَسْرُوقٍ " إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ " قَالَ كَانَ كَرْمًا فَدَخَلَتْ فِيهِ لَيْلًا فَمَا تَرَكَتْ فِيهِ خَضِرًا فَدَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَالِكُ الْبَهِيمَةِ مَا جَنَتْهُ فِي النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ إرْسَالُهَا فِي النَّهَارِ وَيَضْمَنُ مَا جَنَتْهُ بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ حِفْظُهَا بِاللَّيْلِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَلِيلُهُمْ الْحَدِيثُ وَالْآيَةُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مُطْلَقًا وَحُجَّتُهُ " حَدِيثُ الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَمْرٍو وَابْنِ عَوْفٍ. وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ مَذْهَبُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ إذَا أَرْسَلَهَا مَعَ حَافِظٍ. وَأَمَّا إذَا أَرْسَلَهَا مِنْ دُونِ حَافِظٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِمَا سُرِّحَتْ الدَّوَابُّ فِي مَسَارِحِهَا الْمُعْتَادَةِ لِلرَّعْيِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي أَرْضٍ مَزْرُوعَةٍ لَا مَسْرَحَ فِيهَا، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَا تُنَاسِبُ النَّصَّ هَذَا، وَلَا دَلِيلَ لَهَا يُقَاوِمُهُ.
стр. 1022
حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد: وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ
١١٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) جُوِّزَ فِي قَضَاءٍ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ حُذِفَ فِعْلُهُ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَسَيَأْتِي مَنْ خَرَّجَهُ (فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَكَانَ اُسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ).
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ هَلْ تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ قَبْلَ قَتْلِهِ، أَوْ لَا؟ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ لِمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد هَذِهِ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَدَعَاهُ أَبُو مُوسَى عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا وَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَآخَرُونَ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْحَالِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يَعْنِي وَالْفَاءُ تُفِيدُ التَّعْقِيبَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ مِنْ دُونِ أَنْ يُدْعَى قَالُوا: وَإِنَّمَا شُرِعَتْ الدَّعْوَةُ لِمَنْ خَرَجَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَا عَنْ بَصِيرَةٍ. وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ بَصِيرَةٍ فَلَا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ إنْ كَانَ أَصْلُهُ مُسْلِمًا لَمْ يُسْتَتَبْ وَإِلَّا اُسْتُتِيبَ نَقَلَهُ عَنْهُمَا الطَّحَاوِيُّ. ثُمَّ لِلْقَائِلِينَ بِالِاسْتِتَابَةِ خِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي مَرَّةً، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ فِي يَوْمٍ، أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ يُسْتَتَابُ شَهْرًا.
١١٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ عَامٌّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْأَوَّلُ إجْمَاعٌ. وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ.
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ هُنَا تَعُمُّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ " تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ " وَلِمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَالدَّارَقُطْنِيّ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَتَلَ امْرَأَةً مُرْتَدَّةً فِي خِلَافَتِهِ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ "، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَخْرَجَ أَيْضًا حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ «خَالِدٍ
стр. 1023
١١٢٧ - وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَلَا اشْهَدُوا، فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ
حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْيَمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ، فَإِنْ عَادَ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا، فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهَا» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إذَا ارْتَدَّتْ قَالُوا؛ لِأَنَّهُ قَدْ «وَرَدَ عَنْهُ ﷺ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ لَمَّا رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً، وَقَالَ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ قَتْلِ الْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ النَّهْيِ فَيَكُونُ النَّهْيُ مَخْصُوصًا بِمَا فُهِمَ مِنْ الْعِلَّةِ، وَهُوَ لَمَّا كَانَتْ لَا تُقَاتِلُ فَالنَّهْيُ عَنْ قَتْلِهَا إنَّمَا هُوَ لِتَرْكِهَا الْمُقَاتَلَةَ فَكَانَ ذَلِكَ فِي دِينِ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ الْمُتَحَزَّبِينَ لِلْقِتَالِ وَبَقِيَ عُمُومُ قَوْلِهِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَأَيَّدَتْهُ الْأَدِلَّةُ الَّتِي سَلَفَتْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ إطْلَاقُ التَّبْدِيلِ فَيَشْمَلُ مَنْ تَنَصَّرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْيَانِ الْكُفْرِيَّةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَدْيَانِ الَّتِي تُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ أَمْ لَا لِإِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا لَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا تَبْدِيلَ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. قَالُوا: وَإِطْلَاقُ الْحَدِيثِ مَتْرُوكٌ اتِّفَاقًا فِي حَقِّ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ مَعَ تَنَاوُلِ الْإِطْلَاقِ لَهُ وَبِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَالْمُرَادُ مَنْ بَدَّلَ دِينَ الْإِسْلَامِ بِدِينٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ خَالَفَ دِينُهُ دِينَ الْإِسْلَامِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» فَصَرَّحَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ الْمِعْوَلَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ أَلَا اشْهَدُوا، فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ).
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَيُهْدَرُ دَمُهُ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا كَانَ سَبُّهُ لَهُ ﷺ رِدَّةً فَيُقْتَلُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
стр. 1024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يُقْتَلُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ الْمُعَاهَدُ، وَلَا يُقْتَلُ وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ الْيَهُودَ الَّذِي قَالُوا السَّامُّ عَلَيْك، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ مُسْلِمٍ لَكَانَ رِدَّةً وَلِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِنْ السَّبِّ.
قُلْت يُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُفْرَهُمْ بِهِ ﷺ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَيُّ سَبٍّ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا، وَقَدْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا النَّصَّ فِي حَدِيثِ الْأَمَةِ يُقَاسُ عَلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ إنَّمَا حُقِنَتْ بِالْعَهْدِ وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِلَا عَهْدٍ فَيُهْدَرُ دَمُهُ، فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ أَنَّ عَهْدَهُمْ تَضَمَّنَ إقْرَارَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ لَهُ ﷺ ، وَهُوَ أَعْظَمُ سَبٍّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُخَصُّ مِنْ بَيْنِ غَيْرِهِ مِنْ السَّبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1025
كِتَابُ الْحُدُودِ
بَابُ حَدِّ الزَّانِي
١١٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: قُلْ قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الْحُدُودُ: جَمْعُ حَدٍّ، وَالْحَدُّ: أَصْلُهُ مَا يَحْجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَمْنَعُ اخْتِلَاطَهُمَا؛ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ حُدُودًا لِكَوْنِهَا تَمْنَعُ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ؛ وَيُطْلَقُ الْحَدُّ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَهَذِهِ الْحُدُودُ مُقَدَّرَةٌ مِنْ الشَّارِعِ؛ وَيُطْلَقُ الْحَدُّ عَلَى نَفْسِ الْمَعَاصِي نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ وَعَلَى فِعْلٍ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُك) قَالَ فِي الْفَتْحِ ضَمَّنَ أَنْشُدُك مَعْنَى أُذَكِّرُك فَحُذِفَتْ الْبَاءُ أَيْ أُذَكِّرُك اللَّهَ رَافِعًا نَشِيدَتِي أَيْ صَوْتِي وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ وَضَمِّ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَسْأَلُك (اللَّهَ إلَّا قَضَيْت لِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ إذْ الْمَعْنَى
стр. 1026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَا أَنْشُدُك إلَّا الْقَضَاءَ بِكِتَابِ اللَّهِ (فَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) كَأَنَّ الرَّاوِيَ يَعْرِفُ أَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ كَوْنِهِ سَأَلَ أَهْلَ الْفِقْهِ (نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأُذُن لِي فَقَالَ: قُلْ. قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ كَأَجِيرٍ وَزْنًا وَمَعْنًى.
«عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ. وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ فَسَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» كَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ ﷺ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ وَقَدْ كَانَ اعْتَرَفَ بِالزِّنَى (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) تَصْغِيرُ أَنَسٍ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا ذِكْرَ لَهُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ (إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَعَلَيْهِ دَلَّ الْقُرْآنُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْرِيبُ عَامٍ وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الرَّجْمُ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَعَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَى مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ كَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُد وَآخَرُونَ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعُ مَرَّاتٍ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا يَأْتِي مِنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِهِ وَأَمْرُهُ ﷺ أُنَيْسًا بِرَجْمِهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ عِنْدَهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ قَالُوا: وَقِصَّةُ أُنَيْسٍ يَطْرُقُهَا احْتِمَالُ الْأَعْذَارِ وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : فَارْجُمْهَا بَعْدَ إعْلَامِهِ ﷺ أَوْ أَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ وَالْمَعْنَى: فَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةِ مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: حَكَمْت " قُلْت ": وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ تَكَلُّفَاتٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَبْعَثْ إلَى الْمَرْأَةِ لِأَجْلِ إثْبَاتِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِاسْتِتَارِ مَنْ أَتَى بِفَاحِشَةٍ وَبِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وَنَهَى عَنْ التَّجَسُّسِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَى بَعَثَ إلَيْهَا ﷺ لِتُنْكِرَ فَتُطَالِبَ بِحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ تُقِرَّ بِالزِّنَى فَيَسْقُطَ عَنْهُ، فَكَانَ مِنْهَا الْإِقْرَارُ فَأَوْجَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا الْحَدَّ؛ وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَ الْمَرْأَةَ فَقَالَتْ: كَذَبَ
стр. 1027
١١٢٩ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فَجَلَدَهُ جَلْدَةَ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ» وَقَدْ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ النَّسَائِيّ.
(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) إشَارَةً إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ السَّبِيلَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُكْمِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ:
" الْأُولَى " حُكْمُ الْبِكْرِ إذَا زَنَى، وَالْمُرَادُ بِالْبِكْرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الْحُرُّ الْبَالِغُ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَقَوْلُهُ (بِالْبِكْرِ) هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ مَفْهُومُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبِكْرِ الْجَلْدُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ كَمَا فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ وَقَوْلُهُ " (نَفْيُ سَنَةٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّغْرِيبِ لِلزَّانِي الْبِكْرِ عَامًا وَأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ؛ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّغْرِيبُ، وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي آيَةِ النُّورِ، فَالتَّغْرِيبُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَهُوَ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَكَثْرَةِ مَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ عَمِلَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِمِثْلِهِ بَلْ بِدُونِهِ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَجَوَازِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: «أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ أَنَّهُ يَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ عَلَيْهِ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ» وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَخَطَبَ بِذَلِكَ " عُمَرُ " عَلَى رُءُوسِ الْمَنَابِرِ وَكَأَنَّ الطَّحَاوِيَّ لَمَّا رَأَى ضَعْفَ جَوَابِ الْحَنَفِيَّةِ هَذَا أَجَابَ عَنْهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ التَّغْرِيبِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ فَلْيَبِعْهَا» وَالْبَيْعُ يُفَوِّتُ التَّغْرِيبَ، قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْأَمَةِ سَقَطَ عَنْ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا؛ قَالَ: وَيَتَأَكَّدُ بِحَدِيثِ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.» قَالَ: وَإِذَا انْتَفَى عَنْ النِّسَاءِ انْتَفَى عَنْ الرِّجَالِ. انْتَهَى.
وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامُّ إذَا خُصَّ لَمْ يَبْقَ دَلِيلًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. ثُمَّ نَقُولُ: الْأَمَةُ خُصِّصَتْ مِنْ حُكْمِ التَّغْرِيبِ وَكَانَ الْحَدِيثُ عَامًّا فِي حُكْمِهِ
стр. 1028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ، فَخُصَّتْ مِنْهُ الْأَمَةُ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا دَاخِلًا تَحْتَ الْحُكْمِ.
وَاسْتَدَلَّ الْهَادَوِيَّةُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ.
قُلْت: التَّغْرِيبُ عُقُوبَةٌ لَا حَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ " جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ " وَلِنَفْيِ عُمَرَ فِي الْخَمْرِ وَلَمْ يُنْكِرْ ثُمَّ قَالَ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ مَا قَالَهُ. أَمَّا كَلَامُ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحَبْسَ عِوَضًا عَنْ التَّغْرِيبِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ؛ وَأَمَّا نَفْيُ عُمَرَ فِي الْخَمْرِ فَاجْتِهَادٌ مِنْهُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَنْفِي حَدًّا بِاجْتِهَادِهِ وَالنَّفْيُ فِي الزِّنَى بِالنَّصِّ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَرَّبُ، قَالُوا: لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضٌ لِلْفِتْنَةِ، وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنْ السَّفَرِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ مَنْ قَالَ بِالتَّغْرِيبِ أَنْ تَكُونَ مَعَ مَحْرَمِهَا وَأُجْرَتُهُ مِنْهَا إذَا وَجَبَتْ بِجِنَايَتِهَا؛ وَقِيلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَإِنَّهُ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَى، قَالُوا: لِأَنَّ نَفْيَهُ عُقُوبَةٌ لِمَالِكِهِ لِمَنْعِهِ نَفْعَهُ مُدَّةَ غُرْبَتِهِ وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَاضِيَةٌ أَنْ لَا يُعَاقِبَ إلَّا الْجَانِي وَمِنْ ثَمَّةَ سَقَطَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ عَنْ الْمَمْلُوكِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُد: يُنْفَى لِعُمُومِ أَدِلَّةِ التَّغْرِيبِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَيُنْصِفُ فِي حَقِّ الْمَمْلُوكِ لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا مَسَافَةُ التَّغْرِيبِ فَقَالُوا: أَقَلُّهَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ لِتَحْصِيلِ الْغُرْبَةِ، وَغَرَّبَ عُمَرُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ، وَغَرَّبَ عُثْمَانُ إلَى مِصْرَ وَمَنْ كَانَ غَرِيبًا لَا وَطَنَ لَهُ غُرِّبَ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّتِي وَاقَعَ فِيهَا الْمَعْصِيَةَ ".
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " فِي قَوْلِهِ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ مَنْ قَدْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ وَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَالْحُكْمُ هُوَ مَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: " جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّهُ يُجْمَعُ لِلثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ " أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " قَالَ الشَّعْبِيُّ: قِيلَ لِعَلِيٍّ: جَمَعْت بَيْنَ حَدَّيْنِ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ.
قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَذَهَبَ إلَى هَذَا أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ قَالُوا: وَحَدِيثُ عُبَادَةَ مَنْسُوخٌ بِقِصَّةِ «مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ ﷺ رَجَمَهُمْ وَلَمْ يَرْوِ أَنَّهُ جَلَدَهُمْ»؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ ثَابِتٌ عَلَى الْبِكْرِ سَاقِطٌ عَنْ الثَّيِّبِ؛ قَالُوا: وَحَدِيثُ عُبَادَةَ مُتَقَدِّمٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَأَخُّرِهَا تَصْرِيحٌ بِسُقُوطِ الْجَلْدِ عَنْ الْمَرْجُومِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ رِوَايَتِهِ لِوُضُوحِهِ وَلِكَوْنِهِ الْأَصْلَ.
وَقَدْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِنَظِيرِ هَذَا حِينَ عُورِضَ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ «بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعُمْرَةَ»؛ فَأَجَابَ
стр. 1029
١١٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَنَادَاهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْت؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
بِأَنَّ السُّكُوتَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ جَلْدَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ رَجَمَهُمْ ﷺ لَوْ وَقَعَ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ يَحْضُرُ عَذَابَهُمَا مِنْ طَوَائِفِ الْمُؤْمِنِينَ يَبْعُدُ أَنَّهُ لَا يَرْوِيهِ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَعَدَمُ إثْبَاتِهِ فِي رِوَايَةٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَعَ تَنَوُّعِهَا وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا دَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْجَلْدُ فَيَقْوَى مَعَهُ الظَّنُّ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَفِعْلُ عَلِيٍّ ظَاهِرٌ أَنَّهُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ لِقَوْلِهِ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ عَمِلَ بِاجْتِهَادٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلِينَ، فَلَا يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَوْقِيفٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِهِ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَوْقِيفٌ (قُلْت): وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ دَلَالَةِ حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى إثْبَاتِ جَلْدِ الثَّيِّبِ ثُمَّ رَجْمِهِ، وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْلِدْ مَنْ رَجَمَهُ فَأَنَا أَتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ، وَكُنْت قَدْ جَزَمْت فِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ بِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ ثُمَّ حَصَلَ لِي التَّوَقُّفُ هُنَا.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» أَيْ انْتَقَلَ مِنْ النَّاحِيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا إلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُ بِهَا وَجْهَهُ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْت فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْت؟» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ تَزَوَّجْت (قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
الْحَدِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى مَسَائِلَ
" الْأُولَى ": أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ إقْرَارٌ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعًا أَوْ لَا؛ ذَهَبَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ وَهُمْ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ
стр. 1030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَدَاوُد وَآخَرُونَ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فِي سَائِرِ الْأَقَارِيرِ كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، وَبِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأُنَيْسٍ: " فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَكْرَارَ الِاعْتِرَافِ فَلَوْ كَانَ شَرْطًا مُعْتَبَرًا لَذَكَرَهُ ﷺ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ وَلَا يُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى أَرْبَعُ مَرَّاتٍ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ مَاعِزٍ هَذَا.
وَأُجِيبَ عَنْهُمْ بِأَنَّ حَدِيثَ مَاعِزٍ هَذَا اضْطَرَبَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ الْإِقْرَارَاتِ فَجَاءَ فِيهَا أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْد مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثٍ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى فَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَوْلُهُ ﷺ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (قَدْ شَهِدْت عَلَى نَفْسِك أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) حِكَايَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ فَالْمَفْهُومُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا زِيَادَةً فِي الِاسْتِثْبَاتِ وَالتَّبَيُّنِ وَلِذَلِكَ سَأَلَهُ ﷺ هَلْ بِهِ جُنُونٌ أَوْ هُوَ شَارِبُ خَمْرٍ وَأَمَرَ مَنْ يَشُمَّ رَائِحَتَهُ وَجَعَلَ يَسْتَفْسِرُهُ عَنْ الزِّنَى كَمَا سَيَأْتِي بِأَلْفَاظٍ عَدِيدَةٍ كُلُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ الَّتِي عُرِضَتْ فِي أَمْرِهِ، وَلِأَنَّهَا قَالَتْ الْجُهَنِيَّةُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْت مَاعِزًا فَعُلِمَ أَنَّ التَّرْدِيدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِقْرَارِ.
وَبَعْدُ فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا اضْطِرَابَ وَأَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَهَذَا فِعْلٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ ﷺ وَلَا طَلَبِهِ لِتَكْرَارِ إقْرَارِهِ، بَلْ فَعَلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لَا عَلَى شَرْطِيَّتِهِ وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى أَرْبَعَةٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحُ الْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي الْمَالِ عَدْلَانِ وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَكْفِي مَرَّةً وَاحِدَةً اتِّفَاقًا.
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ": دَلَّتْ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ مَعَهَا الْحَدُّ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، فَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: «أَشَرِبْت خَمْرًا؟ قَالَ: لَا، وَأَنَّهُ قَامَ رَجُلٌ يَسْتَنْكِهُهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ رِيحًا».
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت " وَفِي رِوَايَةٍ: «هَلْ ضَاجَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ بَاشَرْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: هَلْ جَامَعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنِكْتَهَا؟ " لَا يُكَنِّي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنِكْتَهَا؟. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: دَخَلَ ذَلِكَ مِنْك فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَدْرِي مَا الزِّنَى؟ قَالَ: نَعَمْ أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا. قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ قَالَ: تُطَهِّرُنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» فَدَلَّ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّبَيُّنُ، وَأَنَّهُ يُنْدَبُ تَلْقِينُ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ، وَأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُوَاقَعَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَلْقِينُ الْمُقِرِّ كَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ
стр. 1031
١١٣١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْت، أَوْ غَمَزْت، أَوْ نَظَرْت؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي قِصَّةِ شُرَاحَةَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهَا عَلِيٌّ " اُسْتُكْرِهْت "؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَعَلَّ رَجُلًا أَتَاك فِي نَوْمِك؟ " الْحَدِيثَ " وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ مَنْ اُشْتُهِرَ بِانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (أَشَرِبْت خَمْرًا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّكْرَانِ، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ رَجْمِهِ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَحَفَرَ لَهُ حَفِيرَةً وَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهَا لَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ " حَتَّى مَاتَ " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ قَالَ ﷺ يَعْنِي حِينَ أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ " هَلَّا رَدَدْتُمُوهُ إلَيَّ " وَفِي رِوَايَةٍ " تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ " وَأَخَذَ مِنْ هَذَا الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ يَصِحُّ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِقْرَارِ فَإِذَا هَرَبَ تُرِكَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : (لَعَلَّهُ يَتُوبُ) إشْكَالٌ لِأَنَّهُ مَا جَاءَ إلَّا تَائِبًا يَطْلُبُ تَطْهِيرَهُ مِنْ الذَّنْبِ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ «قَالَ ﷺ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» وَلَعَلَّهُ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ عَنْ إقْرَارِهِ وَيَتُوبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَغْفِرُ لَهُ أَوْ الْمُرَادَ يَتُوبُ عَنْ إكْذَابِهِ نَفْسَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَأَمَرَ بِهِ فَرَجَمُوهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَحْضُرْ الرَّجْمَ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَرْجُمَ الْإِمَامُ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْهَادِي وَالْأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَغَى عَلَيْهَا وَلَدُهَا أَوْ كَانَ اعْتِرَافٌ فَالْإِمَامُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَالشُّهُودُ أَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ».
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ فَزَايٍ، فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ فُسِّرَ الْغَمْزُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِالْإِشَارَةِ كَالرَّمْزِ بِالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا الْجَسُّ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ وَرَدَ
стр. 1032
١١٣٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إذَا أَحْصَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ لَمَسْت عِوَضًا عَنْهُ (أَوْ نَظَرْت قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَالْمُرَادُ اسْتِفْهَامُهُ هَلْ هُوَ أَطْلَقَ لَفْظَ الزِّنَى عَلَى أَيِّ هَذِهِ مَجَازًا وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ «الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى التَّثَبُّتِ وَتَلْقِينِ الْمُسْقِطِ لِلْحَدِّ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الزِّنَى بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (أَوْ الِاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ الِاعْتِرَافُ وَقَدْ قَرَأْنَاهَا «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ» وَبُيِّنَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ مَحَلُّهَا مِنْ السُّورَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ؛ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ «إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وَفِي رِوَايَةٍ " لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتهَا بِيَدِي " وَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ نَسْخِ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْأُصُولِيُّونَ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ النَّسْخِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ الْمَرْأَةُ الْخَالِيَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ حُبْلَى وَلَمْ تُذْكَرْ شُبْهَةٌ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالْحَبَلِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ
стр. 1033
١١٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ
بِأَنَّهُ قَالَهُ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ.
قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْإِجْمَاعُ لَا مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَرَاءٍ فَمُوَحَّدَةٍ التَّعْنِيفُ لَفْظًا وَمَعْنًى «ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ) فِيهِ مَسَائِلُ
" الْأُولَى ": قَوْلُهُ: (فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا) أَنَّهُ إذَا عَلِمَ السَّيِّدُ بِزِنَى أَمَتِهِ جَلَدَهَا وَإِنْ لَمْ تَقُمْ شَهَادَةٌ وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ إذَا تَبَيَّنَ زِنَاهَا بِمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ، وَالشَّهَادَةُ تُقَامُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: تُقَامُ عِنْدَ السَّيِّدِ. وَفِي قَوْلِهِ: (فَلْيَجْلِدْهَا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وِلَايَةَ جَلْدِ الْأَمَةِ إلَى سَيِّدِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ إمَامٌ وَإِلَّا فَالْحُدُودُ إلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَالْمُرَادُ بِالْجَلْدِ الْحَدُّ الْمَعْرُوفُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
" الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ": قَوْلُهُ: (وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا) وَرَدَ فِي لَفْظِ النَّسَائِيّ وَلَا يُعَنِّفْهَا وَهُوَ بِمَعْنَى مَا هُنَا، وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ الْجَمْعِ لَهَا بَيْنَ الْعُقُوبَةِ بِالتَّعْنِيفِ وَالْجَلْدِ، وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقْنَعُ بِالتَّعْنِيفِ دُونَ الْجَلْدِ فَقَدْ أَبْعَدَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَا يُعَزَّرُ بِالتَّعْنِيفِ وَاللَّوْمِ وَإِنَّمَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ لِلتَّحْذِيرِ وَالتَّخْوِيفِ، فَإِذَا رُفِعَ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَفَاهُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ سَبِّهِ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ وَقَالَ: وَلَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ» وَفِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ إنْ زَنَتْ إلَى آخِرِهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَأَمَّا إذَا زَنَى مِرَارًا مِنْ دُونِ تَخَلُّلِ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ وَيُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ (فَلْيَبِعْهَا) أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا الْحَدُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: الْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَجْلِدُهَا قَبْلَ الْبَيْعِ ثُمَّ يَبِيعُهَا، وَالسُّكُوتُ
стр. 1034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنْهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُتْرَكُ وَلَا يَقُومُ الْبَيْعُ مَقَامَهُ.
" الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ": ظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ بَيْعِ السَّيِّدِ لِلْأَمَةِ، وَأَنَّ إمْسَاكَ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْفَاحِشَةُ مُحَرَّمٌ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ؛ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَمَلَ الْفُقَهَاءُ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ عَلَى الْحَضِّ عَلَى مُبَاعَدَةِ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ فَيَكُونُ دَيُّوثًا، وَقَدْ ثَبَتَ الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِالدِّيَاثَةِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِرَاقُ الزَّانِيَةِ لِأَنَّ لَفْظَ " أَمَةِ أَحَدِكُمْ " عَامٌّ لِمَنْ يَطَؤُهَا مَالِكُهَا وَمَنْ لَا يَطَؤُهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ مُجَرَّدَ الزِّنَى مُوجِبًا لِلْفِرَاقِ إذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لَهُ لَوَجَبَ فِرَاقُهَا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بَلْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ فِرَاقِهَا بِالْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ دَاوُد وَأَتْبَاعُهُ وَهَذَا الْإِيجَابُ لَا لِمُجَرَّدِ الزِّنَى بَلْ لِتَكْرِيرِهِ لِئَلَّا يُظَنَّ بِالسَّيِّدِ الرِّضَا بِذَلِكَ فَيَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ الْقَبِيحَةِ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي الزَّوْجَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ طَلَاقُهَا وَفِرَاقُهَا لِأَجْلِ الزِّنَى بَلْ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهَا وَجَبَ لِمَا عَرَفْت؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا أُمِرَ بِبَيْعِهَا فِي الثَّالِثَةِ لِمَا ذَكَرْنَا قَرِيبًا، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَةِ إلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَى قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَا سَلَفَ لَهُ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ: فَكَيْفَ يَجِبُ بَيْعُ مَا لَهُ قِيمَةٌ خَطِيرَةٌ بِالْحَقِيرِ انْتَهَى.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَأْتِ الْقَائِلُ بِالِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ قَوْلُهُ: وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ قُلْنَا: وَثَبَتَ هُنَا مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ النَّهْيِ وَهُوَ هَذَا الْأَمْرُ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الشَّيْءِ الثَّمِينِ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ جَاهِلًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَوْلُهُ: وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَسِيلَةِ إلَى تَكْثِيرِ أَوْلَادِ الزِّنَى فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِبَيْعِهَا قَطْعٌ لِذَلِكَ إذْ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِتَرْكِهَا لَهُ وَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا مَا يُصَيِّرُهَا تَارِكَةً لَهُ وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُكْمِ فِي الْأَمْرِ بِبَيْعِهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوَانِعِ الزِّنَى إنَّهُ جَوَازٌ أَنْ تُسْتَغْنَى عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَتَعْلَمَ بِأَنَّ إخْرَاجَهَا مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ بِسَبَبِ الزِّنَى فَتَتْرُكُهُ خَشْيَةً مِنْ تَنَقُّلِهَا عِنْدَ الْمُلَّاكِ أَوْ لِأَنَّهُ قَدْ يُعِفُّهَا بِالتَّسَرِّي لَهَا أَوْ بِتَزْوِيجِهَا.
" الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ": هَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُشْتَرِيَ بِسَبَبِ بَيْعِهَا لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَإِنَّ الزِّنَى عَيْبٌ وَلِذَا أُمِرَ بِالْحَطِّ مِنْ الْقِيمَةِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِبَيَانِ عَيْبِهَا ثُمَّ هَذَا الْعَيْبُ لَيْسَ مَعْلُومًا ثُبُوتُهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَقَدْ يَتُوبُ الْفَاجِرُ وَيَفْجُرُ الْبَارُّ، وَكَوْنُهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهَا وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ قَدْ صَيَّرَهُ كَغَيْرِ الْوَاقِعِ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ التَّعْنِيفِ لَهَا وَبَيَانُ
стр. 1035
١١٣٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ
عَيْبِهَا قَدْ يَكُونُ مِنْ التَّعْنِيفِ وَهَلْ يُنْدَبُ لَهُ ذِكْرُ سَبَبِ بَيْعِهَا فَلَعَلَّهُ يُنْدَبُ وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْمُنَاصَحَةِ.
" الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ": فِي إطْلَاقِ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْأَمَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أُحْصِنَتْ أَوْ لَا، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْإِحْصَانِ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شُرِطَ لِلتَّنْصِيفِ فِي جَلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنْ الْإِمَاءِ وَأَنَّ عَلَيْهَا نِصْفَ الْجَلْدِ لَا الرَّجْمَ إذْ لَا يَتَنَصَّفُ فَيَكُونُ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ فِي الْآيَةِ وَصَرَّحَ بِتَفْصِيلِ الْإِطْلَاقِ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ فِي خُطْبَتِهِ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُنَّ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ " رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ مِنْ الْعَبِيدِ إلَّا مَنْ أُحْصِنَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْجُمْهُورِ إطْلَاقُ الْحَدِيثِ الْآتِي.
١١٣٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ) عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا وَقَدْ غَفَلَ الْحَاكِمُ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ وَاسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا.
قُلْت: يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ لِكَوْنِ مُسْلِمٍ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رَفْعُهُ. وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ إقَامَةِ الْمُلَّاكِ الْحَدَّ عَلَى الْمَمَالِيكِ إلَّا أَنَّ هَذَا يَعُمُّ ذُكُورَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَدَلَّ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا أُحْصِنُوا أَوْ لَا، وَعَلَى أَنَّ إقَامَتَهُ إلَى الْمَالِكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى؛ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ؛ فَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إنَّ حَدَّهَا إلَى سَيِّدِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: حَدُّهَا إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا عَبْدًا لِمَالِكِهَا فَأَمْرُهَا إلَى السَّيِّدِ؛ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي السَّيِّدِ شَرْطُ صَلَاحِيَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يُقِيمُهُ السَّيِّدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، قَالَ: لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ إلَّا بِالصِّغَارِ، وَفِي تَسْلِيطِهِ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَمَالِيكِهِ مُنَافَاةٌ لِذَلِكَ؛ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ لِلسَّيِّدِ إقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ بِلَا دَلِيلٍ نَاهِضٍ؛ وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ: " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ يَدَ غُلَامٍ لَهُ سَرَقَ، وَجَلَدَ عَبْدًا لَهُ زَنَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهُمَا إلَى الْوَالِي ".
وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي
стр. 1036
١١٣٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا - فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْت حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ. ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى»؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْمُوَطَّإِ بِسَنَدِهِ " أَنَّ عَبْدًا لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَرَقَ وَاعْتَرَفَ فَأَمَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ " وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِمَا إلَى الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّتْ جَارِيَةً لَهَا زَنَتْ " وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: " أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تَجْلِدُ وَلِيدَتَهَا خَمْسِينَ إذَا زَنَتْ " وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الْإِمَامُ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ إمَامٌ أَقَامَهُ السَّيِّدُ.
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا إلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: الزَّكَاةُ وَالْحُدُودُ وَالْفَيْءُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الطَّحَاوِيِّ: وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: بَلْ خَالَفَهُ السُّلْطَانُ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنْ الصَّحَابَةِ: وَقَدْ سَمِعْت مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَكَفَى بِهِ رَدًّا عَلَى الطَّحَاوِيِّ؛ وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَفِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَضْرِبُونَ الْوَلِيدَةَ مِنْ وَلَائِدِهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ إذَا زَنَتْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بِهِ وَأَبُو بَرْزَةَ يَحُدُّ وَلِيدَتَهُ.
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْغَامِدِيَّةِ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْت حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ أَيْ شُدَّتْ وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ.» رَوَاهُ مُسْلِم) ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا فَفَعَلَ " أَنَّهُ وَقَعَ الرَّجْمُ عَقْبَ الْوَضْعِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى
стр. 1037
١١٣٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ - وَقِصَّةُ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
أَنَّهَا رُجِمَتْ بَعْدَ أَنْ فَطَمَتْ وَلَدَهَا وَأَتَتْ بِهِ وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَفِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ طَيٌّ وَاخْتِصَارٌ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ظَاهِرُهُمَا الِاخْتِلَافُ فَإِنَّ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ رَجْمَهَا كَانَ بَعْدَ فِطَامِهِ وَأَكْلِهِ الْخُبْزَ وَالْأُولَى أَنَّهُ رَجَمَهَا عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ الْأُولَى وَحَمْلُهَا عَلَى وَفْقِ الثَّانِيَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: " قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إلَى رَضَاعِهِ " إنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَأَرَادَ بِرَضَاعِهِ كَفَالَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ وَسَمَّاهُ رَضَاعًا مَجَازًا؛ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الرَّجْمِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا شَدُّ ثِيَابِهَا عَلَيْهَا فَلِأَجْلِ أَنْ لَا تُكْشَفَ عِنْدَ اضْطِرَابِهَا مِنْ مَسِّ الْحِجَارَةِ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا تُرْجَمُ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ قَاعِدًا، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهِ إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ فَصَلَّى بِالْبِنَاءِ لِلْمَعْلُومِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّهَا بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لِمُسْلِمٍ بِفَتْحِ الصَّادِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ: " تُصَلِّي عَلَيْهَا " أَنَّهُ ﷺ بَاشَرَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ لِمُسْلِمٍ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ صَلَّى أَمَرَ بِأَنْ يُصَلَّى وَأَنَّهُ أَسْنَدَ إلَيْهِ ﷺ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ صَلَّى ﷺ عَلَيْهَا أَوْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، فَالْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ يُصَادِمُ النَّصَّ إلَّا أَنْ تُخَصَّ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ رُجِمَ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ فَهَذَا يَنْزِلُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفُسَّاقِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا دَلِيلَ مَعَ الْمَانِعِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ.
وَالْخِلَافُ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) يُرِيدُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ (وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَامْرَأَةً) يُرِيدُ الْجُهَنِيَّةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِصَّةُ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أَمَّا حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْجُهَنِيَّةِ فَتَقَدَّمَا.
وَفِي
стр. 1038
١١٣٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ قَالَ: «كَانَ فِي أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعِيدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: خُذُوا عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» فَفَعَلُوا، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ.
الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْكَافِرِ إذَا زَنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَرَدَّ قَوْلَهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ لَا يَشْتَرِطَانِ ذَلِكَ وَدَلِيلُهُمَا وُقُوعُ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا كَانَا قَدْ أَحْصَنَا وَقَدْ أَجَابَ مَنْ اشْتَرَطَ الْإِسْلَامَ عَنْ الْحَدِيثِ هَذَا بِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِمَا فِي كِتَابِهِمَا فَإِنَّ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّمَا رَجْمُهُمَا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمَا بِمَا لَا يَرُدُّهُ فِي شَرْعِهِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَمِنْ ثَمَّةَ اسْتَدْعَى شُهُودَهُمَا لِتَقُومَ عَلَيْهِمَا الْحُجَّةُ مِنْهُمْ، وَرَدَّهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمُ سَائِلِينَ الْحُكْمَ عِنْدَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ فَنَبَّهَهُمْ عَلَى مَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنْسُوخِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِالنَّاسِخِ. انْتَهَى.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى احْتِمَالُ الْقِصَّةِ لِلْأَمْرَيْنِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَقَدْ دَلَّتْ الْقِصَّةُ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِحْصَانِ فَرْعٌ مِنْ ثُبُوتِ صِحَّتِهِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ، كَذَا قِيلَ.
قُلْت: أَمَّا الْخِطَابُ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ ﷺ بِشَرْعِهِ لَا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ.
(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) هُوَ أَنْصَارِيٌّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: صُحْبَتُهُ صَحِيحَةٌ كَانَ وَالِيًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْيَمَنِ (قَالَ كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا) جَمْعُ بَيْتٍ (رُوَيْجِلٌ) تَصْغِيرُ رَجُلٍ (ضَعِيفٌ فَخَبَثَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ أَيْ فَجَرَ (بِأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ
стр. 1039
١١٣٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا
سَعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اضْرِبُوهُ حَدَّهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: خُذُوا عُثْكَالًا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَمُثَلَّثَةٍ بِزِنَةِ قِرْطَاسٍ وَهُوَ الْعَذْقُ (فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلُهُ وَرَاءٍ آخِرُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ بِزِنَةِ عُثْكَالٍ وَهُوَ غُصْنٌ دَقِيقٌ فِي أَصْلِ الْعِثْكَالِ (ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ] قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَيْ ابْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ كَوْنُهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَوْصُولًا. وَقَدْ أَسْلَفْنَا لَك غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ بَلْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ زِيَادَةً مِنْ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٍ.
وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْعُثْكَالِ الْغُصْنُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَغْصَانٌ صِغَارٌ وَهُوَ لِلنَّخْلِ كَالْعُنْقُودِ لِلْعِنَبِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَغْصَانِ يُسَمَّى شِمْرَاخًا.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ ضَعِيفًا لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ وَلَا يُطِيقُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْمُعْتَادِ أُقِيمَ عَلَيْهِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ مَجْمُوعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ لِلضَّرْبِ مِثْلُ الْعُثْكُولِ وَنَحْوُهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ قَالُوا: وَلَا بُدَّ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَحْدُودُ جَمِيعَ الشَّمَارِيخِ لِيَقَعَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِّ وَقِيلَ: يُجْزِئُ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ جَمِيعَهُ وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ الْعَثَاكِيلَ مَصْفُوفَةً كُلَّ وَاحِدٍ إلَى جَنْبِ الْآخَرِ عُرُضًا مُنْتَشِرَةً إلَى تَمَامِ مِائَةٍ قَطُّ وَمَعَ عَدَمِ الِانْتِشَارِ يَمْتَنِعُ مُبَاشَرَةُ كُلِّ عُودٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ شِدَّةُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أُخِّرَ الْحَدُّ عَلَيْهِ إلَى زَوَالِ مَا يَخَافُ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ إلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحَدِيثِ جَمِيعِهِ لَا فِي قَوْلِهِ وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ إلَخْ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُفَرَّقًا، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي ثُبُوتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ: أَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى اللُّوطِيَّةِ
стр. 1040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَالَ: يُرْجَمُ " وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يُنْظَرُ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ فَيُرْمَى بِهِ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ الْحِجَارَةَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَهَذَا الِاخْتِلَافُ عَنْهُ دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ فِيهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِاجْتِهَادِهِ كَذَا قِيلَ فِي بَيَانِ وَجْهِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا.
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ " الْأُولَى ": فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً وَفِي حُكْمِهَا أَقْوَالٌ:
" الْأَوَّلُ ": أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الزَّانِي قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ إيلَاجِ مُحَرَّمٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَذَرُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ مَقَالًا فَلَا يَنْتَهِضُ عَلَى إبَاحَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الَّتِي جَمَعُوهَا عِلَّةٌ لِإِلْحَاقِ اللِّوَاطِ بِالزِّنَى لَا دَلِيلَ عَلَى عِلِّيَّتِهَا.
" وَالثَّانِي ": يُقْتَلُ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ مُحْصَنَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ لِلنَّاصِرِ وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ طَرِيقَةُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا فِي الْقَتْلِ فِعْلٌ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا سِيَّمَا مَعَ تَكْرِيرِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا وَتَعَجَّبَ فِي الْمَنَارِ مِنْ قِلَّةِ الذَّاهِبِ إلَى هَذَا مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ لَفْظًا وَبُلُوغِهِ إلَى حَدٍّ يُعْمَلُ بِهِ سَنَدًا.
(الثَّالِثُ): أَنَّهُ يُحْرَقُ بِالنَّارِ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ اجْتَمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَحْرِيقِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ وَفِيهِ قِصَّةٌ وَفِي إسْنَادِهِ إرْسَالٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: حَرَقَ اللُّوطِيَّةَ بِالنَّارِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(وَالرَّابِعُ): أَنَّهُ يُرْمَى بِهِ مِنْ أَعْلَى بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ الْحِجَارَةَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً، دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَأَنَّ حَدَّ مَنْ يَأْتِيهَا قَتْلُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَخِيرِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ: إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْت بِهِ وَرُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ حَدُّ الزِّنَى قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْمُؤَيَّدُ وَالنَّاصِرُ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ فَقَطْ إذْ لَيْسَ بِزِنًى؛ وَالْحَدِيثُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِمَا عَرَفْت وَدَلَّ عَلَى وُجُوبُ قَتْلِ الْبَهِيمَةِ مَأْكُولَةً كَانَتْ أَوْ لَا وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ ﵁ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَكِنْ أَرَى «أَنَّهُ كُرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ لَحْمِهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعَمَلِ»، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَوَابِ: إنَّهَا تُرَى فَيُقَالُ: هَذِهِ الَّتِي فَعَلَ بِهَا مَا فَعَلَ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَتْلُهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَدِيثُ
стр. 1041
١١٣٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ.
١١٤٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاءِ. وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
هَذَا مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ؛ قَالَ الْمَهْدِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ بِقَتْلِهَا إنْ كَانَتْ لَهُ وَهِيَ مَأْكُولَةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ وَنَفَى مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ وَمِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي التَّغْرِيبِ وَكَأَنَّهُ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ نَسْخَ التَّغْرِيبِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ» جَمْعُ مُخَنَّثٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَنُونٍ فَمُثَلَّثَةٍ اسْمُ مَفْعُولٍ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ رَوَى بِهِمَا (مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَات مِنْ النِّسَاءِ وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اللَّعْنُ مِنْهُ ﷺ عَلَى مُرْتَكِبِ الْمَعْصِيَةِ دَلَّ عَلَى كِبَرِهَا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ وَالْإِنْشَاءَ كَمَا قَدَّمْنَا وَالْمُخَنَّثُ مِنْ الرِّجَالِ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ فِي حَرَكَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُرَادُ مَنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ لَا مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خِلْقَتِهِ وَجِبِلَّتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ الْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ هَكَذَا وَرَدَ تَفْسِيرُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَبِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لَا دَلَالَةَ لِلَّعْنِ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْذَنُ فِي الْمُخَنَّثِينَ بِالدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا نَفَى مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَصْفَ الْمَرْأَةِ بِمَا لَا فَطِنَ لَهُ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ إرْبَةٌ فَهُوَ لِأَجْلِ تَتَبُّعِ أَوْصَافِ الْأَجْنَبِيَّةِ (قُلْت): يَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ صِفَةٌ لَهُ خِلْقَةً لَا تَخَلُّقًا.
هَذَا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَمَّا مَنْ انْتَهَى فِي التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ
стр. 1042
١١٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ: بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ.
١١٤٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ
إلَى أَنْ يُؤْتَى فِي دُبُرِهِ وَبِالرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ إلَى أَنْ تَتَعَاطَى السُّحْقَ فَإِنَّ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنْ اللَّوْمِ وَالْعُقُوبَةِ أَشَدَّ مِمَّنْ لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ (قُلْت): أَمَّا مِنْ يُؤْتَى مِنْ الرِّجَالِ فِي دُبُرِهِ فَهُوَ الَّذِي سَلَفَ حُكْمُهُ قَرِيبًا.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا وَتَمَامُهُ «وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَطِّلَ الْحُدُودَ» قَالَ وَفِيهِ الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ سَاقَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ مَوْقُوفَةٍ صَحَّحَ بَعْضَهَا وَهِيَ تُعَاضِدُ الْمَرْفُوعَ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الْجُمْلَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُدْفَعُ الْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ الَّتِي يَجُوزُ وُقُوعُهَا كَدَعْوَى الْإِكْرَاهِ أَوْ أَنَّهَا أُتِيَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ نَائِمَةٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَيُدْفَعُ عَنْهَا الْحَدُّ، وَلَا تُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا زَعَمَتْهُ.
стр. 1043
يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
١١٤٣ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ جَمْعُ قَاذُورَةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْقَبِيحُ وَالْقَوْلُ السَّيِّئُ مِمَّا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ وَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ فَإِنَّ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ .» رَوَاهُ الْحَاكِمُ) وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا (وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ أُسْنِدَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَاكِمِ فَهُوَ مُسْنَدٌ مَعَ أَنَّهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: إنَّهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعَارِفُ بِالْحَدِيثِ وَلَهُ أَشْبَاهٌ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ أَوْقَعَهُ فِيهَا إطْرَاحُهُ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَيْهَا كُلَّ فَقِيهٍ وَعَالِمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يَسْتَتِرَ وَلَا يَفْضَحَ نَفْسَهُ بِالْإِقْرَارِ وَيُبَادِرَ إلَى التَّوْبَةِ فَإِنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْإِمَامِ - وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا حَقِيقَةُ أَمْرِهِ - وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ».
(بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ) الْقَذْفُ لُغَةً: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ، وَفِي الشَّرْعِ: الرَّمْيُ بِوَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمَقْذُوفِ.
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ إلَى آخِرِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ هُمَا حَسَّانُ وَمِسْطَحٌ وَامْرَأَةٍ هِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فَضُرِبُوا الْحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ) فِي الْحَدِيثِ ثُبُوتُ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ ثَابِتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الْآيَةَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقَذْفُ لِعَائِشَةَ إلَّا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ جَلَدَهُ ﷺ حَدَّ
стр. 1044
١١٤٤ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
الْقَذْفِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَعَدَّ أَعْذَارًا فِي تَرْكِهِ ﷺ لِحَدِّهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّهُ ﷺ حَدَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقَذَفَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ إنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْلِدْ أَحَدًا مِنْ الْقَذَفَةِ، لِعَائِشَةَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَقَدْ رُدَّ قَوْلُهُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ مَا يُوجِبُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَحَدُّ الْقَاذِفِ يَثْبُتُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ مَا قَذَفَ بِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهِ إلَى بَيِّنَةٍ (قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا مِنْ الْقَذَفَةِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ مَا ثَبَتَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَأَنَّ مِسْطَحًا مِنْ الْقَذَفَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِنُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الْآيَةَ.
(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوَّلُ لَعَّان فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) قَوْلُهُ أَوَّلُ لِعَانٍ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ فَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيِّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَوَّلَ لِعَانٍ كَانَ بِنُزُولِهَا لِبَيَانِ الْحُكْمِ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ هِلَالٍ وَصَادَفَ مَجِيءَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيِّ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا أَنَّهُ نُسِخَ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالْمُلَاعَنَةِ وَهَذَا مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ إنْ كَانَتْ آيَةَ جَلْدِ الْقَذْفِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَةُ سَابِقَةٌ نُزُولًا عَلَى آيَةِ اللِّعَانِ، وَإِلَّا فَآيَةُ اللِّعَان إمَّا نَاسِخَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَرَاخِي النُّزُولِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُ لِقَذْفِ الزَّوْجِ، أَوْ مُخَصِّصَةٌ إنْ لَمْ يَتَرَاخَ النُّزُولُ أَنْ تَكُونَ آيَةُ اللِّعَانِ قَرِينَةً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْعُمُومِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْخُصُوصُ وَهُوَ مَنْ عَدَا الْقَاذِفِ لِزَوْجَتِهِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ بِخُصُوصِهِ كَذَا قِيلَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَزْوَاجَ الْقَاذِفِينَ لِأَزْوَاجِهِمْ بَاقُونَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى شَهَادَةَ الزَّوْجِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ قَائِمَةً مَقَامَ الْأَرْبَعَةِ الشُّهَدَاءِ، وَلِذَا أَسْمَى اللَّهُ أَيْمَانَهُ شَهَادَةً فَقَالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْأَيْمَانِ
стр. 1045
١١٤٥ - وَفِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ فِي الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ.
وَجَبَ جَلْدُهُ جَلْدَ الْقَذْفِ كَمَا أَنَّهُ إذَا رَمَى أَجْنَبِيٌّ أَجْنَبِيَّةً وَلَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ جُلِدَ لِلْقَذْفِ فَالْأَزْوَاجُ بَاقُونَ فِي عُمُومِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ دَاخِلُونَ فِي حُكْمِهِ وَلِذَا قَالَ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» وَإِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ اللِّعَانِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ إذَا فَقَدَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ وَهُمْ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِوَضَهُمْ الْأَرْبَعَ الْأَيْمَانَ وَزَادَ الْخَامِسَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ وَجَلْدُ الزَّوْجِ بِالنُّكُولِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَلَمْ يَحْلِفُوا إنْ كَانُوا أَزْوَاجًا لِمَنْ رَمَوْا وَغَايَتُهُ أَنَّهَا قَيَّدَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ بَعْضَ أَفْرَادِ عُمُومِ الْأُولَى بِقَيْدٍ زَائِدٍ عِوَضًا عَنْ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ إذَا فُقِدَ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) وَهُوَ أَبُو عِمْرَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْقَارِئُ الشَّامِيُّ كَانَ عَالِمًا ثِقَةً حَافِظًا لِمَا رَوَاهُ، فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ التَّابِعِينَ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شِهَابٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ (قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (فِي الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ رَأْيَ مَنْ ذَكَرَ تَنْصِيفَ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنَى فِي الْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فَكَأَنَّهُمْ قَاسُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ
стр. 1046
١١٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ قَاذِفَةً وَخَصَّصُوا بِالْقِيَاسِ عُمُومَ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ثُمَّ قَاسُوا الْعَبْدَ عَلَى الْأَمَةِ فِي تَنْصِيفِ الْحَدِّ فِي الزِّنَى وَالْقَذْفِ بِجَامِعِ الْمِلْكِ وَعَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَمَالِيكِ فِي الْعُمُومَاتِ لَا تَخْصِيصَ إلَّا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعِلَّةَ فِي إلْحَاقِ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ الْمِلْكَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةُ إلَّا مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِ الْأُنُوثَةِ جُزْءَ الْعِلَّةِ لِنَقْصِ حَدِّ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَاءَ يُمْتَهَنَّ وَيُغْلَبْنَ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَيْ لَهُنَّ، وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الذُّكُورِ إذْ لَا يُغْلَبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْعَبْدُ بِالْأَمَةِ فِي تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنَا وَلَا الْقَذْفِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لَا يُنَصَّفُ لَهَا حَدُّ الْقَذْفِ بَلْ يُحَدُّ لَهَا كَحَدِّ الْحُرَّةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَنْصِيفِهِ فِي حَدِّ الزِّنَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِخِلَافِ دَاوُد وَأَمَّا فِي الْقَذْفِ فَقَدْ سَمِعْت الْخِلَافَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْمَالِكُ فِي الدُّنْيَا إذَا قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ آيَةِ الْقَذْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْإِحْصَانِ الْحُرِّيَّةَ وَلَا التَّزَوُّجَ وَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى الْحُرِّ وَعَلَى الْمُحْصَنِ وَعَلَى الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِهِ مَمْلُوكَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ وَجَبَ حَدُّهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَجِبْ حَدُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ وَهَذَا إجْمَاعٌ وَأَمَّا إذَا قَذَفَ غَيْرُ مَالِكِهِ فَإِنَّهُ أَيْضًا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إلَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَفِيهَا خِلَافٌ فَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ أَيْضًا عَلَى قَاذِفِهَا لِأَنَّهَا أَيْضًا مَمْلُوكَةٌ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُحَدُّ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 1047
بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ
١١٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
١١٤٨ - وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ»
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَيُسْتَعْمَلُ بِالْفَاءِ وَبِثُمَّ وَلَا يَأْتِي بِالْوَاوِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَوْ زَادَ وَإِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إلَّا صَاعِدًا فَهُوَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ وَهِيَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» إيجَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الْآيَةَ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ نِصَابُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلَ:
(الْأُولَى): هَلْ يُشْتَرَطُ النِّصَابُ أَوْ لَا؟. ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى اشْتِرَاطِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ مُطَلَّقَةٌ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ وَالْحَدِيثُ بَيَانٌ لَهَا وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ الْبَيْضَةِ غَيْرُ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهَا بَلْ الْإِخْبَارُ بِتَحْقِيرِ شَأْنِ السَّارِقِ وَخَسَارَةِ مَا رَبِحَهُ مِنْ السَّرِقَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَاطَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْحَقِيرَةَ وَصَارَ ذَلِكَ خُلُقًا لَهُ جَرَّأَهُ عَلَى سَرِقَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَبْلُغُ قَدْرُهُ مَا يُقْطَعُ بِهِ فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْقَلِيلَ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ فَيَتَعَاطَى سَرِقَةَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، ذَكَرَ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَسَبَقَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَيْهِ؛ وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ» وَحَدِيثُ «تَصَدَّقِي وَلَوْ بِظِلْفٍ
стр. 1048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُحَرَّقٍ» وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ لَا يَصِحُّ تَسْبِيلُهُ وَلَا التَّصَدُّقُ بِالظِّلْفِ الْمُحَرَّقِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا فَمَا قَصَدَ ﷺ إلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي التَّرْهِيبِ.
(الثَّانِيَةُ): اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِي قَدْرِ النِّصَابِ بَعْدَ اشْتِرَاطِهِمْ لَهُ عَلَى أَقْوَالٍ بَلَغَتْ إلَى عِشْرِينَ قَوْلًا وَاَلَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا قَوْلَانِ:
(الْأَوَّلُ): أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي تُقْطَعُ بِهِ رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ كَمَا سَمِعْت وَهُوَ نَصٌّ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ قَالُوا: وَالثَّلَاثَةُ الدَّرَاهِمُ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ وَلِمَا يَأْتِي مِنْ «أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعُ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ، وَاحْتَجَّ لَهُ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ أَتَى عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقَطَعَ.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رُبُعُ الدِّينَارِ مُوَافِقٌ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرْفَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ وَكَانَ كَذَلِكَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا قُوِّمَتْ الدِّيَةُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ الْوَرِقِ وَأَلْفَ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي) لِلْهَادَوِيَّةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ إلَّا سَرِقَةُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَجِبُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَرَوَى أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مِثْلَهُ؛ قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ» وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَدْ عَارَضَتْ رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْعُضْوُ الْمُحَرَّمُ قَطْعُهُ إلَّا بِحَقِّهِ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الْأَكْبَرُ؛ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْقَطْعِ بِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى دُونِ ذَلِكَ.
(قُلْت): قَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الِاضْطِرَابُ
стр. 1049
١١٤٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي قَدْرِ قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ، وَرِوَايَةُ رُبُعِ دِينَارٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ صَرِيحَةٌ فِي الْمِقْدَارِ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَا فِيهِ اضْطِرَابٌ، عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ لَا تُقَاوِمُهُ سَنَدًا؛ وَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ فَهُوَ اتِّبَاعُ الدَّلِيلَ لَا فِيمَا عَدَاهُ، عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّقْدِيرِ لِقِيمَةِ الْمِجَنِّ بِالْعَشَرَةِ جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَفِيهِمَا كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى الْقَدْحَ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ إنَّمَا ذَكَرُوهُ كَمَا قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ): اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْطِيَّةِ النِّصَابِ فِيمَا يُقَدَّرُ بِهِ غَيْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ لَا بِرُبُعِ الدِّينَارِ يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ صَرْفُهُمَا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رُبُعُ دِينَارٍ صَرْفَ دِرْهَمَيْنِ مَثَلًا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الذَّهَبُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَةَ كَانَ يُكْتَبُ فِيهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، فَعُرِفَتْ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ إذَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا رُبُعَ دِينَارٍ لَمْ تُوجِبْ الْقَطْعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْوِيمِ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي التَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي قَدْرِ النِّصَابِ تَفَرُّعًا عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا عَرَفْت؛ وَفِي الْبَابِ أَقْوَالٌ كَمَا قَدَّمْنَا لَمْ يَنْهَضْ لَهَا دَلِيلٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَغْلِ الْأَوْرَاقِ وَالْأَوْقَاتِ بِالْقَالِ وَالْقِيلِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ التُّرْسُ مُفْعَلٌ مِنْ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالِاخْتِفَاءُ وَكُسِرَتْ مِيمُهُ لِأَنَّهُ آلَةٌ فِي الِاسْتِتَارِ قَالَ:
وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْت أَتَّقِي … ثَلَاثَ شُخُوصٍ كَاعِبَايَ وَمِغْفَرِي
وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا مَضَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ الدَّرَاهِمَ بِرُبُعِ دِينَارٍ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: " وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَطْعَ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ ثُمَّ أَخْرَجَ الرَّاوِي هُنَا «أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ» مَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهَا رُبُعُ دِينَارٍ وَإِلَّا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ " وَلَا تَقْطَعُوا
стр. 1050
١١٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا.
١١٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا»
فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " وَقَوْلُهُ هُنَا " قِيمَتُهُ " هَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ أَعْنِي الْقِيمَةَ، وَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: " ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ " قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَكَأَنَّهُ لِتَسَاوِيهِمَا عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ فِي عُرْفِ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ، وَإِلَّا فَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ الَّذِي شَرَاهُ بِهِ مَالِكُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا بِالْقِيمَةِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا).
تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَلَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَا ذُكِرَ قَرِيبًا، وَالْمُوجِبُ لِتَأْوِيلِهِ مَا عَرَفْته مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ» وَقَوْلِهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ: " وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ " فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ لَهُ بِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْبَيْضَةِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَبِالْحَبْلِ حَبْلُ السُّفُنِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي التَّهْجِينِ عَلَى السَّارِقِ لِتَفْوِيتِهِ الْعَظِيمَ بِالْحَقِيرِ.
قِيلَ: فَالْوَجْهُ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَتُقْطَعُ خَبَرٌ لَا أَمْرٌ وَلَا فِعْلٌ وَذَلِكَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ ﷺ أَنَّهُ يَقْطَعُهُ مَنْ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ أَوْ بِشَهَادَةٍ عَلَى النِّصَابِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا دُونَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مُخَاطِبًا لِأُسَامَةَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
стр. 1051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: أَتَشْفَعُ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كَمَا يَدُلُّ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ قَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ» - الْحَدِيثَ وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ، وَكَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ عِلْمُ أُسَامَةَ بِأَنَّهُ لَا شَفَاعَةَ فِي حَدٍّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَسْأَلَتَانِ:
(الْأُولَى): النَّهْيُ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِبَابِ كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ إذَا رُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ دَلَّ لِمَا قَيَّدَهُ مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ مَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ «فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ لِأُسَامَةَ: لَمَّا تَشْفَعْ لَا تَشْفَعْ فِي حَدٍّ فَإِنَّ الْحُدُودَ إذَا انْتَهَتْ إلَيَّ فَلَيْسَتْ بِمَتْرُوكَةٍ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ يَرْفَعُهُ «تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ أَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَفِي الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ " فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مِلْكِهِ " وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ مَوْصُولًا بِلَفْظِ «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَالِي؛ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشُفِّعَ فِيهِ فَقِيلَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ " قِيلَ: وَهَذَا الْمَوْقُوفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَتَأْتِي قِصَّةُ «الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ ﷺ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ لَا يَقْطَعَهُ فَقَالَ ﷺ : هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وَيَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَعَاضِدَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إلَى الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ عُرِفَ بِأَذِيَّةِ النَّاسِ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: لَا يُشْفَعُ فِي الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَفِي الثَّانِي تَحْسُنُ الشَّفَاعَةُ قَبْلَ الرَّفْعِ؛ وَفِي حَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ إلَّا فِي الْحُدُودِ» مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرَاتِ لَا فِي الْحُدُودِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): فِي قَوْلِهِ: (كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ اسْتَعَارَتْ امْرَأَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَهِيَ لَا تُعْرَفُ فَبَاعَتْهُ وَأَخَذَتْ ثَمَنَهُ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ فَقَالَتْ:
стр. 1052
١١٥٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
إنَّ فُلَانَةَ تَسْتَعِيرُ حُلِيًّا بِإِعَارَتِهَا إيَّاهَا فَمَكَثَتْ لَا تَرَاهُ فَجَاءَتْ إلَى الَّتِي اسْتَعَارَتْ لَهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ: مَا اسْتَعَرْتُك شَيْئًا؛ فَرَجَعَتْ إلَى الْأُخْرَى فَأَنْكَرَتْ فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَاهَا فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا اسْتَعَرْت مِنْهَا شَيْئًا؛ فَقَالَ: اذْهَبُوا إلَى بَيْتِهَا تَجِدُوهُ تَحْتَ فِرَاشِهَا فَأَتَوْهُ، وَأَخَذُوهُ فَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ»
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَوَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحَةٌ «فَإِنَّهُ ﷺ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى جَحْدِ الْعَارِيَّةِ».
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْجُحُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ جَاحِدَةً عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّهَا كَانَتْ سَارِقَةً، وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي جَحْدِ الْعَارِيَّةِ.
قَالُوا: لِأَنَّ فِي الْآيَةِ فِي السَّارِقِ وَالْجَاحِدِ لَا يُسَمَّى سَارِقًا وَرَدَّ هَذَا ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: إنَّ الْجَحْدَ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّرِقَةِ قُلْت: أَمَّا دُخُولُ الْجَاحِدِ تَحْتَ لَفْظِ السَّارِقِ لُغَةً فَلَا تُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَثُبُوتُ قَطْعِ الْجَاحِدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: وَحَدِيثُ الْمَخْزُومِيَّةِ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ أَنَّهَا سَرَقَتْ، مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مُصَرِّحًا بِذِكْرِ السَّرِقَةِ قَالُوا: فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا سَرَقَتْ وَرِوَايَةُ " جَحَدَ الْعَارِيَّةَ " لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لَهَا بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ جَحْدَهَا الْعَارِيَّةَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خُلُقًا لَهَا مَعْرُوفًا فَعُرِفَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ وَالْقَطْعُ كَانَ لِلسَّرِقَةِ وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا أَجَابَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ جُعِلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا رِوَايَةٌ وَهُوَ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ الْإِشْعَارُ الْعَادِيُّ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ دَقِيقٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا صَنَعَ مَا صَنَعَهُ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي: -
وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) قَالُوا: وَجَاحِدُ الْعَارِيَّةِ خَائِنٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ لِكُلِّ خَائِنٍ وَلَكِنَّهُ مُخَصَّصٌ بِجَاحِدِ الْعَارِيَّةِ وَبِكَوْنِ الْقَطْعِ
стр. 1053
١١٥٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
فِيمَنْ جَحَدَ الْعَارِيَّةَ لَا غَيْرِهِ مِنْ الْخَوَنَةِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُخَصُّ لِلْقَطْعِ بِمَنْ اسْتَعَارَ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ مُخَادِعًا لِلْمُسْتَعَارِ مِنْهُ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِي الْعَارِيَّةِ وَأَنْكَرَهَا لَمَّا طُولِبَ بِهَا قَالَ: فَإِنَّ هَذَا لَا يُقْطَعُ بِمُجَرَّدِ الْخِيَانَةِ بَلْ لِمُشَارَكَةِ السَّارِقِ فِي أَخْذِ الْمَالِ خُفْيَةً. وَالْحَدِيثُ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ لِعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَقَدْ صَحَّحَهُ مَنْ سَمِعْت؛ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْخَائِنَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ (بِالْخَائِنِ) الَّذِي يُضْمِرُ مَا لَا يُظْهِرُهُ فِي نَفْسِهِ، وَالْخَائِنُ هُنَا هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ خُفْيَةً مِنْ مَالِكِهِ مَعَ إظْهَارِهِ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالْحِفْظَ. وَالْخَائِنُ أَعَمُّ، فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ الْخِيَانَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَمِنْهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ وَهِيَ مُسَارَقَةُ النَّاظِرِ بِطَرَفِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ نَظَرُهُ (وَالْمُنْتَهِبُ) الْمُغِيرُ مِنْ النُّهْبَةِ وَهِيَ الْغَارَةُ وَالسَّلْبُ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ (وَالْمُخْتَلِسُ) السَّالِبُ مَنْ اخْتَلَسَهُ إذَا سَلَبَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِيَّةِ أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ فِي حِرْزٍ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلنَّاصِرِ وَالْخَوَارِجِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِعَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ بِاشْتِرَاطِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَلِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى اشْتِرَاطِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إذْ مَفْهُومُهُ لُزُومُ الْقَطْعِ فِيمَا أُخِذَ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ مَا كَانَ عَنْ خُفْيَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ وَلَا تَثْبُتُ بِهِ قَاعِدَةٌ يُقَيَّدُ بِهَا الْقُرْآنُ وَيُؤَيِّدُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ «أَنَّهُ ﷺ قَطَعَ يَدَ مَنْ أَخَذَ رِدَاءَ صَفْوَانَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» «وَبِأَنَّهُ ﷺ قَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَجْحَدُ مَا تَسْتَعِيرُهُ»؛ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحِرْزُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَفْهُومِ السَّرِقَةِ لُغَةً؛ فَإِنْ صَحَّ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ فَالْمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَتَوَقَّفُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ.
(وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» هُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جُمَّارُ النَّخْلِ وَهُوَ شَحْمُهُ الَّذِي فِي وَسَطِ النَّخْلِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ) وَهُمْ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ (وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) كَمَا صَحَّحَا مَا قَبْلَهُ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: الْحَدِيثُ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالثَّمَرُ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُعَلَّقًا فِي النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يُجَذَّ وَيُحَرَّزَ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ: حَوَائِطُ الْمَدِينَةِ لَيْسَتْ بِحِرْزٍ وَأَكْثَرُهَا تَدْخُلُ مِنْ جَوَانِبِهَا، وَالثَّمَرُ اسْمٌ جَامِعٍ لِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مِنْ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَأَمَّا الْكُثَرُ فَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بِالْجُمَّارِ، وَالْجُمَّارُ بِالْجِيمِ آخِرُهُ رَاءٌ بِزِنَةِ زَمَانٍ، وَهُوَ شَحْمُ النَّخْلِ الَّذِي فِي وَسَطِ النَّخْلَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْحَدِيثُ
стр. 1054
١١٥٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا. وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا إخَالُكَ سَرَقْت قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمُنْبِتِ لَهُ أَوْ قَدْ جُذَّ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ فِي طَعَامٍ وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَعُمْدَتُهُ فِي مَنْعِهِ الْقَطْعَ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي كُلِّ مُحَرَّزٍ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى أَصْلِهِ بَاقِيًا وَقَدْ جُذَّ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا كَالْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَا، وَقَالُوا: لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ أُخْرِجَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَادَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عَدَمِ إحْرَازِ حَوَائِطِهَا فَتَرْكُ الْقَطْعِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ فَإِذَا أُحْرِزَتْ الْحَوَائِطُ كَانَتْ كَغَيْرِهَا.
(وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁) لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْمُنْذِرِ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ هَذَا الْحَدِيثَ (وَقَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا إخَالُكَ سَرَقْت قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إلَيْهِ؛ فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ ثَلَاثًا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَالْحَدِيثُ إذَا رَوَاهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَلَمْ يَجِبْ الْحُكْمُ بِهِ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ أَبُو الْمُنْذِرِ الْمَذْكُورُ فِي إسْنَادِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ تَلْقِينُ السَّارِقِ الْإِنْكَارَ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِسَارِقٍ: أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا» قَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يُصَحِّحُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: قَوْلُهُ: قُلْ: لَا - لَمْ يُصَحِّحْهُ الْأَئِمَّةُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَرَقَتْ، فَقَالَ: أَسَرَقْت؟ قُولِي: لَا؛ فَقَالَتْ: لَا؛ فَخَلَّى سَبِيلَهَا،
стр. 1055
١١٥٥ - وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «فَسَاقَهُ بِمُعْتَادٍ، وَقَالَ فِيهِ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ» وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ فَسَأَلَهُ أَسَرَقْت؟ قُلْ: لَا؛ فَقَالَ: لَا، فَتَرَكَهُ وَسَاقَ رِوَايَاتٍ عَنْ الصَّحَابَةِ دَالَّةٌ عَلَى التَّلْقِينِ وَاخْتُلِفَ فِي إقْرَارِ السَّارِقِ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ السَّرِقَةِ بِالْإِقْرَارِ مِنْ إقْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ وَكَأَنَّ هَذَا دَلِيلُهُمْ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِثْبَاتِ وَتَلْقِينِ الْمُسْقِطِ، وَلِأَنَّهُ تَرَدَّدَ الرَّاوِي هَلْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ طَرِيقُ الِاحْتِيَاطِ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْإِقْرَارَ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ، وَذَهَبَ الْفَرِيقَانِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ، وَلِأَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا اشْتِرَاطُ عَدَدِ الْإِقْرَارِ.
(وَأَخْرَجَهُ) أَيْ حَدِيثَ أَبِي أُمَيَّةَ (الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ: «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» بِالْمُهْمَلَتَيْنِ (وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَقَالَ: وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ) الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ حَسْمِ مَا قُطِعَ وَالْحَسْمُ الْكَيُّ بِالنَّارِ: أَيْ يَكْوِي مَحَلَّ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، لِأَنَّ مَنَافِذَ الدَّمِ تَنْسَدُّ وَإِذَا تُرِكَ فَرُبَّمَا اسْتَرْسَلَ الدَّمُ فَيُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْقَطْعِ وَالْحَسْمِ الْإِمَامُ، وَأُجْرَةُ الْقَاطِعِ وَالْحَاسِمِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقِيمَةُ الدَّوَاءِ الَّذِي يُحْسَمُ بِهِ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِ.
(فَائِدَةٌ): مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُعَلَّقَ يَدُ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ «أَنَّهُ سُئِلَ أَرَأَيْت تَعْلِيقَ يَدِ السَّارِقِ فِي عُنُقِهِ مِنْ السُّنَّةِ، قَالَ: نَعَمْ رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ سَارِقًا ثُمَّ أَمَرَ بِيَدِهِ فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» وَأَخْرَجَ بِسَنَدِهِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَطَعَ سَارِقًا فَمَرَّ بِهِ وَيَدُهُ مُعَلَّقَةٌ فِي عُنُقِهِ؛ وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ سَارِقٌ مَرَّتَيْنِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ قَالَ الرَّاوِي: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى يَدِهِ تَضْرِبُ صَدْرَهُ.
следующие страницы →