← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

١٣٠٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي» قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. إلَى الْخَطَإِ عَنْ الصَّوَابِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ مَعَ كُلِّ غَضَبٍ وَمَعَ كُلِّ إنْسَانٍ فَإِنْ أَفْضَى الْغَضَبُ إلَى عَدَمِ تَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ فَلَا كَلَامَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْغَضَبِ وَلَا بَيْنَ أَسْبَابِهِ. وَخَصَّهُ الْبَغَوِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ الْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْغَضَبَ لِلَّهِ يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنْ التَّعَدِّي بِخِلَافِ الْغَضَبِ لِلنَّفْسِ، وَاسْتَبْعَدَهُ جَمَاعَةٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نَهَى عَنْ الْحُكْمِ مَعَهُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَأَنَّ جَعْلَ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ صَارِفَةٌ إلَى الْكَرَاهِيَةِ بَعِيدٌ. وَأَمَّا حُكْمُهُ ﷺ مَعَ الْغَضْبَةِ فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ فَلَمَّا عَلِمَ مِنْ أَنَّ عِصْمَتَهُ مَانِعَةٌ عَنْ إخْرَاجِ الْغَصْبِ لَهُ عَنْ الْحَقِّ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَيْضًا عَدَمُ نُفُوذِ الْحُكْمِ مَعَ غَضَبِهِ إذْ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَالتَّفْرِقَةَ بَيْنَ النَّهْيِ لِلذَّاتِ وَالنَّهْيِ لِلْوَصْفِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ غَيْرُ وَاضِحٍ كَمَا قُرِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَدْ أُلْحِقَ بِالْغَضَبِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ الْمُفْرِطَانِ لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ تَفَرَّدَ بِهِ الْقَاسِمُ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي إلَّا وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ» وَكَذَلِكَ أُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَا يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُشَوِّشُ الْفِكْرَ مِنْ غَلَبَةِ النُّعَاسِ أَوْ الْهَمِّ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ نَحْوِهَا. (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي» قَالَ عَلِيٌّ ﵁: فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثَ أَخْرَجُوهُ مِنْ طُرُقٍ أَحْسَنُهَا رِوَايَةُ الْبَزَّارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْهُ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مِنْ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَوْلَا هَذَا الْمُبْهَمُ وَلَهُ

стр. 1192

١٣٠٣ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ١٣٠٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. طُرُقٌ أُخَرُ تَشْهَدُ لَهُ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي: وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَوَّلًا ثُمَّ يَسْمَعَ جَوَابَ الْمُجِيبِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِي الْحُكْمَ عَلَى سَمَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي قَبْلَ جَوَابِ الْمُجِيبِ فَإِنْ حَكَمَ قَبْلَ سَمَاعِ الْإِجَابَةِ عَمْدًا بَطَلَ قَضَاؤُهُ وَكَانَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأٌ لَمْ يَكُنْ قَادِحًا وَأَعَادَ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَهَذَا حَيْثُ أَجَابَ الْخَصْمُ، فَإِنْ سَكَتَ عَنْ الْإِجَابَةِ أَوْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْإِمَامِ يَحْيَى وَمَالِكٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّمَرُّدِ إنْ شَاءَ حَبَسَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ وَقِيلَ بَلْ يَلْزَمُهُ الْحَقُّ بِسُكُوتِهِ إذْ الْإِجَابَةُ تَجِبُ فَوْرًا فَإِذَا سَكَتَ كَانَ كَنُكُولِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ النُّكُولَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّمَرُّدَ كَافٍ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ إذْ الْحُكْمُ شُرِعَ لِفَصْلِ الشِّجَارِ، وَدَفْعِ الضِّرَارِ، وَهَذَا حَاصِلٌ مَا فِي الْبَحْرِ. قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِبِ فَمَنْ أَجَازَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ أَجَازَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ عَنْ الْإِجَابَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الْإِجَابَةِ؛ وَفِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ جَائِزًا لَمْ يَكُنْ الْحُضُورُ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَلِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ حَتَّى يَسْمَعَ لَهُ كَلَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْغَائِبُ لَا يُسْمَعُ لَهُ جَوَابٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ هِنْدَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَوْفًى. وَهَذَا مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَمَلُوا حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا عَلَى الْحَاضِرِ، وَقَالُوا: الْغَائِبُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَ كَانَتْ حُجَّتُهُ قَائِمَةً وَتُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا وَلَوْ أَدَّى إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْم الْمَشْرُوطِ. (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا» زَادَ فِي رِوَايَةٍ " فَلَا يَأْخُذْهُ " رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ (" فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اللَّحْنُ هُوَ الْمَيْلُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الْخُصَمَاءِ يَكُونُ أَعْرَفَ بِالْحُجَّةِ وَأَفْطَنَ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ " عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ " أَيْ مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِجَابَةِ وَالْبَيِّنَةِ أَوْ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَكُونُ بَاطِلَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَقْتَطِعُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَحِلُّ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ بَاطِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَا أَقَامَهُ مِنْ الشَّهَادَةِ كَاذِبًا، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَيَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَالْإِلْزَامُ بِهِ، وَتَخْلِيصُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مِمَّا حَكَمَ بِهِ لَوْ امْتَنَعَ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَلَكِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ الْحَرَامُ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي مُبْطِلًا وَشَهَادَتُهُ كَاذِبَةٌ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ إنَّهُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنَّهُ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ زُورٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ حَلَّتْ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ بِآثَارٍ لَا يَقُومُ بِهَا دَلِيلٌ وَبِقِيَاسٍ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ النَّصِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ يُقِرُّ عَلَى الْخَطَإِ وَقَدْ نُقِلَ الِاتِّفَاقُ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ فِي الْأَحْكَامِ، وَجَمَعَ بَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ وَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ لَا يُقِرُّ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقِصَّةِ أُسَارَى دُورِ الْإِذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَنْ الطَّرِيقِ الَّتِي فُرِضَتْ كَالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يَمِينِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْبَاطِنِ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ بِهِ خَطَأً بَلْ هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى وَفْقِ مَا وَقَعَ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ الَّذِي وَقَعَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَثَلًا لِلْجَارِ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا لِلْخَلِيطِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ الَّذِي فِي عِلْمِ اللَّهِ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخَطَأُ لِلْمُجْتَهِدِ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْحَقَّ مَعَ وَاحِدٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ عَلَى أَعْيَانِ الْقَضَايَا مُفَصَّلًا كَذَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ " قُلْت " وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى نَحْوِ مَا يَسْمَعُ وَلَمْ يَنْفِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَ وَالتَّعْلِيلُ

стр. 1194

١٣٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ.» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ١٣٠٦ و ١٣٠٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. ١٣٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ " فِي تَمْرَةٍ ". بِقَوْلِهِ " فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ " دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ بِمَا يَسْمَعُ فَإِذَا حَكَمَ بِمَا عَلِمَهُ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْعِلَّةُ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ أَيْ: تُطَهَّرُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَ حَدِيثَ جَابِرٍ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَدْ شَهِدَ لَهُ الْحَدِيثُ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ) وَفِي الْبَابِ عَنْ قَابُوسِ بْنِ الْمُخَارِقِ عَنْ أَبِيهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ وَفِيهِ عَنْ خَوْلَةَ غَيْرِ مَنْسُوبَةٍ فَقِيلَ إنَّهَا امْرَأَةُ حَمْزَةَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَشَوَاهِدُ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا ذُكِرَ وَمِنْهَا الْحَدِيثُ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَآخَرُ) أَيْ وَلَهُ شَاهِدٌ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ] وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُطَهَّرُ أُمَّةٌ مِنْ الذُّنُوبِ لَا يُنْتَصَفُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَقِّ لَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَصْرُ الضَّعِيفِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ الْقَوِيِّ كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُدْعَى بِالْقَاضِي

стр. 1195

١٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ " فِي تَمْرَةٍ ") فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ حِسَابِ الْقُضَاةِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ لِمَا يَتَعَاطَوْنَهُ مِنْ الْخَطَرِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ، وَيَبْلُغَ فِيهِ جَهْدَهُ وَيُحَذَّرُ مِنْ خُلَطَاءِ السُّوءِ مِنْ الْوُكَلَاءِ وَالْأَعْوَانِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «مَا اسْتَخْلَفَ اللَّهُ مِنْ خَلِيفَةٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ. وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «مَا مِنْ وَالٍ إلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ» الْحَدِيثَ وَيُحَذَّرُ الْغُرَمَاءُ وَالْوُكَلَاءُ وَيُرْوَى لَهُمْ حَدِيثُ «مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَلِمَا عَرَفْته تَجَنَّبَ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْقَاضِي الْعَدْلِ فَكَيْفَ بِقُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْجَهَالَةِ. فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ فِي الْغِرْبَالِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِقَضَاءِ مِصْرَ فَاخْتَفَى فِي بَيْتِهِ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَوْمًا فَقَالَ: يَا ابْنَ وَهْبٍ أَلَا تَخْرُجُ فَتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْعُلَمَاءَ يُحْشَرُونَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْقُضَاةَ مَعَ السَّلَاطِينِ. (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «لَنْ يُفْلِحْ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَرْأَةِ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ أَثْبَتَ لَهَا أَنَّهَا رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا الْأَحْكَامَ إلَّا الْحُدُودَ. وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إلَى جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا مُطْلَقًا. وَالْحَدِيثُ إخْبَارٌ عَنْ

стр. 1196

١٣١٠ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَزْدِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ، وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. عَدَمِ فَلَاحِ مَنْ وَلِيَ أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ وَهُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ جَلْبِ عَدَمِ الْفَلَاحِ لِأَنْفُسِهِمْ مَأْمُورُونَ بِاكْتِسَابِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَلَاحِ. (وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَزْدِيِّ) هُوَ صَحَابِيٌّ اسْمه عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو الشَّمَّاخِ وَأَبُو الْمُعَطَّلِ وَغَيْرُهُمْ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «مَا مِنْ إمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُخَيْمِرَةَ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ " - الْحَدِيثَ " فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ بِلَفْظِ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «أَيُّمَا أَمِيرٍ احْتَجَبَ عَنْ النَّاسِ فَأَهَمَّهُمْ احْتَجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُنْكَرٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ إلَّا شَيْخَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَمْ يَقِفْ فِيهِ عَلَى جَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا أَحْبَبْت أَنْ أَضَعَهُ عِنْدَك مَخَافَةَ أَنْ لَا تَلْقَانِي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَحَجَبَ بَابَهُ عَنْ ذِي حَاجَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَبَهُ اللَّهُ أَنْ يَلِجَ بَابَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ الدُّنْيَا حُرِّمَ عَلَيْهِ جِوَارِي. فَإِنِّي بُعِثْت بِخَرَابِ الدُّنْيَا وَلَمْ أُبْعَثْ بِعِمَارَتِهَا» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَلِيَ

стр. 1197

١٣١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ١٣١٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ أَيَّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ لَا يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَأَنْ يُسَهِّلَ الْحِجَابَ لِيَصِلَ إلَيْهِ ذُو الْحَاجَةِ مِنْ فَقِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ (احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ) كِنَايَةً عَنْ مَنْعِهِ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ وَرَحْمَتِهِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» فِي النِّهَايَةِ الرَّاشِي مَنْ يُعْطِي الَّذِي يُعِينُهُ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْمُرْتَشِي الْآخِذُ (" فِي الْحُكْمِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَزَادَ أَحْمَدُ " وَالرَّائِشُ " هُوَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَالْآخِذِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى سِفَارَتِهِ أَجْرًا فَإِنْ أَخَذَ فَهُوَ أَبْلَغُ. ١٣١٢ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ. (وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا النَّسَائِيّ) إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ " فِي الْحُكْمِ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد لَمْ يَذْكُرْهَا إنَّمَا زَادَهَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ. وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْقَاضِي أَوْ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَحَاصِلُ مَا يَأْخُذُهُ الْقُضَاةُ مِنْ الْأَمْوَالِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ رِشْوَةٌ وَهَدِيَّةٌ وَأُجْرَةٌ وَرِزْقٌ؛ فَالْأَوَّلُ الرِّشْوَةُ إنْ كَانَتْ لِيَحْكُمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي وَإِنْ كَانَتْ لِيَحْكُم لَهُ بِالْحَقِّ عَلَى غَرِيمِهِ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْحَاكِمِ دُون الْمُعْطَى؛ لِأَنَّهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَهِيَ كَجُعْلِ الْآبِقِ وَأُجْرَةِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْخُصُومَةِ. وَقِيلَ تَحْرُمُ؛ لِأَنَّهَا تُوقِعُ الْحَاكِمَ فِي الْإِثْمِ. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ وَهِيَ الثَّانِي فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَلَا تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُهْدَى إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَايَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ عِنْدَهُ جَازَتْ وَكُرِهَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ خُصُومَةٌ عِنْدَهُ فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْحَاكِمِ وَالْمُهْدَى وَيَأْتِي فِيهِ مَا سَلَفَ فِي الرِّشْوَةِ عَلَى بَاطِلٍ أَوْ حَقٍّ. وَأَمَّا الْأُجْرَةُ وَهِيَ الثَّالِثُ فَإِنْ كَانَ لِلْحَاكِمِ جِرَايَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَرِزْقٌ حَرُمَتْ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَجْرَى لَهُ الرِّزْقَ لِأَجْلِ الِاشْتِغَالِ بِالْحُكْمِ

стр. 1198

١٣١٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. فَلَا وَجْهَ لِلْأَجْرِ وَإِنْ كَانَ لَا جِرَايَةَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَاكِمٍ فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطَى الْأُجْرَةَ لِكَوْنِهِ عَمِلَ عَمَلًا لَا لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَاكِمًا فَأَخْذُهُ لِمَا زَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ غَيْرَ حَاكِمٍ إنَّمَا أَخَذَهَا لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ كَوْنِهِ حَاكِمًا وَلَا يَسْتَحِقُّ لِأَجْلِ كَوْنِهِ حَاكِمًا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ اتِّفَاقًا فَأُجْرَةُ الْعَمَلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فَأَخْذُ الزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ حَرَامٌ. وَلِذَا قِيلَ إنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْلَى مِنْ تَوْلِيَةِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِفَقْرِهِ يَصِيرُ مُتَعَرِّضًا لِتَنَاوُلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ نُدْرِكْ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَنْ يَطْلُبُ الْقَضَاءَ إلَّا وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهُ إلَّا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَا يَقُومُ بِأَوَدِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِيهِ كَلَامٌ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: إنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ قُعُودِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ وَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْمُسْلِمَ كَمَا فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ ﵁ مَعَ غَرِيمِهِ الذِّمِّيِّ عِنْدَ شُرَيْحٍ، وَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِسَنَدِهِ قَالَ: " وَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ الْتَقَطَهَا فَعَرَفَهَا فَقَالَ: دِرْعِي سَقَطَتْ عَنْ جَمَلٍ لِي أَوْرَقَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: دِرْعِي وَفِي يَدِي، ثُمَّ قَالَ الْيَهُودِيُّ بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْا شُرَيْحًا فَلَمَّا رَأَى عَلِيًّا قَدْ أَقْبَلَ تَحَرَّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَجَلَسَ عَلِيٌّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ خَصْمِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَسَاوَيْته فِي الْمَجْلِسِ لَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجْلِسِ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَشَاءُ يَا أَمِيرَ الْمُومِنِينَ قَالَ: دِرْعِي سَقَطَ عَنْ جَمَلٍ لِي أَوْرَقَ فَالْتَقَطَهَا هَذَا الْيَهُودِيُّ. قَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَقُولُ يَا يَهُودِيُّ قَالَ دِرْعِي وَفِي يَدِي. قَالَ شُرَيْحٌ: صَدَقْت وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا لَدِرْعُك، وَلَكِنْ لَا بُدَّ

стр. 1199

بَابُ الشَّهَادَاتِ ١٣١٤ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. لَك مِنْ شَاهِدَيْنِ فَدَعَا قَنْبَرًا وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَهِدَا إنَّهَا لَدِرْعُهُ. فَقَالَ شُرَيْحٌ أَمَّا شَهَادَةُ مَوْلَاك فَقَدْ أَجَزْنَاهَا. وَأَمَّا شَهَادَةُ ابْنِك فَلَا نُجِيزُهَا فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: ثَكِلَتْكَ أُمُّك أَمَا سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ: أَفَلَا تُجِيزُ شَهَادَةَ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: خُذْ الدِّرْعَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَ مَعِي إلَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَقَضَى لِي، وَرَضِيَ. صَدَقْت وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا لَدِرْعُك سَقَطَتْ عَنْ جَمَلٍ لَك الْتَقَطْتهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَوَهَبَهَا لَهُ عَلِيٌّ ﵁ وَأَجَازَهُ بِتِسْعِمِائَةٍ وَقُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ صِفِّينَ: اهـ ". وَقَوْلُ شُرَيْحٍ: وَاَللَّهِ إنَّهَا لَدِرْعُك كَأَنَّهُ عَرَفَهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا دِرْعُهُ لَكِنَّهُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِعِلْمِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَرَى شَهَادَةَ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ، فَانْظُرْ مَا أَبْرَكَ الْعَمَلَ بِالْحَقِّ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَمَا آلَ إلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (بَابُ الشَّهَادَاتِ) الشَّهَادَةُ مَصْدَرُ شَهِدَ - جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ وَالشَّاهِدُ حَامِلُ الشَّهَادَةِ وَمُؤَدِّيهَا؛ لِأَنَّهُ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْإِعْلَامِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أَيْ عَلِمَ. (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَالَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ عَلَى أَنَّ خَيْرَ الشُّهَدَاءِ مَنْ يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ لِمَا هِيَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ إلَّا أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي وَهُوَ حَدِيثُ عِمْرَانَ وَفِيهِ «ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» فِي سِيَاقِ الذَّمِّ لَهُمْ. وَلَمَّا تَعَارَضَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْدٍ إذَا كَانَ عِنْدَ الشَّاهِدِ شَهَادَةٌ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَأْتِي إلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا فَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي إلَيْهِمْ فَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ وَهُوَ جَوَابُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ شَيْخِ مَالِكٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ وَهِيَ مَا لَا تَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ مَحْضًا وَيَدْخُلُ فِي الْحِسْبَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ الْعَامَّةِ

стр. 1200

١٣١٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَحْوِهَا. وَحَدِيثُ عِمْرَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِجَابَةِ فَيَكُونُ لِقُوَّةِ اسْتِعْدَادِهِ كَاَلَّذِي أَتَى بِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا كَمَا يُقَالُ فِي الْجَوَادِ إنَّهُ لِيُعْطِيَ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُؤَدَّى قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا صَاحِبُ الْحَقِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ عَمَلًا بِرِوَايَةِ زَيْدٍ وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ عِمْرَانَ بِأَحَدِ تَأْوِيلَاتٍ، الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَيْ يُؤَدُّونَ شَهَادَةً لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ بِهَا عِلْمٌ، حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ إتْيَانُهُ بِالشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْحَلِفِ نَحْوُ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا كَذَا وَهَذَا جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ. الثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ مِمَّا سَيَكُونُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَيَشْهَدُ عَلَى قَوْمٍ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَعَلَى قَوْمٍ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ. حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُهَا. (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَيُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا اجْتَمَعُوا فِي زَمَانٍ أَوْ رَئِيسٍ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مِلَّةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ عَمَلٍ وَيُطْلَقُ الْقَرْنُ عَلَى مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِهَا مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ لَمْ يَرَ مِنْ صَرَّحَ بِالتِّسْعِينَ وَلَا بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ. قُلْت أَمَّا التِّسْعُونَ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْمِائَةُ وَالْعِشْرُونَ فَصَرَّحَ بِهِ فِي الْقَامُوسِ فَإِنَّهُ قَالَ أَوْ مِائَةٌ أَوْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ ﷺ لِغُلَامٍ " عِشْ قَرْنًا " فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ انْتَهَى قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ الْقَرْنُ أُمَّةٌ هَلَكَتْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَقَرْنُهُ ﷺ الْمُرَادُ بِهِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عَصْرِهِ. وَقَوْلُهُ " ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " هُمْ التَّابِعُونَ وَاَلَّذِينَ يَلُونَ

стр. 1201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّابِعِينَ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ أَفْضَلُ مِنْ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعِينَ أَفْضَلُ مِنْ تَابِعِيهِمْ وَأَنَّ التَّفْضِيلَ بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ. وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ الصَّحَابَةِ لَا إلَى الْأَفْرَادِ فَمَجْمُوعُ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ، إلَّا أَهْلَ بَدْرٍ وَأَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، يُرِيدُ أَنَّ أَفْرَادَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَفْرَادِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أُمَّتِي مِثْلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ؟ قَالَ «قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَك، وَهَاجَرْنَا مَعَك قَالَ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ يَرْفَعُهُ «تَأْتِي أَيَّامٌ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ قِيلَ مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ بَلْ مِنْكُمْ» وَأَخْرَجَ أَبُو الْحَسَن الْقِطَّانِ فِي مَشْيَخَتِهِ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِ عَلَى دِينِهِ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» وَجَمَعَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ لِلصُّحْبَةِ فَضِيلَةً وَمَزِيَّةً لَا يُوَازِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَلِمَنْ صَحِبَهُ ﷺ فَضِيلَتُهَا وَإِنْ قَصَرَ عَمَلُهُ، وَأَجْرُهُ بِاعْتِبَارِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَتَكُونُ خَيْرِيَّتُهُمْ عَلَى مَنْ سَيَأْتِي بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَجْرِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا مَشَاهِيرُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ حَازُوا السَّبْقَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْأَعْمَالِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَعْمَالِ الْمُتَسَاوِيَةِ فِي النَّوْعِ، وَفَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ عَدَاهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ. وَفِي قَوْلِهِ (ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ " إلَى آخِرِهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْنَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ بَعْدِ الصَّحَابَةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَعْدِيلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَلَكِنَّهُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ وَقَوْلُهُ " لَا يُؤْتَمَنُونَ " أَيْ لَا يَرَاهُمْ النَّاسُ أُمَنَاءَ وَلَا يَثِقُونَ بِهِمْ لِظُهُورِ خِيَانَتِهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ (" يَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ") أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ، وَقِيلَ أَرَادَ كَثْرَةَ الْمَالِ وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَسْمَنُونَ أَيْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ الشَّرَفِ. وَفِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ» فَجَمَعَ بَيْنَ السِّمَنِ أَيْ التَّكَثُّرِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَتَعَاطِي أَسْبَابِ السِّمَنِ.

стр. 1202

١٣١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ، خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمَرٍ» بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا بَعْدَهَا رَاءٌ فَسَّرَهُ أَبُو دَاوُد بِالْحِنَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْحِقْدُ وَالشَّحْنَاءُ (عَلَى أَخِيهِ «وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ» بِالْقَافِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ يَأْتِي بَيَانُهُ (" لِأَهْلِ الْبَيْتِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ» وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمَرٍ لِأَخِيهِ» - الْحَدِيثَ. وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا إسْنَادُهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: فِي الْعِلَلِ مُنْكَرٌ، وَضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ (" الْخَائِنِ ") قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا نَرَاهُ خَصَّ بِهِ الْخِيَانَةَ فِي أَمَانَاتِ النَّاسِ دُونَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَائْتَمَنَهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى ذَلِكَ أَمَانَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فَمَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ خَائِنًا فَلَيْسَ لَهُ تَقْوَى تَرُدُّهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ الَّتِي مِنْهَا الْكَذِبُ فَلَا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِخَبَرِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تُهْمَةٍ أَوْ مَسْلُوبُ الْأَهْلِيَّةِ وَأَمَّا ذُو الْغَمَرِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحِقْدِ وَالشَّحْنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِأَخِيهِ: الْمُسْلِمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالْكَافِرُ مِثْلُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ ذُو حِقْدٍ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الدِّينِ فَإِنَّ ذَا الْحِقْدِ مَظِنَّةُ عَدَمِ صِدْقِ خَبَرِهِ لِمَحَبَّتِهِ إنْزَالَ الضَّرَرِ بِمَنْ يَحْقِدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا حِقْدٍ عَلَى الْكَافِرِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الدِّينِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فِي الدِّينِ فَإِنَّ عَدَاوَةَ الدِّينِ لَا تَقْتَضِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ زُورًا فَإِنَّ الدِّينَ لَا يُسَوِّغُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا خَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَغْلَبِ. وَالْقَانِعُ هُوَ الْخَادِمُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُنْقَطِعُ إلَيْهِمْ لِلْخِدْمَةِ

стр. 1203

١٣١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَمُوَالَاتِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَفِي تَمَامِ الْحَدِيثِ، وَأَجَازَهَا أَيْ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِغَيْرِهِمْ أَيْ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ تَابِعٌ لَهُمْ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ شَهَادَتِهِ لِمَنْ هُوَ قَانِعٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تُهْمَةٍ فَيَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ وَجَلْبُ الْخَيْرِ إلَيْهِمْ فَمُنِعَ مِنْ الشَّهَادَةِ. وَمَنْعُ هَؤُلَاءِ مِنْ الشَّهَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ وَعَلَيْهِ دَلَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَدْ وَسَمُوا الْعَدَالَةَ بِأَنَّهَا مُحَافَظَةٌ دِينِيَّةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ. وَقَدْ نَازَعْنَاهُمْ فِي هَذَا الرَّسْمِ فِي عِدَّةٍ مِنْ الْمَبَاحِثِ كَرِسَالَةِ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى حُكَّامَ الْأُمَّةِ وَحَقَقْنَا الْحَقَّ فِي الْعَدَالَةِ فِي رِسَالَةِ ثَمَرَاتِ النَّظَرِ، فِي عِلْمِ الْأَثَرِ. وَفِي مِنْحَةِ الْغَفَّارِ، حَاشِيَةِ ضَوْءِ النَّهَارِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاخْتَرْنَا أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ مَنْ غَلَبَ خَيْرُهُ شَرَّهُ وَلَمْ يُجَرَّبْ عَلَيْهِ اعْتِيَادُ كَذِبٍ وَأَقَمْنَا عَلَيْهِ الْأَدِلَّةَ هُنَالِكَ وَالشَّارِحُ هُنَا مَشَى مَعَ الْجَمَاهِيرِ. وَذَكَرَ بَعْضَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ مُرَادِهِمْ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بِدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) الْبَدَوِيُّ مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ نَسَبٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ النِّسْبَةِ وَالْقِيَاسُ بَادَوِيٌّ وَالْقَرْيَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْمِصْرُ الْجَامِعُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ إلَّا عَلَى بَدَوِيٍّ مِثْلِهِ فَتَصِحُّ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ حَيْثُ أَشْهَدَ بَدَوِيًّا وَلَمْ يُشْهِدْ قَرَوِيًّا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَفَاءِ فِي الدِّينِ وَالْجَهَالَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرَائِعِ؛ وَلِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لَا يَضْبِطُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إذْ الْأَغْلَبُ أَنَّ عَدَالَتَهُمْ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْبَحْرِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ بِقَبُولِهِ ﷺ لِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ.

стр. 1204

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ١٣١٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَتَمَامُهُ " فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ " اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْمُعَدِّلِ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ عَنْ حَقِيقَةِ سَرِيرَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ إلَّا بِالْوَحْيِ، وَقَدْ انْقَطَعَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامَ صَحَابِيٍّ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ وَأَقَرَّهُ مَنْ سَمِعَهُ فَكَانَ قَوْلَ جَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْمَجْهُولُ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ " أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَسْت أَعْرِفُك وَلَا يَضُرُّك أَنْ لَا أَعْرِفَك ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُك فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا أَعْرِفُهُ. قَالَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ فَقَالَ: هُوَ جَارُك الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ لَا. قَالَ فَعَامَلَك بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الْوَرَعِ قَالَ: لَا قَالَ فَرَفِيقُك فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ قَالَ: لَا قَالَ لَسْت تَعْرِفُهُ ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُك " قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَوَاهُ الْبَغَوِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. . (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ) وَلَفْظُهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى. قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ شَهَادَةِ الزُّورِ. قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: الزُّورُ تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إلَى مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِلِ بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَقَدْ جَعَلَ ﷺ قَوْلَ الزُّورِ عَدِيلًا لِلْإِشْرَاكِ وَمُسَاوِيًا

стр. 1205

١٣١٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ» أَخْرَجَهُ بْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ. لَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرْكَ أَكْبَرُ بِلَا شَكٍّ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ لَهَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يُنَاظِرُهَا فِي الْمَفْسَدَةِ، وَهِيَ التَّسَبُّبُ إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَهِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَبَائِرِ الَّتِي يُتَسَبَّبُ بِهَا إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَهِيَ أَكْبَرُ مِنْ الزِّنَى وَمِنْ السَّرِقَةِ وَإِنَّمَا اهْتَمَّ ﷺ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَجَلَسَ وَأَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ وَكَرَّرَ الْإِخْبَارَ لِكَوْنِ قَوْلِ الزُّورِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ عَلَى اللِّسَانِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ؛ وَلِأَنَّ الْحَوَامِلَ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا فَاحْتِيجَ إلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ فَإِنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَدَّى مَفْسَدَتُهُ إلَى غَيْرِ الْمُشْرِكِ بِخِلَافِ قَوْلِ الزُّورِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ قِيلَ فِيهِ، وَالْعُقُوقُ يَصْرِفُ عَنْهُ كَرْمُ الطَّبْعِ وَالْمُرُوءَةُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ) لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ مَشْمُولٍ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ عِلْمًا يَقِينًا كَمَا تُعْلَمُ الشَّمْسُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ فَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى صَوْتٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ الصَّوْتِ وَرُؤْيَةِ الْمُصَوِّتِ أَوْ التَّعْرِيفِ بِالْمُصَوِّتِ بِعَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ عِنْدَ مَنْ يَكْتَفِي بِهِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ فَإِنَّهَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالظَّنِّ. وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الظَّنِّ بِقَوْلِهِ: (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ) وَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ فِي ثُبُوتِ الرَّضَاعِ،

стр. 1206

١٣٢٠ - وَعَنْهُ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ١٣٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَثُبُوتُهُ إنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثًا عَلَى رُؤْيَةِ الرَّضَاعِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الرَّضَاعِ ثُبُوتَ النَّسَبِ، وَأَمَّا ثُبُوتُ الرَّضَاعَةِ نَفْسِهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ صَرِيحِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَ مَنْ وَقَعَ لَهُ. وَحَدُّ الِاسْتِفَاضَةِ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ شُهْرَةٌ فِي الْمَحَلَّةِ تُثْمِرُ ظَنًّا أَوْ عِلْمًا، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالشُّهْرَةِ فِي الْمَذْكُورَةِ إذْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى التَّحْقِيقِ بِالنَّسَبِ لِتَعَذُّرِ التَّحَقُّقِ فِيهِ فِي الْأَغْلَبِ. وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِالْمَوْتِ الْقَدِيمِ مَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ عَلَيْهِ، وَحَدَّهُ الْبَعْضُ بِخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ أَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ فِيهِ التَّحْقِيقُ. وَإِلَى الْعَمَلِ بِالشُّهْرَةِ فِي النَّسَبِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَمِثْلُهُ الْمَوْتُ كَذَلِكَ ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْهَادَوِيَّةُ فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ مَا تُفِيدُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ فَيَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّسَبِ قَطْعًا، وَالْوِلَادَةِ وَفِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَالْوَقْفِ وَالْعَزْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبَلَّغَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي قَوَاعِدِ الْعَلَائِيِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إسْنَادِهِ كَذَا قَالَ لَكِنَّهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ: سَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ عِنْدِي عَمْرٌو مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَاوِيَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ قَدْ سَمِعَ عَمْرٌو مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِدَّةَ أَحَادِيثَ وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا. وَسَمِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَلَهُ شَوَاهِدُ. ١٣٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ هُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ

стр. 1207

بَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَات ١٣٢٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالِ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. عَنْ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ سَرَدَ الشَّارِحُ أَسْمَاءَهُمْ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَضَاءُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاهِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَالْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُمْدَتُهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَالْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ حَاصِلُهَا تَأْكِيدُ الدَّعْوَى لَكِنْ يَعْظُمُ شَأْنُهَا فَإِنَّهَا إشْهَادٌ لِلَّهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ كَمَا يَقُولُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ الدَّعْوَى لَكَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَلَمَّا كَانَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ هَابَهَا الْمُؤْمِنُ بِإِيمَانِهِ وَعَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ عِنْدَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ كَاذِبًا وَهَابَهَا الْفَاجِرُ لِمَا يَرَاهُ مِنْ تَعْجِيلِ عُقُوبَةِ اللَّهِ لِمَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً فَلَمَّا كَانَ لِلْيَمِينِ هَذَا الشَّأْنُ صَلُحَتْ لِلْهُجُومِ عَلَى الْحُكْمِ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَتْ الْأَيْمَانُ فَقَطْ فِي اللِّعَانِ وَفِي الْقَسَامَةِ فِي مَقَامِ الشُّهُودِ. وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قَالُوا وَهَذَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَيُفِيدُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَزِيَادَةُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ تَكُونُ نَسْخًا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ يَصِحُّ نَسْخُهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» وَأُجِيب بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ صَحِيحٌ يُعْمَلُ بِهِمَا فِي مَنْطُوقِهِمَا فَإِنَّ مَفْهُومَ أَحَدِهِمَا لَا يُقَاوِمُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ. هَذَا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ سَلَمَةُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ عَمْرٌو (فِي الْحُقُوقِ) يُرِيدُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ الرَّاوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَصَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينَ بِالْحُقُوقِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا خَاصٌّ بِالْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّ الرَّاوِيَ وَقَفَهُ عَلَيْهَا وَالْخَاصُّ لَا يَتَعَدَّى بِهِ مَحَلُّهُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَاقْتِضَاءُ الْعُمُومِ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ لَهُ ا. هـ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ لِلْإِجْمَاعِ أَنَّهُمَا لَا يَثْبُتَانِ بِذَلِكَ. .

стр. 1208

وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». ١٣٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ: أَيُّهُمْ يَحْلِفُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الدَّعَاوَى جَمْعُ دَعْوَى وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ ادَّعَى شَيْئًا إذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا (وَالْبَيِّنَاتُ) جَمْعُ بَيِّنَةٍ وَهِيَ الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ سُمِّيَتْ الْحُجَّةُ بَيِّنَةً لِوُضُوحِ الْحَقِّ وَظُهُورِهِ بِهَا. (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبَيْهَقِيِّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَحَدٍ فِيمَا يَدَّعِيه لِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكُلِّفَ الْحُجَّةَ الْقَوِيَّةَ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ فَيَقْوَى بِهَا ضَعْفُ الْمُدَّعِي؛ وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَرَاغُ ذَاتِهِ فَاكْتَفَى مِنْهُ بِالْيَمِينِ وَهِيَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) يُفَسِّرُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَى الِاسْتِهَامِ هُنَا الِاقْتِرَاعُ يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَ مَا ادَّعَى، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ أَنَّهُ أَتَى بِنَعْلٍ وُجِدَ فِي السُّوقِ يُبَاعُ فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا نَعْلِي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ وَقَرَعَ عَلَى خَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَعْلُهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ قَالَ الرَّاوِي: فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا وَسَوْفَ أُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ، أَمَّا صُلْحُهُ فَأَنْ يُبَاعَ النَّعْلُ فَيُقَسَّمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِهَذَا خَمْسَةٌ وَلِهَذَا اثْنَانِ وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا فَالْقَضَاءُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَأَنَّهُ نَعْلُهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا أَيُّكُمَا يَحْلِفُ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ فَأَيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ. انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.

стр. 1209

١٣٢٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٣٢٥ - وَعَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْوَعِيدِ لِمَنْ حَلَفَ لِيَأْخُذَ حَقًّا لِغَيْرِهِ أَوْ يُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاقْتِطَاعِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِ وَالتَّعْبِيرُ بِحَقِّ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ شَرْعًا كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ. وَذِكْرُ الْمُسْلِمِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالذِّمِّيُّ مِثْلُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، قِيلَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ تَخْتَصُّ بِمَنْ اقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ حَقَّ الْمُسْلِمِ لَا حَقَّ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَلَهُ عُقُوبَةٌ أُخْرَى وَإِيجَابُ النَّارِ وَتَحْرِيمُ الْجَنَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتُبْ وَيَتَخَلَّصْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي أَخَذَهُ بَاطِلًا ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ قَيَّدَهَا الْحَدِيثُ الْآتِي: (وَعَنْ الْأَشْعَثِ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدِ (ابْنِ قَيْسِ) بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الْكِنْدِيُّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ وَكَانَ رَئِيسَهُمْ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَكَانَ رَئِيسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَجِيهًا فِي الْإِسْلَامِ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَخَرَجَ لِلْجِهَادِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا ثُمَّ سَكَنَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فَاجِرًا فِيهَا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا أَنَّهُ غَيْرُ مُحِقٍّ وَإِذَا كَانَ تَعَالَى عَلَيْهِ غَضْبَانُ حَرَّمَهُ جَنَّتَهُ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عَذَابَهُ.

стр. 1210

١٣٢٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ وَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَعِيرُ أَوْ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا مَعًا فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِلْكِ بِالْيَدِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُونَا بِنَفْسِ الدَّعْوَى يَسْتَحِقَّانِهِ لَوْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَقِيبَهُ حَدِيثًا فَقَالَ: «ادَّعَيَا بَعِيرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاهِدَيْنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَفِي هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ فَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً إلَّا أَنَّ الشَّهَادَاتِ لَمَّا تَعَارَضَتْ تَهَاتَرَتْ فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَحَكَمَ بِالشَّيْءِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَلَمَّا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ عَلَى دَعْوَاهُ نُزِعَ الشَّيْءُ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِمَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّيْءِ يَكُونُ فِي يَدِ الرَّجُلِ يَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ يُقِيمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ صَارَ لَهُ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ قَدِيمًا ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ: فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ حَلَفَ: لَقَدْ شَهِدَ شُهُودُهُ بِحَقٍّ ثُمَّ يُقْضَى لَهُ بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْضِي بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ لِأَعْدِلهُمَا شُهُودًا وَأَشْهَرِهِمَا فِي الصَّلَاحِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْخَذُ بِأَكْثَرِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَدَدًا، وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى حِصَصِ الشُّهُودِ ا. هـ. كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. وَفِي الْمَنَارِ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّهَا وَإِنَّمَا وَظِيفَتُهَا حَيْثُ تَعَذَّرَ التَّقْرِيبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَوْنُ الْمُدَّعَى هُنَا مُشْتَرَكًا أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ فَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِهِ بِالْقُرْعَةِ وَاخْتَارَ قِسْمَةَ الْمُدَّعَى وَهُوَ الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.

стр. 1211

١٣٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ١٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ إثْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ ﷺ كَاذِبًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَغْلِيظِ الْحَلِفِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَوْ لَا؟. وَالْحَدِيثُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا فِيهِ عَظَمَةُ إثْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ ﷺ كَاذِبًا. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا تَغْلِيظَ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّغْلِيظُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ قَالُوا: فَفِي الْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَفِي غَيْرِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الزَّمَانِ يَنْظُرُ إلَى الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ كَبَعْدِ الْعَصْرِ وَلَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِإِطْلَاقِ أَحَادِيثَ «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَبِقَوْلِهِ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَبِفِعْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ. وَاسْتَدَلُّوا لِلتَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَلَا يَجِبُ. وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْحَاكِمِ إذَا رَآهُ حَسَنًا أَلْزَم بِهِ.

стр. 1212

١٣٢٩ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ». (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ» هَذِهِ كِنَايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ تَعَالَى وَإِشَارَةٌ إلَى حِرْمَانِهِمْ مِنْ رَحْمَتِهِ (" وَلَا يُزَكِّيهِمْ ") أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ عَنْ أَدْنَاسِ الذُّنُوبِ بِالْمَغْفِرَةِ «وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا وَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَوْلُهُ " عَلَى فَضْلِ مَاءٍ " أَيْ عَلَى مَاءٍ فَاضِلٍ عَنْ كِفَايَتِهِ فَهَذَا مَنَعَ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ لَهُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ " وَصَدَّقَهُ " أَيْ الْمُشْتَرِي وَضَمِيرُ " هُوَ " لِلْأَخْذِ مَصْدَرُ قَوْلِهِ لَأَخَذَهَا لِدَلَالَةِ فِعْلِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أَيْ وَالْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَهَذَا ارْتَكَبَ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ وَالْكَذِبَ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ وَخَصَّ بَعْدَ الْعَصْرِ لِشَرَفِ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ غَلُظَ بِالزَّمَانِ وَقَوْله " بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِلدُّنْيَا " أَيْ لَمَّا يُعْطِيه مِنْهَا. وَالْوَعِيدُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُبَايَعَةِ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا نِيَّةٌ غَيْرُ صَالِحَةٍ وَلِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِالْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعَةِ وَتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ. وَالْأَصْلُ فِي بَيْعَةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا إقَامَةَ الشَّرِيعَةِ وَيَعْمَلُ بِالْحَقِّ وَيُقِيمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِإِقَامَتِهِ وَيَهْدِمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهَدْمِهِ. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ «وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» فَيَكُونُ مَنْ تُوُعِّدَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْوَعِيدِ أَرْبَعَةٌ. وَفِي مُسْلِمٍ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «وَشَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إلَّا مِنَّةً، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسَبِّلُ إزَارَهُ» فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ تِسْعُ خِصَالٍ إنْ جَعَلْنَا الْمُنْفِقَ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَاَلَّذِي حَلَفَ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقَدْ أَعْطَى كَذَا وَكَذَا: شَيْئًا وَاحِدًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا شَيْئَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ الْمُنْفِقَ سِلْعَتَهُ بِالْكَذِبِ أَعَمُّ مِنْ الَّذِي يَحْلِفُ لَقَدْ أَعْطَى فَتَكُون عَشْرًا.

стр. 1213

١٣٣٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ». رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ عِنْدِي وَأَقَامَا أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ» سَيَأْتِي مَنْ أَخْرَجَهُ، وَأَخْرَجَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْ إسْنَادَهُ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ فِيهِ " تَدَاعَيَا دَابَّةً " وَلَمْ يُضَعِّفْ إسْنَادَهُ أَيْضًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ مُرَجَّحَةٌ لِلشَّهَادَةِ الْمُوَافِقَةِ لَهَا. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَالُ لَهُمَا قَدْ اسْتَوَيْتُمَا فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ وَلِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ سَبَبٌ بِكَيْنُونَتِهِ فِي يَدِهِ هُوَ أَقْوَى مِنْ سَبَبِك فَهُوَ لَهُ بِفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِهِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهَا تَرْجَحُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ قَالُوا: إذْ شُرِعَتْ لَهُ - وَلِلْمُنْكِرِ الْيَمِينُ - وَلِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تُفِيدُ بَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَبَيِّنَتُهُ لَا تَعْمَلُ لَهُ شَيْئًا " ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ خَاصٌّ وَحَدِيثُ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» عَامٌّ وَالْخَاصُّ مُخَصِّصٌ مُقَدَّمٌ، وَأَثَرُ عَلِيٍّ ﵁ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى صِحَّتِهِ فَمُعَارَضٌ بِمَا سَبَقَ. وَعَنْ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ مُقَوِّيَةٌ لِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَسَاوَتْ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ. وَيُرْوَى عَنْهُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ» رَوَاهُمَا) أَيْ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ (الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ) لِأَنَّ مَدَارَهُمَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الْفُرَاتِ، وَمُحَمَّدٍ لَا يُعْرَفُ، وَإِسْحَاقُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَشَّافِ: إنَّ إِسْحَاقَ بْنَ الْفُرَاتِ قَاضِي مِصْرَ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الِاعْتِمَادُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَحَادِيثِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّهُ «قَالَ ﷺ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَتَحْلِفُونَ فَأَبَوْا قَالَ فَتَحْلِفُ يَهُودٌ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَسَاقَ الرِّوَايَاتِ فِي الْقَسَامَةِ وَفِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ، قَالَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قُلْت) وَهَذَا مِنْهُ قِيَاسٌ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ

стр. 1214

١٣٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْكِتَابِ عَلَى ثُبُوتِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنْ إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالنُّكُولِ شَيْءٌ إلَّا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي. وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِالنُّكُولِ مِنْ دُونِ تَحْلِيفٍ لِلْمُدَّعِي. وَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: لَا يُحْكَمُ بِهِ وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ. اسْتَدَلَّ الْهَادَوِيَّةُ بِأَنَّ النُّكُولَ كَالْإِقْرَارِ. وَرَدَّ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَمَرُّدٍ عَنْ حَقٍّ مَعْلُومٍ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ هُوَ الْيَمِينُ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يُوَفِّيَهُ أَوْ يُسْقِطَهُ بِالْإِقْرَارِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى وَأُجِيبُ بِعَدَمِ حُجَّةِ أَفْعَالِهِمْ، نَعَمْ لَوْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ الْحُجَّةُ فِيهِ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا تَبْرُقُ ") بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ (" أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ") هِيَ الْخُطُوطُ الَّتِي فِي الْجَبْهَةِ وَاحِدُهَا سُرَرٌ وَجَمْعُهَا أَسْرَارٌ وَأَسِرَّةٌ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسَارِيرُ أَيْ تُضِيءُ وَتَسْتَنِيرُ مِنْ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ (" فَقَالَ أَلَمْ تَرَى إلَى مُجَزِّزٍ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ ثُمَّ زَاي مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ أُخْرَى اسْمُ فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أَسَرَ أَسِيرًا جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ (" الْمُدْلِجِيُّ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمٍ بِزِنَةِ مُخْرِج نِسْبَةً إلَى بَنِي مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ (" نَظَرَ آنِفًا ") أَيْ الْآنَ «إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَلَمْ تَرَى أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِكَوْنِهِ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُد وَأُمُّ أُسَامَةَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْدَاءَ. وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ عُبَيْدًا الْحَبَشِيَّ فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَاسْمُهَا بَرَكَةُ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيَافَةِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ. وَهِيَ: مَصْدَرُ قَافَ قِيَافَةً وَالْقَائِفُ

стр. 1215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ بِأَبِيهِ وَأَخِيهِ. وَإِلَى اعْتِبَارِهَا فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ التَّقْرِيرَ مِنْهُ ﷺ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَقْسَامِ السُّنَّةِ. وَحَقِيقَةُ التَّقْرِيرِ أَنْ يَرَى النَّبِيُّ ﷺ فِعْلًا مِنْ فَاعِلٍ أَوْ يَسْمَعَ قَوْلًا مِنْ قَائِلٍ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ تَقَدُّمُ إنْكَارِهِ لَهَا كَمُضِيِّ كَافِرٍ إلَى كَنِيسَةٍ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ كَاَلَّذِي كَانَ يُشَاهِدُهُ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَأَذَاهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنْ اسْتَبْشَرَ بِهِ فَأَوْضَحَ كَمَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة فَإِنَّهُ اسْتَبْشَرَ بِكَلَامِ مُجَزِّزٍ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ أُسَامَةَ إلَى زَيْدٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْرِيرِ كَوْنِ الْقِيَافَةِ طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ الْأَنْسَابِ، وَبِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَتَى رَجُلَانِ إلَى عُمَرَ ﵁ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ فَدَعَا قَائِفًا فَنَظَرَ إلَيْهِ الْقَائِفُ فَقَالَ لَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَك: فَقَالَتْ كَانَ هَذَا - لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - يَأْتِيهَا فِي إبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دَمًا ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا هَذَا - يَعْنِي الْآخَرَ - فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ، فَكَبَّرَ الْقَائِفُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ فَإِلَى أَيِّهِمَا شِئْت فَانْتَسِبْ " فَقَضَى عُمَرُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْقِيَافَةِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ تَقْوَى بِهِ أَدِلَّةُ الْقِيَافَةِ، قَالُوا: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ اللِّعَانِ. وَقَوْلُهُ ﷺ «إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ أَوْ عَلَى صِفَةِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» فَقَوْلُهُ فَهُوَ لِفُلَانٍ إثْبَاتٌ لِلنَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ وَإِنَّمَا مَنَعَتْ الْأَيْمَانُ عَنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ جَاءَ عَلَى صِفَتِهِ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْقِيَافَةِ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ وَالْحُكْمِ فِي الْوَلَدِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِيكَيْنِ أَوْ الْمُشْتَرِيَيْنِ أَوْ الزَّوْجَيْنِ. وَلِلْهَادَوِيَّةِ فِي الزَّوْجَيْنِ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ فِي الْفُرُوعِ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ مُجَزِّزٍ هَذَا وَقَالُوا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ؛ لِأَنَّ نَسَبَ أُسَامَةَ كَانَ مَعْلُومًا إلَى زَيْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ يَقْدَحُ الْكُفَّارُ فِي نَسَبِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّوْنِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَأَبِيهِ، وَالْقِيَافَةُ كَانَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِإِبْطَالِهَا وَمَحْوِ آثَارِهَا فَسُكُوتُهُ ﷺ عَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى مُجَزِّزٍ لَيْسَ تَقْرِيرًا لِفِعْلِهِ،

стр. 1216

كِتَابُ الْعِتْقِ ١٣٣٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاسْتِبْشَارُهُ إنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ الطَّاعِنِ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بِمَا يَقُولُهُ وَيَعْتَمِدُهُ فَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ ﷺ إنْكَارٌ لِلْقِيَافَةِ وَإِلْحَاقُ النَّسَبِ بِهَا كَتَقَدُّمِ إنْكَارِهِ مُضِيَّ كَافِرٍ إلَى كَنِيسَةٍ وَهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ فِي قِصَّةِ اللِّعَانِ بِمَا سَمِعْت ثُمَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَوْلُهُمْ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ إنْكَارِهِ ﷺ وَأَمَّا قَوْلُهُ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» فَذَلِكَ فِيمَا إذْ عُلِمَ الْفِرَاشُ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْحُكْمَ بِهِ مُقَدَّمٌ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْقِيَافَةُ عِنْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْإِلْحَاقِ أَنَّهُ يَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَحَدِيثُ الْبَابِ دَالٌّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ. (كِتَابُ الْعِتْقِ) الْعِتْقُ: الْحُرِّيَّةُ، يُقَالُ عَتَقَ عِتْقًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِفَتْحِهَا فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ. وَفِي (النَّجْمِ الْوَهَّاجِ) الْعِتْقُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ مِنْ الْآدَمِيِّ تَقَرُّبًا لِلَّهِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ وَوَاجِبٌ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ فُسِّرَتْ بِعِتْقِهَا مِنْ الرِّقِّ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَتَمَامُهُ فِي الْبُخَارِيِّ " حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ " وَفِيهِ " أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَقُ وَالْمُعْتِقُ مُسْلِمَيْنِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ " وَفِي قَوْلِهِ " اسْتَنْقَذَهُ " مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا وَاشْتِرَاطُ إسْلَامِهِ لِأَجْلِ هَذَا الْأَجْرِ وَإِلَّا فَإِنَّ عِتْقَ الْكَافِرِ يَصِحُّ، وَقَوْلُهُمْ لَا قُرْبَةَ لِكَافِرٍ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَقَرَّبَ بِهِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهِيَ نَافِذَةٌ مِنْهُ لَكِنْ لَا نَجَاةَ لَهُ بِسَبَبِهِ مِنْ النَّارِ. وَفِي تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ بِالْإِسْلَامِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لَا تُنَالُ إلَّا بِعِتْقِ الْمُسْلِمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي عِتْقِ الْكَافِرَةِ فَضْلٌ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ مَا وُعِدَ بِهِ هُنَا مِنْ الْأَجْرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " إرْبٌ " عِوَضُ عُضْوٍ وَهُوَ بِكَسْر

стр. 1217

١٣٣٣ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ» ١٣٣٤ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁ «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ» ِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَمُوَحَّدَةٍ الْعُضْوُ. وَفِيهِ أَنَّ عِتْقَ كَامِلِ الْأَعْضَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ نَاقِصِهَا فَلَا يَكُونُ خَصِيًّا وَلَا فَاقِدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاء، وَالْأَغْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ كَمَا يَأْتِي. وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الْأُنْثَى كَمَا يَدُلُّ لَهُ: (١٣٣٣) - وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ». قَوْله (وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ» فَعِتْقُ الْمَرْأَةِ أَجْرُهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِتْقِ الذَّكَرِ فَالرَّجُلُ إذَا أَعْتَقَ امْرَأَةً كَانَتْ فِكَاكَ نِصْفِهِ مِنْ النَّارِ وَالْمَرْأَةُ إذَا أَعْتَقَتْ الْأَمَةَ كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ كَمَا دَلَّ لَهُ مَفْهُومٌ هَذَا وَمَنْطُوقُ: ١٣٣٤ - وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁ «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ». قَوْلُهُ (وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ» وَبِهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ عِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ. وَلِمَا فِي الذَّكَرِ مِنْ الْمَعَانِي الْعَامَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْإِنَاثِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ إمَّا شَرْعًا وَإِمَّا عَادَةً؛ وَلِأَنَّ فِي الْإِمَاءِ مِنْ تَضِيعُ بِالْعِتْقِ، وَلَا يُرْغَبُ فِيهَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ. وَقَالَ آخَرُونَ عِتْقُ الْأُنْثَى أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَلَدُهَا حُرًّا سَوَاءٌ تَزَوَّجَهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ " حَتَّى فَرْجُهُ بِفَرْجِهِ " اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْفَرْجِ هِيَ الزِّنَا وَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعِتْقَ يُرَجَّحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ تَكُونُ حَسَنَاتُ الْعِتْقِ رَاجِحَةً تُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا مَعَ أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا بِالزِّنَا فَإِنَّ الْيَدَ يَكُونُ بِهَا الْقَتْلُ وَالرِّجْلُ يَكُونُ بِهَا الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (فَائِدَةٌ) فِي (النَّجْمِ الْوَهَّاجِ) أَنَّهُ «أَعْتَقَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً عَدَدَ سِنِي عُمْرِهِ» وَعَدَّ أَسْمَاءَهُمْ قَالَ: وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ سَبْعًا وَسِتِّينَ وَعَاشَتْ كَذَلِكَ، وَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا وَأَعْتَقَ الْعَبَّاسُ سَبْعِينَ عَبْدًا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَعْتَقَ عُثْمَانُ وَهُوَ مُحَاصَرٌ عِشْرِينَ، وَأَعْتَقَ

стр. 1218

١٣٣٥ - وَعَنْ «أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْت: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ١٣٣٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةً مُطَوَّقِينَ بِالْفِضَّةِ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَلْفًا وَاعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ؟ وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً؟ وَحَبَسَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْتَقَ ذُو الْكُلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةَ آلَافِ عَبْدٍ؟ وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفِ نَسَمَةً؟ انْتَهَى. (وَعَنْ «أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْت فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ أَغْلَاهَا» رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (" ثَمَنًا وَأَنْفُسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْبِرِّ بَعْدَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ هُنَالِكَ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا أَفْضَلُ مِنْ الْأَدْنَى قِيمَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ مَحَلُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رِقَابًا يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً وَرَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ قَالَ فَثِنْتَانِ أَفْضَلُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْعِتْقِ فَكُّ الرَّقَبَةِ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ طَيِّبُ اللَّحْمِ انْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَا يُؤْخَذُ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ شَخْصٌ بِمَحَلٍّ عَظِيمٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فَعِتْقُهُ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ هَذِهِ السِّمَاتُ فَيَكُونُ الضَّابِطُ اعْتِبَارَ الْأَكْثَرِ نَفْعًا وَقَوْلُهُ: " وَأَنْفُسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا " أَيْ مَا كَانَ اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدُّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ (" فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِلَّا ") يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ

стр. 1219

١٣٣٧ - وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ " وَقِيلَ: إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ الْعَبْدِ (" فَقَدْ عَتَقَ ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (" مِنْهُ مَا عَتَقَ ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي عَبْدٍ إذَا أَعْتَقَ حِصَّتَهُ فِيهِ وَكَانَ مُوسِرًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ بَعْدَ تَقْوِيمِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ تَقْوِيمَ مِثْلِهِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الْمُعْتِقِ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إلَّا مَعَ يَسَارِ الْمُعْتِقِ لَا مَعَ إعْسَارِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ لَهُ مَالٌ (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) وَهِيَ حِصَّتُهُ وَظَاهِرُهُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَذَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ نَافِعٌ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " فَفَصَلَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ قَالَ أَيُّوبُ مَرَّةً لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ الْحَدِيثِ أَوْ هُوَ شَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ فَوَصَلَاهُ بِكَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعَلَاهُ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ أَوْلَى وَقَدْ جَوَّدَاهُ، وَهُمَا فِي نَافِعٍ أَثْبَتُ مِنْ أَيُّوبَ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، كَيْفَ وَقَدْ شَكَّ أَيُّوبُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رَجَّحَ الْأَئِمَّةُ رِوَايَةَ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الشَّافِعِيُّ أَحْسِبُ عَالِمًا فِي الْحَدِيثِ يَتَشَكَّكُ فِي أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ لِحَدِيثِ نَافِعٍ مِنْ أَيُّوبَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَ لَهُ حَتَّى لَوْ تُسَاوَيَا وَشَكَّ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ صَاحِبُهُ كَانَ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ لَمْ يَشُكَّ. هَذَا وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَقْوَالٌ أَقْوَاهَا مَا وَافَقَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ إلَّا بِدَفْعٍ الْقِيمَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ لِلشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَآخَرُونَ إنَّهُ يُعْتَقُ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ مُسْتَدِلِّينَ. ١٣٣٧ - وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ " وَقِيلَ: إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَر ِ. بِقَوْلِهِ (وَلَهُمَا) أَيْ الشَّيْخَيْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " وَإِلَّا قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ") وَقِيلَ إنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَلشَّرِيك مَالٌ قُوِّمَ الْعَبْدُ وَاسْتُسْعِيَ فِي قِيمَةِ حِصَّةِ الشَّرِيكِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذِكْرَ السِّعَايَةِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ بَلْ مُدْرَجَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فِي الْخَبَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ. قَالَ النَّسَائِيّ بَلَغَنِي أَنَّ هَمَّامًا رَوَاهُ فَجَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ أَعْنِي الِاسْتِسْعَاءَ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ. وَكَذَا

стр. 1220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ مَدْرَجٌ عَلَى إدْرَاجِ السِّعَايَةِ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُمَا فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّصْحِيحِ. وَقَدْ رَوَى السِّعَايَةَ فِي الْحَدِيثِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ قَتَادَةَ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ وَلِكَثْرَةِ أَخْذِهِ عَنْهُ مِنْ هَمَّامٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مُلَازَمَةً لِقَتَادَةَ مِنْ هَمَّامٍ وَشُعْبَةَ وَمَا رَوَيَاهُ لَا يُنَافِي رِوَايَةَ سَعِيدٍ لِأَنَّهُمَا اقْتَصَرَا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ وَأَمَّا إعْلَالُ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِأَنَّهُ اخْتَلَطَ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَبْلَ اخْتِلَاطٍ فَإِنَّهُ فِيهِمَا مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي سَعِيدٍ وَرِوَايَتُهُ عَنْ سَعِيدٍ كَانَتْ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ لِمُتَابَعَتِهِ لَهُ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ التَّفَرُّدُ ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ غَيْرَهُمَا تَابَعَهُمَا ثُمَّ قَالَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ كَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ شُعْبَةَ أَحْفَظُ النَّاسِ لِحَدِيثِ قَتَادَةَ فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِسْعَاءَ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ضَعْفًا لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَغَيْرُهُ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الْوَاحِدِ (قُلْت) وَبِهَذَا تُعْرَفُ الْمُجَازَفَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَبَعْدَ تَقَرُّرِ هَذَا لَك فَقَدْ عَرَفْت تَعَارُضَ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهَا قَدْ رَوَيْت مَرْفُوعَةً وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ نَاهِضٌ. وَقَدْ تَقَاوَمَتْ الْأَدِلَّةُ هُنَا وَلَكِنَّهُ عَضَّدَ الْقَوْلَ بِرَفْعِ زِيَادَةِ السِّعَايَةِ إلَيْهِ ﷺ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاجِ وَمَعَ ثُبُوتِ رَفْعِهَا فَقَدْ عَارَضَتْ رِوَايَةَ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ أَيْ بِإِعْتَاقِ مَالك الْحِصَّةِ حِصَّتَهُ وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ تُعْتَقُ بِالسِّعَايَةِ فَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَيَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ لِقَوْلِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اللُّزُومِ بِأَنْ يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الِاكْتِسَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى يَحْصُلَ ذَلِكَ لَحَصَلَ لَهُ غَايَةُ الْمَشَقَّةِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ فِي الْكِتَابَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَهَذَا مِثْلُهَا وَإِلَى هَذَا الْجَمْعِ ذَهَبَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ لَا تَبْقَى بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُعَارَضَةٌ أَصْلًا وَهُوَ كَمَا قَالَ، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُبْقِي الرِّقَّ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ إذَا لَمْ يَخْتَرْ الْعَبْدُ السِّعَايَةَ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا فِي غُلَامٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ " لَيْسَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ كُلُّهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» عَلَى الْمُوسِرِ فَتَنْدَفِعُ الْمُعَارَضَةُ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مِلْقَامٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَلَمْ يَضْمَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ » وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَهُوَ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ. وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِلَفْظِ «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ فِيهِ شُرَكَاءُ وَلَهُ وَفَاءٌ فَهُوَ حُرٌّ وَيَضْمَنُ

стр. 1221

١٣٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَصِيبَ شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ لَمَّا أَسَاءَ مِنْ مُشَارَكَتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ» فَقَالَ وَلَهُ وَفَاءٌ. وَالثَّانِي. مِنْ وَجْهَيْ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِسْعَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَمِرُّ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ رَقِيقًا بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الرِّقِّ. وَمَعْنَى غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُ سَيِّدُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ فَوْقَ مَا يُطِيقُهُ، وَلَا فَوْقَ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّقِّ، قِيلَ: إلَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُلُثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ» قُلْت قَدْ يَقُولُ مَنْ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ أَنْ يَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ يَسْعَى عَلَى مَوَالِيهِ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رَقَبَتِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ لِأَنَّهُ الَّذِي بَقِيَ قَالَهُمْ. وَإِيضَاحُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " لَا شَرِيكَ لِلَّهِ " فِيمَا إذَا كَانَ مَالك الشِّقْصِ غَنِيًّا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَالِكَيْنِ فَيُعْتِقُ الْعَبْدَ كُلَّهُ وَيُسَلِّمُ قِيمَةَ مَا هُوَ لِشُرَكَائِهِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ السِّعَايَةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَيْهَا كَمَا يُرْشِدُ قَوْلُهُ ﷺ : (" غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ") وَحَدِيثُ " وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ " عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ فَقِيرًا وَالْعَبْدُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى السِّعَايَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ يَمْلِكُ بَعْضَ الْعَبْدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ يَمْلِكُهُ كُلَّهُ فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ يُعْتَقُ كُلُّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يُعْتَقُ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ الَّذِي عَتَقَ وَيُسْعَى فِي الْبَاقِي وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَحَمَّادٍ. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ وَغَيْرُهُ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى عِتْقِ الشِّقْصِ فَإِنَّهُ إذَا سَرَى إلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ فَبِالْأَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ. وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ هُوَ مَا يَدْخُلُ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ الضَّرَرِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ جَمِيعُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَرَرٌ فَلَا قِيَاسَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ رَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَجْزِي ") بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ أَيْ لَا يُكَافِئُ (" وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيُعْتِقُهُ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْتَاقِ بَعْدَهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فَيُعْتِقُهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ شِرَاؤُهُ تَسَبَّبَ عَنْهُ الْعِتْقُ نُسِبَ إلَيْهِ الْعِتْقُ مَجَازًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَقِيقَةُ إلَّا أَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ حَدِيثُ سَمُرَةَ الْآتِي وَفِيهِ تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ كَمَا يَأْتِي. وَإِنَّمَا كَانَ عِتْقُهُ جَزَاءً لِأَبِيهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مَا مِنْ بِهِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ لِتَخْلِيصِهِ بِذَلِكَ مِنْ الرِّقِّ فَتَكْمُلُ

стр. 1222

١٣٣٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. لَهُ أَحْوَالُ الْأَحْرَارِ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عِتْقِ الْوَالِدِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ مَنْ عَدَا دَاوُد فِي حَقِّ الْأُمِّ أَيْضًا. (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ) وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ. وَمَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَقَالَ: شُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادٍ، فَالْوَقْفُ حِينَئِذٍ أَرْجَحُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " قَالَ " مَنْ مَلَكَ " - الْحَدِيثَ " فَوَقَفَهُ عَلَى عُمَرَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذَا الْحَدِيثِ إلَّا حَمَّادٌ وَقَدْ شَكَّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵃. قَالَ النَّسَائِيّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ يُتَابِعْ ضَمْرَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَطَأٌ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَهْمٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ «نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» وَرَدَّ الْحَاكِمُ هَذَا وَقَالَ: إنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ الْحَدِيثَانِ بِالْإِسْنَادِ الْوَاحِدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ الْقَطَّانِ وَقَالُوا: ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّامِ رَجُلٌ يُشْبِهُهُ. قُلْت فَقَدْ رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَإِرْسَالُ غَيْرِهِ لَهُ لَا يَضُرُّ كَمَا قَرَرْنَاهُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَلَكَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَحَامَةٌ مُحَرِّمَةٌ لِلنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا وَالْإِخْوَةِ وَأَوْلَادِهِمْ وَالْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ لَا أَوْلَادِهِمْ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مُسْتَدِلِّينَ بِالْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ لِلنَّصِّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنْ الْآبَاءِ، وَقِيَاسًا لِلْأَبْنَاءِ عَلَيْهِمْ وَبِنَاءً مِنْهُ عَلَى عَدِمَ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، وَزَادَ مَالِكٌ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ قِيَاسًا عَلَى الْآبَاءِ، وَذَهَبَ دَاوُد إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ بِهَذَا السَّبَبِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي، فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقُهُ، فَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ كَمَا عَرَفْت وَقَدْ صَحَّحَهُ

стр. 1223

١٣٤٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ، عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا: ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ١٣٤١ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَئِمَّةٌ فَالْعَمَلُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمِلْكِ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فَيَكُونُ قَرِينَةً لِحَمْلٍ " فَيُعْتِقُهُ " عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِدَاوُدَ. (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» وَهُوَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَوْ شَهِدْته قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ التَّبَرُّعِ فِي الْمَرَضِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ أَوْ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ يُعْتَبَرُ التَّقْوِيمُ فَإِذَا كَانُوا سِتَّةَ أَعْبُدٍ أَعْتَقَ الثُّلُثَ بِالْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ فَيُعْتَقُ اثْنَانِ فِي مَسْأَلَةِ السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ وَخَالَفَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ ثُلُثُهُ. وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ آحَادِيٌّ خَالَفَ الْأُصُولَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْعِتْقَ فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَنَفَذَ الْعِتْقُ فِي الْجَمِيعِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِيهِ وَرَدَّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْآحَادِيَّ مِنْ الْأُصُولِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ خَالَفَ الْأُصُولَ وَلَوْ سَلَّمَ فَمِنْ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ضَرَرًا عَلَى الْغَيْرِ وَقَدْ أَدْخَلْتُمْ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ، وَإِذَا جُمِعَ الْعِتْقُ فِي شَخْصَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَدِيثِ حَصَلَ الْوَفَاءُ بِحَقِّ الْعَبْدِ وَحَقِّ الْوَارِثِ وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ لَوْ أَوْصَى بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَقِفُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ اتِّفَاقًا ثُمَّ إذَا أُرِيدَ الْقِسْمَةُ تَعَيَّنَتْ الْأَنْصِبَاءُ بِالْقُرْعَةِ اتِّفَاقًا.

стр. 1224

أَعْتِقُك وَأَشْتَرِطُ عَلَيْك أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ ١٣٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. ١٣٤٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ. (وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ (قَالَ «كُنْت مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أَعْتِقُك وَأَشْتَرِطُ عَلَيْك أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ اشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ فَيَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ. وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ ﷺ قَرَّرَ ذَلِكَ إذْ الْخِدْمَةُ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقِيقَ الْإِمَارَةِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدُمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّ عِتْقَهُ إلَّا بِخِدْمَتِهِ وَبِهَذَا قَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَأَفَادَتْ كَلِمَةُ إنَّمَا الْحَصْرَ، وَهُوَ إثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ ذَكَرَ وَنَفْيِهِ عَمَّنْ عَدَاهُ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ بِالْإِسْلَامِ خِلَافًا لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ فِي الْقَامُوسِ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فِي النَّسَبِ وَالثَّوْبِ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ) يُرِيدُ أَنَّ فِيهِمَا بِلَفْظِ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى تَشْبِيهِهِ بِلُحْمَةِ النَّسَبِ أَنَّهُ يَجْرِي الْوَلَاءُ مَجْرَى النَّسَبِ فِي الْمِيرَاثِ كَمَا

стр. 1225

بَابُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ١٣٤٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁. «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ، وَقَالَ " اقْضِ دَيْنَك ". تُخَالِطُ اللُّحْمَةُ سُدَى الثَّوْبِ حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ النِّهَايَةِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ كَالنَّسَبِ لَا يَتَأَتَّى انْتِقَالُهُ كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ لَا يَتَأَتَّى انْتِقَالُهُمَا وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْقُلُونَ الْوَلَاءَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ السَّلَفِ جَوَازُ بَيْعِهِ وَعَنْ آخَرِينَ مِنْهُمْ جَوَازُ هِبَتِهِ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْحَدِيثِ أَوْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِهِ. (بَابُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ) الْمُدَبَّرُ اسْمُ مَفْعُولٍ وَهُوَ الرَّقِيقُ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ دَبَّرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ أَمَّا دُنْيَاهُ فَاسْتِمْرَارُ انْتِفَاعِهِ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ وَأَمَّا آخِرَتُهُ فَتَحْصِيلُ ثَوَابِ الْعِتْقِ وَالْمُكَاتَبُ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْضًا هُوَ مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ وَحَقِيقَةُ الْكِتَابَةِ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْمَمْلُوكِ عَلَى أَدَائِهِ مَالًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ مَالِكٍ أَوْ نَحْوِهِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. (عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسْمُهُ مِذْكَارٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَوْ اسْمُهُ أَبُو مِذْكَارٍ وَاسْمُ غُلَامِهِ أَبُو يَعْقُوبَ (مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ) اسْمُهُ يَعْقُوبُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا (عَنْ دُبُرٍ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ فَاحْتَاجَ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَقَالَ اقْضِ دَيْنَك» ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّدْبِيرِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الثُّلُثِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالظَّاهِرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَامِعِ

стр. 1226

١٣٤٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ يَنْفُذُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ» وَرَدَّ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ جَزَمَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ بِضَعْفِهِ وَإِنْكَارِهِ، وَأَنَّ رَفْعَهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَجَعَلَهُ ﷺ مِنْ الثُّلُثِ» وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا. وَاسْتَدَلَّ الْآخَرُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَدَلِيلُ الْأَوَّلِينَ أَوْلَى لِتَأَيُّدِ الْقِيَاسِ بِالْمُرْسَلِ وَالْمَوْقُوفِ؛ وَلِأَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْهِبَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ لِحَاجَتِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَامٌّ خَصَّصَهُ حَدِيثُ الْكِتَابِ وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إلَى جَوَازِ بَيْعِهِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَيُشَبِّهُهُ بِالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا احْتَاجَ الْمُوصِي بَاعَ مَا أَوْصَى بِهِ، وَكَذَلِكَ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ قَصْرُ الْبَيْعِ عَلَى الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ صُوَرِ جَوَازِ بَيْعِهِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ الْجَوَازِ الْمُطْلَقِ وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا إلَّا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ. وَعَلَى هَذَا فُتْيَا الْمُفْتِينَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا لَمْ يَفِ بِمَا كُوتِبَ عَلَيْهِ فَهُوَ عَبْدٌ، لَهُ أَحْكَامُ الْمَمَالِيكِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ يُعْتَقُ إذَا أَدَّى الشَّرْطَ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ وَمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ:

стр. 1227

١٣٤٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدَّى فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ أَبُو عِيسَى فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ: سَأَلْت الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ. وَاخْتُلِفَ عَلَى عِكْرِمَةَ فِيهِ وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلَةٌ وَرِوَايَتُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا (قُلْت) فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ الْكِتَابِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ دَلِيلُهُ الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مَا خَلَتْ طُرُقُهُ عَنْ قَادِحٍ إلَّا أَنَّهُ أَيَّدَتْهُ آثَارٌ سَلَفِيَّةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا بِمَا قَدْ رَضِيَ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ مَا عِنْدَ عَبْدِهِ فَالْأَقْرَبُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ. (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدَّى فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحِّحْهُ التِّرْمِذِيُّ) وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ (الْأُولَى) أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا صَارَ مَعَهُ جَمِيعُ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ فَقَدْ صَارَ لَهُ مَا لِلْأَحْرَارِ فَتَحْتَجِبُ مِنْهُ سَيِّدَتُهُ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ احْتِجَابُهُنَّ عَنْ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَ وَاحِدًا لَهُ وَإِلَّا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا مَنَعَ سَوْدَةُ مِنْ نَظَرِ ابْنِ زَمْعَةَ إلَيْهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» قُلْت وَلَك أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ قِنٌّ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي مُكَاتَبٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَلَّمَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا «إذَا كَاتَبَتْ إحْدَاكُنَّ عَبْدَهَا فَلْيُرِهَا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا فَلَا تُكَلِّمُهُ إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ الْكِتَابِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَمْلُوكِ الْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَيْهَا مَا لَمْ يُكَاتِبْهَا وَيَجِدْ مَالَ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ مَنْطُوقُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فِي سُورَةِ النُّورِ وَفِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا «قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ لَمَّا تَقَنَّعَتْ بِثَوْبٍ وَكَانَتْ إذَا

стр. 1228

١٣٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُودَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ إنَّمَا هُوَ أَبُوك وَغُلَامُك» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ «كَانَ الْعَبِيدُ يَدْخُلُونَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ » يُرِيدُ مَمَالِيكُهُنَّ: وَفِي تَيْسِيرِ الْبَيَانِ لِلْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكَتِهِ: الْمَنْصُوصُ أَيْ لِلشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الْخِلَافَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَدَّهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلْنَا عَنْهُ أَوَّلًا: فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ لَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ كَالْأَجْنَبِيِّ قَالُوا: يَدُلُّ لَهُ صِحَّةُ تَزْوِيجِهَا إيَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ. وَعَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ الْمَمْلُوكَاتُ مِنْ الْإِمَاءِ لِلْحَرَائِرِ وَخَصَّهُنَّ بِالذِّكْرِ رَفْعًا لِتَوَهُّمِ مُغَايَرَتِهِنَّ لِلْحَرَائِرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ إذْ الْإِمَاءُ لَسْنَ مِنْ نِسَائِهِنَّ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا وَتَكَلُّفُهُ وَالْحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ أَوْلَى. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يُودَى) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مِنْ وَدَاهُ يَدِيهِ «الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ) سَقَطَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَرْحِهِ مِنْ الشَّرْحِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ حُكْمُ الْحُرِّ فِي قَدْرِ مَا سَلَّمَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ فَتُبَعَّضُ دِيَتُهُ إنْ قُتِلَ وَكَذَلِكَ الْحَدُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُنَصَّفُ وَهَذَا قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ ﵁ وَشُرَيْحٌ إلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ إذَا سَلَّمَ قِسْطًا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ: وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ رِوَايَةٌ مِثْلُ كَلَامِ الْهَادَوِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ لَا تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ بِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» إلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَقَدْ رَفَعَهُ ابْنُ قَانِعٍ وَأَعَلَّهُ بِالِانْقِطَاعِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَرَ مَنْ رَضِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد

стр. 1229

١٣٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ١٣٤٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁. وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعَيْنِ بِلَفْظِ «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيَرِثُ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ» وَلَا عِلَّةَ لَهُ وَهُوَ يُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْكِتَابِ. وَلَعَلَّهُ هُوَ. إنَّمَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ. وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُ الرَّاجِحِ مِنْهَا. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَرَاءٍ خَفِيفَةٍ عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ (أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنْ تَنَزُّهِهِ عَنْ الدُّنْيَا وَأَدْنَاسِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَخُلُوِّ قَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّغٌ لِلْإِقْبَالِ عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِهِ وَعِبَادَةِ مَوْلَاهُ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ وَمَا يَرْضَاهُ وَقَوْلُهُ " وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً " وَقَدْ قَدَّمْنَا «أَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ رَقَبَةً فَلَمْ يَمُتْ وَعِنْدَهُ مَمْلُوكٌ» وَالْأَرْضُ الَّتِي جَعَلَهَا صَدَقَةً قَالَ أَبُو دَاوُد «كَانَتْ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا فَقَالَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ فَأَعْطَى أَكْثَرَهَا الْمُهَاجِرِينَ وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ» وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَسَمَ جُزْءًا لِنَفَقَةِ أَهْلِهِ وَمَا فَضَلَ مِنْهُ جَعَلَهُ فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ». (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ

стр. 1230

١٣٥٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) إذْ فِي سَنَدِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا (وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁) الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهَا وَعَلَيْهِ دَلَّ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَيْثُ قَالَ وَلَا أَمَةً فَإِنَّهُ ﷺ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ أُمَّ إبْرَاهِيمَ وَتُوُفِّيَتْ فِي أَيَّامِ عُمَرَ فَدَلَّ أَنَّهَا عَتَقَتْ بِوَفَاتِهِ ﷺ ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْحُكْمِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ» الْغَارِمُ الَّذِي يَلْتَزِمُ مَا ضَمِنَهُ وَتَكَفَّلَ بِهِ وَيُؤَدِّيهِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ «أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَجْرِ هَذِهِ الْإِعَانَةِ لِمَنْ ذُكِرَ وَذُكِرَ هُنَا لِأَجْلِ الْمُكَاتَبِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الْمُكَاتَبِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ «فِي الْآيَةِ رُبْعُ الْكِتَابَةِ» قَالَ النَّسَائِيّ وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةِ الرَّفْعِ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَقَدْ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بِإِعَانَةِ الْمُكَاتَبِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أَنْ يَدَعَ الرُّبْعَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ ثَمَنِهِ وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْ اللَّهِ وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ وَلَكِنْ فِيهِ أَجْرٌ. كِتَابُ الْجَامِعِ أَيْ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ سِتَّةٍ: الْأَدَبِ، الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، التَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْغِيبِ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ. الْأَوَّلُ:
следующие страницы →