Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
مِنْ ذِكْرِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُ لَصَارَ الْمَعْنَى إذَا يَغْشَى اللَّيْلُ اقْسِمْ، وَكَانَ الْقَسَمُ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، لَكِنَّ الْأَقْوَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ: وَقْتَ غَشَيَانِهِ وَمَا مَنَعُوا بِهِ تَعْلِيقَ الْقَسَمِ بِغَشَيَانِ اللَّيْلِ، وَتَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِهِ حَالًا مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْقَسَمِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَعَلَى هَذَا بَنِي أَصْحَابُنَا مَا لَوْ قَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ فَلَمْ يُطَلِّقْ وَقَعَ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ " إذَا " لِلْوَقْتِ وَأَنَّهَا تَنْفَكُّ عَنْ الشَّرْطِ. وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا لِلْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قَالُوا: وَلِهَذَا دَخَلَتْ عَلَى الِاسْمِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ بَلْ هِيَ فِي الْآيَةِ لِلشَّرْطِ، وَلِهَذَا أَتَى فِيهَا بِالْجَوَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] وَالشَّمْسُ مَرْفُوعَةٌ بِالْفَاعِلِيَّةِ وَرَافِعُهَا تَفْسِيرُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ " كُوِّرَتْ "؛ لِأَنَّ " إذَا " تَطْلُبُ الْفِعْلَ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ " " إذَا " عِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ تَارَةً وَلِلشَّرْطِ أُخْرَى فَتُجَازِي إنْ أُرِيدَ بِهَا الشَّرْطُ، وَلَا يُجَازَى بِهَا إنْ أُرِيدَ بِهَا الْوَقْتُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ لِلْوَقْتِ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ لِلشَّرْطِ لَا تَخْلُو عَنْ الْوَقْتِ. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ: عِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ وَالشَّرْطِ عَلَى السَّوَاءِ فَيُجَازَى بِهَا عَلَى اعْتِبَارِ سُقُوطِ الْوَقْتِ عَنْهَا كَأَنَّهَا حَرْفُ شَرْطٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي " إذْ " مَا يُجَازَى بِهَا فَتَكُونُ حَرْفًا. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَتَصِيرُ مِثْلَ " إنْ ".
стр. 1017
وَقَالَ ابْنُ عَمْرُونٍ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ": إذَا دَخَلَتْهَا " مَا " يُجَازَى بِهَا فِي الْأَخْبَارِ بِدُونِ " مَا " لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُزِيلُ إبْهَامَهَا، فَإِذَا كَفَّتْهَا " مَا " عَنْ الْإِضَافَةِ بَقِيَ إبْهَامُهَا فَجُوزِيَ بِهَا. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي اللُّبَابِ " إنَّمَا لَمْ يُجَازَ بِهَا فِي الْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، مِثْلُ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ، وَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَوَقْتُهُ مُتَعَيِّنٌ لِمَا يُضَافُ، وَبَابُ الشَّرْطِ الْإِبْهَامُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ " إذَا " وَ " مَتَى " أَنَّ الْوَقْتَ فِي " مَتَى " لَازِمٌ لِلْمَجَازَاتِ دُونَ " إذَا " عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ. وَالْخِلَافُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ. فَلَوْ نَوَى بِهَا آخِرَ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ. قَالُوا: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِي الشَّرْطِ لَمَا صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ نَوَى بِهَا مَجَازَ كَلَامِهِ، وَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يُصَدَّقُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي كِتَابِ الْخُلْعِ لَوْ قَالَ: إذَا أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ اُشْتُرِطَ إعْطَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الصِّيغَةِ، وَلِهَذَا أَلْحَقُوا بِهَا " إنْ " فِي ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ " كَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ، وَعِنْدِي أَنَّ " إذَا " حُكْمُهَا حُكْمُ " مَتَى " وَأَيّ وَقْتٍ فِي اقْتِضَاءِ التَّرَاخِي، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: مَتَى الْقِتَالُ؟ جَازَ أَنْ يَقُولَ: إذَا شِئْت، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: مَتَى شِئْت، بِخِلَافِ " إنْ " فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنْ شِئْت. انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ دَلَالَةِ " إذَا " عَلَى الزَّمَانِ صَحِيحٌ لَكِنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ " مَتَى " فَرْقٌ؛ لِأَنَّ " مَتَى " عَامَّةً تَقْتَضِي الدَّلَالَةَ عَلَى كُلِّ زَمَانٍ بِخِلَافِ " إذَا ".
стр. 1018
وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي عُمُومِهَا قِيلَ: إذَا قُلْت: إذَا قَامَ زَيْدٌ قَامَ عَمْرٌو. كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ " كُلَّمَا " وَقِيلَ: إنَّمَا يَلْزَمُ قِيَامَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا. قَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ كَسَائِرِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إذَا وَجَدْت أُوَارَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي ... أَقْبَلْت نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَنْبَرِدُ
فَإِنَّ الْمَعْنَى عَلَى الْعُمُومِ كَأَنَّهُ قَالَ: مَتَى وَجَدْت.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي غَيْرُ]
غَيْرُ: اسْمٌ لَازِمٌ لِلْإِضَافَةِ فِي الْمَعْنَى، وَيَجُوزُ قَطْعُهُ عَنْهَا إنْ فُهِمَ مَعْنَاهَا وَتَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا كَلِمَةُ " لَيْسَ ". قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ فِي الْمُغْنِي " وَقَوْلُهُمْ: لَا غَيْرَ لَحْنٍ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ مَسْمُوحٌ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
جَوَابًا بِهِ تَنْجُو اعْتَمِدْ فَوَرَبِّنَا ... لَعَنْ عَمَلٍ أَسْلَفْتَ لَا غَيْرَ تُسْأَلُ
وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الْقَسَمِ مِنْ شَرْحِ التَّسْهِيلِ " وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَابَعَ السِّيرَافِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَذْفُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ إذَا كَانَتْ " إلَّا " وَ " غَيْرُ " بَعْدَ لَيْسَ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ لَيْسَ غَيْرُهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْجَحْدِ لَمْ يَجُزْ الْحَذْفُ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِذَلِكَ مَوْرِدَ السَّمَاعِ. انْتَهَى.
وَقَدْ سُمِعَ كَمَا ذَكَرْنَا وَهِيَ عَكْسُ " لَا " فَإِنَّ شَرْطَ " غَيْرَ " أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهَا صَادِقًا عَلَى مَا بَعْدَهَا. تَقُولُ: مَرَرْت بِرَجُلٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَلَا يَجُوزُ
стр. 1019
غَيْرِ امْرَأَةٍ بِخِلَافِ " لَا " النَّافِيَةِ فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ. وَالْأَصْلُ فِي " غَيْرَ " أَنْ تَكُونَ صِفَةً، وَقَدْ يُسْتَثْنَى بِهَا. قَالَ الرُّمَّانِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ صِفَةً لَمْ تُوجِبْ شَيْئًا لِلِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهَا، وَلَمْ تَنْفِ عَنْهُ، نَحْوَ جَاءَنِي رَجُلٌ رَشِيدٌ غَيْرُ زَيْدٍ، فَوَصَفْتَ بِهَا وَلَمْ تَنْفِ عَنْ زَيْدٍ الْمَجِيءَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مَجِيئُهُ وَأَنْ لَا يَقَعَ. وَإِذَا كَانَتْ اسْتِثْنَاءً فَإِذَا كَانَ مَا قَبْلَهَا إيجَابًا كَانَ مَا بَعْدَهَا نَفْيًا أَوْ نَفْيًا فَإِيجَابًا. وَإِذَا كَانَتْ صِفَةً وُصِفَ بِهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، وَإِذَا كَانَتْ اسْتِثْنَاءً فَلَا تَأْتِي إلَّا بَعْدَ جَمْعٍ أَوْ مَعْنَاهُ.
وَكَذَا قَالَ الشَّلَوْبِينُ: إنَّهَا إذَا كَانَتْ صِفَةً لَمْ تُوجِبْ شَيْئًا لِلِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهَا وَلَمْ تَنْفِ عَنْهُ. وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ، وَفِي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ خِلَافُهُ. وَقَدْ أَجَازَ فِي قَوْلِك: مَرَرْت بِرَجُلٍ غَيْرِك ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَاحِدًا خِلَافَك. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ صِفَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِصِفَتِك، فَالْإِبْهَامُ فِيهِ أَقَلُّ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْتَ مَعَ غَيْرِك، وَهَذَا الثَّالِثُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْرِيرٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرُ طَلْقَةٍ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثٌ. وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا: كُلُّ امْرَأَةٍ غَيْرِك طَالِقٌ يَقَعُ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهَا بِالنِّيَّةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ " إذَا قُلْت مَا جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ احْتَمَلَ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاءَ مَعَهُ إنْسَانٌ آخَرُ، وَأَنْ تُرِيدَ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاءَ
стр. 1020
غَيْرُهُ لَا هُوَ، وَلَا يَصِحُّ مَا جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ لَا عَمْرٍو، كَمَا لَمْ يَجُزْ مَا جَاءَنِي، إلَّا زَيْدٌ لَا عَمْرٌو؛ لِأَنَّ " غَيْرَ " فِيهَا مَعْنَى النَّفْيِ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ حَرْفُ النَّفْيِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] .
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي كَيْفَ]
كَيْفَ: إنْ وَقَعَ بَعْدَهَا مُفْرَدٌ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، نَحْوُ كَيْفَ زَيْدٌ؟ فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ اُخْتُلِفَ فِي إعْرَابِهَا، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلَى أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهَا فِي تَقْدِيرِ الظَّرْفِ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ بِ عَلَى أَيِّ حَالٍ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ زَيْدٌ قَائِمٌ؟ فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ زَيْدٌ قَائِمٌ؟ وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالسِّيرَافِيِّ وَابْنِ جِنِّي أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَضَعَّفَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ بِأَنَّ الْحَالَ خَبَرٌ وَ " كَيْفَ " اسْتِفْهَامٌ، فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهَا خَبَرًا. قَالَ ابْنُ الصَّائِغِ: وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي الْحَالِ: أَنَّهَا خَبَرٌ قَسِيمُ الْإِنْشَاءِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ " كَيْفَ " ظَرْفٌ؛ إذْ لَيْسَتْ زَمَانًا وَلَا مَكَانًا، وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُفَسَّرُ بِقَوْلِك: عَلَى أَيِّ حَالٍ؟ لِكَوْنِهَا سُؤَالًا عَنْ الْأَحْوَالِ سُمِّيَتْ ظَرْفًا، وَلِأَنَّهَا فِي تَأْوِيلِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَاسْمُ الظَّرْفِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَجَازًا، ثُمَّ هِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ: لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ خَاصَّةً، وَهَلْ يُلْحَظُ فِيهَا مَعْنَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ ذَلِكَ؟ وَلِهَذَا قِيلَ:
يَقُول خَلِيلِي كَيْفَ صَبْرُك بَعْدَنَا ... فَقُلْت وَهَلْ صَبْرٌ فَيُسْأَلُ عَنْ كَيْفَ
وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت.
أَنَّهَا
стр. 1021
تَطْلُقُ [إنْ] شَاءَتْ أَمْ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَشَاءَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شِئْت. قُلْت: وَهَذَا مِنْهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ " كَيْفَ ". قِيلَ: إنَّهَا فِي الْأَصْلِ بِمَنْزِلَةِ أَيِّ الِاسْتِفْهَامِيَّة، وَلِهَذَا يُفَسِّرُونَ كَيْفَ شِئْت بِأَيِّ حَالَةٍ شِئْت، فَاسْتُعِيرَتْ لِأَيِّ الْمَوْصُولَةِ بِجَامِعِ الْإِبْهَامِ عَلَى مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتهَا مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ سَلَبَ عَنْهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَاسْتُعْمِلَتْ اسْمًا لِلْحَالِ، كَمَا حَكَى قُطْرُبٌ: اُنْظُرْ إلَى كَيْفَ تَصْنَعُ؟ أَيْ: إلَى حَالِ صُنْعِهِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَكُونُ كَيْفَ مَنْصُوبَةً بِنَزْعِ الْخَافِضِ. وَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهَا تَأْتِي شَرْطًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلْحَالِ، وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ. وَمُرَادُهُمْ الشَّرْطُ فِي الْمَعْنَى لَا الْعَمَلِ وَهُوَ الْجَزْمُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُجْزَمُ بِهَا إلَّا إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا " مَا " نَحْوَ كَيْفَ تَصْنَعْ أَصْنَعْ.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي كُلٌّ]
كُلٌّ: تُلَازِمُ الْإِضَافَةَ مَعْنًى، وَلَا يَلْزَمُ إضَافَتُهَا لَفْظًا إذَا وَقَعَ تَوْكِيدًا وَنَعْتًا، وَإِضَافَتُهَا مَنْوِيَّةٌ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا عَنْهَا، وَإِذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ الْمَحْذُوفُ مَعْرِفَةً بَقِيَ " كُلٌّ " عَلَى تَعْرِيفِهِ، فَلَا تُبَاشِرُهُ اللَّامُ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ فِي قِرَاءَةِ ﴿إنَّا كُلًّا فِيهَا﴾ شَاذٌّ، وَإِنْ أُضِيفَ إلَى نَكِرَةٍ رُوعِيَ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ وَغَيْرِهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ، وَإِنْ أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ جَازَ مُرَاعَاةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَمُرَاعَاةُ لَفْظِ " كُلٍّ ".
стр. 1022
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي كُلَّمَا]
أَمَّا كُلَّمَا: فَهِيَ مُضَافَةٌ إلَى " مَا " وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا نَائِبَةٌ بِصِلَتِهَا عَنْ ظَرْفِ زَمَانٍ كَمَا يَنُوبُ عَنْ الْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ، وَالْمَعْنَى: كُلُّ وَقْتٍ، وَلِذَا تُسَمَّى " مَا " هَذِهِ الْمَصْدَرِيَّةَ الظَّرْفِيَّةَ أَيْ: النَّائِبَةَ عَنْ الظَّرْفِ لَا أَنَّهَا ظَرْفٌ فِي نَفْسِهَا، فَكُلٌّ مِنْ " كُلَّمَا " مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِإِضَافَتِهِ إلَى شَيْءٍ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الظَّرْفِ ثُمَّ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ أَنَّ " كُلَّمَا " لِلتَّكْرَارِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ " مَا "؛ لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ يُرَادُ بِهَا الْعُمُومُ، فَإِذَا قُلْت: أَصْحَبُك مَا ذَرَّ لِلَّهِ شَارِقٌ فَإِنَّمَا تُرِيدُ الْعُمُومَ " فَكُلٌّ " أَكَّدَتْ الْعُمُومَ الَّذِي أَفَادَتْهُ " مَا " الظَّرْفِيَّةُ لَا أَنَّ لَفْظَ " كُلَّمَا " وُضِعَ لِلتَّكْرَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ " كُلٌّ " تَوْكِيدًا لِلْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ مَا الظَّرْفِيَّةِ، فَإِذَا قُلْت: كُلَّمَا جِئْتنِي أَكْرَمَتْك فَالْمَعْنَى أُكْرِمُك فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ جِيئَاتِك إلَيَّ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: إنَّ التَّكْرَارَ مِنْ عُمُومِ " مَا " مَمْنُوعٌ فَإِنَّ " مَا " الْمَصْدَرِيَّةَ لَا عُمُومَ لَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نِيَابَتِهَا عَنْ الْعُمُومِ دَلَالَتُهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنْ اُسْتُفِيدَ عُمُومٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ " مَا " إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّرْكِيبِ بِجُمْلَتِهِ.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي بَعْد]
بَعْدُ: تَقَعُ لِلتَّرْتِيبِ وَتَحْتَمِلُ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ قَالَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ ".
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي إلَى]
إلَى: لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَلَا يَأْتِي فِيهَا خِلَافُ " مِنْ " فِي
стр. 1023
الزَّمَانِ. وَعِبَارَةُ الرَّاغِبِ: حَرْفٌ يُحَدُّ بِهِ النِّهَايَةُ مِنْ الْجَوَانِبِ السِّتَّةِ، وَهَلْ يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا أَمْ لَا أَمْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ لِلْغَايَةِ فَيَدْخُلُ، وَإِلَّا فَلَا؟ خِلَافٌ. وَنُسِبَ الثَّالِثُ إلَى سِيبَوَيْهِ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. قُلْت: وَرَأَيْته مَجْزُومًا بِهِ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْوَدَائِعِ بِمَنْصُوصِ الشَّرَائِعِ " فِي بَابِ الْوُضُوءِ قَالَ: وَمَنْ أَوْجَبَ إدْخَالَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْ الْمُنْتَهَى إلَيْهِ كَمَا يَدْخُلُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ الْمُبْتَدَأِ مِنْهُ. حَكَاهُ النِّيلِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ": جَاءَتْ وَمَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ، وَجَاءَتْ وَمَا بَعْدَهَا خَارِجٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِالِاشْتِرَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِظُهُورِ الدُّخُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَمَ بِظُهُورِ انْتِفَاءِ الدُّخُولِ وَعَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ. انْتَهَى.
وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ سِيبَوَيْهِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ تَقْتَرِنَ بِمَنْ فَتَقْتَضِيَ التَّحْدِيدَ، وَلَا يَدْخُلُ الْحَدُّ فِي الْمَحْدُودِ، نَحْوُ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَى تِلْكَ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ تَحْدِيدًا، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى " مَعَ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وَأَنْكَرَ ابْنُ خَرُوفٍ هَذَا عَلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ هَذَا وَلَا حَرْفًا وَلَا هُوَ
стр. 1024
مَذْهَبُهُ، وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي بَابِ عِدَّةِ الْكَلِمِ: وَأَمَّا " إلَى " فَمُنْتَهَى الِابْتِدَاءِ تَقُولُ: مِنْ مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا، وَكَذَلِكَ " حَتَّى " وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي بَابِهَا بِمَعْنَى " حَتَّى " وَلَهَا فِي الْفِعْلِ حَالٌ لَيْسَ لِ " إلَى " تَقُولُ لِلرَّجُلِ: إنَّمَا أَنَا إلَيْك أَيْ: إنَّمَا أَنْتَ مَطْلُوبِي وَغَايَتِي، وَلَا تَكُونُ " حَتَّى " هُنَا فَهَذَا أَمْرُ " إلَى " وَأَصْلُهَا وَإِنْ اتَّسَعَتْ، وَهِيَ أَعَمُّ فِي الْكَلَامِ مِنْ " حَتَّى " تَقُولَ: قُمْت إلَيْهِ بِجَعْلِهِ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك وَلَا تَقُولُ: حَتَّاهُ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَإِنْ اتَّسَعَ فِيهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْغَايَةُ لَا تُدْخِلُ شَيْئًا وَلَا تُخْرِجُهُ، بَلْ إنْ كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ مُتَنَاوَلًا قَبْلَ دُخُولِ حَرْفِ الْغَايَةِ يَكُونُ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ: وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْمَحْدُودِ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ مَعْنَى " إلَى " وَإِنَّمَا فَائِدَةُ " إلَى " التَّنْبِيهُ عَنْ أَنَّهَا مَا اُبْتُدِئَ بِهِ فَبِمِنْ، وَأَمَّا دُخُولُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ فِيهِ وَعَدَمُهُ فَبِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ. وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: لَا تُفِيدُ إلَّا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الدُّخُولِ أَوْ عَدَمِهِ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الدَّلِيلِ. وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ " إلَى " لِلنِّهَايَةِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَوَّلِ الْحَدِّ وَأَنْ يَتَوَغَّلَ فِي الْمَكَانِ لَكِنْ تَمْتَنِعُ الْمُجَاوَزَةُ؛ لِأَنَّ النِّهَايَةَ غَايَةٌ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ شَيْءٌ لَمْ يُسَمَّ غَايَةً. قُلْت: وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " حَيْثُ قَالَ: وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ مِمَّا يُغْسَلُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا حَدَّيْنِ لِلْغَسْلِ، وَأَنْ يَكُونَا دَاخِلَيْنِ فِي الْغَسْلِ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَيْلٌ
стр. 1025
لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَسْلٌ. انْتَهَى.
وَتَجِيءُ بِمَعْنَى " مَعَ " فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَالتَّقْدِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أَيْ: لَا تُضِيفُوهَا إلَى أَمْوَالِكُمْ، فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فَمَنْ أَوْجَبَ غَسْلَهَا قَالَ بِمَعْنَى " مَعَ " وَعَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا وَلَا تُفِيدُ انْتِهَاءَ الْغَسْلِ إلَى الْمَرَافِقِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّ لَفْظَ الْيَدِ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَالْمَرَافِقُ دَاخِلَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْيَدِ، وَإِذَا جَاءَتْ إلَى التَّحْدِيدِ بِبَعْضِ الشَّيْءِ دَخَلَ الْمَحْدُودُ إلَيْهِ فِي الْحَدِّ، كَقَوْلِك: بِعْتُك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَإِنَّ الشَّجَرَةَ تَدْخُلُ، فَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهَا بِمَعْنَى " مَعَ ". وَقِيلَ: دَخَلَتْ الْمَرَافِقُ فِي الْغَسْلِ لِأَنَّ الْمَرَافِقَ مُنْتَهَى الذِّرَاعِ، فَلَزِمَ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ الذِّرَاعِ وُجُوبُ غَسْلِ الْمَرَافِقِ، وَقِيلَ: إنَّهَا غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ. وَذَكَرُوا لِهَذَا الْكَلَامِ تَفْسِيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْغَايَةِ كَالْيَدِ فَإِنَّهَا اسْمٌ
стр. 1026
لِلْمَجْمُوعِ إلَى الْإِبْطِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْغَايَةِ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الِامْتِدَادَ حَاصِلٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " اغْسِلُوا " وَغَايَةُ لَكِنْ لِأَجْلِ إسْقَاطِ مَا وَرَاءَ الْمِرْفَقِ عَنْ حُكْمِ الْغَسْلِ. الثَّانِي: أَنَّهُ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُسْقِطِينَ إلَى الْمَرَافِقِ فَتَخْرُجُ عَنْ الْإِسْقَاطِ، فَتَبْقَى دَاخِلَةً تَحْتَ الْغَسْلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِظُهُورِ أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، وَأَثَارَ بَعْضُهُمْ هُنَا بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ بِالْكَلَامِ غَايَةً أَوْ اسْتِثْنَاءً أَوْ شَرْطًا لَا يُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ لَمْ يَخْرُجْ بِالْقَيْدِ عَنْ الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَالْفِعْلُ مَعَ الْغَايَةِ كَلَامٌ وَاحِدٌ لِلْإِيجَابِ إلَيْهَا لَا لِلْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ مَعَ الْغَايَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى " مَعَ " لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا قَالَ: بِعْتُك بِشَرْطِ الْخِيَارِ إلَى اللَّيْلِ، إنَّ اللَّيْلَ لَا يَدْخُلُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ ": وَتَرِدُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، نَحْو فُلَانٌ خَارِجٌ إلَى شَهْرٍ أَيْ: أَنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ إلَى شَهْرٍ، وَفُرِّعَ عَلَيْهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ فَلَا تَطْلُقُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمُتَوَلِّي.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي حَتَّى]
حَتَّى: لِلْغَايَةِ كَ [إلَى] وَهِيَ عَاطِفَةٌ وَجَارَةٌ، وَفِيهَا مَذَاهِبُ:
стр. 1027
أَحَدُهَا: أَنْ مَا بَعْدَهَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ مَا قَبْلَهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَعُزِيَ لِأَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ مِنْهُمْ ابْنُ جِنِّي. قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ النَّحَّاسِ، فِي كِتَابِ الْكَافِي ": اعْلَمْ أَنَّ حَتَّى فِيهَا مَعْنَى الْغَايَةِ، وَإِنْ عَطَفْت بِهَا، وَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ. انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّ الْعَاطِفَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْغَايَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ تَقْتَضِيهِ " حَتَّى " مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا لِلْغَايَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا لِلْعَطْفِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَاخِلٌ سَوَاءٌ الْجَارَّةُ وَالْعَاطِفَةُ، وَبِهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُقْتَصَدِ " وَغَيْرِهِ، وَسَنَذْكُرُ عِبَارَتَهُ، وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ " وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَقْتَضِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَ الْفِعْلُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ كُلِّهِ، فَلَوْ انْقَطَعَ الْأَكْلُ عِنْدَ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْآكِلِ آتِيًا عَلَى السَّمَكَةِ كُلِّهَا، وَلِهَذَا امْتَنَعَ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى نِصْفِهَا. وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهَذَا مَا إذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى خُرُوجِهِ، كَصُمْتُ الْأَيَّامَ حَتَّى يَوْمَ الْفِطْرِ بِنَصَبِ الْيَوْمِ وَجَرِّهِ. وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا بَعْضًا لِمَا قَبْلَهَا دَخَلَ، نَحْوَ سَبَقَنِي النَّاسُ حَتَّى الْعَبِيدِ، وَإِلَّا فَلَا، نَحْوُ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ
стр. 1028
فِي الْمُقْتَضَبِ " وَالْفَرَّاءِ فِي الْمَعَانِي " وَابْنِ الْوَرَّاقِ فِي الْفُصُولِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَارَّةُ يَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي " إلَى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي دُخُولَ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا أَوْ عَدَمَ دُخُولِهِ حُمِلَتْ عَلَى الدُّخُولِ، بِخِلَافِ " إلَى " فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ فِي الْبَابَيْنِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَاطِفَةً فَمَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِمَّا قَبْلَهَا جِيءَ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ أَوْ لِتَحْقِيرِهِ. وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ دُخُولِ مَا بَعْدَ " حَتَّى " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَاطِفَةِ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي أُصُولِهِ " لَا الْخَافِضَةِ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مَشْهُورٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: " حَتَّى " مَعَ الْجُثَثِ بِمَعْنَى " مَعَ " وَمَعَ الْمَصَادِرِ وَظُرُوفِ الزَّمَانِ بِمَعْنَى " إلَى " تَقُولُ: انْتَظَرْتُك حَتَّى اللَّيْلِ وَحَتَّى قُدُومِ عَمْرٍو بِمَعْنَى " إلَى " فِيهِمَا، وَنَحْوُ بِعْتُك الدَّارَ حَتَّى بَابِهَا أَيْ: مَعَ، وَكَلَّمْت، الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدٍ أَيْ: مَعَ.
[مَسْأَلَةٌ حَتَّى الْعَاطِفَةُ هَلْ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ]
َ؟] اُخْتُلِفَ فِي الْعَاطِفَةِ هَلْ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ؛ فَأَثْبَتَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُعْطٍ حَيْثُ قَالَا: إنَّهَا كَالْفَاءِ، بَلْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاءِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ التَّعْقِيبِ وَالْغَايَةِ.
стр. 1029
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ " هِيَ مِثْلُ " ثُمَّ " فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ جَعْلُهُ غَايَةً لَهُ، فَعُلِمَ مِنْهُمَا مُخَالَفَتُهُ لِلْأَوَّلِ فِيمَا أَوْجَبَ الْمُهْلَةَ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ قُوَّةٍ، كَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ حَتَّى الْمُشَاةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّهَا كَالْوَاوِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ " هِيَ فِي عَدَمِ التَّرْتِيبِ كَالْوَاوِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: حَفِظْت حَتَّى سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَقَرَةُ أَوَّلَ مَحْفُوظِك أَوْ مُتَوَسِّطَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» وَلَا فَرْقَ فِي تَعَلُّقِ الْقَضَاءِ بِالْمَقْضِيَّاتِ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ فِي كَوْنِهَا أَيْ: وُجُودِهَا. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ " هِيَ فِي عَدَمِ التَّرْتِيبِ كَالْوَاوِ، وَقَالَ ابْنُ أَيَازٍ: التَّرْتِيبُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ " حَتَّى " لَيْسَ عَلَى تَرْتِيبِ الْفَاءِ وَثُمَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يُرَتِّبَانِ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي الْوُجُودِ وَهِيَ تُرَتِّبُ تَرْتِيبَ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِذَكَرِ الْكُلِّ قَبْلَ الْجُزْءِ.
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّيْءِ. وَطَرَفُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ. وَلِهَذَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّحْقِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إذْ أَخَذْته مِنْ أَعْلَاهُ فَأَدْنَاهُ غَايَتُهُ وَهُوَ الْمُحَقَّرُ، وَإِنْ أَخَذْته مِنْ أَدْنَاهُ فَأَعْلَاهُ غَايَتُهُ وَهُوَ الْمُعَظَّمُ، وَلِهَذَا أَيْضًا لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَ " حَتَّى " وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا إلَّا بَعْضًا وَجُزْءًا مِنْهُ. تَقُولُ: جَاءَ الْقَوْمُ حَتَّى زَيْدٌ، وَلَا تَقُولُ حِمَارٌ. وَكَذَلِكَ لَا تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ حَتَّى الْقَوْمُ،
стр. 1030
لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ بِضْعًا لِشَيْءٍ وَجُزْءًا مِنْهُ. وَلَا جَاءَ زَيْدٌ حَتَّى عَمْرٌو كَذَلِكَ أَيْضًا، وَلِلْمُسَاوَاةِ، وَكُلُّ هَذَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الْوَاوِ.
وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ " حَتَّى " لِلْغَايَةِ إمَّا فِي نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ، نَحْوُ عَلَيْك النَّاسُ حَتَّى النِّسَاءُ، وَاخْتُطِفَتْ الْأَشْيَاءُ حَتَّى مَثَاقِيلُ الدُّرِّ، ثُمَّ قَالُوا: إنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَلْ تَكُونُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُشْكِلٌ. فَإِنْ قُلْت: الْغَايَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْوَاقِعُ لَيْسَ هُوَ هَذَا، بَلْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَوَّلَ، وَمَا بَعْدَهُ أَوْ الْأَخِيرُ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ. قُلْت: لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْقُوَّةِ أَوْ الضَّعْفِ فَائِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ تَقْتَضِ التَّأْخِيرَ عَقْلًا وَعَادَةً لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت: فَائِدَتُهُ إفَادَةُ الْعُمُومِ، قُلْت: الْعُمُومُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَفْهُومِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي " حَتَّى " الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ قَدْ تَكُونُ لِلْغَايَةِ وَلِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُجَازَاةِ وَلِلْعَطْفِ الْمَحْضِ أَيْ: التَّشْرِيكِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ غَايَتِهِ وَسَبَبِيَّتِهِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّ الْقَتْلَ يَصْلُحُ لِلِامْتِدَادِ، وَقَبُولُ الْجِزْيَةِ يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] أَيْ تَسْتَأْذِنُوا، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْغَيْرِ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ، وَالِاسْتِئْذَانُ يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ. وَجَعَلَ حَتَّى هَذِهِ دَاخِلَةً عَلَى الْفِعْلِ نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَالْفِعْلُ
стр. 1031
مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ " أَنْ " فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى الِاسْمِ، هَذَا إذَا احْتَمَلَ صَدْرُ الْكَلَامِ الِامْتِدَادَ وَالْآخَرُ الِانْتِهَاءَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ ذَلِكَ. فَإِنْ صَلَحَ الصَّدْرُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلثَّانِي كَانَتْ بِمَعْنَى " كَيْ " فَتُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ وَالْمُجَازَاةَ، نَحْوُ أَسْلَمْت حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِذَلِكَ فَهِيَ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى غَايَةٍ أَوْ مُجَازَاةٍ.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي إذَنْ]
إذَنْ: لِلْجَوَابِ وَالْجَزَاءِ: تَقُولُ لِمَنْ قَالَ: أَنَا أَزُورُك: إذَنْ أُكْرِمَك، وَتَأْتِي صِلَةً إذَا كَانَتْ مُتَوَسِّطَةً. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ ﷺ (إنِّي - إذَنْ - صَائِمٌ) خَبَرٌ عَنْ صِيَامٍ مُتَقَدِّمٍ لَا عَنْ صِيَامٍ ابْتَدَأَهُ لِوَقْتِهِ. وَحَاوَلُوا بِهَذَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ إنْشَاءَ الصَّوْمِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَدَافَعُوا بِهَذَا التَّأْوِيلِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَرَى لِمَا قَالُوهُ وَجْهًا. أَمَّا كَوْنُهَا هَاهُنَا مُلْغَاةً فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا حَالَتْ بَيْنَ حَرْفِ " أَنْ " وَاسْمِهَا وَبَيْنَ الْخَبَرِ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ عَقَدَ الصَّوْمَ الْآنَ أَوْ سَبَقَ بَلْ قَوْلُهُ: صَائِمٌ اسْمُ فَاعِلٍ يَحْتَمِلُ الْحَالَ.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي مَتَى]
مَتَى: شَرْطٌ يُجْزَمُ بِهِ الْمُضَارِعُ، مِثْلُ مَتَى تَخْرُجْ أَخْرُجْ، وَهِيَ لَازِمَةٌ
стр. 1032
لِلظَّرْفِيَّةِ لَا تَتَجَرَّدُ عَنْهَا بِخِلَافِ " إذَا " فِي قَوْلِهِ:
وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا " إذَا " مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ بِوَاسِطَةِ وُقُوعِهِ فِي بَيْتٍ شَاذٍّ جَازِمًا لِلْمُضَارِعِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا " مَتَى " مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ مَعَ دَوَامِ ذَلِكَ فِيهِ. وَحَقُّهُ فِي اللُّغَةِ التَّكْرَارُ، وَاصْطَلَحَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهَا لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، كَقَوْلِك: إذَا فَعَلَتْ. قَالَهُ فِي الْقَوَاطِعِ ". قَالَ: وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا إذَا فَعَلَتْ. بِخِلَافِ " كُلَّمَا " فَإِنَّهَا لِلتَّكْرَارِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: لَوْ قَالَ: مَتَى خَرَجْت، أَوْ مَتَى مَا، أَوْ مَهْمَا، كَكُلَّمَا، فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ، وَهُوَ خِلَافُ قَضِيَّتِهِ فِي الْأُمِّ ". انْتَهَى. وَحَكَى أَبُو الْبَقَاءِ عَنْ ابْنِ جِنِّي أَنَّ " مَهْمَا " لِلتَّكْرَارِ بِخِلَافِ " مَتَى ".
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي إلَّا]
إلَّا: لِلِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَأْتِي بِمَعْنَى " سِوَى " وَذَلِكَ فِي اسْتِثْنَاءٍ زَائِدٍ مِنْ نَاقِصٍ: قَالَ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] يَعْنِي سِوَى مَا شَاءَ رَبُّك مِنْ زِيَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ لَا إلَى نِهَايَةٍ، فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفَيْنِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ.
стр. 1033
قَالَ فِي الْقَوَاطِعِ ": وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ الْفُقَهَاءُ. قُلْت: لَكِنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ يَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمَفْهُومِ، فَلَمَّا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا غَيْرُهَا، وَهَذَا عَامٌّ فَاسْتَثْنَى مِنْهُ أَلْفَيْنِ. وَتَجِيءُ بِمَعْنَى " غَيْرَ "، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَجَعَلَ الْخَطَّابِيُّ مِنْهُ قَوْلَنَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ: فَإِلَّا هُنَا بِمَعْنَى غَيْرَ لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إمَّا مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَمَنْ تَوَهَّمَ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَبْطَلَ. قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: وَهَذَا تَوَهُّمٌ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَكُونَ " إلَّا " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] وَقَوْلُهُ ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] اسْتِثْنَاءٌ وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى " غَيْرَ " وَلَا يَقُولهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ " إلَّا " إذَا كَانَتْ صِفَةً كَانَ الِاسْمُ الْوَاقِعُ بَعْدَهَا إعْرَابَ الْمَوْصُوفِ بِهِ، أَوْ كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ. قَالَ: وَالِاسْمُ بَعْدَ " إلَّا " فِي الْآيَتَيْنِ مَنْصُوبٌ كَمَا تَرَى، وَلَيْسَ قَبْلَ " إلَّا " فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَنْصُوبٌ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِإِلَّا.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي ثُمَّ]
ثُمَّ: يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ فِيهَا بِمَبَاحِثَ.
стр. 1034
الْأَوَّلُ: فِي التَّرْتِيبِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَلَى الصَّحِيحِ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ ابْنِ عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا كَالْوَاوِ فِي اقْتِضَاءِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ " وَقَفْت " إنْشَاءٌ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، كَقَوْلِك: بِعْتُك هَذَا ثُمَّ هَذَا، وَهَذَا غَلَطٌ، وَإِنَّمَا قَالَ الْعَبَّادِيُّ ذَلِكَ إذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَنَّهَا لِلْجَمِيعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عِنْدَهُ لِلْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ، وَالْكَلَامُ بِآخِرِهِ، فَالْجَمْعُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةِ " ثُمَّ ". وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ " مِنْ النَّحْوِيِّينَ عَنْ ابْنِ الدَّهَّانِ أَنَّ الْمُهْلَةَ وَالتَّرْتِيبَ فِي الْمُفْرَدَاتِ، وَأَمَّا الْجُمَلُ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا.
قَالَ: وَالْأَصَحُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَعْنَاهَا أَيْنَمَا وَقَعَتْ وَتَأْوِيلُ مَا خَالَفَ مَعْنَاهَا وَنَقَلَ ابْنُ الْخَبَّازِ عَنْ شَيْخِهِ: أَنَّ " ثُمَّ " إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجُمَلِ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَمَّا فِي الزَّمَانِ نَحْوُ ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾ [المؤمنون: ٤٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] أَوْ فِي الْمَرْتَبَةِ نَحْوُ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] أَوْ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْأَخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وَالسَّمَاءُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] وَقَالَ الرَّاغِبُ: تَقْتَضِي تَأَخُّرَ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهُ إمَّا تَأَخُّرًا بِالذَّاتِ أَوْ بِالْمَرْتَبَةِ أَوْ بِالْوَضْعِ، وَنَقَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " فَصْلًا عَنْ
стр. 1035
الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ بَرِّيٍّ فِي التَّرْتِيبِ بِ " ثُمَّ " ضَعَّفَ فِيهِ الْقَوْلَ بِالتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ.
قَالَ: بَعْدَ أَنْ قَرَرْت أَنَّ " ثُمَّ " لِتَرْتِيبِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْوُجُودِ بِمُهْلَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الزَّمَانِ أَنَّ " ثُمَّ " تَأْتِي أَيْضًا لِتَفَاوُتِ الرُّتْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجِيءُ هَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودًا بِالْفَاءِ الْعَاطِفَةِ، نَحْوَ خُذْ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ، وَاعْمَلْ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ، وَنَحْوُ «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ» ، فَالْفَاءُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْفَضْلِ مِنْ الْكَمَالِ وَالْحُسْنِ فِي الْحَالِ، وَفِي الثَّانِي لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْمُحَلِّقِينَ مِنْ الْمُقَصِّرِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَلْقِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ. وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] تَحْتَمِلُ الْفَاءُ فِيهِ الْمَعْنَيَيْنِ مَجَازًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ تَفَاوُتُ رُتْبَةِ الصَّفِّ مِنْ الزَّجْرِ، وَرُتْبَةِ الزَّجْرِ مِنْ التِّلَاوَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا تَفَاوُتُ رُتْبَةِ الْجِنْسِ الصَّافِّ مِنْ الْجِنْسِ الزَّاجِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَفِّهِمْ وَزَجْرِهِمْ، وَرُتْبَةُ الْجِنْسِ الزَّاجِرِ مِنْ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى زَجْرِهِ وَتِلَاوَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: هِيَ لِتَرْتِيبِ الْجُمَلِ فِي الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِيَّةِ فِي الْوُجُودِ؛ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي الْمَعْنَى لِبُعْدِ الْمُهْلَةِ فِيهِ حَقِيقَةً. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِهِ بِقَوْلِ:
إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الِابْنِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ سِيَادَتِهِ مِنْ سِيَادَةِ أَبِيهِ.
وَمَجَازُ اسْتِعْمَالِهَا لِتَفَاوُتِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْمُهْلَةِ وَالتَّفَاوُتُ بِمُهْلَةٍ فِي الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَهُوَ الِانْفِصَالُ. قُلْت: وَهَذَا طَرِيقٌ آخَرُ لِلتَّرْتِيبِ وَهُوَ التَّرْتِيبُ بِالرُّتَبِ. أَعْنِي تَفَاوُتَ
стр. 1036
رُتَبِ الْفِعْلِ أَوْ رُتَبِ الْفَاعِلِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فِي الْفَاءِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَالْفَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] إنَّمَا دَخَلَتْ لِتُبَيِّنَ حُكْمَ الْمَوْلَى فِي زَمَنِ التَّرَبُّصِ بِجُمْلَتَيْ الشَّرْطِ بَعْدَهَا لَا لِتَعْقِيبِهَا زَمَنَ التَّرَبُّصِ. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ: وَلَا يُفْصَلُ بِ ثُمَّ، وَالْفَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَرْتِيبٌ وُجُودِيٌّ بَلْ تَفْصِيلٌ مَعْنَوِيٌّ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك: اغْتَسَلَ، فَأَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ لَيْسَ الْقَصْدُ بِهِ إلَّا الْبَيَانَ لَا التَّرْتِيبَ؟ فَلَوْ قَدَّمْتَ أَوْ أَخَّرْتَ جَازَ، وَكَذَا لَوْ أَتَيْتَ بِالْفَاءِ مَوْضِعَ " ثُمَّ " فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ جَازَ أَنْ يُقْصَدَ التَّرْتِيبُ، وَجَازَ أَنْ يُقْصَدَ التَّفْصِيلُ، نَحْوُ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ. فَإِنْ أَرَدْتَ التَّرْتِيبَ لَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَإِنْ أَرَدْتَ التَّفْصِيلَ جَازَ. وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ ثُمَّ وَالْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ حَمْلًا عَلَى " أَوْ " فِي نَحْوِ قَوْلِك: الْجِسْمُ إمَّا سَاكِنٌ أَوْ مُتَحَرِّكٌ.
الْإِنْسَانُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى. قَالَ الشَّيْخُ: وَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ بَرِّيٍّ مِنْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُبْهَمَ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. الْمَبْحَثُ الثَّانِي: فِي اقْتِضَائِهَا التَّرَاخِيَ، وَكَمَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ يُوجِبُ تَرَاخِيَ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ وَالْمُهْلَةَ بَيْنَهُمَا، وَعَدَمَ الْفَوْرِيَّةِ وَالْمُهْلَةِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْخَشَّابِ بِامْتِنَاعِ وُقُوعِ مَا بَعْدَهَا جَوَابًا لِلشَّرْطِ، كَمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْفَاءِ، فَلَا تَقُولُ: إنْ تَقُمْ ثُمَّ أَنَا أَقُومُ كَمَا قُلْت: إنْ تَقُمْ فَأَنَا أَقُومُ وَقَالَ ابْنُ يَعِيشَ: وَلَمَّا تَرَاخَى لَفْظُهَا بِكَثْرَةِ حُرُوفِهَا تَرَاخَى مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّ
стр. 1037
قُوَّةَ اللَّفْظِ مُؤْذِنَةٌ بِقُوَّةِ الْمَعْنَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَرَاخِيَ مَعْنَاهَا يَقَعُ كَتَرَاخِي لَفْظِهَا، وَهُوَ مَعْلُولٌ لَهُ. قَالَ: وَهُوَ عَكْسُ مَا وَجَدْتُهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَعَرَّضَ لِبَيَانِ قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ إنَّ " ثُمَّ " مِثْلُ الْفَاءِ إلَّا أَنَّ فِيهَا مُهْلَةً. قَالَ: فَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي التَّرْتِيبِ إلَّا أَنَّهُ تَرْتِيبٌ فِيهِ مُهْلَةٌ وَتَرَاخٍ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِمَعْنًى يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الْفَاءِ خُصَّ لَفْظُهَا بِلَفْظٍ أَزْيَدَ مِنْ لَفْظِ الْفَاءِ وَكَانَتْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَرْفٍ، وَالْفَاءُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ تَبَعًا لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَيَكُونُ اللَّفْظُ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ وَهِيَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْوَاوُ وَالْمِيمُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَخْرَجِ؛ إذْ الْفَاءُ مِنْ بَاطِنِ الشَّفَةِ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ مِنْ نَفْسِ الشَّفَةِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ تَجْمَعُ مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَخُصَّتْ بِالِاسْتِعْمَالِ دُونَ غَيْرِهَا. وَلَمَّا اخْتَصَّتْ " ثُمَّ " بِمَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الْفَاءِ اخْتَصَّتْ بِالثَّاءِ الْمُقَارِبَةِ لِمَخْرَجِ الْفَاءِ لِتَدُلَّ عَلَى مَعْنًى ثَالِثٍ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي اقْتِضَائِهَا التَّرَاخِيَ.
وَكَلَامُ ابْنِ الْخَشَّابِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمُفْرَدَاتِ وَأَنَّهُ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا سَبَقَ مِثْلُهُ فِي التَّرْتِيبِ. قَالَ: وَقَدْ يَتَجَرَّدُ عَنْ التَّرَاخِي إذَا كُرِّرَتْ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٨] وَالْمَعْطُوفُ هُنَا هُوَ لَفْظُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ - ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤] وَالْمَعْطُوفَاتُ كُلُّهَا جُمَلٌ فِيهَا مَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: التَّرَاخِي ظَاهِرٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَأَخُّرِ الْعَوْدِ عَنْ الظِّهَارِ بِفَصْلٍ، وَهُوَ زَمَنُ إمْكَانِ الطَّلَاقِ.
стр. 1038
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَثَرِ التَّرَاخِي، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّكَلُّمِ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ الْمُطْلَقِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَكَتَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلًا بَعْدَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ صَاحِبَاهُ: رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْلِ فِي الْمُتَكَلِّمِ لِمُرَاعَاةِ مَعْنَى الْعَطْفِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مُنْفَصِلٌ حَقِيقَةً أَوْ حِسًّا، فَيَكُونُ فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ فَإِذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٍ إنْ دَخَلْت الدَّارَ. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا كَانَ فِي الْحُكْمِ مُنْقَطِعًا وَقَعَ وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ، وَيُلْغَى الْبَاقِي، لِعَدَمِ الْمَحَلِّ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ فَكَذَا هُنَا، وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ مُتَّصِلًا حُكْمًا تَعَلَّقَتْ جَمِيعًا بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ عَمَلًا بِالتَّرَاخِي. الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا لِلتَّرَاخِي فَلَا دَلِيلَ عَلَى مِقْدَارِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَهُ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالتَّرَاخِي الزَّمَانِيُّ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي تَرَاخِي الرُّتْبَةِ أَوْ فِي تَرَاخِي الْأَخْبَارِ كَانَ مَجَازًا. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَعْنِي التَّرَاخِيَ فِي الزَّمَانِ وَالرُّتْبَةِ وَالْأَخْبَارِ.
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّرَاخِيَ قَدْ يَتَزَايَدُ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا قُلْت: جَاءَ زَيْدٌ ثُمَّ جَاءَ عَمْرٌو كَانَ أَدَلَّ عَلَى التَّرَاخِي مِنْ قَامَ زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو، فَإِنْ تَغَايَرَ الْفِعْلَانِ فَقُلْت: قَامَ زَيْدٌ ثُمَّ انْطَلَقَ كَانَ كَالثَّانِي، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] فَعَطَفَ أَوَّلًا بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا فَجَعَلَ فِيهِمْ حَيَاةً عَقِبَ حَالَةِ كَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا، ثُمَّ تَرَاخَى حَالَةَ إمَاتَتِهِمْ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِمْ وَآجَالِهِمْ الْمَقْسُومَةِ فَعَطَفَ الْإِمَاتَةَ، ثُمَّ تَرَاخَى الْإِحْيَاءُ الْمُتَعَقِّبُ عَنْ الْإِمَاتَةِ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ فَعَطَفَ ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ بِ ثُمَّ، ثُمَّ تَرَاخَى الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ عَنْ الْإِمَاتَةِ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ بِ ثُمَّ، ثُمَّ إلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ.
стр. 1039
قِيلَ: وَيَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] قَالُوا: هِيَ فِيهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ صِفَةُ ذَاتٍ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ، وَالتَّعْقِيبُ بِالتَّرَاخِي لَا يُوصَفُ بِهِ الْقَدِيمُ. وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا صِفَةُ فِعْلٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ. وَقَدْ تَأَوَّلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِوَاءِ هُنَا الِاسْتِعَارَةُ فَإِنَّهُ - تَعَالَى - فَرَغَ مِنْ إكْمَالِ الْخَلِيقَةِ وَأَمَرَ وَنَهَى وَكَلَّفَ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ إكْمَالِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ هَذَا الْمَعْنَى فَيَصِحُّ فِيهِ التَّعْقِيبُ.
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي إنَّمَا]
إنَّمَا: وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ: هَلْ هِيَ تُفِيدُ الْحَصْرَ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ. وَإِذَا قُلْنَا: تُفِيدُهُ، فَهَلْ هُوَ بِالْمَنْطُوقِ يَعْنِي أَنَّهَا وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعًا أَيْ: لِإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ أَوْ لِلْإِثْبَاتِ خَاصَّةً وَلِلنَّفْيِ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ؟ قَوْلَانِ. وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّبْصِرَةِ " قَالَ: مَعَ نَفْيِهِ الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ فِي أَقْضِيَةِ الْحَاوِي " نَقَلَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ الِاحْتِمَالِ. وَبِالثَّانِي قَالَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَذَكَرَاهُ فِي بَحْثِ الْمَفَاهِيمِ، وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ.
стр. 1040
وَقَالَ ابْنُ الْخُوبِيِّ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ إثْبَاتٌ فَالْحَصْرُ ثَابِتٌ بِالْمَنْطُوقِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي جَرَيَانَ هَذَا الْخِلَافِ فِي " مَا " وَ " إلَّا " وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ أَصْلًا هُوَ رَأْيُ الْآمِدِيَّ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْإِثْبَاتِ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى، فَمَا الْكَافَّةُ تَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ دُونَهَا تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، وَإِنَّمَا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي النُّكَتِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ. قَالَ: وَهُوَ يُحْكَى عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ النَّحْوِيُّ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ. وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ. وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ، وَيَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَوَافَقَهُ إلْكِيَا، وَاَلَّذِي فِي التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ وَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحَصْرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهَا لِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الْحَصْرِ. وَأَنْكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْتَصْفَى " وَالْعَبْدَرِيُّ فِي شَرْحِهِ " إفَادَتَهَا الْحَصْرَ وَقَالَا: إنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ: وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّيْءِ.
قَالَ ابْنُ السَّيِّدِ: قَالَ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ: مَعْنَاهَا الِاقْتِصَارُ كَقَوْلِك: إنَّمَا زَيْدٌ شُجَاعٌ، لِمَنْ ادَّعَى لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ، وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِك: إنَّمَا وَهَبَتْ دِرْهَمًا، لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَهَبَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الِاقْتِصَارِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي رَدِّ النَّفْيِ إلَى حَقِيقَتِهِ إذَا وُصِفَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] .
стр. 1041
وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ. قَالَا: فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِالْحَصْرِ الِاقْتِصَارَ فَقَدْ أَصَابَ، وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ. وَتَابَعَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي إنْكَارِ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ، وَقَالَ: إنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ عَجِيبٌ، فَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ السَّيِّدِ فِي الِاقْتِضَابِ " عَنْ الْكُوفِيِّينَ. فَقَالَ: وَذَكَر الْكُوفِيُّونَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
. وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
وَمَعْنَاهُ مَا يُدَافِعُ إلَّا أَنَا أَوْ مِثْلِي هَذَا كَلَامُهُ. وَفِي الزَّاهِرِ " لِلْأَزْهَرِيِّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهَا تَقْتَضِي إيجَابَ شَيْءٍ وَنَفْيَ غَيْرِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبُرْهَانِ ": قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] أَنْ تَكُونَ " مَا " هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ " إنَّ " مِنْ الْعَمَلِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّ " إنَّمَا " تَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي الشِّيرَازِيَّاتِ " يَقُولُ نَاسٌ مِنْ النَّحْوِيِّينَ ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الْمَعْنَى: مَا حَرَّمَ إلَّا الْفَوَاحِشَ، قَالَ: وَأُجِيبَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ.
. وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
وَعَزَاهُ ابْنُ السَّيِّدِ لِلْكُوفِيِّينَ، وَلَمْ يَعْنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفِينَ فَإِنَّهُ
стр. 1042
يَمْتَنِعُ إيقَاعُ كُلٍّ مِنْهَا مَوْضِعَ الْآخَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. انْتَهَى. وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا لِلْحَصْرِ الرُّمَّانِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] فَقَالَ: إنَّمَا تُفِيدُ تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالصِّفَةِ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ " إنَّ " كَقَوْلِك: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي الْجَنَّةِ، فَلَا تَمْنَعُ هَذِهِ الصِّيغَةُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ فِيهَا كَمَا مَنَعَ إنَّمَا هُمْ فِي الْجَنَّةِ. انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَكَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: سَمِعَتْ عَلِيَّ بْنَ إبْرَاهِيمَ الْقَطَّانَ يَقُولُ: سَمِعْت ثَعْلَبًا يَقُولُ: سَمِعْت سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعَتْ الْفَرَّاءَ يَقُولُ: إذَا قُلْت: إنَّمَا قُمْت، فَقَدْ نَفَيْت عَنْ نَفْسِك كُلَّ فِعْلٍ إلَّا الْقِيَامَ، وَإِذَا قُلْت: إنَّمَا قَامَ أَنَا، فَقَدْ نَفَيْت الْقِيَامَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ وَأَثْبَتَّهُ لِنَفْسِك. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ إلَّا رَدًّا عَلَى أَمْرٍ، وَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَاَلَّذِي قَالَهُ الْفَرَّاءُ صَحِيحٌ وَحُجَّتُهُ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ مُقَدَّرٍ، وَإِلَّا لَوَرَدَ عَلَيْهِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَنَحْوُهُ.
стр. 1043
مِنْ أَحْسَنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْ أَخِيهِ، فَلَوْ كَانَ يَتَقَبَّلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ لَمْ يَجُزْ الرَّدُّ عَلَى الْأَخِ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ فَوَاتَ مَعْنًى فِي الْمُتَقَرَّبِ بِهِ لَا فِي الْفَاعِلِ لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَوَيْنَا فِي الْفِعْلِ وَانْحَصَرَ الْقَبُولُ فِي بِعِلَّةِ التَّقْوَى، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْحَصْرِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَعَلَيْك الْبَلَاغُ، وَهُوَ عَلَيْهِ الْبَلَاغُ تَوَلَّوْا أَمْ لَا، وَإِنَّمَا الَّذِي رَتَّبَ عَلَى تَوَلِّيهمْ نَفْيَ غَيْرِ الْبَلَاغِ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً لَهُ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ لَا يَضُرُّهُ، وَهَكَذَا أَمْثَالُ هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا يَقْطَعُ النَّاظِرُ بِفَهْمِ الْحَصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: ٩٣] ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٤٥] ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقَوْله تَعَالَى.
стр. 1044
﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ - قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ [هود: ٢٦ - ٣٣] ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِهَا مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ إذَا كَانَتْ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ، لِيَكُونَ مَعْنَاهَا لَا آتِيكُمْ إنَّمَا يَأْتِي بِهِ اللَّهُ، وَلَا أَعْلَمُهَا إنَّمَا يَعْلَمُهَا اللَّهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ مَجِيئَهَا لِلتَّحْقِيرِ تَقُولُ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مُحَقِّرًا لِنَفْسِك، وَرَدَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَحَكَى ابْنُ بَابْشَاذَ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّهَا تَجِيءُ لِلتَّعْلِيلِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ: إنَّمَا سِرْت حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَّك إذَا بَيَّتَّ السَّيْرَ وَقِيلَ: تَجِيءُ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ إنَّمَا الرَّجُلُ زَيْدٌ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا فِيهِ لِلْحَصْرِ الْمَجَازِيِّ، أَوْ بِجَعْلِ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفِ وَاللَّامِ الَّتِي فِي الرَّجُلِ بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ لِلْكَمَالِ وَيَحْصُرَ الْكَمَالَ فِيهِ.
الثَّانِي: مِنْ الْمَوَاضِعِ فِي سَبَبِ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ وَيُعْرَفُ مِنْ أَنَّهَا مُفْرَدَةٌ أَوْ مَرْكَبَةٌ، وَفِيهِ طُرُقٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ وُضِعَتْ لِلْحَصْرِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَرْكِيبٍ وَمِنْ غَيْرِ وَضْعِهَا لِمَعْنًى، ثُمَّ نَقْلُهَا لِمَعْنَى الْحَصْرِ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ وَالنَّقْلِ، وَكَوْنُهَا عَلَى صُورَةٍ " إنَّ " مَعَ " مَا " لَا يَسْتَدْعِي
стр. 1045
التَّرْكِيبَ مِنْهُمَا بَلْ الْمَجْمُوعُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، كَمَا أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ لَفْظِ إنْسَانٍ عَلَى صُورَةِ حَرْفِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ مَرْكَبًا مِنْهُ. الثَّانِيَةُ: لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ أَنَّ " إنَّ " لِلْإِثْبَاتِ وَ " مَا " لِلنَّفْيِ فَإِذَا جُمِعَا فَقِيلَ: إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَعْنَاهُ بَعْدَ التَّرْكِيبِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلَى الْمَذْكُورِ، وَلَا إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ لِلتَّنَاقُضِ، بَلْ أَحَدُهُمَا لِلْمَذْكُورِ وَالْآخَرُ لِغَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ " إنَّ " لِإِثْبَاتِ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ وَ " مَا " لِنَفْيِ الْمَذْكُورِ وِفَاقًا، فَتَعَيَّنَ عَكْسُهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَصْرِ. وَرُدَّ بِأَنَّ حُكْمَ الْإِفْرَادِ غَيْرُ حُكْمِ التَّرْكِيبِ، وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُمَا كَلِمَتَيْنِ بَلْ كَلِمَةً وَاحِدَة وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ وَالنَّقْلِ، وَأَيْضًا حُكْمُ غَيْرِهِ لَمْ يُذْكَرْ فَكَيْفَ يُنْفَى حُكْمُهُ؟ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ، وَهُمَا أَنْ " إنَّ " لِلْإِثْبَاتِ وَ " مَا " لِلنَّفْيِ، لَكِنَّهُمَا مَمْنُوعَتَانِ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ أَمَّا " إنَّ " فَلَيْسَتْ لِلْإِثْبَاتِ، وَلَا مَا لِلنَّفْيِ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهَا مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا. تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، وَإِنَّ زَيْدًا لَا يَقُومُ، فَلَوْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ مَعَهُمَا، وَأَمَّا " مَا " فَلَيْسَتْ لِلنَّفْيِ وَإِنَّمَا هِيَ كَافَّةٌ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ لَا يُنَافِي أَنْ يُقَارِنَهُ حُكْمٌ مَعْنَوِيٌّ، وَاسْتَدَلَّ السَّكَّاكِيُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ بِأَنَّ النَّافِيَةَ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ حَرْفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِلَا فَاصِلٍ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ النَّافِيَةَ لَجَازَ نَصْبُ قَائِمٍ فِي: إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ وَإِنْ زِيدَ يَعْمَلُ، وَلَكَانَ مَعْنَى إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ تَحَقُّقَ عَدَمِ قِيَامِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَا يَلِي النَّفْيَ مَنْفِيٌّ، وَالتَّوَالِي الْأَرْبَعَةُ بَاطِلَةٌ.
стр. 1046
وَانْتَصَرَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ لِلْإِمَامِ، وَقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ كَلِمَةَ " إنَّمَا " هَكَذَا لِلْحَصْرِ كَسَائِرِ الْكَلِمَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى، لَا أَنَّ لَفْظَةَ " إنَّ " وَلَفْظَةَ " مَا " رُكِّبَتَا وَبَقِيَتَا عَلَى أَصْلِهِمَا حَتَّى لَا يَرِدَ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضَاتُ، وَمَا ذَكَره الْإِمَامُ بَيَانُ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّقْلُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ فِي بَيَانِ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ قَوْلَك: " مَا " لِنَفْيِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ كَنَفْيِ غَيْرِ قِيَامِ زَيْدٍ فِي قَوْلِك: إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ قِيَامِ غَيْرِ زَيْدٍ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ كَوْنُ " مَا " هُنَا لِلنَّفْيِ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَشْتَمَّ رَائِحَةَ النَّحْوِ. قُلْت: قَدْ حَكَاهُ فِي الْمَحْصُولِ " عَنْ الْفَارِسِيِّ فِي الشِّيرَازِيَّاتِ " أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ النَّحْوِيِّينَ، قَالَ: وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ فِي الْمُغْنِي " لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْفَارِسِيُّ فِي الشِّيرَازِيَّاتِ " وَلَا قَالَهُ نَحْوِيٌّ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الشِّيرَازِيَّاتِ " أَنَّ الْعَرَبَ عَامَلُوا " إنَّمَا " مُعَامَلَةَ النَّفْيِ، وَإِلَّا فِي فَصْلِ الضَّمِيرِ. قُلْت: سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إشْرَابَهَا مَعْنَى النَّفْيِ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِيِّينَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " مَا نَصُّهُ: تَأَوَّلَ قَوْمٌ " إنَّمَا " عَلَى مَعْنَى مَا وَإِلَّا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
وَهَذَا قَوْلٌ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٣٣] أَيْ مَا حَرَّمَ إلَّا الْفَوَاحِشَ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَتَبَيَّنُ صِحَّتَهُ عِنْدَنَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] . انْتَهَى.
стр. 1047
وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْحَصْرِ لَكِنَّهُ مَجَازِيٌّ.
الثَّالِثَةُ: " إنَّ " لِلتَّأْكِيدِ وَ " مَا " حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا مُجْتَمَعَيْنِ إلَّا الْحَصْرَ؛ لِأَنَّهُ تَأْكِيدٌ ثَانٍ، وَهَذَا حَكَاهُ السَّكَّاكِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَاسْتَلْطَفَهُ. وَحَكَاهُ ابْنُ بَابْشَاذَ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ " عَنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ عَنْ غَيْرِهِ لَيْسَ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِهِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ. وَيَرُدُّهُ اجْتِمَاعُ " إنَّ " وَ " مَا " النَّافِيَتَيْنِ وَلَا يُفِيدُ إلَّا النَّفْيَ، وَكَذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْمُؤَكِّدَانِ وَلَا يُفِيدُ إلَّا التَّأْكِيدَ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّفْيَ قَدْ يُنْفَى وَأَيْضًا فَإِنَّك تَقُولُ: قَامَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وَلَيْسَ بِحَصْرٍ وَنَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَيَقُومَنَّ فَقَدْ حَصَلَ التَّأْكِيدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاقْتِضَائِهِ الْحَصْرَ.
قَالَ الْقَاضِي الْعَضُدُ: وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبَعِيُّ مِنْ بَابِ إيهَامِ الْعَكْسِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْقَصْرَ تَأْكِيدٌ عَلَى تَأْكِيدٍ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ تَأْكِيدًا عَلَى تَأْكِيدٍ كَانَ حَصْرًا، وَأَيْضًا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ كَوْنِهِ لِلْحَصْرِ بِمَا وَقَعَ فِي جَوَابِ الرَّدِّ لَكِنَّهُ لِلْحَصْرِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ. الرَّابِعَةُ: لِلْإِمَامِ فِي الْمَعَالِمِ " وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ فَهِمُوا ذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الْحَصْرَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» وَخَالَفَهُ الصَّحَابَةُ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي فَهْمِهِ الْحَصْرَ، فَكَانَ إجْمَاعًا. انْتَهَى، وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ نَظَرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» فَلَعَلَّهُ فَهِمَ الْحَصْرَ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ لَا مِنْ إنَّمَا وَلَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ
стр. 1048
أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمَتْهُ مِنْ قَوْلِهِ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» لَكَانَ أَقْرَبَ.
ثَانِيهمَا: أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَوْجُهِ الِاعْتِرَاضِ بَلْ قَدْ يَكْتَفِي بِأَحَدِهَا إذَا كَانَ قَوِيًّا ظَاهِرًا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِنَادِهِمْ إلَى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ كَوْنِهَا لِلْحَصْرِ. الْخَامِسَةُ: اخْتِيَارُ السَّكَّاكِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُهَا: أَنَّا وَجَدْنَا الْعَرَبَ عَامَلَتْهَا فِي الْكَلَامِ مُعَامَلَةَ إلَّا الْمَسْبُوقَةِ بِالنَّفْيِ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: قُمْت وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، وَلَا يَقُولُونَ: قَامَ أَنَا، وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، فَإِذَا أَدْخَلُوهَا قَالُوا: إنَّمَا قَامَ أَنَا وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ، كَمَا يَقُولُونَ: مَا قَامَ إلَّا أَنَا، فَأَجْرَوْا الضَّمِيرَ مَعَ إنَّمَا مَجْرَى الْمُضْمَرِ مَعَ إلَّا وَتِلْكَ تُفِيدُ الْحَصْرَ كَقَوْلِهِ: مَا قَطَرَ الْفَارِسَ إلَّا أَنَا. الثَّالِثُ: الْقَائِلُونَ بِالْحَصْرِ قَالَ مُحَقِّقُوهُمْ: هِيَ حَاصِرَةٌ أَبَدًا لَكِنْ يَخْتَلِفُ حَصْرُهَا فَقَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَقَدْ يَكُونُ مَجَازِيًّا عَلَى الْمُبَالَغَةِ، نَحْوُ إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١٠٥] وَقَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى التَّوَاضُعِ وَالْإِخْبَاتِ أَيْ: مَا أَنَا إلَّا عَبْدٌ مُتَوَاضِعٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تَارَةً يَكُونُ مُطْلَقًا، نَحْوُ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَتَارَةً يَكُونُ مَخْصُوصًا بِقَرِينَةٍ، نَحْوُ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]
стр. 1049
فَإِنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي النِّذَارَةِ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] وَلَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ وَإِنَّمَا الْحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ، فَقَوْلُهُ: إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الْكُفَّارِ لِنَفْيِ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى إنْزَالِ مَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ [محمد: ٣٦] أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ آثَرَهَا وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهَا لِلْآخِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": كَلِمَةُ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ، وَالْحَصْرُ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِيمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ وَلَا تَقْيِيدٌ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] .
وَالثَّانِي: أَنْ يَقَعَ فِيمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ إمَّا فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ أَوْ فِي جَانِبِ النَّفْيِ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ، وَالْقَرَائِنُ تَرْشُدُ إلَى الْمُرَادِ، وَهُوَ فِي الْعُمَدِ الْكُبْرَى فِي فَهْمِهِ، نَحْوُ ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]
стр. 1050
﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فَإِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا " إنَّمَا " لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ بَلْ تَخْتَصُّ كَوْنَهَا لَعِبًا وَلَهْوًا بِمَنْ لَا يُرِيدُ بِعَمَلِهِ فِيهَا الْآخِرَةَ وَالتَّزَوُّدَ بِهَا، وَالرَّسُولُ ﷺ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَالنِّذَارَةِ بَلْ لَهُ أَوْصَافٌ أُخْرَى جَلِيلَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ وَالنِّذَارَةِ، لَكِنْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى صِفَةٍ تَقْتَضِي الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ، أَوْ أَنَّهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ» ، وَفِي ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُفْهَمُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى خَلْقِ الْإِيمَانِ قَهْرًا لِسَبْقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أَيْ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَقْدِرُ عَلَى إجْبَارِكُمْ عَلَى الْإِيمَانِ. وَكَذَلِكَ أَمْرُ النِّذَارَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِيهَا ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] إذَا عَرَفَتْ هَذَا فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ وَالسِّيَاقُ عَلَى التَّخْصِيصِ فَاحْمِلْهُ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ " إنَّمَا " عَلَى هَذَا حَمَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ (إنَّمَا الرِّبَا) عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى نَفَى رِبَا الْفَضْلِ، وَقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ، وَحَمَلَ غَيْرُهُ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَمَنْ خَالَفَ فِي الْأَمْرَيْنِ فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.
الرَّابِعُ: زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْأَخِيرَ هُوَ الْمَحْصُورُ، فَإِذَا قُلْت: إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، فَالْقَائِمُ هُوَ الْمَحْصُورُ، وَإِذَا قُلْت: إنَّمَا الْمَالُ لَك، فَالْمَحْصُورُ أَنْتَ أَيْ: لَا غَيْرُك، وَإِذَا قُلْت: إنَّمَا لَك الْمَالُ، فَالْمَحْصُورُ الْمَالُ أَيْ: لَا غَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ؛ إذْ الْمَحْصُورُ النِّيَّةُ لَا الْعَمَلُ، وَلَكِنْ إجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ. وَأَجْمَعَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ الْحَصْرُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعَ " إنَّمَا " يَجِبُ تَأْخِيرُهُ وَتَقْدِيمُ الْآخَرِ، فَتَقُولُ: إنَّمَا ضَرَبَ عَمْرٌو هِنْدًا إذَا أَرَدْت الْحَصْرَ فِي الْمَفْعُولِ، وَإِنَّمَا ضَرَبَ هِنْدًا عَمْرٌو إذَا أَرَدْت الْحَصْرَ فِي الْفَاعِلِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا كَانَ مَعَ " مَا " وَ " إلَّا " عَلَى ثَلَاثَةٍ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْجُزُولِيُّ وَالشَّلُوبِينَ إلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي " إنَّمَا " إنْ أُرِيدَ
стр. 1051
الْحَصْرُ فِيهِ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ كَ " إلَّا " وَتَقْدِيمُ غَيْرِ الْمَحْصُورِ. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مَا جَازَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ " مَا " وَإِلَّا. وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ وَالْفَرَّاءُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ الْمَقْرُونَ بِإِلَّا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ هُوَ الْمَقْرُونَ بِإِلَّا لَمْ يَجِبْ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَتَأْخِيرُهُ. وَحَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ النَّحَّاسِ فِي التَّعْلِيقَةِ ".
[مِنْ أَدَوَات الْمَعَانِي أَنَّمَا]
الْخَامِسُ: ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ " أَنَّ " أَنَّمَا " الْمَفْتُوحَةَ لِلْحَصْرِ. قَالَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] وَبِهِ صَرَّحَ التَّنُوخِيُّ فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ " وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَيَّانَ، وَقَالَ: إنَّمَا يُعْرَفُ فِي الْمَكْسُورَةِ لَا الْمَفْتُوحَةِ. وَاعْتِرَاضُهُ مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَكْسُورَةَ هِيَ الْأَصْلُ، وَأَنَّ الْمَفْتُوحَةَ فَرْعُهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَكْسُورَةِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهَا الْفَتْحُ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُفْرَدِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي بَقَاءَ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَثَانِيهمَا: أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَنَاهُ عَلَى رَأْيِهِ فِي إنْكَارِ الصِّفَاتِ. نَعَمْ رَأَيْت فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ " إنَّمَا " وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ " أَنَّ " يَقَعَ " أَنَّمَا " وَمَا بَعْدَهَا صِلَتُهَا كَمَا فِي " الَّذِي " وَلَا تَكُونُ هِيَ عَامِلَةً فِيمَا بَعْدَهَا كَمَا لَا يَكُونُ " الَّذِي " عَامِلًا
стр. 1052
فِيمَا بَعْدُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] فَإِنَّمَا وَقَعَتْ " أَنَّمَا " هَاهُنَا؛ لِأَنَّك لَوْ قُلْت: أَنَّ إلَهَكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ كَانَ حَسَنًا. انْتَهَى.
[قَوَاعِدُ نَافِعَةٌ الْأُولَى حُرُوفُ الْجَرِّ]
الْأُولَى: حُرُوفُ الْجَرِّ يُسَمِّيهَا الْكُوفِيُّونَ الصِّفَاتِ لِنِيَابَتِهَا عَنْ الصِّفَاتِ وَيُجَوِّزُونَ دُخُولَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. أَيْ: أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ بِمَعْنَى حَرْفِ كَذَا. وَمَنَعَ الْبَصْرِيُّونَ ذَلِكَ وَعَدَلُوا عَنْهُ إلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ إبْقَاءً لِلَفْظِ الْحَرْفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا التَّجَوُّزَ فِي الْفِعْلِ أَخَفَّ مِنْ التَّجَوُّزِ فِي الْحَرْفِ. وَالْكُوفِيُّونَ عَكَسُوا ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ السَّيِّدِ: فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ سِرْت إلَى زَيْدٍ. يُرِيدُ مَعَ زَيْدٍ، وَمَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَسَّفَ فِي التَّأْوِيلِ الْكَثِيرِ. فَالْحَقُّ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْقِيَاسِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى التَّضْمِينِ هُوَ تَضْمِينُ الْحَرْفِ مَعْنًى آخَرَ لِيُفِيدَ الْمَعْنَيَيْنِ كَقَوْلِهِ:
إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
قِيلَ: إنَّمَا عُدِّيَ رَضِيَ بِعَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَقْبَلَتْ: وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمَانِعُونَ إنَّمَا يَمْنَعُونَ الِاسْتِعْمَالَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، أَوْ حَقِيقَةً فَقَطْ، وَالْمُجَوِّزُونَ إمَّا أَنْ يَدَّعُوا فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةَ فِيهِ أَوْ يَقُولُوا بِالْمَجَازِ فِيهِ. فَإِنْ ادَّعَى الْمَانِعُونَ الْعُمُومَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا رَدُّوا
стр. 1053
عَلَى الْمُجِيزِينَ جَعَلُوا مَدْلُولَ اللَّفْظِ حَقِيقَةً مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، ثُمَّ رَدُّوا الِاسْتِعْمَالَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُجَوِّزُونَ بِالتَّأْوِيلِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ يُقَرِّبُ الْمَجَازَ، فَعَلَى هَذَا يُؤَوَّلُ تَصَرُّفُ الْبَصْرِيِّينَ إلَى الْمَجَازِ أَيْضًا وَيَرْجِعُ الْخِلَافُ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَا فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الْجَوَازِ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ الِاسْتِعْمَالَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي يُورِدُونَهَا حَقِيقَةً. وَالْبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: مَجَازٌ، فَالْمَجَازُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ، وَالِاشْتِرَاكُ لَازِمٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى حَقِيقَةً، وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَهُ فِي مَعَانِي حَقِيقَةً، فَيَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَطْعًا. قَالَ: وَلَسْت أَذْكُرُ التَّصْرِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُجَوِّزِينَ فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ قَوْلُهُمْ: وَيَكُونُ كَذَا بِمَعْنَى كَذَا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ.
[الثَّانِيَةُ الْمَقْصُودُ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ]
ِ إنَّمَا هُوَ النُّطْقُ بِالصَّوَابِ، وَذَلِكَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي اللَّفْظِ لَيْسَ هُوَ بِالْمَقْصُودِ فِيهَا، فَمَتَى احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِشَيْءٍ مَسْمُوعٍ مِنْ الْعَرَبِ لِمَذْهَبِهِ، فَذُكِرَ فِيهِ تَأْوِيلٌ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ مِمَّا يَطَّرِدُ فِي جُمْلَةِ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلِاخْتِلَافِ فَائِدَةٌ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَائِزُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، إمَّا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ كَمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ مُطَّرِدٍ فِي الْمَوَارِدِ كَمَا ذَكَرَ الْمُجِيبُ، فَلَا يَظْهَرُ لِلِاخْتِلَافِ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ اللَّفْظِيِّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ. مِثَالُهُ: إذَا قُلْنَا: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالْآخَرِ شِفَاءً» فَأَوَّلَهُ
стр. 1054
مُؤَوِّلٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَأَوَّلَ قَوْلَنَا: " مَا كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةً، وَلَا كُلُّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ". بِحَذْفِ الْمُضَافِ، فَاللَّفْظُ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الصَّوَابِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ وَقَعَ فِي وَجْهِ جَوَازِهِ. فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِلْغَاءِ عَمَلِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ وَهُوَ جَائِزٌ. فَالِاتِّفَاقُ وَقَعَ عَلَى الْجَوَازِ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّتِهِ، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً لَفْظِيَّةً اللَّهُمَّ إلَّا إذَا بُيِّنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَائِدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ صَحِيحًا بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ الْمُحَقَّقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، فَانْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ مَبَاحِثِ النَّحْوِيِّينَ.
[الثَّالِثَةُ الْأَفْعَالُ بِاعْتِبَارِ تَعْلِيقِهَا بِمَفْعُولَاتِهَا عَلَى الِاسْتِيعَابِ وَعَدَمِهِ]
ِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُسْتَوْعَبُ لَيْسَ إلَّا، نَحْوَ اشْتَرَيْت الدَّارَ، وَأَكَلْت الرَّغِيفَ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا مَجَازًا. قَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ فِي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ ": وَمِنْ ثَمَّ أَشْكَلَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ فِي تَحْنِيثِ الْحَالِفِ بِبَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إلْزَامٌ لَهُ بِمُقْتَضَى خِلَافِ حَقِيقَةِ لَفْظِهِ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَدْته فَاحْمِلُوا لَفْظِي عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ عَسَى أَنَّ مُكَلَّفًا قَدَّرَ الْجُمْلَةَ فِي الْمَعْنَى بِالْأَجْزَاءِ فَكَانَ مَعْنَى لَفْظِهِ عِنْدَهُ لَا أَكَلْت جُزْءًا مِنْ الرَّغِيفِ. وَأُخِذَ ذَلِكَ فِي أَجْوِبَةِ الدَّعَاوَى فِيمَا إذَا قَالَ: لَا تُسْتَحَقُّ عَلَيَّ الْعَشَرَةُ، فَإِنَّ مَحْمَلَ النَّفْيِ عَلَى الْأَجْزَاءِ أَيْ: وَلَا شَيْءَ مِنْهَا، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ فِي أَجْوِبَةِ الدَّعَاوَى، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا
стр. 1055
مَعَ قَرِينَةِ كَوْنِ الْحَالِفِ فِي مِثْلِهِ يُرِيدُ الِاجْتِنَابَ وَمُبَاعَدَةَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَمَتَى أُكِلَ الرَّغِيفُ إلَّا لُقْمَةً فَإِنَّهُ مَقْصُودُ الِاجْتِنَابِ.
الثَّانِي: مُقَابِلُ الْأَوَّلِ لَا يَقْتَضِي الْفِعْلَ فِي الِاسْتِيعَابِ، كَقَوْلِك: شَجَّ زَيْدٌ عَمْرًا، فَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا جُرْحَهُ فِي رَأْسِهِ خَاصَّةً بَعْضَ الْوَجْهِ وَلَا تَكُونُ الشَّجَّةُ إلَّا كَذَلِكَ، وَمِنْهُ ضَرَبْت زَيْدًا. الثَّالِثُ: كَالثَّانِي إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ هُوَ الْمَانِعُ لِلِاسْتِيعَابِ، كَقَوْلِك: جَعَلْت الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَقَفْته عَلَى جُمْلَةِ الْإِبْرَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] . الرَّابِعُ: يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ فِيهِ وَعَدَمِهِ، وَمِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِعْلُ الْمَسْحِ إنْ اقْتَرَنَ بِالْبَاءِ كَانَ لِلتَّبْعِيضِ، وَإِلَّا لِلِاسْتِيعَابِ، وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُ أَبُو عَلِيٍّ فِي السَّيْرِ وَالْيَوْمِ لَوْ قُلْت: سِرْت الْيَوْمَ فَظَاهِرُهُ الِاسْتِيعَابُ، وَإِنْ قُلْت: سِرْت فِي الْيَوْمِ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الِاسْتِيعَابِ، وَتَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ بِدُخُولِ " فِي " وَتَغْلِبُ الِاسْمِيَّةُ بِسُقُوطِهَا، وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْلَى حِينَ تَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ النَّصْبَ.
تَقُولُ: سِرْت الْيَوْمَ فِيهِ، وَحِينَ تَغْلِبُ الِاسْمِيَّةُ الرَّفْعَ تَقُولُ: الْيَوْمَ سِرْته، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي يَوْمِ السَّبْتِ يَقَعُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَوْ نَوَى وُقُوعَهُ فِي آخِرِهِ يُدَيَّنُ، وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا عِنْدَنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَجَعَلَ السُّرُوجِيُّ مَأْخَذَهُمَا أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْجَرِّ وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ فِي الْحَالَيْنِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: صُمْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءٌ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَذْفَ لِلْحَرْفِ قَدْ يُحْدِثُ مَعْنًى لَا يَكُونُ مَعَ إثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ " فِي " قَدْ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فِي الظَّرْفِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ، وَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْلِهِمْ: سِرْت فَرْسَخًا وَسِرْت فِي فَرْسَخٍ: إنَّ الظَّاهِرَ فِي الْأَوَّلِ الِاسْتِغْرَاقُ فِي السَّيْرِ وَفِي الْآخَرِ عَدَمُهُ، وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ حَتَّى يَخْرُجَ صُمْت فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ صَوْمَ بَعْضِ
следующие страницы →