Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
قِيلَ: نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، وَقِيلَ: عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ. حَكَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ ". وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقَعُ فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النَّفْسَانِيُّ، وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لَهُ فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ لَا لَفْظًا وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَصَاحِبُ الْوَاضِحِ " وَالْمُعْتَمَدِ " وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي اعْتِبَارِ إرَادَةِ النَّاهِي، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. لَكِنْ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " عَنْهُمْ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اللِّسَانِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَفَطَّنْ لَهُ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا فِي تَعْلِيقِهِ ": إنَّ هَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَفْسُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا صِيغَةَ لَهُ، وَاتِّصَافُهُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا بِمَثَابَةِ اتِّصَافِ الْكَوْنِ الْوَاحِدِ بِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ شَيْءٍ، بَعِيدًا مِنْ شَيْءٍ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْقَاضِي، وَأَطْنَبَ فِي نُصْرَتِهِ فِي التَّقْرِيبِ " وَنَقَلَهُ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَقِّ النَّافِينَ لِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْكَعْبِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي
стр. 1157
الْأَوْسَطِ " عَنْ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً، وَقَالَ صَاحِبُ اللُّبَابِ ": هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَهُوَ أَشْبَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ": هُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا صِيَغَهُ لَهُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ هُوَ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ إحْدَى الصِّيغَتَيْنِ لَا تَكُونُ عَيْنَ الْأُخْرَى قَطْعًا فَلْيُؤَوَّلْ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ. انْتَهَى. وَهُوَ عَجَبٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا صِيَغَهُ لَهُ كَمَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: بَنَى الْأَشْعَرِيُّ هَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لَا صِيَغَهُ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ، وَكَذَلِكَ لِلنَّهْيِ، فَالْأَمْرُ عِنْدَهُمْ هُوَ نَفْسُ النَّهْيِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: لَمْ يُرِدْ الْقَائِلُ أَنَّ صِيغَةَ " تَحَرَّكْ " مَثَلًا غَيْرُ صِيغَةِ " لَا تَسْكُنْ " فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ بَلْ يَعْنِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِ تَحَرَّكْ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِ لَا تَسْكُنْ، وَقَالُوا: إنَّ كَوْنَهُ أَمْرًا وَنَهْيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفِعْلِ وَضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ لِكَوْنِ الْحَرَكَةِ قُرْبًا وَبُعْدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَتَيْنِ، وَقَدْ وَجَّهَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَهُ مُتَعَلِّقَانِ مُتَلَازِمَانِ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ وَالْإِيقَاعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْفِعْلِ وَالِاجْتِنَابُ، وَتَرْكُ الْفِعْلِ فِعْلٌ آخَرُ، وَهُوَ ضِدُّ الْمَتْرُوكِ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّبْصِرَةِ " وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ " وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ
стр. 1158
مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، فَقَالَ: إنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَكَذَا اقَالَ الْبَزْدَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْمَازِرِيُّ: إنَّ الْقَاضِيَ مَالَ إلَيْهِ فِي آخِرِ مُصَنَّفَاتِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ ": وَقَصَدَ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فَلِهَذَا قَالُوا: إنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ثُمَّ رَدَّ الْإِمَامُ عَلَى مَنْ قَالَ: هُوَ عَيْنُهُ بِأَنَّهُ جَحْدٌ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ " بِ افْعَلْ " مُغَايِرٌ لِلْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِ " لَا تَفْعَلْ " قِيلَ: وَهَذَا مِنْهُ غَلَطٌ أَوْ مُغَالَطَةٌ؛ إذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي " افْعَلْ " وَ " لَا تَفْعَلْ " بَلْ فِي " افْعَلْ " وَ " لَا تَتْرُك " وَلَيْسَ بُطْلَانُ اتِّحَادِ مَدْلُولِهِمَا ضَرُورِيًّا، وَأُبْطِلَ مَذْهَبُ التَّضَمُّنِ بِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ لَا يَخْطِرُ لَهُ الضِّدُّ، وَلَوْ خَطَرَ لَهُ فَلَا قَصْدَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إلَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ يَرَى اسْتِلْزَامَ الْوُجُوبِ الْوَعِيدَ عَلَى التَّرْكِ فَكَيْفَ لَا يَخْطِرُ لَهُ الضِّدُّ مِنْ التَّرْكِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَعَّدًا عَلَيْهِ؟ ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَغْفُلُ عَنْ الضِّدِّ، وَأَمَّا اللَّهُ - تَعَالَى - فَكَلَامُهُ وَاحِدٌ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذُهُولٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا: مُعَيَّنٌ عَنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِهِمَا لَيْسَ نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ.
وَالْمَسْأَلَةُ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ". وَاحْتَرَزْنَا بِالْوُجُودِيِّ عَنْ التَّرْكِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهِ بِطَرِيقِ
стр. 1159
التَّضَمُّنِ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ الْوُجُودِيِّ؟ الْمَقَامُ الثَّانِي بِالنَّسَبِ إلَى الْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ لِلْأَمْرِ صِيغَةً، وَفِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الضِّدِّ، وَهُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَإِنَّمَا ذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ لِإِنْكَارِهِمْ كَلَامَ النَّفْسِ، وَالْكَلَامُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ إلَّا الْعِبَارَاتُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، لِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ قَطْعًا، فَقَالُوا: إنَّهُ يَقْتَضِيهِ وَيَتَضَمَّنُهُ، وَلَيْسَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ إشْعَارًا لُغَوِيًّا أَوْ أَمْرًا لَفْظِيًّا فَقَطْ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْأَمْرُ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ: " افْعَلْ " مَعَ إرَادَاتٍ، وَمُرِيدُ الشَّيْءِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ كَارِهًا لِضِدِّهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ.
وَفَرَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَقَوْلِ الْقَاضِي آخِرًا بِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: صِيَغُهُ الْأَمْرِ تَقْتَضِي النَّهْيَ، وَذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ رَاجِعٌ إلَى فَهْمِ مَعْنًى مِنْ لَفْظِ مَنْ يُشْعِرُ بِهِ، وَالْقَاضِي يَقُولُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَمَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ لَا إشْعَارَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: إذَا قَامَ بِالنَّفْسِ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ فَمِنْ ضَرُورَاتِهِ أَنْ يَقُومَ بِالنَّفْسِ مَعَهُ قَوْلٌ آخَرُ هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا يَقْتَضِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالْمَحَلِّ قِيَامَ الْحَيَاةِ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَصْلًا. وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ " فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ هُنَا أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ هُوَ، فَإِنْ صِيغَةِ " تَحَرَّكْ " غَيْرُ صِيغَةِ " لَا تَسْكُنْ " قَطْعًا.
стр. 1160
وَلِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ أَمْرَ الْإِيجَابِ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ وَمُقَبِّحًا لَهَا، لِكَوْنِهَا مَانِعَةً مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبِ الْمَنْدُوبِ فَإِنَّ أَضْدَادَهُ مُبَاحَةٌ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، وَلَا تَنْزِيهَ غَالِبًا، وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنْ يُقَالَ: إنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ فَالْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ، وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْفِعْلِ وَبِضِدِّهِ فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ مُنِعَ فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ. وَاخْتَارَهُ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ، لَا أَنَّهُ وَضِدَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ مَعَ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لَوْ قِيلَ: بِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ " لَيْسَ الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً لِبُطْلَانِهِ، وَلَا فِي أَنَّ صِيغَةَ " لَا تَفْعَلْ " مَوْجُودَةٌ فِي الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْحِسَّ يَدْفَعُهُ، بَلْ فِي أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فِي الْمَعْنَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ وَتَنْزِيلِ خِلَافِ كُلِّ قَوْمٍ عَلَى حَالَةٍ أَنَّ الشَّيْخَ وَالْقَاضِيَ لَمْ يَتَكَلَّمَا إلَّا فِي النَّفْسِيِّ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمَا: إنَّ اتِّصَافَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ " اخْتَارَ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَهُ فِي اللِّسَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالصِّيغَةِ، وَخِلَافُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ النَّفْسِيَّ، وَلَا أَمْرَ عِنْدَهُمْ إلَّا بِالْعِبَارَةِ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَدْ اُسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكَلَامُ فِي
стр. 1161
النَّفْسَانِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَاَللَّهُ - تَعَالَى - بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَكَلَامُهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ مُتَعَدِّدٌ بِالْمُتَعَلِّقَاتِ، وَحِينَئِذٍ فَأَمْرُ اللَّهِ عَيْنُ نَهْيِهِ، فَكَيْفَ يُتَّجَهُ فِيهِ خِلَافٌ؟ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَخْلُوقِ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فَكَيْفَ يُقَالُ: هُوَ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ مَعَ احْتِمَالِ ذُهُولِهِ عَنْ الضِّدِّ مُطْلَقًا؟ وَهَذَا هُوَ عُمْدَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا سَبَقَ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِمُتَلَازِمَيْنِ كَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَفَوْقَ وَتَحْتَ، فَإِنَّ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عِلْمَ الْفَوْقِ وَجَهْلَ التَّحْتِ وَعَكْسَهُ، وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالنَّفْسِيِّ بِاقْتِضَاءِ فِعْلٍ، وَلَا يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَضَمُّنِهِ النَّهْيَ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْنُونَ بِالِاقْتِضَاءِ مَا يُرِيدُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَمْرَ النَّفْسِيَّ مُقَارَنَةُ نَهْيٍ نَفْسِيٍّ أَيْضًا يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْحَيَاةِ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ إذَا وُجِدَ اقْتَضَى وُجُودَ الْحَيَاةِ. وَمِمَّنْ جَزَمَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ لَا النَّفْسَانِيِّ الْقَرَافِيُّ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ فِي التَّنْقِيحِ "، فَقَالَ: لَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْخِلَافُ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّ مُثْبِتِي كَلَامِ النَّفْسِ مُطْبِقُونَ عَلَى اتِّحَادِ كَلَامِ اللَّهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ وَاسْتِفْهَامٍ إلَى جَمِيعِ الْأَقْسَامِ الْوَاقِعَةِ فِي الْكَلَامِ، فَهُوَ - تَعَالَى - آمِرٌ بِعَيْنِ مَا هُوَ نَاهٍ عَنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: " تَحَرَّكْ " غَيْرُ قَوْلِهِ: " لَا تَسْكُنْ " وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي قَوْلِهِ: " افْعَلْ " إنَّمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ - عَلَى خِلَافٍ فِيهِ - طَلَبَ الْفِعْلِ فَهُوَ طَالِبٌ تَرْكَ ضِدِّهِ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذَا النِّزَاعُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى اتِّحَادَهُ، بَلْ فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ وَفِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى تَعَدُّدَهُ.
стр. 1162
وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مُثْبِتِي كَلَامِ النَّفْسِ أَمَّا مَنْ نَفَاهُ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: الْأَمْرُ عَيْنُ النَّهْيِ فَإِنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " غَيْرُ صِيغَةِ " لَا تَفْعَلْ " لَكِنَّهُمْ قَالُوا: يَقْتَضِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى قَالَ: وَصَارَ إلَى هَذَا ضَعَفَةُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ كَلَامُ النَّفْسِ.
ثُمَّ قَالَ: الْخِلَافُ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِ، أَمَّا كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ قَدِيمٌ، وَهُوَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ يَكُونُ أَمْرًا بِكُلِّ مَأْمُورٍ، وَنَهْيًا عَنْ كُلِّ نَهْيٍ، خَبَرًا عَنْ كُلٍّ مُخْبَرٍ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ ارْتِكَابِ الْمُبَاحِ أَنْ يَتْرُكَ مَحْظُورَاتٍ، فَوَجْهُ النَّظَرِ إلَى مَقْصُودِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي وَالْمُبِيحِ لَا فِيمَا يَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ الْجِبِلَّةِ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْمَسْأَلَةِ.
[النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ إنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ]
[النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ إنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ] أَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ فَأَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْحَرَكَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالسُّكُونِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: نَفْسُ الْأَمْرِ بِضِدِّهِ كَمَا فِي جَانِبِ الْأَمْرِ قَالَهُ الْقَاضِي، ثُمَّ مَالَ آخِرًا إلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ، وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ لَا النَّهْيِ، فَلَا يَجْرِي الْخِلَافُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ": الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي التَّقْرِيبِ " فَقَالُوا: إنْ كَالَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ الضِّدِّ أَيْ: تَضَمُّنًا، كَمَا قَالَهُ
стр. 1163
سُلَيْمُ كَالصَّوْمِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَكَقَوْلِهِ: لَا تَكْفُرْ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالْإِيمَانِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ كَثِيرَةٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِضِدٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَّا بِهِ، فَأَمَّا إثْبَاتُ الْأَمْرِ بِسَائِرِ الْأَضْدَادِ فَلَا مَعْنَى لَهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً. وَقَالَ صَاحِبُ اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: النَّهْيُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِضِدِّهِ إنْ كَانَ ذَا ضِدٍّ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ: لَا يَقْتَضِي أَمْرًا بِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْتَضِي أَمْرًا بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا. انْتَهَى.
وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلًا ثَالِثًا: أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا، وَشَنَّعَ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذِي أَضْدَادٍ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، فَقَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ فَقَدْ اقْتَحَمَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَبَاحَ بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْيِ الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ قَالَ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ الْأَضْدَادِ، وَيَتَضَمَّنُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ تَفَطَّنَ لِغَائِلَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ نَاقَضَ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ دُونَ الِانْكِفَافِ عَنْ أَضْدَادِهِ فَيَسْتَحِيلُ الِانْكِفَافُ عَنْ الْمَنْهِيِّ [عَنْهُ] دُونَ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ أَنَّ هَاهُنَا شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أَمْ لَا؟ الثَّانِي: الْمَأْمُورُ بِشَيْءٍ مَنْهِيٌّ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، وَأَنَّ الْآمِرَ بِهِ نَاهٍ عَنْ جَمِيعِ الْأَضْدَادِ.
стр. 1164
فَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: أَنَا لَا أَشُكُّ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: إنْ مَنَعَ ذَلِكَ مَانِعٌ قِيلَ لَهُ: هَذَا خَرْقُ مَا عَلَيْهِ الْكَافَّةُ مَعَ أَنَّا نُلْجِئُهُ إلَى مَا قِيلَ لَهُ بِهِ، فَنَقُولُ: إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ عَلَى الْجَزْمِ بِشَيْءٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْفَوْرِ وَانْتَفَى عَنْهُ سِمَةُ التَّخْيِيرِ، فَتَحْرِيمُ ضِدِّ الِامْتِثَالِ لَا شَكَّ فِيهِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَحْرُمْ فَمَا مَعْنَى وُجُوبِ الِامْتِثَالِ؟ انْتَهَى. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مَعَ تَجْوِيزِ عَدَمِ خُطُورِهِ بِالْبَالِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْخُطُورِ فَلَيْسَ الضِّدُّ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ دَعَا إلَيْهِ تَحَقُّقُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ضَرُورِيٍّ لِلشَّيْءِ يُقَالُ لَهُ: إنَّهُ مَدْلُولُهُ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ. قَالَ: وَهَذَا التَّحْقِيقُ تَحْرِيرٌ فِي أَنَّ الْآمِرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَاهِيًا عَنْ أَضْدَادِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْقِيَامِ طَالِبٌ لَهُ، وَقَدْ يَخْطِرُ لَهُ ضِدُّهُ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ؟ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَيْنَ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَلْ يُوجِبُ حُكْمًا فِي ضِدِّ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ؟ فَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي ضِدِّهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يُوجِبُ حُرْمَةَ ضِدِّهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ ضِدِّهِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الضِّدِّ، قَالَ: إذَا أَدَّى الِاشْتِغَالُ بِهِ إلَى فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرُمَ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرَامٌ، فَلَمَّا نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ لُبْسَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ.
стр. 1165
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَطْلَقُوا الْأَمْرَ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَجَعَلَهَا نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا، وَنُقِلَ تَخْصِيصُهُ بِالْوَاجِبِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " عَنْ الشَّيْخِ، فَقَالَ: ذَهَبَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، وَأَضْدَادُهُ إنْ كَانَ ذَا أَضْدَادٍ. وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ - يَعْنِي الشَّيْخَ - شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لَا نَدْبًا. قَالَ: وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: إنَّ النَّدْبَ حَسَنٌ وَلَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ الْوُجُوبِ فِي الْأَمْرِ؛ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ. قَالَ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ وُجُوبِهِ مُضَيِّقًا، مُسْتَحِقَّ الْعَيْنِ لِأَجْلِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسِّعَ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ ضِدِّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَضِدُّ الْبَدَلِ مِنْهُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ لَا مَا إذَا كَانَ أَمْرٌ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّخْيِيرِ. انْتَهَى. وَهَذَا الشَّرْطُ الثَّانِي قَدْ سَبَقَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: إذَا كَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُضَيِّقٌ مُعَيَّنٌ لَا بَدَلَ لَهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ أَيْضًا، فَقَالَ: هَذَا فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ عَلَى التَّنْصِيصِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ عَلَى التَّخْيِيرِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ.
стр. 1166
وَذَكَرَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ ضِدِّهِ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُضَيَّقَ الْوُجُوبِ بِلَا بَدَلٍ وَلَا تَخْيِيرٍ، كَالصَّوْمِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، كَالْكَفَّارَاتِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا وَاجِبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْ تَرْكِهَا، لِجَوَازِ رَدِّهَا إلَى غَيْرِهَا، كَمَا فِي الْأَمْرِ. وَقَدْ احْتَرَزَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا فَقَالَ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَبَدَلِهِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ إنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّخْيِيرِ. انْتَهَى. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ " أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ يُوجِبُ تَحْصِيلَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ ضِدِّهِ عَقِبَ الْأَمْرِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ عَقِبَ الْأَمْرِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ إذَا اقْتَضَى التَّحْصِيلَ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَاسْتُشْكِلَ وَجْهُهُ الْمُوَسَّعُ إنْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَأَيْنَ الْأَمْرُ حَتَّى يُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ؟ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْلَاءُ الْوَقْتِ عَنْهُ فَضِدُّهُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِ، تَفْوِيتُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ صَدَقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ انْقَدَحَ كَوْنُهُ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُخَيَّرِ. الثَّانِي: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الضِّدِّ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ الْوُجُودِيُّ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ نَقِيضِ الشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ نَفْسِ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ ضِدٌّ أَمْ لَا؟ هَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ أَمَّا النَّقِيضُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ نَقِيضِهِ، فَإِنَّ الْحَرَكَةَ نَقِيضُ اللَّا حَرَكَةَ فَاللَّا حَرَكَةَ نَقِيضٌ، وَلَيْسَ بِضِدٍّ بَلْ ضِدُّ الْحَرَكَةِ هُوَ
стр. 1167
السُّكُونُ وَهَذَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ إلَّا أَنَّهُ لَازِمٌ مُسَاوٍ لِنَقِيضِ الْحَرَكَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ فَهَذَا بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عَنْ نَقِيضِهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ نَقِيضِهَا هُوَ سَلْبٌ لِسَلْبِهَا، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ الْحَرَكَةِ وَسَلْبُ سَلْبِ الْحَرَكَةِ هُوَ نَفْسُ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ سَلْبَ السَّلْبِ إثْبَاتٌ، وَطَلَبُ سَلْبِ الْحَرَكَةِ هُوَ طَلَبُ سَلْبِ نَفْسِ الْحَرَكَةِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ هُوَ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنْ نَقِيضِهَا، وَهُوَ سَلْبُ الْحَرَكَةِ. الثَّالِثُ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ " الضِّدَّ " بِالنَّهْيِ فَإِنْ قَصَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّ الضِّدَّ مِثْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ.
стр. 1168
[النَّهْيُ]
ُ هُوَ اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ فَالِاقْتِضَاءُ جِنْسٌ، وَ " كَفٍّ " مُخْرِجٌ لِلْأَمْرِ لِاقْتِضَائِهِ غَيْرَ الْكَفِّ. وَشَرَطَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ كَمَا شَرَطَهُ فِي الْأَمْرِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لَمْ يَذْكُرُوا الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي الْأَمْرِ فِي اشْتِرَاطِ الْعُلُوِّ أَوْ الِاسْتِعْلَاءِ هُنَا، وَيَلْزَمُهُمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. قُلْت: قَدْ أَجْرَاهَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّهْيِ كَرَاهَةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَمْرِ إرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ اعْتَبَرُوا إرَادَةَ التَّرْكِ كَمَا فِي الْأَمْرِ وَلِلنَّهْيِ صِيغَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ تَدُلُّ بِتَجْرِيدِهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا تَفْعَلْ، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْأَمْرِ. وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَمَنْ تَبِعَهُ: لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ وَإِذَا قُلْنَا لَهُ صِيغَةٌ فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: وَنُسِبَ لِلْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَغَيْرَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
стр. 1169
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ حَقِيقَةً لَا لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهَا يَقِينٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّحْرِيمِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا، وَعَزَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ لِقَوْمٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ حَقِيقَةً كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَجَعُوا فِي التَّحْرِيمِ إلَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ ": فِي بَابِ الْعِلَلِ فِي الْأَحَادِيثِ: وَمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ التَّحْرِيمِ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ " فِي كِتَابِ صِفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ: النَّهْيُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ كَانَ مَا نَهَى عَنْهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ أَنَّهُ بِمَعْنَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " أَيْضًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: قَطَعَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ: إنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَيَّنَ الْقَوْلَ فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ. فَنَقُولُ: إنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى يَرِدَ مَا يَصْرِفُهُ، وَلَهُ فِي الْأَمْرِ قَوْلَانِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَمْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْأَمْرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ صِيغَةُ " لَا تَفْعَلْ " فَأَمَّا لَفْظُ " ن هـ ى " فَإِنَّهُ لِلْقَوْلِ الطَّالِبِ لِلتَّرْكِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: صِيغَتُهُ عِنْدَنَا " لَا تَفْعَلْ " وَ " انْتَهِ " وَ " اُكْفُفْ " وَنَحْوُهُ.
стр. 1170
[مِنْ صِيَغ النَّهْي التَّحْرِيم]
وُرُودُ صِيغَةِ النَّهْيِ لِمَعَانٍ] وَتَرِدُ صِيَغُهُ النَّهْيِ لِمَعَانٍ: أَحَدُهَا: لِلتَّحْرِيمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] الثَّانِي: الْكَرَاهَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَمَثَّلَهُ الْهِنْدِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أَيْ عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: لِأَنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى إنْفَاقِ أَطْيَبِ أَمْوَالِهِمْ، لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ إنْفَاقُ الْخَبِيثِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الشَّعِيرِ مِنْ الْقُوتِ، وَإِنْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ مَا فَوْقَهُ، وَهَذَا إنَّمَا نَزَلَ فِي الْأَقْنَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ، الْحَشَفَ. قَالَ: فَالْمُرَادُ بِالْخَبِيثِ هُنَا الْأَرْدَأُ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْحَرَامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَدْ يُعَلَّلُ بِالتَّوَهُّمِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيٍّ فِي الْعَبْدِ: «إنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» فَنَبَّهَهُ عَلَى مَظِنَّةِ الشُّبْهَةِ احْتِيَاطًا.
الثَّالِثُ: الْأَدَبُ، كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
стр. 1171
الرَّابِعُ: التَّحْقِيرُ لِشَأْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: ١٣١] . الْخَامِسُ: التَّحْذِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . السَّادِسُ: بَيَانُ الْعَاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] . السَّابِعُ: الْيَأْسُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦] . الثَّامِنُ: لِلْإِرْشَادِ إلَى الْأَحْوَطِ بِالتَّرْكِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا» قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ: قَالَ الْأَئِمَّةُ: هَذَا إرْشَادٌ مَعْنَاهُ: لَا تُعْمِرُوا طَمَعًا فِي أَنْ يَعُودَ إلَيْكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْمِيرَاثِ. التَّاسِعُ: اتِّبَاعُ الْأَمْرِ مِنْ الْخَوْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١] . الْعَاشِرُ: الدُّعَاءُ، كَقَوْلِهِ: «لَا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا» . الْحَادِيَ عَشَرَ: الِالْتِمَاسُ، كَقَوْلِك لِنَظِيرِك: لَا تَفْعَلْ هَذَا. الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِك لِمَنْ لَا يَمْتَثِلُ أَمْرَك: لَا تَمْتَثِلْ أَمْرِي.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْإِبَاحَةُ وَذَلِكَ فِي النَّهْيِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فَإِنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّرْكِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: الْخَبَرُ، وَمَثَّلَهُ الصَّيْرَفِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] فَالنُّونُ فِي " تَنْفُذُونَ " جُعِلَ خَبَرًا لَا
стр. 1172
نَهْيًا يَدُلُّ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ قُدْرَتِهِمْ وَلَوْلَا النُّونُ لَكَانَ نَهْيًا، وَأَنَّ لَهُمْ قُدْرَةً كَفَّهُمْ عَنْهَا النَّهْيُ، وَعَكْسُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] أَيْ: لَا تَرْتَابُوا فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ الْمَوْتِ فِي وَقْتٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] لَفْظُهُ الْخَبَرُ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ: لَا تَنْكِحُوا. وَلَيْسَتْ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ اتِّفَاقًا بَلْ فِي الْبَعْضِ، وَهُوَ إمَّا تَحْرِيمٌ فَقَطْ، وَإِمَّا الْكَرَاهَةُ فَقَطْ، وَإِمَّا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَوْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ: وَالْأَوَّلُ مَعْنَوِيٌّ، وَالثَّانِي لَفْظِيٌّ، أَوْ لَا يُدْرَى حَالُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا، أَوْ الْوَقْفُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْقَوْلَ بِالْإِبَاحَةِ هُنَا، وَرَأَيْت مَنْ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ ": إنَّ مَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ حَمَلَ هَذَا عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ فِي تَرْكِ الْفِعْلِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ ": لَمْ أَقِفْ عَلَى الْخِلَافِ فِي حُكْمِ النَّهْيِ كَمَا فِي الْأَمْرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَقْوَالُهُمْ فِي النَّهْيِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْأَمْرِ، فَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ ثَمَّ يَقُولُ بِهِ هُنَا، وَمَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ ثَمَّ يَقُولُ بِالْإِبَاحَةِ هُنَا، وَهُوَ إبَاحَةُ الِانْتِهَاءِ، وَمَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ هُنَاكَ يُنْدِبُ الِانْتِهَاءَ هُنَا، وَمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ ثَمَّ يَقُولُ بِهِ هَاهُنَا. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ: إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا بِالنَّدْبِ فِي بَابِ الْأَمْرِ، وَفِي النَّهْيِ قَالُوا بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمَنْدُوبُ وَالْوَاجِبُ فِي
стр. 1173
اقْتِضَاءِ الْحُسْنِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ النَّهْيِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالِانْتِهَاءُ عَنْ الْقَبِيحِ وَاجِبٌ، فَأَمَّا إتْيَانُ الْحَسَنِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلِهَذَا فَرَّقُوا.
[يَجِيءُ النَّفْيُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ]
[يَجِيءُ النَّفْيُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ] وَقَدْ يَجِيءُ النَّفْيُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَيَخْتَلِفُ حَالُهُ بِحَسَبِ الْمَعَانِي: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا وَزَجْرًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠] وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ تَعْجِيزًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] . وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ تَنْزِيهًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ.
[مَسْأَلَةٌ مُفَارَقَةُ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ فِي الدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ]
ِ] النَّهْيُ يُفَارِقُ الْأَمْرَ فِي الدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ فَإِنَّ فِي اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ خِلَافًا مَشْهُورًا، وَهَا هُنَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالدَّوَامَ، وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَكَذَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ ". وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا؟ فَلَا يُتَصَوَّرُ مَجِيئُهُ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ عَنْ النَّهْيِ مِمَّا يَسْتَغْرِقُ الْعُمُرَ إنْ كَانَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا
стр. 1174
انْتِهَاءَ إلَّا بِعَدَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَا يَتِمُّ الِانْعِدَامُ مِنْ قِبَلِهِ إلَّا بِالثُّبُوتِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفِعْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُسْتَمِرَّ لَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ وُجُودُهُ بِحَدِّهِ ثُمَّ يُتَصَوَّرُ التَّكْرَارُ بَعْدَهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ لِلْأَزْمِنَةِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ كَالْأَمْرِ فِي اقْتِضَائِهِ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ، وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْأَمْرِ فِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ ": النَّهْيُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَسَمِعْت فِيهِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِاجْتِنَابَ عَنْ الْفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ حِكَايَتُهُ لِضَعْفِهِ وَسُقُوطِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ ": النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: لَا يَقْتَضِيهِ، وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الْقَاضِي يُخَالِفُهُ نَقْلُ الْمَازِرِيُّ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَمِمَّنْ نَقَلَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ " أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَمَا لَا يَقْتَضِيهِ فِي الْأَمْرِ. وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَعَنْ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْكَفَّ عَقِبَ لَفْظِ النَّهْيِ.
стр. 1175
فَتَحَصَّلْنَا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ: يَقْتَضِيهِ مُطْلَقًا. يَقْتَضِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. لَا يَقْتَضِيهِ بَلْ يُوقَفُ إلَى الدَّلِيلِ مِنْ خَارِجٍ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمَحْصُولِ "، وَيَجِيءُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ مَذْهَبٌ آخَرُ بِالتَّفْصِيلِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَطْعِ الْوَاقِعِ فَلِلْمَرَّةِ، كَقَوْلِك لِلْمُتَحَرِّكِ: لَا تَتَحَرَّكْ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى اتِّصَالِ الْوَاقِعِ وَاسْتِدَامَتِهِ فَلِلدَّوَامِ، كَقَوْلِك لِلْمُتَحَرِّكِ: لَا تَسْكُنْ. أَمَّا النَّهْيُ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ فَالْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْأَمْرِ فِي اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ يَأْتِي هُنَا، فَمَنْ قَالَ: النَّهْيُ لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ التَّكْرَارَ وَالدَّوَامَ قَالَ بِهِ هَاهُنَا. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَهُوَ آكَدُ مِنْ مُطْلَقِهِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ التَّكْرَارُ فَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ أَوْلَى. وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ: النَّهْيُ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِخِلَافِ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَيَّدَهُ بِوَصْفٍ صَارَ مَغْلُوبًا عَلَى الِاعْتِمَادِ مُخْتَصًّا بِهِ، فَلَوْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ مَعَ فَهْمِ تَعَدُّدِهِ كَانَ كَالْأَمْرِ. وَحَكَى صَاحِبُ الْوَاضِحِ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ النَّهْيِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ، وَبَيْنَ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ، فَحَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَفَصَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ، وَحَمَلَ النَّهْيَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ، وَمَثَّلَهُ بِالسَّيِّدِ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: لَا تَسْقِنِي الْمَاءَ إذَا دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ، فَدَخَلَ زَيْدٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَفَى، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ سَقْيِهِ كُلَّ دَفْعَةٍ يَدْخُلُ زَيْدٌ الدَّارَ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فَتَقَدُّمُ صِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ يُغَيِّرُهُ]
ُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ:
стр. 1176
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا لَا تُغَيِّرُهُ، وَإِنْ جَرَى الْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ، وَبِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " وَحَكَيَا الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: طَرْدُ خِلَافِ الْأَمْرِ، وَقَدْ حَكَى الطَّرِيقِينَ ابْنُ فُورَكٍ، وَقَالَ: الْأَشْبَهُ التَّسْوِيَةُ، وَمَنَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْإِجْمَاعَ، وَطَرَدَ الْوَقْفَ هُنَا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ أَحَدُ مَحَامِلِ " افْعَلْ " بِخِلَافِ " لَا تَفْعَلْ ".
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَفَّ عَلَى الْفَوْرِ]
ِ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالُوا: وَلَا يُتَصَوَّرُ مَجِيءُ خِلَافِ الْأَمْرِ هُنَا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: يَجِيءُ الْخِلَافُ إنْ قُلْنَا: الْأَمْرُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِظَاهِرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَكَرَّرُ بِظَاهِرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْأَمْرِ وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: إنْ قُلْنَا: النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَهُوَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَإِلَّا فَلَا، وَنَازَعَهُ النَّقْشَوَانِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ، وَقَالَا: بِنَاءُ الْفَوْرِ عَلَى وُجُوبِ التَّكْرَارِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِنَاءُ عَدَمِ وُجُوبِ الْفَوْرِ عَلَى عَدَمِ اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ فَمُشْكِلٌ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْتَضِيَ التَّكْرَارَ وَيَقْتَضِيَ الْفَوْرَ.
стр. 1177
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ]
ِ] سَبَقَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ كَالصَّوْمِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْفِطْرِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَسَبَقَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا فِي النَّهْيِ عَنْ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ نَحْوُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَإِنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْهُمَا وَلَا يَجُوزُ بِهِ فِعْلُ أَحَدِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ " أَوْ " فِي النَّهْيِ تَقْتَضِي الْجَمْعَ دُونَ التَّخْيِيرِ، فَإِذَا قَالَ: لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَعَلَى مَذْهَبِنَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّمَ أَيَّهُمَا شَاءَ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَجُوزُ.
[مَسْأَلَةٌ الِاخْتِلَافُ فِي مَعْنَى لَا تَقُمْ]
ْ] اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِك: " لَا تَقُمْ " فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ مِنْك قِيَامٌ فَ " لَا " حَرْفُ نَهْيٍ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمَصْدَرِ بِوَاسِطَةِ إشْعَارِ الْفِعْلِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ قَائِلُونَ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ مَطْلُوبًا لَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ وَلَا بِفِعْلِ عَدَمٍ مَحْضٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا يَصِحُّ الْإِعْدَامُ بِالْقُدْرَةِ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
стр. 1178
كَذَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ " قَالَ: وَالنَّظَرُ فِيهَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ عَنْ مُتَعَلَّقِ التَّكْلِيفِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ]
ِ] لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي الْأَمْرِ الْفِعْلُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ هَلْ الْمُكَلَّفُ بِهِ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ عَدَمُ الْفِعْلِ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَمَعْنَى " لَا تَزْنِ " عِنْدَهُمْ تَلَبُّسُ ضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِ الزِّنَى أَيْ: افْعَلْ فِعْلًا غَيْرَهُ مُبَاحًا أَيَّ فِعْلٍ كَانَ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ الزِّنَى مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلضِّدِّ حَتَّى لَوْ خَلَا عَنْ الْمَأْمُورِ وَعَنْ كُلِّ تَرْكٍ لَهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَمَّا بَاحَ بِهَذَا خَالَفَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالُوا: مَا زِلْت مُنْكِرًا عَلَى الْجَبْرِيَّةِ إثْبَاتَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى مَا لَيْسَ بِخَلْقٍ لَهُمْ وَلَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُمْ عَلَى التَّحْقِيقِ، ثُمَّ صِرْت إلَى ثُبُوتِ الذَّمِّ مِنْ غَيْرِ إقْدَامٍ عَلَى فِعْلٍ. وَسُمِّيَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبُو هَاشِمٍ الذِّمِّيُّ حَيْثُ إنَّهُ عَلَّقَ بِالذَّمِّ الْمَعْدُومَ، وَهَذَا يَهْدِمُ جُمْلَةَ قَوَاعِدِهِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّظَرَ هَلْ هُوَ إلَى صُورَةِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعَدَمُ؟ فَإِذَا قَالَ: لَا تَتَحَرَّكْ، فَعَدَمُ الْحَرَكَةِ هُوَ مُتَعَلَّقُ النَّهْيِ، أَوْ يُلَاحَظُ أَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا وُضِعَ لِمَا هُوَ مَقْدُورٌ مِمَّا لَيْسَ بِمَقْدُورٍ، وَلَا يُطْلَبُ عَدَمُهُ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ صِرْفٌ، فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبٌ، فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالضِّدِّ.
стр. 1179
فَالْجُمْهُورُ لَحَظُوا الْمَعْنَى وَأَبُو هَاشِمٍ لَحَظَ اللَّفْظَ، وَالْمَعْنَى أَتَمُّ فِي الِاعْتِبَارِ مِنْ صُورَةِ اللَّفْظِ. وَنَقَلَ التَّبْرِيزِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ مُوَافَقَةَ أَبِي هَاشِمٍ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَنْخُولِ " قُبَيْلَ بَابِ الْعُمُومِ: وَأَمَّا التُّرُوكُ فَعِبَارَةٌ عَنْ أَضْدَادِ الْوَاجِبَاتِ، كَالْقُعُودِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْقِيَامِ، ثُمَّ بَعْضُ تَرْكِ الْقِيَامِ لَا بِالْقُعُودِ، وَوَافَقَنَا عَلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ الذِّمِّيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَلَّقَ الذَّمَّ بِالْمَعْدُومِ. انْتَهَى. وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ مَنْ أُمِرَ بِالْقِيَامِ فَلَمْ يَمْتَثِلْ، عَصَى عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْ الْقِيَامَ لَا لِكَوْنِهِ فَعَلَ التَّرْكَ، وَكَوْنُهُ لَمْ يَفْعَلْ نَفْيٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَعَلَيْهِ يُذَمُّ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الذِّمِّيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَصْفَى " فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّرْكِ الْمُجَرَّدِ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ مَعَهُ ضِدَّهُ بِالْمُكَلَّفِ فِيهِ بِالْفِعْلِ كَالصَّوْمِ، فَالْكَفُّ مِنْهُ مَقْصُودٌ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ وَبَيْنَ التَّرْكِ الْمَقْصُودِ مِنْ جِهَةِ إيقَاعِ ضِدِّهِ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ فَالْمُكَلَّفُ فِيهِ بِالضِّدِّ. وَتَبِعَهُ الْعَبْدَرِيُّ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ التَّرْكُ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ كَالْفِعْلِ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَهِيَ حِينَئِذٍ كَلَامِيَّةٌ فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْبَحْثِ فِي أَنَّهُ مَقْدُورٌ أَمْ لَا عَلَى هَذِهِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إلَّا لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ فِي الشَّرْعِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: التَّحْرِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: الْمَطْلُوبُ فِي النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ وَيَلْزَمُ مِنْ الِانْتِهَاءِ فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا يُعْكَسُ، فَقَالَ: الْمَطْلُوبُ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِانْتِهَاءُ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ فِي الرُّتْبَةِ فِي الْفِعْلِ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ فَكَانَ مَعَهُ كَالسَّبَبِ مَعَ الْمُسَبَّبِ، فَالِانْتِهَاءُ وَفِعْلُ الضِّدِّ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ بِالرُّتْبَةِ تَقَدُّمَ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ حَتَّى لَوْ
стр. 1180
فُرِضَ أَنَّ الِانْتِهَاءَ يَحْصُلُ بِدُونِ فِعْلِ الضِّدِّ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى فِعْلِ الضِّدِّ لَكِنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ الِانْتِهَاءُ، وَأَمَّا فِعْلُ الضِّدِّ فَلَا يُقْصَدُ إلَّا بِالِالْتِزَامِ بَلْ قَدْ لَا يُقْصَدُ أَصْلًا، وَلَا يَسْتَحْضِرُ الْمُتَكَلِّمُ، وَمَتَى قَصَدَ فِعْلَ الضِّدِّ وَطَلَبَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَانَ أَمْرًا؛ لَا نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ. وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ: إنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْسُ " لَا تَفْعَلْ " فَهُوَ وَإِنْ تَبَادَرَ إلَى الذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ حَرْفَ النَّهْيِ وَرَدَ عَلَى الْفِعْلِ، فَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ عَدَمَهُ لَكِنَّ نَفْسَ أَنْ " لَا تَفْعَلَ " عَدَمٌ مَحْضٌ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ وَلَا يُطْلَبُ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ، مِنْ الْمُكَلَّفِ مَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَلَعَلَّ مُرَادَ أَبِي هَاشِمٍ الَّذِي هُوَ مِنْ الِانْتِهَاءِ، وَالِانْتِهَاءُ فِعْلٌ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ تَقَارَبَ الْمَذْهَبَانِ، وَيَكُونُ الْجُمْهُورُ نَظَرُوا إلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ، وَأَبُو هَاشِمٍ نَظَّرَ إلَى الْمَقْصُودِ بِهِ، وَهُوَ إعْدَامُ دُخُولِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ أَبُو هَاشِمٍ ذَلِكَ وَأَرَادَ أَنَّ الْعَدَمَ الصِّرْفَ الَّذِي لَا صُنْعَ لِلْمُكَلَّفِ فِي تَحْصِيلِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ] سَأَلُوا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ هُوَ مَعْنَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِعْلُ الضِّدِّ، وَمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدِّهِ هُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ انْتِفَاءُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَالْمَسْأَلَتَانِ وَاحِدَةٌ. وَأَجَابَ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ، وَفِي هَذِهِ مَعْنَوِيٌّ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَفْظًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمَعْنَوِيَّ مَأْمُورٌ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فَيَحْصُلُ الِاشْتِبَاهُ.
стр. 1181
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَنَا: النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ بَحْثٌ فِي الْمُتَعَلِّقَاتِ - بِكَسْرِ اللَّامِ - فَإِنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَأْمُورِ، وَقَوْلُنَا: الْمَطْلُوبُ فِي النَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ بَحْثٌ فِي الْمُتَعَلَّقَاتِ - بِفَتْحِ اللَّامِ -. وَرُدَّ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَغَايَرَا لَكِنَّهُ تَغَايُرٌ صُورِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ تَدَاخُلِ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْأُخْرَى. الثَّانِي: أَنَّ الْبَحْثَ فِي تِلْكَ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَيْ: أَنَّهُ مَنْ نَهَى عَنْ الشَّيْءِ مُطَابَقَةً دَلَّ عَلَى طَلَبِ ضِدِّهِ الْتِزَامًا، وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ فَمَا مَدْلُولُهُمَا الْمُطَابِقُ هَلْ هُوَ الْعَدَمُ أَوْ ضِدُّهُ؟ . قِيلَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الِالْتِزَامِ لَا الْمُطَابَقَةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهُمْ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ مُرَادُهُمْ بِهِ الضِّدُّ الْعَامُّ، وَهُوَ الِانْتِهَاءُ الْحَاصِلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ قَدْ بَيَّنُوا أَنَّهُ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ مُرَادٌ بِهِ الضِّدُّ الْخَاصُّ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَضْدَادِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِهَاءُ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَرَادُوا الضِّدَّ الْعَامَّ لَزِمَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَكِنْ لَا يَكُونُ تَكْرَارًا بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ مَعْرِفَةِ إحْدَاهُمَا حُكْمُ الْأُخْرَى فَلَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ السُّؤَالُ لَوْ كَانُوا وَضَعُوا مَسْأَلَةَ " النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ " أَوْ لَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ " بَلْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَتَكَلَّمَ غَيْرُهُ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِضِدِّهِ؟ التَّنْبِيهُ الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ فَرْضُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضِدٌّ وُجُودِيٌّ يُفْهَمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُنْهَى عَنْ شَيْءٍ لَا يُفْهَمُ غَيْرُ تَرْكِ ذَلِكَ
стр. 1182
الشَّيْءِ نَحْوُ " لَا تَفْعَلْ " فَلَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ]
ٍ] النَّهْيُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ الْجَمْعِ أَعْنِي الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ دُونَ الْمُفْرَدَاتِ، كَالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ، وَكَالْحَرَامِ الْمُخَيَّرِ عِنْدَنَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَلَى الْجَمِيعِ أَيْ: عَنْ كُلٍّ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ صَاحِبِهِ، أَوْ مُنْفَرِدًا، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ فَالنَّهْيُ عَلَى الْجَمِيعِ مَعْنَاهُ عَلَى الْجَمْعِ فِي النَّهْيِ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لَا تَفْعَلْ هَذَا وَلَا ذَاكَ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْبَدَلِ لَا تَفْعَلْ هَذَا إنْ فَعَلْت ذَلِكَ فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَعَنْ الْبَدَلِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ بَدَلًا وَيُفْهَمَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ. وَفَرَّقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْجَمْعِ بِأَنَّ النَّهْيَ عَلَى الْجَمْعِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ مِنْ فِعْلِهِمَا مَعًا بِقَيْدٍ الْجَمْعِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَنْعُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَّا مَعَ الْجَمْعِيَّةِ فَيُمْكِنُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَالنَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الِانْفِكَاكِ عَنْ الشَّيْئَيْنِ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْجَمْعِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْخُلُوِّ عَنْ الشَّيْئَيْنِ، فَالنَّهْيُ عَلَى الْجَمْعِ مَنْشَؤُهُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَفْسَدَةٌ تَسْتَقِلُّ بِالْمَنْعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ حِينَ تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ نَاشِئَةً عَنْ اجْتِمَاعِهِمَا.
стр. 1183
[مَسْأَلَةٌ اقْتِضَاءُ النَّهْيِ لِلْفَسَادِ]
ِ] إذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ فَهَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ؟ اعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَعْنًى جَاوَزَهُ جَمْعًا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِلِاشْتِغَالِ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ بَعْدَمَا لَزِمَ وَهُوَ مَعْنَى تَجَاوُزِ الْمَبِيعِ، وَكَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَالثَّانِي: مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِهِ وَصْفًا، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ اللَّازِمِ لَهُ، كَالزِّنَى فَإِنَّهُ قَبُحَ لِعَدَمِ شَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ الَّذِي عُلِّقَ الْجَوَازُ بِهِ شَرْعًا، وَكَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِالْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْأَدَاءِ وَصْفًا، وَهُوَ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَلَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالثَّوْبِ الْحَرِيرِ، أَوْ فِي الْعُقُودِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ
стр. 1184
وَأَحْمَدَ. قُلْت: هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَدَاوُد وَعُزِيَ إلَى أَبِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِ، وَسَوَّى أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّقْوِيمِ " بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ، فَقَالَ: فِيهِمَا دَلِيلَانِ عَلَى كَوْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ الْقُبْحَ ثَابِتٌ فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَلَمْ يُوجِبْ رَفْعَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِسَبَبِ الْقُبْحِ فِي غَيْرِهِ، هَذَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا. انْتَهَى.
وَأَمَّا الثَّانِي فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْفَسَادَ شَرْعًا، كَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ. الثَّانِي: لَا يُفِيدُهُ، وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْأَكْثَرَيْنِ. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لَا فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ الْأَصْلُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا بِدُونِ الْوَصْفِ، وَبَنَوْا عَلَى هَذَا مَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ طَرَحَا الزِّيَادَةَ، أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَرَادَ أَنَّهُ يُضَادُّهُ ظَاهِرُهُ لَا قَطْعًا، وَإِلَّا لَوَرَدَ عَلَيْهِ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ، كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ، وَالْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ إذَا كَانَ يُضَادُّ الْوُجُوبَ، الْأَصْلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يُضَادُّ ظَاهِرًا فَقَدْ تَرَكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الظَّاهِرَ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يَقْتَضِي اخْتِيَارَ ذَلِكَ أَعْنِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى
стр. 1185
الْفَسَادِ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا، وَقَيَّدَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَوْضِيحِهِ " بِالتَّحْرِيمِ، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: حُرْمَةُ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ تُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ، وَهَذَا تَقْيِيدٌ حَسَنٌ لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ أَنْ يَقُولَ ظَاهِرُهُ إذَا جَعَلَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالنَّهْيِ الْمُحَرَّمِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فَلَا تَرِدُ الْكَرَاهَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ تَرْجِعُ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا ثُمَّ نَهَى عَنْهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ هَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ النَّهْيُ إلْحَاقَ شَرْطِ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الْفِعْلُ الْوَاقِعُ بِدُونِهِ كَالْعَدَمِ كَمَا فِي الْفِعْلِ الَّذِي اخْتَلَّ مِنْهُ شَرْطُهُ الثَّابِتُ بِشَرْطِيَّتِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَمْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ مِثَالُهُ الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ وَالنَّهْيُ عَنْ إيقَاعِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالْأَمْرُ بِالطَّوَافِ وَالنَّهْيُ عَنْ إيقَاعِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ، فَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: النَّهْيُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَإِلْحَاقُ شَرْطٍ بِالْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُثْبِتُ صِحَّتَهُ بِدُونِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى تَخْصِيصِ الْفَسَادِ بِالْوَصْفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ دُونَ الْأَصْلِ الْمُتَّصِفِ بِهِ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ الْمُكَلَّفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَكُونُ صَحِيحًا بِحَسَبِ الْأَصْلِ فَاسِدًا بِحَسَبِ الْوَصْفِ إنْ كَانَ ذَلِكَ النَّهْيُ نَهْيَ فَسَادٍ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ النَّهْيِ عِنْدَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ بَلْ عَلَى الصِّحَّةِ، كَمَا إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ عِنْدَهُمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إيقَاعُهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا، وَيَقَعُ عَنْ نَذْرِهِ وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ الطَّوَافُ وَيُجْزِئُهَا عَنْ طَوَافِ الْفَرْضِ حَتَّى يَقَعَ بِهِ التَّحَلُّلُ وَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ، وَصَحَّ فِي الْقَدْرِ الْمُسَاوِي، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: صَحِيحٌ بِأَصْلِهِ فَاسِدٌ بِوَصْفِهِ وَبَالَغُوا فِي التَّخْرِيجِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَتَّى قَالُوا: إنَّ الزِّنَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ أُمِّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَبِنْتِهَا، وَإِنَّ الْكُفَّارَ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوهَا.
стр. 1186
وَالْحَقُّ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الزِّنَى وَالِاسْتِيلَاءَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ لِانْتِفَاءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ الزِّنَى وَالْغَصْبِ. وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ هُوَ إيقَاعُ الصَّوْمِ لَا الصَّوْمُ الْوَاقِعُ، وَهُمَا مَفْهُومَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْإِيقَاعِ تَحْرِيمُ الْوَاقِعِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَوْنِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَحْرِيمُ نَفْسِ الصَّلَاةِ لِتَغَايُرِ الْمَفْهُومَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ حَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ الصِّحَّةَ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ قُبْحٌ لِذَاتِهِ، وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالْوَصْفِ لَا بِالْفِعْلِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْأَصْلَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَعْصِيَةُ وَالصِّحَّةُ مُتَنَافِيَانِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الصِّحَّةِ تَرَتُّبُ الْآثَارِ الْمَشْرُوعَةِ عَلَى الشَّيْءِ فَلَا يَجْتَمِعُ الْمَشْرُوعِيَّةُ وَالْمَعْصِيَةُ فِي ذَاتٍ وَاحِدَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّكَاحُ أَمْرٌ حُمِدْت عَلَيْهِ، وَالزِّنَى أَمْرٌ ذُمِمْت عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَرِدُ وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُوصَفَانِ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى قَوْلِنَا: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ يَقْتَضِي رَفْعَ الْمَشْرُوعِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَالظِّهَارِ فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ الَّتِي هِيَ عِبَادَةٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا الْمُتَعَلِّقِ بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ كَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ لِلْحِلِّ، أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى سَبَبًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ أَمْ لَا؟ أَمَّا الظِّهَارُ فَلَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مَوْضُوعٍ لِحُكْمٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا بَلْ هُوَ حَرَامٌ، وَالْكَفَّارَةُ وَصَالِحًا لِإِيجَابِ الْجَزَاءِ بَلْ يَخُصُّهُ كَمَادَّةِ الْقَتْلِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِعَيْنِهِ كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ فَإِنَّ الْبَيْعَ مُقَابَلَةُ
стр. 1187
مَالٍ بِمَالٍ، وَالْمَاءُ فِي الصُّلْبِ وَالرَّحِمِ لَا مَالِيَّةَ فِيهِ. هَذَا مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ، نَحْوُ " لَا تَصُمْ " وَ " لَا تَبِعْ " كَمَا فَهِمَ الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْهِيُّ عِبَادَةً أَوْ مُعَامَلَةً، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ مَعَ التَّحْرِيمِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَابْنُ فُورَكٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: مَذْهَبُنَا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَكَّدَ الْقَوْلَ فِيهِ فِي بَابِ " الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ " أَنَّ النَّهْيَ إذَا وَرَدَ مُتَجَرِّدًا اقْتَضَى فَسَادَ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَكَافَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى. وَكَلَامُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الرِّسَالَةِ " يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ اسْتِدْلَالَهُ بِالْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ عَلِمَ ذَلِكَ، كَاحْتِجَاجِهِ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضُوعٍ مِنْهَا: وَكُلُّ نِكَاحٍ خَلَا عَنْ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ وَالرِّضَى مِنْ الْمَنْكُوحَةِ الثَّيِّبِ كَانَ فَاسِدًا، وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
стр. 1188
قِيلَ: وَلِهَذَا إنَّمَا يُفِيدُ الْعُقُودَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ أَيْ: إذَا اسْتَجْمَعَتْ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ ": إنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقَبِيحَ لِعَيْنِهِ لَا يُشْرَعُ لِعَيْنِهِ، وَقَالَ: سَوَاءٌ قَبُحَ لِعَيْنِهِ وَضْعًا أَوْ شَرْعًا كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، فَالْبَيْعُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا قَصَرَ مَحَلَّهُ عَلَى مَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَالَ الْعَقْدِ، وَالْمَاءُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُ الْحَيَوَانُ لَيْسَ بِمَالٍ صَارَ بَيْعُهُ عَبَثًا بِحُلُولِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَالثَّانِي: لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَيَحْتَاجُ الْفَسَادُ إلَى دَلِيلٍ غَيْرِ النَّهْيِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَحَكَاهُ فِي الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ شُيُوخِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ. انْتَهَى.
زَادَ ابْنُ بَرْهَانٍ أَبَا عَلِيٍّ وَأَبَا هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّيْنِ، وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ السَّمْنَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ، وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ " عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْآمِدِيَّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلِلشَّافِعِيِّ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَحْكُونَ عَنْهُ الْقَوْلَيْنِ. وَنَصَّ الْغَزَالِيُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى فَسَادِهِ إنَّمَا هُوَ اعْتِمَادُ الشَّرْعِ عَلَى فَوَاتِ شَرْطٍ، وَيُعْرَفُ الشَّرْطُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعَلَى ارْتِبَاطِ الصِّحَّةِ بِهِ. وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ آخِرُهُمْ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ.
стр. 1189
وَالصَّوَابُ: أَنَّ خِلَافَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، أَمَّا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي فَسَادِهِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ " وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ " وَقَرَّرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَهُوَ الْأَثْبَتُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا حَنَفِيًّا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْعُقُودِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ " عَنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَنْ اخْتِيَارِ الْغَزَالِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُسْتَصْفَى " لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي ذَيْلِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي تَفْصِيلًا آخَرَ سَنَذْكُرُهُ. وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كُتُبِهِ الْفِقْهِيَّةِ، فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ ": عِنْدَنَا أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ عَنْ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ هُوَ الْمَشْرُوعُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي عَيْنِهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا إلَّا إذَا ظَهَرَ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِأَمْرٍ عَنْ الْعَقْدِ اتَّفَقَ مُجَاوَزَتُهُ الْعَقْدَ، كَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ. وَقَسَّمَ الْمَنَاهِيَ إلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، كَالنَّجْشِ وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَإِلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ إمَّا لِتَطَرُّقِ خَلَلٍ إلَى الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلنَّهْيِ تَعَلُّقٌ سِوَى الْعَقْدِ فَحُمِلَ عَلَى الْفَسَادِ، كَبَيْعِ حَبْلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ الْحَصَاةِ وَبُيُوعِ الْغَرَرِ وَأَشْبَاهِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَوَّلَ كَلَامُ الْمُسْتَصْفَى " عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ تَنَاقُضًا، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اقْتِضَائِهِ الْفَسَادَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا يَسْتَقِيمُ مِنْ شَافِعِيٍّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعُقُودِ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَكَذَلِكَ إطْلَاقُهُ الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهَا لِعَيْنِهَا فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ.
стр. 1190
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ أَقْرَبُ الطُّرُقِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَحَكَوْا مَذَاهِبَ: ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ النَّهْيُ مُخْتَصًّا بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ دَلَّ عَلَى فَسَادِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَدُلُّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَالثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. رَابِعُهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ فِي الْعِبَادَاتِ سَوَاءٌ نَهَى عَنْهَا لِعَيْنِهَا أَمْ لِأَمْرٍ قَارَنَهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَالنَّهْيُ إمَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى نَفْسِ الْفِعْلِ كَبَيْعِ الْحَصَاةِ، أَوْ إلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ فِيهِ كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ، أَوْ خَارِجٍ عَنْهُ لَازِمٍ لَهُ كَالرِّبَا فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَبْطُلُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ مُقَارِنٍ لِلْعَقْدِ غَيْرِ لَازِمٍ، كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَعَالِمِ " فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، فَتَأَمَّلْهُ. قِيلَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " وَالْبُوَيْطِيُّ إلَّا أَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْمُقَارِنِ ذَكَرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ النَّهْيُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ. وَالثَّانِي: لَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ لِاخْتِلَالِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ مِنْ عِبَادَةٍ وَعَقْدٍ. صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَرْهَانٍ.
стр. 1191
وَالثَّالِثُ: يَقْتَضِي شِبْهَ الْفَسَادِ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُهُ بِالْعَقْدِ. وَالرَّابِعُ: يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، إذَا كَانَ النَّهْيُ لِوَصْفِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لِعَيْنِهِ فَيَقْتَضِي الْفَسَادَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْخَامِسُ: يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْعُقُودِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ. وَالسَّادِسُ: إنْ كَانَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ اللَّازِمِ لَهُ فَهُوَ الْفَسَادُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً وَعَقْدًا، وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، وَتَصَرُّفُهُ فِي الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِيهِ. وَالسَّابِعُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ فِي الْبُقْعَةِ النَّجِسَةِ فَيَقْتَضِي الْفَسَادَ دُونَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَالثَّامِنُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ دُونَ مَا لَا يُخِلُّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، ذَكَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَكَلَامُ الْمُسْتَصْفَى " فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ مُصَرِّحٌ بِهِ، وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْقِسْمِ خِلَافٌ.
وَالتَّاسِعُ: ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ " عَنْ شَيْخِهِ، وَأَظُنُّهُ أَبَا الْحَسَنِ اللَّخْمِيَّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا النَّهْيُ عَنْهُ لِحَقِّ الْخَلْقِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ
стр. 1192
وَإِلَّا دَلَّ مَا اتَّصَلَ بِهَذَا إلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِحَقِّ الْخَلْقِ، وَتَزُولُ الْمَعْصِيَةُ بِإِسْقَاطِ الْمَالِكِ حَقَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِذْنِ أَحَدٍ وَلَا إسْقَاطِهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّصْرِيَةَ تَدْلِيسٌ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ عَائِدٌ لِلْمَخْلُوقِ، وَلَمْ يُبْطِلْ الشَّارِعُ الْبَيْعَ الْمُقْتَرِنَ بِهِ، بَلْ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْتَضِ النَّهْيُ فَسَادَ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْخَلْقِ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَرِيبٌ جِدًّا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَنَاهِيهَا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَالتَّفْصِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِهَا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ مِمَّا قِيلَ فِيهَا بِالْفَسَادِ، وَالنَّهْيُ فِيهَا لِحَقِّ الْخَلْقِ، كَالْبَيْعِ الْمُقْتَرِنِ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالْأَجَلِ الْمَجْهُولِ خُصُوصًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَجِيءُ مَا ذَكَرَهُ إلَّا فِي صُوَرٍ قَلِيلَةٍ، وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَالنَّهْيُ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ.
إذَا عَلِمْت هَذَا فَهَاهُنَا أُمُورٌ: [إطْلَاقُ النَّهْيِ هَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ] أَحَدُهَا: إذَا اخْتَصَرْت مَا سَبَقَ قُلْت: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إمَّا تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ أَوْ جُزْؤُهَا أَوْ لَازِمٌ لَهَا أَوْ خَارِجٌ مُقَارِنٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، فَالْأَوَّلَانِ يُفِيدَانِ الْفَسَادَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لِتَمَكُّنِ الْمَفْسَدَةِ مِنْ جَوْهَرِ الْمَاهِيَّةِ، ثُمَّ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ يَقُولَانِ: إطْلَاقُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِظَاهِرِهِ فِيمَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ يَصْرِفُ النَّهْيَ إلَى خَارِجٍ مُقَارِنٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ
стр. 1193
يَقُولُ: يُحْمَلُ عَلَى الْمُفَارِقِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَنَا انْسِحَابُ الْفَسَادِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ مَا لَمْ يَصْرِفْ صَارِفٌ، وَعِنْدَهُ بِالْعَكْسِ. قَالَ صَاحِبُ التَّقْوِيمِ ": قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مُطْلَقُ النَّهْيِ عَنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ حِسًّا يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَبُحَ لِعَيْنِهِ، وَعَنْ التَّصَرُّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ شَرْعًا، كَالْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَبُحَ لِغَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: يَدُلُّ عَلَى قُبْحِهِ فِي عَيْنِهِ، وَقَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ: النَّهْيُ بِلَا قَرِينَةٍ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَفَائِدَتُهُ بُطْلَانُ التَّصَرُّفِ، وَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِغَيْرِهِ وَالصِّحَّةَ لِأَصْلِهِ. قَالَ: وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ سَبَبُ الْقُبْحِ لِغَيْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ وَصْفًا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَنَا يَكُونُ صَحِيحًا بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ. وَقَدْ اعْتَاصَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ فَذَهَبُوا إلَى آرَاءَ مُعْضِلَةٍ تُدَانِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: اللَّازِمُ، كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَعَنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، فَعِنْدَنَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى إنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ صَوْمًا فَصَامَ يَوْمَ الْعِيدِ يُجْزِئُهُ وَيَنْعَقِدُ مَعَ وَصْفِ الْفَسَادِ. وَالرَّابِعُ: الْخَارِجُ الْمُقَارِنُ، فَلَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
стр. 1194
وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ تَأْثِيرٌ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُ الْمَازِرِيُّ مَثَلًا حَسَنًا، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَوْ عَطِشَ فَأَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَاءٍ حُلْوٍ فِي كُوزٍ وَأَنْ يَرْفُقَ فِي مَجِيئِهِ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُ عَجَلَةٌ وَلَا لَعِبٌ فَلَهُ أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَقْعُدَ فَلَا يَأْتِيهِ بِشَيْءٍ، فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْكُوزِ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ فَهَذَا ارْتِكَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ هَذَا الْكُوزِ كَالْعَدَمِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْكُوزِ وَفِيهِ مَاءٌ مَالِحٌ زُعَاقٌ فَهُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَارْتِكَابُهُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ اللَّازِمَ لَهُ. الرَّابِعُ: أَنْ يَأْتِيَهُ بِكُوزِ مَاءٍ عَذْبٍ بَارِدٍ وَلَكِنَّهُ جَرَى فِي مَجِيئِهِ، وَخَالَفَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ امْتِثَالَ الْمَقْصُودِ قَدْ حَصَلَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَالَفَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِغَيْرِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَدْ فِيهِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَقْوَى مَا يَرِدُ مَنْ قَالَ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنٍ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَدَائِهِ فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِالتَّحَرُّمِ بِصَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ، أَوْ إنْشَاءِ عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ، وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ وَنِكَاحُهُ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
[النَّهْيُ فِي الْمُعَامَلَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ]
[النَّهْيُ فِي الْمُعَامَلَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ] الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْمُعَامَلَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ إنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ فِيهَا أَوْ لَازِمٍ لَهَا، فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ لَمْ يَقْتَضِهِ، فَصَرَّحُوا بِالرَّاجِعِ إلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ أَوْ لَازِمٍ، وَسَكَتُوا عَمَّا شَكَكْنَا فِيهِ، هَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الدَّاخِلِ أَوْ الْخَارِجِ؟ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ نَبَّهَ عَلَيْهَا
стр. 1195
الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ "، قَالَ: كُلُّ تَصَرُّفٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَمْرٍ يُجَاوِزُهُ أَوْ يُقَارِنُهُ مَعَ تَوَفُّرِ شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ حَمْلًا لِلَفْظِ النَّهْيِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. انْتَهَى. ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لِعَيْنِهِ، وَاَلَّذِي لَمْ يُعْلَمْ لِمَاذَا نَهَى عَنْهُ لِأَمْرٍ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ؟ هُوَ الْمُحْتَمِلُ لَأَنْ يَرْجِعَ إلَى دَاخِلٍ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى أَوْ خَارِجٍ عَنْ اللَّفْظِ؟ وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى " فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ إنْ رَجَعَ إلَى عَيْنِ الشَّيْءِ دُونَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى غَيْرِهِ. قُلْنَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ الطَّلَاقِ لِعَيْنِهِ وَلَا عَنْ الصَّلَاةِ لِعَيْنِهَا بَلْ لِوُقُوعِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَلِوُقُوعِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مِثْلِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَلَا اعْتِمَادَ إلَّا عَلَى فَوَاتِ الشَّرْطِ، وَيُعْرَفُ الشَّرْطُ بِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَعَلَى ارْتِبَاطِ الصِّحَّةِ بِهِ، وَلَا يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا وَضْعًا وَلَا شَرْعًا. قَالَ: وَكُلُّ نَهْيٍ تَضَمَّنَ ارْتِكَابُهُ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ دَلَّ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ حَيْثُ الْإِخْلَالُ بِالشَّرْطِ لَا مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ. انْتَهَى. وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهَلْ دَلَّ عَلَيْهِ شَرْعًا لَا لُغَةً، أَوْ إنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ بِاللُّغَةِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ. حَكَاهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ، وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى
следующие страницы →