← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

غَيْرِهَا، وَغَيْرُهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلِيِّ بَحَثَهَا، وَتَجَاوَزَا فَأَوَّلَا كَثِيرًا لِقِيَامِ مَا اسْتَحَالَ كَثِيرًا. وَأَنْكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا عَلَى الْغَزَالِيِّ قَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحْمَدَ. قُلْت: وَنَقْلُ الثِّقَةِ لَا يَنْدَفِعُ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ " مِنْهَاجِ الْوُصُولِ " عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أَيْ أَمْرُ رَبِّك.

стр. 1787

[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ التَّأْوِيلِ] وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ أَوْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أَوْ عَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ. وَكُلُّ تَأْوِيلٍ خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَبَاطِلٌ. وَقَدْ فَتَحَ الشَّافِعِيُّ الْبَابَ فِي التَّأْوِيلِ فَقَالَ: الْكَلَامُ قَدْ يُحْمَلُ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ. وَيُفْصَلُ فِي مَقْصُودِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ فِي التَّأْوِيلِ، وَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَيُضَعَّفُ التَّأْوِيلُ لِقُوَّةِ ظُهُورِ اللَّفْظِ، أَوْ لِضَعْفِ دَلِيلِهِ أَوْ لَهُمَا. وَمِنْ الثَّانِي مَنْعُ عُمُومِ قَوْلِهِ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُهُ» حَتَّى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ وَاجِبِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ، وَكَاسْتِدْلَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا هَذَا مُفَصَّلٌ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، مُجْمَلٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَفِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: هَذَا مُفَصَّلٌ فِي تَحْرِيمِ الْكَنْزِ، مُجْمَلٌ فِي غَيْرِهِ. وَمِنْ الْأَوَّلِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِجْمَارَ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ اسْتَجْمَرَ

стр. 1788

فَلْيُوتِرْ» عَلَى اسْتِعْمَالِهِ الْبَخُورَ لِلتَّطَيُّبِ. فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ، وَاللَّفْظُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَعَلَيْهِ فَهْمُ النَّاسِ. وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ فِي قَوْلِهِ: «نَهَى عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ» عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي الْمُرَادِفِ لِلْقُعُودِ. وَمِنْهُ حَمْلُ الظَّاهِرِيَّةِ حَدِيثَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ» عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ. وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» أَيْ دَخَلَا بِذَلِكَ فِي فِطْرَتِي وَسُنَّتِي، لِأَنَّ الْحِجَامَةَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ ﷺ وَاسْتَعْمَلَهُ، حَكَاهُ

стр. 1789

الْبَيْهَقِيُّ تِلْمِيذُ الْبَغَوِيّ، عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ. وَقَسَّمَ شَارِحُ " اللُّمَعِ " تَأْوِيلَ الظَّاهِرِ إلَى ثَلَاثِهِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ، كَحَمْلِ الْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٣] عَلَى الْوُجُوبِ، وَحَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ بِدَلِيلٍ جَائِزٍ. لِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ مُرَادًا بِهِ النَّدْبُ كَثِيرًا، فَيُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ. وَالثَّانِي: تَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا، فَهَذَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ قَبُولِ اللَّفْظِ لِهَذَا التَّأْوِيلِ فِي اللُّغَةِ. وَالثَّانِي: إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا يَقْتَضِيهِ. وَالثَّالِثُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ أَصْلًا، فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ التَّأْوِيلِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ. . . كَقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ فِي حَالِ وَقْتِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ زَمَانُ الطُّهْرِ، فَلَوْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ. قَالَ: وَهَلْ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، ذَكَرَهَا فِي الْإِرْشَادِ: أَحَدُهَا: الْمَنْعُ. وَالثَّانِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ: الْجَوَازُ، لِأَنَّ مَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَ التَّأْوِيلُ بِهِ، كَأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَالثَّالِثُ: بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِذِكْرِ ضُرُوبٍ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ هَاهُنَا كَالرِّيَاضَةِ لِلْأَفْهَامِ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنْهَا عَنْ الْفَاسِدِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا وَيَتَمَرَّنَ النَّاظِرُ فِيهَا. وَقَدْ أَوَّلَ الْحَنَفِيَّةُ أَشْيَاءَ بَعِيدَةً حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِبُطْلَانِهَا:

стр. 1790

فَمِنْهَا: تَأْوِيلُهُمْ «قَوْلُهُ ﵇ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» بِثَلَاثِ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَيْ: ابْتَدِئْ الْعَقْدَ، إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ. عَلَى السَّبَبِ. ثَانِيهَا: أَمْسِكْ الْأَوَّلَ. وَلَعَلَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بَعْدُ عَلَى التَّفْرِيقِ. ثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ حَصْرِ النِّسَاءِ، وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ فَوَّضَ الْإِمْسَاكَ وَالْفِرَاقَ إلَى الزَّوَاجِ، وَلِخُلُوِّهِ عَنْ الْقَرِينَةِ الْمُعَيِّنَةِ لَهُ، وَالْإِحَالَةُ عَلَى الْقِيَاسِ مُمْتَنِعَةٌ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ السَّائِلِ لَهُ بِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَلِعَدَمِ فَهْمِهِمْ ذَلِكَ مِنْهُ، إذْ لَوْ فَهِمُوا لَجَدَّدُوا الْعَقْدَ، وَلَنُقِلَ وَإِنْ نَدَرَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ إطْلَاقُ الْمُنَكَّرِ وَإِرَادَةُ الْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ مَرْوَانَ مُصَرِّحٌ بِنَفْيِهِ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْدِيلِ الظَّاهِرِ ثُبُوتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ. وَلَا جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَامِلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ، لَكِنْ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْعَقْدِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ عَلَى مَنْ يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يُقِرُّهُ الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ، تَوَسَّعَ فِي تَأْوِيلِهِ وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِالْقِيَاسِ مِنْ أَنَّهَا أَنْكِحَةٌ طَرَأَ عَلَيْهَا سَبَبٌ مُحَرِّمٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْسَخُ أَصْلُهُ مَا لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا رَضِيعَتُهُ. لَكِنَّهُ غَفَلَ عَنْ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِفَسَادِهِ. وَهِيَ أَرْبَعٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَوْلُهُ: أَمْسِكْ، ظَاهِرٌ فِي اسْتِدَامَةِ مَا شَرَعَ فِي تَنَاوُلِهِ حَتَّى لَوْ قِيلَ لِمَنْ فِي يَدِهِ حَبْلٌ: أَمْسِكْ طَرَفَك، فُهِمَ اسْتِدَامَةُ مَا بِيَدِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَابَلَ لَفْظَةَ الْإِمْسَاكِ بِلَفْظَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلُ تُرْتَقَعُ الْمُقَابَلَةُ لِأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَ الْإِمْسَاكَ بِابْتِدَاءِ عَقْدٍ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ

стр. 1791

مُفَارَقَةِ مَنْ يُرِيدُ إمْسَاكَهَا مِنْهُنَّ، وَصَارَ كَأَنَّهُ أَمَرَ بِمُفَارَقَةِ الْجَمِيعِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ فَوَّضَ لَهُ الْخِيَرَةَ فِيمَنْ يُمْسِكُ مِنْهُنَّ، وَفِيمَنْ يُفَارِقُ مِنْهُنَّ، وَعِنْدَهُمْ الْفِرَاقُ وَاقِعٌ، وَالنِّكَاحُ لَا يَبْتَدِئُهُ مَا لَمْ تُوَافِقْهُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، فَصَارَ تَخْيِيرُ التَّفْوِيضِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ لَهُ، فَقَدْ لَا يَرْضَيْنَ أَوْ بَعْضُهُنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ: " أَمْسِكْ " ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ. وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْأَصْلِ، وَلَمَّا دَلَّ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ عَلَى فَسَادِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدِي لَقُلْت بِهِ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيّ: الْخِلَافُ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسِ، وَظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَرَأَى الْأُصُولِيِّينَ فِيهَا أَنَّهَا مَوْكُولَةٌ إلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ رَأَى الْخَبَرَ أَقْوَى عَمِلَ بِهِ. وَمَنْ رَأَى الْقِيَاسَ أَقْوَى عَمِلَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا الرَّأْيُ صَحِيحًا؛ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَنْطُوقِ بِهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، وَدَلَالَةُ الْمَفْهُومِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. فَكَمَا يَتَقَدَّمُ الْخَبَرُ الْقِيَاسَ فِي قُوَّةِ الدَّلَالَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ يَطْلُبُ أَوَّلًا الْإِجْمَاعَ، فَإِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ طَلَبَ النَّصَّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ طَلَبَ الظَّاهِرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ طَلَبَ الْمَفْهُومَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ جَوَازُ الِاخْتِيَارِ رُخْصَةً، وَتَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ. وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَةً فِي حُكْمِ اللِّسَانِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ الصَّبِيُّ بَعْلًا، وَأَيْضًا فَهَذَا سَاقِطٌ عِنْدَهُمْ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ لَوْ زُوِّجَتْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا مَوْقُوفًا نَفَاذُهُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ. وَقَدْ قَالَ ﷺ : «فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ، وَأَكَّدَهُ ثَلَاثًا.

стр. 1792

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَاطِلٌ أَيْ يُؤَوَّلُ إلَى الْبُطْلَانِ غَالِبًا لِاعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ إجَازَتَهُ لِقُصُورِ نَظَرِهِنَّ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ صَرَّحَ بِهِ مُؤَكَّدًا بِالتَّكْرَارِ مُطْلَقًا وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ نَحْوُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: ٣٠] فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ السَّيِّدِ وَلِيًّا، فَأَلْزَمُوا بُطْلَانَهُ بِأَنَّ نِكَاحَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّغِيرَةِ، وَبِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَمَهْرُ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا، فَفَرُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَأَرَادُوا التَّخَلُّصَ مِنْ الْمَهْرِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَةَ مُسْتَحِقَّةٌ، فَرُدَّ بِنُدُورِ الْمُكَاتَبَةِ وَقِلَّتِهَا فِي الْوُجُودِ، وَالْعُمُومُ ظَاهِرٌ فِيهِ، فَإِنَّ " أَيًّا " كَلِمَةٌ عَامَّةٌ، وَأَكَّدَهَا " بِمَا "، هَذَا مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ ابْتِدَاءً تَمْهِيدًا لِلْقَاعِدَةِ، لَا فِي جَوَابِ سَائِلٍ حَتَّى يَظْهَرَ تَخْصِيصُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ التَّأْوِيلِ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ إذَا عَضَّدَهُ دَلِيلٌ وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّهُ مَرْدُودٌ قَطْعًا. وَعَزَاهُ إلَى الشَّافِعِيِّ قَائِلًا: إنَّهُ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْفَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْجِهَاتُ لِلتَّأْوِيلَاتِ، وَقَدْ رَأَى الِاعْتِصَامَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ (﵂) اعْتِصَامُ النَّصِّ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ، فَكَانَ ذَلِكَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي مَا حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ ذَكَرَ أَعَمَّ الْأَلْفَاظِ، إذْ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ مِنْ أَعَمِّ الصِّيَغِ، وَأَعَمُّهَا " مَا " وَ " أَيُّ " فَإِذَا فُرِضَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ مُبَالَغًا فِي مُحَاوَلَةِ التَّعْمِيمِ، أَيْ أَنَّ " مَا " لَوْ تَجَرَّدَتْ، وَكَانَتْ شَرْطِيَّةً كَانَتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَقَدْ أُتِيَ بِهَا زَائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، فَكَانَتْ مُقَوِّيَةً لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ " أَيْ " مِنْ التَّعْمِيمِ، كَذَا فَهِمَهُ الْمَازِرِيُّ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ " مَا " الْمُتَّصِلَةُ " بِأَيْ " شَرْطِيَّةٌ، كَمَا فَهِمَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَنَسَبَاهُ إلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَمَعْنَاهُ مَا عَرَفْت.

стр. 1793

وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ. وَالْمَعْنَى فَإِطْعَامُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَجَوَّزُوا صَرْفَ جَمِيعِ الطَّعَامِ إلَى وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ السِّتِّينَ كَحَاجَةِ الْوَاحِدِ فِي سِتِّينَ يَوْمًا، فَاسْتَوَيَا فِي الْحُكْمِ. وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ إذْ جَعَلُوا الْمَعْدُومَ وَهُوَ " طَعَامٌ " مَذْكُورًا، لِيَصِحَّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِإِطْعَامٍ، وَالْمَذْكُورُ وَهُوَ " ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] " عَدَمًا مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا " لِإِطْعَامٍ " مَعَ إمْكَانِ قَصْدِ الْعَدَدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَبَرَكَتِهِمْ، وَتَضَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ. وَهَذِهِ مَعَانٍ لَائِحَةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْوَاحِدِ. وَأَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلِأَنَّ " أَطْعَمَ " يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ، وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا مَا ذَكَرَ، وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ غَيْرُ مُهِمٍّ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ الْمَسَاكِينِ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الطَّعَامِ، فَاعْتَبَرُوا الْمَسْكُوتَ عَنْهُ وَهُوَ الْأَمْدَادُ، وَتَرَكُوا الْمَذْكُورَ وَهُوَ الْأَعْدَادُ، وَهُوَ عَكْسُ الْحَقِّ. أَمَّا الْمَازِرِيُّ فَانْتَصَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ: فِقْهِيٌّ، وَنَحْوِيٌّ. أَمَّا الْفِقْهِيُّ: فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ إبْطَالُ النَّصِّ إلَّا لَوْ جَوَّزُوا إعْطَاءَ الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ سِتِّينَ مُدًّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ، بَلْ يُرَاعُونَ صُورَةَ الْعَدَدِ، وَيَشْتَرِطُونَ تَكْرِيرَ ذَلِكَ عَلَى الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ تَكْرِيرَ الْأَيَّامِ فِرَارًا مِنْ أَنَّ اللَّهَ

стр. 1794

تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ مِسْكِينًا مِنْ مِسْكِينٍ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ فَإِذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَتَكَرَّرَ إطْعَامُهُ بِالْغَدَاةِ، وَهُوَ بِالْغَدَاةِ مِسْكِينٌ، فَكَأَنَّهُ أَطْعَمَ مِسْكِينًا آخَرَ، فَإِذَا انْتَهَى التَّكْرَارُ إلَى سِتِّينَ يَوْمًا صَارَ مُطْعِمًا سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكَوْنِ هَذَا الْمِسْكِينِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ. وَأَمَّا النَّحْوِيُّ فَذَكَرَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إنَّ الْمَصْدَرَ يُقَدَّرُ " بِمَا، وَأَنَّ " فَإِذَا قَدَّرْنَا الْمَصْدَرَ هُنَا وَهُوَ " الْإِطْعَامُ " بِمَعْنَى " مَا " اقْتَضَى ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمَا يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُخْرِجُ أَبَا حَنِيفَةَ إلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي أَرَادَ، وَإِنْ صَدَرَ " بِأَنَّ " كَانَ التَّقْدِيرُ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ الْأَخِيرُ يُخْرِجُ إلَى مَا يُرِيدُ. قَالَ: وَقَدْ زَاحَمْنَا أَبَا الْمَعَالِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ صِنَاعَةِ النَّحْوِ، وَذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ تَعَلُّقًا مِنْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فِيهَا، وَهُوَ سِيبَوَيْهِ. اهـ. وَيُقَالُ لَهُ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّ تَعْطِيلَ النَّصِّ حَاصِلٌ بِالِاتِّحَادِ سَوَاءٌ أَعْطَى فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَمْ لَا. فَقَدْ عَطَّلُوا مِنْ النَّصِّ لَفْظَ السِّتِّينَ، وَلِلشَّارِعِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ فِي الْكَفَّارَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ، وَهُوَ الْعَدَدُ، فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى. وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَا نَقَلَهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ أَنَّ الَّذِي يُقَدَّرُ بِهِ الْمَصْدَرُ الْعَامِلُ " أَنَّ " الْمُشَدَّدَةُ النَّاصِبَةُ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، لَا " أَنْ " الْمَصْدَرِيَّةُ وَ " مَا " الْمُقَدَّرَةُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَنْزِلَةِ " أَنْ ". وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً لَا بِمَعْنَى الَّذِي، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَمَا يُطْعَمُ، وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ أَنْكَرَ نِسْبَةَ هَذَا التَّأْوِيلِ لِجُمْهُورِهِمْ، وَقَدَّرَهُ: إعْطَاءُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ، فَجَوَّزُوا إخْرَاجَ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ،

стр. 1795

لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّاةِ فِيهَا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَيَصِحُّ الْإِبْدَالُ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ النَّصِّ وَبُطْلَانِهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ قِيلَ إنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ، وَلَمْ يَقُلْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّ الْقِيمَةَ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الشَّاةِ إذَا أُخْرِجَتْ وَهُوَ تَوْسِيعٌ لِلْمَخْرَجِ، لَا إسْقَاطٌ. وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَا يَبْعُدُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إعْطَاءَ الْفَقِيرِ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ، لِيَنْقَطِعَ تَشَوُّفُ الْفَقِيرِ إلَى مَا فِي يَدِ الْغَنِيِّ. وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي إيجَابِ تَعَيُّنِهَا، وَتَجْوِيزُ الْإِبْدَالِ مُحْوِجٌ إلَى الْإِضْمَارِ وَإِيجَابِ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ خِلَافَ الْأَصْلِ. وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ. وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ مِنْ أَدَلِّ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ سِيَّمَا مَا وَرَدَ ابْتِدَاءً لِلتَّأْسِيسِ. فَحَمْلُهُ عَلَى النَّادِرِ مُخْرِجٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْفَصَاحَةِ، وَتَأْوِيلُ نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ؛ وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى نِيَّةِ صَوْمِ الْغَدِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَلْهَجُ بِهِ. وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ سِيَاقَهُ النَّهْيَ عَنْ تَأْخِيرِ النِّيَّةِ عَنْ اللَّيْلِ، وَالْحَثَّ عَلَى تَقْدِيمِهَا عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَصُومُ فِيهِ، وَهَذَا كَالْفَحْوَى لَهُ. وَهُوَ مُضَادٌّ لِمَا ذَكَرُوهُ، وَلِأَنَّ حَمْلَ النَّهْيِ عَلَى الْمُعْتَادِ أَوْلَى، وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ مِمَّا سَبَقَ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَلَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ لِنَفْيِ الْكَمَالِ، وَفِيهِ لِنَفْيِ الصِّحَّةِ، لَزِمَ الِاسْتِعْمَالُ لِمَفْهُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]

стр. 1796

عَلَى أَرْبَابِ الْحَاجَاتِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ، فَصَرَفُوا اللَّفْظَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْحَاجَةِ، وَهِيَ مُنَاسِبَةٌ مَعَ ذَلِكَ، فَاشْتَرَطُوا الْحَاجَةَ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ لَامُ التَّمْلِيكِ وَتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَهِيَ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ، لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَكَيْفَ بِالْقِيَاسِ. وَكَوْنُهُ مَذْكُورًا مَعَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ مَعَ قَرِينَةِ إعْطَاءِ الْمَالِ لَيْسَ قَرِينَةً فِيهِ، وَإِلَّا لَزِمَ النَّقْصُ فِي حَقِّ الرَّسُولِ لِوُجُودِهَا فِيهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ حَتَّمُوا صَرْفَ شَيْءٍ إلَى الْقَرَابَةِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ لَكَانَ قَرِيبًا. اهـ. لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْخُمُسَ مَقْسُومٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، وَيُعْطِي ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ لِفَقْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا ذِكْرُ الْقَرَابَةِ كَالْمُقْحِمِ الْكَيَاظِمِ، وَهُوَ تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ. فَإِنْ قَالُوا: ذِكْرُ الْقَرَابَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَنْعُهُمْ كَمَا فِي الصَّدَقَاتِ، لَا فِي وُجُوبِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ. قُلْنَا: هَذَا بَعِيدٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ دَلَالَةِ اللَّامِ وَوَاوِ الْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَفِيهِ عَطْفُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ مَعَ تَخَلُّلِ الْفَصْلِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي اللُّغَةِ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ عِنْدَهُ مِنْ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِبُطْلَانِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ لَفْظِ " الْقُرْبَى " بِالْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مَعَ الْيُتْمِ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ. اهـ. وَمَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَقْرَبُ، لِأَنَّ لَفْظَ " الْيَتِيمِ " مَعَ قَرِينَةِ إعْطَاءِ الْمَالِ يُشْعِرُ

стр. 1797

بِالْحَاجَةِ فَاعْتِبَارُهَا يَكُونُ اعْتِبَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْآيَةِ، فَالْيُتْمُ الْمُجَرَّدُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ. بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ فَإِنَّهَا بِمُجَرَّدِهَا مُنَاسِبَةٌ لِلْإِكْرَامِ بِاسْتِحْقَاقِ خُمُسِ الْخُمُسِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُعْطُونَ الْقَرِيبَ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ، وَلَكِنْ سَبَقَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْمُحْتَاجِينَ. قِيلَ عَلَيْهِ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَفِي الْآيَةِ ذِكْرُ الْمَسَاكِينِ؟ فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ التَّكْرَارُ فِي الْآيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْيَتَامَى، فَإِنَّ الْيُتْمَ يُفِيدُ الِاحْتِيَاجَ لِلْعَجْزِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: ذِكْرُ الْقَرَابَةِ يُخَصُّ فِيهِ فِي الْمُحْتَاجِينَ مِنْهُمْ، وَهُوَ تَوْكِيدُ أَمْرِهِمْ. وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ حَدِيثَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ بِصَوْتَيْنِ، وَيُقِيمَ بِصَوْتٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الِاصْطِلَامِ ": وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ فِي الْخَبَرِ إضَافَةَ الشَّفْعِ وَالْإِيتَارِ إلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ هِيَ الْكَلِمَاتُ لَا الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ فِيهِمَا، عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَبَرِ: الْإِقَامَةُ، وَعِنْدَهُمْ كَمَا يَقُولُ سَائِرُ الْكَلِمَاتِ فِي الْإِقَامَةِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، كَذَلِكَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ [قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ] بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، فَبَطَلَ التَّأْوِيلُ.

стр. 1798

[مَسْأَلَةٌ إنَّمَا الصَّدَقَاتُ] مَسْأَلَةٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ، تَمَسَّكَ بِهَا الشَّافِعِيُّ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ عَلَى الثَّمَانِيَةِ الْأَصْنَافِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ التَّمْلِيكُ، وَالْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ. فَيَجِبُ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي مِلْكِ هَذَا الْمَالِ الَّذِي هُوَ الصَّدَقَةُ. وَخَالَفَ مَالِكٌ، وَرَأَى أَنَّ اللَّامَ فِيهَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَبَيَانِ الْمَصْرِفِ، لَا لِلْمِلْكِ وَالتَّشْرِيكِ فِيهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَنْ لَيْسَ أَهْلَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ طَلَبَهَا، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ، أَيْ لَيْسَ الطَّالِبُ لَهَا مُسْتَحِقًّا، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحِقُّ لَهَا هَذِهِ الْأَصْنَافُ الْمَذْكُورَةُ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مُسْتَحَقِّينَ أَنْ يَشْتَرِكُوا، بَلْ اللَّازِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَخْرُجَ عَنْهُمْ، وَتَوْزِيعُهَا عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَخْذِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَتَفْرِيقُهَا لِمَنْ يَرَاهُ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇: «خُذْ صَدَقَةً مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَيْرَ صِنْفٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: الْمُقْتَصِرُ عَلَى الْإِعْطَاءِ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ مُعَطِّلٌ لَا مُؤَوِّلٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا حَاصِلُهُ: ثُمَّ إنَّ الْحَاجَةَ لَيْسَتْ مَرْعِيَّةً فِي بَعْضِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ كَالْعَامِلِينَ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا لَا مِنْ جِهَةِ حَاجَتِهِمْ، وَكَالْغَارِمِينَ بِسَبَبِ حِمَالَةٍ يَحْمِلُونَهَا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَقَدْ بَطَلَ التَّعْوِيلُ عَلَى الْحَاجَةِ.

стр. 1799

وَقَدْ نَقَلَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْعَ الشَّافِعِيُّ الْحُكْمَ لِقُصُورٍ الْإِبْيَارِيِّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " وَقَالَ: اللَّامُ فِي " ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] " إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلتَّمْلِيكِ، أَوْ لِلْأَهْلِيَّةِ وَالِانْتِفَاعِ، كَالْجَلِّ لِلْفَرَسِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمِلْكَ صَحَّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِلَّا فَلَا، لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، فَيَخْرُجُ الْكَلَامُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ عَنْ مَرَاتِبِ النُّصُوصِ. فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ، مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ فِي الْحَالَيْنِ، فَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُفْتَقِرًا إلَى الدَّلِيلِ، أَوْ نُسَلِّمَ ظُهُورَ مَا قَالُوهُ، فَتَخْرُجَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ تَعْطِيلِ النُّصُوصِ، وَيَكُونَ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الْمَقْبُولَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ مَنْ صَارَ إلَيْهَا إلَى دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصْلَ اللَّامِ لِلْمِلْكِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى كَمَا رَاعَى الْحَاجَةَ رَاعَى مَنْ يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ، وَمَنْ يَغْرَمُ، وَكُلَّ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا تَرْغِيبًا فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ ثُمَّ تَجْوِيزُ الدَّفْعِ إلَى الْغَارِمِ الْغَنِيِّ يُنَافِي كَوْنَ الْمَقْصُودِ الْحَاجَةَ. وَمِنْهَا: تَأْوِيلُ مَالِكٍ " الِاسْتِجْمَارُ " فِي قَوْلِهِ ﷺ : «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» عَلَى الْبَخُورِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ جَمَعَ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَهُ مِنْهُ الْأَعْرَابِيُّ اسْتَنْكَرَهُ. حَكَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ. وَمِنْهَا: تَأْوِيلُهُ النَّهْيَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ بِالتَّغَوُّطِ وَالْبَوْلِ عَلَيْهِ، وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جَسَدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .

стр. 1800

وَمِنْهَا: تَأْوِيلُهُ قَوْلَهُ ﷺ : «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الذَّمَّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْمَدْحَ. وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِيهِ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ السِّحْرِ لِأَنَّ مَبْنَى عِلْمِ الْبَيَانِ التَّخْيِيلُ. . [مَسْأَلَةٌ تَأْوِيلُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ ﷺ فَاقْدُرُوا لَهُ عَلَى الضِّيقِ] مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَتْ الْحَنَابِلَةُ قَوْلَهُ ﷺ : «فَاقْدُرُوا لَهُ» عَلَى الضِّيقِ، أَيْ ضَيَّقُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، بِأَنْ يُجْعَلَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّإِ " هَذَا الْحَدِيثَ عَقِيبَ الْأَوَّلِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ كَالْمُفَسِّرِ لَهُ، وَقَفَا الْبُخَارِيُّ أَثَرَهُ فِي ذَلِكَ. وَتَأَوَّلَ ابْنِ سُرَيْجٍ: «فَاقْدُرُوا لَهُ» أَيْ مَنَازِلَ الْقَمَرِ، خِطَابًا لِلْعَارِفِ بِالنُّجُومِ، وَقَوْلُهُ: (الْعِدَّةُ) خِطَابًا لِغَيْرِهِ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. .

стр. 1801

[مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَ حَدِيثَ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ خَاصَّةً] مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا حَدِيثَ: «مَنْ مَلَك ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ» عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ خَاصَّةً، لِاخْتِصَاصِهِمَا بِأَحْكَامٍ لَا تَعُمُّ جَمِيعَ الرِّقَابِ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِتَعْطِيلِ لَفْظِ الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ ابْتِدَاءً لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ لَا لِبَيَانِ جَوَابٍ وَسُؤَالٍ، حَتَّى يُخَصَّصَ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الْحُدُودِ حَيْثُ بَدَأَ بِالْأَعَمِّ وَخَتَمَ بِالْأَخَصِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُخَصِّصُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ عَنْ وَالِدِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ؟ قُلْنَا: ذِكْرُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ بِعُمُومِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إسْنَادُهُ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْحُسْنِ. .

стр. 1802

[مَبَاحِثُ الْمُجْمَلِ] ِ الْمُجْمَلُ لُغَةً: الْمُبْهَمُ، مِنْ أَجْمَلَ الْأَمْرَ أَيْ أَبْهَمَ، وَقِيلَ: الْمَجْمُوعُ: مِنْ أَجْمَلَ الْحِسَابَ إذَا جُمِعَ، وَجُعِلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ التَّحْصِيلُ، مِنْ أَجْمَلَ الشَّيْءَ إذَا حَصَّلَهُ. وَاصْطِلَاحًا: قَالَ الْآمِدِيُّ: مَا لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَابْنُ فُورَكٍ: مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ، حَتَّى بَيَانِ تَفْسِيرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَقَوْلِهِ ﵇: «إلَّا بِحَقِّهَا» . وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْعَامُّ مُجْمَلًا وَالْخَاصُّ مُفَسِّرًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَامَّ جُمْلَةٌ إذْ لَيْسَ لَفْظُهُ مَقْصُورًا عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِعَيْنِهِ، وَالْخَاصُّ مُفَسِّرٌ، أَيْ فِيهِ بَيَانٌ مَا قُصِدَ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ الْعُمُومُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: اعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ اسْتَجَازُوا الْعِبَارَةَ عَنْ الْعُمُومِ بِاسْمِ " الْمُجْمَلِ "، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ: الْمُفْتَقِرَ إلَى مَا يُبَيِّنُهُ. وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي " الْكَافِي ": هُوَ مَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا بِوَضْعِ اللُّغَةِ أَوْ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ

стр. 1803

إلَى شَيْءٍ مِنْ احْتِمَالَاتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الشَّرْعِ مِنْهُ هَذَا. . [مَسْأَلَةٌ الْمُجْمَلُ وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ] مَسْأَلَةٌ وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: النَّبِيُّ ( ﷺ ) عَرَبِيٌّ يُخَاطِبُ كَمَا يُخَاطِبُ الْعَرَبَ، وَالْعَرَبُ تُجْمِلُ كَلَامَهَا، ثُمَّ تُفَسِّرُهُ، فَيَكُونُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ: قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبَى هَذَا غَيْرَ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ، ثُمَّ نَاقَضَ مِنْهُ فِي صِفَةِ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» ، مَعَ قَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَاَلَّذِي نَاقَضَ أَصَحُّ مِنْ الَّذِي أَعْطَاهُ بَيِّنًا. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَهَذَا أَصَحُّهُمَا. اهـ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْقَ مُجْمَلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ مَا ثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ فَلَا يَبْعُدُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ ، وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسِرِّهِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَالُ فِي الْقِيَاسِ، وَسَبَقَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ، «لِأَنَّهُ ﵇ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، وَقَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» الْحَدِيثَ، وَتَعَبُّدُهُمْ بِالْتِزَامِ الزَّكَاةِ قَبْلَ بَيَانِهَا. وَفِي كَيْفِيَّةِ تَعَبُّدِهِمْ بِالْتِزَامِهَا وَجْهَانِ:

стр. 1804

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قَبْلَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ بَعْدَ الْبَيَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قَبْلَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُجْمَلًا، وَبَعْدَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُفَسِّرًا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: قَالُوا: إنَّ الْتِزَامَ الْمُجْمَلِ قَبْلَ بَيَانِهِ وَاجِبٌ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّةِ الْتِزَامِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهُمَا. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الثَّانِيَ مُرَادُ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْعَامِّ، هَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ قَبْلَ وُرُودِ الْمُخَصِّصِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا جَازَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْهَمُونَهُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: لِيَكُونَ إجْمَالُهُ تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ عَلَى قَبُولِ مَا يَتَعَقَّبُهُ مِنْ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَدَأَ فِي تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ وَبَيَّنَهَا، لَجَازَ أَنْ تَنْفِرَ النُّفُوسُ مِنْهَا، وَلَا تَنْفِرَ مِنْ إجْمَالِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مِنْ الْأَحْكَامِ جَلِيًّا، وَجَعَلَ مِنْهَا خَفِيًّا، لِيَتَفَاضَلَ النَّاسُ فِي الْعِلْمِ بِهَا، وَيُثَابُوا عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ لَهَا، فَلِذَلِكَ جَعَلَ مِنْهَا مُفَسَّرًا جَلِيًّا، وَجَعَلَ مِنْهَا مُجْمَلًا خَفِيًّا. ثُمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمِنْ الْمُجْمَلِ مَا لَا يَجِبُ بَيَانُهُ عَلَى الرَّسُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] فَأَجْمَلَ فِيهِ النَّفَقَةَ فِي أَقَلِّهَا وَأَوْسَطِهَا وَأَكْثَرِهَا، حَتَّى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَقْدِيرِهَا، وَسُئِلَ عَنْ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: آيَةُ الصَّيْفِ. فَوَكَلَهُ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَيَانِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْبَيَانِ الصَّادِرِ مِنْ الِاجْتِهَادِ، هَلْ يُؤْخَذُ قِيَاسًا أَوْ تَنْبِيهًا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ تَنْبِيهًا مِنْ لَفْظِ الْمُجْمَلِ، وَشُوهِدَ أَحْوَالُهُ، «لِأَنَّهُ ﵇ قَالَ لِعُمَرَ: يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ» . فَرَدَّهُ إلَيْهَا لِيَسْتَدِلَّ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ

стр. 1805

بَيِّنَةٍ وَشَوَاهِدَ. قَالَ: وَالثَّانِي: أَنْ يُؤْخَذَ قِيَاسًا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بَيَانُهُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، لِأَنَّ «عُمَرَ سَأَلَ عَنْ الْقِبْلَةِ. فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت» ؟ فَجَعَلَ الْقِبْلَةَ بِغَيْرِ إنْزَالٍ، كَالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ ازْدِرَادٍ. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ التَّمْثِيلِ بِالنَّفَقَةِ يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ، فَإِنَّ بَيَانَهَا قَدْ وَرَدَ فِي قَضِيَّةِ هِنْدَ حَيْثُ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ، فَبَيَّنَ الْإِجْمَالَ فِي الْآيَةِ بِالْكِفَايَةِ. . [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الْمُجْمَلِ] وَحُكْمُهُ: التَّوَقُّفُ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ تَفْسِيرُهُ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ فِي شَيْءٍ يَقَعُ فِيهِ النِّزَاعُ. قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إنْ كَانَ الِاحْتِمَالُ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ وَاقْتَرَنَ بِهِ تَنْبِيهٌ، أَخَذَ بِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَنْبِيهٍ وَاقْتَرَنَ بِهِ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَنْبِيهٍ وَعُرْفٍ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ فِي الْمُرَادِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَفِيِّ الْأَحْكَامِ الَّتِي وُكِلَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا إلَى الِاسْتِنْبَاطِ، فَصَارَ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ لِخَفَائِهِ، وَخَارِجًا مِنْهُ لِإِمْكَانِ اسْتِنْبَاطِهِ. . [تَنْبِيهٌ حَمْلُ الْمُجْمَلِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ الْمُتَنَافِيَةِ] وَقَدْ يُحْمَلُ الْمُجْمَلُ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ غَيْرِ الْمُتَنَافِيَةِ نَظِيرَ الْعَامِّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ فِيهِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]

стр. 1806

فَإِنَّ السُّلْطَانَ مُجْمَلٌ، يَحْتَمِلُ الْحُجَّةَ وَالدِّيَةَ وَالْقَوَدَ، وَيَحْتَمِلُ الْجَمِيعَ، لَا جَرَمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُخَيِّرُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْكُلَّ بِالْإِضَافَةِ إلَى اللَّفْظِ سَوَاءٌ. قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ". . [مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَالُ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْإِفْرَادِ أَوْ التَّرْكِيبِ] ِ وَالْأَوَّلُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَعْرِيفِهِ كَلَفْظَةِ: " قَالَ " مِنْ الْقَيْلُولَةِ، وَالْقَوْلِ. " وَكَالْمُخْتَارِ " فَإِنَّهُ صَالِحٌ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ. يُقَالُ: اخْتَرْت فُلَانًا فَأَمَّا مُخْتَارٌ، وَهُوَ مُخْتَارٌ. قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: وَيَفْتَرِقَانِ تَقُولُ: فِي الْفَاعِلِ، مُخْتَارٌ لِكَذَا، وَفِي الْمَفْعُولِ مُخْتَارٌ مِنْ كَذَا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ، يُضَارِرُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ بِكَسْرِهَا - وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا. وَمِثْلُهُ ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] فِي احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ، قَالَهُ الْعَبْدَرِيّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ". وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَصْلِ وَضْعِهِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَانِيهِ مُتَضَادَّةً، كَ " الْقُرْءِ " لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ. وَ " النَّاهِلِ " لِلْعَطْشَانِ وَالرَّيَّانِ، وَ " الشَّفَقِ " لِلْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ؛ وَإِمَّا مُتَشَابِهَةً: " كَالْفَرَسِ " لِلْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ، وَالصُّورَةِ الَّتِي تُرْسَمُ عَلَى مِثَالِهِ. أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ: " كَالْعَيْنِ " لِلْعُضْوِ الْبَاصِرِ، وَيَنْبُوعِ الْمَاءِ. وَإِنْ شِئْت: قُلْت: إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَعَانِيَ كَثِيرَةً بِحَسَبِ خُصُوصِيَّاتِهَا فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ، وَإِمَّا بِحَسَبِ مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا وَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَقَالَ أَبُو الْعِزِّ الْمُقْتَرِحِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ أَنَّ الْمُجْمَلَ يَسْتَدْعِي

стр. 1807

ثُبُوتَ احْتِمَالَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ، سَوَاءٌ وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُمَا عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مَجَازٌ وَفِي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ. فَالْإِجْمَالُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ قَدْ يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَضْعِ، وَلَا يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ، فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا. وَأَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَسْمَاءِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ فِي الْأَفْعَالِ كَ " عَسْعَسَ " بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، أَوْ فِي الْحُرُوفِ، كَتَرَدُّدِ الْوَاوِ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ. فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] . وَتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْعَطْفِ وَالْحَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ عَاطِفَةً أَوْهَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِضَعْفِهِمْ حَدَثَ الْآنَ، وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى حُدُوثِ الْعِلْمِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إعْلَامُ عِبَادِهِ؛ وَإِنْ جُعِلَتْ غَيْرَ عَاطِفَةٍ كَانَ تَقْدِيرُهُ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، عَالِمًا أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَحْذُورٌ، وَيَجِبُ إضْمَارُ " قَدْ " حِينَئِذٍ. وَنَحْوُ تَرَدُّدِ " مِنْ " بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالتَّبْغِيضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ: اجْعَلُوا ابْتِدَاءَ الْمَسْحِ مِنْ الصَّعِيدِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: امْسَحُوا وُجُوهَكُمْ بِبَعْضِ الصَّعِيدِ، فَلِهَذَا اشْتَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ لِمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ غُبَارٌ، يَعْلَقُ بِالْيَدِ، لِتَحَقُّقِ الْمَسْحِ بِبَعْضِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا فِي تَرْكِيبِهِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا: فِي الْمُرَكَّبِ بِجُمْلَتِهِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، وَلِذَلِكَ

стр. 1808

اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ، وَمَالِكٌ بِالثَّانِي. وَمِنْهَا: فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ ﵇: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَلَكِنْ لَا كَبَاقِي الْمَسَاجِدِ؛ بَلْ إنَّمَا أَزِيدُ أَوْ أَنْقُصُ مِنْهَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ؛ بَلْ إمَّا مُسَاوٍ أَوْ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ. وَمِنْهَا: فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ إذَا تَقَدَّمَهُ أَمْرَانِ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَقَوْلِهِ ﵇: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» فَضَمِيرُ الْجِدَارِ يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ عَلَى نَفْسِهِ أَيْ فِي جِدَارِ نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى جَارِهِ، أَيْ فِي جِدَارِ جَارِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. وَالْأَصَحُّ امْتِنَاعُ الْوَضْعِ إلَّا بِإِذْنٍ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] فَإِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِمِيلَادِهِ، فَيَكُونَ الْمَأْمُورُ بِذَبْحِهِ إسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِنُبُوَّتِهِ، وَيَكُونَ هُوَ الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ. وَمِنْهَا: فِي مَرْجِعِ الصِّفَةِ، نَحْوُ: زَيْدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَهَارَةِ مُطْلَقًا، وَالْمَهَارَةُ فِي الطِّبِّ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْبَسِيطِ " مِنْ النَّحْوِيِّينَ: إذَا اجْتَمَعَتْ صِفَتَانِ فَصَاعِدًا

стр. 1809

لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ، قَالَ قَوْمٌ: الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لِلْأَوَّلِ وَحْدَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ لِمَجْمُوعِ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: قَالَ الْأَصْحَابُ: الْمُجْمَلُ عَلَى أَوْجُهٍ: مِنْهَا: أَنْ لَا يَرْجِعَ اللَّفْظُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَقَوْلُهُ ﵇: «إلَّا بِحَقِّهَا» فَإِنَّ الْحَقَّ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَجْهُولٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فَإِنَّهُ صَارَ مُجْمَلًا لِمَا دَخَلَهُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَفْعَلَ ﷺ فِعْلًا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ احْتِمَالًا وَاحِدًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، فَهُوَ مُجْمَلٌ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ وَالْقَصِيرَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ. قَالَ: وَهَذِهِ الْوُجُوهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي إجْمَالِهَا وَافْتِقَارِهَا إلَى الْبَيَانِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: فِي تَعَدُّدِ الْمَجَازَاتِ الْمُتَسَاوِيَةِ مَعَ مَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ يَصِيرُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْمَجَازَاتِ، إذْ لَيْسَ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ كَمَا هُوَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَوَاطِئِ. كَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يُحْمَلْ الْمُشْتَرَكُ عَلَى مَعَانِيهِ، لَكِنَّ قَاعِدَةَ الشَّافِعِيِّ حَمْلُهُ عَلَى سَائِرِ الْمَعَانِي احْتِيَاطٌ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانٍ. أَمَّا إذَا تَكَافَأَتْ الْمَجَازَاتُ، وَتَرْجِيحُ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ كَنَفَيْ الصِّحَّةِ، كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ. . . وَلَا صِيَامَ» أَوْ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ غَرَضًا أَوْ أَعْظَمُ مَقْصُودًا، كَرَفْعِ الْحَرَجِ، وَتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي» وَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] حُمِلَ عَلَيْهِ.

стр. 1810

وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظٍ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّصَهَا الْكِتَابُ. الثَّانِي: أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ، الثَّالِثُ: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بَيَّنَهَا الْكِتَابُ. الرَّابِعُ: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ، وَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَاحِدٌ. وَفِيهِ سُؤَالٌ وَهُوَ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ، فَإِنَّ عَمَّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ فِي الْآيَتَيْنِ، أَوْ الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَسْتَوِيَا فِيهِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي آيَةِ الْبَيْعِ الْعُمُومُ، وَفِي آيَةِ الزَّكَاةِ الْإِجْمَالُ. وَسَبَقَ جَوَابُهُ فِي بَابِ الْعُمُومِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْمَلَةً، لِأَنَّ الْبَيْعَ مَعْقُولٌ فِي اللُّغَةِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ فِي الْبُيُوعِ الَّتِي فِيهَا الرِّبَا، فَأَمَّا بَيْعٌ لَا رِبَا فِيهِ فَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ التَّحْلِيلِ، وَكَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ مُجْمَلٌ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الزِّيَادَةِ دُونَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَأْخَذُهُ مُحْتَمَلٌ، لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ فِي الْمُفْرَدِ لِلْعُمُومِ أَوْ الْجِنْسِ الصَّادِقِ عَلَى الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، أَوْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لِلْعُمُومِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] جَارٍ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، إذْ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ، وَلَيْسَ كُلُّ زِيَادَةٍ حَرَامًا، وَبِهِ يُشْعِرُ تَفْصِيلُ الْإِمَامِ. وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْعَهْدِ وَالْعُمُومِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ لَا يَعُمُّ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، ثُمَّ هُوَ جَزْمٌ بِالْإِجْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يَقْتَضِي تَحْلِيلَ كُلِّ بَيْعٍ

стр. 1811

وَقَوْلَهُ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ بَيْعٍ، لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ إلَّا وَتُقْصَدُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ، فَالرُّجُوعُ إذْنٌ إلَى بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقِيلَ: الْبَيْعُ الَّذِي لَا زِيَادَةَ فِيهِ هُوَ بَيْعُ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ مَعَ التَّجَانُسِ، فَهُوَ حَلَالٌ لَيْسَ فِيهِ إجْمَالٌ، وَإِنَّمَا الْإِجْمَالُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً، فَبَعْضُ مَا يَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ حَلَالٌ، وَالْبَعْضُ حَرَامٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُخَصَّصَةٌ لَا مُجْمَلَةٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الْبَعْضُ دُونَ الْكُلِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ بِأَصْلِ الْوَضْعِ. وَقِيلَ: إنَّ الْبَيْعَ مُجْمَلٌ، لِأَنَّ الرِّبَا مُجْمَلٌ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْبَيْعِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يَعُودُ بِالْإِجْمَالِ عَلَى أَصْلِ الْكَلَامِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الرِّبَا عَامٌّ فِي الزِّيَادَاتِ كُلِّهَا، وَكَوْنُ الْبَعْضِ غَيْرَ مُرَادٍ فَرْعُ تَخْصِيصٍ، فَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِ دَلَالَةُ الْأَوْضَاعِ. وَمِنْهَا: الْآيَاتُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَقَوْله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ غَيْرُ مُجْمَلَةٍ، فَتُحْمَلُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ دُعَاءٍ، وَالصَّوْمُ عَلَى كُلِّ إمْسَاكٍ، وَالْحَجُّ عَلَى كُلِّ قَصْدٍ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَعَانٍ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهَا فِي اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَافْتَقَرَتْ إلَى الْبَيَانِ، هَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَعَلَهُمَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مَنْقُولَةٌ، أَوْ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ. فَمَنْ قَالَ: مَنْقُولَةٌ، قَالَ: هِيَ مُجْمَلَةٌ. قَالَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَمَنْ قَالَ: حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ. قَالَ: هِيَ عَامَّةٌ.

стр. 1812

وَنَسَبَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " الْقَوْلَ بِالْإِجْمَالِ فِي هَذَا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهُ مِنْ الْمُجْمَلِ، لِأَنَّ مَدْلُولَ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ مُخْتَلِفٌ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ الِاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَإِنْ ضَمَّ إلَيْهِ أَوْصَافًا وَشُرُوطًا، فَقَدْ ضَمَّ إلَى السَّرِقَةِ فِي آيَةِ الْقَطْعِ بِهَا نِصَابًا وَحِرْزًا، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ. وَمِنْهَا: الْأَلْفَاظُ الَّتِي عُلِّقَ التَّحْرِيمُ فِيهَا عَلَى الْأَعْيَانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِهَا، لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُوصَفُ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا الْمَوْصُوفُ بِهِمَا أَفْعَالُنَا، وَهِيَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، فَافْتَقَرَ إلَى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَفْعَالِ، وَمَا لَا يَحْرُمُ، وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيّ، وَتِلْمِيذُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ. وَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا، فَاخْتَلَفُوا لِأَيِّ وَجْهٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْمَلَةً، لِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْهُ التَّصَرُّفُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ وَوَطْئِهَا، وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَأَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لِقَوْلِهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، فَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» فَدَلَّ عَلَى

стр. 1813

أَنَّ تَحْرِيمَهَا أَفَادَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَّجِهْ اللَّعْنُ فِي الْبَيْعِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَسُلَيْمٌ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَا أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُ الْعَيْنِ نَفْسِهَا. وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُ أَفْعَالِنَا، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ حَقِيقَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْعَيْنِ، مَجَازٌ فِي تَحْرِيمِ الْفِعْلِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي إثْبَاتِ التَّحْرِيمِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُمْ رَجَعُوا فِي ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ. وَجَعَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَهُ: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ» . قَالَ: فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مُجْمَلٌ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَدْخُلُ فِي التَّحْرِيمِ، إنَّمَا تَدْخُلُ الْأَفْعَالُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُرُورَ أَوْ الْمُكْثَ، فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ إضْمَارُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ مُتَعَيِّنًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هِيَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ الْمُقْتَضَى هَلْ لَهُ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ مُقَدَّرَاتِهِ أَمْ لَا؟ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِمَّنْ يَمْنَعُ الْعُمُومَ فِي بَابِهِ، وَيَقُولُ بِهِ هَاهُنَا، إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ نَفْيِ الْإِجْمَالِ وَالْعُمُومِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» عَلَى وَجْهَيْنِ:

стр. 1814

أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ مُجْمَلٌ، لِأَنَّ الْمُجْمَلَ يُوجَدُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي الْجَوَازِ أَوْ الْفَضِيلَةِ، وَلَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْخَبَرِ، فَلَيْسَ إضْمَارُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْعُمُومَ لِلْأَلْفَاظِ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، وَإِضْمَارُ أَحَدِهِمَا خِلَافُ الْأَصْلِ، فَيَجِبُ الْعُمُومُ. قَالَ: وَقُلْت: أَمَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ الشَّرْعِ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي الْعَمَلِ دُونَ صِفَتِهِ، فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ شَرْعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُغْنِي عَنْ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: إذَا قِيلَ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، «وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» أَفَادَ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إذَا وَقَعَ بِهَذَا صَحَّ، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَصِحَّ. وَهَذَا مَعْقُولُ الْخِطَابِ. وَقِيلَ: أَرَادَ الْكَمَالَ لَا الصِّحَّةَ. وَلَنَا إذَا بَطَلَ الصِّحَّةُ، بَطَلَ الْكَمَالُ أَيْضًا. فَهُوَ أَكْثَرُ عُمُومًا فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، لَيْسَ الْمُرَادُ إخْرَاجَهُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ صِحَّتَهُ أَوْ كَمَالَهُ، لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامِلًا بِنِيَّتِهِ. وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ. لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ، وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ الْبَعْضَ. وَحَكَاهُ فِي الْمُعْتَمَدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ

стр. 1815

آخَرُونَ: لَا إجْمَالَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ: يَقْتَضِي مَسْحَ الْجَمِيعِ، لِأَنَّ الرَّأْسَ حَقِيقَةٌ فِي جَمِيعِهِمَا، وَالْبَاءَ إنَّمَا دَخَلَتْ لِلْإِلْصَاقِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِيمَا حَكَاهُ " صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": إنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ. قَالَ: لِأَنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى حَرْفِ التَّعَدِّيَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مَسَحْته كُلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفِيدَ دُخُولُهُ الْبَاءَ فَائِدَةً جَدِيدَةً، فَلَوْ لَمْ يُفِدْ التَّبْعِيضَ لَبَقِيَ اللَّفْظُ عَارِيًّا عَنْ الْفَائِدَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ، فَيَصْدُقُ بِمَسْحِ الْبَعْضِ. وَنَسَبَهُ فِي " الْمَحْصُولِ " لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا: وَهُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِثْبَاتِهِ مَجِيءَ الْبَاءِ لِلتَّبْعِيضِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ ثُبُوتَ التَّبْعِيضِ بِالْعُرْفِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَنَّهَا تُفِيدُ فِي اللُّغَةِ تَعْمِيمَ مَسْحِ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يُسَمَّى رَأْسًا، وَهُوَ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لَا لِلْبَعْضِ، لَكِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي إلْحَاقَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ إمَّا جَمِيعَهُ، وَإِمَّا بَعْضَهُ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ الْأَوْلَى، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ لَا إجْمَالَ. اهـ. قُلْتُ: وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ": فَكَانَ مَعْقُولًا فِي الْآيَةِ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا، فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ تَحْتَمِلْ الْآيَةُ إلَّا هَذَا، وَهَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهَا، أَوْ مَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ. قَالَ: فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ مَسْحَ رَأْسِهِ كُلِّهِ، وَإِذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ فَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ مَسَحَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ. اهـ. فَلَمْ يَثْبُتْ التَّبْعِيضُ بِالْعُرْفِ كَمَا زَعَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ.

стр. 1816

وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا، لِأَنَّهُ إذَا أَفَادَ إلْصَاقَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ تَعْمِيمٍ أَوْ تَبْعِيضٍ صَارَ مُحْتَمِلًا لَهُمَا، فَيَصِيرُ مُجْمَلًا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ صَارَ مُفِيدًا لِلتَّبْعِيضِ مَمْنُوعٌ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: مَذْهَبُ الْأَوَّلِينَ أَقْرَبُ إلَى النَّصِّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَقْرَبُ إلَى الْفِعْلِ. وَمِنْهَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: آيَةُ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةٌ، إذْ الْيَدُ لِلْعُضْوِ مِنْ الْمَنْكِبِ وَالْمَرْفِقِ وَالْكُوعِ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيهَا، وَالْقَطْعُ لِلْإِبَانَةِ وَالشَّقِّ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، بَلْ الْيَدُ حَقِيقَةٌ فِي الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَلِمَا دُونَهُ مَجَازٌ، لِصِحَّةِ بَعْضِ الْيَدِ، وَلِفَهْمِ الصَّحَابَةِ إذْ مَسَحُوا إلَى الْآبَاطِ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَالْمَجَازُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْيَدُ فِي الشَّرْعِ تُسْتَعْمَلُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً، فَالْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلَى الْكُوعِ بِدَلِيلِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ. وَقَوْلِهِ: «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» وَقَوْلِهِ: «إذَا أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْمُقَيَّدَةُ بِحَسَبِ مَا قُيِّدَتْ بِهِ، كَآيَةِ الْوُضُوءِ، فَلَا إجْمَالَ، وَالْقَطْعُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِبَانَةِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الشِّقِّ لِوُجُودِهَا فِيهِ، وَالتَّوَاطُؤُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ. وَمِنْهَا: مَا وَرَدَ مِنْ الْأَوَامِرِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَوْلُهُ ﵇: «الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ» فَذَهَبَ

стр. 1817

الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تُفِيدُ الْإِيجَابَ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ فِيهِ إلَى دَلِيلٍ يُعَيِّنُ جِهَةً مِنْ الْجِهَاتِ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْحَمْلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْخَبَرُ لِأَنَّا نَجِدُ مُطَلَّقَةً لَا تَتَرَبَّصُ، وَجُرْحًا لَا يَقْتَصُّ، وَثَيِّبًا لَا تُشَاوَرُ. وَاللَّفْظُ لَا يَتَعَرَّضُ لِجِهَةٍ أُخْرَى بِالنَّصِّ فَلَا بُدَّ فِي تَعْيِينِ الْجِهَةِ مِنْ دَلِيلٍ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ اللَّهِ. فَلَوْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَةِ الْخَبَرِ، لَزِمَ الْخُلْفُ فِي خَبَرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى إرَادَةِ الْأَمْرِ، كَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " وَأَدْخَلَهُ فِي بَابِ الْإِجْمَالِ. . [مَسْأَلَةٌ حَرْفُ النَّفْيِ قَدْ يَدْخُلُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ] ِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] ثُمَّ قَالَ: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] فَنَفَاهَا أَوَّلًا، ثُمَّ أَثْبَتَهَا ثَانِيًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْأَصْلِ، بَلْ نَفْيَ الْكَمَالِ. وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ الْقَرِينَةِ، فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» وَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَنَحْوُهُ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ أَمْ لَا؟ فَنُقِلَ الْإِجْمَالُ عَنْ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، والْجُبَّائيّيْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إلَّا أَنَّ الْجُبَّائِيَّيْنِ ادَّعَيَا الْإِجْمَالَ مِنْ وَجْهٍ، وَالْقَاضِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَقَالَ ابْنُ الْإِبْيَارِيِّ: إنَّمَا صَارَ الْقَاضِي

стр. 1818

إلَى الْإِجْمَالِ، لِأَنَّهُ نَفَى الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ، وَاَلَّذِي دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى نَفْيِهِ مَوْجُودٌ، فَافْتَقَرَ إلَى التَّقْدِيرِ، وَتَعَدُّدِ الْمُقَدَّرِ. وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الرَّأْيِ. وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْوَقْفَ. قَالَ: وَهُوَ غَيْرُ مَذْهَبِ الْإِجْمَالِ، فَيَقُولُ: يَحْتَمِلُ عِنْدِي نَفْيَ الْإِجْزَاءِ وَنَفْيَ الْكَمَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: وَالْقَائِلُ بِالْإِجْمَالِ يَقُولُ: إنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الصَّالِحَةِ لِلنَّفْيِ. قُلْتُ: وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". بَلْ صَرَّحَ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ بِمُجْمَلٍ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا عَامَّةٌ، مِنْهُمْ: الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إنَّهُ الظَّاهِرُ. قَالَ: وَتَجَاهَلَ قَوْمٌ فَقَالُوا: لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى دَفْعِهِ. قَالَ شَارِحُ " اللُّمَعِ ": وَاخْتَلَفُوا إلَى مَاذَا يَعُودُ النَّفْيُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إلَى نَفْيِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ، وَالصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَهُ بِهِ الشَّرْعُ، وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ مَعَ شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ، فَاسْتَغْنَى هَذَا عَنْ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي الْمُضْمَرِ، وَعَنْ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَعَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ (﵇) بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ. وَقِيلَ: بَلْ يُرْجَعُ إلَى الصِّفَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الِاعْتِدَادُ فِي الْكِفَايَةِ، كَمَا يُرْجَعُ النَّفْيُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ لَيْسَ فِي الْبَلَدِ سُلْطَانٌ، عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِمَا الْكِفَايَةُ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً، فَهِيَ مَعْقُولَةٌ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَنَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَلْفُوظِ بِهِ.

стр. 1819

وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي النَّفْيِ إذَا وَقَعَ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَاذَا يُحْمَلُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُلْحَقُ بِالْمُجْمَلَاتِ، لِأَنَّ نَفْيَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الذَّوَاتِ، وَمَعْلُومٌ ثُبُوتُهَا حِسًّا، فَقَدْ صَارَ الْمُرَادُ مَجْهُولًا. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهَا لَا تَضَعُ هَذَا النَّفْيَ لِلذَّاتِ فِي كُلِّ مَكَان، وَإِنَّمَا تُورِدُهُ مُبَالَغَةً، فَتَذْكُرُ الذَّاتَ، لِيَحْصُلَ لَهَا مَا أَرَادَتْ مِنْ الْمُبَالَغَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الذَّاتِ، وَسَائِرُ أَحْكَامِهَا، وَيُخَصُّ الذَّاتُ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يُرِدْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَمْ تَقْصِدْ الْعَرَبُ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ، وَلَكِنْ لِنَفْيِ أَحْكَامِهَا، وَمِنْ أَحْكَامِهَا الْكَمَالُ وَالْإِجْزَاءُ، فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى الْعُمُومِ فِيهَا. وَأَنْكَرَ هَذَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَصِحُّ دَعْوَاهُ فِيمَا يَتَنَافَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَفْيَ الْكَمَالِ يُشْعِرُ بِحُصُولِ الْإِجْزَاءِ، فَإِذَا قُدِّرَ الْإِجْزَاءُ مَنْفِيًّا لِتَحَقُّقِ الْعُمُومِ، قُدِّرَ ثَابِتًا لِتَحَقُّقِ إشْعَارِ نَفْيِ الْكَمَالِ بِثُبُوتِهِ، وَهَذَا يَتَنَاقَضُ، وَمَا يَتَنَاقَضُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَمَالَ، وَصَارَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى التَّوَقُّفِ بَيْنَ نَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ، وَادَّعَوْا الِاحْتِمَالَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَا بِمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، فَعَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ يَخْرُجُ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَالْقَائِلُونَ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي نَفْيِ الْوُجُودِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ قَطْعًا، فَاقْتَضَتْ إيهَامًا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي نَفْيِ الْوُجُودِ، وَنَفْيِ الْحُكْمِ، فَصَارَ مُجْمَلًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ نَفْيِ الْجَوَازِ وَنَفْيِ الْوُجُودِ. قَالَ الْمُقْتَرِحُ: وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِ الْقَاضِي. قُلْت: قَدْ سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْهُ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ ". وَصَرَّحَ بِنَقْلِهِ عَنْهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَرَدَّهُ.

стр. 1820

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: الصَّحِيحُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى نَفْيِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، دُونَ صِفَتِهِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَيُغْنِي عَنْ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَصْلِ نَفْيُ صِفَتِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ لَفْظَ النَّفْيِ فِي الشَّرْعِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْعَيْنِ، كَقَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» فَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» فَإِنَّمَا أَرَادَ ذِكْرَ الْقَلْبِ، وَلَا يَصِحُّ بِدُونِهِ. وَقَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَانَ الطَّاهِرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا» انْتَهَى. وَأَجَازَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ تَقْدِيرَ نَفْيِ الصِّحَّةِ، وَحَكَى عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ نَفْيَ الْكَمَالِ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ النَّفْيَ ظَاهِرٌ فِي الْإِجْزَاءِ. مُحْتَمِلٌ عَلَى الْخَفَاءِ لِنَفْيِ الْكَمَالِ، فَإِنْ عَضَّدَهُ دَلِيلٌ قَوِيٌّ يَزِيدُ عَلَى قُوَّةِ الظُّهُورِ انْصَرَفَ إلَى الْكَمَالِ وَإِلَّا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِجْزَاءِ. فَعُرْفُ الشَّرْعِ عِنْدَهُمْ عُرْفٌ مَقْصُودٌ، وَلَهُ فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ تَصَرُّفٌ، وَمَعْنَى الْإِجْزَاءِ عِنْدَهُمْ أَسْمَاءُ الصُّورَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، وَنَفْيَ الْكَمَالِ. قَالَ: وَيَجْرِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ: " يُوقَفُ الْمُحْتَمَلُ " يُجْعَلُ هَذَا مَوْقُوفًا، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَالْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اخْتَلَفُوا: هَلْ النَّفْيُ انْصَبَّ إلَى الْأَعْيَانِ وَالْأَحْكَامِ فَهُوَ عَامٌّ فِيهِمَا، ثُمَّ خُصَّتْ الْأَعْيَانُ بِدَلِيلِ الْحِسِّ أَوْ الْعَقْلِ، وَبَقِيَتْ الْأَحْكَامُ عَلَى مُوجِبِهَا، وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِّ، أَوْ انْصَبَّ إلَى الْأَحْكَامِ فَقَطْ، وَلَا يُقَدَّرُ دُخُولُ الْأَعْيَانِ لِيَحْتَاجَ إلَى تَخْصِيصِهِ، لِأَنَّهُ ﵇ -

стр. 1821

لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَحْسُوسَاتِ، فَهُوَ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ الْأَحْكَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ، مُؤَوَّلٌ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ، فَيُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهَكَذَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ "، وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ "، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْقَطَّانِ. قَالَ: وَلِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ طَرِيقَانِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ بَاطِلٌ، أَوْ يَقُولَ: لَا كَذَا إلَّا بِكَذَا، فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَصْرِفُهُ عَنْهُ إلَى الْكَمَالِ وَالْفَضِيلَةِ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ آكَدِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ فِي إيجَابِ الشَّيْءِ. ثُمَّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " تَبَعًا لِلْقَاضِي: الَّذِي نَرْتَضِيهِ إلْحَاقُ اللَّفْظِ بِالْمُحْتَمَلَاتِ لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالْكَمَالِ، وَيَسْتَحِيلُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلَا طَرِيقَ إلَى التَّوَقُّفِ لِتَعَيُّنِ لَفْظِ الْمُحْتَمَلَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فِي ادِّعَاءِ الْإِجْمَالِ. قُلْنَا: الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِينَ ادَّعَوْا الْإِجْمَالَ أَوَّلًا اسْتَنَدُوا إلَى تَوَقُّعِ نَفْيِ الْأَعْيَانِ، وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَنَحْنُ أَسْنَدْنَا ادِّعَاءَ الْإِبْهَامِ إلَى الْأَحْكَامِ. قَالَ: ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ صِيَغِ الْعُمُومِ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَمْ نَحْتَجْ إلَى إيضَاحِ وَجْهِ الْإِجْمَالِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: فَقَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» مَنْ قَالَ: إنَّ النَّفْيَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، مَنَعَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا. وَقَالَ: إنَّ النَّفْيَ يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ، وَالْمَصِيرُ إلَى الْجَوَازِ وَالْكَمَالِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَمَنْ جَعَلَهُ عَامًّا فِي الْجَمِيعِ زَعَمَ أَنَّهُ يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ،

стр. 1822

وَثُبُوتُ الْعَيْنِ بِالدَّلِيلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الظَّاهِرِ فِيمَا بَعْدَهُ. وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. وَالْمُخْتَارُ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ إنْ دَخَلَ عَلَى مُسَمًّى شَرْعِيٍّ، كَالصَّلَاةِ، فَالْمُرَادُ نَفْيِ الصِّحَّةِ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَيْهِ، فَلَا إجْمَالَ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى مُسَمًّى حَقِيقِيٍّ، نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حُكْمٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ كَقَوْلِهِ: لَا شَهَادَةَ لِمَجْلُودٍ فِي قَذْفٍ، إذْ لَا يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمَانِ: الْفَضِيلَةُ، وَالْجَوَازُ فَهُوَ مُجْمَلٌ، لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَنَحْوِ: (لَا يَسْتَوِي) لَا يُسَمَّى مُجْمَلًا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِعُمُومِهِ. فَائِدَةٌ الْمُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ» مَنَعَ ابْنُ الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ تَقْدِيرَ مَنْ قَدَّرَ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ» ، بِقَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ: مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يَجُوزُ حَذْفُهَا، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ بَعْضِهَا. قَالَ: وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ لَا كَمَالَ صَلَاةٍ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ فَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ": مَنْ قَدَّرَ لَا صِيَامَ صَحِيحٌ أَوْ مُجْمَلٌ، فَقَدْ أَبْعَدَ. لِأَنَّ حَذْفَ الصِّفَةِ وَإِبْقَاءَ الْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لَمْ يَأْتِ إلَّا فِي قَوْلِهِمْ: سِيرِي سَيْرَ، وَأَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ وَإِبْقَاءُ الصِّفَةِ. .

стр. 1823

[مَسْأَلَةٌ الْمُقَدَّرُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ] ُ» ] وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الرَّفْعِ أَيْضًا، نَحْوُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ» قَالَ الْغَزَالِيُّ. قَضِيَّةُ اللَّفْظِ رَفْعُ نَفْسِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَالْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ حُكْمِهِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ الْحُكْمُ الَّذِي عُلِمَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ إرَادَتُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ دَفْعُ الْإِثْمِ فَلَيْسَ بِعَامٍّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مِنْ الضَّمَانِ، وَلُزُومِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، وَلَا هُوَ يُحْمَلُ بَيْنَ الْمُؤَاخَذَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى الذَّمِّ نَاجِزًا وَإِلَى الْعُقُوبَاتِ آجِلًا، وَبَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَضَاءِ لَا صِيغَةَ لِعُمُومِهِ حَتَّى يُجْعَلَ عَامًّا فِي كُلِّ حُكْمٍ، كَمَا لَمْ يُجْعَلْ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عَامًّا فِي كُلِّ فِعْلٍ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ الْفِعْلِ. ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا إذَا وَرَدَ فِي مَوْضِعٍ لَا عَيْنَ فِيهِ فَهُوَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْأَثَرِ مُطْلَقًا، أَوْ نَفْيَ الْبَعْضِ. وَحَكَى شَارِحُ " اللُّمَعِ " فِي هَذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُجْمَلٌ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ، وَهُوَ إمَّا الْإِثْمُ أَوْ الْحُكْمُ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى شَيْءٍ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: نَحْمِلُهُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ فَائِدَةً. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ لُغَةً، فَإِنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: رَفَعْت عَنْك جِنَايَتَك، عُقِلَ مِنْهُ رَفْعُ الْمُؤَاخَذِ عَنْ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ، فَعَلَى هَذَا [هَلْ] يَرْجِعُ الرَّفْعُ إلَى الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ، أَوْ إلَى جَمِيعِ

стр. 1824

الْأَحْكَامِ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا فِي " الْإِرْشَادِ ". وَجَمَعَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ " الْمَحْصُولِ " ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُجْمَلٌ. وَالثَّانِي: الْحَمْلُ عَلَى رَفْعِ الْعِقَابِ آجِلًا وَالْإِثْمِ نَاجِزًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ فِي الْعُرْفِ، وَلَيْسَ بِعَامٍّ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ. الثَّالِثُ: وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ " حَمَلَهُ عَلَى رَفْعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْت: وَمِمَّنْ حَكَى الثَّلَاثَةَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَنَسَبَ الثَّالِثَ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ، وَاخْتَارَ هُوَ الثَّانِيَ أَعْنِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ خَاصَّةً. . [مَسْأَلَةٌ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا دَارَ بَيْنَ مَدْلُولَيْنِ] مَسْأَلَةٌ فِي أَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا دَارَ بَيْنَ مَدْلُولَيْنِ إنْ حُمِلَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَفَادَ مَعْنًى وَاحِدًا، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْآخَرِ أَفَادَ مَعْنَيَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ أَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِهِمَا، فَهَلْ هُوَ مُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْ هُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ؟ قَالَ الْهِنْدِيُّ: ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى الثَّانِي، وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْت: وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الْإِجْمَالِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَمَنْ لَمْ.

стр. 1825

يَجْعَلْهُ مُجْمَلًا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَيَيْنِ مَجَازًا فِي الْوَاحِدِ. وَاللَّفْظُ الدَّائِرُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ مُجْمَلًا لَا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا عَيْنًا، بَلْ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ احْتِمَالًا سَوَاءٌ، أَوْ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ، مَجَازًا فِي الْمَعْنَيَيْنِ وَبِالْعَكْسِ، وَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا، وَلَا يَرْجِعُ لِسَبَبِ إفَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ، ثُمَّ قَالَ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَيَيْنِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْمَلًا؛ أَوْ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، فَالْحَقِيقَةُ مُرَجَّحَةٌ قَطْعًا. وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَا مَجَازَيْنِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ حَقِيقَتَيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا حَقِيقَةً وَالْآخَرُ مَجَازًا فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَا مَجَازَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَسْتَشْكِلُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ، لِأَنَّ نِسْبَةَ الْمَجَازَيْنِ إلَى اللَّفْظِ نِسْبَةُ الْحَقِيقَتَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ لِمُتَسَاوِيَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَا حَقِيقَتَيْنِ أَوْ مَجَازَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَقِيقَةً مَرْجُوحَةً، وَالْآخَرُ مَجَازًا رَاجِحًا عِنْدَ الْقَائِلِ بِتَسَاوِيهِمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ وَيَنْزِلُ كَلَامُ الْآمِدِيَّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا تَرْجِيحُ الْإِجْمَالِ، وَقَوْلُهُمْ: الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ أَكْثَرُ فَائِدَةً مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ هَذَا صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَعَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ يَنْزِلُ قَوْلُ الْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ أَحَدٌ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْآخَرِ ذِي الْمَعْنَيَيْنِ الْمُغَايِرَيْنِ لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ، بَلْ الظَّاهِرُ الْإِجْمَالُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَجَّحَ الْمُجْمَلُ ذُو الْمَعْنَيَيْنِ، لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ فَائِدَةً.
следующие страницы →