Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
مُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّك إذَا قُلْت: مَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ عَنْ زَيْدٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كَانَ الْقِيَاسَ، وَلَكِنَّهُ أَتَى عَلَى غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَامْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ هَذَا الْبَابِ فِيهِ، فَيَفُوتُ كُلُّ مَعْنَاهُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَصَدُوا إثْبَاتَ ذَلِكَ وَنَفْيَ مَا يَتَوَهَّمُ الْمُتَوَهِّمُ مِمَّا يُضَادُّ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» فَإِنَّ الْمَعْنَى إثْبَاتُ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ، لَا إثْبَاتُ الطَّهَارَةِ لَهَا خَاصَّةً، يَلْزَمُ أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ وُجِدَتْ، إذْ قَدْ تُوجَدُ الطَّهَارَةُ وَلَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ آخَرَ.
الثَّانِيَةُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي الْقُوَّةِ: الْحَصْرُ بِإِنَّمَا، نَحْوُ: إنَّمَا زَيْدٌ فِي الدَّارِ، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي غَيْرِهَا. قَالَ إِلْكِيَا: وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْغَايَةِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " فَقَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، وَوَالَاهُ، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثُهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ.
وَالثَّانِي: لَا يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ عَمَّنْ أَعْتَقَ. وَلِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ": مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا فِي قُوَّةِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ.
وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَأَبُو حَامِدٍ، وَالْمَرْوَرُوذِيُّ إلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا فِي قُوَّةٍ (مَا، وَإِلَّا) ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِيهَا بِالْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ عَلَى وَجْهَيْنِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَإِذَا انْتَفَى حُكْمُ الْإِثْبَاتِ عَمَّا عَدَاهُ، فَقَدْ
стр. 1927
اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُوجِبِ نَفْيِهِ عَنْهُ.
أَحَدُهُمَا: أَوْجَبَهُ لِسَانُ الْعَرَبِ لُغَةً. وَالثَّانِي: أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْخِطَابِ شَرْعًا. قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا النَّوْعِ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ جَوَابًا أَوْ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ. اهـ.
وَقَدْ قَالَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: " إنَّمَا " لِتَحْقِيقِ الْمُتَّصِلِ، وَتَمْحِيقِ الْمُنْفَصِلِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْقَاضِي الْقَوْلَ بِهِ بَعْدَ تَرَدُّدِهِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ قَوْلِك: إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَلَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ.
وَقَدْ سَمَّى أَهْلُ اللُّغَةِ ذَلِكَ تَمْحِيقًا وَتَحْقِيقًا، وَنَفْيًا وَإِثْبَاتًا، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ اقْتِضَاءُ النَّفْيِ، ثُمَّ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِدَلِيلٍ. فَمَنْ قَالَ بِالْمَفْهُومِ، قَالَ: هَذَا نَقِيضُ النَّفْيِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ تَرَدَّدَ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ، مُحْتَمَلٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَاخْتَارَهُ. وَقَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ الْحُرُوفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى " إنَّمَا " بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ. وَفِيهِ مَا يَتَعَيَّنُ اسْتِحْضَارُهُ هُنَا.
الثَّالِثَةُ: حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ مَقْرُونًا بِاللَّامِ نَحْوَ: الْعَالِمُ زَيْدٌ، أَوْ مُضَافًا نَحْوَ: صَدِيقِي زَيْدٌ، يُفِيدُ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ عَهْدٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِإِفَادَتِهِ الْحَصْرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْهَرَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
وَأَنْكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَتَبِعَهُمْ الْآمِدِيُّ.
[مَفْهُومُ الْحَصْرِ هَلْ يُفِيدُ بِالْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ]
وَاخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُفِيدُ الْحَصْرَ بِالْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ؟ فَذَهَبَ
стр. 1928
الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَاسْتَدَلَّ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] قَالَ: وَهَذَا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ الْحَصْرَ.
وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى الثَّانِي. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا أَفَادَ الْحَصْرَ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ الْخَبَر أَوْ مُسَاوِيًا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ لُغَةً وَعَقْلًا، فَلَا يَجُوزُ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ، وَلَا: الزَّوْجُ عَشَرَةٌ، بَلْ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَالْعَشَرَةُ زَوْجٌ. وَالْعَرَبُ لَمْ تَتَّبِعْ إلَّا الصِّدْقَ، وَالْمُسَاوِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا فِي مُسَاوِيهِ. وَالْأَخَصُّ مَحْصُورًا فِي أَعَمِّهِ. وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ أَخَصَّ، وَلَا مُسَاوِيًا. قَالُوا: فَلَوْ لَمْ تَقْتَضِ الْحَصْرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ مِنْ الْخَبَرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. بَيَانُهُ: أَنَّا إذَا قُلْنَا: الْعَالِمُ زَيْدٌ، فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَيْسَتْ لِلْجِنْسِ قَطْعًا وَلَا لِلْعَهْدِ، فَتَعَيَّنَ. أَنْ تَكُونَ لِمَاهِيَّةِ الْعَالِمِ، وَتِلْكَ الْمَاهِيَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِ زَيْدٍ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ انْحَصَرَتْ الْعَالِمِيَّةُ فِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي غَيْرِهِ فَتَكُونُ أَعَمَّ مِنْ زَيْدٍ، وَزَيْدٌ أَخَصُّ مِنْهَا. وَقَدْ أَخْبَرْتُمْ عَنْهَا فَلَزِمَ الْإِخْبَارُ بِالْأَعَمِّ عَنْ الْأَخَصِّ، كَمَا ادَّعَيْنَا.
قِيلَ: وَهَذَا الدَّلِيلُ إنَّمَا يَتِمُّ بِجَعْلِ الْعَالِمِ مُخْبِرًا عَنْهُ. وَزَيْدٌ مُخْبِرًا بِهِ. أَمَّا لَوْ جَعَلَ الْعَالِمَ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ: الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ الْعَالِمُ. ثُمَّ نَقُولُ: الْعَالِمُ زَيْدٌ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَأَيْضًا لَوْ جَعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْعَالِمِ لِلْمَعْهُودِ، وَهِيَ مَعْنَى الْكَامِلِ وَالْمُشْتَهِرِ فِي الْعَالِمِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ، وَلَا يُفِيدُ الْحَصْرَ. هَذَا إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ مَعْرِفَتَيْنِ، وَقَدْ خُيِّرْنَا فِيهِمَا، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً وَالْخَبَرُ نَكِرَةً، نَحْوُ: زَيْدٌ قَائِمٌ، فَلَا حَصْرَ فِيهَا قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ زَيْدٌ فِي الْقِيَامِ قَطْعًا.
وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ: صَدِيقِي زَيْدٌ، فَلَيْسَ
стр. 1929
بِصَحِيحٍ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ الْمُبْتَدَأُ لَفْظًا خَاصًّا لَا عَامًّا، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي هَذَا الْغَلَطِ كَوْنُ الصَّدَاقَةِ لَفْظًا عَامًّا. نَعَمْ، هُوَ عَامٌّ إذَا انْفَرَدَ فَلَمْ يَقَعْ خَبَرًا وَلَا مُبْتَدَأً وَلَا صِفَةً، فَيُقَالُ: " صَدِيقِي " يَصْلُحُ لِلْخَبَرِيَّةِ عَنْ وَاحِدٍ وَعَنْ أَكْثَرَ، فَإِذَا وُصِفَ بِهِ مَوْصُوفٌ أَوْ أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مُبْتَدَأٍ كَانَ مُفْرَدًا إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ أَوْ الْمَوْصُوفُ مُفْرَدًا. فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَدَأُ أَوْ الْمَوْصُوفُ مُثَنًّى أَوْ جَمْعًا كَانَ هُوَ كَذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الضَّمَائِرُ الْمُقَدَّرَةُ فِيهِ، فَإِنَّمَا تُقَدَّرُ عَلَى وَفْقِ مَنْ تَعُودُ عَلَيْهِ. مِثَالُهُ: زَيْدٌ صَدِيقِي هُوَ، وَالزَّيْدَانِ صَدِيقِي هُمَا، وَالزَّيْدُونَ صَدِيقِي هُمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ: زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّك إنْ أَخَّرْت صَدِيقِي كَانَتْ الصَّدَاقَةُ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ فِي زَيْدٍ، وَإِنْ قَدَّمْته كَانَتْ مَحْصُورَةً فِيهِ، وَكَلَامُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ فِي الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَزَعَمَ أَيَّهُمَا قُدِّمَ فَهُوَ الْمُبْتَدَأُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بِاسْتِوَاءِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَوَجَّهَ قَوْمٌ قَوْلَ الْإِمَامِ: إنَّ " صَدِيقِي " مُقْتَضٍ لِلْخَبَرِيَّةِ، لِإِفَادَتِهِ النِّسْبَةَ إلَى زَيْدٍ، فَإِذَا كَانَ خَبَرًا وَأَخَّرْته لَمْ يَلْزَمْ الْحَصْرُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَعَمَّ، كَقَوْلِك: زَيْدٌ عَالِمٌ، فَإِذَا قَدَّمْته مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا فَلَمْ تُقَدِّمْهُ إلَّا لِغَرَضٍ، وَلَا غَرَضَ إلَّا قَصْدُ الْحَصْرِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْرِفَتَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا كَانَ أَسْبَقُهُمَا الْمُبْتَدَأَ، فَإِذَا قُلْت: زَيْدٌ صَدِيقِي، فَلَا حَصْرَ لِجَوَازِ عُمُومِ الْخَبَرِ، وَإِذَا قُلْت: صَدِيقِي زَيْدٌ أَفَادَ الْحَصْرَ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ صَدِيقِي، فَلَوْ قَدَّرْت الْخَبَرَ عَامًّا لَمْ يَسْتَقِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُطَابَقَتِهِ، وَأَنْ لَا صَدِيقَ سِوَاهُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَيْسَ الْقَوْلَانِ بِقَوِيَّيْنِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْمَعْرِفَتَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْمُقَدَّمُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ
стр. 1930
مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَحِينَئِذٍ: فَقَوْلُك: صَدِيقِي زَيْدٌ أَوْ زَيْدٌ صَدِيقِي، إمَّا أَنْ تُرِيدَ بِالصَّدِيقِ مَعْهُودًا أَوْ عُمُومَ الْأَصْدِقَاءِ، فَإِنْ قَصَدَ وَاحِدًا، وَقَدَّمَ زَيْدًا أَوْ أَخَّرَهُ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَإِنْ قَصَدَ عُمُومَ الْأَصْدِقَاءِ وَقَدَّمَ زَيْدًا أَوْ أَخَّرَهُ، وَجَبَ الْعُمُومُ. فَإِذَا قُلْت: صَدِيقِي زَيْدٌ، أَيْ إنَّ كُلَّ صَدَاقَةٍ لِي مَحْصُورَةٌ فِي زَيْدٍ، أَوْ زَيْدٌ صَدِيقِي، فَزَيْدٌ هُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ، لَا صَدِيقَ سِوَاهُ، وَجَبَ الْحَصْرُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَلَوْ سَلَّمَ تَعْيِينَ " صَدِيقِي " لِلْخَبَرِيَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْخَاصُّ فَلَا عُمُومَ فِي التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ أَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ. وَإِنَّمَا فُهِمَ التَّغَايُرُ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ: الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلَيْسَ هُوَ نَظِيرَهُ.
[الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ مَعْرِفَةً وَالْخَبَرُ نَكِرَةً هَلْ يُفِيدُ الْحَصْرَ]
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ مَعْرِفَةً، وَالْخَبَرُ نَكِرَةً، هَلْ يُفِيدُ الْحَصْرَ؟ فَقِيلَ: لَا يُفِيدُ أَصْلًا. وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُهُ «فَلْيَتَّقِ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . وَقِيلَ: يُفِيدُهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يُفِيدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيلَ: إنَّهُ بِالْمَفْهُومِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلُوهُ.
قَالَ: وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَفْهُومِ الْمُتَلَقَّى مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ. وَمَنْ قَالَ: زَيْدٌ صَدِيقِي لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ الصَّدَاقَةِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ: صَدِيقِي زَيْدٌ اقْتَضَاهُ. قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ ادِّعَاءُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ عَلَيْهِ،
стр. 1931
لِأَنَّهُ غَيَّرَ نَظْمَ الْكَلَامِ، فَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الِاهْتِمَامِ وَحَصْرِ الصَّدَاقَةِ فِيهِ، وَهُوَ تَابِعٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ مَنْطُوقٌ، وَجَعَلَهُ دُونَ " إنَّمَا " فِي الْقُوَّةِ، وَكَذَلِكَ إِلْكِيَا، وَقَالَ: إنَّ تَلَقِّي الْحَصْرِ فِيهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَجَعَلَ جِنْسَ التَّحْرِيمِ مَحْصُورًا فِي الْمُسْكِرِ. وَالصَّدَاقَةُ مُبْتَدَأً، وَالْمُبْتَدَأُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطَبِ وَضْعًا، وَالصَّدَاقَةُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِصَرْفِهَا إلَى الْجِنْسِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جِنْسُ الصَّدَاقَةِ مَحْصُورٌ فِي زَيْدٍ. وَلَوْ قَالَ: زَيْدٌ صَدِيقِي، لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا صَدِيقَ سِوَاهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَاقَةَ خَبَرًا، وَلَمْ يَجْعَلْهَا مُبْتَدَأً، فَلَمْ يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ. قَالَ: وَيُتَلَقَّى الْحَصْرُ مِنْ فَحَوَى اللَّفْظِ، وَنَظْمِ الْكَلَامِ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ: إنَّ تَلَقِّي الْمَفْهُومِ مِنْ الْفَحْوَى لَا يَسْقُطُ، لِظُهُورِ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ الْعَادَةِ أَوْ السُّؤَالِ حَتَّى يَجُوزَ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فِي نَفْيِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْمُصَافَاةِ. قَالَ: فَيَرْجِعُ حَاصِلُ نَظَرِ الْإِمَامَ إلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنَّ حُكْمَ الْمُخَالَفَةِ يُتَلَقَّى مِنْ الْفَحْوَى، فَهُوَ يَدُلُّ بِالْمَنْطُوقِ لَا بِالْمَفْهُومِ. اهـ.
[مَسْأَلَةٌ فِي اللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ]
مَسْأَلَةٌ هَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي اللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ أَمَّا الَّتِي لِلتَّعْرِيفِ أَيْ لِلْعَهْدِ فَلَا. ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الذَّخَائِرِ " مِنْ الْفُقَهَاءِ. قَالَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى زَوَائِدِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي
стр. 1932
بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» فَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلْبَائِعِ فِيمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ.
فَأَجَابَ: لِلْمَذْهَبِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ لِلتَّعْرِيفِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ مِثْلِ هَذَا بِالضَّمَانِ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ قِيَامُ الدَّلِيلِ مِنْ خَارِجِ أَنَّ ضَمَانَ الْغَاصِبِ وَالْمَقْبُوضِ عَنْ فَسْخِ الْبَيْعِ وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ الضَّمَانُ فِيهَا، وَلَا خَرَاجَ لِلضَّامِنِ بِالضَّمَانِ. وَقَدْ كَانَتْ قِصَّةُ الْحَدِيثِ فِي بَيْعٍ وُجِدَ فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْخَرَاجِ بِمِلْكٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمَانًا. إذْ لَا حَصْرَ إلَّا فِي اللَّقَبِ وَاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ. هَذَا كَلَامُهُ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ الْحَصْرَ]
الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، نَحْوُ: زَيْدٌ هُوَ الْعَالِمُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] . ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] . ذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِيهِ ": صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] . فَإِنَّهُ لَمْ يُسَقْ إلَّا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمْ الْغَالِبُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] .
стр. 1933
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] . وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ إلَّا لِلْفَائِدَةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] سِوَى الْحَصْرِ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولَاتِ عَلَى عَوَامِلِهَا]
تَقْدِيمُ الْمَعْمُولَاتِ عَلَى عَوَامِلِهَا، نَحْوُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] . وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " وَغَيْرُهُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحَصْرِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا خِلَافَ فِي إفَادَةِ هَذَا الْحَصْرِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ لَا الْمَنْطُوقِ. وَذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ أَيْضًا. وَرَدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ "، وَالشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ. وَقَالَ: الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ. فَقَالَ: كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ، وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعَنَى، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مُهْتَمًّا بِهِمَا أَوْ بِعِنَايَتِهِمَا. اهـ.
وَهَذَا إنَّمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الْفَاعِلِ الَّذِي يَتَعَدَّاهُ فِعْلُهُ إلَى مَفْعُولٍ. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُك: ضَرَبَ زَيْدًا عَبْدُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: وَكَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ. . . إلَى آخِرِهِ. وَلَيْسَ هَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ عَلَى الْعَامِلِ، لَا فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْفَاعِلِ. وَذَكَرَهُ فِي بَابِ: " مَا يَكُونُ فِيهِ الِاسْمُ مَبْنِيًّا عَلَى الْفِعْلِ ". قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُك: زَيْدًا ضَرَبْت، فَالِاهْتِمَامُ وَالْعِنَايَةُ هُنَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ مِثْلُهُ فِي ضَرَبَ زَيْدٌ عُمْرًا، وَضَرَبَ زَيْدًا
стр. 1934
عَمْرٌو، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي شَابَهُ بِهَا تَقْدِيمَ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ أَوْ الْعَكْسِ فِي الْمِثَالَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إلَّا الِاهْتِمَامُ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْعَامِلِ وَهِيَ الْحَصْرُ.
وَالْحَقُّ أَنَّ التَّقْدِيمَ يُفِيدُ الِاهْتِمَامَ، وَقَدْ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ الِاخْتِصَاصَ بِقَرَائِنَ، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الِاخْتِصَاصُ وَعَدَمُهُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] فَإِنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْأُولَى قَطْعًا. لِلِاخْتِصَاصِ، وَفِي " إيَّاهُ " قَطْعًا لِلِاخْتِصَاصِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْبَيَانِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ غَالِبٌ لَا لَازِمٌ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] إنْ جَعَلْنَا مَا بَعْدَ الظَّرْفِ مُبْتَدَأً.
وَقَدْ رَدَّ صَاحِبُ " الْفَلَكِ الدَّائِرِ " الْقَاعِدَةَ بِالْآيَةِ الْأُولَى. قِيلَ: وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ " الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ [الزمر: ٢] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ سَوَاءٌ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ، فَإِنَّهُ حَيْثُ أَخَّرَ الْمَعْمُولَ أَتَى بِمَا يَنُوبُ عَنْ التَّقْدِيمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مُخْلِصًا﴾ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ التَّقْدِيمِ دَلَّ عَلَى إفَادَتِهِ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَرَادَ الْآيَةَ الْأُخْرَى، وَهِيَ: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] فَقَدْ ذَكَرَ " مُخْلِصًا " فِيهِمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
стр. 1935
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي " الْفَلَكِ الدَّائِرِ ": الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ إلَّا بِالْقَرَائِنِ، وَإِلَّا فَقَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الرَّوَاسِي لَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ، فَقَدْ كَانَتْ حَوَّاءُ كَذَلِكَ. وَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا نَفَشَتْ إلَّا فِيهِ، لِأَنَّ النَّفْشَ: انْتِشَارُ الْغَنَمِ مِنْ غَيْرِ رَاعٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] فُقِدَ الظَّرْفُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا حُكْمَهُمْ. وَقَالَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصْلِحْ زَوْجَةَ أَحَدٍ غَيْرِهِ. قَالَ: وَفِي الْكِتَابِ أَلْفُ آيَةٍ مِثْلُ هَذِهِ تُبْطِلُ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ. اهـ. وَأَنْتَ إذَا عَرَفْت قَيْدَ الْعِلَّةِ سَهُلَ الْأَمْرُ. نَعَمْ، لَهُ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْمُولُ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَضْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مُقَدَّمًا حَقِيقَةً، كَأَسْمَاءِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمُبْتَدَأِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهُ مَعْمُولًا لِخَبَرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِمَصْلَحَةِ التَّرْكِيبِ، مِثْلُ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْبَيَانِيِّينَ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ، وَالْحَصْرَ، وَالْقَصْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ مِنْ الْحَصْرِ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُقَيِّدٌ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ. وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى
стр. 1936
أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ حُجَّةٌ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدْ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ.
وَخَالَفَهُمْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ إعْطَاءُ الْحُكْمِ لِشَيْءٍ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، فَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَالْحَصْرُ إعْطَاءُ الْحُكْمِ لَهُ وَالتَّعَرُّضُ لِنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، فَفِي الِاخْتِصَاصِ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي الْحَصْرِ قَضِيَّتَانِ. فَإِذَا قُلْت: لَا قَائِمَ إلَّا زَيْدٌ فَفِيهِ إثْبَاتُ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ. وَهَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ أَوْ الْمَفْهُومِ خِلَافٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا إذَا قُلْت بَعْدَهُ: وَعَمْرٌو، وَهَلْ هُوَ نَسْخٌ أَوْ تَخْصِيصٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْطُوقِ فَهُوَ نَسْخٌ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ فَتَخْصِيصٌ.
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَصْرَ غَيْرُ الِاخْتِصَاصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَقْصُرُ رَحْمَتَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ، وَلَا تَخْتَصُّ بِهَا، لِأَنَّهَا لَا تُخْتَصُّ، بَلْ مَدْلُولُ الْآيَةِ أَنَّهُ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَغَيْرُهُمْ يُعْرِضُ عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ
يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ، فَإِنَّ الْخَبَرَ مَعْمُولٌ لِلْمُبْتَدَأِ عَلَى الصَّحِيحِ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَةِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي الْخَبَرِ الْحَصْرَ]
مَسْأَلَةٌ [فِي إفَادَةِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي الْخَبَرِ الْحَصْرَ]
لَامُ التَّعْرِيفِ فِي الْخَبَرِ، نَحْوُ: زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ. ذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي
стр. 1937
نِهَايَةِ الْإِعْجَازِ " وَهُوَ مُقْتَضٍ حَصْرَ الْخَبَرِ فِي الْمُبْتَدَإِ عَكْسَ الْحَصْرِ فِي الْمُبْتَدَإِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ مَحْصُورًا فِي الثَّانِي. فَإِذَا قُلْت: الصَّدِيقُ هُوَ الْخَلِيفَةُ، وَزَيْدٌ هُوَ الْمُحَدِّثُ، أَيْ لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا غَيْرُهُ. وَاللَّازِمُ ثُبُوتُهُ فِي هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ هُوَ النَّقِيضُ لَا الْحَصْرُ، وَلَا الْخِلَافُ.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: قَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ لِلْحَصْرِ أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ: " إنَّمَا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ "، نَحْوُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَلَفْظُ " ذَلِكَ "، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْإِضَافَةُ، كَقَوْلِهِ: (تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) . قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ لَفْظَةُ: " إنَّمَا ". قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ لِمَالِكٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ لَامَ كَيْ عِنْدَهُ مِنْ حُرُوفِ الْحَصْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
[مَسْأَلَةُ التَّعْلِيلِ بِالْمُنَاسَبَةِ]
قَالَ الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": الْخِلَافِيُّونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ التَّعْلِيلُ بِالْمُنَاسَبَةِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ، لِأَنَّ قَوْلَنَا: افْعَلْ كَذَا لِكَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فَلَعَلَّهُ لِكَذَا، فِي الْعُرْفِ وَالِاسْتِعْمَالِ. فَإِذَا قَالَ: أَعْطَيْت هَذَا لِفَقْرِهِ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَقُولَ: أَعْطَيْته لِعِلْمِهِ.
стр. 1938
[كِتَابُ النَّسْخِ]
ِ وَالنَّظَرُ فِيهِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ. أَمَّا فِي اللُّغَةِ: فَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْإِبْطَالَ وَالْإِزَالَةَ، وَمِنْهُ نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالرِّيحُ آثَارَ الْقَدَمِ. وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْقُرُونِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَسْكَرِيُّ. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ بَعْدَ الثُّبُوتِ، وَمِنْهُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ أَيْ نَقَلْته. وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] . وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْأَرْوَاحِ وَالْمَوَارِيثِ. وَسُمِّيَ قَوْمٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُتَنَاسِخَةَ. لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَنْتَقِلُ مِنْ هَيْكَلٍ إلَى هَيْكَلٍ، وَمِنْ قَالِبٍ إلَى قَالِبٍ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِزَالَةِ مَجَازٌ فِي النَّقْلِ. وَعَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَالرَّازِيَّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. وَذَهَبَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا، وَذَهَبَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " إلَى أَنَّهُ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ التَّوَاطُؤُ، لِأَنَّ بَيْنَ نَسْخِ الشَّمْسِ الظِّلَّ وَنَسْخِ الْكِتَابِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا، وَهُوَ الرَّفْعُ، وَهُوَ
стр. 1939
فِي نَسْخِ الظِّلِّ بَيِّنٌ، لِأَنَّهُ زَالَ بِضِدِّهِ. وَفِي نَسْخِ الْكِتَابِ مُقَدَّرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَلَامَ الْمَنْقُولَ بِالْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَفَادًا إلَّا مِنْ الْأَصْلِ، فَكَانَ لِلْأَصْلِ بِالْإِفَادَةِ خُصُوصِيَّةٌ، فَإِذَا نَسَخْتُ الْأَصْلَ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةُ، وَارْتِفَاعُ الْأَصْلِ وَالْخُصُوصِيَّةِ سَوَاءٌ فِي مُسَمَّى الرَّفْعِ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ التَّغْيِيرُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ، وَنَبَّهَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَلَى أَنَّ نَسَخْت الْكِتَابَ لَيْسَ مِنْ بَابِ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ يُشْبِهُ الْمَنْقُولَ. ثُمَّ قِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: بَلْ مَعْنَوِيٌّ يُبْنَى عَلَيْهِ جَوَازُ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ، فَمَنْ قَالَ: حَقِيقَةٌ فِي الْإِزَالَةِ مَجَازٌ فِي النَّقْلِ جَوَّزَهُ، وَمَنْ قَالَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا مَنَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ النَّسْخِ فِي الشَّرْعِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ مَنْقُولٌ إلَى مَعْنًى فِي الشَّرْعِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ فِي الشَّرْعِ مَعْنًى مُمَيَّزًا يَجْرِي مَجْرَى اسْمِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو هَاشِمٍ: إنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى فِي الشَّرْعِ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِاللُّغَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُفِيدُ إزَالَةَ مِثْلِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ، كَمَا يُفِيدُ فِي اللُّغَةِ الْإِزَالَةَ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَهُ عَلَى إزَالَةِ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا: " دَابَّةٌ " فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَنْقُولٍ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَدِبُّ. اهـ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ، كَمَا نُقِلَ اسْمُ الصَّلَاةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الشَّرْعِ بِرَفْعِ مِثْلِ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ الرَّفْعُ عَامًّا كَمَا خُصِّصَتْ الدَّابَّةُ بِالِاسْمِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا يَدِبُّ عَلَيْهَا.
стр. 1940
وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ. وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا يَحْصُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَرْفَعُ. وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى التَّعَلُّقِ، وَهُوَ حَادِثٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ نَفْسُهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَالْمُرَادُ ارْتِفَاعُ دَوَامِ الْحُكْمِ بِمَعْنَى تَكَرُّرِهِ، لَا ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ. وَتَقْيِيدُهُ بِالشَّرْعِيِّ يُخْرِجُ الْعَقْلِيَّ، كَالْمُبَاحِ الثَّابِتِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَرَّمَ فَرْدًا مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ لَمْ يُسَمَّ نَسْخًا، وَقُلْنَا. بِخِطَابٍ، لِيَعُمَّ وُجُوهَ الْأَدِلَّةِ، وَلْيَخْرُجْ الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ النَّسْخُ فِيهِمَا، وَلَا بِهِمَا، وَلْيَخْرُجْ ارْتِفَاعُهُ بِالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، وَكَمَنْ سَقَطَ رِجْلَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: نُسِخَ عَنْهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَحْصُولِ " مِنْ أَنَّهُ نَسْخٌ ضَعِيفٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ قَيْدَ " التَّرَاخِي " لِيَخْرُجَ الْمُتَّصِلُ بِالْحُكْمِ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ، وَالصِّفَةِ، لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِغَايَةِ الْحُكْمِ، وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ قَدْ مَنَعَ أَوَّلَهُ.
وَقَوْلُنَا: " رَفْعُ حُكْمٍ " يُغْنِي عَنْ هَذَا
стр. 1941
الْقَيْدِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الرَّفْعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا ثُبُوتَ الْحُكْمِ، لِأَنَّهَا تَخْصِيصَاتٌ. وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ غَيْرَ مُرَادٍ. وَقَوْلُنَا: بِخِطَابٍ أَيْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُرِدْ الثَّانِي، لَكَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بَاقِيًا. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ النَّسْخِ رَفْعًا هُوَ مُخْتَارُ الصَّيْرَفِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْغَزَالِيِّ، وَالْآمِدِيَّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَابْنِ الْإِبْيَارِيِّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ رَاجِعٌ إلَى كَلَامِ اللَّهِ. وَهُوَ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُزَالُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَرْفُوعَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ النِّسْبِيِّ لَا ذَاتُهُ وَلَا تَعَلُّقُهُ الذَّاتِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ شَارِحِي " الْبُرْهَانِ ": الْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ الرَّفْعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّنَاقُضِ فِي التَّعَلُّقِ. فَإِنَّ الْقَاضِيَ بَنَى عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَمْرَ يُفَارِقُ الْإِرَادَةَ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ يَتَعَلَّقُ بِمُتَعَلِّقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى الِاتِّحَادِ فِي نَفْسِهِ، وَالِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّعَلُّقِ، فَالْأَمْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِذَاتِ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ، فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَطْلُوبِ عَلَى الدَّوَامِ قَطْعًا، وَتَكُونُ الْإِرَادَةُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَطْلُوبِ نَفْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَيَكُونُ هَذَا التَّعَلُّقُ بَيَانًا لِلْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ، أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ الدَّوَامُ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بَعْضُ الْأَزْمِنَةِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْعِلْمُ بِالدَّوَامِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي تَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِمُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ عَلَى صِفَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، مَطْلُوبًا عَلَى التَّأْبِيدِ فِي الْوَقْتِ، وَفِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لَمْ يَخْتَلِفْ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ التَّعَلُّقُ وَالزَّمَانُ.
وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ،
стр. 1942
وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي وَقْتَيْنِ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ النَّسْخِ إلَى بَيَانِ الْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ.
[تَعْرِيفُ النَّسْخِ]
وَحَدَّهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ التَّأْخِيرِ عَنْ مَوْرِدِهِ، وَأَلْزَمُوا عَلَيْهِ كَوْنَ النَّسْخِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَنْسَخَ بِمَا بِهِ يُخَصِّصُ، فَيَنْسَخُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَبِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَإِلَى كَوْنِهِ بَيَانًا ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَسُلَيْمٌ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمْ. وَحَكَاهُ فِي " الْمَعَالِمِ " عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ. وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ النَّسْخَ تَخْصِيصًا وَبَيَانًا، أَيْ أَنَّ الْخِطَابَ الثَّانِي بَيَّنَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِيهَا مُرَادًا مِنْ الْخِطَابِ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ. فِي الْأَعْيَانِ كَذَلِكَ.
وَأَوْرَدُوا عَلَى مَنْ حَدَّهُ بِالرَّفْعِ بِأَنَّ الرَّافِعَ الْحَادِثَ إنْ وُجِدَ حَالَ وُجُودِ الْأَوَّلِ لَمْ يُنَافِهِ، وَإِنْ وُجِدَ حَالَ عَدَمِهِ لَمْ يَعْدَمْهُ، لِامْتِنَاعِ إعْدَامِ الْمَعْدُومِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّفْعَ كَالْكَسْرِ وَالِارْتِفَاعَ كَالِانْكِسَارِ، وَلِذَلِكَ يَجْعَلُونَ
стр. 1943
الرَّفْعَ كَفَسْخِ الْعُقُودِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّمَا عَدَلْنَا إلَى الْبَيَانِ احْتِرَازًا عَنْ تَعَارُضِ الرَّافِعِ وَالدَّافِعِ، وَالرَّفْعُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الدَّفْعِ، وَهَذَا مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ وَالدَّفْعَ مِنْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْأَلْفَاظُ دَلَائِلُ عَلَى إرَادَةِ الشَّارِعِ، وَالشَّارِعُ لَهُ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالثَّانِي أَيْضًا بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِدَوَامِ الْحُكْمِ أَبَدًا أَوْ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ الرَّفْعُ. أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِالدَّوَامِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ، لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ خِلَافِ مَعْلُومِهِ. وَأَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ انْتِهَاؤُهُ إلَى الْوَقْتِ، وَإِذَا كَانَ الِانْتِهَاءُ وَاجِبًا فِي ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الرَّفْعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ ارْتِفَاعُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِالِانْتِهَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَمْتَنِعُ الرَّفْعُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ تَعَلَّقَ بِالِانْتِهَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالْحَادِثِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ.
وَتَحْرِيرُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَهُ انْعِدَامٌ. وَتَحَقَّقَ انْعِدَامُهُ، لِانْعِدَامِ مُتَعَلَّقِهِ، لَا لِانْعِدَامِ ذَاتِ الْحُكْمِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَأَخِّرَ اللَّاحِقَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْأَوَّلِ، وَأَنَّ عِنْدَهُ يَتَحَقَّقُ عَدَمُ الْأَوَّلِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عَدَمِ الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ مُضَافٌ إلَى وُجُودِ الْحُكْمِ الْمُتَأَخِّرِ؟ فَيُقَالُ: إنَّمَا ارْتَفَعَ الْأَوَّلُ لِوُجُودِ الْمُتَأَخِّرِ اللَّاحِقِ، أَوْ لَا يُضَافُ إلَيْهِ بَلْ يُقَالُ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ انْتَهَى، لِأَنَّهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ لِلَّهِ، وَقَدْ عَلِمْنَاهَا بِالْحُكْمِ اللَّاحِقِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِذْنُ النِّزَاعِ فِي اسْتِنَادِ عَدَمِ السَّابِقِ إلَى وُجُودِ
стр. 1944
اللَّاحِقِ، فَالْأُسْتَاذُ يَقُولُ: الْحُكْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَلَاحِيَّةُ الدَّوَامِ، لِكَوْنِهِ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا نَعْرِفُهَا إلَّا بَعْدَ وُرُودِ النَّاسِخِ، فَيَكُونُ النَّسْخُ بَيَانًا، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ وَهْمُ مَنْ قَالَ: إنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ.
وَقَدَّرَ ابْنُ الْمُنِيرِ كَوْنَهُ لَفْظًا بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ يُثْبِتُونَ رَفْعًا مَعَ الْبَيَانِ، وَالْأُصُولِيُّونَ يُثْبِتُونَ بَيَانًا مَعَ الرَّفْعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ ثَابِتًا وَهُوَ بَعْدَ النَّسْخِ غَيْرُ ثَابِتٍ. وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا رَفْعًا يُنَاقِضُ الْإِثْبَاتَ وَيُجَامِعُهُ. وَالْأُصُولِيُّونَ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ كَانُوا عَلَى ظَنٍّ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْسَخُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْأَحْكَامِ الْقَرَارُ وَعَدَمُ النَّسْخِ، ثُمَّ بِالنَّسْخِ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ مِنْ الْأَوَّلِ نَسْخَهُ فِي الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ، لِأَنَّ الْإِرَادَةَ قَدِيمَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا اتِّفَاقًا فَلَا يَبْقَى لِلْخِلَافِ مَحَطٌّ. وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّ انْتِهَاءَ غَايَةِ الْحُكْمِ يُنَافِي بَقَاءَهُ، وَلَا نَعْنِي بِالرَّفْعِ إلَّا ذَلِكَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَافِعٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أَنَّ زَوَالَ الْأَعْرَاضِ بِالذَّاتِ أَوْ بِالضِّدِّ. فَمَنْ قَالَ بِبَقَائِهَا قَالَ: إنَّمَا يَنْعَدِمُ الضِّدُّ الْمُتَقَدِّمُ لِطَرَيَانِ الطَّارِئِ، وَلَوْلَاهُ لَبَقِيَ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِبَقَائِهَا قَالَ: إنَّهُ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَحْدُثُ الضِّدُّ الطَّارِئُ وَلَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إعْدَامِ الضِّدِّ الْأَوَّلِ. وَقَالَ إِلْكِيَا: زَعَمَ الْقَاضِي أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا جَعَلْنَا النَّصَّ الْأَوَّلَ مُوجِبًا حَقِيقَةً تَامًّا، وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْوُجُوبُ بِاقْتِضَائِهِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ انْتِهَاءُ الْأَوَّلِ فِي عِلْمِ اللَّهِ بِالنَّسْخِ بِأَمْرٍ يُخَالِفُ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ، وَيَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ وَضْعِ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ.
وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّ النَّسْخَ ظُهُورُ مَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ
стр. 1945
بِقَوْلِهِ: افْعَلْ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لِلطَّلَبِ، وَلَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يُنْهَى عَنْهُ. وَيَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: افْعَلْ إنْ لَمْ أَنْهَكَ عَنْهُ. وَقَالَ: اخْتَرْت عَلَى هَذَا الرَّأْيِ النَّسْخَ قَبْلَ مُضِيِّ إمْكَانِ الْفِعْلِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّهُ لَا ثُبُوتَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ. فَقِيلَ: لِلْإِمَامِ، فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ؟ فَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ الْمَقْرُونُ بِاللَّفْظِ، وَالنَّسْخُ مُتَرَاخٍ. وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَرَى ظُهُورَ الْمُنَافِي بِالْإِضَافَةِ إلَى اعْتِقَادِنَا التَّأْبِيدَ فِيهِ، وَعَلَى رَأْيِ الْفُقَهَاءِ: النَّسْخُ لَا يُصَادِفُ الْأَمْرَ، بَلْ يُصَادِفُ اسْتِمْرَارَهُ، وَعَلَى رَأْيِ الْآخَرِينَ لَا يُصَادِفُ لَا الْبَقَاءَ وَلَا الْأَمْرَ، وَلَكِنْ يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الِاسْتِقْبَالِ. وَهُوَ إنَّمَا يُصَادِفُ مَا اعْتَقَدْنَاهُ فِيهِ، فَيَرْفَعُ اعْتِقَادَنَا، وَالْبَقَاءُ ظَاهِرٌ فِي اعْتِقَادِنَا، وَهُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ انْتِهَاءٌ. فَعَلَى هَذَا النَّاسِخِ لَا يُضَادُّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ، وَلَا تُتَصَوَّرُ الْمُضَادَّةُ فِي إمْضَاءِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِطَرِيقِ الْبَدَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ.
وَحَدَّتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ زَائِلٌ، وَذَكَرُوا مَثَلًا لِيَحْتَرِزُوا بِهِ عَنْ الرَّفْعِ، وَجَوَّزُوا نَسْخَ الْعِبَادَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا.
وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ " الزِّيَادَاتِ ": اُخْتُلِفَ فِي النَّسْخِ فَقِيلَ: إزَالَةُ فَرْضِ الْعَمَلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقِيلَ: بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ. وَقِيلَ: انْتِهَاءُ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّرَاخِي بِدَلِيلٍ لَوْلَاهُ
стр. 1946
لَوَجَبَ اسْتِرْسَالُهُ عَلَى عَدَمِ الْعُمُومِ. وَقِيلَ: قَطْعُ حُكْمٍ تُوُهِّمَ دَوَامُهُ. قِيلَ: وَهَذَا أَصْلُ الْعِبَارَاتِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ. اهـ.
وَالْحَدُّ الثَّانِي حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَضَعَّفَهُ بِأَنَّ النَّسْخَ يَجْرِي فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": النَّاسِخُ مِنْ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ نَزَّلَهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ، كَمَا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ. وَقَالَ فِي " الرِّسَالَةِ ": وَهَكَذَا كُلُّ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ نَسْخُهُ تَرْكَ فَرْضِهِ، وَكَانَ حَقًّا فِي وَقْتِهِ، وَتَرْكُهُ حَقٌّ إذَا نَسَخَهُ، فَيَكُونُ مَنْ أَدْرَكَ فَرْضَهُ مُطِيعًا بِاتِّبَاعِ الْفَرْضِ النَّاسِخِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي النَّسْخِ عِنْدَنَا هُوَ أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، وَيُرِيدُ مِنْهُ بَعْضَهَا وَلَا يَكْشِفُ ذَلِكَ. ثُمَّ يَأْمُرُ بِأَمْرٍ ثَانٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ عَلَى هَذَا، إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا مَعَ الْأَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالْحَقُّ أَنَّ النَّسْخَ لِلْحُكْمِ كَالْفَسْخِ لِلْعَقْدِ، كَالْكَسْرِ لِلصَّحِيحِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ لَا يَجِيءُ هُنَا.
стр. 1947
[تَنْبِيهٌ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]
سَبَقَ فِي بَابِ التَّخْصِيصِ تَفْرِيقُ بَعْضِهِمْ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَرْفَعُ بَعْضَ الْحُكْمِ، وَالنَّسْخَ يَرْفَعُ الْكُلَّ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ النَّسْخُ رَافِعًا لِلْبَعْضِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، ثُمَّ رَفَعَ بَعْضَهُ يَكُونُ نَسْخًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ، كَمَا يُنْسَخُ الْكُلُّ. وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِالْعَرَايَا. وَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ جَعَلُوهُ مِنْ التَّخْصِيصِ، لِأَنَّ نَهْيَهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عَامٌّ، ثُمَّ رَفَعَ بَعْضَهُ بِالْعَرَايَا، وَقَوْلُهُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» إيرَادٌ عَلَى عُمُومِهِ تَمْرًا أَوْ غَيْرَ تَمْرٍ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ إبَاحَةُ الْعَرَايَا نَسْخًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ، لَا تَخْصِيصًا، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَلَا يَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ إرَادَةِ اللَّافِظِ ابْتِدَاءً، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ.
стр. 1948
[فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ النَّسْخِ]
أَرْكَانُ النَّسْخِ ثَلَاثَةٌ: النَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوخُ، وَالْمَنْسُوخُ عَنْهُ. أَمَّا النَّاسِخُ فَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَتَسْمِيَةُ خِطَابِهِ الدَّالِّ عَلَى النَّسْخِ نَاسِخًا تَوَسُّعٌ، إذْ بِهِ يَقَعُ النَّسْخُ، كَمَا يُقَالُ: صَوْمُ رَمَضَانَ نَاسِخٌ لِصَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَالْمَنْسُوخُ هُوَ الْمُزَالُ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ أَوْ الْمُبَيَّنُ عَلَى الْخِلَافِ. وَالْمَنْسُوخُ عَنْهُ هُوَ الْمُتَعَبِّدُ بِالْعِبَادَةِ الْمُزَالَةِ. .
[مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَاءَ]
وَلَا يَسْتَلْزِمُ النَّسْخُ الْبَدَاءَ إذْ النَّسْخُ بِأَمْرٍ، وَالْبَدَاءُ الظُّهُورُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ وَالْيَهُودِ، فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا اسْتِلْزَامَهُ. فَلَزِمَهُمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، فَقَالَتْ الْيَهُودُ: لَا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلَيْهِ لِامْتِنَاعِ الْبَدَاءِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ الرَّافِضَةُ: يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَيْهِ لِجَوَازِ النَّسْخِ مِنْهُ. وَالْكُلُّ كُفْرٌ. وَالثَّانِي أَغْلَظُ إذْ يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُكَفَّرُ بِأَنْ يُجْعَلَ التَّعَبُّدُ بِكُلِّ شَرْعٍ مُغَيَّا إلَى ظُهُورٍ آخَرَ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي النَّسْخِ يُؤَدِّي إلَى جَوَازِ الْبَدَاءِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ بِصِيغَتِهِ عِنْدَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَعْيَانِ وَالْأَزْمَانِ، حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ يَخُصُّهُ، وَلَفْظُ الْعُمُومِ فِي الْأَزْمَانِ لَا يَقْتَرِنُ بِهِ
стр. 1949
مَا يُنْسَخُ بَعْضُهُ، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْمَنْسُوخِ، مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ، فَلَا بُدَّ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَصَدَ إيجَابَ الْعِبَادَاتِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ، ثُمَّ يَدُلُّ دَلِيلٌ آخَرُ بَعْدَهُ عَلَى النَّسْخِ. اهـ. وَقَالَ إِلْكِيَا: لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَاءَ، لِأَنَّ النَّسْخَ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الثَّابِتِ زَائِلٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَنَّ وَقْتَ النَّهْيِ عَنْهُ غَيْرُ وَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَبَنَوْا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ نَسْخَ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِ إمْكَانِهِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَجَوَّزُوهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ لِمَفْسَدَةٍ، لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ عَبَثًا، وَتَقْدِيرُ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَوَّلِ ضَرْبٌ مِنْ الْبَدَاءِ، وَغَايَةُ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ مَشْرُوطٌ بِبَقَائِهِ أَوْ مَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ. فَإِذَا نُهِيَ عَنْهُ فَقَدْ زَالَ الشَّرْطُ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ الْفِعْلِ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ. وَلَيْسَ كَمَا إذَا قَالَ: أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا وَكَذَا. وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مُتَّصِلًا بِهِ، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ. وَهَاهُنَا النَّهْيُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْأَمْرِ، فَهُوَ كَقَوْلِك: أَمَرْتُكُمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لَكُمْ مَا يُنَافِيهِ.
فَائِدَةٌ [تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ فِي لَفْظِ الْبَدَاءِ]
حَكَى ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي كِتَابِ " النُّكَتِ " عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ لَفْظَ الْبَدَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْبُدُوُّ مِنْ بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو بَدْوًا وَبُدُوًّا، إذَا ظَهَرَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي " فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ ": وَهَذَا لَيْسَ
стр. 1950
بِصَحِيحٍ، فَقَدْ أَوْرَدَ هَذَا اللَّفْظَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي قَصِيدَتِهِ فِي " الْمَمْدُودِ وَالْمَقْصُورِ " فَقَالَ:
تُوصَى وَعَقْلُك فِي بَدَا ... فَكَذَاك رَأْيُك ذُو بَدَاءٍ
قَالَ التَّبْرِيزِيُّ: الْبَدَا الْمَقْصُورُ مَوْضِعٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَالْبَدَاءُ الْمَمْدُودُ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَدَا لِي فِي الْأَمْرِ، تُرِيدُ: تَغَيَّرَ رَأْيِي فِيهِ عَمَّا كَانَ. قُلْت: وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُحْكَمِ " عَنْ سِيبَوَيْهِ، فَقَالَ: بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو بَدْوًا وَبُدُوًّا وَبَدَاءً، الْأَخِيرَةُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. وَفِي " صِحَاحِ " الْجَوْهَرِيِّ: بَدَا لَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَدَاءً مَمْدُودٌ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ، فَقَالَ: صَوَابُهُ بَدَاءٌ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي " الرَّوْضِ ": الْمَصْدَرُ الْبُدُوُّ وَالْبَدْوُ، وَالِاسْمُ الْبَدَاءُ. وَلَا يُقَالُ فِي الْمَصْدَرِ بَدَا لَهُ بُدُوٌّ، كَمَا لَا يُقَالُ: ظَهَرَ لَهُ ظُهُورٌ بِالرَّفْعِ، لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ وَيَبْدُو هَاهُنَا هُوَ الِاسْمُ، نَحْوُ الْبَدَاءِ. قَالَ: وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْبُدُوَّ الظُّهُورُ كَانَ الْبَدَاءُ فِي وَصْفِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ مُحَالًا، لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو لَهُ شَيْءٌ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ، وَقَدْ يَجِيءُ بَدَا بِمَعْنَى أَرَادَ مَجَازًا كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي الثَّلَاثَةِ: الْأَقْرَعُ وَالْأَعْمَى وَالْأَبْرَصُ، وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ.
стр. 1951
تَنْبِيهٌ
مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّبْدِيلِ عَلَى النَّسْخِ، فَإِنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَإِقَامَةُ النَّاسِخِ مُقَامَهُ، وَذَلِكَ يُوهِمُ الْبَدَاءَ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] . .
[مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ شَرْعًا]
مَسْأَلَةٌ
[النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ شَرْعًا]
النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ سَمْعًا، خِلَافًا لِلْيَهُودِ غَيْرِ الْعِيسَوِيَّةِ، وَبَعْضِ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ عَقْلًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عَقْلًا وَمَنَعَهُ شَرْعًا، حَكَاهُ أَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَسَمَّاهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تَخْصِيصًا. فَقِيلَ: هُوَ إنْكَارٌ لِلْوُقُوعِ، وَهُوَ مَنْقُولُ الْآمِدِيَّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ عَنْهُ. وَقِيلَ: إنَّمَا أَنْكَرَ الْجَوَازَ، وَهُوَ مَنْقُولُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَسُلَيْمٍ، وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّانِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ خِلَافَهُ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إنْكَارُ النَّسْخِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ لَا يَرْتَفِعُ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَهِي بِنَصٍّ دَلَّ عَلَى انْتِهَائِهِ، فَلَا يَكُونُ نَسْخًا. اهـ. وَحَاصِلُهُ صَيْرُورَةُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا
стр. 1952
مُحَمَّدٍ ﷺ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ النَّسْخِ، حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ إنْكَارِهِ إنْكَارُ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ شَرْعَ الْمَاضِينَ كَانَ مُغَيَّا إلَى ظُهُورِهِ ﷺ فِي اللَّفْظِ. وَهُنَا مُبَاحَثَةٌ مَعَ الْيَهُودِ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا، وَهِيَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ التَّعَبُّدَ فِي الشَّرَائِعِ بِالْعِبَادَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ قِيَاسًا عَلَى التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِالتَّوْحِيدِ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ إلَى الْكُفْرِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَيَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِاسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَيَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِالتَّوْحِيدِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ مَعَ كَمَالِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَدْ جَوَّزُوا تَرْكَ التَّوْحِيدِ. وَإِنْ قَالُوا: لَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا امْتِنَاعَ فِي اخْتِلَافِ التَّعَبُّدِ بِالشَّرَائِعِ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَالْعَدَدِ، وَالْوَقْتِ، وَالزِّيَادَةِ، وَالنَّقْصِ. .
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ الْحُكْم وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ إعْلَامٌ]
مَسْأَلَةٌ
يَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ إعْلَامٌ بِأَنَّهُ سَيُنْسَخُ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَعَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ فِي الْجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الْآيَةَ. قَالُوا: فَهَذِهِ قَرِينَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَنْسَخُ الْقِبْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: رَأَيْت بَعْضَ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ التَّوْحِيدَ، وَيُتَّهَمُ
стр. 1953
بِالْإِلْحَادِ يَزْعُمُ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ مَقْرُونٍ بِاللَّفْظِ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَائِنٌ بَعْدُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: فَهَذَا قَوْلُ الْيَهُودِ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ. اهـ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْمَنْسُوخِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَإِلَّا لَكَانَ تَلْبِيسًا. وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَأَصْحَابُنَا قَالُوا: لَا يَجِبُ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ النَّسْخِ مِنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ فَفِي ضِمْنِ تِلَاوَتِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] نَبَّهَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا لَا يَدُومُ، فَنَسَخَتْهَا آيَةُ النُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ. وَلِذَا قَالَ ﷺ : «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» . قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ فِي كُلِّ آيَةٍ مَنْسُوخَةٍ، لَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا، فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَوَاهِدِ الْمَنْسُوخِ. .
[مَسْأَلَةٌ لَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ إلَّا مَعَ التَّعَارُضِ]
مَسْأَلَةٌ
لَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ إلَّا مَعَ التَّعَارُضِ، فَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فَلَا.
стр. 1954
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَنَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ سِوَاهَا. فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَا مُنَافَاةَ فِيهِ. وَإِنَّمَا وَافَقَ نَسْخُ عَاشُورَاءَ فَرْضَ رَمَضَانَ وَنَسْخُ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ فَرْضَ الزَّكَاةِ، فَحَصَلَ النَّسْخُ مَعَهُ لَا بِهِ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: حَكَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا خِلَافًا فِي أَنَّ النَّسْخَ فِي الْأَمْرِ أَوْ الْمَأْمُورِ. فَقِيلَ: وَقَعَ فِي الْأَمْرِ. وَقِيلَ: فِي الْمَأْمُورِ نَفْسِهِ. وَالْأَمْرُ هُوَ الْقَوْلُ. وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُخَاطَبُ. قَالَ: وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ فِي الْأَمْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّسْخَ يَقَعُ فِي الْآيَةِ. وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْخِلَافِ ابْنُ حَزْمٍ فِي " الْإِحْكَامِ ". وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَمْرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ أَصْلًا، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ فِعْلُنَا. وَفِعْلُنَا إنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنَّا فَقَدْ فَنَى وَلَا يَنْهَى عَمَّا مَضَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ وَقَعَ بَعْدُ، فَكَيْفَ يُنْسَخُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ هِيَ الْمَنْسُوخَةُ لَا أَفْعَالَنَا الْمَأْمُورَ بِهَا وَالْمَنْهِيَّ عَنْهَا. .
[مَسْأَلَةٌ الْمَنْسُوخُ]
مَسْأَلَةٌ
الْمَنْسُوخُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ نَفْسُهُ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: مِثْلُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. وَاَلَّذِي قَادَهُمْ إلَى ذَلِكَ مَذْهَبُهُمْ فِي أَنَّ الْأَوَامِرَ مُرَادَةٌ، وَأَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ لِلْحَسَنِ. وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ، وَقَدْ قَامَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ لَا تَرْتَبِطُ بِالْإِرَادَةِ، عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي الْأَحْكَامِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا بِصِفَةٍ نِسْبِيَّةٍ. قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ. .
стр. 1955
[مَسْأَلَةٌ اعْتِقَادُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُرُودِ النَّاسِخِ]
مَسْأَلَةٌ
يَجِبُ اعْتِقَادُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُرُودِ النَّاسِخِ إنْ بَقِيَ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ عَنْهُ بِضِدِّهِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَلَا يَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصَّصِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: أَمَّا فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَا يُقْطَعُ بِالْحُكْمِ قَبْلَ ظُهُورِ نَاسِخِهِ، لِأَنَّ دَوَامَهُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِجَوَازِ نُزُولِ الْوَحْيِ بِمَا يَنْسَخُهُ. وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَدْ انْتَفَى احْتِمَالُ النَّسْخِ وَصَارَ الْبَقَاءُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ. .
[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ النَّسْخِ]
مَسْأَلَةٌ
يَجُوزُ نَسْخُ النَّسْخِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِجَوَازِهِ أَوَّلًا قَدْ يَتَّفِقُ فِي الثَّانِي. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْهُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أُحِلَّ، ثُمَّ حُرِّمَ، ثُمَّ أُحِلَّ، ثُمَّ حُرِّمَ، إلَّا الْمُتْعَةَ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا نُسِخَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ. وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ حَزْمٍ فِي " الْإِحْكَامِ ". وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ حُكْمًا بِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْسَخَ ذَلِكَ الثَّانِيَ [بِثَالِثٍ] ، وَذَلِكَ الثَّالِثَ بِرَابِعٍ، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أُحِيلَتْ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَصَحَّ التَّكْرِيرُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ: نُسِخَتْ الْقِبْلَةُ مَرَّتَيْنِ، وَكَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَلُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَلَا أَحْفَظُ رَابِعًا. قُلْت: وَادَّعَى بَعْضُهُمْ تَكَرُّرَ النَّسْخِ فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. .
стр. 1956
[مَسْأَلَةٌ شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ]
مَسْأَلَةٌ
شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ عِيسَى بُعِثَ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵉، أَوْ بِشَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْمَطْلَبِ " ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَخْ كُلَّ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] لِأَنَّهُ لَمْ يُحْلِلْ لَهُمْ كُلَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مِنْهُ الزِّنَى وَالْقَتْلَ وَالسَّرِقَةَ، وَإِنَّمَا أَحِلَّ لَهُمْ السَّبْتَ، وَلَحْمَ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنْ الْحِيتَانِ وَالطَّيْرِ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ. وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لَمْ تُوجِبْهُ شَرِيعَةُ مُوسَى.
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ: رُوِيَ أَنَّ الرُّسُلَ بَعْدَ مُوسَى ﵇ كَانَتْ شَرِيعَتُهُمْ وَاحِدَةً مُوَافِقَةً لِشَرِيعَةِ مُوسَى، إلَى أَنْ جَاءَ عِيسَى ﵇ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ. قَالَ: وَمَنَعَ الْقَاضِي كَوْنَ الرَّسُولِ الثَّانِي يَأْتِي بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْأَوَّلِ سَوَاءً، أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ إذَا كَانَتْ شَرِيعَةُ الْأَوَّلِ مَحْفُوظَةً يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالتَّوَاتُرِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ إذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ جِهَتِهِ إلَّا مَا قَدْ عُلِمَ مِنْ قَبْلُ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا لَا شَرِيعَةَ مَعَهُ أَصْلًا لِمَا بَيَّنَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَجَابَ الْإِمَامُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ. .
стр. 1957
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي نَسْخِ الشَّرَائِعِ]
ِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " وَهُوَ أَنَّ الشَّرَائِعَ قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا يُعْرَفُ نَفْعُهَا بِالْعَقْلِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. وَمِنْهَا سَمْعِيَّةٌ لَا يُعْرَفُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا مِنْ السَّمْعِ. فَالْأَوَّلُ: يَمْتَنِعُ طُرُوُّ النَّسْخِ عَلَيْهَا كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ أَبَدًا، وَمَجَامِعُ هَذِهِ الشَّرَائِعِ الْعَقْلِيَّةِ أَمْرَانِ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
وَالثَّانِي: مَا يُمْكِنُ طَرَيَان النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَيْهِ أُمُورٌ تَحْصُلُ فِي كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الطَّاعَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِبَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَفَائِدَةُ نَسْخِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الْبَدَنِيَّةَ إذَا وَاظَبُوا عَلَيْهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ صَارَتْ كَالْعَادَةِ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَظَنُّوا أَنَّ أَعْيَانَهَا مَطْلُوبَةٌ لِذَاتِهَا. وَمَنَعَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَتَمْجِيدُهُ، فَإِذَا غَيَّرَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ رِعَايَةُ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَالْأَرْوَاحِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ انْقَطَعَتْ الْأَوْهَامُ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ وَالظَّوَاهِرِ إلَى عَلَّامِ السَّرَائِرِ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا: مِنْهَا: أَنَّ الْخَلْقَ طُبِعُوا عَلَى الْمَلَالَةِ مِنْ الشَّيْءِ، فَوَضَعَ فِي كُلِّ عَصْرٍ شَرِيعَةً جَدِيدَةً لِيَنْشَطُوا فِي أَدَائِهَا. وَمِنْهَا: بَيَانُ شَرَفِ نَبِيِّنَا ﵇، فَإِنَّهُ نَسَخَ بِشَرِيعَتِهِ شَرَائِعَهُمْ، وَشَرِيعَتُهُ لَا نَاسِخَ لَهَا. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ كَطَبِيبٍ يَأْمُرُ بِدَوَاءٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِخِلَافِهِ لِلْمَصْلَحَةِ.
стр. 1958
وَمِنْهَا: مَا فِيهِ مِنْ الْبِشَارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الْخِدْمَةِ وَمُؤْنَتِهَا عَنْهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَجَرَيَانُ النَّسْخِ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا يُؤْذِنُ بِرَفْعِهَا فِي الْجَنَّةِ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " أَنَّ فَائِدَةَ النَّسْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّخْفِيفُ عَنْهُمْ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِأَثْقَلَ. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ رَحْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِالْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا. .
стр. 1959
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ النَّسْخِ]
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا، أَيْ قَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ، ثُمَّ رُفِعَ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَفْعَلُهُ النَّاسُ بِعَادَةٍ لَهُمْ أُقِرُّوا عَلَيْهَا، ثُمَّ رُفِعَ كَاسْتِبَاحَتِهِمْ الْخَمْرَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ لَهُمْ إلَى أَنْ حُرِّمَ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا. وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، فَإِنَّ الْمُقْتَرِنَ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَلَيْسَ ذَلِكَ نَاسِخًا لِلصَّوْمِ نَهَارًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] . قَالَ إِلْكِيَا: هَذَا إذَا كَانَتْ الْغَايَةُ مَعْلُومَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً وَهِيَ الَّتِي رَمَزَ الشَّرْعُ إلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ تَرِدْ أَمْكَنَ إجْرَاءُ حُكْمِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] فَهَلْ يُجْعَلُ بَيَانُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ السَّابِقِ بَعْدَهَا نَسْخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ أَمْ لَا؟ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ نَسْخٌ بِحَقِّ شَرْعِيَّةِ الْجَلْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ كَمَا لَوْ قَالَ: افْعَلُوهُ إلَى أَنْ أَنْسَخَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ، فَارْتِفَاعُ الْحُكْمِ بِمَوْتِ
стр. 1960
الْمُكَلَّفِ أَوْ جُنُونِهِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ جُمْلَةً.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْفُوعُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ يَقْتَضِي دُخُولُهُ زَوَالَ الْمُغَيَّا بِغَايَةٍ، فَلَا يَكُونُ نَسْخًا عِنْدَ وُجُودِهَا.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ أَقْوَى مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلَهُ، فَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ مِنْهُ لَمْ يَنْسَخْهُ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُزِيلُ الْقَوِيَّ. قَالَ إِلْكِيَا: وَهَذَا مِمَّا قَضَى بِهِ الْعَقْلُ، بَلْ دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَنْسَخُوا نَصَّ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
السَّادِسُ: وَذَكَرَهُ إِلْكِيَا أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضَى بِالْمَنْسُوخِ غَيْرَ الْمُقْتَضَى بِالنَّاسِخِ، حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ. قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ بِالِاتِّفَاقِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ النَّاسِخُ مُتَنَاوِلًا لِمَا تَنَاوَلَهُ الْمَنْسُوخُ، أَعْنِي التَّكْرَارَ وَالْبَقَاءَ، إذْ لَا يُمْنَعُ فَهْمُ الْبَقَاءِ بِدَلِيلٍ آخَرَ سِوَى اللَّفْظِ، وَمِنْ هُنَا يُفَارِقُ التَّخْصِيصَ.
السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ نَسْخًا، مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا. فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِحَالٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَكَذَا مَا عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ يَتَأَبَّدُ وَلَا يَتَأَقَّتُ فَلَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ، كَشَرِيعَتِنَا هَذِهِ. قَالَ سُلَيْمٌ: وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ. وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي الْأَخْبَارِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا عَلَى خِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ. وَكَذَا قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ: الضَّابِطُ فِيمَا يُنْسَخُ مَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ مِنْ حُسْنٍ لِقُبْحٍ. .
[نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِالتَّأْبِيدِ]
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِالتَّأْبِيدِ وَجْهَيْنِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ صَرِيحَ التَّأْبِيدِ مَانِعٌ مِنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ. قَالَ: وَأَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ. قُلْت: وَنَسَبَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ إلَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ
стр. 1961
فِي " الْمُعْتَمَدِ " إلَى الْمُحَقِّقِينَ. قَالَ: لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي لَفْظِ التَّأْبِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُبَالَغَةُ لَا الدَّوَامُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ كَالْمُؤَكَّدِ. وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ انْقِطَاعُ الْمُؤَبَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ جَازَ انْقِطَاعُهُ بِالنَّسْخِ كَالْمُطْلَقِ. وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ الْمُؤَكَّدِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ جَوَازُ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ فِيهِ بِكَلِمَةِ التَّأْبِيدِ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الْجَصَّاصُ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا امْتِنَاعُ نَسْخِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَنَا اعْتِقَادَ الْحُكْمِ بَاقِيًا عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ مُؤَقَّتًا إلَى وَقْتٍ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَالدَّبُوسِيُّ، والبزدويان الْأَخَوَانِ، وَادَّعَى شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ فِي " الْكَشْفِ " الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ التَّنْصِيصَ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الزَّمَانِ بِخُصُوصِهِ يَمْنَعُ النَّسْخَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا كَانَ إنْشَاءً، نَحْوُ: صُومُوا أَبَدًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَبَرًا مِثْلَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا،
стр. 1962
فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ. وَفِي كَلَامِ الْآمِدِيَّ إشَارَةٌ إلَيْهِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ الْخَبَرِ الْخِلَافُ. وَكَذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِ النَّسْخِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ: هَذَا الْحُكْمُ مُؤَبَّدٌ لَا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيرُ نَسْخِهِ؟ قُلْنَا: لَا، لِأَنَّ فِي تَقْدِيرِ وُرُودِهِ تَجْوِيزَ الْخُلْفِ. اهـ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بِالْمُؤَبَّدِ، فَإِنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَمْتَنِعُ فِيهِ النَّسْخُ، لَا مِنْ حَيْثُ التَّأْبِيدُ. وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: التَّقْيِيدُ بِالتَّأْبِيدِ لَا يَزِيدُ حُكْمًا مُتَجَدِّدًا، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْخَبَرِ أَمْ الْإِنْشَاءِ. أَمَّا فِي الْخَبَرِ فَلَا خِلَافَ، وَأَمَّا فِي الْإِنْشَاءِ فَعَلَى الْمُخْتَارِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا مَنَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْضَ الْإِنْشَاءَاتِ فَكَأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، نَحْوُ: صُومُوا أَبَدًا، فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَبَيَانًا لِمُدَّةِ بَقَائِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فَلَا يَجُوزُ. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. .
[مَسْأَلَةٌ فِي وَقْتِ النَّسْخِ]
يَجُوزُ النَّسْخُ بَعْدَ اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَسَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ كُلُّ النَّاسِ كَاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ بَعْضُهُمْ كَفَرْضِ
стр. 1963
الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ، نُسِخَتْ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. .
[النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ عَلَى أَقْسَامٍ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّسْخُ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ]
وَأَمَّا النَّسْخُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ، كَمَا إذَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِبْرِيلَ أَنْ يُعْلِمَ النَّبِيَّ ﷺ بِوُجُوبِ شَيْءٍ عَلَى الْأُمَّةِ، ثُمَّ يَنْسَخُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ، فَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ الْفَرْضِ، لِيَخْرُجَ عَنْ الْبَدَاءِ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْمُدَّةِ. قَالَا: وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ مِنْ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً، ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ بِخَمْسٍ، فَكَانَ عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ دُونَ الْفَرْضِ، لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْتَقِرُّ بِنُفُوذِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ أَمْرٌ إلَّا عِنْدَ اسْتِقْرَارِ الْخَمْسِ. انْتَهَى. وَقَدْ حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَإِلْكِيَا. وَقَالَ: لَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ، لِأَنَّ النَّسْخَ نَوْعُ تَكْلِيفٍ أَوْ حَطُّ تَكْلِيفٍ، فَإِنْ كَانَ إلَى بَدَلٍ كَانَ تَكْلِيفًا وَإِلَّا حَطَّ تَكْلِيفٍ، وَقَدْ شُرِعَ لِمِثْلِ مَا شُرِعَ لَهُ أَصْلُ التَّكْلِيفِ. وَالْعِلْمُ شَرْطٌ لِحُصُولِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ إلَّا حَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ الْإِمْكَانُ عَلَيْهِ، فَالنَّسْخُ مِثْلُهُ بِلَا فَرْقٍ. قَالَ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هَلْ يَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالتَّدَارُكِ أَوْ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِمْ؟ وَيَنْبَغِي التَّغَايُرُ، عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ
стр. 1964
هَلْ يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِ هَذَا. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " فِي آخِرِ بَابِ النَّسْخِ: نَسْخُ الْحُكْمِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَمَنَعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ الْعِلْمِ. وَزَعَمُوا أَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الْعِلْمِ يَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقَ، فَإِذَا قَضَيْنَا بِصِحَّتِهِ صَحَّ النَّسْخُ حِينَئِذٍ. قَالَ: وَاحْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقِصَّةِ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ خَمْسِينَ صَلَاةً، ثُمَّ نَسَخَهَا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدُ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ عَلِمَ، وَلَكِنَّهُ قَبْلَ عِلْمِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ. وَعِلْمُ الْجَمِيعِ لَا يُشْتَرَطُ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ اسْتَقَرَّ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَا اعْتِمَادَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ. اهـ. وَظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ تِلْمِيذُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ " اللَّامِعِ " لَهُ: مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْأَمْرُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ يُنْسَخُ عَنْهُ الْأَمْرُ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَالَ: عِنْدَنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ يُنْسَخُ عَنْهُ الْأَمْرُ إذَا بَلَغَهُ، وَتَأَدَّى إلَيْهِ لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ. قَالَ عَبْدُ الْجَلِيلِ الرَّبَعِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِنْ تَجَوَّزَ فِي قَوْلِهِ: يَصِحُّ، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ، إذْ
стр. 1965
لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْأَمْرِ نَسْخًا أَنْ يُبَلَّغَ الْمَأْمُورُ، وَإِنَّمَا الْبَلَاغُ شَرْطُ الِامْتِثَالِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا حِينَ عَدَمِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ: يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: قَدْ نُسِخَ عَنْهُ الْأَمْرُ، وَإِذَا بَلَغَهُ لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ لَا بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ، بَلْ بِاعْتِقَادٍ لَهُ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فَبَلَغَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ.
وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ: مِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ نَسْخًا، أَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ الْمَنْسُوخُ، فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ النَّاسِخِ، كَمَا لَمْ يَبْلُغْهُ حُكْمُ الْمَنْسُوخِ. اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: نَسْخُ الْحُكْمِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، اتَّفَقَتْ الْأَشَاعِرَةُ عَلَى جَوَازِهِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَنْعِهِ. وَحَكَى الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ التَّعْرِيفِيَّةِ، فَمَنَعُوهُ فِي الْأَوَّلِ وَجَوَّزُوهُ فِي الثَّانِي، كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. اهـ.
следующие страницы →