Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وَالْبَرَاهِمَةُ: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، بَلْ الظَّنَّ. وَجَوَّزَ الْبُوَيْطِيُّ فِيهِ. وَفَصَّلَ آخَرُونَ، فَقَالُوا: إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَوْجُودٍ أَفَادَ الْعِلْمَ، أَوْ عَنْ مَاضٍ فَلَا يُفِيدُهُ لَنَا أَنَّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ وُجُودَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ كَبَغْدَادَ، وَالْأَشْخَاصَ الْمَاضِيَةَ كَالشَّافِعِيِّ، فَصَارَ وُرُودُهُ كَالْعِيَانِ فِي وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِ اضْطِرَارًا، وَقَدْ قَالَ الطُّفَيْلُ الْغَنَوِيُّ مَعَ أَعْرَابِيَّتِهِ فِي وُقُوعِ الْعِلْمِ بِاسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ وَقَادَ إلَيْهِ الطَّبْعُ، فَقَالَ:
تَأَوَّبَنِي هَمٌّ مِنْ اللَّيْلِ مُنْصِبٌ ... وَجَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا لَا يُكَذَّبُ
تَظَاهَرْنَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِي رِيبَةٌ ... وَلَمْ يَكُ عَمَّا أَخْبَرُوا مُتَعَقَّبُ
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمَا نُقِلَ عَنْ السُّمَنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ، وَإِنْ كَثُرَ، فَلَا اكْتِفَاءَ بِهِ، حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْقَرِينَةِ مِنْ انْتِفَاءِ الْحَالَاتِ الْمَانِعَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَأَنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ وُقُوعَ الْعِلْمِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُضِيفُوا وُقُوعَهُ إلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ، بَلْ إلَى قَرِينَةٍ، وَوُقُوعُ الْعِلْمِ عَنْ الْقَرَائِنِ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْتَصْفَى ": لَمْ يَقَعْ خِلَافٌ فِي أَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْيَقِينَ، إلَّا مِمَّنْ لَا يُؤْبَهُ بِهِ، وَهُمْ السُّوفِسْطَائِيَّة، وَجَاحِدُ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى عُقُوبَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ بِلِسَانِهِ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ
стр. 2172
فِي جِهَةِ وُقُوعِ الْيَقِينِ عَنْهُ، فَقَوْمٌ رَأَوْهُ بِالذَّاتِ، وَقَوْمٌ رَأَوْهُ بِالْعَرَضِ وَقَوْمٌ مُكْتَسَبًا. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ، فَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُنْضَبِطًا بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ، فَفِي الْبَحْرِ " قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ: فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا كَالْمَرْئِيِّ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
[الثَّالِثَةُ الْعِلْمَ الْمُتَوَاتِرُ ضَرُورِيٌّ لَا نَظَرِيٌّ وَلَا حَاجَةَ مَعَهُ إلَى كَسْبٍ]
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ ضَرُورِيٌّ لَا نَظَرِيٌّ، وَلَا حَاجَةَ مَعَهُ إلَى كَسْبٍ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ الْكُلِّ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ فِي شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ سُلَيْمٌ: إنَّهُ قَوْلُ الْكَافَّةِ، إلَّا الْبَلْخِيّ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ، وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ ": إنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ مُتَكَلِّمِينَا، وَنَقَلَهُ فِي الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي هَاشِمٍ. وَذَهَبَ الْكَعْبِيُّ إلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مُفْتَقِرٌ إلَى تَقَدُّمِ اسْتِدْلَالٍ، وَيُثْمِرُ عِلْمًا نَظَرِيًّا كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وَوَافَقَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الدَّقَّاقِ. وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَاَلَّذِي فِي الْمُسْتَصْفَى " أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى حُصُولِهِ إلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِ وَاسِطَةٍ
стр. 2173
مُفْضِيَةٍ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ، وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَقَوْلِنَا: الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مُحْدَثًا، وَالْمَوْجُودُ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُصُولِ مُقَدِّمَتَيْنِ فِي النَّفْسِ: عَدَمُ اجْتِمَاعِ هَذَا الْجَمْعِ عَلَى الْكَذِبِ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ يَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ قَدْ كَثُرَ الطَّاعِنُ عَلَى قَوْلِ الْكَعْبِيِّ إنَّهُ نَظَرِيٌّ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ تَنْزِيلُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ عَلَى النَّظَرِ فِي ثُبُوتِ أَمَارَاتٍ جَامِعَةٍ وَانْتِفَائِهَا، فَلَمْ يَعْنِ الرَّجُلُ نَظَرًا عَقْلِيًّا، وَفِكْرًا سَبْرِيًّا عَلَى مُقَدِّمَاتٍ وَنَتَائِجَ، فَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ إلَّا الْحَقَّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَإِذَا تَبَيَّنَ تَوَارُدُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَتِلْمِيذِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَنْزِيلُ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ عَلَيْهِ، لَمْ يَبْقَ خِلَافٌ. وَقَالَ إلْكِيَا: مَا ذَكَرَهُ الْكَعْبِيُّ يَرْجِعُ إلَى سَبَبِ الْعِلْمِ، يَعْنِي أَنَّ الْعِلْمَ لَمْ يَحْصُلْ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي هَذَا، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْخَبَرَ إذَا حَصَلَ بِشَرَائِطِهِ هَلْ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَعْبِيَّ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يُخَالَفَ فِي هَذَا، فَإِنَّا نَرَى الْعِلْمَ يَحْصُلُ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَإِلَّا فَالْكَعْبِيُّ لَا يُنْكِرُ الْمَحْسُوسَ وَيَقُولُ: لَمْ أَعْلَمْ الْبِلَادَ الْغَائِبَةَ إلَّا بِالنَّظَرِ، وَمَا كَانَ ضَرُورِيًّا يُعْلَمُ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْبِطُ النَّظَرَ.
قَالَ: وَقَاضِينَا أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: أَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ ضَرُورَةٌ، وَأَعْلَمُ بِالنَّظَرِ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، فَجَعْلُ الْعِلْمِ بِهِ بِالنَّظَرِ يُدْرَكُ، وَالْمَعْلُومُ الثَّانِي وَهُوَ صِدْقُ الْمُخْبِرِينَ مُدْرَكًا بِالنَّظَرِ وَوَجْهُ النَّظَرِ تَيْسِيرُ مَدَارِكِ الْبَحْثِ الَّذِي يَظُنُّ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ إلَى الْعِلْمِ، وَإِذَنْ بَطَلَ تَعَيُّنُ كَوْنِهِ مُدْرَكًا بِالضَّرُورَةِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، فَبَطَلَ مَا رَآهُ الْقَاضِي، وَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْكَعْبِيَّ إنَّمَا ادَّعَى النَّظَرَ فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ، لَا فِي الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِينَ. اهـ.
стр. 2174
وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ احْتَجَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا بِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَا يَزِيدُ الْمُعْجِزَةَ، وَنَحْنُ لَمْ نَعْلَمْهَا إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ، فَكَذَا الْخَبَرُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ بَيْنَ الْمُكْتَسَبِ وَالضَّرُورِيِّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُكْتَسَبِ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الضَّرُورِيِّ. قَالَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ". وَرَابِعٌ: وَهُوَ الْوَقْفُ ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَهُوَ بِطَرِيقِ التَّوْلِيدِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ؛ لِتَرَتُّبِهِ عَلَى فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَوَجْهُ الْآخَرِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الضَّرُورِيَّاتِ.
[الرَّابِعَةُ ثَبَتَ وُقُوعُ الْعِلْمِ عَنْهُ وَأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ أَيْ الْمُتَوَاتِر]
الرَّابِعَةُ: إذَا ثَبَتَ وُقُوعُ الْعِلْمِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، فَاخْتَلَفُوا إلَى مَاذَا يَسْتَنِدُ؟ فَالْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِاسْتِنَادِهِ إلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا، وَرَأَى أَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى الْقَرَائِنِ. وَمِنْهَا كَثْرَةُ الْعَدَدِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، وَطَرْدُ أَصْلِهِ. هَذَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ، وَقَالَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ.
[الْخَامِسَةُ الْعِلْمَ الْمُتَوَاتِر عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ]
الْخَامِسَةُ: أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ الْكَذِبَ عَلَى كُلِّ عَدَدٍ، وَإِنْ عَظُمَ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الِاسْتِحَالَةُ عَادِيَةٌ.
[السَّادِسَةُ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ]
السَّادِسَةُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ ": اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ غَيْرَ شُذُوذٍ عَلَى أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ. لَنَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَمُمْكِنٌ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ لَيْسَ إلَّا بِخَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": الْقَوْلُ فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ يَقَعُ مُبْتَدَأً مِنْ فِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ عَنْ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَلُّدِ بَاطِلٌ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِ خَلْقِهِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ.
стр. 2175
[السَّابِعَةُ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ وَلَمْ يَكْذِبُوهُ]
السَّابِعَةُ: إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَمْ يَكْذِبُوهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَعَلِمُوهُ، وَلَا حَامِلَ لَهُمْ عَلَى سُكُوتِهِمْ، كَالْخَوْفِ وَالطَّمَعِ، يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَسُلَيْمٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَبِهَذَا النَّوْعِ أَثْبَتْنَا كَثِيرًا مِنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَكِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ نَظَرِيٌّ، بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَقِيلَ: لَيْسَ صِدْقُهُ قَطْعِيًّا، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ اطِّلَاعٌ عَلَى كَذِبِهِ أَوْ صِدْقِهِ، أَوْ اطَّلَعَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ سُكُوتَ هَذَا الْبَعْضِ، وَبِتَقْدِيرِ اطِّلَاعِ الْكُلِّ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَانِعًا مَنَعَهُمْ مِنْ التَّصَرُّفِ بِتَكْذِيبِهِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِهِ. وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَ انْتِفَائِهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، فَحِينَئِذٍ سُكُوتُهُمْ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ: صَدَقْت.
وَفَصَّلَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فَقَالَا: إنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ دَلَّ عَلَى الصِّدْقِ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ نَظَرِيٍّ، فَسَكَتُوا لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُمْ بِمَثَابَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ. وَفَصَّلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بَيْنَ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، فَيَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُضَافًا إلَى حَالٍ قَدْ شَاهَدَهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ وَاحِدٌ
стр. 2176
وَاثْنَانِ، وَيَسْمَعُ بِرِوَايَاتِهِ سَائِرُ مَنْ شَهِدَ الْحَالَ، فَلَا يُكْرَهُ، فَيَدُلُّ تَرْكُ إنْكَارِهِمْ لَهُ عَلَى صِدْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جَارِي الْعَادَةِ إمْسَاكُهُمْ جَمِيعًا عَنْ رَدِّ الْكَذِبِ، وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ، وَقَالَ: وَعَلَى هَذَا وَرَدَتْ أَكْثَرُ سِيَرِ النَّبِيِّ ﵇، وَأَكْثَرُ أَحْوَالِهِ فِي مَغَازِيهِ. قَالَ: وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ جِدًّا.
[الثَّامِنَةُ أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ وَلَا حَامِلَ لَهُ عَلَى الْكَذِبِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ]
الثَّامِنَةُ: إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ ﵇، وَلَا حَامِلَ لَهُ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، فَيَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا فِي الْمُخْتَارِ، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِالْأَوَّلِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، لَكِنَّ شَرْطًا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ النَّبِيِّ ﵇ بِهِ، وَلَا يُكَذِّبَهُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ، أَوْ دِينِيٍّ دَلَّ. وَاخْتَارَهُ الْهِنْدِيُّ بِشُرُوطِ التَّقْرِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَخْبَرَ الْمُخْبِرُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَتَقْرِيرُ الرَّسُولِ عَلَى إخْبَارِهِ، وَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى انْتِفَاءِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ عَنْهُ ﵇ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ فَإِنَّمَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِهِ قَدْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ يُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
стр. 2177
ثَانِيهَا: أَنْ لَا يَكُونَ سُكُوتُ النَّبِيِّ ﵇ قَدْ تَقَدَّمَهُ بَيَانُ حُكْمِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ الْبَيَانِ كُلَّ وَقْتٍ، فَلَعَلَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا تَرَكَ الْإِنْكَارَ؛ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَيَانِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرَعَ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ الطَّيَرَانَ أَوْ تَرْكَ التَّنَفُّسِ، لَجَازَ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ عَنْ الْإِنْكَارِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ مِمَّا لَا يُصْغَى إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: إنَّهُ يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ إذَا عُلِمَ عِلْمُ الرَّسُولِ بِالْوَاقِعَةِ، وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَقَالُوا: الرَّسُولُ لَا يَلْزَمُهُ تَبْيِينُ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكَاذِبِ إذَا لَمْ يَحْلِفْ. تَنْبِيهٌ: الْعِلْمُ فِي هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نَظَرِيٌّ؛ لِوُقُوعِهِ عَنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ ".
[التَّاسِعَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا صَارَ إلَى التَّوَاتُرِ فِي الْعَصْرِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ]
ِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِدْقِهِ. قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. قَالَ: وَخَالَفَ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَمِثْلُهُ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْقَدَرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ.
стр. 2178
وَالشَّفَاعَةِ وَخَبَرِ الرَّجْمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ.
[الْعَاشِرَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالطَّائِفَةِ الْمَحْصُورَةِ إذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ]
ِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَفِي إنَّهُ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَفِي أَنَّهُ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا» يَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ قَطْعًا عِنْدَ الْأُسْتَاذَيْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَتِلْمِيذِهِ أَبِي مَنْصُورٍ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَسُلَيْمٍ الرَّازِيَّ، وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ الْأُصُولِيِّينَ. وَنَقَلَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَنُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ ": إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى إثْبَاتِهِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَمَثَّلَهُ بِخَبَرِ «فِي خَمْسِ أَوَاقٍ، وَخَمْسِ ذَوْدٍ، وَعِشْرِينَ دِينَارًا، وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» . قَالَ: كَمَا أَنَّهَا إذَا أَجْمَعَتْ عَلَى تَرْكِ الْخَبَرِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ بِصِدْقِهِ، وَإِنْ تَلَقَّوْهُ
стр. 2179
بِالْقَبُولِ قَوْلًا وَنُطْقًا، وَقُصَارَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ. وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنَّ تَصْحِيحَ الْأُمَّةِ لِلْخَبَرِ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَإِذَا اسْتَجْمَعَ شُرُوطَ الصِّحَّةِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ الصِّحَّةَ، فَلَا وَجْهَ لِلْقَطْعِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَقِيلَ: بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، فَلَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ، وَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قَوْلًا وَنُطْقًا حُكِمَ بِصِدْقِهِ. وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ ابْنِ فُورَكٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْإِنْصَافُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ لَاحَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ مَخَايِلُ الْقَطْعِ وَالتَّصْمِيمِ وَأَنَّهُمْ أَسْنَدُوا التَّصْدِيقَ إلَى يَقِينٍ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّشْكِيكِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا صِحَّةَ الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ خَفِيَتْ عَلَيْنَا، إمَّا بِأَخْبَارٍ نُقِلَتْ مُتَوَاتِرَةً، ثُمَّ انْدَرَسَتْ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ لَاحَ مِنْهُمْ التَّصْدِيقُ مُسْتَنِدًا إلَى تَحْسِينِ الظَّنِّ بِالْعُدُولِ بِالْبِدَارِ إلَى الْقَبُولِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَطْعِ. اهـ.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: فَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَجْلِهِ، فَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى مَشْهُورًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ وَسَطُهُ وَآخِرُهُ عَلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَأَوَّلُهُ مَنْقُولٌ عَنْ الْوَاحِدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً، فَإِنَّهُ لَوْ أَوْجَبَهُ ثَبَتَتْ حُجَّةُ النَّصَارَى، وَالْيَهُودِ، وَالْمَجُوس فِي أَشْيَاءَ نَقَلُوهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ، وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ. وَقَدْ قَالَ أَبُو هَاشِمٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّ تَوَافُقَ الْأُمَّةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ بِهِ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ فِيمَا قَبِلُوهُ مِنْ الْأَخْبَارِ قَدْ جَرَتْ بِأَنَّ مَا لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ لَا يُطْبِقُونَ عَلَى قَبُولِهِ، فَلَمَّا أَطْبَقُوا عَلَى قَبُولِهِ فَقَدْ عَظَّمُوا النَّكِيرَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ. وَمِنْهُ أَخْبَارُ أُصُولِ الزَّكَاةِ
стр. 2180
وَالْعِبَادَاتِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنْ الْأَخْبَارِ، كَرِوَايَةِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَرِوَايَاتِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَبِمِثْلِهِ احْتَجَجْنَا بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ، وَلَكِنْ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَمَنَعَتْ بِسَبَبِهَا مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ، وَشَدَّدَتْ النَّكِيرَ عَلَى الْمُخَالِفِ. فَإِنْ قِيلَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، وَلَا يَتَّفِقُ جَمْعٌ لَا يُحْصَوْنَ عَلَى الظَّنِّ، كَمَا لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى الْقِيَاسِ؟ قِيلَ: الصَّحِيحُ جَوَازُ اسْتِنَادِ الْإِجْمَاعِ إلَى الْقِيَاسِ، وَنَقَلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يُوجِبْ الْعِلْمَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى انْقِطَاعِ الِاحْتِمَالِ حَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ بَرْهَانٍ، فَقَالَ: عَدَدُ التَّوَاتُرِ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ عَنْ الْوَاحِدِ لَمْ يَصِرْ مُتَوَاتِرًا، وَهَلْ يُفِيدُ الْقَطْعَ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ، وَالظَّنِّيُّ لَا يَنْقَلِبُ قَطْعِيًّا. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّ تَلَقِّيَ الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالصِّدْقِ لِلِاحْتِمَالِ. ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ دَفَعُوا هَذَا الظَّنَّ، وَبَاحُوا بِالصِّدْقِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا: لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، وَلَوْ نَطَقُوا لَكَانُوا مُجَازِفِينَ، وَأَهْلُ الْإِجْمَاعِ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى بَاطِلٍ.
стр. 2181
قَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ حُكِيَتْ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ بَيَّنَ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ " أَنَّ الْأُمَّةَ إذَا أَجْمَعَتْ أَوْ أَجْمَعَ أَقْوَامٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صِدْقٌ - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الصِّدْقِ. قَالَ: فَهَذَا عَكْسُ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: إنَّهُمْ لَوْ نَطَقُوا بِهَذَا عَنْ أَمْرٍ عَلِمُوهُ، ذَلِكَ كَلَامٌ لَا يَسْتَنِدُ لِأَنَّا لَا نُطَالِبُ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ بِمُسْتَنِدِ إجْمَاعِهِمْ. وَقَالَ: وَلَعَلَّ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَلَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ إجْمَاعٌ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ. اهـ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَأْبَاهُ. وَجَزَمَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " بِصِحَّةِ مَا إذَا تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ، قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَجْمَعَتْ عَلَى الْعَمَلِ بِمُوجَبِ الْخَبَرِ لِأَجْلِهِ، هَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا عَمِلَ بِمُوجَبِهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ عَدَلَ عَنْهُ، فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَعُبَادَةَ فِي الرِّبَا، وَتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِذَلِكَ، وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُجِّيَّتِهِ. قَالَ: فَهَذَا فَرْعُ الْكَلَامِ فِي خِلَافِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، هَلْ يَكُونُ خِلَافًا مُعْتَدًّا بِهِ؟ وَالصَّحِيحُ الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ. اهـ.
стр. 2182
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّ جَمِيعَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الِاتِّفَاقُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِمَا مَظْنُونُ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْنَا الْقَطْعَ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ تُفِدْ إلَّا الظَّنَّ.
[مَسْأَلَةٌ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْخَبَرِ]
ِ] أَمَّا إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْخَبَرِ، فَلَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِ بِهِ، فَقَدْ يَعْمَلُونَ عَلَى وَفْقِهِ بِغَيْرِهِ. جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ " فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَمَّا إذَا افْتَرَقَتْ الْأُمَّةُ شَطْرَيْنِ، شَطْرٌ قَبِلُوهُ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ، وَالشَّطْرُ الْآخَرُ اشْتَغَلَ بِتَأْوِيلِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي اللُّمَعِ " يَقْتَضِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَإِنَّهُ قَالَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ، سَوَاءٌ عَمِلَ الْكُلُّ بِهِ أَوْ الْبَعْضُ وَتَأَوَّلَهُ الْبَعْضُ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ".
стр. 2183
[الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْمَحْفُوفُ بِالْقَرَائِنِ]
ِ، ذَهَبَ النَّظَّامُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَكُونُ الْعَمَلُ نَاشِئًا عَنْ الْمَجْمُوعِ مِنْ الْقَرِينَةِ وَالْخَبَرِ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ.
[الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ يَنْقَسِمُ التَّوَاتُرُ بِاعْتِبَارَاتٍ]
ٍ. أَحَدُهَا: إلَى مَا يَتَوَاتَرُ عِنْدَ الْكَافَّةِ، وَإِلَى مَا يَتَوَاتَرُ عِنْدَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ، كَمَسْأَلَةِ عَدَمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَإِنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ دُونَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ مُنْكِرُهُ مُعَانِدٌ كَافِرٌ كَمُنْكِرِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ. إذْ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحَدِيثِ دُونَ غَيْرِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُك فِي الْبَسْمَلَةِ إذَا ادَّعَيْتُمْ التَّوَاتُرَ بِكَوْنِهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَخَالَفَكُمْ فِيهِ الْأَئِمَّةُ؟ قُلْنَا: لَمْ يَقَعْ النِّزَاعُ فِي كَوْنِهَا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ جَاحِدُهَا كَافِرًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي تَعَدُّدِ الْمَوْضِعِ وَاتِّحَادِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَوَاتُرِ أَصْلِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، قَالَهُ أَبُو الْعِزِّ الْمُقْتَرِحُ: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ جَوَابِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ. ثَانِيهَا: التَّوَاتُرُ قَدْ يَكُونُ لَفْظِيًّا وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ عَلَى أَخْبَارٍ تَرْجِعُ إلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁، وُجُودِ حَاتِمٍ.
قَالُوا: وَمُعْجِزَاتُ النَّبِيِّ تَثْبُتُ بِهَذَا النَّوْعِ، وَهُوَ دُونَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي طَرِيقِ النَّقْلِ. قَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الطَّرِيقِ السَّالِمِ ": وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَنْقُولِ بِالتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ مُتَقَوَّلًا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الْآحَادَ
стр. 2184
كُلَّهَا الْمَرْوِيَّةَ عَنْهُ ﵇ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، حَكَمَتْ الْعُقُولُ بِكَذِبِهِ، وَنَطَقَتْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا مُتَقَوَّلَةً، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَا يَكَادُ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إلَّا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ وَمَسَائِلَ قَلِيلَةٍ فِي الْفُرُوعِ، كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الرَّوَافِضِ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي التَّمْثِيلِ بِشَجَاعَةِ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ بِأَنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُحَصِّلِينَ، فَشَجَاعَتُهُ مُتَوَاتِرَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى.
[تَنْبِيهٌ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ]
ِ] الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَأَهْلُ الْحَدِيثِ لَا يَذْكُرُونَهُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ الْمُشْعِرِ بِمَعْنَاهُ الْخَاصِّ، وَإِنْ كَانَ الْخَطِيبُ ذَكَرَهُ. فَفِي كَلَامِهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اتَّبَعَ أَهْلَ الْحَدِيثِ. قُلْت: قَدْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَادَّعَى ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَشْمَلْهُ صِنَاعَتُهُمْ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي رِوَايَاتِهِمْ؛ لِنُدْرَتِهِ، وَمَنْ سُئِلَ عَنْ مِثَالٍ لَهُ أَعْيَاهُ طَلَبُهُ. قَالَ: وَلَيْسَ مِنْهُ حَدِيثُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ؛ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي وَسَطِ إسْنَادِهِ. نَعَمْ، حَدِيثُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» مُتَوَاتِرٌ، رَوَاهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَنْهُمْ، وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رَوَاهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
стр. 2185
قُلْت: وَأَنْكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَدْرِ صَحِيحِهِ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ، فَقَالَ: وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ؛ لِأَنَّ لَيْسَ يُوجَدُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ مِنْ رِوَايَةِ عَدْلَيْنِ، رَوَى أَحَدُهُمَا عَنْ عَدْلَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ عَدْلَيْنِ حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَحَالَ هَذَا وَبَطَلَ، ثَبَتَ أَنَّ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ، وَمَنْ رَدَّ قَبُولَهُ فَقَدْ رَدَّ السُّنَّةَ كُلَّهَا؛ لِعَدَمِ وُجُودِ السُّنَنِ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ الْآحَادِ. اهـ. وَفِي هَذَا مَا يَرُدُّ عَلَى الْحَاكِم دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ اشْتَرَطَا أَنْ لَا يَرْوِيَا الْحَدِيثَ إلَّا بِرِوَايَةِ اثْنَيْنِ عَنْ اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا.
стр. 2186
[فَصْلٌ فِي الْمُسْتَفِيضِ] [ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفِيضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ]
ِ [تَعْرِيفُ الْمُسْتَفِيضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ] قِيلَ: إنَّهُ وَالْمُتَوَاتِرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابَيْهِمَا. وَقِيلَ: بَلْ الْمُسْتَفِيضُ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَتْبَاعُهُ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَجَرَى عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ مِعْيَارِ النَّظَرِ "، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " فَقَالَ: ضَابِطُهُ أَنْ يَنْقُلَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ يَرْبُو عَلَى الْآحَادِ، وَيَنْحَطُّ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ. وَجَعَلَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ قِسْمًا مِنْ الْآحَادِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ تَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، وَقِيلَ: " الْمُسْتَفِيضُ " مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَعَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ
стр. 2187
مَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ، وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالِاشْتِهَارِ مَعَ التَّسْلِيمِ، وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ فُورَكٍ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ: مُشْكِلِ الْحَدِيثِ " إلَى هَذَا أَيْضًا.
وَمَثَّلَهُ بِخَبَرِ: «فِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": الْمُسْتَفِيضُ: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رُتْبَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ الشَّائِعُ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ صَدَرَ عَنْ أَصْلٍ لِيُخْرِجَ الشَّائِعَ لَا عَنْ أَصْلٍ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي " وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " تَقْسِيمًا غَرْبِيًّا جَعَلَا فِيهِ الْمُسْتَفِيضَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الْمُتَوَاتِرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. فَقَالَا: الْخَبَرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: الِاسْتِفَاضَةُ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَشِرَ مِنْ ابْتِدَائِهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَيَتَحَقَّقُهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَلَا يَشُكُّ فِيهِ سَامِعٌ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ، وَعَنَيَا بِذَلِكَ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ. قَالَا: وَهَذَا أَقْوَى الْأَخْبَارِ وَأَثْبَتُهَا حُكْمًا. وَالثَّانِي: التَّوَاتُرُ: وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ حَتَّى يَكْثُرَ عَدَدُهُمْ، وَيَبْلُغُوا قَدْرًا يَنْتَفِي عَنْ مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ وَالْغَلَطُ فَيَكُونُ فِي أَوَّلِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِي آخِرِهِ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفَاضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَاتِّفَاقِهِمَا فِي الِانْتِهَاءِ. الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ الِاسْتِفَاضَةِ لَا تُرَاعَى فِيهِ عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ، وَفِي الْمُتَوَاتِرِ يُرَاعَى ذَلِكَ.
стр. 2188
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ تَنْتَشِرُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ، وَالْمُتَوَاتِرُ مَا انْتَشَرَ عَنْ قَصْدٍ لِرِوَايَتِهِ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي انْتِفَاءِ الشَّكِّ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِمَا وَلَيْسَ الْعَدَدُ فِيهِمَا مَحْصُورًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ انْتِفَاءُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكَذِبِ مِنْ الْمُخْبِرِينَ.
قَالَا: وَالْمُسْتَفِيضُ مِنْ أَخْبَارِ السُّنَّةِ مِثْلُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَالتَّوَاتُرُ مِنْهَا مِثْلُ وُجُوبِ الزَّكَوَاتِ. هَكَذَا قَالَا، وَهُوَ غَرِيبٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُمَا فِي الِاسْتِفَاضَةِ مُوَافِقٌ لِمَا اخْتَارَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ طُرُقِهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ: أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ، أَنَّ أَقَلَّ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ سَمَاعُهُ مِنْ اثْنَيْنِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ ابْنِ كَجٍّ، وَنَقَلَ وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ؟ قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا غَيْرَ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ خَبَرُ عَدَدٍ يُؤْمَنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ الْمُسْتَفِيضِ الْعِلْمَ]
َ] وَالْمُسْتَفِيضُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوَاسِطَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَأَبِي مَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ، وَابْنُ فُورَكٍ، وَمَثَّلَهُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ": بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَسْحِ عَلَى
стр. 2189
الْخُفِّ، وَأَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمَثَّلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ بِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَحَدِيثِ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعَمَلِ، مُقَارِبًا لِلْيَقِينِ. وَسَبَقَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَضَعَّفَ مَقَالَةَ الْأُسْتَاذِ بِأَنَّ الْعُرْفَ وَإِطْرَادَ الِاعْتِبَارِ لَا يَقْتَضِي الصِّدْقَ قَطْعًا، بَلْ قُصَارَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: كَأَنَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالتَّجْرِبَةِ يَحْصُلُ ذَلِكَ، وَقَدْ مَالَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ، وَلَا وَجْهَ لَهُ. نَعَمْ، هُوَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ فِي قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ.
стр. 2190
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ] [ الْخَبَرُ الْمَعْلُومُ خِلَافُهُ]
ِ وَهُوَ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: الْخَبَرُ الْمَعْلُومُ خِلَافُهُ، إمَّا بِالضَّرُورَةِ كَالْإِخْبَارِ بِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ أَوْ ارْتِفَاعِهِمَا، أَوْ بِالِاسْتِدْلَالِ كَإِخْبَارِ الْفَيْلَسُوفِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.
[الثَّانِي الْخَبَرُ الَّذِي لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا]
، إمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ أَمْرًا غَرِيبًا، كَسُقُوطِ الْخَطِيبِ عَنْ الْمِنْبَرِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ: مِنْهَا: بُطْلَانُ النَّصِّ الَّذِي تَزْعُمُ الرَّوَافِضُ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَعَدَمُ تَوَاتُرِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ. قَالَ: إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَمَا خَفِيَ عَلَى أَهْلِ بَيْعَةِ الثَّقِيفَةِ، وَلَتَحَدَّثَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَى مِغْزَلِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يُخَالِفَ أَوْ يُوَافِقَ.
وَبِهَذَا الْمَسْلَكِ أَيْضًا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ عُورِضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ جَرَى لَمَا خَفِيَ، وَالنَّصُّ الَّذِي تَزْعُمُ الْعِيسَوِيَّةُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مُوسَى ﵇ آخِرُ مَبْعُوثٍ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْحُكْمِ الرُّجُوعُ إلَى الْعَادَةِ وَاقْتِضَائِهَا الِاشْتِهَارَ فِي ذَلِكَ، وَالشِّيعَةُ تُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ لَا يَشْتَهِرَ لِخَوْفٍ أَوْ فِتْنَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا مَا قَدَحَ بِهِ الرَّوَافِضُ عَلَيْنَا، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ﵇ حَجَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي نَفْسِ حَجَّتِهِ اخْتِلَافًا لَمْ يَتَحَصَّلْ الْمُخْتَلِفُونَ فِيهِ عَلَى يَقِينٍ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ. هَلْ كَانَ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً؟
стр. 2191
وَكَذَا الْإِقَامَةُ فِي طُولِ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ يَخْتَلِفُونَ فِي تَثْنِيَتِهَا وَإِفْرَادِهِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ فِيهِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ.
قُلْنَا: أَمْرُ الْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْكُلِّ جَوَازُ الْكُلِّ لَمْ يَعْتَنُوا بِالتَّفْتِيشِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُلَقِّنُ الْخَلْقَ إضَافَةَ الْحَجِّ، فَنَاقِلُ الْإِفْرَادِ سَمِعَهُ يُلَقِّنُ غَيْرَهُ ذَلِكَ، وَنَاقِلُ التَّمَتُّعِ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ فَتْحُ مَكَّةَ، نُقِلَ أَنَّهُ عَلَى هَيْئَةِ الْعَنْوَةِ وَالْقَهْرِ، وَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا، وَتَوَاتَرَ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَحْكَامٍ جُزْئِيَّةٍ كَمُصَالَحَةٍ جَرَتْ عَلَى الْأَرَاضِي وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَنْعُ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ أَوْ تَجْوِيزُهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَصُورَةُ دُخُولِهِ ﵇ مُتَسَلِّحًا بِالْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ وَبَذْلُهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَاعْتَصَمَ بِالْكَعْبَةِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا بِأَنَّهُ وَدَى قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدٌ، وَنَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَغَيْرُ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْوِيلُ. وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَتَثْنِيَتُهَا وَإِفْرَادُهَا لَيْسَ مِنْ عَظَائِمِ الْعَزَائِمِ، وَلَوْلَا اشْتِهَارُهَا بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، لَمْ تَعْلَمْ الْعَامَّةُ تَفْصِيلَهَا، فَإِنَّهَا لَا تَهُمُّهُمْ، وَالْعُصُورُ تَنَاسَخَتْ، وَتَعَلَّقَتْ الْإِقَامَةُ بِالْبَدَلِ، وَشَعَائِرُ الْمُلُوكِ، وَلَا كَذَلِكَ أَمْرُ الْإِمَامَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَتَتَعَلَّقُ بِعَزَائِمِ الْخُطُوبِ، وَيَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ
стр. 2192
دُثُورِهَا عَلَى قُرْبِ الْعَهْدِ بِالرَّسُولِ. وَأَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَهُوَ لَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْحَلِيمِيِّ.
هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا لَمْ يَتَوَاتَرْ؛ لِأَنَّهُ آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ، تَكُونُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ، وَإِنَّمَا يَرَى ذَلِكَ مَنْ نَاظَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ، وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَإِنَّمَا انْشَقَّ مِنْهُ شُعْبَةٌ فِي مِثْلِ طَرَفِ الْقَمَرِ، ثُمَّ رَجَعَ صَحِيحًا، وَكَمْ مِنْ انْقِضَاضٍ وَرِيَاحٍ تَحْدُثُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يَشْعُرُ بِهَا أَحَدٌ، فَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ ظَاهِرًا، وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى انْشِقَاقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وَأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ اقْتِرَابِ انْشِقَاقِهِ، لَوَجَبَ أَنْ يَقُولَ: وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَلَوَجَبَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ الرَّسُولُ أَنَّ مِنْ الْآيَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ انْشِقَاقَهُ. اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَقَدْ رَوَاهُ خَلْقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُمْ خَلْقٌ كَمَا أَوْضَحْته فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ ". وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ الِاهْتِمَامَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ فِي إحْيَاءِ مَعَالِمِ الدِّينِ يَمْنَعُ تَقَدُّرَ دَرْسِهِ، وَارْتِبَاطَ مَسَائِلِهِ بِلَا حَاجَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ دُرُوسُ رَسْمِهَا وَنَظْمِهَا، فَلَمْ يَكُنْ؛ لِنَقْلِ
стр. 2193
كَوْنِهَا مِنْ السُّوَرِ كَبِيرُ أَثَرٍ فِي الدِّينِ بَعْدَ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَمِنْهَا مَا نُقِلَ مُتَوَاتِرًا، وَمِنْهَا مَا نُقِلَ آحَادًا مَعَ أَنَّهَا أَعَاجِيبُ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ، وَكَذَا إذَا كَثُرَتْ الْمُعْجِزَاتُ، وَكَثُرَتْ فِيهَا عُسْرَتُهُمْ مِثْلُ تَشَوُّقِهِمْ إلَى نَقْلِ آحَادِهَا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ، وَلَمْ يَهْتَمَّ عُثْمَانُ بِجَمْعِ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ، وَحَرَصَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْنَا: لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ رُكْنَ الدِّينِ اسْتَوَتْ الْأُمَّةُ فِي الِاعْتِنَاءِ بِهِ، فَلَمْ نُجِزْ أَنْ يُنْقَلَ بَعْضُهُ مُتَوَاتِرًا وَبَعْضُهُ آحَادًا مَعَ اسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، بِخِلَافِ بَاقِي الْمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّهُمْ اعْتَنَوْا بِنَقْلِ مَا يَبْقَى رَسْمُهُ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي هَذَا النَّوْعِ كِتَابِ الِانْتِصَارِ "، وَمَا أَعْجَبَهُ مِنْ كِتَابٍ، فَقَدْ أَزَالَ بِهِ الْحَائِكَ عَنْ صُدُورِ الْمُرْتَابِينَ.
وَمِنْهَا: لَوْ غَصَّ الْمَجْلِسُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَنَقَلَ كُلُّهُمْ عَنْ صَاحِبِ الْمَجْلِسِ حَدِيثًا، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ ثِقَةٌ بِنَقْلِ زِيَادَةٍ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا تُرَدُّ، وَإِلَّا لَنَقَلَهَا الْبَاقُونَ، وَهُوَ بَعِيدٌ، فَإِنَّ انْفِرَادَ بَعْضِ النَّقَلَةِ بِمَزِيدِ حِفْظٍ لَا يُنْكَرُ، وَالْقَرَائِحُ وَالْفِطَنُ تَخْتَلِفُ، وَلَيْسَتْ الرِّوَايَاتُ مِمَّا تَتَكَرَّرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، حَتَّى لَا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنْهَا، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ رَدَّ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَسِّ الذَّكَرِ، وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَسَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": وَإِنَّمَا قُبِلَتْ مِنْ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْإِخْبَارُ بِهَا بِحَضْرَةِ مَنْ يَجِبُ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى النَّقْلِ وَالْإِظْهَارِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُلْقِيهِ إلَى الْآحَادِ.
[الثَّالِثُ مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ فُتِّشَ عَنْهُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ وَلَا فِي صُدُورِ الرُّوَاةِ]
الثَّالِثُ: مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ فَتَّشَ عَنْهُ فَلَمْ
стр. 2194
يُوجَدْ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَلَا فِي صُدُورِ الرُّوَاةِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ، وَغَايَتُهُ الظَّنُّ لَا الْقَطْعُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ " عَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ كَانَتْ الْأَخْبَارُ مُنْتَشِرَةً، وَلَمْ تَعْتَنِ الرُّوَاةُ بِتَدْوِينِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَفِيمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا جَمِيعَ الدَّفَاتِرِ وَجَمِيعَ الرُّوَاةِ، فَالْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ مُتَعَذِّرَةٌ مَعَ انْتِشَارِ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَكْثَرَ مِنْ الدَّفَاتِرِ وَالرُّوَاةُ فَهَذَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الْعُرْفِيَّ، وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ.
[الرَّابِعُ خَبَرُ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ مِنْ غَيْرِ مُعْجِزَةٍ]
ٍ، نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَأَقُولُ: إنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلِّفُوا مُتَابَعَتَهُ وَتَصْدِيقَهُ مِنْ غَيْرِ آيَةٍ فَهُوَ كَذِبٌ، فَإِنْ قَالَ: مَا أُكَلِّفُ الْخَلْقَ اتِّبَاعِي، وَلَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ، فَلَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ. اهـ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَنَقْطَعُ بِكَذِبِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
[الْخَامِسُ كُلُّ خَبَرٍ أَوْهَمَ بَاطِلًا وَلَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ]
َ، إمَّا لِمُعَارَضَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَوْ الْقَطْعِيِّ النَّقْلِيِّ، وَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - مُمْتَنِعٌ صُدُورُهُ عَنْهُ قَطْعًا، كَأَخْبَارٍ رَوَتْهَا الزَّنَادِقَةُ تُخَالِفُ الْقَطْعَ قَصْدًا لِشَيْنِ الدِّينِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ يُنَافِرُ أَهْلَ الْحَدِيثِ، كَحَدِيثِ: عَرَقِ الْخَيْلِ.
[أَسْبَابُ الْوَضْعِ]
[أَسْبَابُ الْوَضْعِ] وَسَبَبُ الْوَضْعِ إمَّا نِسْيَانُ الرَّاوِي لِطُولِ عَهْدِهِ بِالْخَبَرِ الْمَسْمُوعِ، وَإِمَّا غَلَطُهُ بِأَنْ أَرَادَ النُّطْقَ بِلَفْظٍ فَسَبَقَ؛ لِسَانُهُ إلَى سِوَاهُ، أَوْ وَضَعَ لَفْظًا مَكَانَ
стр. 2195
آخَرَ ظَانًّا أَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَإِمَّا افْتِرَاءُ الزَّنَادِقَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ الْوَاضِعِينَ أَحَادِيثَ تُخَالِفُ الْعُقُولَ تَنْفِيرًا عَنْ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
[السَّادِسُ بَعْضُ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّبِيِّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ]
السَّادِسُ: بَعْضُ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقِ الْآحَادِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (سَيَكْذِبُ عَلَيَّ) فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَزِمَ وُقُوعُ الْكَذِبِ ضَرُورَةً، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مَعَ كَوْنِهِ رُوِيَ عَنْهُ فَقَدْ حَصَلَ الْكَذِبُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ ضَرُورَةً.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَخْبَارُ الْآحَادِ]
[أَخْبَارُ الْآحَادِ] الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ وَهُوَ إمَّا أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ احْتِمَالَاتُ صِدْقِهِ كَخَبَرِ الْعَدْلِ أَوْ كَذِبِهِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ، أَوْ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ كَخَبَرِ الْمَجْهُولِ، وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَدْخُلُ إلَّا فِي الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ وُقُوعُهُ وَعَدَمُهُ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي وَحْدَهُ الْمُخْبَرَ الَّذِي يُنَافِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، لَكِنْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ بِهِ عَلَى كُلِّ مَا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بِهِ جَمْعًا إذَا نَقَصُوا عَنْ حَدِّ التَّوَاتُرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا لَمْ يَنْتَهِ نَاقِلُهُ إلَى حَدِّ الِاسْتِفَاضَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَرْهَانٍ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُفْرِدُونَ لَهُ أَحْكَامًا أُصُولِيَّةً قَرِيبًا مِنْ أَحْكَامِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، أَمَّا أَصْحَابُنَا فَلَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ
стр. 2196
الْهِنْدِيُّ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ مِنْ جُمْلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ أَقْسَامُ خَبَرِ الْوَاحِدِ]
ِ] قَسَّمَ الْأَقْدَمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، خَبَرَ الْوَاحِدِ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِيهِ إجْمَاعًا كَالشَّهَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَا خِلَافَ فِي قَبُولِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ: وَلَا يُرَاعَى فِيهَا عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا سُكُونُ النَّفْسِ إلَى خَبَرِهِ، فَيُقْبَلُ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، فَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ: هَذِهِ هَدِيَّةُ فُلَانٍ إلَيْك، أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ وَهَبَهَا فُلَانٌ إلَيْك، أَوْ كُنْت أَمَرْته بِشِرَائِهَا فَاشْتَرَاهَا، كُلِّفَ الْمُخْبَرُ قَبُولَ قَوْلِهِ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهُ، وَيَحِلُّ لَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِالْجَارِيَةِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْهَدِيَّةِ، وَكَذَا الْإِذْنُ فِي دُخُولِ الدَّارِ، وَهَذَا شَيْءٌ مُتَعَارَفٌ فِي الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ خَبَرُ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا خَبَرُ الشَّهَادَاتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْطَانِ بِالْإِجْمَاعِ: الْعَدَالَةُ، وَالْعَدَدُ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَقَدْ وَرَدَ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ بِقَبُولِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ
стр. 2197
اُخْتُلِفَ فِي شَرْطِ بَعْضِهَا الْأَكْثَرُونَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ إلَى نَفْيِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ مِنْ الْإِمَامِيَّةِ. وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَابْنِ سُرَيْجٍ وَالصَّيْرَفِيِّ، وَالْقَفَّالِ مِنَّا، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، إلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَى مَعْرِفَةِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ، وَمِنْ بَعْدِهَا أَعْظَمَ الضَّرَرِ إذْ لَا يُمْكِنُهُمْ التَّلَافِي بِأَجْمَعِهِمْ. وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَفَصَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ بَيْنَ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَمَا لَا يَسْقُطُ بِهَا، فَمَنَعَهُ فِي الْأَوَّلِ وَجَوَّزَهُ فِي الثَّانِي. حَكَاهُ فِي الْأَحْكَامِ "، وَقَدْ بَسَطَ الشَّافِعِيُّ كَلَامَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ ". وَقَدْ احْتَجُّوا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَهَذَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالثَّانِيَةِ أَضْعَفُ مِنْ الْأُولَى.
стр. 2198
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْحَقُّ عِنْدَنَا فِي الدَّلِيلِ بَعْدَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِلْمِيَّةٌ أَنَّا قَاطِعُونَ بِعَمَلِ السَّلَفِ وَالْأُمَّةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ وَرَدَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا الْقَطْعُ حَصَلَ لَنَا مِنْ تَتَبُّعِ الشَّرِيعَةِ، وَبُلُوغِ جُزَيْئَاتٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا، وَمَنْ تَتَبَّعَ أَخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ مَا عَدَا هَذِهِ الْفِرْقَةَ الْيَسِيرَةَ عَلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا. اهـ. وَلَنَا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ثَلَاثَةُ مَسَالِكَ. الْأَوَّلُ: مَا تَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إنْفَاذِ وُلَاتِهِ وَرُسُلِهِ آحَادًا إلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ؛ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ الدِّينَ، وَلِيُوقِفُوهُمْ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَنْ طَالَعَ كُتُبَ السِّيَرِ ارْتَوَى بِذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَرُجُوعِهِمْ إلَيْهِ عِنْدَمَا يَقَعُ لَهُمْ مِنْ الْحَوَادِثِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَقْتَضِي دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَخْبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا، حَصَلَ ظَنٌّ أَنَّهُ وُجِدَ الْأَمْرُ، وَأَنَّا لَوْ تَرَكْنَاهُ لَصِرْنَا إلَى الْعَذَابِ، وَبِهَذَا الدَّلِيلِ اسْتَدَلَّ ابْنُ سُرَيْجٍ وَمُتَابِعُوهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ عَقْلًا. وَنَقُولُ: سَبَبُ الِاضْطِرَارِ إلَى الْعَمَلِ بِهِ، أَمَّا فِي الشَّهَادَاتِ وَالْفَتْوَى وَالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ إلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَوُقُوفِهِمْ عِنْدَهَا، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ لِيُعَلِّمَهَا النَّاسَ، وَهُوَ ﷺ مَبْعُوثٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُضْطَرٌّ إلَى تَبْلِيغِ النَّاسِ كُلِّهِمْ تِلْكَ الْأَحْكَامَ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِمُشَافَهَةِ الْجَمِيعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَعْثِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَيِّرَ إلَى كُلِّ بُقْعَةٍ عَدَدًا مُتَوَاتِرًا، فَلَزِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ التَّبْلِيغَ يَكُونُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
стр. 2199
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِمَا يَقُولُهُ الرُّسُلُ، فَبَطَلَ فَائِدَتُهُمْ. هَذَا إذَا كَانَ أَكْثَرَ عَنْهُ مِمَّا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ. أَمَّا مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْيَقِينُ كَالْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالظَّنُّ فِي ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَبْلِيغُ هَذِهِ إلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ بِأَنْ يُرْسَلَ فِيهَا الْآحَادُ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ يُشِيرُ فِي كَلَامِهِ إلَى الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ مِمَّا يُخْبِرُهُمْ بِهِ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ فَطَانَةٌ، فَيَتَنَبَّهُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ إلَى ذَلِكَ الْبُرْهَانِ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ، وَمَنْ لَا فَطَانَةَ لَهُ فَقَدْ يَتَعَلَّمُ عَلَى الطُّولِ، وَقَدْ يُسَافِرُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَقْصِيَ بِهِ ذِهْنُهُ شَرْعًا. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَانَتْ كُلُّهَا عِلْمِيَّةً؟ قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ. أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْعَقْلِ، فَتَكْلِيفُ النَّاسِ الْوُقُوفَ عَلَى بَرَاهِينِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا يَشُقُّ جِدًّا، وَيَشْغَلُهُمْ عَنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي عِمَارَةِ الْبَلَدِ، فَلِذَلِكَ اكْتَفَى الشَّارِعُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِالظَّنِّ. فَكَفَتْ فِيهَا أَخْبَارُ الْآحَادِ، وَإِشَارَاتُ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْإِيمَانُ فَيَتِمُّ بِذَلِكَ تَبْلِيغُهُ النَّاسَ كُلَّهُمْ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي الْعِبَارَةِ تَسَاهُلٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْخَبَرِ لَوْ أَوْجَبَ الْعَمَلَ لَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُثْمِرُ عِلْمًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعَمَلُ عِنْدَ سَمَاعِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، وَهَذَا سَهْلٌ.
стр. 2200
الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ صَنَّفَ كِتَابًا فِي إثْبَاتِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي» فَاعْتَرَضَ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: أَثْبَتَ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّيْءُ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، كَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَك؟ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ لِنَفْسِي. قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بَاطِلٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ حَدِيثٍ، وَذَكَرَ وُجُوهَ الِاسْتِدْلَالِ فِيهَا، فَالْمَجْمُوعُ هُوَ الدَّالُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ الَّذِي يُنْكِرُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَالْحُكَّامُ آحَادٌ، وَالْمُفْتُونَ آحَادٌ، وَالشُّهُودُ آحَادٌ.
[مَسْأَلَةٌ إثْبَاتُ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ]
ِ] اُخْتُلِفَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، هَلْ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ "، وَالْآمِدِيَّ فِي الْإِحْكَامِ ": الثُّبُوتُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِكَوْنِ التَّجْوِيزِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقَاطِعِ كَأَصْلِ الصِّفَاتِ.
стр. 2201
[مَسْأَلَةٌ إثْبَاتُ الْعَقِيدَةِ بِخَبَرِ الْآحَادِ]
ِ] سَبَقَ مَنْعُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ التَّمَسُّكِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ مِنْ الْعَقَائِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، وَالْعَقِيدَةُ قَطْعِيَّةٌ، وَالْحَقُّ الْجَوَازُ، وَالِاحْتِجَاجُ إنَّمَا هُوَ بِالْمَجْمُوعِ مِنْهَا، وَرُبَّمَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ، وَلِهَذَا أَثْبَتْنَا الْمُعْجِزَاتِ الْمَرْوِيَّةَ بِالْآحَادِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَطْلَبِ ": إلَّا أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ يَنْتَقِضُ بِأَخْبَارِ التَّشْبِيهِ، فَإِنَّ لِلْمُشَبِّهَةِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ مَجْمُوعَهَا بَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لِخُصُومِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَنْعُنَا عَنْهُ، وَأَيْضًا فَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ إذَا صَحَّتْ وَسَاعَدَتْ أَلْفَاظُ الْأَخْبَارِ تَأَكَّدَ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَقَوِيَ الْيَقِينُ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ]
َ] إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، فَهَلْ يُفِيدُ الْعِلْمَ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُهُ. وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ " عَنْ دَاوُد وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ، وَالْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَبِهِ نَقُولُ. قَالَ: وَحَكَاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. اهـ.
стр. 2202
وَفِيمَا حَكَاهُ عَنْ الْحَارِثِ نَظَرٌ، فَإِنِّي رَأَيْت كَلَامَهُ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ "، نَقَلَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَقَلُّهُمْ: يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا، وَاحْتَجَّ بِإِمْكَانِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ مِنْ نَاقِلِهِ كَالشَّاهِدَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِمَا لَا الْعِلْمُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْكَرَابِيسِيِّ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: ذَهَبَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَنَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ وَأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ. لَكِنْ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ، وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يُعْثَرْ لِمَالِكٍ عَلَى نَصٍّ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ رَأَى مَقَالَةً تُشِيرُ إلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا مُتَأَوَّلَةٌ. قَالَ: وَقِيلَ: إنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُثْمِرُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ. وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ لَهُ قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي إسْنَادِهِ إمَامٌ مِثْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ، وَإِلَّا فَلَا يُوجِبُهُ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ يُوجِبُهُ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ الشَّيْخُ فِي التَّبْصِرَةِ " عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ كَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ، وَهَلْ يُوجِبُ الظَّاهِرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِلْمِ مِنْ نَتَائِجِ بَاطِنِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقَا.
стр. 2203
وَالثَّانِي: يُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَيْهِ مُوجِبٌ لَهُ، وَلَوْلَاهَا كَانَ ظَنًّا. اهـ.
وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ غَالِبُ الظَّنِّ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ لَا يَتَفَاوَتُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: قَائِلُ هَذَا أَرَادَ غَلَبَةَ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعِلْمِ ظَاهِرٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْلُومٌ. وَجَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فَقَالَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ. وَقَالَ: يَعْنِي بِالْعِلْمِ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ لَا عِلْمَ الظَّاهِرِ. وَنَقَلَهُ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ. قَالَ: وَالْقَائِلُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، إنْ أَرَادَ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ فَقَدْ أَصَابَ، وَإِنْ أَرَادَ الْقَطْعَ حَتَّى يَتَسَاوَى مَعَ التَّوَاتُرِ فَبَاطِلٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ: إنَّا نَقْطَعُ عَلَى اللَّهِ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَنْقُضُ حُكْمَ مَنْ تَرَكَ أَخْبَارَ الْآحَادِ.
وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " أَنَّهُ هَلْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَصَارَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى عِلْمًا أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: يُفِيدُ الْعِلْمَ، أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ، أَوْ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ؛ لِتَسَاوِيهِمَا، وَبِهِ أَشْعَرَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَوْ قَالُوا: يُورِثُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ الظَّنُّ، وَإِنْ أَرَادُوا مِنْهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْجَزْمَ صَدَقَ مَدْلُولُهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاطِّرَادِ، كَمَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الِاطِّرَادِ، بَلْ فِي بَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ دُونَ الْكُلِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَهُوَ بَاطِلٌ. اهـ. وَلَعَلَّ مُرَادَ أَحْمَدَ إنْ صَحَّ عَنْهُ إفَادَةُ الْخَبَرِ؛ لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ مَا إذَا تَعَدَّدَتْ
стр. 2204
طُرُقُهُ، وَسَلِمَتْ عَنْ الطَّعْنِ فَإِنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَوْ لَمْ نَكْتُبْ الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَوْلَ أَحْمَدَ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ: نُؤْمِنُ بِهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ يَقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا. قَالَ: فَذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ هَذَا الْكَلَامِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ كَانَ شَرْعِيًّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ. قَالَ: وَعِنْدِي هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ، لَا مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ اسْتِدْلَالًا بِأُمُورٍ انْضَمَّتْ إلَيْهِ مِنْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ، أَوْ دَعْوَى الْمُخْبِرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ بِحَضْرَتِهِ، فَيَسْكُتُ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، أَوْ دَعْوَاهُ عَلَى جَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ السَّمَاعَ مِنْهُ، فَمَا يُنْكِرُونَهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَدْ أَكْثَرَ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ حِكَايَةِ إفَادَتِهِ الْقَطْعَ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ، أَوْ بَعْضِهِمْ، وَتَعَجَّبَ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّا نُرَاجِعُ أَنْفُسَنَا فَنَجِدُ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُحْتَمِلًا لِلْكَذِبِ وَالْغَلَطِ، وَلَا قَطْعَ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ، لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ لَهُ مُسْتَنَدٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ مَا صَحَّ مِنْ الْأَخْبَارِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ؛ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ بِصِحَّتِهِ؛ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ، وَالْمَحْفُوظُ مَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ مَا ثَبَتَ عِنْدَنَا مِنْ الْأَخْبَارِ كَذِبًا لَدَخَلَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، وَالْحِفْظُ يَنْفِيهِ، وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ، فَصَارَ هَذَا كَالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَحُكْمُهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ، لَكِنْ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَوْلًا لَهُمْ وَحُكْمًا، وَأَخَذُوا الْحِفْظَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَرَّرُوهُ يَقَعُ فِيهِ الْبَحْثُ مَعَهُمْ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ
стр. 2205
مَذْهَبَهُمْ خَارِجٌ عَنْ ضُرُوبِ الْعَقْلِ، فَبَيَّنَّا هَذَا دَفْعًا لِهَذَا الْوَهْمِ، وَتَنْبِيهًا لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ، وَيُبْحَثَ مَعَهُمْ فِيهِ، وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنْ قِيَامِ الْقَاطِعِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ لَهُمْ فِيهِ: إنَّ هَذَا الْقَاطِعَ، أَعْنِي الْعِلْمَ بِصِحَّةِ كُلِّ مَا صَحَّ عِنْدَنَا وَبِكَذِبِ كُلِّ مَا لَمْ يَصِحَّ، إمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ أَوْ إلَى بَعْضِهَا، فَإِنْ أُخِذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ هُنَا إلَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْعَزْمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ الْأُمَّةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ.
وَإِنْ أَخَذْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ لَمْ يُفِدْ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُمَّةِ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا، وَهُوَ اطِّلَاعُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى حَدِيثٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ: إذَا لَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ اطِّلَاعِ غَيْرِي عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ. قُلْنَا: أَنْتَ تَدَّعِي الْقَطْعَ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةٌ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ، فَإِنْ كَانَ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ، فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ قَدْ سَبَقَتْ. مِنْهَا الْإِخْبَارُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ، أَوْ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَيُقِرُّوهُ، أَوْ بِأَنْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ الْعَمَلِ، أَوْ بِأَنْ يَحْتَفَّ بِقَرَائِنَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ. الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ الْقَرَائِنِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا بِعِبَارَةٍ تَضْبِطُهَا. قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ مَا لَا يَبْقَى مَعَهَا احْتِمَالٌ، وَتَسْكُنُ النَّفْسُ عِنْدَهُ، مِثْلُ سُكُونِهَا إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ. الثَّالِثُ: زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، وَلَيْسَ
стр. 2206
كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؟ إنْ قُلْنَا: يُفِيدُ الْقَطْعَ كَفَرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَامِدٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ فِي تَكْفِيرِهِ وَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَأْخَذُهَا. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ هَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ؟ فَمَنْ قَالَ: يُفِيدُ الْعِلْمَ قَبِلَهُ، وَمَنْ قَالَ: لَا يُفِيدُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِهِ إذْ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ الْقَطْعِ مُمْتَنِعٌ.
стр. 2207
[فَصْلٌ فِي شَرْطِ الْفِعْلِ بِخَبَرِ الْآحَادِ]
ِ مِنْهَا: مَا هُوَ فِي الْمُخْبِرِ، وَهُوَ الرَّاوِي، وَمِنْهَا: مَا هُوَ فِي الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَهُوَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ. وَمِنْهَا: مَا هُوَ فِي الْخَبَرِ نَفْسِهِ وَهُوَ اللَّفْظُ. [الشُّرُوطُ الَّتِي يَجِبُ تَوَفُّرُهَا فِي الْمُخْبِرِ] أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَهُ شُرُوطٌ. الْأَوَّلُ: التَّكْلِيفُ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ لَا؛ لِعَدَمِ الْوَازِعِ عَنْ الْكَذِبِ، وَاعْتَمَدَ الْقَاضِي فِي رَدِّ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ الْإِجْمَاعَ، وَقَالَ الْمُعَلِّقُ عَنْهُ: وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ يَحْكِي وَجْهًا فِي صِحَّةِ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ، فَلَعَلَّهُ أَسْقَطَهُ. اهـ. وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ، حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ مُعْتَرِضًا بِهِ عَلَى الْقَاضِي، بَلْ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي إخْبَارِهِ عَنْ الْقُبْلَةِ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ.
وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَالَ الْفُورَانِيُّ فِي الْإِبَانَةِ " فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: الْأَصَحُّ قَبُولُ رِوَايَتِهِ، وَحَكَى إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ خَبَرًا فِي مُسْتَنَدِ رَدِّ أَحَادِيثِ الصَّبِيِّ، فَقِيلَ هُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ رِوَايَةِ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ مُلَابَسَةَ الْفِسْقِ تُهَوِّنُ عَلَيْهِ تَوَقِّي الْكَذِبِ،
стр. 2208
وَالصَّبِيُّ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْفَاسِقَ لَا يَخْلُو عَنْ خِيفَةٍ يَسْتَوْحِشُهَا، وَالصَّبِيُّ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنْ الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَهَذَا أَسَدُّ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُرَاجِعُوا صَبِيًّا قَطُّ، وَلَمْ يَسْتَخْبِرُوهُ، وَقَدْ رَاجَعُوا النِّسَاءَ وَرَاءَ الْخُدُورِ، وَكَانَ فِي الصِّبْيَانِ مَنْ يَلِجُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَطَّلِعُ عَلَى أَحْوَالٍ لَهُ بِحَيْثُ لَوْ نَقَلَهَا لَمْ يَخْلُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مِنْ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، ثُمَّ لَمْ يُرَاجَعُوا قَطُّ. اهـ.
وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْمُرَاهِقِ الْمُتَثَبِّتِ فِي كَلَامِهِ، قَالَ: أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا، كَالْبَالِغِ الْفَاسِقِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ " قَوْلًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُرَاهِقِ وَمَنْ دُونَهُ وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ اخْتَلَفُوا، هَلْ ذَلِكَ مَظْنُونٌ أَوْ مَقْطُوعٌ بِهِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَظْنُونٌ. هَذَا كُلُّهُ إذَا أَدَّى فِي حَالِ صِبَاهُ، فَإِنْ تَحَمَّلَ فِي صِبَاهُ، ثُمَّ أَدَّاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَقَوْلَانِ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " وَمُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ "، وَأَصَحُّهُمَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاذِ بْنِ بَشِيرٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ رَوَى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدِيثَ الْمَجَّةِ الَّتِي مَجَّهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَاعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ رِوَايَتَهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَجَعَلُوهُ أَصْلًا فِي سَمَاعِ الصَّغِيرِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الرِّوَايَاتِ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَوْ قِيلَ: هَذَا لِقَبُولِ الْأُمَّةِ رِوَايَاتِ مَنْ سَبَقَ كَانَ عِنْدِي أَوْلَى؛ لِتَوَقُّفِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَصَاغِرَ رَوَوْا لِلْأَكَابِرِ مَا لَمْ
стр. 2209
يَعْلَمُوهُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، فَقَبِلُوهُ، وَثُبُوتُ مِثْلِ هَذَا عَنْ كُلِّ الصَّحَابَةِ قَدْ يَتَعَذَّرُ، وَلَكِنَّ الْأُمَّةَ بَعْدَهُمْ قَدْ قَبِلُوا رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ.
قَالَ: وَالتَّمْثِيلُ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَفِي مُطَابَقَتِهِ لِحَالِ بَعْضِهِمْ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ تَحَمُّلُ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا كَانَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ مُمَيِّزًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ ثُمَّ بَلَغَ، لَمْ تَصِحَّ رِوَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ، وَهَذَا إجْمَاعٌ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ سَمِعَ الْمَجْنُونُ، ثُمَّ أَفَاقَ لَمْ تُسْمَعْ رِوَايَتُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ إلَّا مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ، وَمَا سَمِعَهُ الصَّبِيُّ فِي حَالِ صِبَاهُ لَا تَصِحُّ رِوَايَتُهُ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَكَذَا لَوْ تَحَمَّلَ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ كَافِرٌ، ثُمَّ رَوَى وَهُوَ عَدْلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَحَكَاهُ فِي الْقَوَاطِعِ " عَنْ الْأُصُولِيِّينَ: الْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الْمُعْتَبَرُ هُنَا التَّيَقُّظُ، وَكَثْرَةُ التَّحَفُّظِ، وَلَا يَكْفِي الْعَقْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ يَوْمًا، وَيُجَنُّ يَوْمًا، فَإِنْ أَثَّرَ جُنُونُهُ فِي زَمَنِ إفَاقَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَ.
الثَّانِي: كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْكَافِرِ كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إجْمَاعًا، سَوَاءٌ عُلِمَ مِنْ دِينِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْكَذِبِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ عُلِمَ أَنَّهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَمَكْرُمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ، سَمِعْت أَبَا طَالِبٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ أَخِي الْأَمِينَ يَقُولُ: «اُشْكُرْ تُرْزَقْ، وَلَا تَكْفُرْ فَتُعَذَّبَ» ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الصُّرَيْفِينِيُّ وَقَالَ
стр. 2210
غَرِيبٌ عَجِيبٌ رِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
[حُكْمُ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْبِدَعِ]
[حُكْمُ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْبِدَعِ] وَأَمَّا الَّذِي مِنْ أَهْلِهَا وَهُمْ الْمُبْتَدِعَةُ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ كَالْمُجَسِّمَةِ إذَا قُلْنَا بِتَكْفِيرِهِمْ، فَإِنْ عَلِمْنَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ جَوَازَ الْكَذِبِ إمَّا لِنُصْرَةِ رَأْيِهِمْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُمْ قَطْعًا، كَذَا قَالُوهُ. وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا اعْتَقَدُوا جَوَازَهُ مُطْلَقًا، فَإِنْ اعْتَقَدُوا جَوَازَهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَالْكَذِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ، أَوْ التَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَةِ، أَوْ التَّرْهِيبِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ رُدَّتْ رِوَايَتُهُمْ فِيمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَاصِّ فَقَطْ، وَإِنْ اعْتَقَدُوا حُرْمَةَ الْكَذِبِ، فَقَوْلَانِ. قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا تُقْبَلُ، وَمِنْهُمْ الْقَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْآمِدِيَّ قِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يُقْبَلُ، وَهُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ حُرْمَةُ الْكَذِبِ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ صِدْقُهُ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْكَافِرِ بِالْبِدْعَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمَحْصُولِ ". أَطْلَقَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ "، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي، الْأَوْسَطِ " عَدَمَ قَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ مُطْلَقًا، وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ. وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ إذَا لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْكَذِبَ وَالتَّدَيُّنَ
следующие страницы →