Полный текст (3 423 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
كَالْمُهْمَلِ، وَالْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ بَاطِلٌ.
وَفَرَّعَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَالْخِلَافُ فِي آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى وَعِيدِ الْفُسَّاقِ لَا غَيْرُ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ.
أَمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ إطْلَاقِ الظَّاهِرِ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ جَوَازِ وُرُودِ الْعُمُومِ وَتَأَخُّرِ الْخُصُوصِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ": وَكَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي خِطَابِ مَنْ يَلْزَمُ الْمَصِيرَ إلَيْهِ فَلَهُ وَجْهٌ فِي اللُّغَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْهُ فَهُوَ مِنْهُ مَجْمُوعُهُ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ جُمْلَةٌ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ يَقْتَضِي ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى تَأْوِيلٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ فِيهِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْحَقَّ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَرَدَ عَلَى وَجْهٍ مُحْتَاجٍ فِيهِ إلَى تَأْوِيلٍ لَهُ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ بِمِثْلِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ مِنْ كَلَامِهِ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ ظَاهِرُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى خِلَافِهِ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ مَقْصُودَهُ إذَا جَازَ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ مِثْلُهُ، وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَقَالَ: مَا كَانَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَجْمُوعَ الْخِطَابِ فِي مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَيَحْكُمُونَ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ:
стр. 597
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] هُوَ مِنْ عَرَفَ الْأَدِلَّةَ وَالْوُجُوهَ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْخِطَابُ عَرَفَ مَا أُرِيدَ بِهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ.
[بَقَاءُ الْمُجْمَلِ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ]
مَسْأَلَةٌ [بَقَاءُ الْمُجْمَلِ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ]
هَلْ بَقِيَ فِي الْقُرْآنِ مُجْمَلٌ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ الدِّينَ. وَقَالَ آخَرُونَ بِإِمْكَانِهِ، وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فَجَوَّزَاهُ فِيمَا لَا يُكَلَّفُ فِيهِ، وَمَنَعَاهُ فِيمَا فِيهِ تَكْلِيفٌ خَوْفًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ]
وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى نَصٍّ وَظَاهِرٍ: أَمَّا النَّصُّ: فَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الظُّهُورُ وَالِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: نَصَصْت بِمَعْنَى أَظْهَرْت، وَمِنْهُ نَصَّتْ الصَّبِيَّةُ جِيدَهَا إذَا أَظْهَرَتْهُ، وَقَوْلُهُمْ لِلْمَنَارَةِ مِنَصَّةً، وَمِنْهَا الْمِنَصَّةُ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا الْعَرُوسُ، وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ إذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ» أَيْ دَفَعَ السَّيْرَ وَأَسْرَعَ.
стр. 598
وَيُطْلَقُ بِاصْطِلَاحَاتٍ: أَحَدُهَا: مُجَرَّدُ لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيُقَالُ: الدَّلِيلُ إمَّا نَصٌّ أَوْ مَعْقُولٌ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْجَدَلِيِّينَ. يَقُولُونَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَمَسَّكُ فِيهَا بِالنَّصِّ، وَهَذِهِ بِالْمَعْنَى وَالْقِيَاسِ. الثَّانِي: مَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْإِيمَاءِ. الثَّالِثُ: نَصُّ الشَّافِعِيِّ فَيُقَالُ: لِأَلْفَاظِهِ نُصُوصٌ بِاصْطِلَاحِ أَصْحَابِهِ قَاطِبَةً. الرَّابِعُ: حِكَايَةُ اللَّفْظِ عَلَى صُورَتِهِ كَمَا يُقَالُ: هَذَا نَصُّ كَلَامِ فُلَانٍ. الْخَامِسُ: يُقَابِلُ الظَّاهِرَ وَهُوَ مَقْصُودُنَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ النَّصَّ كُلُّ خِطَابٍ عُلِمَ مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ، قَالَ: وَهَذَا يُلَائِمُ وَضْعَ الِاشْتِقَاقِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْمُرَادَ بِهِ وَكَشَفَ عَنْهُ، ثُمَّ عَلَى هَذَا يَنْقَسِمُ النَّصُّ إلَى مَا يَحْتَمِلُ وَإِلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا سَمَّى الظَّاهِرَ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَمَحَ فِيهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَشَارَ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّ النَّصَّ يُسَمَّى ظَاهِرًا، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، لِأَنَّ النَّصَّ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الظُّهُورُ، وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ، يُطْلَقُ النَّصُّ عَلَى مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وَسَوَاءٌ عَضَّدَهُ بِالدَّلِيلِ أَمْ لَا، وَهَذَا
стр. 599
الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَقَدْ يَكُونُ نَصًّا بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَرِينَةِ، وَقِيلَ: مَا اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَأَشَارَ بِالْبَاطِنِ إلَى الْمَفْهُومِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلَّفْظِ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِّ النَّصِّ: إنَّهُ خِطَابٌ يُعْلَمُ مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ عُلِمَ الْمُرَادُ بِهِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُسَمَّى الْمُجْمَلُ نَصًّا، وَبِهَذِهِ حَدَّهُ الْكَرْخِيّ. وَذَكَرَ عَبْدُ الْجَبَّارِ أَنَّ النَّصَّ هُوَ خِطَابٌ يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ الْمُرَادُ بِهِ. وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَتَكَوَّنَ لَفْظًا، وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَّا مَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مَا سِوَاهَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ إفَادَتُهُ لِمَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُهُ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: النَّصُّ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ: اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ، كَقَوْلِك: أَعْطِ زَيْدًا أَوْ خُذْ مِنْ عَمْرٍو، وَافْعَلْ أَنْتَ وَنَحْوَهُ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ: وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» . وَأَصْلُهُ الظُّهُورُ. قَالَ: وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: لَا لَفْظَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا وَأَصْلُهُ التَّخْصِيصُ، وَذَهَبَ هَذَا الْقَائِلُ إلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا نُصُوصٌ، عُمُومًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا، وَزَعَمَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي قَوْلِهِ ﵇ لِأَبِي بُرْدَةَ: " يُجْزِئُكَ " جَوَازُ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ فِي مَعْنَاهُ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَنْفِي الْأَوَّلَ، لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي غَيْرِ النَّصِّ. اهـ.
стр. 600
[بُعْدُ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ النَّصِّ] وَمُقَابِلُ هَذَا فِي الْبُعْدِ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ النَّصِّ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّانِ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَعِزُّ وُجُودُ النَّصِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] قَالَ: وَالصَّحِيحُ: خِلَافُهُ.
قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: لَا يُوجَدُ النَّصُّ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا فِي أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَوْلُهُ ﵇: «اُغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا» وَقَوْلُهُ: «وَلَا يَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» .
قَالَ: وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا، ثُمَّ قَسَّمَ النَّصَّ إلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَإِلَى مَا لَا يَقْبَلُهُ.
قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ النَّصَّ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ. وَتَسْمِيَةُ الظَّاهِرِ نَصًّا صَحِيحٌ لُغَةً وَشَرْعًا، لِأَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
قَالَ: وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الظَّاهِرُ هُوَ الْمَجَازُ وَالنَّصُّ هُوَ الْحَقِيقَةُ. اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ: النَّصُّ مَا عُرِّيَ لَفْظُهُ عَنْ الشَّرِكَةِ، وَخَلَصَ مَعْنَاهُ مِنْ الشُّبْهَةِ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ،
стр. 601
وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، وَقِيلَ: التَّطَوُّعُ عَلَى الْمُرَادِ.
وَقِيلَ: مَا اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ: وَإِنَّمَا تَصِحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُجْمَلَ وَالْعُمُومَ لَيْسَ بِنَصٍّ.
قَالَ: وَالصَّحِيحُ فِي حَدِّ النَّصِّ عِنْدَنَا: أَنَّهُ الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ بِاسْمِ الْمَحْكُومِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ أَوْ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ، قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ "، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَكُونُ الْعُمُومُ نَصًّا، وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ فِي الْإِيجَابِ، وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا فِي صِفَةِ الْوَاجِبِ أَوْ مِقْدَارِهِ أَوْ وَقْتِهِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَسْمِيَةِ الْعُمُومِ وَالظَّوَاهِرِ الْمُحْتَمَلَةِ نُصُوصًا، فَقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ كَقَوْلِهِ ﵊: «وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» .
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ الْعُمُومَ وَالظَّوَاهِرَ كُلَّهَا نُصُوصٌ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ]
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَّ مَا كَانَ لَفْظُهُ دَلِيلَهُ، وَالظَّاهِرُ: مَا سَبَقَ مُرَادُهُ إلَى فَهْمِ سَامِعِهِ.
وَالثَّانِي: النَّصُّ مَا لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ احْتِمَالٌ، وَالظَّاهِرُ مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّصِّ، فَقِيلَ: مَا لَا
стр. 602
يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ، وَقِيلَ: مَا اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَنُوقِضَ بِالْفَحْوَى، فَإِنَّهَا تَقَعُ نَصًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مُصَرَّحًا بِهِ لَفْظًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُ، ثُمَّ صَارَ الصَّائِرُونَ إلَى عِزَّةِ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ حَتَّى لَا يُوجَدَ إلَّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَفِي السُّنَّةِ «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» وَ «اُغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا» وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلْ كُلُّ مَا أَفَادَ مَعْنًى عَلَى قَطْعٍ مَعَ انْحِسَامِ التَّأْوِيلِ فَهُوَ نَصٌّ. وَالشَّافِعِيُّ قَدْ يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا فِي مَجَارِي كَلَامِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ النَّصَّ مِنْ الظُّهُورِ وَلَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ مَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: وَيُلْتَحَقُ بِالنَّصِّ مَا حُذِفَ مِنْ الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ الْبَاقِي عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَلَكِنْ لَا يُشَكُّ فِي مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَأَفْطَرَ. وَأَمَّا الظَّاهِرُ، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ لَفْظَةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لَهَا حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَإِذَا وَرَدَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا كَانَتْ ظَاهِرًا، وَإِنْ عَدَلَتْ إلَى جِهَةِ الْمَجَازِ كَانَتْ مُؤَوَّلَةً. وَهَذَا صَحِيحٌ فِي بَعْضِ الظَّوَاهِرِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الظَّاهِرُ لَفْظٌ مَعْقُولٌ يَبْتَدِرُ إلَى فَهْمِ الْبَصِيرِ
стр. 603
لِجِهَةٍ يَفْهَمُ الْفَاهِمُ مِنْهُ مَعْنًى، وَلَهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ فِي التَّأْوِيلِ مُسَوَّغٌ لَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا أَمْثَلُ.
قَالَ: وَمِنْ الظَّوَاهِرِ مُطْلَقُ صِيَغِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْوُجُوبُ، وَمِنْهُ صِيَغُ الْعُمُومِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ لَا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ، لِأَنَّهُ نَصٌّ.
قَالَ: وَالظُّهُورُ قَدْ يَقَعُ فِي الْأَسْمَاءِ وَفِي الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ مِثْلُ " إلَى "، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ، مُؤَوَّلٌ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْجَمْعِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ]
الْقِرَاءَاتُ عَنْ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ "، خِلَافًا لِصَاحِبِ الْبَدِيعِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهَا مَشْهُورَةٌ. وَقَالَ السُّرُوجِيُّ فِي بَابِ الصَّوْمِ مِنْ الْغَايَةِ ": الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهَا آحَادٌ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ
стр. 604
حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ وَزِيَادَةِ الْمَدِّ، وَنُقِلَ عَنْهُ كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيّ، لِأَنَّهَا كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي الْإِمَالَةِ وَالْإِدْغَامِ. وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ مَا عَدَا الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ السَّبْعِ ثَبَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوَاتُرِ فَكَيْفَ تُكْرَهُ؟ . اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، وَأَمَّا تَوَاتُرُهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ إسْنَادَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ لِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مَوْجُودَةٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ، فَلَمْ تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ. وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْهَا بِالْقَبُولِ، وَاخْتَارُوهَا لِمُصْحَفِ الْجَمَاعَةِ، وَقَطَعُوا بِأَنَّهَا قُرْآنٌ، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا مَمْنُوعٌ مِنْ إطْلَاقِهِ، وَالْقِرَاءَةُ بِهِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ ". وَبِهَذَا الطَّرِيقِ حَكَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ أَحَادِيثَ الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوعٌ بِهَا وَإِنْ رُوِيَتْ بِالْآحَادِ، لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، أَيْ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَفَادَ الْقَطْعَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالْوَاحِدِ، فَمَا ظَنُّك فِيمَا وُجِدَ فِيهِ غَالِبُ شُرُوطِ التَّوَاتُرِ أَوْ كُلُّهَا؟ لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ هَذَا قَدْ رَدَّهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي كِتَابِ الْمُرْشِدِ الْوَجِيزِ ": كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا مُتَوَاتِرٌ، أَمَّا الْمَجْمُوعُ مِنْهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ عَلَى تَوَاتُرِهِ.
قَالَ: وَقَدْ شَاعَ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُقْرِئِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ.
قَالُوا: وَالْقَطْعُ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاجِبٌ.
стр. 605
قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا، وَلَكِنْ فِيمَا اجْتَمَعَتْ عَلَى نَقْلِهِ عَنْهُمْ الطُّرُقُ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْفِرَقُ مَعَ أَنَّهُ شَائِعٌ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الْمُرَادُ بِهَا: مَا رُوِيَ عَنْ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَذَلِكَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ يَنْقَسِمُ إلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ عَنْهُمْ لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الطُّرُقُ، وَإِلَى مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ بَقِيَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَالْمُصَنِّفُونَ لِكُتُبِ الْقِرَاءَاتِ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَمَنْ تَصَفَّحَ كُتُبَهُمْ أَحَاطَ بِذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِكُلِّ قِرَاءَةٍ تُعْزَى إلَى إمَامٍ مِنْ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ وَيُوَافِقَ لُغَةَ الْعَرَبِ.
قَالَ: وَأَمَّا مَنْ يُهَوِّلُ فِي عِبَارَتِهِ قَائِلًا: بِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَخَطَؤُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْأَحْرُفَ الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّا لَسْنَا مِمَّنْ يَلْتَزِمُ التَّوَاتُرَ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ، بَلْ الْقِرَاءَاتُ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَاتِرٍ وَغَيْرِهِ، وَغَايَةُ مَا يُبْدِيهِ مُدَّعِي تَوَاتُرِ الْمَشْهُورِ مِنْهَا كَإِدْغَامِ أَبِي عَمْرٍو، وَنَقْلِ الْحَرَكَةِ لِوَرْشٍ، وَوَصْلِ مِيمَيْ الْجَمْعِ وَهَاءِ الْكِنَايَةِ لِابْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ الَّذِي نُسِبَتْ تِلْكَ الْقِرَاءَاتُ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي اسْتِقْرَاءِ الطُّرُقِ وَالْوَاسِطَةِ إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ التَّوَاتُرُ مِنْ ذَلِكَ الْإِمَامِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ ذَلِكَ. وَهَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ، فَإِنَّهَا مِنْ ثَمَّ لَمْ تُنْقَلْ إلَّا آحَادًا إلَّا الْيَسِيرَ مِنْهَا، بَلْ الضَّابِطُ: أَنَّ كُلَّ قِرَاءَةٍ اُشْتُهِرَتْ بَعْدَ صِحَّةِ إسْنَادِهَا وَمُوَافَقَتِهَا خَطَّ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يُنْكَرْ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمُعْتَمَدَةُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ شَاذٌّ وَضَعِيفٌ. اهـ.
стр. 606
وَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ مِنْ الْقُرَّاءِ يُوهِمُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً كُلُّهَا وَأَنَّ أَعْلَاهَا مَا اجْتَمَعَ فِيهِ صِحَّةُ السَّنَدِ وَمُوَافَقَةُ خَطِّ الْمُصْحَفِ وَالْإِمَامِ، وَالْفَصِيحُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِيهَا الِاسْتِفَاضَةُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ هَؤُلَاءِ، وَالشُّبَهُ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ انْحِصَارِ أَسَانِيدِهَا فِي رِجَالٍ مَعْرُوفِينَ، فَظَنُّوهَا كَأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَقَدْ أَوْضَحَ الْإِمَامُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ ﵀ ذَلِكَ.
فَقَالَ: انْحِصَارُ الْأَسَانِيدِ فِي طَائِفَةٍ لَا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْقِرَاءَاتِ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَانَ يَتَلَقَّاهُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِقِرَاءَةِ إمَامِهِمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ دَائِمًا، فَالتَّوَاتُرُ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ قَصَدُوا ضَبْطَ الْحُرُوفِ، وَحَفِظُوا عَنْ شُيُوخِهِمْ مِنْهَا جَاءَ السَّنَدُ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَهَذَا كَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ هِيَ آحَادٌ، وَلَمْ تَزَلْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ مَنْقُولَةً عَمَّنْ يَحْصُلُ بِهِمْ التَّوَاتُرُ عَنْ مِثْلِهِمْ فِي عَصْرٍ، فَهَذِهِ كَذَلِكَ، وَهَذَا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وَأَنْ لَا يُغْتَرَّ بِقَوْلِ الْقُرَّاءِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَوَاصِمِ ": وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَيْفِيَّةُ الْقِرَاءَةِ الْيَوْمَ أَنْ يُقْرَأَ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: مَا صَحَّ نَقْلُهُ، وَصَحَّ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَفْظُهُ، وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ، وَذَكَرَ خِلَافًا كَثِيرًا فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنَّ جَمِيعَ السَّبْعِ لَمْ يَكُنْ بِإِجْمَاعٍ، وَإِنَّمَا كَانَ بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، وَالْمُخْتَارُ: أَنْ يَقْرَأَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خَطِّ الْمُصْحَفِ فَكُلُّ مَا صَحَّ فِي النَّقْلِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهُ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى مَا سِوَاهُ.
قَالَ: وَالْمُخْتَارُ لِنَفْسِي إذَا قَرَأْت بِمَا نُسِبَتْ لقالون أَنْ لَا أَهْمِزَ وَلَا أَكْسِرَ مُنَوَّنًا وَلَا غَيْرَ مَنُونٍ، فَإِنَّ
стр. 607
الْخُرُوجَ مِنْ كَسْرَةٍ إلَى يَاءٍ مَضْمُومَةٍ لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَمَا كُنْت لِأَمُدَّ مَدَّ حَمْزَةَ، وَلَا أَقِفَ عَلَى السَّاكِنِ، وَلَا أَقْرَأَ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَلَوْ رَوَاهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَلَا أَمُدَّ مِيمَ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَا أَضُمَّ هَاءَ عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِمْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا عِنْدِي لُغَاتٌ لَا قِرَاءَاتٌ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا، وَإِذَا تَأَمَّلْتهَا رَأَيْتهَا اخْتِيَارَاتٍ مَبْنِيَّةً عَلَى مَعَانٍ وَلُغَاتٍ.
قَالَ: وَأَقْوَى الْقِرَاءَاتِ سَنَدًا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ، وَقِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ ثَابِتَةٌ لَا كَلَامَ فِيهَا.
قَالَ: وَطَلَبْت أَسَانِيدَ الْبَاقِينَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا مَشْهُورًا، وَرَأَيْت بِنَاءَ أَمْرِهَا عَلَى اللُّغَاتِ، وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ تَوَاتُرَ السَّبْعِ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ، كَالْمَدِّ، وَاللِّينِ، وَالْإِمَالَةِ، وَتَخْفِيفِ الْهَمْزِ يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُتَوَاتِرَةٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَالْحَقُّ: أَنَّ الْمَدَّ وَالْإِمَالَةَ لَا شَكَّ فِي تَوَاتُرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْهَا وَهُوَ الْمَدُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَدٌّ، وَالْإِمَالَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ إمَالَةٌ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاءُ فِي تَقْدِيرِ الْمَدِّ فِي اخْتِيَارَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ طَوِيلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ قَصِيرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فِي الْقِصَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَزَايَدَ كَحَمْزَةَ وَوَرْشٍ بِمِقْدَارِ سِتِّ أَلِفَاتٍ، وَقِيلَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ، وَعَنْ عَاصِمٍ: ثَلَاثٍ، وَعَنْ الْكِسَائِيُّ: أَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ، وقالون: أَلِفَيْنِ، وَالسُّوسِيِّ: أَلِفٍ وَنِصْفٍ.
وَقَالَ الدَّانِيُّ فِي التَّيْسِيرِ " أَطْوَلُهُمْ مَدًّا فِي الضَّرْبَيْنِ جَمِيعًا يَعْنِي الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ وَرْشٌ وَحَمْزَةُ، وَدُونَهُمَا عَاصِمٌ، وَدُونَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ، وَدُونَهُمَا أَبُو عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: وقالون مِنْ طَرِيقِ
стр. 608
أَبِي نَشِيطٍ بِخِلَافٍ عَنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مِقْدَارِ مَذَاهِبِهِمْ مِنْ التَّحْقِيقِ وَالْحَذْفِ. اهـ.
فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ أَصْلَ الْمَدِّ مُتَوَاتِرٌ، وَالِاخْتِلَافُ وَالطُّرُقُ إنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّلَفُّظِ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ (﵀) يَقْرَأُ بِمَدَّيْنِ طُولِيٍّ لِوَرْشٍ وَحَمْزَةَ، وَوَسَطِيٍّ لِمَنْ بَقِيَ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَرِهَ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ طُولِ الْمَدِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: لَا تُعْجِبُنِي، وَلَوْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً لَمَا كَرِهَهَا. إلَّا أَنْ يُقَالَ. إنَّمَا كَرِهَ كَيْفِيَّتَهَا لَا أَصْلَهَا. وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَصْلِ الْإِمَالَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهَا مُبَالَغَةً وَقِصَرًا، فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ: مَحْضَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَنْحَى بِالْأَلِفِ إلَى الْيَاءِ، وَبِالْفَتْحَةِ إلَى الْكِسْرَةِ، وَبَيْنَ بَيْنَ، وَهِيَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَلِفَ وَالْفَتْحَةَ أَقْرَبُ وَهِيَ أَصْعَبُ الْإِمَالَيْنِ، وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَلِكَ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ أَصْلُهُ مُتَوَاتِرٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَيْفِيَّتِهِ. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَلَفَةُ فِيهَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ فَهِيَ أَلْفَاظُ قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُرَادُ تَنَوُّعُ الْقُرَّاءِ فِي أَدَائِهَا، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْمُبَالَغَةَ فِي تَشْدِيدِ الْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ، فَكَأَنَّهُ زَادَ حَرْفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْحَالَةَ الْوُسْطَى، فَهَذَا هُوَ الَّذِي ادَّعَى أَبُو شَامَةَ عَدَمَ تَوَاتُرِهِ، وَنُوزِعَ فِيهِ، فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ لَيْسَ إلَّا فِي الِاخْتِيَارِ، وَلَا يَمْنَعُ قَوْمٌ قَوْمًا.
مَسْأَلَةٌ [يَجُوزُ إثْبَاتُ قِرَاءَةٍ حُكْمًا لَا عِلْمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الِانْتِصَارِ ": قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ
стр. 609
وَالْمُتَكَلِّمِينَ: يَجُوزُ إثْبَاتُ قِرَاءَاتٍ وَقِرَاءَةٍ حُكْمًا لَا عِلْمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الِاسْتِفَاضَةِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: إنَّهُ يَسُوغُ إعْمَالُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إثْبَاتِ قِرَاءَةٍ وَأَوْجُهٍ وَأَحْرُفٍ إذَا كَانَ صَوَابًا فِي اللُّغَةِ، وَمِمَّا سَوَّغَ التَّكَلُّمَ بِهَا وَلَمْ يُقْحَمْ حُجَّةً بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَرَأَ بِهَا بِخِلَافِ مُوجَبِ رَأْيِ الْقَائِسِينَ وَاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَبَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَقِّ وَمَنَعُوهُ وَخَطَّئُوا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ وَصَارَ إلَيْهِ. اهـ.
[مَسْأَلَةٌ لَيْسَتْ الْقِرَاءَاتُ اخْتِيَارِيَّةً]
وَلَيْسَتْ الْقِرَاءَاتُ اخْتِيَارِيَّةً، وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وَبَنُو تَمِيمٍ يَرْفَعُونَهَا إلَّا مَنْ دَرَى كَيْفَ هِيَ فِي الْمُصْحَفِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ مَا رُوِيَ عَنْهُ. اهـ. خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ اخْتِيَارِيَّةٌ تَدُورُ مَعَ اخْتِيَارِ الْفُصَحَاءِ وَاجْتِهَادِ الْبُلَغَاءِ. وَرَدَّ عَلَى حَمْزَةَ قِرَاءَتَهُ ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بِالْخَفْضِ، وَمِثْلُهُ مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيَّ أَنَّهُمْ خَطَّئُوا حَمْزَةَ فِي قِرَاءَتِهِ ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَقَالُوا: إنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ،
стр. 610
وَأَنَّهُ كَانَ يَلْحَنُ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَمَا يُرْوَى أَيْضًا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ أَرْسَلَ إلَى أَبِي الشَّعْثَاءِ بِوَاسِطَ لَا تَقْرَأْ فِي مَسْجِدِنَا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ. وَمَا حُكِيَ عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهَا يَعْنِي قِرَاءَةَ ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بِالْكَسْرِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ حَمْزَةَ إمَامٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَمَعْقُودٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَتِهِ، وَلَقَدْ هَجَنَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا قَالَ، إنْ صَحَّ عَنْهُ، فَقَدْ نَدَّ قُلْت: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مَتْبُوعَةٌ مُتَلَقَّاةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تَوْقِيفًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ إلَّا بِمَا سَمِعَهُ، وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَدْ جَاءَ فِي أَشْعَارِهِمْ وَنَوَادِرِهِمْ مِثْلُهَا كَثِيرًا، وَلِهَذَا اعْتَدَّ بِهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاخْتَارَ جَوَازَ الْعَطْفِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إعْطَاءِ الْجَارِّ وِفَاقًا لِلْكُوفِيِّينَ.
[مَسْأَلَةٌ الْبَسْمَلَةُ فِي الْقُرْآنِ]
الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَفِيمَا عَدَاهَا مِنْ السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٍ لِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ:
أَصَحُّهَا: أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ ثُبُوتُهَا فِي
стр. 611
سَوَادِ الْمُصْحَفِ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَأَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ.
الثَّانِي: بَعْضُ آيَةٍ.
وَالثَّالِثُ: لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَعُزِيَ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَهَذَا غَرِيبٌ لَمْ يَحْكِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي الطَّارِقِيَّاتِ " عَنْ الرَّبِيعِ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أَوَّلُ الْحَمْدِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَوَّلُ الْبَقَرَةِ أَلَمْ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَمَّا ثَبَتَتْ أَوَّلًا فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ فَهِيَ فِي بَاقِي السُّوَرِ إعَادَةٌ لَهَا وَتَكْرَارٌ، فَلَا يَكُونُ مِنْ تِلْكَ السُّوَرِ ضَرُورَةً، وَلَا يُقَالُ: هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، بَلْ هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ، فَإِنَّ إثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ بَيْنَ السُّوَرِ مُنْتَهِضٌ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهَا آيَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَرْفُ الْأَخِيرُ مِنْ السُّورَةِ قَبْلَهُ يَاءٌ مَمْدُودَةٌ كَالْبَقَرَةِ، فَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا كَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فَبَعْضُ آيَةٍ.
وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ أَمْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا؟ وَمَعْنَى سَبِيلِ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَكُونُ قَارِئًا لِسُورَةٍ
стр. 612
بِكَمَالِهَا غَيْرَ الْفَاتِحَةِ إلَّا إذَا ابْتَدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ سِوَى بَرَاءَةٍ، لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِيهَا.
وَضَعَّفَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا قُرْآنٌ عَلَى الْقَطْعِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذِهِ غَبَاوَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَائِلِهِ، لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْعِلْمِ حَيْثُ لَا قَاطِعَ مُحَالٌ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: هِيَ آيَةٌ حُكْمًا لَا قَطْعًا، فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ يُقْبَلُ فِي إثْبَاتِهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِخِلَافِهِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ، إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ نَافِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ لَكَفَرَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ حَكَى وَجْهًا عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ " أَنَّهُ قَالَ بِتَكْفِيرِ جَاحِدِهَا، وَتَفْسِيقِ تَارِكِهَا. وَلَنَا مَسْلَكَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا مِنْهُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِي الْمُصْحَفِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتُوا بِهِ سَائِرَ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعُوا. عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ مَعَ شِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِتَجْرِيدِهِ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقُرْآنِ كَسَائِرِ الْآيِ الْمُكَرَّرَةِ، فِي الشُّعَرَاءِ، وَالرَّحْمَنِ، وَالْمُرْسَلَاتِ. وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ الْقَطْعِ، فَكَمْ مِنْ حُكْمٍ يَقِينِيٍّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ. أَمَّا فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَمَا مَبْنَاهُ الْيَقِينُ كَالْحِسِّيَّاتِ فَكَثِيرٌ، وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ فِيهَا وَاحِدٌ ذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ. وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يَقْطَعُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ. وَنُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَرُبَّمَا حَلَفَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
وَالْحَقُّ: أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى يَقِينِيَّةٍ وَظَنِّيَّةٍ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَمَّا غَلَبَ عَلَى مَسَائِلِ الْخِلَافِ الظَّنُّ ظُنَّ أَنَّ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا فَصْلُ التَّكْفِيرِ فَلَازِمٌ لَهُمْ حَيْثُ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُثْبِتِينَ كَمَا يُكَفَّرُ مَنْ زَادَ
стр. 613
شَيْئًا مِنْ الْمُكَرَّرَاتِ، ثُمَّ الْجَوَابُ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ غَيْرُ مُنَاطِ الْقَطْعِ، فَكَمْ مِنْ قَطْعِيٍّ لَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ كَمَا فَعَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ. ثُمَّ نَقُولُ: نَفْسُ الْآيَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَاطِعٍ، فَأَمَّا تَكْرَارُهَا فِي الْمُحَالِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَاطِعِ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ]
ِ] حَقِيقَةُ الشَّاذِّ لُغَةً: الْمُنْفَرِدُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ عَكْسُ الْمُتَوَاتِرِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ قِرَاءَةٌ سَاعَدَهَا خَطُّ الْمُصْحَفِ مَعَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِيهَا وَمَجِيئُهَا عَلَى الْفَصِيحِ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ: فَمَتَى اخْتَلَّ أَحَدُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَةِ أَنَّهَا شَاذَّةٌ. قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيُّ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِ جَمَالِ الْقُرَّاءِ ".
стр. 614
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرَادِ بِهَا وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهَا مَا وَرَاءَ السَّبْعِ، وَالصَّوَابُ: مَا وَرَاءَ الْعَشْرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ: يَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَوَاصِمِ: ضَبْطُ الْأَمْرِ عَلَى سَبْعِ قِرَاءَاتٍ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ جَمَعَ قَوْمٌ ثَمَانِيَ قِرَاءَاتٍ، وَقَوْمٌ عَشْرًا، أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ ، قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعِ أَحْرُفٍ» فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهَا سَبْعُ قِرَاءَاتٍ وَهَذَا بَاطِلٌ، وَتَيَمَّنَ آخَرُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَجَمَعُوا سَبْعَ قِرَاءَاتٍ. وَبَعْدَ أَنْ ضَبَطَ اللَّهُ الْحُرُوفَ وَالسُّوَرَ، فَلَا مُبَالَاةَ بِهَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ. وَسَبَقَ عَنْهُ أَنَّ قِرَاءَةَ أَبِي جَعْفَرٍ ثَابِتَةٌ لَا كَلَامَ فِيهَا. اهـ.
الثَّانِي: بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ: وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّوَاذِّ لِخُرُوجِهَا عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْوَجْهِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْعَرَبِيَّةِ وَخَطِّ الْمُصْحَفِ، لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، إنْ كَانَتْ نَقَلَتُهُ ثِقَاتٍ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَالشَّأْنُ فِي الضَّبْطِ مَا تَوَاتَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ " عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لَا تَصِحُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ ": تَحْرُمُ.
الثَّالِثُ: فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ وَتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ. اعْلَمْ أَنَّ الْآمِدِيَّ نَسَبَ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ إلَى الشَّافِعِيِّ. وَكَذَا ادَّعَى
стр. 615
الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ، فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ " مَذْهَبُنَا: أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ نَاقِلَهَا لَمْ يَنْقُلْهَا إلَّا عَلَى أَنَّهَا قُرْآنٌ، وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لَمْ يَثْبُتْ خَبَرًا، وَالْمُوقِعُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ دَعْوَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ": أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَتَبِعَهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي التَّلْوِيحِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ إلْكِيَا: الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ مَرْدُودَةٌ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ: وَأَمَّا إيجَابُ أَبِي حَنِيفَةَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَجْلِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَيْسَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَثْبَتَ نَظْمَهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَكِنْ أَمْكَنَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، فَانْدَرَسَ مَشْهُورٌ رَسْمُهُ فَنُقِلَ آحَادًا، وَالْحُكْمُ بَاقٍ، وَهَذَا لَا يُسْتَنْكَرُ فِي الْعُرْفِ.
قَالَ: وَالشَّافِعِيُّ لَا يُرَدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: لَعَلَّ مَا زَادَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ تَفْسِيرًا مِنْهُ، وَمَذْهَبًا رَآهُ، فَلَا بُعْدَ فِي تَقْدِيرِهِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْنَادِهِ إلَى الْقُرْآنِ. فَإِنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ ضَمُّ الْقُرْآنِ إلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ضَمُّ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ إلَى الْقُرْآنِ تِلَاوَةً. وَهَذَا قَدْ يَدُلُّ مِنْ وُجْهَةٍ عَلَى بُطْلَانِ نَقْلِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ نُبْعِدُ قِرَاءَةَ مَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ: وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى إبْطَالِ نِسْبَةِ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ إلَى الْقُرْآنِ أَنَّ
стр. 616
الِاهْتِمَامَ بِالْقُرْآنِ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ فِي إحْيَاءِ مَعَالِمِ الدِّينِ يَمْنَعُ تَقْدِيرَ دُرُوسِهِ وَارْتِبَاطَ نَقْلِهِ بِالْآحَادِ.
قُلْت: وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ إنَّمَا عَمِلُوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِاسْتِفَاضَتِهَا وَشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ، إنَّمَا نُقِلَتْ إلَيْنَا الْآنَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ، لِأَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَاقْتَصَرُوا عَلَى غَيْرِهَا، وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي أُصُولِ الْقَوْمِ. اهـ. وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ " وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ اشْتِرَاطَ الشُّهْرَةِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَلُوا بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ مُتَتَابِعَةٍ " لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ، وَبِمِثْلِهَا لَا يَثْبُتُ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ كَانَتْ مَشْهُورَةً فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْرَأُ خَتْمًا عَلَى حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَخَتْمًا مِنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَنَا تَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ. اهـ.
تَنْبِيهَانِ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ
إنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى نِسْبَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِلشَّافِعِيِّ عَدَمُ إيجَابِهِ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مَعَ عِلْمِهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ سَبَقَ مِنْ كَلَامِ إلْكِيَا إبْطَالُ اسْتِنْبَاطِهِ مِنْهُ، وَقَدْ نَصَّ ﵀ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ " عَلَى أَنَّهَا حُجَّةٌ فِي بَابِ الرَّضَاعِ، وَفِي بَابِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ، فَقَالَ: ذَكَرَ اللَّهُ الرَّضَاعَ بِلَا تَوْقِيتٍ. وَرَوَتْ عَائِشَةُ التَّوْقِيتَ بِخَمْسٍ، وَأَخْبَرَتْ أَنَّهُ مِمَّا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا فَأَقَلُّ حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عَنْ رَسُولِ
стр. 617
اللَّهِ ﷺ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» ، فَحَكَمْنَا بِهِ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ هُوَ قُرْآنًا يُقْرَأُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا خَبَرًا لَا قُرْآنًا، وَجَرَى عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ فِي الصِّيَامِ وَالرَّضَاعِ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الصِّيَامِ وَوُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الصِّيَامِ، وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ، وَاحْتَجُّوا فِي إيجَابِ قَطْعِ الْيَمِينِ مِنْ السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ".
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ الْأَثَرِ عَنْ الصَّحَابَةِ، نَعَمْ الشَّرْطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَالِفَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهَا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجَّ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ " مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ ".
قَالَ شَارِحُوهُ: إنَّمَا عَدَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا تَشِذُّ عَنْ الْجَمَاعَةِ، وَتُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ.
قُلْت: أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا اسْتِدْلَالَ بِهَا مَعَ وُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ خَيَّرَ أَوَّلًا بَيْنَ الصِّيَامِ وَبَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالْفِدْيَةِ، ثُمَّ خَتَمَ الصِّيَامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَبَقِيَ مَنْ لَمْ يُطِقْ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ شَرْطٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ فِي الْخِلَافِ ": الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ إنَّمَا تَلْحَقُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا قَرَأَهَا قَارِئُهَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ، فَإِنْ ذَكَرَهَا عَلَى أَنَّهَا تَفْسِيرٌ فَلَا، كَقِرَاءَةِ ابْنِ عُمَرَ: " فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا " وَقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ". اهـ.
стр. 618
وَفِيمَا قَالَهُ فِي التَّفْسِيرِ نَظَرٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فَقَالَ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ ": مَا رُوِيَ آحَادًا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ آيَةَ الرَّجْمِ وَخَبَرِ عَائِشَةَ فِي الرَّضَاعِ وَخَبَرِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ الذَّهَبِ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا» فَإِنَّهَا ثَابِتَةُ الْأَسَانِيدِ صَحِيحَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ. وَنَحْنُ نُثْبِتُ مَا قَالُوا عَلَى مَا قَالُوا غَيْرَ مُتَأَوِّلِينَ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَنَا إلَّا أَنْ لَا نَجِدَ وَجْهًا غَيْرَ التَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الْقُرْآنِ مَا نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ تِلَاوَةُ الْمَرْسُومِ، فَأَمَّا مَا بَقِيَ حُكْمُهُ فَلَا تَجِبُ تِلَاوَتُهُ.
وَاَلَّذِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فِي الرَّسْمِ هُوَ الْوَاجِبُ تِلَاوَتُهُ، وَاَلَّذِي لَمْ يُرْسَمْ يُتْلَى وَيُنْقَلُ حُكْمُهُ إذْ كَانَ الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ يُوجِبُ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ حُكْمِهِ وَتِلَاوَتُهُ وَالْقَطْعُ عَلَيْهِ بِمَا يُعْمَلُ بِهِ وَالتَّسْمِيَةُ بِمَا سَمَّاهُ النَّاقِلُ، وَلَيْسَ يَثْبُتُ الْمَتْلُوُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ قَدْ يَخُصُّ ظَاهِرَ الْمَتْلُوِّ وَيُثْبِتُهُ تَثْبِيتَ الْأَحْكَامِ كَانَ أَيْضًا كَذَلِكَ مَا أُثْبِتَ حُكْمُهُ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ أَنَّهُ قُرْآنٌ فِي الْحُكْمِ لَا فِي الرَّسْمِ وَالتِّلَاوَةِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ أَضَافَهَا الْقَارِئُ إلَى التَّنْزِيلِ أَوْ إلَى سَمَاعٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أُجْرِيَتْ مَجْرَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّأْوِيلِ. اهـ. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى " فَقَالَ: الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى خَبَرِ الْوَاحِدِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تُسْنَدَ أَمْ لَا. اهـ.
стр. 619
وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ " مَذْهَبٌ رَابِعٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ: الْقُرْآنُ الْمَنْقُولُ بِالْآحَادِ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ الْإِعْجَازُ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ جَازَ أَنْ يُعْمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ عَمَلٍ إذَا نُقِلَ إلَيْنَا بِالْآحَادِ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُتَتَابِعَاتٍ " وَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِلنُّبُوَّةِ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُعَارَضْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَعَ سَمَاعِ أَهْلِ عَصْرِهِ لَهُ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا وَقَدْ تَوَاتَرَ نَقْلُ ظُهُورِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُوجِبُ عِلْمًا وَلَا عَمَلًا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَجَعَلَ الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ " مَحَلَّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ الرَّاوِي بِسَمَاعِهَا وَقَطَعَ بِعَدَمِ حُجِّيَّتِهَا.
قَالَ: فَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ الرَّاوِي بِسَمَاعِهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاخْتَلَفَتْ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْعَمَلِ بِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَوْلَى الِاحْتِجَاجُ بِهَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ.
[التَّنْبِيهُ] الثَّانِي
أَنَّ هَاهُنَا سُؤَالًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا حُجَّةٌ فَهَلَّا أَوْجَبَ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ اعْتِمَادًا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " مُتَتَابِعَاتٍ " وَهَلَّا قَالَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى: إنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ اعْتِمَادًا عَلَى قِرَاءَةِ عَائِشَةَ: " وَصَلَاةِ الْعَصْرِ "؟ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ فَكَيْفَ اعْتَمَدَ فِي التَّحْرِيمِ فِي الرَّضَاعِ بِخَمْسٍ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ؟ وَكَيْفَ قَالَ: إنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ؟ وَاعْتَمَدَ فِي الْأُمِّ " عَلَى أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ: " لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ " وَاَلَّذِي يَفْصِلُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنْ لَا يُطْلَقَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ، بَلْ يُقَالُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ وَرَدَتْ لِبَيَانِ حُكْمٍ أَوْ لِابْتِدَائِهِ،
стр. 620
فَإِنْ وَرَدَتْ لِبَيَانِ حُكْمٍ، فَهِيَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الرَّضَاعِ وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " أَيْمَانَهُمَا "، وَقَوْلُهُ: " لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ ".
وَإِنْ وَرَدَتْ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُتَتَابِعَاتٍ "، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ مِمَّا أُنْزِلَ: " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " فَسَقَطَتْ " مُتَتَابِعَاتٍ ".
أَوْ يُقَالُ: الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ إمَّا أَنْ تَرِدَ تَفْسِيرًا أَوْ حُكْمًا، فَإِنْ وَرَدَتْ تَفْسِيرًا فَهِيَ حُجَّةٌ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَيْمَانَهُمَا وَقَوْلِهِ: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ وَقِرَاءَةِ عَائِشَةَ: " وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ "، وَإِنْ وَرَدَتْ حُكْمًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَارِضَهَا دَلِيلٌ آخَرُ أَمْ لَا، فَإِنْ عَارَضَهَا فَالْعَمَلُ لِلدَّلِيلِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ: " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ "، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «إنْ شِئْت فَتَابِعْ أَوْ لَا» ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهَا دَلِيلٌ آخَرُ فَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَوُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، عَنْهُ أَنَّهُ يُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ: إنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ النَّقَلَةِ لَا تُقْبَلُ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي كِتَابِ تَقْدِيمِ الْأَدِلَّةِ ": لَا تَثْبُتُ الْقِرَاءَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلِهَذَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ، فِيمَنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ بِكَلِمَاتٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ صَلَاتَهُ لَا تَجُوزُ كَمَا لَوْ قَرَأَ خَبَرًا مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: وَإِنَّمَا أَخَذْنَا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُتَتَابِعَاتٍ " لِإِيجَابِ التَّتَابُعِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَأَخَذْنَا بِهَا عَمَلًا كَمَا لَوْ رَوَى خَبَرًا
стр. 621
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَهَا نَاقِلًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ قُرْآنًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ بَقِيَ خَبَرًا، فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلُوا كَذَلِكَ فِي الْبَسْمَلَةِ لِيَجِبَ الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَحُرْمَةُ قِرَاءَتِهَا عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْقُرْآنِ.
قُلْنَا: لِأَنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا بِظَاهِرِ مَا تُوجِبُهُ التَّسْمِيَةُ، بَلْ كَانَ عَمَلًا بِمُقْتَضَى أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
стр. 622
[مَبَاحِثُ اللُّغَةِ]
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَنَّ مُعْظَمَ نَظَرِ الْأُصُولِيِّ فِي دَلَالَاتِ الصِّيَغِ، كَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَأَحْكَامِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَدَلِيلِ الْخِطَابِ وَمَفْهُومِهِ.
فَاحْتَاجَ إلَى النَّظَرِ فِي ذَلِكَ تَكْمِيلًا لِلنَّظَرِ فِي الْأُصُولِ، وَنَسِمُهُ بِمُقَدِّمَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: تَعَلُّمُ اللُّغَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ: تَعَلُّمُ عِلْمِ اللُّغَةِ وَاجِبٌ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ لِئَلَّا يَحِيدُوا فِي تَأْلِيفِهِمْ أَوْ فُتْيَاهُمْ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقْرَاءِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحَاجَةُ إلَى عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّ الْإِعْرَابَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمَعَانِي، أَلَا تَرَى إذَا قُلْت: مَا أَحْسَنَ زَيْدٌ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالنَّفْيِ إلَّا بِالْإِعْرَابِ؟ . وَنَازَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ " فِي كَوْنِهِمَا فَرْضَ كِفَايَةٍ، لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.
قَالَ: وَاللُّغَةُ وَالنَّحْوُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ فِي كُلِّ عَصْرٍ أَنْ يَقُومَ بِهِ قَوْمٌ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّرْعِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِوَاسِطَةِ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ، وَالْعِلْمُ بِهِمَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ انْتَهَى النَّقْلُ فِيهِ إلَى حَدِّ الْآحَادِ لَصَارَ الِاسْتِدْلَال عَلَى جُمْلَةِ الشَّرْعِ اسْتِدْلَالًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الشَّرْعُ مَظْنُونًا لَا مَقْطُوعًا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
الثَّانِيَةُ: نَبَّهَ الْإِبْيَارِيُّ فِي كَلَامٍ لَهُ عَلَى شَيْءٍ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا، وَهُوَ
стр. 623
أَنَّ الْأُصُولِيَّ إنَّمَا احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ لِيَفْهَمَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ بِالْأُصُولِيِّ إلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَلْفَاظِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ افْتَقَرْنَا إلَى تَقْدِيمِ أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ عَدَمُ التَّصَرُّفِ اكْتَفَى الْأُصُولِيُّ بِمَعْرِفَةِ وَضْعِ اللُّغَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُقْنِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ ثَبَتَ تَصَرُّفُ الشَّرْعِ اكْتَفَى الْأُصُولِيُّ بِمَعْرِفَةِ وَضْعِ الشَّرْعِ لِلِاسْمِ وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَإِنْ عَرَفَ وَضْعَ اللُّغَةِ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ هَلْ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ فِي الِاسْمِ أَمْ لَا؟ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ لَهُ وَضْعُ الشَّرْعِ، وَلِهَذَا إنَّ الْفُقَهَاءَ قَلَّ مَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللُّغَةِ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَصَرُّفَ الشَّرْعِ فِي الْأَسْمَاءِ فَتَرَاهُمْ يَجْنَحُونَ إلَى الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ مُكْتَفًى بِهِ وَمُضَافٌ إلَيْهِ، وَعُرْفُ اللُّغَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ عِنْدَ احْتِمَالِ التَّغْيِيرِ لَا يُفِيدُ.
[مَادَّةُ اللُّغَةِ وَمَقْصُودُهَا وَمَوْضُوعُهَا] وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِمَادَّتِهَا وَمَقْصُودِهَا وَمَوْضُوعِهَا.
أَمَّا مَادَّتُهَا: فَتَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِينَ، إمَّا التَّوْقِيفُ أَوْ الِاصْطِلَاحُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي، وَأَمَّا فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ فَمَادَّتُهَا النَّقْلُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَأَمَّا مَقْصُودُهَا: فَالتَّشْبِيهُ بِأَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ فِي إعْلَامِ مَا فِي أَنْفُسِهِمْ.
وَأَمَّا مَوْضُوعُهَا: فَالْأَلْفَاظُ وَمَا يَعْرِضُهَا لِذَاتِ الْأَلْفَاظِ وَهُوَ مَا يَبْحَثُ اللُّغَوِيُّ عَنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ إمَّا فِي حَالِ الْإِفْرَادِ كَكَوْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكَةً أَوْ مُتَرَادِفَةً أَوْ مُتَبَايِنَةً، وَكَكَوْنِ فَاءِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْ عَيْنِهَا أَصْلِيًّا أَوْ مَقْلُوبًا عَنْ غَيْرِهِ صَحِيحًا أَوْ مُعْتَلًّا مَفْتُوحًا أَوْ مَضْمُومًا أَوْ مَكْسُورًا،
стр. 624
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ التَّصْرِيفِ، وَأَمَّا فِي حَالِ تَرْكِيبِهَا كَكَوْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مُبْتَدَأً أَوْ خَبَرًا أَوْ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَلْفَاظِ، فَالْأَلْفَاظُ هِيَ مَوْضُوعُ اللُّغَةِ وَهَذِهِ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْأَلْفَاظِ.
[أُمُورٌ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَبَاحِثِ اللُّغَةِ]
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي مُهِمَّاتٍ:
الْأَوَّلُ: فِي الْوَضْعِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى كَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ زَيْدًا، وَكَإِطْلَاقِهِمْ عَلَى الْحَائِطِ مَثَلًا الْجِدَارَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْطُرَ الْمَعْنَى بِبَالِ الْوَاضِعِ فَيَسْتَحْضِرَ لَفْظًا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى، ثُمَّ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ يَجِبُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ.
وَالثَّانِي: غَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى حَتَّى يَصِيرَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ حَالَ التَّخَاطُبِ بِهِ، وَذَلِكَ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَالْعُرْفِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
[الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ]
أَمَّا الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ: فَكَإِطْلَاقِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَرَكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ،
стр. 625
وَالصَّوْمَ عَلَى الْإِمْسَاكِ الْمَخْصُوصِ، وَالزَّكَاةَ عَلَى إخْرَاجٍ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَضَعْ اللَّفْظَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ، وَتَكَرَّرَ الِاسْتِعْمَالُ فِيهَا حَتَّى صَارَتْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ حَالَ التَّخَاطُبِ.
[الْعُرْفُ الْعَامُّ]
وَأَمَّا الْعُرْفُ الْعَامُّ: فَكَإِطْلَاقِهِمْ الدَّابَّةَ عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ كَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ، وَمَفْهُومُ الدَّابَّةِ فِي اللُّغَةِ لِكُلِّ ذَاتٍ دَبَّتْ سَوَاءٌ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ وَغَيْرُهَا، وَأَهْلُ الْعُرْفِ لَمْ يَضَعُوا اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ، وَإِنَّمَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِلَفْظِ الدَّابَّةِ، حَتَّى صَارَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ حَالَةَ التَّخَاطُبِ.
[الْعُرْفُ الْخَاصُّ] وَأَمَّا الْعُرْفُ الْخَاصُّ: فَكَاصْطِلَاحِ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلَى أَلْفَاظٍ خَصُّوهَا بِمَعَانٍ مُخَالِفَةٍ لِلْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، كَاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرْضِ، وَاصْطِلَاحِ الْفَقِيهِ فِي الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، وَاصْطِلَاحِ الْجَدَلِيِّ فِي الْكَسْرِ وَالنَّقْضِ وَالْقَلْبِ، وَاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَمْ يَضَعُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِتِلْكَ الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالًا غَالِبًا حَتَّى صَارَتْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ حَالَةَ التَّخَاطُبِ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْوَضْعِ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ لِلْوَضْعِ مَعْنًى ثَالِثًا وَهُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمَجَازُ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا أَمْ لَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ
стр. 626
هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا أَوْ لَا؟ . وَيَتَعَلَّقُ بِالْوَضْعِ مَبَاحِثُ:
أَحَدُهَا فِي شُرُوطِهِ: وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَبْتَدِئَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ.
ثَانِيهَا: أَنْ لَا يَخْتِمَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ قَصْدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِ السَّاهِي وَالنَّائِمِ وَعَلَى السَّامِعِ التَّنَبُّهُ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ. وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي " فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلَّقْتُك، ثُمَّ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي، وَإِنَّمَا أَرَدْت طَلَبْتُك، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ظَنَّتْ صِدْقَهُ بِأَمَارَةٍ فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمُهُ، وَأَنَّهُ مَنْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ إذَا عُرِفَ الْحَالُ يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ.
الثَّانِي فِي سَبَبِهِ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ وَصَيَّرَهُ مُحْتَاجًا إلَى أُمُورٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا، بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْمُعَاوَنَةِ عَلَيْهَا، وَلَا بُدَّ لِلْمُعَاوِنِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ، وَذَلِكَ إمَّا بِاللَّفْظِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ الْمِثَالِ، وَاللَّفْظُ أَيْسَرُ لِمَا سَيَأْتِي. فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى الْوَضْعِ لِأَجْلِ الْإِفْهَامِ بِالْمُخَاطَبَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلَّمَا اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ أَنَّهُ يُوضَعُ لَهُ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِمَقْصُودِ الْوَضْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَمَا لَا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ جَازَ فِيهِ الْأَمْرَانِ يَعْنِي الْوَضْعَ وَعَدَمَ الْوَضْعِ، أَمَّا عَدَمُ الْوَضْعِ، فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْوَضْعُ فَلِلْفَوَائِدِ الْحَاصِلَةِ بِهِ.
стр. 627
[الْمَوْضُوعُ]
الثَّالِثُ: فِي الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ اللُّغَاتُ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ أَنَّ
أَحَدَهُمَا: نَظَرٌ كُلِّيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ اللُّغَاتِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ يُعْرَفُ فِي عِلْمٍ آخَرَ.
وَالثَّانِي: فِيمَا يَخْتَصُّ بِآحَادِ اللُّغَاتِ. وَلَمَّا جَاءَتْ شَرِيعَتُنَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَجَبَ النَّظَرُ فِيهَا، وَكَيْفِيَّةُ دَلَالَتِهَا مِنْ حَيْثُ صِيَغِهَا، وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إفَادَةً مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَأَيْسَرِهَا، أَمَّا كَثْرَةُ إفَادَتِهَا فَلِأَنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ مَعْلُومٍ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ، فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ الْمَحْسُوسِ، وَبِخِلَافِ الْمِثَالِ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لِمَا فِي الضَّمِيرِ شَكْلًا لِتَعَذُّرِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا أَيْسَرَ فَلِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ، لِأَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ تُعْرَضُ لِلنَّفْسِيِّ الضَّرُورِيِّ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُفْرَدَاتُ مَوْضُوعَةٌ]
لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُفْرَدَاتِ مَوْضُوعَةٌ كَوَضْعِ لَفْظِ " إنْسَانٍ " لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، وَكَوَضْعِ " قَامَ " لِحُدُوثِ الْقِيَامِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، وَكَوَضْعِ " لَعَلَّ " لِلتَّرَجِّي وَنَحْوِهَا.
[اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ هَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ أَمْ لَا؟]
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَكَّبَاتِ نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، فَقِيلَ: لَيْسَتْ
стр. 628
مَوْضُوعَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ، وَلَا فِي تَأْلِيفِهَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي وَضْعِ الْمُفْرَدَاتِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مَوْكُولٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: إنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ عَقْلِيَّةٌ لَا وَضْعِيَّةٌ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِ الْفَيْصَلِ عَلَى الْمُفَصَّلِ " بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِنْ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ إلَّا لَفْظَيْنِ مُفْرَدَيْنِ صَالِحَيْنِ لِإِسْنَادِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مَعَ الْإِسْنَادِ إلَى مُعَرِّفٍ لِمَعْنَى الْإِسْنَادِ بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الدَّالَّ بِالْوَضْعِ لَا بُدَّ مِنْ إحْصَائِهِ وَمَنْعِ الِاسْتِئْنَافِ فِيهِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ الْقَائِمَةِ مَقَامَهَا، فَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ دَالًّا بِالْوَضْعِ وَجَبَ ذَلِكَ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ إلَّا بِكَلَامٍ سَبَقَ إلَيْهِ، كَمَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُفْرَدَاتِ إلَّا مَا سَبَقَ اسْتِعْمَالُهُ، وَفِي عَدَمِ ذَلِكَ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ دَالًّا بِالْوَضْعِ. اهـ.
وَحَكَاهُ ابْنُ إيَازٍ عَنْ شَيْخِهِ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ حَالُ الْجُمَلِ حَالَ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْوَضْعِ لَكَانَ اسْتِعْمَالُ الْجُمَلِ وَفَهْمُ مَعْنَاهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى نَقْلِهَا عَنْ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ الْمُفْرَدَاتُ كَذَلِكَ، وَلَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يَتَتَبَّعُوا الْجُمَلَ وَيُودِعُوهَا كُتُبَهُمْ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِالْمُفْرَدَاتِ، وَلِأَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ دَلَالَتُهَا عَلَى مَعْنَاهَا التَّرْكِيبِيِّ بِالْعَقْلِ لَا بِالْوَضْعِ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مُسَمَّى " زَيْدٌ "، وَعَرَفَ مُسَمَّى " قَائِمٌ "، وَسَمِعَ " زَيْدٌ قَائِمٌ " بِإِعْرَابِهِ الْمَخْصُوصِ، فَهِمَ بِالضَّرُورَةِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ نِسْبَةُ الْقِيَامِ
стр. 629
إلَى زَيْدٍ. نَعَمْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَوْضُوعَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِهَا الَّتِي لَا تُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ، وَلِأَنَّ لِلَّفْظِ الْمُرَكَّبِ أَجْزَاءً مَادِّيَّةً وَجُزْءًا صُورِيًّا، وَهُوَ التَّأْلِيفُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ لِمَعْنَاهُ أَجْزَاءٌ مَادِّيَّةٌ وَجُزْءٌ صُورِيٌّ، وَالْأَجْزَاءُ الْمَادِّيَّةُ مِنْ اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلَى الْأَجْزَاءِ الْمَادِّيَّةِ مِنْ الْمَعْنَى، وَالْجُزْءُ الصُّورِيُّ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْجُزْءِ الصُّورِيِّ مِنْ الْمَعْنَى بِالْوَضْعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فَوُضِعَتْ " زَيْدٌ قَائِمٌ " لِلْإِسْنَادِ دُونَ التَّقْوِيَةِ فِي مُفْرَدَاتِهِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَ وَضْعِهَا مُفْرَدَةً لِلْإِسْنَادِ بِدُونِ التَّقْوِيَةِ وَوَضْعِهَا مُرَكَّبَةً لِلتَّقْوِيَةِ، وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، فَالْمُضَافُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، وَمُؤَخَّرٌ عَنْهَا فِي بَعْضٍ، وَلَوْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَاحِدًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْمُضَافُ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ أَوْ تَأَخَّرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: أَقْسَامُهَا: مُفْرَدٌ وَمُرَكَّبٌ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَزَاهُ غَيْرُهُ لِلْجُمْهُورِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا حُجِرَتْ فِي التَّرَاكِيبِ كَمَا حُجِرَتْ فِي الْمُفْرَدَاتِ، فَقُلْت: إنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ قَائِمٌ زَيْدًا لَيْسَ مِنْ كَلَامِنَا، وَمَنْ قَالَ: إنَّ زَيْدًا قَائِمٌ فَهُوَ مِنْ كَلَامِنَا، وَمَنْ قَالَ: فِي الدَّارِ رَجُلٌ فَهُوَ مِنْ كَلَامِنَا، وَمَنْ قَالَ: رَجُلٌ فِي الدَّارِ فَلَيْسَ مِنْ كَلَامِنَا إلَخْ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَعَرُّضِهَا بِالْوَضْعِ لِلْمُرَكَّبَاتِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْعَرَبَ إنَّمَا وَضَعَتْ أَنْوَاعَ الْمُرَكَّبَاتِ، أَمَّا جُزْئِيَّاتُ الْأَنْوَاعِ فَلَا، فَوَضَعَتْ بَابَ الْفَاعِلِ لِإِسْنَادِ كُلِّ فِعْلٍ إلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ، أَمَّا الْفَاعِلُ الْمَخْصُوصُ فَلَا، وَكَذَلِكَ بَابُ إنَّ وَأَخَوَاتِهَا أَمَّا اسْمُهَا الْمَخْصُوصُ فَلَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّرْكِيبِ، وَأَحَالَتْ الْمُعَيَّنَ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِلُ
стр. 630
بِوَضْعِ الْمُرَكَّبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَمَمْنُوعٌ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْمُرَكَّبَاتِ أَمْ لَا؟ وَأَنَّهُ هَلْ يَشْتَرِطُ الْعِلَاقَةَ فِي الْآحَادِ أَمْ لَا؟ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مَعْنَاهُ هَلْ هِيَ عَقْلِيَّةٌ كَدَلَالَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِطِ عَلَى أَنَّهُ إنْسَانٌ أَوْ وَضْعِيَّةٌ؟
[الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ]
تَنْبِيهٌ [الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ مَوْضُوعَانِ]
لَمْ أَرَ لَهُمْ كَلَامًا فِي الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ، لِأَنَّهُمَا مُفْرَدَانِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَدُّهُمْ لِلْمُفْرَدِ، وَلِهَذَا عَامَلُوا جُمُوعَ التَّكْسِيرِ مُعَامَلَةَ الْمُفْرَدِ فِي الْأَحْكَامِ. لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِّهَا بِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَوْضُوعَيْنِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: فَرَّعَهُ عَلَى رَأْيِهِ فِي عَدَمِ وَضْعِ الْمُرَكَّبَاتِ، لِأَنَّهُ لَا تَرْكِيبَ فِيهَا لَا سِيَّمَا أَنَّ الْمُرَكَّبَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْإِسْنَادُ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ وَالْأَجْنَاسِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُتَعَدِّدٍ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وَضْعِهِ عَجِيبٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُ سَمَاعِيٌّ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّ شَفْعًا وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اثْنَيْنِ مَوْضُوعٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ: الظَّاهِرُ لِي أَنَّ التَّثْنِيَةَ وُضِعَ لَفْظُهَا بَعْدَ الْجَمْعِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الْجَمْعِ كَثِيرًا، وَلِهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ تَثْنِيَةٌ، وَالْجَمْعُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ لُغَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، لِأَنَّ الْوَاضِعَ قَالَ: الشَّيْءُ إمَّا وَاحِدٌ وَإِمَّا كَثِيرٌ لَا غَيْرُ، فَجَعَلَ الِاثْنَيْنِ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ.
стр. 631
[الْمَوْضُوعُ لَهُ]
الرَّابِعُ: فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ؛ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ أَوْ لِأَعَمَّ مِنْهُمَا أَوْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ تُوضَعْ الْأَلْفَاظُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ، وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ، وَهَذَا كَالْخَطِّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اللَّفْظِ، وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى، فَإِذَا قُلْت: الْعَالَمُ حَادِثٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَادِثًا، بَلْ يَدُلُّ عَلَى حُكْمِك بِحُدُوثِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي الْبُرْهَانِ "، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْوُصُولِ "، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ: أَمَّا فِي الْمُفْرَدَاتِ فَلِأَنَّا لَوْ رَأَيْنَا شَبَحًا مِنْ بَعِيدٍ ظَنَنَّاهُ رَجُلًا فَإِذَا قَرُبَ رَأَيْنَاهُ شَبَحًا، فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَسَامِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ لَهُ إلَّا عَلَيْهَا.
وَأَمَّا فِي الْمُرَكَّبَاتِ فَلِأَنَّ قَوْلَنَا: قَامَ زَيْدٌ، لَا يُفِيدُ قِيَامَ زَيْدٍ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِهِ وَالْإِخْبَارَ عَنْهُ، ثُمَّ نَنْظُرُ مُطَابَقَتَهُ لِلْخَارِجِ أَمْ لَا، وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا عُرِضَ لِاعْتِقَادِ أَنَّهَا فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ، لَا لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهَا فِي الذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْخَارِجِ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مِمَّا يَشْخَصُ فِي الْخَارِجِ مَجَازًا.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: مَنْ نَفَى الْوَضْعَ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ، إنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ، فَهَذَا حَقٌّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ بِتَوَسُّطِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْخَارِجِيَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُخَبِّرَ إذَا أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ: جَاءَ زَيْدٌ، فَإِنَّ قَصْدَهُ الْإِخْبَارَ بِمَجِيئِهِ فِي الْخَارِجِ.
стр. 632
الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ لَا الذِّهْنِيِّ، لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ "، وَيَلْزَمُ الرَّازِيَّ مِنْ نَفْيِهِ الْوَضْعَ لِلْخَارِجِيِّ أَنْ يَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَيْهَا فِي الْخَارِجِ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً وَلَا تَضَمُّنًا، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا نَفْيُ الْحَقَائِقِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَعِنْدَهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِلْخَارِجِيِّ، وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنْ لَا يَكُونَ الْآنَ شَيْءٌ مَوْضُوعٌ، لِأَنَّ الْوَضْعَ زَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، وَلَيْسَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ، بَلْ كُلُّ مَعْنًى مُحْتَاجُ إلَى اللَّفْظِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرَدَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ إلَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَنَسَبَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْخُوبِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِلْفَلَاسِفَةِ: قَالَ: وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرِهِ.
[مَسْأَلَةٌ وَضْعُ اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ فِي مَعْنًى خَفِيٍّ جِدًّا]
مَنَعَ الرَّازِيَّ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ فِي مَعْنًى لِمَعْنًى خَفِيٍّ جِدًّا، فَالْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الرَّدُّ عَلَى مُثْبِتِي الْحَالِ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْحَرَكَةُ اسْمٌ لِمَعْنًى يَجْعَلُ الِاسْمَ مُتَحَرِّكًا، وَالْمَشْهُورُ نَفْسُ الِانْتِقَالِ لَا مَعْنًى أَوْجَبَ
стр. 633
الِانْتِقَالَ، وَجَوَّزَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَشْهُورَةٌ، وَبِإِزَائِهَا مَعَانٍ دَقِيقَةٌ غَامِضَةٌ لَا يَفْهَمُهَا إلَّا الْخَوَاصُّ الْعَارِفُونَ بِاَللَّهِ، وَبِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُدْرِكُ مَعَانِيَ لَطِيفَةً فَيَخْتَرِعُ لَهَا أَلْفَاظًا بِإِزَائِهَا.
[فَائِدَةُ الْوَضْعِ]
الْخَامِسُ: فِي فَائِدَةِ الْوَضْعِ، وَالْمَعَانِي الْمُفْرَدَةُ مَعْلُومَةٌ فِي الذِّهْنِ قَبْلَ وَضْعِ اللَّفْظِ، وَفَائِدَةُ وَضْعِ اللَّفْظِ تَصَوُّرُهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ لِتَوَقُّفِ فَهْمِ النِّسْبَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ عَلَيْهِ، فَإِذَنْ الْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ تَصَوُّرُ مَعَانِيهَا وَشُعُورُ الذِّهْنِ بِهَا لَا مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا، فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَتَصَوُّرُ النِّسْبَةِ مَوْجُودٌ فِي الذِّهْنِ قَبْلَ وُجُودِ اللَّفْظِ، وَالْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ بِاللَّفْظِ مَعَ الْحَرَكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ وَالتَّرْكِيبِ الْمَخْصُوصِ مَعْرِفَتُهَا وَاقِعَةً أَوْ وَقَعَتْ أَوْ سَتَقَعُ، فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا التَّصْدِيقُ لَا التَّصَوُّرُ فَلَا دَوْرَ أَيْضًا.
[الْوَاضِعُ]
السَّادِسُ: فِي الْوَاضِعِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَبَعْضِ أَتْبَاعِهِ كَابْنِ فُورَكٍ أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، وَأَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَأَعْلَمَهَا لِلْخَلْقِ بِالْوَحْيِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ لَهُمْ، وَحَكَاهُ ابْنُ جِنِّي فِي الْخَصَائِصِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ
стр. 634
وَالثَّانِي: أَنَّهَا إلْهَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِبَنِي آدَمَ كَأَصْوَاتِ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ حَيْثُ كَانَتْ أَمَارَاتٌ عَلَى إرَادَتِهَا فِيمَا بَيْنَهَا بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى، حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ " عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] ثُمَّ قَالَ: أُلْهِمَ إسْمَاعِيلُ هَذَا اللِّسَانَ إلْهَامًا» ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ": حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَكِنَّ مَدَارَ الْحَدِيثِ عَلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْغَسِيلِيِّ، وَكَانَ مِمَّنْ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ.
انْتَهَى. وَالثَّالِثِ: مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ أَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْبَشَرِ أَوْ جَمَاعَةٍ وَضَعَهَا وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ لِلْبَاقِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالْقَرَائِنِ كَتَعْرِيفِ الْوَالِدَيْنِ لُغَتَهُمَا لِلْأَطْفَالِ، وَحَكَاهُ ابْنُ جِنِّي فِي الْخَصَائِصِ " عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ النَّظَرِ.
стр. 635
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مَعْنَى الِاصْطِلَاحِ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ اللَّهُ مَقَاصِدَ اللُّغَاتِ، ثُمَّ يَهْجِسُ فِي نَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُنَصِّبَ أَمَارَةً عَلَى مَقْصُودِهِ، فَإِذَا نَصَّبَهَا وَكَرَّرَهَا وَاتَّصَلَتْ الْقَرَائِنُ بِهَا أَفَادَتْ الْعِلْمَ، كَالصَّبِيِّ يَتَلَقَّى مِنْ وَالِدِهِ.
وَالْقَائِلُونَ بِالتَّوْقِيفِ: يَقُولُونَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُلْهَمُوا الْأَمَارَاتِ.
قَالَ: وَمَنْ فَهِمَ الْمَسْأَلَةَ وَتَصَوَّرَهَا لَا يُحِيلُ تَصْوِيرَهَا، نَعَمْ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُ الْعَالَمِينَ عَلَى أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي، فَإِنْ عُنِيَ بِالِاصْطِلَاحِ هَذَا فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عُنِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْإِمْكَانَاتُ تَوَقَّفَ عَلَى السَّمْعِ.
وَالرَّابِعِ: أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ اللَّهِ وَبَعْضَهُ مِنْ النَّاسِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ الْبُدَاءَةُ مِنْ اللَّهِ وَالتَّتِمَّةُ مِنْ النَّاسِ؟ وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إلَى الْأُسْتَاذِ، وَإِمَّا عَكْسُهُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ فَتَصِيرُ الْمَذَاهِبُ خَمْسَةً.
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْأُسْتَاذِ، فَحَكَى الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ تَوْقِيفِيٌّ، وَالْبَاقِي مُحْتَمَلٌ لِلتَّوَقُّفِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى فِي الْمَحْصُولِ " عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ مُصْطَلَحٌ وَسَبَقَهُ إلَى حِكَايَتِهِ أَيْضًا أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالصَّوَابُ عَنْهُ: الْأَوَّلُ، فَقَدْ رَأَيْته فِي كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ " لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَنَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، وَعِبَارَتُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَوْ يَخْلُقَ لَهُمْ عِلْمًا بِمِقْدَارِ مَا يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِمَعْنَى الِاصْطِلَاحِ وَالْوُقُوفِ عَلَى التَّسْمِيَةِ، فَإِذَا عَرَفُوهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ تَوْقِيفًا مِنْهُ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا فِيهِمْ، وَلَا طَرِيقَ بَعْدَهُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ إلَّا بِخَبَرِ نَبِيٍّ عَنْهُ. هَذَا لَفْظُهُ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ "، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ.
следующие страницы →