← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وَاللَّازِمِ، وَصَاحِبُ " التَّحْصِيلِ " ذَكَرَهُ فِي الثَّلَاثِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ قَيْدٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْإِمَامَ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى الْمُتَقَدِّمُونَ بِقَرِينَةِ التَّمَامِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَاللَّازِمِيَّةِ، فَيُقَالُ لِلْإِمَامِ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ كَافِيَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَيْدِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ فِي الثَّلَاثِ، فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ؟ فَإِنَّا نَقُولُ فِي الْمُطَابَقَةِ: كَمَا يُمْكِنُ وَضْعُ الْعَشَرَةِ لِلْخَمْسَةِ، يُمْكِنُ وَضْعُهَا لِلْخَمْسَةِ عَشَرَ، فَيَصِيرُ لَهُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ دَلَالَتَانِ مُطَابِقَةٌ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَتَضَمُّنٌ بِاعْتِبَارِ الثَّانِي. انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنْ لَا يُمْكِنَ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِالْمُطَابَقَةِ مَعَ التَّضَمُّنِ أَوْ الِالْتِزَامِ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَعْنَى بِالْمُطَابَقَةِ بِالذَّاتِ وَبِهِمَا بِالْوَاسِطَةِ وَمِنْ الْمُحَالِ اجْتِمَاعُ دَلَالَتَيْ الذَّاتِ وَالْوَاسِطَةِ، وَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعَا كَانَ اللَّفْظُ فِي حَالِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ دَلَالَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الْمُطَابَقَةُ، لِأَنَّهَا أَقْوَى فَتَدْفَعُ الْأَضْعَفَ. وَإِذَا صَحَّتْ لَك هَذِهِ الْقَاعِدَةُ صَحَّ مَا قَالَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَذْكُرَ الْقَيْدُ بِالْحَيْثِيَّةِ فِي دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ، لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ، وَلَيْسَ لِلَّفْظِ إلَّا دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ فَقَطْ لَا التَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ، فَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا فِي دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِلَّا كَانَ يَلْزَمُهُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ عَلَى الْجُزْءِ دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ فِي صُورَةِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ اللَّفْظَ إذْ دَلَّ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى الْجُزْءِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى جُزْءِ الْمُسَمَّى دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ فَدَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ، دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ هَذَا خُلْفٌ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا عَلَى إطْلَاقِ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ.

стр. 667

وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَحَالٌّ، فَقَدْ نَازَعَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَ فِي هَذَا التَّقْيِيدِ، وَقَالَ: اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّ التَّضَمُّنَ لِلْجُزْءِ ثَابِتٌ عِنْدَ مُرَادِ الْمُطْلَقِ الْمَعْنَى الْمُرَكَّبَ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَغَيْرَهُ، فَإِنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ هُوَ جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَجْزَاءٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إنَّمَا فُهِمَ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْتَعْمِلِ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ اللَّفْظَ أَيْضًا عَلَى الْجُزْءِ، وَلَكِنْ عِنْدَ دَلَالَتِهِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، بَلْ مُسْتَقِلًّا، وَنَحْنُ لَا نُرِيدُ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ الْجُزْءُ تَضَمُّنًا، وَيَكُونُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَا تَكُونُ الدَّلَالَةُ لَفْظِيَّةً لَكِنْ تَبَعِيَّةً، فَإِذَا اسْتَقَلَّتْ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا تَضَمُّنًا، وَلَمْ يَبْقَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَحِينَئِذٍ فَالْقَيْدُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ. [أَقْسَامُ اللَّازِمِ] [التَّنْبِيهُ الثَّانِي] [أَقْسَامُ اللَّازِمِ] إنَّ اللَّازِمَ عَلَى قِسْمَيْنِ: لَازِمٌ فِي الذِّهْنِ بِمَعْنَى أَنَّ الذِّهْنَ يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عِنْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَيَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الشَّيْءِ تَصَوُّرُهُ، كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ سَوَاءٌ كَانَ لَازِمًا فِي الْخَارِجِ أَيْضًا، كَالسَّرِيرِ فِي الِارْتِفَاعِ مِنْ الْأَرْضِ، إذْ السَّرِيرُ كُلَّمَا وُجِدَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ، وَمَهْمَا تُصَوِّرَ فِي الذِّهْنِ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالسَّوَادِ إذَا أُخِذَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ضِدًّا لِلْبَيَاضِ، فَإِنَّ تَصَوُّرَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَلْزَمُهُ تَصَوُّرُ الْبَيَاضِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فِي الذِّهْنِ مُتَنَافِيَانِ فِي الْخَارِجِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي اللَّازِمِ الْخَارِجِيِّ فَقَطْ كَالسَّرِيرِ مَعَ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ السَّرِيرُ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مُمْكِنٌ ضَرُورَةً، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ السَّرِيرُ وَيُذْهَلُ عَنْ إمْكَانِهِ، فَافْهَمْ هَذَا التَّقْرِيرَ فَإِنَّهُ الصَّوَابُ، وَفِي عِبَارَاتِهِمْ إيهَامٌ، وَاللَّازِمُ الثَّانِي فِي الْوُجُودِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُسَمَّى بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِهِ فِي الْخَارِجِ حُصُولُ الْخَارِجِيِّ فِيهِ.

стр. 668

إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي ذِهْنِ كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْمُتَقَابِلَيْنِ، أَوْ عِنْدَ الْعَالِمِ بِالْوَضْعِ، وَزَادَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: " ظَاهِرًا " لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ إطْلَاقُ اسْمِ الْيَدِ عَلَى الْقُدْرَةِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْيَدَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْقُدْرَةَ قَطْعًا، لِأَنَّ الْيَدَ تَكُونُ شَلَّاءَ بَلْ ظَاهِرًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ السَّكَّاكِيِّ فِي الْمِفْتَاحِ ": الْمُرَادُ بِاللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ الْبَيِّنُ الْقَرِينَةِ بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ فَهْمِهِ إلَى فَهْمِهِ، كَالشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ، فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ ظَاهِرَةٌ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَسَدِ لِإِرَادَتِهَا بِخِلَافِ الْبَخَرِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لِلْأَسَدِ لَا أَنَّهُ أَخْفَى، فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْأَسَدِ لِإِرَادَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّازِمِ الْخَارِجِيِّ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إلَى اعْتِبَارِهِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِاللَّفْظِ عَلَى كُلِّ مَا يَلْزَمُ الْمُسَمَّى ذِهْنِيًّا أَوْ خَارِجِيًّا، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَذَهَبَ الْمَنْطِقِيُّونَ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الْفَهْمِ بِدُونِهِ كَمَا فِي الضِّدَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ فَهْمٌ فَلَا دَلَالَةَ، وَيَرِدُ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعُ الْمَجَازَاتِ. وَالْحَقُّ: الْتِفَاتُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى أَصْلٍ سَبَقَ فِي تَفْسِيرِ الدَّلَالَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنَّهُ مَهْمَا سُمِعَ اللَّفْظُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فُهِمَ الْمَعْنَى أَمْ لَا، بَلْ يَكْفِي الْفَهْمُ فِي الْجُمْلَةِ؟ وَبِهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ، بَلْ قَدْ تَوَسَّعَ الْبَيَانِيُّونَ فَأَجْرَوْهَا فِيمَا لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، لَكِنَّ الْقَرَائِنَ الْخَارِجِيَّةَ

стр. 669

اسْتَلْزَمَتْهُ، وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الْوُضُوحُ وَالْخَفَاءُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَوْسَعُهَا الثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْجَوْهَرَ وَالْعَرَضَ مُتَلَازِمَانِ فِي الْخَارِجِ، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ بِالِالْتِزَامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى غَيْرُ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْجَوْهَرِ فِي الْعَرَضِ وَعَكْسِهِ انْتِفَاءُ دَلَالَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالِالْتِزَامِ، إذْ لَيْسَ الِاسْتِعْمَالُ نَفْسَ الدَّلَالَةِ وَلَا لَازِمَهَا كَمَا فِي الْوَضْعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ. الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ لَزِمَ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِ اللُّزُومِ الْخَارِجِيِّ بِدُونِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عَدَمُ كَوْنِهِ شَرْطًا لَهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَوْ لَازِمًا أَعَمَّ. وَالْعَجَبُ مِنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ صَرَّحَ عَقِيبَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ شَرْطٌ لَا مُوجِبٌ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ الْخَارِجِيُّ مُعْتَبَرًا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِوُجُودِهِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِبَارِ؟ [الْمُلَازَمَةُ الذِّهْنِيَّةُ شَرْطٌ فِي الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ] [التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ] [الْمُلَازَمَةُ الذِّهْنِيَّةُ شَرْطٌ فِي الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ] إذَا شَرَطْنَا الْمُلَازَمَةَ الذِّهْنِيَّةَ فَهِيَ شَرْطٌ فِي الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ سَبَبٌ، لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: هَذَا اللَّازِمُ شَرْطٌ لَا سَبَبٌ، يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ اللُّزُومِ مِنْ غَيْرِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ لَيْسَ بِسَبَبٍ فِي حُصُولِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، بَلْ السَّبَبُ إنَّمَا هُوَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ، فَاللُّزُومُ شَرْطٌ، وَقِيلَ: يَعْنِي أَنَّ الْمُلَازَمَةَ الذِّهْنِيَّةَ يَلْزَمُ مِنْ

стр. 670

عَدَمِهَا الْعَدَمُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا أَفَادَ مَعْنًى غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِآخَرَ لَا يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ إلَى ذَلِكَ الْآخَرِ إلَّا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَتَكُونُ إفَادَتُهُ مُضَافَةً لِذَلِكَ الْمُنْفَصِلِ لَا لِلَّفْظِ، فَلَا يَكُونُ فَهْمُهُ دَلَالَةَ اللَّفْظِ بَلْ أَثَرًا لِلْمُنْفَصِلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمُلَازَمَةِ وُجُودُ الدَّلَالَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّ الْمُلَازَمَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْفَهْمُ مَعْدُومٌ مِنْ اللَّفْظِ، إذْ اللَّفْظُ مَعْدُومٌ، فَهُوَ حِينَئِذٍ شَرْطٌ، وَالْإِطْلَاقُ هُوَ الْمُسَبِّبُ. [دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَفْظِيَّةٌ] [التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ] [دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَفْظِيَّةٌ وَالْخِلَافُ] [فِي دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ] لَا خِلَافَ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ لَفْظِيَّةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ عَلَى ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا عَقْلِيَّانِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَعْنَى عَلَيْهِمَا بِالْوَاسِطَةِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَاخْتَارَهُ أَثِيرُ الدِّينِ الْأَبْهَرِيُّ فِي كَشْفِ الْحَقَائِقِ وَالصَّفِيّ الْهِنْدِيُّ. قَالَ: وَإِنَّمَا وُصِفَتَا بِكَوْنِهِمَا عَقْلِيَّتَيْنِ، إمَّا لِأَنَّ الْعَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللِّسَانِ اللَّفْظَ فِيهِمَا وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الْوَضْعَ فِي الْمَجَازِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِمَا وَهُوَ الْجُزْءُ وَاللَّازِمُ هُوَ الْعَقْلُ. الثَّانِي: أَنَّهُمَا لَفْظِيَّانِ وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إلَى الْأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَاصِلٍ فِي " شَرْحِ جُمَلِ الْخُونَجِيِّ ".

стр. 671

وَالثَّالِثُ: أَنَّ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ لَفْظِيَّةٌ وَالِالْتِزَامِ عَقْلِيَّةٌ، وَبِهِ قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، لِأَنَّ الْجُزْءَ دَاخِلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِخِلَافِ اللَّازِمِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إنْ جُعِلَتْ لَفْظِيَّةٌ لِأَجْلِ أَنَّ فَهْمَ الْجُزْءِ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ اللَّفْظِ فَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ فَهْمَ اللَّازِمِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَلْزُومِ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ بِالْوَضْعِ الْمُخْتَصِّ بِالْحَقِيقَةِ فَبَاطِلٌ، أَوْ بِالْوَضْعِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَاللَّازِمُ أَيْضًا كَذَلِكَ إنْ اُعْتُبِرَ الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ، وَالْأَقْيَسُ مِنْهُمَا: الْوَضْعُ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّ الْجُزْءَ دَاخِلٌ فِي الْمُسَمَّى، وَاللَّازِمُ خَارِجٌ عَنْهُ فَهُوَ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ وَاصْطِلَاحٌ مِنْ غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الدَّقَائِقِ: وَمَنْ جَعَلَ الِالْتِزَامَ لَفْظِيَّةً فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى مَعْنَاهُ، وَمِنْ مَعْنَاهُ إلَى اللُّزُومِ، وَالتَّضَمُّنُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مُسَمَّى اللَّفْظِ بِخِلَافِ الِالْتِزَامِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْسُوبٌ إلَى اللَّفْظِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَقْلِيٌّ بِوَجْهٍ وَاعْتِبَارٍ.

стр. 672

[دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ التَّضَمُّنِ] التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ] [وَدَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ التَّضَمُّنِ] إنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ قَدْ تَنْفَكُّ عَنْ التَّضَمُّنِ، وَذَلِكَ بِكَوْنِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ بَسِيطًا لَا جُزْءًا لَهُ، وَهَلْ تَنْفَكُّ عَنْ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْهِنْدِيُّ: ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ، لِأَنَّ كُلَّ مَاهِيَّةٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهَا لَازِمٌ أَقَلُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الِانْفِكَاكَ زَاعِمًا أَنَّ شَرْطَ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ بِحَيْثُ يَكُونُ تَصَوُّرُهُ لَازِمًا لِتَصَوُّرِ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ اللَّازِمِ، هَذَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْقِلَ الْمَاهِيَّةَ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الْمُطَابَقَةُ فَلَازِمَةٌ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ التَّابِعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَابِعٌ بِدُونِ الْمَتْبُوعِ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ لِكُلِّ مَاهِيَّةٍ لَازِمًا أَوْ بَعْضَ الْمَاهِيَّاتِ لَا لَازِمَ لَهَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لِكُلِّ شَيْءٍ لَازِمٌ، فَالْمُطَابَقَةُ وَالِالْتِزَامُ مُتَسَاوِيَانِ، قَالَ الْإِمَامُ فِي التَّلْخِيصِ: لِكُلِّ شَيْءٍ لَازِمٌ، وَأَدْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَهُ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّازِمِ الْبَيِّنِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ حُضُورِ الْمَلْزُومِ حُضُورُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ بَعْضَ الْمَاهِيَّاتِ لَا لَازِمَ لَهَا فَالْمُطَابَقَةُ أَعَمُّ. [دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ] [التَّنْبِيهُ السَّادِسُ] [دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ] إنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ هِيَ الصَّرِيحُ مِنْ اللَّفْظِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَأَمَّا دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ فَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَنَا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الثَّلَاثَ وَقَعَ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 673

لَنَا أَنَّ " طَلَّقْتُ " فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ، وَالْحَدَثُ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ جُزْؤُهُ وَدَلَالَتُهُ عَلَيْهِ بِالتَّضَمُّنِ، فَيَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا لَوْ ذَكَرَ الْمَصْدَرَ صَرِيحًا، فَقَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ. وَأَمَّا دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ كَدَلَالَةِ الْبَيْتِ عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمُقْتَرِحِ مِنْ أَصْحَابِنَا: فِي الْخِلَافِ: لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي الْمَلْفُوظِ، وَالْمُلْتَزَمُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ، وَالطَّلَاقُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ اللَّفْظِ لَا يَقَعُ. [دَلَالَةُ الِاسْتِدْعَاءِ] [التَّنْبِيهُ السَّابِعُ] [دَلَالَةُ الِاسْتِدْعَاءِ] مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ انْحِصَارِ الدَّلَالَاتِ فِي الثَّلَاثِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَزَادَ الجزولي مِنْ النَّحْوِيِّينَ دَلَالَةً رَابِعَةً وَسَمَّاهَا: بِالِاسْتِدْعَاءِ، وَجَعَلَ دَلَالَةَ الْفِعْلِ عَلَى الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَفْعُولُ بِهِ، وَعَلَى الْبَاعِثِ يَعْنِي الَّذِي بَعَثَ عَلَى الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ، وَعَلَى الْمُصَاحَبِ وَهُوَ الْمَفْعُولُ مَعَهُ مِنْ قَبِيلِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ، وَأَنْكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَقَالَ: دَلَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى الْمَحَلِّ وَالْبَاعِثِ وَالْمُصَاحَبِ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ الْمَكَانَ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ مُتَعَدِّيَهَا وَلَازِمَهَا مَا وَقَعَ فِيهَا عَمْدًا وَسَهْوًا، وَالْمَحَلُّ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّي خَاصَّةً، وَالْبَاعِثَةُ إنَّمَا تَلْزَمُ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يُوقِعُهُ الْقَاصِدُ لِلْإِيقَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ فِعْلُ السَّاهِي وَالنَّائِمِ، وَالْمُصَاحِبِ إنَّمَا يَلْزَمُ مَا يُشْرِكُ فِيهِ الْفَاعِلُ غَيْرَهُ.

стр. 674

وَقَدْ أَوْرَدَ الْقَرَافِيُّ عَلَى الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثِ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ. وَقَالَ: إنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْهُنَّ، وَجَوَابُهُ يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْرَدَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ عَلَى مُفْرَدَاتِهِ، فَإِنَّ الْوَاضِعَ لَمْ يَضَعْهُ لِمَفْهُومِهِ وَلَا لِشَيْءٍ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ دَاخِلٌ فِيهِ، وَلَا لِخَارِجٍ عَنْهُ لَازِمٌ لَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى وَضْعُ عَيْنِهِ لِعَيْنِهِ، أَوْ وَضْعُ أَجْزَائِهِ لِأَجْزَائِهِ بِحَيْثُ يُطَابِقُ مَجْمُوعُ اللَّفْظِ مَجْمُوعَ الْمَعْنَى، وَالثَّانِي مَوْجُودٌ فِي الْمُرَكَّبِ، فَإِنَّ الْوَاضِعَ وَإِنْ لَمْ يَضَعْ مَجْمُوعَ " زَيْدٌ قَائِمٌ " لِمَدْلُولِهِ، فَقَدْ وَضَعَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ لِجُزْءٍ مِنْ مَفْهُومِهِ، فَإِنَّهُ وَضَعَ زَيْدًا لِلذَّاتِ وَقَائِمًا لِلصِّفَةِ وَالْحَرَكَةُ الْمَخْصُوصَةُ، أَعْنِي دَفْعَهُمَا لِإِثْبَاتِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ.

стр. 675

الْقِسْمُ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ التَّرْكِيبِ وَالْإِفْرَادِ وَيُطْلَقُ الْمُفْرَدُ بِاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: مُقَابِلُ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ، وَهُوَ اللَّفْظُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. الثَّانِي: مُقَابِلُ الْمُضَافِ فِي بَابِ النِّدَاءِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الْمُنَادِي مُفْرَدٌ وَمُضَافٌ. وَالثَّالِثُ: مُقَابِلُ الْجُمْلَةِ فِي بَابِ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الْخَبَرُ قَدْ يَكُونُ مُفْرَدًا وَقَدْ يَكُونُ جُمْلَةً. الرَّابِعُ: مُقَابِلُ الْمُرَكَّبِ. أَمَّا الْمُفْرَدُ بِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ فَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَلَا جُزْءَ مِنْ أَجْزَائِهِ يَدُلُّ بِالذَّاتِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَإِنْسَانٍ، وَإِنْ شِئْت فَقُلْ: هُوَ مَا لَا يُرَادُ بِالْجُزْءِ مِنْهُ دَلَالَةٌ أَصْلًا عَلَى مَعْنًى حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ كَأَحْمَدَ. [تَعْرِيفُ الْمُرَكَّبِ] وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَمَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ

стр. 676

سَوَاءٌ كَانَ تَرْكِيبَ إسْنَادٍ كَقَامَ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ قَائِمٌ، أَمْ تَرْكِيبَ مَزْجٍ كَخَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ إضَافَةٍ كَغُلَامِ زَيْدٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى الذَّاتِ فَهُوَ مُفْرَدٌ، وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى الصِّفَاتِ فَهُوَ مُرَكَّبٌ. وَالْمُرَادُ بِالْجُزْءِ مَا صَارَ بِهِ اللَّفْظُ مُرَكَّبًا كَحُرُوفِ زَيْدٍ، فَلَا يُرِدْ الزَّايَ مِنْ " زَيْدٌ قَائِمٌ "، فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَوْنَ الْمَاضِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، لِأَنَّ مَادَّتَهُ تَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَزِنَتَهُ عَلَى خُصُوصِ الزَّمَنِ، فَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَعْنَى بِقَوْلِنَا الْجُزْءُ لَيْسَ مُطْلَقَ الْجُزْءِ، بَلْ الْأَجْزَاءُ الْمُتَرَتِّبَةُ فِي السَّمْعِ، وَقَالُوا: وَنَحْوُ بَعْلَبَكَّ مُرَكَّبٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّهُ كَلِمَتَانِ وَمُفْرَدٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، وَ " أَقُومُ " وَ " نَقُومُ " وَ " يَقُومُ " مُرَكَّبٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّ جُزْأَهُ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الْفَاعِلِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ وَالْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ، وَالْمُخَاطَبِ مِنْهَا وَنَفْسُ الْكَلِمَةِ تَدُلُّ عَلَى الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ، وَمُفْرَدٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، لِأَنَّهُ لَفْظٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. أَمَّا " يَقُومُ " بِالْغَيْبَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ، فَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُرَكَّبٌ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سِينَا، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهُ مُرَكَّبٌ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ لِيَحْتَرِزُوا مِنْ مِثْلِ أَبْكَمَ، وَإِنْسَانٍ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِهِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَكِنْ لَا عَلَى جُزْءِ مُسَمَّاهُ حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْجُمْلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ " الْأَبَ " اسْمٌ لِلْوَالِدِ "، وَ " كَمْ " اسْمٌ لِلْعَدَدِ؟ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ جُزْءٌ مِنْ الْآخَرِ حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ، وَكَذَلِكَ: إنْسَانٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ " إنْ " حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ؟ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ جُزْءُ " إنْ ". وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ يَعِيشَ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وَابْنُ إيَادٍ

стр. 677

أَنَّ الرَّجُلَ مُرَكَّبٌ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ التَّعْرِيفِ وَالْمُعَرَّفِ، وَهُوَ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَلِمَتَانِ، وَكَذَلِكَ " ضَرَبَا " وَ " ضَرَبُوا "، قَالَ الزَّنْجَانِيّ فِي الْهَادِي: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الرَّجُلَ وَنَظَائِرَهُ لَفْظَتَانِ لَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرَهُ بِنَحْوِ " ضَرَبَ "، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ، وَأَنَّهُ كَلِمَةٌ بِاتِّفَاقٍ. قُلْت: لَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَنَاهُ أَنَّ الْمُعَرِّفَ اللَّامُ وَحْدَهَا، وَحِينَئِذٍ فَهِيَ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ كَالتَّنْوِينِ فِي زَيْدٍ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمُعَرِّفَ " أَلْ " فَهُوَ لَفْظَتَانِ لِإِمْكَانِ التَّلَفُّظِ بِهَا وَحْدَهَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَمْثِلَةَ الْمُضَارِعِ خَلَا الْغَائِبَ مُرَكَّبَاتٌ قَطْعًا، وَأَمْثِلَةُ الْمَاضِي مُفْرَدَاتٌ قَطْعًا، وَأَمْثِلَةُ الْأَوَامِرِ مُرَكَّبَاتٌ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ وَصَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ شَرْح التَّسْهِيلِ بِأَنَّ " يَاءَ " النَّسَبِ، وَ " أَلِفَ " ضَارِبٍ " وَمِيمَ " مُكْرَمٍ، يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى، وَلَكِنْ لَا بِالْوَضْعِ وَقَالَ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ: الْمَجْمُوعُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى شَخْصٍ مُسَمًّى بِذَلِكَ، لَا أَنَّ الْحَرْفَ دَلَّ بِنَفْسِهِ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ أَنَّ النُّحَاةَ يَتَرَجَّحُ نَظَرُهُمْ فِي جَانِبِ الْأَلْفَاظِ، وَأُولَئِكَ يَتَرَجَّحُ نَظَرُهُمْ فِي جَانِبِ الْمَعَانِي، وَعَلَى هَذَا " عَبْدُ اللَّهِ " وَنَحْوُهُ، إنْ أُرِيدَ بِهِ الْعَلَمِيَّةُ كَانَ مُفْرَدًا بِمَثَابَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، لِأَنَّ جُزْأَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نِسْبَةُ الْعُبُودِيَّةِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ، لِدَلَالَةِ جُزْئِهَا عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهَا.

стр. 678

وَقَدْ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ يَتَقَعْقَعُ، يَعْنِي جَدِيدًا، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: إنْ كُنْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَارْفَعْ إزَارَك، قَالَ: فَرَفَعْتُهُ وَكَانَ طَوِيلًا» . فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: عَبْدُ اللَّهِ، يَعْنِي أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ مُفْرَدٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَلَمِيَّةَ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (إنْ كُنْت عَبْدَ اللَّهِ) فَهُوَ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا إضَافِيًّا، لِأَنَّ مُرَادَهُ نِسْبَةُ الْعُبُودِيَّةِ إلَى اللَّهِ، فَالْإِفْرَادُ الْعِلْمِيُّ طَارَ عَلَى التَّرْكِيبِ الْإِضَافِيِّ، وَهُوَ يَلُوحُ فِيهِ. وَيُقَالُ لِلْمُرَكَّبِ: مُؤَلَّفٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَكَّبَ مَا دَلَّتْ أَجْزَاؤُهُ إذَا انْفَرَدَتْ، وَلَا تَدُلُّ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءً كَعَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عَلَمًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ زَيْدٍ، فَلَا تَدُلُّ أَجْزَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَوْ انْفَرَدَتْ الْأَجْزَاءُ كَانَتْ دَالَّةً، لِأَنَّ عَبْدًا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ اتَّصَفَتْ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالْمُؤَلَّفُ مَا دَلَّتْ الْأَجْزَاءُ فِي حَالِ الْبَسَاطَةِ وَحَالِ التَّرْكِيبِ، كَقَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ يَدُلُّ إذَا انْفَرَدَ، وَإِذَا كَانَ جُزْءًا [انْقِسَامُ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ] وَيَنْقَسِمُ الْمُفْرَدُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ رَابِعًا وَيُسَمِّيهِ خَالِفًا، وَهُوَ الظَّرْفُ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ أَوْ أَسْمَاءُ الْأَفْعَالِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ الْأَسْمَاءِ، قَالُوا: وَدَلِيلُ الْحَصْرِ أَنَّ الْمَعَانِيَ ثَلَاثَةٌ: ذَاتٌ، وَحَدَثٌ، وَرَابِطَةٌ لِلْحَدَثِ بِالذَّاتِ. فَذَاتٌ: الِاسْمُ، وَالْحَدَثُ: الْفِعْلُ، وَالرَّابِطَةُ: الْحَرْفُ.

стр. 679

قَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ: وَلَا يَخْتَصُّ انْحِصَارُ الْكَلِمَةِ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي دَلَّ عَلَى الِانْحِصَارِ فِي الثَّلَاثَةِ عَقْلِيٌّ، وَالْأُمُورُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ. قُلْت: وَفِي كِتَابِ الْإِيضَاحِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: الْكَلَامُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنًى، قِيلَ: قَصَدَ بِهِ الْكَلِمَ الْعَرَبِيَّ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْكَلِمَ الْعَرَبِيَّ وَالْعَجَمِيَّ. اهـ. [الْكُلِّيُّ وَالْجُزْئِيُّ] ثُمَّ الِاسْمُ يَنْقَسِمُ إلَى كُلِّيٍّ وَجُزْئِيٍّ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَمْنَعَ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ مِنْ اشْتِرَاكِ كَثِيرِينَ فِيهِ أَوْ يَمْنَعُ، وَالْأَوَّلُ الْكُلِّيُّ، وَمَعْنَى اشْتِرَاكِ الْأَشْخَاصِ فِيهِ أَنَّ مَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِمَعَانِيهَا بِالِاسْمِ وَالْحَدِّ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهَا، وَهُوَ تَارَةً تَقَعُ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَالْحَيَوَانِ، وَتَارَةً لَا تَقَعُ، أَمَّا مَعَ الْإِمْكَانِ كَالشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ وُجُودَ مِثْلِهَا أَوْ الِاسْتِحَالَةِ كَهِيَ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ، وَحَذَفْت تَمْثِيلَ الْمَنْطِقِيِّينَ عَمْدًا أَدَبًا، وَلَيْسَ الْكُلِّيُّ وَهْمِيًّا مُرْسَلًا، بَلْ لَهُ وُجُودٌ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ مَا يَجِدُهُ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَوْ نَسَبَهَا إلَى الشَّخْصِيَّاتِ الْمُنَاسِبَةِ لَكَانَتْ مُطَابِقَةً لَهَا، كَالْمُتَمَثِّلِ مِنْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ فِي الْعَقْلِ غَيْرَ تَمَيُّزِهِ فِي النَّفْسِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ صُورَتَهُ قَائِمَةٌ بِنَفْسِ الْعَاقِلِ، وَإِلَّا لَكَانَ مَنْ يَعْقِلُ الْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ حَارًّا وَبَارِدًا.

стр. 680

[الطَّبِيعِيُّ وَالْمَنْطِقِيُّ وَالْعَقْلِيُّ] وَيَنْقَسِمُ إلَى طَبِيعِيٍّ وَمَنْطِقِيٍّ وَعَقْلِيٍّ، لِأَنَّا إذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مَثَلًا، وَأَنَّهُ كُلِّيٌّ وَأَرَدْت الْحِصَّةَ مِنْ الْحَيَوَانِيَّةِ الَّتِي شَارَكَ بِاعْتِبَارِهَا الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ فَطَبِيعِيٌّ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْإِنْسَانِ الْمَوْجُودِ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ، وَإِنْ أَرَدْت بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الشَّرِكَةِ فَهُوَ الْمَنْطِقِيُّ، وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ. وَمَدْرُك الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْإِضَافَةَ هَلْ لَهَا وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ؟ وَالْكُلِّيُّ الْمَنْطِقِيُّ نَوْعٌ مِنْ مَقُولَةِ الْمُضَافِ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: وَنَازَعَهُ ابْنُ وَاصِلٍ، وَقَالَ: بَلْ الْكُلِّيُّ الْمَنْطِقِيُّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ الْإِضَافَةَ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَعْيَانِ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، فَلَوْ كَانَ الْمَنْطِقِيُّ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، كَانَ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا ضَرُورَةً مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا هُوَ الْكُلِّيُّ الْعَقْلِيُّ، فَيَكُونُ أَيْضًا مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ لِتَرَكُّبِهِ مِنْ جُزْأَيْنِ مَوْجُودَيْنِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ. وَإِنْ أَرَدْت الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي الْحَيَوَانِيَّةَ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَا الشَّرِكَةُ مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ مَانِعَةٍ فَهُوَ الْعَقْلِيُّ فَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ: أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ. قَالَهُ ابْنُ وَاصِلٍ، وَحَكَى غَيْرُهُ فِي وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ خِلَافًا أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَهُوَ غَيْرُ مُتَشَخِّصٍ. وَزَعَمَ أَفْلَاطُونُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ الْكُلِّيَّ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ.

стр. 681

[الْفَرْقُ بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْكُلِّ] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْكُلِّ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُلَّ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْكُلِّيِّ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ مُنَازَعٌ بِمَا سَبَقَ. وَثَانِيهَا: أَجْزَاءُ الْكُلِّ مُتَنَاهِيَةٌ وَأَجْزَاءُ الْكُلِّيِّ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. وَثَالِثُهَا: الْكُلُّ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ أَجْزَائِهِ مَعًا بِخِلَافِ الْكُلِّيِّ. [أَقْسَامُ الْكُلِّيِّ] ثُمَّ الْكُلِّيُّ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارَاتٍ: أَحَدُهَا: إلَى مُتَوَاطِئٍ وَمُشَكِّكٍ ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حُصُولُ مَعْنَاهُ فِي أَفْرَادِهِ الذِّهْنِيَّةِ أَوْ الْخَارِجِيَّةِ عَلَى السَّوَاءِ، كَالْإِنْسَانِ فَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّوَاءِ بَلْ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَقْدَمَ وَأَوْلَى وَأَشَدَّ فَهُوَ الْمُشَكِّكُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُشَكِّكُ النَّاظِرَ هَلْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ لِوَحْدَةِ الْحَقِيقَةِ فِيهِ أَوْ مُشْتَرِكٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاخْتِلَافِ؟ وَذَلِكَ كَالْبَيَاضِ الَّذِي هُوَ فِي الثَّلْجِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْعَاجِ، وَجَوَّزَ الْهِنْدِيُّ

стр. 682

فِيهِ فَتْحَ الْكَافِ وَكَسْرَهَا. إمَّا أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ لِلتَّشْكِيكِ أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ، لِكَوْنِ النَّاظِرِ يَتَشَكَّكُ فِيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ هَذَا الْقِسْمِ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ تُسْتَعْمَلَ مَعَ ضَمِيمَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ، وَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ. قِيلَ: وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ ابْنُ سِينَا، لِأَنَّ تَرَكُّبَ الشَّبَهَيْنِ يُخْرِجُهُ إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى كَالْخُنْثَى، فَالْمُتَوَاطِئُ أَنْ يَضَعَ الْوَاضِعُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَيْدِ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُحَالِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَحَالِّ فِي أُمُورٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسَمَّى، كَامْتِيَازِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمُتَوَاطِئُ مَا اسْتَوَى مَحَالُهُ، وَيُسَمَّى: اسْمُ الْجِنْسِ كَالرَّجُلِ، وَيُسَمَّى الْمُطْلَقُ. وَقِيلَ: هُوَ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ مُسْتَوْفًى مَحَالَّهُ، فَكُلِّيٌّ احْتِرَازٌ مِنْ الْعِلْمِ وَمُسْتَوٍ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُشَكِّكِ وَيُسَمَّى بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ فِي الْآخَرِ. وَالتَّوَاطُؤُ التَّوَافُقُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وَالْمُشَكِّكُ أَنْ يَضَعَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَيْدِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَحَالِّ بِأُمُورٍ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى كَالنُّورِ فِي الشَّمْسِ، وَاسْتِحَالَةِ التَّغْيِيرِ فِي الْوَاجِبِ، فَاشْتَرَكَ الْقِسْمَانِ فِي أَنَّ الْوَضْعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَافْتَرَقَا بِقَيْدَيْهِمَا. تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ] [إطْلَاقُ الْمُتَوَاطِئِ عَلَى أَفْرَادِهِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟] إطْلَاقُ الْمُتَوَاطِئِ عَلَى كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ هَلْ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ فِيهِ بَحْثٌ لِكَثِيرٍ

стр. 683

مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَجَازٌ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْخُصُوصِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا، وَقِيلَ: إنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِخُصُوصٍ كَانَ مَجَازًا. وَالْمُخْتَارُ: الْأَوَّلُ، وَلَا تَحْقِيقَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ، فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْخُصُوصِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْخُصُوصِ، أَمَّا إذَا أَرَدْت الْعُمُومَ فَلَمْ تَسْتَعْمِلْهُ، فَلَا وَجْهَ لِلْخُصُوصِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا. الثَّانِي: أَنَّ الْمُتَوَاطِئَ قَدْ يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ دُونَ بَعْضٍ. [التَّنْبِيهُ الثَّانِي] [يَنْقَسِمُ الْكُلِّيُّ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ إلَى مُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ] ، بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ إلَى مُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِصِفَةٍ فَهُوَ الْمُشْتَقُّ كَالْأَسْوَدِ، وَيُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ صِفَةً، وَإِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ، وَحِينَئِذٍ إنْ دَلَّ عَلَى نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ فَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ، كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ إذَا كَانَ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ وَعَلَى قَيْدٍ آخَرَ زَائِدٍ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَيْدُ هُوَ الْوَحْدَةُ أَوْ الْكَثْرَةُ الْغَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ فَهُوَ النَّكِرَةُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْكَثْرَةُ الْمُعَيَّنَةُ الْغَيْرُ الْمُنْحَصِرَةِ، فَهُوَ الْعَامُّ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْحَصِرَةً فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَالدَّالُّ عَلَى الْجِنْسِ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمِ جِنْسٍ كَأَسَدٍ، وَعَلَمِ جِنْسٍ كَأُسَامَةَ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ، لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَعَلَمُ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ تَشَخُّصِهَا فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَمْتَازَ عَنْ غَيْرِهَا وَتَتَشَخَّصَ فِي الذِّهْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَصْدُقُ عَلَى الْأَفْرَادِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ عَلَى مَا تَلَخَّصَ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ مِنْ صِدْقِ

стр. 684

الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ. [التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ] بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ وَالْكُلِّيُّ إمَّا تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ إمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَاهِيَّةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ الْعَوَارِضِ كَالْجُزْئِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، أَوْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَارِضِ نَحْوُ كَوْنِهَا جُزْءًا لِغَيْرِهَا أَوْ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّةِ غَيْرِهَا، فَالْأَوَّلُ تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ، وَالثَّانِي جُزْءٌ مِنْهَا، وَالثَّالِثُ خَارِجٌ عَنْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقُولَ فِي جَوَابِ مَا هُوَ، إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَمَّا بِهِ هُوِيَّةُ الشَّيْءِ وَهُوَ تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ، وَأَمَّا الْكُلِّيُّ الَّذِي هُوَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالذَّاتِيِّ عَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ، فَتَمَامُ الْمُشْتَرَكِ هُوَ الْجِنْسُ، وَتَمَامُ التَّمْيِيزِ هُوَ الْفَصْلُ. وَأَمَّا الْخَارِجُ فَإِنْ اخْتَصَّ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ الْخَاصَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ فَهُوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ. وَمِمَّا يَغْلُظُ فِيهِ كَوْنُ الْعَرَضِ هَاهُنَا هُوَ الْمُقَابِلُ لِلْجَوْهَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَرَضِيَّ قَدْ يَكُونُ جَوْهَرًا كَالْأَبْيَضِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالْبَيَاضِ، وَالْعَرَضُ لَا يَكُونُ جَوْهَرًا كَالْبَيَاضِ، ثُمَّ الْعَرَضُ قَدْ يَكُونُ لَازِمًا لِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ أَعْنِي بِالْقُوَّةِ.

стр. 685

[الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ وَالذَّاتِيِّ] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ وَالذَّاتِيِّ: أَنَّ الْعَرَضَ اللَّازِمَ يَكُونُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الشَّيْءِ وَالذَّاتِيُّ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَإِنَّ الضَّحِكَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ إنْسَانًا، وَالْحَيَوَانُ وَصْفٌ لَهُ مُقَدَّمٌ ذِهْنًا عَلَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ إنْسَانًا، وَقَدْ يَكُونُ لَازِمًا لِوُجُودِهِ كَسَوَادِ الْحَبَشِيِّ، وَكَوْنِ الْإِنْسَانِ مَوْجُودًا. وَالْعَرَضُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ فِي الْوُجُودِ وَلَا فِي الْوَهْمِ لِجَوَازِ زَوَالِهِ إمَّا سَرِيعًا كَالْقِيَامِ، أَوْ بَطِيئًا كَالسَّوَادِ. [الْجُزْئِيُّ] وَأَمَّا الْجُزْئِيُّ: فَإِمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْجُزْئِيِّ فَهُوَ الْعَلَمُ كَزَيْدٍ، وَإِلَّا فَإِنْ احْتَاجَ إلَى قَرِينَةٍ، إمَّا تَكَلُّمٌ أَوْ خِطَابٌ أَوْ غِيبَةٌ، فَهُوَ وَهُوَ الْمَوْصُولُ. هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ، أَعْنِي أَنَّ الْمُضْمَرَ جُزْئِيٌّ، وَقَدْ رَأَيْته مُصَرَّحًا بِهِ فِي كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْعُمُومِ وَحُجَّتُهُمْ، أَنَّ الْكُلِّيَّ نَكِرَةٌ وَالْمُضْمَرَاتِ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لِكُلِّيٍّ لَمَا أَفَادَ الشَّخْصَ، لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَرَجَّحَ الْقَرَافِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا لِكُلِّيٍّ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِجُزْئِيٍّ لَمَا دَلَّ عَلَى شَخْصٍ آخَرَ إلَّا بِوَضْعٍ آخَرَ، فَلَمَّا صَدَقَتْ لَفْظَةُ " أَنَا " عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَكَذَلِكَ " أَنْتَ " عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْمُخَاطَبِينَ، وَ " هُوَ " عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْغَائِبِينَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِوَضْعٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كُلِّيٌّ،

стр. 686

وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَلْحَةَ مِنْ النُّحَاةِ. فَقَالَ: إنَّ الْمُضْمَرَ لَا يُنْعَتُ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيهِ عُمُومٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى تَخْصِيصٍ وَلَا اشْتِرَاكَ فَيَفْتَقِرُ إلَى إزَالَةِ كَذَا يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ يُبْدَلُ مِنْهُ لِلْبَيَانِ، وَلَوْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ لِمَا أُبْدِلَ مِنْهُ أَصْلًا، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: الْمُتَكَلِّمُ أَعْرَفُ مِنْ الْمُخَاطَبِ، وَالْمُخَاطَبُ أَعْرَفُ مِنْ الْغَائِبِ، اعْتِرَافٌ مُبْهَمٌ بِدُخُولِ الِاشْتِرَاكِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْعَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ: هُوَ كُلِّيٌّ فِي الْوَضْعِ جُزْئِيٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَبِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الضَّمِيرَ بِحَسَبِ مَا يَعُودُ إلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ عَلَى عَامٍّ كَانَ عَامًّا فِي كُلِّ فَرْدٍ، أَوْ عَلَى جَمْعٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ عَادَ عَلَى خَاصٍّ كَانَ خَاصًّا، وَأَمَّا إطْلَاقُهُمْ أَنَّ الْعَلَمَ جُزْئِيٌّ، فَهُوَ فِي عَلَمِ الشَّخْصِ، أَمَّا عَلَمُ الْجِنْسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كُلِّيٌّ. [الْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ الْجِنْس] وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ الْجِنْسِ، وَهُوَ مِنْ نَفَائِسِ الْمَبَاحِثِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَكَانَ الْخُسْرَوْ شَاهْ يُقَرِّرُهُ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ إلَّا مِنْهُ، وَمَا كَانَ فِي الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَضْعَ فَرْعُ التَّصَوُّرِ

стр. 687

فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْوَاضِعُ صُورَةَ الْأَسَدِ لِيَضَعَ لَهَا، فَتِلْكَ الصُّورَةُ الثَّابِتَةُ فِي ذِهْنِهِ هِيَ جُزْئِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ، فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ وَاقِعَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَمِثْلُهَا يَقَعُ فِي زَمَانٍ آخَرَ، وَفِي ذِهْنِ شَخْصٍ آخَرَ، وَالْجَمْعُ مُشْتَرِكٌ فِي مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ جُزْئِيَّةٌ مِنْ مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ، فَإِنْ وَقَعَ لَهَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهَا فَهُوَ عَلَمُ الْجِنْسِ أَوْ مِنْ حَيْثُ عُمُومِهَا فَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ عُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ أَسَدٍ فِي الْعَالَمِ، لِأَنَّا إنَّمَا أَخَذْنَاهَا فِي الذِّهْنِ مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الْخُصُوصِيَّاتِ فَتُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ، فَلَا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الْأَسَدِ وَأُسَامَةَ عَلَى جَمِيعِ الْأُسُودِ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فِيهَا كُلِّهَا فَيَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ بِخُصُوصِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الشَّخْصِ: أَنَّ عَلَمَ الشَّخْصِ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الْخَارِجِيِّ، وَعَلَمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ إيَازٍ رَدًّا عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ: أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ وَهُوَ أُسَامَةُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْأَفْرَادِ، وَعَكْسُهُ اسْمُ الْجِنْسِ. قَالَ: فَيَلْزَمُ أَنَّ أُسَامَةَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا: الْوَضْعُ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ فَيَلْزَمُ وَضْعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ.

стр. 688

وَقَالَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ مِنْ النَّحْوِيِّينَ: إنَّمَا حُكِمَ لِعَلَمِ الْجِنْسِ بِالْعَلَمِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْأَعْلَامِ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: دُخُولِ " أَلْ " عَلَيْهَا، وَإِضَافَتِهَا، وَفِي نَصْبِ الْحَالِ عَنْهَا نَحْوَ هَذَا أُسَامَةُ مُقْبِلًا، وَامْتِنَاعِ صَرْفِهَا عِنْدَ وُجُودِ عِلَّتَيْنِ فِيهَا، وَفِي تَحَقُّقِ عِلْمِيَّتِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لِأَبِي سَعِيدٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ بَابْشَاذَ وَابْنُ يَعِيشَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْجِنْسِ بِأَسْرِهِ بِمَنْزِلَةِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ بِاللَّامِ فِي نَحْوِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: ثُعَالَةُ يَفِرُّ مِنْ أُسَامَةَ، أَيْ أَشْخَاصُ هَذَا الْجِنْسِ يَفِرُّ مِنْ أَشْخَاصِ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْتَاجُوا فِي هَذَا النَّوْعِ إلَى تَعْيِينِ الشَّخْصِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْلَامِ، لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ أَفْرَادِهَا. قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: وَتَعْرِيفُهَا لَفْظِيٌّ، وَهِيَ فِي الْمَعْنَى نَكِرَاتٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الْجِنْسِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَفْرَادِهِ، وَلَا يَخُصُّ شَخْصًا بِعَيْنِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْعَلَمِ. وَالثَّانِي: لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقَائِقِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ نَحْوَ أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْت الْمَاءَ، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الْوُجُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْحَقِيقَةِ، فَالتَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَسَدٍ وَأُسَامَةَ أَنَّ أَسَدًا مَوْضُوعٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، فَالتَّعَدُّدُ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَإِنَّهُ لَزِمَ مِنْ إطْلَاقِهِ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الْوُجُودِ التَّعَدُّدِ، فَالتَّعَدُّدُ جَاءَ فِيهِ ضِمْنًا لَا مَقْصُودًا بِالْوَضْعِ.

стр. 689

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَضْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ بَلْ الْوَاحِدُ مِنْ حُفَاةِ الْعَرَبِ إذَا وَقَعَ طَرَفُهُ عَلَى وَحْشٍ عَجِيبٍ، أَوْ طَيْرٍ غَرِيبٍ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمًا يَشْتَقُّهُ مِنْ خِلْقَتِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ وَصْفِهِ، فَإِذَا رَآهُ مَرَّةً أُخْرَى أَجْرَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمَ بِاعْتِبَارِ شَخْصِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ أَنَّ هَذَا الْمَوْجُودَ هُوَ الْمُسَمَّى أَوَّلًا أَوْ غَيْرُهُ، فَصَارَتْ مُشَخَّصَاتُ كُلِّ نَوْعٍ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ الْأَوَّلِ. وَالرَّابِعُ: قُلْته أَنَا: أَنَّ لَفْظَ عَلَمِ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ، فَإِنَّ لَفْظَ أُسَامَةَ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ عَرِيضِ الْأَعَالِي، فَالِافْتِرَاسُ وَعَرْضُ الْأَعَالِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذِّهْنِيِّ وَالْوُجُودِيِّ، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الْوُجُودِ، فَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ لِوُجُودِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَلْزَمُ مِنْ إخْرَاجِهِ إلَى الْوُجُودِ التَّعَدُّدُ، فَيَكُونُ التَّعَدُّدُ مِنْ اللَّوَازِمِ لَا مَقْصُودًا بِالْوَضْعِ بِخِلَافِ أَسَدٍ، فَإِنَّ تَعَدُّدَهُ مَقْصُودٌ بِالْوَضْعِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: امْتِنَاعُ دُخُولِ " اللَّامِ " عَلَى أَحَدِهِمَا وَجَوَازُهُ فِي الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ لَبُونٍ وَابْنُ مَخَاضٍ اسْمَ جِنْسٍ بِدَلِيلِ دُخُولِ " لَامِ " التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا. الثَّانِي: امْتِنَاعُ الصَّرْفِ يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِيَّةِ. الثَّالِثُ: نَصْبُ الْحَالِ عَنْهَا الرَّابِعُ: نَصَّ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الْإِضَافَةُ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا، لِأَنَّ الْأَعْلَامَ جَاءَتْ مُضَافَةً. اهـ. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّ اللَّفْظَ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُتَصَوَّرَ الْحَقِيقَةُ، وَيَحْضُرَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا فِي الذِّهْنِ مُتَشَخِّصًا، فَالْوَاضِعُ تَارَةً يَضَعُ لِلْحَقِيقَةِ لَا بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الْخَاصِّ فِي ذِهْنِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْمَ جِنْسٍ كَمَنْ حَضَرَ فِي ذِهْنِهِ حَقِيقَةُ الْأَسَدِ، وَتَشَخَّصَ فِي ذِهْنِهِ فَرْدٌ مِنْ

стр. 690

أَفْرَادِهِ، فَوُضِعَ لِلْحَقِيقَةِ لَا لِذَلِكَ الْفَرْدِ، وَتَارَةً يَضَعُ لِلتَّشَخُّصِ الْخَاصِّ فِي ذِهْنِهِ بِقَيْدِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي هُوَ حَاصِلٌ فِي أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ خَارِجِيَّةٍ، فَهَذَا عَلَمُ الْجِنْسِ، وَتَارَةً يَضَعُ لِلشَّخْصِ الْخَارِجِيِّ، فَهُوَ عَلَمُ الشَّخْصِ، وَسُمِّيَ هَذَا عَلَمًا، لِأَنَّ الْوَضْعَ فِيهِ لِلشَّخْصِ، لِيَكُونَ التَّشْخِيصُ لِلْوَضْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ. وَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلَى أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ هُوَ الَّذِي لُوحِظَ فِيهِ خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْعَلَمَ هُوَ الْمَوْضُوعُ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاصْطِلَاحِ حَتَّى لَا يُمْنَعَ، لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْعَلَمَ حَقِيقَتُهُ الْوَضْعُ لِلتَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، فَاعْتِبَارُ الْوَصْفِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ. وَعِبَارَةُ سِيبَوَيْهِ تُعْطِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: هَذَا بَابٌ مِنْ الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ فِيهِ الِاسْمُ الْخَاصُّ شَائِعًا فِي أُمَّتِهِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا بِهِ مِنْ الْآخَرِ، نَحْوَ قَوْلِك لِلْأَسَدِ أَبُو الْحَارِثِ وَأُسَامَةُ، وَلِلثَّعْلَبِ ثُعَالَةٌ وَأَبُو الْحُصَيْنِ، وَذَكَرَ أَمْثِلَةً. وَفَرَّقَ بَيْنَ أُسَامَةَ وَزَيْدٍ بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَبُ بِحِلْيَتِهِ أَوْ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ، وَإِذَا قَالَ أُسَامَةُ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ هَذَا الْأَسَدَ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُشِيرَ إلَى شَيْءٍ قَدْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَعْرِفَتِهِ زَيْدًا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِ " هَذَا " الَّذِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ لَهُ هَذَا الِاسْمُ، فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ يُعْطِي مَا قُلْنَا، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: يَكُونُ فِيهِ الِاسْمُ خَاصًّا شَائِعًا، فَجَعَلَهُ خَاصًّا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْمُشَخِّصَةِ الْمَوْضُوعِ وَشَائِعًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ، وَإِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ هَذَا الْأَسَدَ وَلَا يُرِيدُ إلَى شَيْءٍ قَدْ عَرَفْته، وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَتَّضِحُ أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ مَعْرِفَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَالِكٍ: إنَّهُ مَعْرِفَةٌ لَفْظًا وَنَكِرَةٌ مَعْنًى وَأَنَّهُ فِي أُسَامَةَ فِي السِّبَاعِ كَأَسَدٍ مَمْنُوعٌ، وَوَافَقَهُ أَبُو حَيَّانَ عَلَى أَنَّ أُسَامَةَ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا ثَبَتَ، هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ كُلِّيٌّ، لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ.

стр. 691

[فَصْلٌ فِي نِسْبَةِ الْأَسْمَاءِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ] الِاسْمُ وَالْمُسَمَّى إمَّا أَنْ يَتَّحِدَا أَوْ يَتَكَثَّرَا، أَوْ يَتَكَثَّرَ الِاسْمُ وَيَتَّحِدَ الْمُسَمَّى أَوْ عَكْسُهُ. أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَّحِدَا فَإِنْ كَانَ نَفْسُ تَصَوُّرِ ذَلِكَ الْعَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ فَهُوَ الْجُزْئِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ وَكَانَ الِاشْتِرَاكُ وَاقِعًا فِيهِ بِالْفِعْلِ وَعَلَى السَّوِيَّةِ، فَمُتَوَاطِئٌ وَإِلَّا فَمُشَكِّكٌ. فَالْمُتَوَاطِئَةُ: هِيَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمُتَغَايِرَةِ بِالْعَدَدِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ، كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ، وَدَلَالَةِ لَفْظِ الْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ، وَمِنْهُ دَلَالَةُ اللَّمْسِ عَلَى الْقُبْلَةِ، وَعَلَى الْجِمَاعِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهِ، وَدَلَالَةُ اللَّوْنِ عَلَى السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهِ. الثَّانِي: أَنْ يَتَكَثَّرَا فَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَبَايِنَةُ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَوْضُوعِ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَذَلِكَ إمَّا أَنْ تَتَبَايَنَ بِذَاتِهَا أَيْ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَجَرِ أَوْ تَتَبَايَنَ بِصِفَاتِهَا مَعَ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهَا بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا اسْمًا لِلذَّاتِ، وَبَعْضُهَا اسْمًا لَهَا، إذَا اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ وَيُسَمَّى الْمُزَايَلَةَ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا اسْمًا لِلصِّفَةِ وَبَعْضُهَا اسْمًا لِصِفَةِ الصِّفَةِ كَالنَّاطِقِ بِالْفِعْلِ وَالْفَصِيحِ وَسُمِّيَتْ مُتَبَايِنَةً مِنْ الْبَيْنِ الَّذِي هُوَ التَّبَاعُدُ، لِأَنَّ مُسَمَّى هَذَا غَيْرُ مُسَمَّى

стр. 692

ذَاكَ، أَوْ مِنْ الْبَيْنِ الَّذِي هُوَ الْفِرَاقُ، لِمُفَارَقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِ لَفْظًا وَمَعْنًى. الثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ وَيَتَّحِدَ الْمَعْنَى، فَهِيَ الْمُتَرَادِفَةُ كَالْإِنْسَانِ وَالْبَشَرِ. قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ النَّحْوِيُّ: وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَجْنَاسِ لَا الْأَعْلَامِ. انْتَهَى. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رِدْفِ الدَّابَّةِ، يُشْبِهُ اجْتِمَاعَ الرَّاكِبِينَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ بِاجْتِمَاعِ الرَّاكِبِينَ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ إنْ اتَّحَدَ مُسَمَّاهَا ظَهَرَ التَّرَادُفُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا تَرَادُفَ، وَقَدْ يَخْفَى وَجْهُ الِاخْتِلَافِ فَيَقَعُ الْغَلَطُ، وَمِمَّا اعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا النَّظَرِ فِي الِاشْتِقَاقِ اللَّفْظِيِّ، وَيُجْعَلُ التَّبَايُنُ وَاقِعًا فِيهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا سَيَأْتِي. الرَّابِعُ: عَكْسُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُضِعَ لِلْكُلِّ أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْمُشْتَرَكُ كَالْعَيْنِ لِمَدْلُولَاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُوضَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَلْ لِمَعْنًى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَنْتَقِلَ لِعَلَاقَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ لِعَلَاقَةٍ فَهُوَ الْمُرْتَجَلُ، قَالَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ، فَإِنَّ الْمُرْتَجَلَ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ بِوَضْعٍ، كَغَطَفَانَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ مُرْتَجَلٌ أَيْ لَمْ يُسْبَقْ بِفِكْرٍ مَأْخُوذٌ مِنْ الرِّجْلِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْبَقْ بِفِكْرِ مُتَأَمِّلِهِ كَالْوَاقِفِ عَلَى رِجْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّظَرِ، وَإِنْ نُقِلَ لِعَلَاقَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَقْوَى فِي الثَّانِي أَوْ لَا. وَالْأَوَّلُ: الْمَنْقُولُ، ثُمَّ إنْ كَانَ النَّاقِلُ الشَّرْعَ كَالصَّلَاةِ سُمِّيَ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ الْعُرْفِ الْعَامِّ فَالْعُرْفِيَّةِ، أَوْ الْخَاصِّ كَاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ سُمِّيَ

стр. 693

بِالِاصْطِلَاحِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى هَذَا نَقْلًا، لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تَبْقَى زَمَنَيْنِ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْبَقَاءَ لَا يَقْبَلُ التَّحْوِيلَ، وَلَكِنْ لَمَّا وُضِعَ لِشَيْءٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ حُوِّلَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ. وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَنْقُولِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُسَمَّى بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَوَّلِ حَقِيقَةً، وَالثَّانِيَ مَجَازًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَجَازُ ثَلَاثُهُ أَقْسَامٍ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ فَهُوَ الْمُرْتَجَلُ، وَإِنْ كَانَ فَإِنْ لَمْ يَحْسُنْ فِيهِ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ فَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ، وَإِنْ حَسُنَ ذَلِكَ فَهُوَ مَجَازُ التَّشْبِيهِ، وَفَائِدَةُ الْمُرْتَجَلِ التَّوَسُّعُ فِي الْكَلَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ الْأُوَلَ الْمُتَّحِدَةَ الْمَعْنَى نُصُوصٌ، لِأَنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا فَرْدًا مُعَيَّنًا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، وَقَوْلُنَا: الْمُتَّحِدَةَ الْمَعْنَى يُخْرِجُ الْعَيْنَ وَالْقُرْءَ، فَإِنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنُصُوصٍ لِأَجْلِ الِاشْتِرَاكِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ دَلَالَتَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعَانِي عَلَى السَّوَاءِ أَيْ: مُتَسَاوِيَانِ فِي الْفَهْمِ، فَلَيْسَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا مَعًا مُشْتَرَكًا وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مُجْمَلًا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى بَعْضِهَا أَرْجَحَ فَالطَّرَفُ الرَّاجِحُ ظَاهِرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الظُّهُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا نَصًّا لِمُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالْمَرْجُوحُ مُؤَوَّلٌ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الظُّهُورِ عِنْدَ مُسَاعَدَةِ الدَّلِيلِ، فَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ

стр. 694

الْإِجْزَاءِ رَاجِحٌ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ فِي نَفْيِ الْكَمَالِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ مِنْ الرُّجْحَانِ يُسَمَّى الْمُحْكَمَ لِإِحْكَامِ عِبَارَتِهِ وَإِثْبَاتِهِ، فَالْمُحْكَمُ جِنْسٌ لِنَوْعَيْ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ، وَمُقَابِلُهُمَا الْمُجْمَلُ وَالْمُؤَوَّلُ، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَمِ الرُّجْحَانِ يُسَمَّى الْمُتَشَابِهَ، فَهُوَ جِنْسٌ لِنَوْعَيْ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤَوَّلِ. وَأَصْلُ هَذَا الِاصْطِلَاحِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] . `

стр. 695

[تَقْسِيمُ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ] وَهُوَ إمَّا تَامٌّ أَوْ غَيْرُ تَامٍّ، فَأَمَّا التَّامُّ فَهُوَ الَّذِي يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، وَيُسَمَّى كَلَامًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَجُمْلَةٌ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ أَعَمُّ مِنْ الْكَلَامِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْكَلَامِ الْإِفَادَةُ بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: جُمْلَةُ الشَّرْطِ جُمْلَةُ الْجَوَابِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُفِيدٍ، فَلَيْسَ كَلَامًا. وَقَالَ: ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: شَرَطَ قَوْمٌ مِنْ النُّحَاةِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلسَّامِعِ فَائِدَةً غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَهُ. وَالصَّوَابُ: حُصُولُ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ بِمُجَرَّدِ الْإِسْنَادِ الَّذِي يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّةُ كُلُّهَا لَيْسَتْ كَلَامًا، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِوُجُوبِ انْتِهَاءِ جَمِيعِ الدَّلَائِلِ إلَيْهَا وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمُهْمَلَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامٌ، وَخَطَّأَهُ. قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي أَقْسَامِ الْكَلَامِ. وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ " أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَى فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْمُهْمَلَ كَلَامٌ أَوْ لَا؟ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُسَمَّى كَلَامًا مَجَازًا، وَلَا يَتَأَلَّفُ الْكَلَامُ إلَّا مِنْ اسْمَيْنِ، أَوْ اسْمٍ وَفِعْلٍ، إمَّا مَلْفُوظٌ بِهِ كَقَامَ زَيْدٌ أَوْ مُقَدَّرٌ كَ " يَا زَيْدُ "، فَإِنَّ حَرْفَ النِّدَاءِ فِي تَقْدِيرِ الْفِعْلِ، وَهُوَ أَدْعُو زَيْدًا. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاحْتَمَلَ التَّكْذِيبَ وَالتَّصْدِيقَ، وَسَنَذْكُرُ جَوَابُهُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ تَرْكِيبَ الْحُرُوفِ مَعَ مَا هُوَ فِي تَقْدِيرِ الِاسْمِ نَحْوَ، أَمَا

стр. 696

أَنَّك ذَاهِبٌ بِفَتْحِ " أَنَّ "، وَزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ يَا زَيْدُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ " أَنَّ " وَإِنْ كَانَ فِي تَقْدِيرِ مُفْرَدٍ، فَإِنَّ فِي الْكَلَامِ مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إلَيْهِ، وَجَوَّزَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ائْتِلَافَهُ مِنْ فِعْلٍ وَحَرْفٍ نَحْوَ قَدْ قَامَ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُفِيدُ لِتَصَوُّرِ ضَمِيرٍ فِي الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ فِي " قَامَ "، فَيَكُونُ الْمَعْنَى قَدْ قَامَ فُلَانٌ. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَاطِقٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ اصْطَلَحَ اثْنَانِ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا أَوْ مُبْتَدَأً، وَالْآخَرُ فَاعِلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ خَبَرُ ذَلِكَ الْمُبْتَدَأِ، فَلَيْسَ بِكَلَامٍ، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي الْكَلَامِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ هَلْ يُغَيِّرُ صِفَتَهُ؟ وَرَدَّ ابْنُ مَالِكٍ ذَلِكَ، وَقَالَ: الْمَجْمُوعُ كَلَامٌ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حَدِّهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّاطِقِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْكَاتِبِ فِي كَوْنِ الْخَطِّ خَطًّا ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ هَلْ يُحَدُّ؟ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ إنَّمَا يُبَيَّنُ بِالتَّفْصِيلِ، لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ، وَلَا عِبَارَةَ تُحِيطُ بِذَلِكَ إلَّا بِتَطْوِيلٍ يُصَانُ الْحَدُّ عَنْهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ، وَلِلْقَاضِي فِيهِ قَوْلَانِ، وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ كَالْعَلَمِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: مَا أُوجِبَ لِمَحَلِّ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَوْلُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَاتُ، وَزُيِّفَ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُوَ الْقَوْلُ فَكَيْفَ يُحَدُّ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ؟ وَقَوْلُهُ: الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ مَجَازٌ، فَإِنَّ الْقَائِمَ مِنْ صِفَاتِ الْعُقَلَاءِ، ثُمَّ إنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بِهَا الْأَلْفَاظُ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ قَرِينَةٍ.

стр. 697

الثَّانِي: اخْتَلَفُوا وَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي اللِّسَانِيِّ أَوْ النَّفْسَانِيِّ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ تَقَدَّمَتْ مَحْكِيَّةً عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا مُبْطِلٌ، فَلَوْ نَظَرَ الْمُصَلِّي فِي مَكْتُوبٍ غَيْرِ قُرْآنٍ وَرَدَّدَ مَا فِيهِ فِي نَفْسِهِ لَمْ تَبْطُلْ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ إنْ طَالَ، حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ. الثَّانِي: إذَا حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَتَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَاطِبَ أَحَدًا أَوْ صَلَّى وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ هَلْ يَحْنَثُ؟ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: لَا يَحْنَثُ وَيُحْمَلُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ حَقِيقَةً. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّعْ أَئِمَّتُنَا عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَلَا اعْتَبَرُوهُ بِمُجَرَّدِهِ فِي إثْبَاتِ الْعُقُودِ وَلَا فِي فَسْخِهَا، وَلَمْ يُوقِعُوا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ صَمَّمَ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» وَوَجْهُ اخْتِلَافِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا لَوْ حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالطَّلَاقِ، وَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ السَّمِيعُ بِنَفْسِهِ، أَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ نُطْقٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتُوا لَهُ حُكْمَ الْكَلَامِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَمْ يَجْعَلُوهُ قِرَاءَةً إذَا لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ وَلِأَنَّ الْعُقُودَ الْمُفْتَقِرَةَ إلَى الْإِشْهَادِ تَفْتَقِرُ إلَى سَمَاعِ الشَّاهِدِ وَطَرِيقِ الصَّوْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 698

[أَقْسَامُ الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى] وَيَنْقَسِمُ الْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ طَلَبًا بِالْوَضْعِ أَوْ، لَا، وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ الطَّلَبُ لِذِكْرِ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ فَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ كَقَوْلِك مَا هَذَا؟ وَمَنْ هَذَا؟ وَإِنْ كَانَ لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَإِنْ كَانَ مَعَ الِاسْتِعْلَاءِ فَأَمْرٌ، أَوْ مَعَ التَّسَاوِي فَالْتِمَاسٌ، أَوْ مَعَ التَّسَفُّلِ فَدُعَاءٌ. وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الْخَبَرُ وَالثَّانِي التَّنْبِيهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ، وَيُسَمَّى الْخَبَرُ قَضِيَّةً، لِأَنَّك قَضَيْت فِيهَا بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ مِنْ جُزْئَيْهَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَالْآخَرُ مَحْكُومًا بِهِ، وَالْمَنْطِقِيُّونَ يُسَمُّونَ الْأَوَّلَ مَوْضُوعًا وَالثَّانِيَ مَحْمُولًا. ثُمَّ الْقَضِيَّةُ إمَّا كُلِّيَّةً أَوْ جُزْئِيَّةً أَوْ صَالِحَةً لَهُمَا، وَتُسَمَّى الْمُهْمَلَةُ، وَصِدْقُهَا عَلَى الْجُزْئِيِّ ضَرُورِيٌّ، فَأَمَّا صِدْقُهَا عَلَى الْكُلِّيِّ فَمَنَعَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ. وَأَمَّا لُغَةُ الْعَرَبِ فَتَقْتَضِي الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِغْرَاقِ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْأُصُولِيُّونَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ النِّدَاءِ مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَزَعَمَ ابْنُ بَابْشَاذَ النَّحْوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْقَذْفِ: يَا فَاسِقُ يَا زَانِي مِمَّا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَغَلَّطُوهُ بِأَنَّ التَّكْذِيبَ لَا يَرِدُ عَلَى النِّدَاءِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِدَاءِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِيقَةِ التَّذْكِيرِ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَةُ نَفْسُهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ النِّدَاءِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَرْهَانٍ: فِي " الْغُرَّةِ " إذَا نَادَيْت وَصْفًا فَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ، وَإِذَا نَادَيْت اسْمًا فَالْجُمْلَةُ لَيْسَتْ بِخَبَرِيَّةٍ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ وَجَبَ الْحَدُّ. نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي نَاصِبِ الْمُنَادَى، فَقِيلَ: فِعْلٌ مُضْمَرٌ أَيْ أَدْعُو زَيْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ النِّدَاءِ إلَى بَابِ الْإِخْبَارِ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَقِيلَ: الْحَرْفُ، وَهُوَ " يَا "

стр. 699

لِأَنَّهُ صَارَ بَدَلًا مِنْ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا أُمِيلَتْ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: " يَا " اسْمُ فِعْلٍ فَنَصَبَتْ كَنَصْبِهِ، لِأَنَّ " يَا " اسْمٌ لِقَوْلِك أُنَادِي كَمَا أَنَّ " أُفٍّ " اسْمٌ لِقَوْلِك: أَتَضَجَّرُ، وَرُدَّ بِأَنَّ " أُنَادِي " خَبَرٌ وَلَيْسَ " يَا " بِخَبَرٍ، وَمِنْ شَرْطِ اسْمِ الْفِعْلِ أَنْ يُوَافِقَهُ فِي قَبُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَعَدَمِهِ. وَقَدْ خَطَّأَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ مَنْ فَسَّرَ قَوْلَنَا: يَا زَيْدُ بِأُنَادِي مِنْ وُجُوهٍ، حَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ " يَا زَيْدُ " إنْشَاءٌ، وَقَوْلُنَا أُنَادِي خَبَرٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَلَحَ قَوْلُنَا: " يَا زَيْدُ " أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِعَمْرٍو كَمَا صَلَحَ قَوْلُنَا: أُنَادِي زَيْدًا لِذَلِكَ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ " أُنَادِي " الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى " يَا زَيْدُ " خَبَرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ إنْشَاءٌ، نَعَمْ: الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ أُنَادِي زَيْدًا لَيْسَ هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَأَجَابَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمُرْسِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ يُنْقَلُ مِنْ الْخَبَرِيَّةِ إلَى الْإِنْشَائِيَّةِ كَأَلْفَاظِ الْعُقُودِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا اسْتِحْدَاثُ الْأَحْكَامِ بِأَنَّهَا بَعْدَ نَقْلِهَا إلَى الْإِنْشَاءِ لَمْ تَبْقَ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَكَذَلِكَ هَذَا وَكُلُّ هَذَا غَفْلَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَحْذُوفِ فِي الْمُنَادَى، وَسِيبَوَيْهِ لَمْ يُقَدِّرْ " يَا زَيْدُ " بِأُنَادِي زَيْدًا، بَلْ قَدَّرَهُ " يَا أُنَادِي زَيْدًا " كَأَنَّ " يَا " أَوَّلًا تَنْبِيهٌ غَيْرُ خَاصٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ، فَبَيَّنَ الْمُنَبَّهُ بَعْدَ هَذَا التَّنْبِيهِ غَيْرِ الْخَاصِّ

стр. 700

أَنَّهُ خَاصٌّ، فَتَقْدِيرُ الْفِعْلِ فِي النِّدَاءِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَلَا يُغَيِّرُهُ مِنْ بَابِ الْإِنْشَاءِ إلَى الْخَبَرِ، كَمَا قَالُوا: بَلْ هُوَ كَتَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ فِي قَوْلِك: " زَيْدٌ عِنْدَك " الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ إذَا قَدَّرْت فَقُلْت: زَيْدٌ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَك. فِي أَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَلَا يُغَيِّرُهُ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَصَيَّدْتهَا مِنْ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ النَّحْوِيِّ أَبِي عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينِيُّ ﵁.

стр. 701

[خَاتِمَةٌ فِي أَمْرَيْنِ يَتَعَيَّنُ الِاهْتِمَامُ بِهِمَا] مَبْحَثٌ الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرِهِ] أَحَدُهُمَا: الْكَلَامُ فِي أَنَّ الِاسْمَ هَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُهُ؟ وَقَدْ كَثُرَ خَبْطُ النَّاسِ فِيهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْخِلَافَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَاحْتَرَقَ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَلَزِمَ كَذَا وَكَذَا، وَكُلُّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ فَهْمِ الْمَسْأَلَةِ. فَنَقُولُ: إذَا سَمَّيْت شَيْئًا بِاسْمٍ، فَالنَّظَرُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: ذَلِكَ الِاسْمُ وَهُوَ اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ، وَمَعْنَاهُ بَعْدَهَا، وَهُوَ الذَّاتُ الَّتِي أُطْلِقَ عَلَيْهَا اللَّفْظُ، وَالذَّاتُ وَاللَّفْظُ مُتَغَايِرَانِ قَطْعًا، وَالنُّحَاةُ إنَّمَا يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالذَّاتُ هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ الِاسْمُ قَطْعًا. وَالْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ الثَّالِثِ، وَهُوَ مَعْنَى اللَّفْظِ قَبْلَ التَّلْقِيبِ، فَعَلَى قَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّمِينَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَيْهِ وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ الثَّالِثُ أَوْ لَا فَالْخِلَافُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ فِي الِاسْمِ الْمَعْنَوِيِّ هَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَمْ لَا؟ لَا فِي الِاسْمِ اللَّفْظِيِّ، وَأَمَّا النُّحَاةُ فَلَا يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَالْمُتَكَلِّمُ لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا الْإِطْلَاقَ، لِأَنَّهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَدْلُولِ عَلَى الدَّالِّ، وَيُرِيدُ شَيْئًا دَعَاهُ عِلْمُ الْكَلَامِ إلَى تَحْقِيقِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَإِطْلَاقُهُمَا عَلَى الْبَارِي تَعَالَى. مِثَالُهُ: إذَا قُلْت: عَبْدُ اللَّهِ أَنْفُ النَّاقَةِ، فَالنُّحَاةُ يُرِيدُونَ بِاللَّقَبِ لَفْظَ: أَنْفِ النَّاقَةِ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُرِيدُونَ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ

стр. 702

وَقَوْلُ النُّحَاةِ: إنَّ اللَّقَبَ - وَيَعْنُونَ بِهِ اللَّفْظَ يُشْعِرُ بِضِعَةٍ أَوْ رِفْعَةٍ - لَا يُنَافِيهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلضِّعَةِ أَوْ الرِّفْعَةِ، وَذَاتُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي اللَّقَبَ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ، فَهَذَا تَنْقِيحُ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ خَاصٌّ بِأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَقَّةِ لَا فِي كُلِّ اسْمٍ، وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى مِنْ حَيْثُ الْمَدْلُولُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ، فَإِنَّ الدَّلَالَةَ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ وَتَتَعَدَّدُ، وَالْمَدْلُولُ يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَدَّلُ. وَقَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ النَّحَّاسِ: قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ عَمْرُونٍ: هَذَا الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا حَاجَةَ لِي إلَى الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَقُولُ: بَدَلُ الِاسْمِ الْعِبَارَةُ، وَبَدَلُ الْمُسَمَّى الْمُعَبَّرُ عَنْهُ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الصَّحِيحُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَاتٍ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: ضَرَبْت زَيْدًا أَوْ أَكْرَمْت، زَيْدًا لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِزَيْدٍ لَيْسَ هَذِهِ الْحُرُوفَ بَلْ الْمُسَمَّى، وَإِذَا قُلْنَا: كَتَبْت زَيْدًا، أَوْ مَحَوْت زَيْدًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إلَّا هَذِهِ الْحُرُوفَ لَا الْمُسَمَّى، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخِلَافَ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ عِبَارَاتٍ. الثَّانِي: أَنَّ إثْبَاتَ الْفِعْلِ هَلْ يَسْتَدْعِي إثْبَاتَ مُطَاوِعِهِ أَمْ لَا؟ مِثَالُهُ:

стр. 703

إذَا قُلْت أَخْرَجْته، فَهَلْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ حُصُولَ الْخُرُوجِ أَوْ لَا يَسْتَدْعِيهِ؟ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ تَقُولَ: أَخْرَجْته فَمَا خَرَجَ وَعَلَّمْته فَمَا تَعَلَّمَ، وَبِهَذَا صَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ اللُّغَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَيُنْسَبُ إلَى النِّهَايَةِ " لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ حِكَايَةٌ فِيهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَوَارِدَ مُخْتَلِفَةٌ وَالِاسْتِعْمَالَانِ وَاقِعَانِ فِي الْعُرْفِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوَارِدِ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْبَاجِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَسْتَدْعِي مُطَاوِعَهُ وَيَقُولُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ عَلَّمْته فَمَا تَعَلَّمَ لَمَا صَحَّ عَلَّمْته فَتَعَلَّمَ. يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَوْ كَانَ عِلَّةً لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَعَ مَعْلُولِهَا لَا تَعْقِيبَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمَعْلُولَ يَتَأَخَّرُ لَمْ يَكُنْ فَائِدَةٌ فِي قَوْلِنَا: فَتَعَلَّمَ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ فُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا: عَلَّمْته، وَهَذَا كَلَامٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ سَابِقَةٍ لِلْمَعْلُولِ زَمَنًا فَهِيَ سَابِقَةٌ بِالذَّاتِ إجْمَاعًا، وَذَلِكَ كَافٍ فِي تَعْقِيبِ مَعْلُولِهَا، فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ يُقَالُ: كَسَرْته فَمَا انْكَسَرَ؟ فَمَا وَجْهُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَعَ ذَلِكَ عَلَّمْته فَمَا تَعَلَّمَ. قُلْت: فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْعِلْمَ فِي الْقَلْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَانَ عَلَّمْته مَوْضُوعًا لِلْجُزْءِ الَّذِي مِنْ الْعِلْمِ فَقَطْ لِعَدَمِ إمْكَانِ فِعْلٍ مِنْ الْمَخْلُوقِ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِخِلَافِ الْكَسْرِ، فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْكِسَارِ. وَرَجَّحَ بَعْضُ أَذْكِيَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْفِعْلَ يَسْتَدْعِي حُصُولَ مُطَاوِعِهِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] فَأَخْبَرَ عَنْ كُلِّ مَنْ هَدَاهُ بِأَنَّهُ اهْتَدَى، وَاهْتَدَى مُطَاوِعُ هَدَى، وَأَنَّهُ حَيْثُ وَجَدْنَاهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مَجَازٌ، لَكِنْ يَشْهَدُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ دُونَ

стр. 704

مُطَاوِعِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ حُصُولَ التَّخْوِيفِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْكُفَّارِ خَوْفٌ أَعْنِي الْخَوْفَ النَّافِعَ الَّذِي يَصْرِفُهُمْ إلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُطَاوِعُ لِلتَّخْوِيفِ الْمُرَادِ فِي الْآيَةِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْهُدَى هُنَا بِمَعْنَى الدَّعْوَةِ لَا بِمَعْنَى الرَّشَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] .

стр. 705

[مَبَاحِثُ الِاشْتِقَاقِ] ِ هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ الشَّقِّ بِمَعْنَى الِاقْتِطَاعِ مِنْ انْشَقَّتْ الْعَصَا إذَا تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا، فَإِنَّ مَعْنَى الْمَادَّةِ الْوَاحِدَةِ تَتَوَزَّعُ عَلَى أَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ مِنْهَا، أَوْ مِنْ شَقَقْت الثَّوْبَ وَالْخَشَبَةَ، فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مُنَاسِبًا لِصَاحِبِهِ فِي الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَهُوَ يَقَعُ بِاعْتِبَارِ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَرَى لَفْظَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْمَعْنَى، وَتُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ تَرَى لَفْظًا قَضَتْ الْقَوَاعِدُ بِأَنَّ مِثْلَهُ أَصْلٌ، وَتُرِيدُ أَنْ تَبْنِيَ مِنْهُ لَفْظًا آخَرَ، وَالْأُولَى تَقَعُ بِاعْتِبَارٍ عَامٍّ غَالِبًا، وَالثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارٍ خَاصٍّ، إمَّا بِحَسَبِ الْإِحَالَةِ عَلَى الْأُولَى أَوْ بِحَسَبِ مَا يَخُصُّهَا، فَمِنْ الْأُولَى الْكَلَامُ فِي الْمَصْدَرِ وَالْفِعْلُ أَيُّهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرُ فَرْعٌ؟ وَمِنْ الثَّانِيَةِ الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَاءِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنْ لَهُ الطَّلَاقُ مَثَلًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُشْتَقَّةَ تُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ بِذَاتِ الشَّيْءِ وَصِفَتِهِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ السَّمْنَانِيِّ فِي ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ هَانِئٍ: وَإِنْ اسْمُ حُسْنَى لِوَجْهِهَا صِفَةٌ ... وَلَا أَرَى ذَا لِغَيْرِهَا اجْتَمَعَا فَهِيَ إذَا سُمِّيَتْ فَقَدْ وُصِفَتْ ... فَيَجْمَعُ اللَّفْظُ مَعْنَيَيْنِ مَعَا وَقَالَ الْأَئِمَّةُ: الِاشْتِقَاقُ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَدَقِّهَا وَعَلَيْهِ مَدَارُ عِلْمِ
следующие страницы →