← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 841–849 · переход к 846.

стр. 841

أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الزُّقَاقِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُقَابِلْ بَابَ جَارِهِ وَلَا قَرُبَ مِنْهُ، بِحَيْثُ يَقْطَعُ بِهِ مِرْفَقًا عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ لَهُ تَحْوِيلَ بَابِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إذْ سَدَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. تَنْبِيهٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ، وَإِذَا سُدَّ بَابٌ لِلضَّرَرِ فَلَا يَكُونُ سَدُّهُ تَغْلِيقَهُ وَتَسْمِيرَهُ، وَلَكِنْ يُقْلَعُ الْبَابُ وَعَضَائِدُهُ وَعَتَبَتُهُ وَتُغَيَّرُ آثَارُهُ، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَسَدَّهُ بِالطُّوبِ وَبِقَلْبِ الْعَضَائِدِ وَالْعَتَبَةِ، كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِقُرْطُبَةَ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ إذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ يَكُونُ لَهُ شَاهِدًا وَحُجَّةً، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا سَدَدْته لِأَفْتَحَهُ إذَا شِئْت، فَلِذَلِكَ أَلْزَمُوهُ بِتَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ. [فَصْلٌ وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَضَعَ فِي دَارِهِ الْمُكْتَرَاةِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالدَّوَابِّ] ِّ وَالْحَيَوَانِ، وَالْحَدَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ضَرَرًا بِالدَّارِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ مُؤَلِّفُ الِاسْتِغْنَاءِ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يُنَصِّبَ دَارِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِحِيطَانِ جَارِهِ، وَأَمَّا أَنْ يُمْنَعَ مِنْ وَقْعِ ضَرْبٍ أَوْ دَوِيِّ رَحًى أَوْ كَمَدٍّ لِأَجْلِ صَوْتِهِ، فَلَا وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ قَالَ فِي الطُّرَرِ: لِأَنَّ الصَّوْتَ لَا يَخْرِقُ الْأَسْمَاعَ وَلَا يَضُرُّ بِالْأَحْشَاءِ، فَإِنْ أَضَرَّ بِالْجُدْرَانِ مُنِعَ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ رَائِحَةِ الدِّبَاغِ أَوْ يَفْتَحُ بِقُرْبِ جَارِهِ مِرْحَاضًا وَلَا يُغَطِّيهِ أَوْ مَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ، لِأَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنَتَّنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْأَمْعَاءِ فَتُؤْذِي الْإِنْسَانَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» وَكُلُّ رَائِحَةٍ تُؤْذِي يُمْنَعُ مِنْهَا لِهَذَا قَالَ وَبِهِ الْعَمَلُ. مَسْأَلَةٌ: وَقَضَى بَعْضُ شُيُوخِ الْفُتْيَا بِمَنْعِ الْكَمَّادِينَ إذَا اسْتَضَرَّ بِهِمْ الْجِيرَانُ وَقَلِقُوا مِنْ ذَلِكَ، لِاجْتِمَاعِ وَقْعِ ضَرْبِهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 842

فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ عَدَمُ مَنْعِ الْأَصْوَاتِ مِثْلُ الْحَدَّادِ وَالْكَمَّادِ وَالنَّدَّافِ، قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: تَتَنَازَعُ الشُّيُوخُ بِبَلَدِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الرَّجُلِ يَجْعَلُ فِي دَارِهِ، أَوْ فِي شِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ دَوِيٌّ وَصَوْتٌ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْجَارُ مِثْلَ الْحَدَّادِ وَشِبْهِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إذَا عَمِلَ فِيهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُمْنَعُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ شُيُوخُنَا أَنْ يُمْنَعَ بِالْعَمَلِ بِاللَّيْلِ إذَا أَضَرَّ بِجَارِهِ وَلَا يُمْنَعُ بِالنَّهَارِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا اجْتَمَعَ ضَرَرَانِ قَطَعَ الْحَدِيثَ لَا ضَرَرَ الْقَدِيمِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مُكْتَرَاةً فَبَنَى رَجُلٌ غَرْفَةً عَلَيْهَا وَفَتَحَ عَلَيْهَا كُوًى، فَقَالَ رَبُّهَا الْمُكْرِي: خَاصِمْ عَنِّي وَاقْطَعْ الضَّرَرَ عَنِّي، وَقَالَ الْمُكْتَرِي لِرَبِّهَا: بَلْ عَلَيْك الْخُصُومَةُ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ كَانَ لِلْمُكْتَرِي فَسْخُ الْكِرَاءِ إنْ أَحَبَّ، كَمَا لَوْ انْهَدَمَ مَا يَضُرُّ وَأَبَى رَبُّهَا مِنْ بِنَائِهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَحْدَثَ رَجُلٌ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِالضَّرَرِ فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ، وَبَاعَ الدَّارَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي يَخْتَارُ الضَّرَرَ، وَأَرَادَ الْمُبْتَاعُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ فَهُوَ رِضًا مِنْهُ، وَلَا كَلَامَ لَهُ وَلَا لِمَنْ ابْتَاعَ مِنْهُ. وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: قَالُوا: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ بَاعَ بَعْدَ أَنْ خَاصَمَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُتِمَّ لَهُ الْحُكْمَ حَتَّى بَاعَ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُومَ وَيَحِلَّ مَحِلَّهُ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِهِ وَأَعْذَرَ وَتَعَيَّنَ لِلتَّسْجِيلِ وَالْإِشْهَادِ، وَلَوْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَدَافِعِ وَالْحِجَجِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ: فِي مَعِينِ الْحُكَّامِ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مَا يَدُلُّ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامَ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ. وَفِي مَسَائِلِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرٍ وَسَحْنُونٍ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْمُبْتَاعِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ إنْ كَانَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُعْ الْبَائِعُ عَلَى الضَّرَرِ حَتَّى بَاعَ وَرَدَّ بِالْعَيْبِ عَلَيْهِ وَجَبَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ رِضًا لِتَرْكِ الْقِيَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا وَأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ لِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُومَ بِهِ. .

стр. 843

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا مِنْ الْبَائِعِ وَلَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ الْقِيَامُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِيهِ بِالضَّرَرِ فَقَامَ جَارُهُ عَلَيْهِ بِقُرْبِ الْفَرَاغِ مِنْ الْبُنْيَانِ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ذَلِكَ أَنَّ سُكُوتَهُ حَتَّى كَمُلَ الْبُنْيَانُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِقَطْعِ الضَّرَرِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَإِنْ قَامَ رَجُلٌ عَلَى جَارِهِ فِي شَيْءٍ يُرِيدُ إحْدَاثَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ ضَرَرٌ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إلَى إحْدَاثِهِ يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى جَارِهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ، فَلَيْسَ يَمْنَعُ جَارَهُ مِنْ عَمَلِ مَا يُرِيدُ، فَإِذَا تَمَّ عَمَلَهُ وَثَبَتَ الضَّرَرُ هُدِمَ عَلَيْهِ أَوْ أُخِذَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي خَرِبَةٍ لِرَجُلٍ بَيْنَ دُورٍ فِيهَا الزِّبْلُ وَلَا يَدْرِي مَنْ يُلْقِيهِ، فَقَامَ جَارُهُ بِضَرَرِ الزِّبْلِ بِحَائِطِهِ عَلَى رَبِّ الْخَرِبَةِ وَأَمَرَهُ بِتَنْقِيَتِهَا، فَقَالَ لَهُ: هُوَ مِنْ جِيرَانِي وَأَنَا أَشْتَكِي ذَلِكَ، وَثَبَتَ الْإِضْرَارُ بِالْجَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْبُرْ صَاحِبَهَا عَلَى تَنْقِيَتِهَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ يَقَعُ جِدَارُ الرَّجُلِ فَيَسُدُّ عَلَى جَارِهِ مَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ، يَعْنِي فَيُؤْمَرُ بِتَنْقِيَةِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ ابْنِهِ فِي الزِّبْلِ فِي فِنَاءِ قَوْمٍ أَوْ فِي خَرِبَتِهِمْ، أَنَّ عَلَى جِيرَانِ الْمَوْضِعِ مَكْنَسَهُ وَيُؤْخَذُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ عَلَى الِاجْتِهَادِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهُمْ يُلْقُونَ فِيهَا. [فَصْلٌ إنْ أَحَبَّ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ تَسْقِيفَ مَا بَيْنَ حَوَانِيتِهِمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ] ْ، فَمَنْ أَحَبَّ فَلَهُ ذَلِكَ، وَمَنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصِّنَاعَاتِ وَمَنْ أَحَبَّ فَتْحَ كُوَّةٍ فِيهِ أَوْ نَزْعَ سَقْفِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ وَنَزَلَتْ فَقَضَى فِيهَا بِذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: الْقَائِمُ بِالضَّرَرِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي كُلِّ ضَرَرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ. تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ جَرَى مَاءٌ عَلَى دَارِهِ فَقَطَعَهُ عَنْهُ، اُحْتِيجَ فِي ذَلِكَ إلَى قَبُولِ الْمَقْطُوعِ عَنْهُ ذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ احْتِسَابًا إلَيْهِ كَالْهِبَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْقَبُولِ.

стр. 844

مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا كَانَ جِدَارُ الرَّجُلِ مُلَاصِقَ الطَّرِيقِ فَيُرِيدُ صَاحِبُهُ أَنْ يُجَدِّدَهُ بِالطِّينِ أَوْ بِالْجِيرِ، وَأَخَذَ مِنْ الطَّرِيقِ نَحْوَ الْأُصْبُعِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ الطُّرَرِ. [فَصْلٌ مَنْ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْ مَحَاجِّ الْمُسْلِمِينَ] فَصْلٌ: وَمَنْ اقْتَطَعَ شَيْئًا مِنْ مَحَاجِّ الْمُسْلِمِينَ فَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ اقْتِطَاعُهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَقَصْدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ وَلَا يَضِيقُ بِالْمَارِّينَ، فَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْبَغَ: أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً فِيهِ إذَا أَضَرَّ اقْتِطَاعُهُ بِالنَّاسِ وَأَتَى ذَلِكَ بِمَعْرِفَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَضُرَّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً. [فَصْلٌ إكْرَاءُ الْفِنَاءِ] فَصْلٌ: وَلِابْنِ رَاشِدٍ فِي شَرْحِهِ مَجَامِعَ الْعُتْبِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ إكْرَاءُ الْفِنَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ حَسْبَمَا كَانَ لَهُ فِيهِ. [فَصْلٌ أَرَادَ أَنْ يُطِرَّ دَاخِلَ دَارِهِ أَيْ بِطِينِهِ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ فِيهَا فَمَنَعَهُ] فَصْلٌ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطِرَّ دَاخِلَ دَارِهِ أَيْ بِطِينِهِ، وَلِجَارِهِ حَائِطٌ فِيهَا فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةً وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى جَارِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . فَرْعٌ: فَإِنْ أَرَادَ طُرَّ حَائِطِهِ مِنْ جِهَةِ جَارِهِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ يَحْتَاجُ إلَى الطُّرِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُطِرَّهُ وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُهُ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الطُّرَّ يَقَعُ فِي هَوَاءِ جَارِهِ إلَّا أَنْ يَنْحِتَ مِنْ طُرِّهِ مَا يُوقِعُ عِوَضَهُ مِنْ الطُّرِّ الْجَدِيدِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ الطُّرُّ بِغَيْرِ حَاجَةٍ حَتَّى يَغْلُظَ الطُّرُّ فَيُنْقِصُ غِلَظُهُ مِنْ ضَوْءِ صَحْنِ دَارِ جَارِهِ. فَرْعٌ: وَأَمَّا إنْ طَرَّهُ لِيَأْكُلَ فِيهِ أَوْ لِأَجْلِ الْمَطَرِ عَلَى جِهَةِ التَّحْصِينِ فَلَيْسَ لِجَارِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ ذَهَبَ جَارُهُ إلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ لِطُرِّهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْبِنَاءَ وَالْأُجَرَاءَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ صِفْ لَهُمْ مَا تُرِيدُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَا تَتَوَلَّى ذَلِكَ، وَقَدْ يَكْرَهُ جَارُك دُخُولَك فِي دَارِهِ فَإِنْ مَنَعَهُ جَارُهُ مِنْ إدْخَالِ الطُّرِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبَابِ، أُمِرَ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِفَتْحِ مَوْضِعٍ فِي حَائِطِهِ يُدْخِلُ مِنْهُ الطِّينَ وَالطُّوبَ وَالصَّخْرَ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحَائِطُ، فَيَعْجِنُ فِي دَارِهِ وَيُدْخِلُهُ إلَى دَارِ جَارِهِ، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَلَ أَغْلَقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَحِصَّتَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّقَ شَيْئًا فِي دَارِهِ عَلَى دَاخِلِ حَائِطِ جَارِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِجَارِهِ فِي جِدَارِهِ.

стр. 845

مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ وَتَدًا فِي جِدَارِ جَارِهِ، وَلَا أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مَا يَضُرُّهُ كَالزِّبْلِ وَالتِّبْنِ وَالْحَطَبِ، أَوْ بَنَاهُ إذَا نَزَلَ الْمَاءُ فَضَرَبَ فِي ذَلِكَ الْبِنَاءِ طَارَ إلَى جِدَارِهِ، وَلَا لَهُ أَنْ يَحْقِنَ مَاءً بِقُرْبِ جِدَارِهِ خَوْفًا أَنْ يَصِلَ نَدَاهُ إلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَهُ حَائِطٌ فِي دَارِ رَجُلٍ فَلَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِافْتِقَادِهِ وَالنَّظَرُ فِيهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهِ، كَمَنْ لَهُ شَجَرٌ فِي دَارِ رَجُلٍ أَوْ أَرْضُهُ فَيُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَرَادَ مَنْعَهُ، كَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصْلِحَ سُقُوفَ دَارِهِ أَوْ يَبْنِيَ فِيهَا شَيْئًا. [فَصْلٌ مَنْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُصَفًّى فِي أَنْدَرِهِ] فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُصَفًّى فِي أَنْدَرِهِ، لَمْ يُمْنَعْ مَنْ فَرَّقَهُ الذَّرَّ وَعَلَيْهِ بَدَأَ قَبْلَهُ أَوْ لَمْ يَبْدَأْ، وَقِيلَ لَهُ: غَطِّ طَعَامَك، وَقِيلَ لَهُ: مَنَعَهُ وَيُؤْمَرُ مَنْ صَفَّى بِقَطْعِ طَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يَصُفَّ أَحَدُهُمْ وَذَرُّوا كُلُّهُمْ وَاخْتَلَطَ تِبْنُهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: أَفْرِعُوا عَلَى الدُّورِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى قَلْعِ أَنْدَرِهِ، وَيُقَالُ لِمَنْ ذَرَّى عَلَى صَاحِبِهِ: أَتْلَفْت تِبْنَك لَا شَيْءَ لَك، وَجُبِرَ الَّذِي صَفَّى طَعَامَهُ عَلَى الْقَلْعِ قَالَ: وَإِنْ صَفَّى أَحَدُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا إخْرَاجَ الْحَصَّالَةِ، مُنِعَ مِنْ الذَّرْوِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَمْ يُصَفِّ شَيْئًا. [فَصْلٌ الْقَنَاةُ إذَا كَانَتْ لِجَمَاعَةٍ فَانْسَدَّتْ] فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقَنَاةُ إذَا كَانَتْ لِجَمَاعَةٍ فَانْسَدَّتْ، قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ جَرَتْ تَحْت أَرْبَعِ دُورٍ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَكْنُسُ مَا فِي دَارِهِ، ثُمَّ يَكْنُسُ مَعَ الثَّانِي ثُمَّ يَكْنُسُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ مَعَ الثَّالِثَ، ثُمَّ يَكْنُسُ جَمِيعَهُمْ مَعَ الرَّابِعِ، لِأَنَّ مِيَاهَهُمْ، كُلُّهُمْ تَجْرِي عَلَيْهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مِيَاهُ الدُّورِ كُلِّهَا تَجْرِي فِي الدُّورِ الْقَنَاةِ فَإِنْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ تَجْرِي فِي دُورِ هَؤُلَاءِ فَإِصْلَاحُهُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِي الْقَنَاةِ تَجْرِي فِيهَا أَثْقَالُهُمْ حَتَّى تَجْرِيَ إلَى أُمٍّ تَجْرِي إلَى الْخَنْدَقِ، فَانْسَدَّتْ قَنَاةُ أَحَدِهِمْ فَكُنِسَ فَلَمْ يَجْرِ مَاؤُهُ فِي قَنَاةِ جَارِهِ، فَقَالَ لِجَارِهِ: اُكْنُسْ قَنَاتَك حَتَّى يَخْرُجَ مَائِي فَأَبَى، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ يَلِيه فَإِنَّهُ يُجْبَرُ مَنْ أَبَى عَلَى كَنْسِ قَنَاتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيْهَا مَاءُ جَارِهِ، يَلْزَمُهُمْ هَكَذَا حَتَّى يَخْرُجَ مَاؤُهُمْ

стр. 846

إلَى الْأَمَامِ، وَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَجْرِي فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ فَقَطْ فَالْكَنْسُ عَلَى عَدَدِ الدُّورِ، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي فِيهَا الْغَائِطُ وَالْأَبْوَالُ فَالْكَنْسُ عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى عَدَدِ الْجَمَاعَةِ. [فَصْلٌ فِي الشَّجَرِ يَكُونُ لِرَجُلٍ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَيُرِيدُ صَاحِبُ الْأَرْضِ التَّحْظِيرَ عَلَى أَرْضِهِ] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: كَتَبْت إلَى أَصْبَغَ فِي الشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الشَّجَرَاتِ تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَيُرِيدُ صَاحِبُ الْأَرْضِ التَّحْظِيرَ عَلَى أَرْضِهِ، أَوْ يَبْنِي أَرْضَهُ تِلْكَ دَارًا، أَوْ يُعَلِّقُ شَجَرَةَ الرَّجُلِ أَوْ شَجَرَاتِهِ وَيَقُولُ: أَنَا أَشْهَدُ لَهُ بِحَقِّهِ، وَأَفْتَحُ لَهُ إذَا احْتَاجَ إلَى الدُّخُولِ لِيَجْنِيَ ثَمَرَهَا أَوْ لِإِصْلَاحِهَا، وَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ أَوْ الشَّجَرَاتِ، وَالشَّجَرَاتُ مُجْتَمَعَةٌ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ غَيْرَ مُتَفَرِّقَةٍ وَلَا مُمْتَدَّةٍ فَلَهُ مَنْعُ صَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ التَّحْظِيرِ عَلَيْهَا مَعَ سَائِرِ أَرْضِهِ. وَقِيلَ لَهُ: حَظِّرْ عَلَى أَرْضِك إنْ شِئْت وَأَخْرِجْ شَجَرَةَ هَذَا نَاحِيَةً مِنْ تَحْظِيرِك، وَذَلِكَ إذَا كَانَ لِصَاحِبِهَا طَرِيقٌ إلَيْهَا، عَلَى حَالٍ مِمَّا كَانَ مِنْ طَرِيقِهِ الْأَوَّلِ فِي قُرْبِ ذَلِكَ أَوْ بُعْدِهِ أَوْ سُهُولَتِهِ أَوْ مَشَقَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ الشَّجَرَاتُ مُتَوَسِّطَةَ الْأَرْضِ، أَوْ مُمْتَدَّةً بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ التَّحْظِيرَ عَلَى مَا دُونَهَا إلَّا بِفَسَادِ أَرْضِهِ، كَانَتْ الشَّجَرَةُ قَلِيلَةً غَيْرَ شَاغِلَةِ الْأَرْضِ كُلِّهَا وَالْأَرْضُ وَاسِعَةٌ، كَانَ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ هُوَ الْمُضَارُّ، وَقِيلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ: حَظِّرْ عَلَى أَرْضِك، وَافْتَحْ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ لَأَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ عَلَى أَقْرَبِ الطَّرِيقِ وَأَسْهَلِهِ إلَى شَجَرَةٍ، وَيَكُونُ عَلَّقَهُ بِيَدِهِ إنْ طَلَبَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ مَدْخَلُهُ مِنْ مَدْخَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَيَحْتَفِظُ صَاحِبُ الْأَرْضِ هَذَا عَلَيْهِ إنْ أَحَبَّ التَّحْظِيرَ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ كَبِيرَةً قَدْ عَمَّتْ الْأَرْضُ بِتَبَدُّدِهَا وَانْتِشَارِهَا فِيهَا، لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يُحَظِّرَ عَلَيْهَا وَكَانَ هُوَ الْمُضَارَّ، لِأَنَّ الضَّرَرَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى الشَّرِيكَيْنِ فِي الشَّيْءِ فَحَيْثُ كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَهُوَ الْمُضَارُّ بِهِ، وَالْمَرَاحُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْقِصَّةِ وَحَيْثُ كَانَ الْأَقَلَّ فَهُوَ الْمُضَارُّ الْمَمْنُوعُ مَا يُرِيدُ وَيَطْلُبُ. [فَصْلٌ فِي الطَّرِيقِ يَشُقُّ أَرْضَ رَجُلٍ فَيُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ] َ مِنْ أَرْضِهِ، هُوَ أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يُحَوِّلَ طَرِيقًا مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَا هُوَ دُونَهَا وَلَا إلَى مَا هُوَ فَوْقَهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الطَّرِيقِ الْأُولَى فِي السُّهُولَةِ، أَوْ أَسْهَلَ مِنْهُ

стр. 847

وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ، لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَى أَوْ وَرِثَ أَوْ وَهَبَ لَهُ إذَا كَانَتْ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إذْنُ بَعْضِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَأْذَنُونَ لَهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَرَى أَنَّ أَمْرَ ذَلِكَ الطَّرِيقِ إلَى الْإِمَامِ فَيَكْشِفُ عَنْ حَالِهَا، فَإِنْ رَأَى تَحْوِيلَهَا مِنْ حَالِهَا مَنْفَعَةً لِلْعَامَّةِ، وَلِمَنْ جَاوَرَهَا حَوْلَهَا فِي مِثْلِ سُهُولَتِهَا أَوْ أَسْهَلَ، وَفِي مِثْلِ قُرْبِهَا أَوْ أَقْرَبَ، فَلْيَأْذَنْ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَضَرَّةً بِأَحَدٍ مِمَّنْ جَاوَرَهَا، أَوْ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ حَوَّلَ الطَّرِيقَ دُونَ نَظَرِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ رَدَّهُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ النَّاظِرُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بِمَكَانِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ فِي النَّهْرِ يَكُونُ لَاصِقًا بِالطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقُ لَاصِقٌ بِأَرْضِ رَجُلٍ، فَيَحْفِرُ النَّهْرَ الْمُلَاصِقَةَ بِهِ كُلَّهَا وَيَدْخُلُ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ، فَيُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَمْشُوا فِي أَرْضِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُنْظِرُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ أَوْ يَحْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إنْ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ، وَلَسْنَا نَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَحِلَّ الْمُرُورَ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، وَنَرَى لِمَنْ سَلَكَ فِيهِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَحَلُّلُهُ إيَّاهُ قَبْلَ الْمُرُورِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَحَلُّلِهِ بَعْدَ الْمُرُورِ. [فَصْلٌ فِي الْقَضَاءِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ] ِ وَالذَّرِيعَةِ الْوَسِيلَةِ إلَى الشَّيْءِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ، فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إلَى الْمَفْسَدَةِ مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَالْقَوْلُ بِسَدِّهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، فَمَتَى خَافَ الْمُسْلِمُ إذَا سَبَّ دِينَ الْكُفْرِ يُؤَدِّي إلَى سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ الْإِسْلَامِ أَوْ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ وَلَا صُلْبَانَهُمْ، وَلَا مَا يَتَعَرَّضُ إلَى مَا يَدْعُو إلَى ذَلِكَ،

стр. 848

قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَبْوَابُ الذَّرَائِعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» ، وَقَوْلُهُ ﵊: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَانَ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» . مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: الذَّرِيعَةُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مُعْتَبَرٌ إجْمَاعًا كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْقَاءِ السِّلْمِ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَئِذٍ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مُلْغًى إجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعَلْسِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْخَمْرِ وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدَّارِ خَشْيَةَ الزِّنَا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، اعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَلِكَ وَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ، فَكَمَا يَجِبُ سَدُّ الذَّرَائِعِ يَجِبُ فَتْحُهَا كَمَا مَثَّلْنَا. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْبَيْعُ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ الْمُوجِبُ لِسَعْيِ الْمُتَبَايِعِينَ أَوْ أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ وَالْإِجَارَةِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ لِأَنَّهَا مُشْغِلَةٌ وَاخْتُلِفَ فِي الْفَسْخِ أَيْضًا وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْفَسْخَ فِي الْإِقَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إذَا خَافَ مِنْ الْمُتَبَايِعِينَ الْوُقُوعَ فِي الْمُحَرَّمِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْهُ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ السَّفَرُ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ خَشْيَةَ تَمَلُّكِهِ وَوُقُوعِهِ بِأَيْدِيهِمْ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ إلَى بِلَادِهِمْ.

стр. 849

فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ آلَةِ الْحَرْبِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالسُّرُوجِ وَالتُّرُوسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّقَى بِهِ لِلْحَرْبِيِّينَ، لِمَا يُتَّقَى مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَا يَشْتَرِي مِنْ الْحَرْبِيِّينَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِنَجَاسَتِهِمْ كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ أَوْ عَهْدٍ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ زَوَاجُ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِمَا يُخْشَى عَلَى الذُّرِّيَّةِ مِنْ التَّنَصُّرِ، وَمِنْ ذَلِكَ عُقُودُ الْغَرَرِ لِأَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا وَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، وَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَالْإِبِلِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي يَصْعُبُ انْقِيَادُهَا وَلَا يُعْلَمُ هَلْ تَسْلَمُ فِي أَخْذِهَا وَتَسْلِيمُهَا لِلْمُشْتَرَى مِنْهُ، وَمِنْهُ الْعَقْدُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ كَالْحُرِّ وَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ وَالدَّمِ غَيْرِ ذَلِكَ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ عُقُودُ الرِّبَا وَعُقُودُ الْعَيِّنَةِ وَسَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَمَا أَشْبَهَهُ، وَكُلُّ هَذِهِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَنْعُ مِنْهُ ابْتِدَاءً إذَا عَلِمَ بِهِ، وَفَسَخَهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَعَ تَأْدِيبِ مَنْ اعْتَادَ تَعَاطِيَ هَذِهِ الْعُقُودِ. تَنْبِيهٌ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَقَدْ تَكُون وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذَا أَفَضْت إلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، كَالتَّوَسُّلِ إلَى فِدَاءِ الْأَسْرَى بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْعَدُوِّ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ، لِكَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ دَفْعُ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ مَجَّانًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِهِ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى يُخَلِّصَ هُوَ صَاحِبَ الْمَالِ وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِيهِ الْإِشَارَةَ. وَالْحَمْدُ اللَّه وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.