← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21596

الجوهرة النيرة على مختصر القدوري

أبو بكر الحداد

Полный текст (689 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بِالشُّفْعَةِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَةِ الْخَمْرِ لِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِ الْخَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا أَخَذَهَا بِقِيمَةِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ) وَإِنْ كَانَ شَفِيعُهَا مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا أَخَذَ الْمُسْلِمُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالذِّمِّيُّ نِصْفَهَا بِمِثْلِ نِصْفِ الْخَمْرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا شُفْعَةَ فِي الْهِبَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ مَشْرُوطٍ) بِأَنْ يَقُولَ وَهَبْت لَك هَذِهِ الدَّارَ عَلَى كَذَا مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ - هُوَ مَالٌ -، وَتَقَابَضَا بِالْإِذْنِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً فَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا، أَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، ثُمَّ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ وَقْتَ الْقَبْضِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فَتَسْلِيمُهُ بَاطِلٌ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى، وَإِنْ وُهِبَ لَهُ عَقَارٌ عَلَى شَرْطِ الْعِوَضِ، ثُمَّ عَوَّضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَلَا فِيمَا عَوَّضَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ، وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) مَعَ يَمِينِهِ وَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ بِالثَّمَنِ الَّذِي قَالَهُ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ هَذَا إذَا لَمْ يُقِمْ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً فَإِنْ أَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً قُضِيَ بِهَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ عِنْدَهُمَا) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا. (قَوْلُهُ: وَإِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَادَّعَى الْبَائِعٌ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ) سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَكَانَ ذَلِكَ حَطًّا عَنْ الْمُشْتَرِي. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَبَضَ الثَّمَنَ أَخَذَهَا بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْفَى الثَّمَنَ انْتَهَى حُكْمُ الْعَقْدِ وَصَارَ هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا حَطَّ الْبَائِعٌ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْ الشَّفِيعِ) وَكَذَا إذَا حَطَّ بَعْدَ مَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ يَحُطُّ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ وَكَذَا إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَطِّ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَطَّ عَنْهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الشَّفِيعِ) وَهَذَا إذَا حَطَّ الْكُلَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَ بِكَلِمَاتٍ يَأْخُذُهُ بِالْأَخِيرَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ لَمْ تَلْزَمْ الزِّيَادَةُ الشَّفِيعَ) حَتَّى إنَّهُ يَأْخُذُهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِي حَالِ الْعَقْدِ وَالزِّيَادَةُ إنَّمَا هِيَ بِتَرَاضِيهِمَا وَتَرَاضِيهِمَا لَا يَجُوزُ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْغَيْرِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الشُّفَعَاءُ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الْأَمْلَاكِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَى مَقَادِيرِ الْأَنْصِبَاءِ وَصُورَتُهُ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ جَمِيعَ نَصِيبِهِ وَطَلَبَ الشَّرِيكَانِ الشُّفْعَةَ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَثْلَاثًا ثُلُثَاهَا لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَثُلُثُهَا لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَلَوْ حَضَرَ

стр. 282

وَاحِدٌ مِنْ الشُّفَعَاءِ أَوَّلًا وَأَثْبَتَ شُفْعَتَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي لَهُ بِجَمِيعِهَا، ثُمَّ إذَا حَضَرَ شَفِيعٌ آخَرُ وَأَثْبَتَ الشُّفْعَةَ قَضَى لَهُ بِنِصْفِ الدَّارِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا وَهُوَ شَفِيعُهَا، ثُمَّ جَاءَ شَفِيعٌ مِثْلُهُ قَضَى لَهُ بِنِصْفِهَا، وَإِنْ جَاءَ شَفِيعٌ أَوْلَى مِنْهُ قَضَى لَهُ بِجَمِيعِهَا، وَإِنْ جَاءَ شَفِيعٌ دُونَهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ قَالَ فِي شَرْحِهِ إذَا كَانَ لِلدَّارِ شُفَعَاءُ فَحَضَرَ بَعْضُهُمْ وَغَابَ بَعْضُهُمْ فَطَلَبَ الْحَاضِرُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يَجُوزُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَطْلُبَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَاضِرِ بِالشَّكِّ فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ وَطَلَبَ حَقَّهُ شَارَكَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ قَالَ فِي غَيْبَةِ الْغَائِبِ: أَنَا آخُذُ النِّصْفَ، أَوْ الثُّلُثَ وَهُوَ مِقْدَارُ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَأْخُذُ الْجَمِيعَ - إنْ شَاءَ -، أَوْ يَدَعُ. وَفِي الْيَنَابِيعِ إذَا طَلَبَ الْحَاضِرُ نِصْفَ الدَّارِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ سَوَاءٌ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ فَإِنْ قَالَ الْحَاضِرُ: لَمَّا جَاءَ الْغَائِبُ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ تَدَعَ فَقَالَ الْغَائِبُ لَا آخُذُ إلَّا النِّصْفَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ فَإِنْ جَعَلَ بَعْضُ الشُّفَعَاءِ حَقَّهُ لِبَعْضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ حَقُّ الْجَاعِلِ وَيُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ مَنْ بَقِيَ فَإِذَا كَانَ لِلدَّارِ شَفِيعَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِعَرَضٍ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ أَخَذَهَا بِمِثْلِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَ عَقَارًا بِعَقَارٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ) هَذَا إذَا كَانَ شَفِيعًا لَهُمَا جَمِيعًا أَمَّا إذَا كَانَ شَفِيعًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا بَلَغَ الشَّفِيعَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ شُفْعَتَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ، أَوْ بِحِنْطَةٍ، أَوْ بِشَعِيرٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ، أَوْ أَكْثَرُ فَتَسْلِيمُهُ بَاطِلٌ وَلَهُ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّ فِي التَّبْلِيغِ غُرُورًا، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَا دُونَ الْأَلْفِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَلْفِ وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْأَلْفِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ، أَوْ أَكْثَرُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) يَعْنِي إذَا سَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا أَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ فَلَهُ الشُّفْعَةُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَهُ الشُّفْعَةُ ثَمَّ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا قِيلَ لَهُ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ فُلَانٌ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُهُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَصْلُحُ لَهُ مُجَاوَرَةُ زَيْدٍ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ مُجَاوَرَةُ عَمْرٍو فَإِذَا سَلَّمَ لِمَنْ يَرْضَى بِجِوَارِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ إنَّ الْمُشْتَرِيَ زَيْدٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو صَحَّ تَسْلِيمُهُ لِزَيْدٍ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ عَمْرٍو؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَ الدَّارِ فَسَلَّمَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ كُلُّهَا فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا بِيعَتْ كُلُّهَا فَسَلَّمَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي بِيعَ نِصْفُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ فِي جَمِيعِهَا كَانَ مُسَلِّمًا فِي جُزْءِ كُلٍّ مِنْهَا فَيَصِحُّ تَسْلِيمُهُ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ ثَمَنُ النِّصْفِ مِثْلَ ثَمَنِ الْكُلِّ بِأَنْ أُخْبِرَ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى النِّصْفَ بِالْأَلْفِ أَمَّا إذَا أُخْبِرَ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِأَلْفٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى النِّصْفَ بِخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ الْخَصْمُ فِي الشُّفْعَةِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ وَيُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ وَتَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ) لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ فَيَكُونُ الْخَصْمُ هُوَ الْمُوَكِّلَ وَلَوْ قَالَ لِلشَّفِيعِ أَجْنَبِيٌّ: سَلِّمْ الشُّفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي فَقَالَ سَلَّمْتُهَا لَك، أَوْ وَهَبْتهَا، أَوْ أَعْرَضْت عَنْهَا كَانَ تَسْلِيمًا فِي الِاسْتِحْسَانِ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا خَاطَبَهُ لِزَيْدٍ فَقَالَ سَلَّمْتهَا لَك فَكَأَنَّهُ قَالَ سَلَّمْتهَا لَهُ مِنْ أَجْلِك، وَإِنْ قَالَ: الشَّفِيعُ لَمَّا خَاطَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ قَدْ سَلَّمْت لَك شُفْعَةَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ وَهَبْت لَك شُفْعَتَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا بَاعَ دَارِهِ إلَّا مِقْدَارَ ذِرَاعٍ فِي طُولِ الْحَدِّ الَّذِي يَلِي الشَّفِيعَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) لِانْقِطَاعِ الْجِوَارِ؛ لِأَنَّ الْجِوَارَ إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ

стр. 283

بِالذِّرَاعِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِذَا اسْتَثْنَاهُ حَصَلَ الْبَيْعُ فِيمَا لَا جِوَارَ لَهُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَكَذَا إذَا وُهِبَ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَ سَهْمًا مِنْهَا بِثَمَنٍ، ثُمَّ بَاعَ بَقِيَّتَهَا فَالشُّفْعَةُ لِلْجَارِ فِي السَّهْمِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي) وَهُوَ أَيْضًا حِيلَةٌ أُخْرَى، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ جَارٌ فِيهِ، وَالْجَارَ يَسْتَحِقُّ بِبَيْعِ بَعْضِ الدَّارِ كَمَا يَسْتَحِقُّ بِبَيْعِ جَمِيعِهَا وَصُورَتُهَا رَجُلٌ لَهُ دَارٌ تُسَاوِي أَلْفًا فَأَرَادَ بَيْعَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ فَإِنَّهُ يَبِيعُ الْعُشْرَ مِنْهَا مُشَاعًا بِتِسْعِمِائَةٍ، ثُمَّ يَبِيعُ تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا بِمِائَةٍ فَالشُّفْعَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي عُشْرِهَا خَاصَّةً بِثَمَنِهِ وَلَا تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي التِّسْعَةِ الْأَعْشَارِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ اشْتَرَى تِسْعَةَ أَعْشَارِهَا صَارَ شَرِيكًا فِيهَا بِالْعُشْرِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ ابْتَاعَ بِثَمَنٍ، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا فَالشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ دُونَ الثَّوْبِ) ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْعِوَضِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالثَّوْبُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ بِعَقْدٍ ثَانٍ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنْ إيجَابِ حَقٍّ عَلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ. (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ، وَفِي إبَاحَةِ الْحِيلَةِ تَبْقِيَةُ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْحِيلَةُ بَعْدَ الْبَيْعِ تَكُونُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُفَ وَكَرِهَهَا مُحَمَّدٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الْحَجِّ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا تَرَكَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا لِكَيْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ السَّجْدَةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي، أَوْ غَرَسَ ثُمَّ قَضَى لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا، وَإِنْ شَاءَ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقَالُ لِلشَّفِيعِ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْأَرْضَ، وَالْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ قَائِمًا، أَوْ تَدَعَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُحِقٌّ فِي الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ فَلَا يُكَلَّفُ قَلْعَهُ وَلَنَا أَنَّهُ بَنَى فِي مَحَلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُتَأَكِّدٌ لِلْغَيْرِ عَنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ وَلَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فَبَنَاهَا مَسْجِدًا فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَأْمُرَ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فِيهَا مَعْنًى لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ سَابِقٌ لِحَقِّ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَبَتَ بِرَغْبَةِ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ وَأَنْكَرَ فُلَانٌ الشِّرَاءَ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمُشْتَرِي. (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فَبَنَى فِيهَا، أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ) أَمَّا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ فَلِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ رَجَعَ بِثَمَنِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَجِبُ لِأَجْلِ الْغُرُورِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْمُشْتَرِي غُرُورٌ وَكَذَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ الْبَائِعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُوجَبْ لَهُ الْمِلْكُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي أَخَذَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى دَارًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَالْغَرْسِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْبَيْعِ، وَتَسْلِيمُهَا إلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا وَيُسَلِّمَ إلَيْهِ النِّقْضَ، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ النِّقْضَ

стр. 284

رَجَعَ بِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ، أَوْ احْتَرَقَ بِنَاؤُهَا، أَوْ جَفَّ شَجَرُ الْبُسْتَانِ بِغَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ، وَالْغَرْسَ تَابِعٌ حَتَّى دَخَلَا فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا لَمْ يَصِيرَا مَقْصُودَيْنِ وَلِهَذَا يَبِيعُهُمَا مُرَابَحَةً بِكُلِّ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَخُذْ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا، وَإِنْ شِئْت فَدَعْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّقْضَ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِيهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النِّقْضَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَفْصُولًا مَنْقُولًا فَلَمْ يَبْقَ تَبَعًا وَكَذَا إذَا هَدَمَ الْبِنَاءَ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ سُلِّمَ لِلْمُشْتَرِي فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ وَكَذَا إذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ سَقَطَتْ عَنْهُ وَهُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَكَذَا لَوْ نَزَعَ الْمُشْتَرِي بَابَ الدَّارِ وَبَاعَهُ تَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا، وَفِي نَخْلِهَا ثَمَرٌ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِثَمَرِهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا ذَكَرَ الثَّمَرَ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ وَكَذَا إذَا ابْتَاعَهَا وَلَيْسَ فِي النَّخْلِ ثَمَرٌ فَأَثْمَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ تَبَعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَرَى إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ جَدَّهُ الْمُشْتَرِي سَقَطَ عَنْ الشَّفِيعِ حِصَّتُهُ) هَذَا جَوَابُ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ مَقْصُودًا فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ أَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا سِوَى الثَّمَرِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَكُونُ مَبِيعًا إلَّا تَبَعًا فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. . (قَوْلُهُ: وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِي فَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْعَيْبِ فَكَذَا الشَّفِيعُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّ الشَّفِيعِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا ابْتَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، ثُمَّ يَأْخُذَهَا) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي الْحَالِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ثُمَّ إذَا أَخَذَهَا بِثَمَنٍ حَالٍّ مِنْ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي كَانَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَى أَجَلِهِ كَمَا كَانَ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ مُرَادُهُ الصَّبْرُ عَنْ الْأَخْذِ أَمَّا الطَّلَبُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ عَنْهُ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا قَسَمَ الشُّرَكَاءُ الْعَقَارَ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِمْ بِالْقِسْمَةِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ تَمْيِيزُ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا) (اشْتَرَى دَارًا فَسَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ، أَوْ شَرْطٍ، أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ) فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ (فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ أَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ رَدَّهَا بِغَيْرِ

стр. 285

قَضَاءِ قَاضٍ، أَوْ تَقَايَلَا فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ فِي حَقِّهِمَا بَيْعٌ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِوُجُودِ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ بِالتَّرَاضِي وَقَوْلُهُ: أَوْ تَقَايَلَا قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ سَوَاءٌ تَقَايَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى الْبَائِعِ عَلَى حُكْمِ مِلْكٍ مُبْتَدَأٍ أَلَا تَرَى أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِقَبُولِهِ وَرِضَاهُ فَصَارَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ مِنْهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا اشْتَرَى دَارًا فَسَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، ثُمَّ رَدَّهَا الْمُشْتَرِي بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ، أَوْ شَرْطٍ، أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَبْضِ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، أَوْ تَقَايَلَا فَلِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ وَمُرَادُهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ [كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [الشَّرِكَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ شَرِكَةِ أَمْلَاكٍ وَشَرِكَةِ عُقُودٍ] (كِتَابُ الشَّرِكَةِ) الشَّرِكَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْخُلْطَةُ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ بَيْنَ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِي الْأَصْلِ وَالرِّبْحِ قَالَ ﵀ (الشَّرِكَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: شَرِكَةِ أَمْلَاكٍ وَشَرِكَةِ عُقُودٍ؛ فَشَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ: الْعَيْنُ يَرِثُهَا الرَّجُلَانِ، أَوْ يَشْتَرِيَانِهَا) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ الْمِلْكِ وَكَذَا مَا وُهِبَ لَهُمَا، أَوْ أُوصِيَ لَهُمَا بِهِ فَقَبِلَاهُ وَكَذَا إذَا اخْتَلَطَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَالِ صَاحِبِهِ خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ) لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ فِي مَالِ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنٍ أَوْ وِلَايَةٍ. (قَوْلُهُ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي) (شَرِكَةُ الْعُقُودِ) وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: شَارَكْتُك فِي كَذَا وَيَقُولَ الْآخَرُ: قَبِلْتُ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: مُفَاوَضَةٍ وَعِنَانٍ وَشَرِكَةِ الصَّنَائِعِ وَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ) وَفِي الْخُجَنْدِيِّ الشَّرِكَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: شَرِكَةٍ بِالْأَمْوَالِ وَشَرِكَةٍ بِالْأَعْمَالِ وَشَرِكَةٍ بِالْوُجُوهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: مُفَاوَضَةٍ وَعِنَانٍ. (قَوْلُهُ: فَأَمَّا شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ الرَّجُلَانِ وَيَتَسَاوَيَا فِي مَالِهِمَا وَتَصَرُّفِهِمَا وَدِينِهِمَا فَتَجُوزَ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الْعَاقِلَيْنِ وَلَا تَجُوزَ بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْمَمْلُوكِ وَلَا بَيْنَ الصَّبِيِّ، وَالْبَالِغِ وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ) لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا التَّسَاوِي فِي الْمَالِ الَّذِي يَصِحُّ عَقْدُ

стр. 286

الشَّرِكَةِ عَلَيْهِ كَالْأَثْمَانِ فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِ كَالْعُرُوضِ، وَالْعَقَارِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ فَالتَّفَاضُلُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا كَالتَّفَاضُلِ فِي الزَّوْجَاتِ، وَالْأَوْلَادِ وَكَذَا إذَا كَانَ مَالُ أَحَدِهِمَا يَفْضُلُ عَلَى مَالِ الْآخَرِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ آخَرَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْقَاضِي وَلَا تَصِحُّ الْمُفَاوَضَةُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ لَا يَقِفُونَ عَلَى شُرُوطِهَا فَإِذَا لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِهَا لَمْ تَصِحَّ لِعَدَمِ مَعْنَاهَا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَاقِدُ لَهَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا صَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تُعْتَبَرُ بِأَلْفَاظِهَا. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مَعَانِيهَا وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا فِي التَّصَرُّفِ حَتَّى لَا تَجُوزَ بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ أَعَمُّ تَصَرُّفًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَالْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُ، وَلِأَنَّ الْحُرَّ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَالْعَبْدَ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِإِذْنٍ فَلَمْ تُوجَدْ الْمُسَاوَاةُ وَكَذَا لَا تَجُوزُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ وَلَا بَيْنَ حُرٍّ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْكَفَالَةَ، وَكَفَالَةُ هَؤُلَاءِ لَا تَصِحُّ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ كَانَتْ عِنَانًا، وَأَمَّا تَسَاوِيهِمَا فِي الدَّيْنِ فَلَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ تَجُوزُ كَفَالَتُهُمَا وَوَكَالَتُهُمَا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَهْتَدِي إلَى الْجَائِزِ مِنْ الْعُقُودِ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُطْعِمَهُ الرِّبَا وَلَهُمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ لَا يَتَسَاوَيَانِ فِي التَّصَرُّفِ بِدَلِيلِ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَتَصَرَّفُ فِي الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ دُونَ الْمُسْلِمِ وَتَكُونُ عِنَانًا؛ لِأَنَّ الْعِنَانَ يَجُوزُ بَيْنَهُمَا إجْمَاعًا، وَإِنْ تَفَاوَضَ الذِّمِّيَّانِ جَازَتْ مُفَاوَضَتُهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي التَّصَرُّفِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا يَجُوزُ أَيْضًا وَلَا تَجُوزُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَا بَيْنَ الصَّبِيَّيْنِ وَلَا بَيْنَ الْمُكَاتَبَيْنِ لِانْعِدَامِ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ مِنْهُمْ. (قَوْلُهُ: وَتَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَالْكَفَالَةِ وَمَا يَشْتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ عَلَى الشَّرِكَةِ إلَّا طَعَامَ أَهْلِهِ وَكِسْوَتَهُمْ) وَكَذَا طَعَامُ نَفْسِهِ وَكِسْوَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَصَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمُفَاوَضَةِ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِثَمَنِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَطْلُبُ أَيَّهُمَا شَاءَ الْمُشْتَرِي بِالْأَصَالَةِ وَصَاحِبُهُ بِالْكَفَالَةِ وَلِلْكَفِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِحِصَّتِهِ مِمَّا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنًا عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَمَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الدُّيُونِ بَدَلًا عَمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فَالْآخَرُ ضَامِنٌ لَهُ) لِأَنَّهَا مُنْعَقِدَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ فَكَأَنَّهُ كَفَلَ عَنْهُ بِبَدَلِ ذَلِكَ فَيُطَالَبُ بِهِ، وَالْمُرَادُ بَدَلُ الشَّيْءِ الَّذِي يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ حَتَّى إذَا اشْتَرَى الْعَقَارَ بَطَلَتْ شَرِكَتُهُ وَاَلَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَالْإِجَارَةُ وَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ فِيهِ النِّكَاحُ، وَالْخُلْعُ وَالْجِنَايَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَعَلَى هَذَا إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ شَرِيكَهُ بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ وَكَذَا لَوْ جَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى آدَمِيٍّ فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ ثَوْبٍ لَزِمَ شَرِيكَهُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَذَلِكَ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَلْزَمُهُ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِلْوَطْءِ، أَوْ لِلْخِدْمَةِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مِمَّا يَصِحُّ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَاشْتَرَاهَا لِيَطَأَهَا فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالثَّمَنِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا وَيَصِيرُ كَأَنَّ شَرِيكَهُ وَهَبَ لَهُ ذَلِكَ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا وَرِثَ أَحَدُهُمَا مَا لَا تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ أَوْ وُهِبَ لَهُ هِبَةٌ فَوَصَلَ إلَى يَدِهِ بَطَلَتْ الْمُفَاوَضَةُ وَصَارَتْ الشَّرِكَةُ عِنَانًا) لِفَوَاتِ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا يَصْلُحُ رَأْسَ الْمَالِ؛ إذْ هِيَ شَرْطٌ فِيهِ ابْتِدَاءً، أَوْ بَقَاءً، وَأَمَّا إذَا وَرِثَ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ كَالْعَقَارِ، أَوْ الْعُرُوضِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ ذَلِكَ فَوَصَلَ إلَى يَدِهِ لَمْ تَبْطُلْ الْمُفَاوَضَةُ

стр. 287

لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ) أَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ فَلِأَنَّهَا أَثْمَانُ الْأَشْيَاءِ وَيُقَوَّمُ بِهَا الْمُسْتَهْلَكَاتُ وَلِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعُقُودِ فَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي مُشْتَرِيًا بِأَمْثَالِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَالْمُشْتَرِي ضَامِنٌ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِحُّ الرِّبْحُ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّهُ رِبْحُ مَا ضَمِنَهُ، وَأَمَّا الْفُلُوسُ النَّافِقَةُ فَإِنَّهَا تَرُوجُ رَوَاجَ الْأَثْمَانِ فَالْتَحَقَتْ بِهَا قَالُوا وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالنُّقُودِ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يَجُوزَ بَيْعُ اثْنَيْنِ مِنْهَا بِوَاحِدٍ بِأَعْيَانِهِمَا عَلَى مَا عُرِفَ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَالْمُضَارَبَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ ثَمَنِيَّتَهَا تَتَبَدَّلُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَيَصِيرُ سَاعَةً سِلْعَةً، وَلِأَنَّهَا لَا تُقَوَّمُ بِهَا الْمُسْتَهْلَكَاتُ وَلَا يُقَدَّرُ بِهَا أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ فَصَارَتْ كَالْعُرُوضِ وَلَا اعْتِبَارَ بِكَوْنِهَا نَافِقَةً؛ لِأَنَّهَا تَنْفُقُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الشَّرِكَةُ لَا يَصِحُّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْ عَرَضَك عَلَى أَنَّ ثَمَنَهُ بَيْنَنَا لَا يَصِحُّ، وَإِذَا لَمْ تَجُزْ الْوَكَالَةُ لَمْ تَنْعَقِدْ الشَّرِكَةُ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الشَّرِكَةُ يَصِحُّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اشْتَرِ بِأَلْفٍ مِنْ مَالِك عَلَى أَنَّ مَا تَشْتَرِيهِ بَيْنَنَا وَأَنَا أَشْتَرِي بِأَلْفٍ مِنْ مَالِي عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيْته بَيْنَنَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ أَوَّلَ التَّصَرُّفِ فِي الْعُرُوضِ الْبَيْعُ، وَفِي النُّقُودِ الشِّرَاءُ، وَبَيْعُ أَحَدِهِمَا مَالَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ شَرِيكًا فِي ثَمَنِهِ لَا يَجُوزُ وَشِرَاءُ أَحَدِهِمَا شَيْئًا بِمَالِهِ - عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ - جَائِزٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَعَامَلَ النَّاسُ بِالتِّبْرِ وَالنُّقْرَةِ فَتَصِحَّ الشَّرِكَةُ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّ التِّبْرَ وَالنُّقْرَةَ تُشْبِهُ الْعُرُوضَ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ وَتُشْبِهُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهَا صَرْفٌ فَأُعْطِيَتْ الشَّبَهَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا عَادَةُ النَّاسِ فِي التَّعَامُلِ فَإِذَا تَعَامَلُوا بِهَا أُلْحِقَتْ بِالدَّرَاهِمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَامَلُوا بِهَا أُلْحِقَتْ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ. [الشَّرِكَةَ بِالْعُرُوضِ] (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَرَادَ الشَّرِكَةَ بِالْعُرُوضِ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَالِهِ بِنِصْفِ مَالِ الْآخَرِ ثُمَّ عَقَدَا الشَّرِكَةَ) صَوَابُهُ: وَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا وَصُورَتُهُ: رَجُلَانِ لَهُمَا مَالٌ لَا يَصْلُحُ لِلشَّرِكَةِ كَالْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانِ وَنَحْوه وَأَرَادَا الشَّرِكَةَ فَالطَّرِيقُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ مَالِهِ مُشَاعًا بِنِصْفِ مَالِ الْآخَرِ مُشَاعًا أَيْضًا فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ صَارَ الْمَالُ شَرِكَةً بَيْنَهُمَا شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ، ثُمَّ يَعْقِدَانِ بَعْدَهُ عَقْدَ الشَّرِكَةِ لِيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ فَإِنْ قِيلَ لَا يُحْتَاجُ إلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ عَقَدَا؛ لِأَنَّ بِقَوْلِهِ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ بِالْخَلْطِ قُلْنَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالْبَيْعِ إنَّمَا حَصَلَ شَرِكَةُ مِلْكٍ وَبِقَوْلِهِ، ثُمَّ عَقَدَا ثَبَتَتْ شَرِكَةُ الْعَقْدِ. وَفِي الْهِدَايَةِ تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ قِيمَةُ مَتَاعِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يَبِيعُ صَاحِبُ الْأَقَلِّ بِقَدْرِ مَا ثَبَتَتْ بِهِ الشَّرِكَةُ بِأَنْ كَانَ قِيمَةُ عَرَضِ أَحَدِهِمَا أَرْبَعَمِائَةٍ وَقِيمَةُ عَرَضِ الْآخَرِ مِائَةً يَبِيعُ صَاحِبُ الْأَقَلِّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ عَرَضِهِ بِخُمُسِ عَرَضِ الْآخَرِ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْعَقْدِ بَعْدَ شَرِكَةِ الْمِلْكِ لِيَثْبُتَ تَوْكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِبَيْعِ نَصِيبِهِ. [شَرِكَةُ الْعِنَانِ] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا شَرِكَةُ الْعِنَانِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْوَكَالَةِ دُونَ الْكَفَالَةِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ وَكِيلًا لِصَاحِبِهِ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا وَلِذَلِكَ جَازَتْ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّوْكِيلِ

стр. 288

وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا مَأْذُونًا لَهُ، أَوْ كِلَاهُمَا كَذَلِكَ، أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ، أَوْ كِلَاهُمَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ تَجُوزُ شَرِكَةُ الْعِنَانِ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ التَّفَاضُلُ فِي الْمَالِ) لِأَنَّهَا لَا يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ. (قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْمَالِ وَيَتَفَاضَلَا فِي الرِّبْحِ) . وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ لَنَا أَنَّ الرِّبْحَ تَارَةً يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ وَتَارَةً بِالْعَمَلِ بِدَلَالَةِ الْمُضَارَبَةِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِمَا جَمِيعًا وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَحْذَقَ وَأَهْدَى، أَوْ أَكْثَرَ عَمَلًا فَلَا يَرْضَى بِالْمُسَاوَاةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَالَيْنِ وَلَمْ يَعْمَلْ الْآخَرُ لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ صَارَ كَأَنَّهُمَا عَمِلَا جَمِيعًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ مَالِهِ دُونَ بَعْضٍ) لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا. (قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَصِحُّ بِهِ) يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنَّقْدَيْنِ وَلَا تَصِحُّ بِالْعُرُوضِ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا وَمِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا دَنَانِيرُ، وَالْآخَرِ دَرَاهِمُ) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ، لَنَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ قَدْ أُجْرِيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ فَصَارَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا كَالْعَقْدِ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ تَزِيدُ عَلَى الدَّرَاهِمِ كَمَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةٌ لَمْ تَصِحَّ الْمُفَاوَضَةُ وَكَانَتْ عِنَانًا؛ لِأَنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ، وَالْعِنَانَ لَا يَقْتَضِيهَا. (قَوْلُهُ: وَمَا اشْتَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلشَّرِكَةِ طُولِبَ بِثَمَنِهِ دُونَ الْآخَرِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ دُونَ الْكَفَالَةِ، وَالْوَكِيلُ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْحُقُوقِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ) يَعْنِي إنْ أَدَّى مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَمَّا إذَا نَقَدَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لَا يَرْجِعُ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَدَّى مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَّا بِقَوْلِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي وُجُوبَ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا هَلَكَ مَالُ الشَّرِكَةِ، أَوْ أَحَدُ الْمَالَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَا شَيْئًا بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَعَيَّنَتْ بِهَذَيْنِ الْمَالَيْنِ فَإِذَا هَلَكَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ فِي الْهَالِكِ لِعَدَمِهِ وَبَطَلَتْ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنْ رِبْحِ مَالِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ وَهَلَكَ مَالُ الْآخَرِ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَالْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا) لِأَنَّ الْمِلْكَ حِينَ وَقَعَ وَقَعَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لِقِيَامِ الشَّرِكَةِ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ بِهَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ الشَّرِكَةُ شَرِكَةُ عَقْدٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَتَّى إنَّ أَيَّهُمَا بَاعَ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ تَمَّتْ فِي الْمُشْتَرَى فَلَا تَنْتَقِضُ بَعْدَ تَمَامِهَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ شَرِكَةُ مِلْكٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ إلَّا بِإِذْنِهِ. (قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ ثَمَنِهِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِوَكَالَتِهِ وَنَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطَا الْمَالَ) وَأَيُّهُمَا هَلَكَ قَبْلَ الْخَلْطِ بَعْدَ الشَّرِكَةِ هَلَكَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً مِنْ الرِّبْحِ) لِأَنَّ هَذَا يُخْرِجُهَا مِنْ عَقْدِ الشَّرِكَةِ وَيَجْعَلُهَا إجَارَةً، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُوجِبُ انْقِطَاعَ

стр. 289

الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ الْقَدْرُ الْمُسَمَّى لِلْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ أَنْ يُبْضِعَ الْمَالَ وَيَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً وَيُوَكِّلَ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيَدُهُ فِي الْمَالِ يَدُ أَمَانَةٍ) وَلَهُ أَنْ يُودِعَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ شَرِكَةَ عَنَانٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ مِثْلَهُ وَلَيْسَ لِشَرِيكِ الْعِنَانِ أَنْ يُكَاتِبَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ وَكَذَا يَجُوزُ بِمَا عَزَّ وَهَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، أَوْ بِنُقْصَانٍ لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ، وَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَأَجَّلَهُ الْآخَرُ لَمْ يَصِحَّ تَأْجِيلُهُ فِي النَّصِيبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ فِي نَصِيبِهِ، وَإِنْ أَجَّلَهُ الَّذِي وَلِيَ الْعَقْدَ جَازَ فِي النَّصِيبَيْنِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقْرِضَ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ تَبَرُّعٌ، وَإِذَا أَقَالَ أَحَدُهُمَا فِيمَا بَاعَهُ الْآخَرُ جَازَتْ الْإِقَالَةُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَالْإِقَالَةُ فِيهَا مَعْنَى الشِّرَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ. [شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ) وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ وَشَرِكَةَ الْأَعْمَالِ وَشَرِكَةَ التَّقَبُّلِ. (قَوْلُهُ: فَالْخَيَّاطَانِ وَالصَّبَّاغَانِ يَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَا الْأَعْمَالَ وَيَكُونَ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزَ ذَلِكَ) وَسَوَاءٌ اتَّفَقَتْ أَعْمَالُهُمْ، أَوْ اخْتَلَفَتْ فَالشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ كَالْخَيَّاطَيْنِ، وَالْإِسْكَافَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا خَيَّاطٌ، وَالْآخَرُ إسْكَافٌ، أَوْ صَبَّاغٌ. وَقَالَ زُفَرُ لَا تَصِحُّ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَعْمَالُ وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ مُفَاوَضَةً وَقَدْ تَكُونُ عِنَانًا أَمَّا الْمُفَاوَضَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ وَأَنْ يَشْتَرِطَا أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَأَنْ يَتَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، وَأَمَّا الْعِنَانُ فَيَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا فَإِذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ شَرِيكُهُ وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا سَوَاءً، وَعَلَى التَّفَاضُلِ فَإِنْ أَطْلَقَا الشَّرِكَةَ فَهِيَ عِنَانٌ فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ وَالشَّرِكَةُ عِنَانٌ، أَوْ مُفَاوَضَةٌ فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا فَإِنْ جَنَتْ يَدُ أَحَدِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا يَأْخُذُ صَاحِبُ الْعَمَلِ أَيَّهُمَا شَاءَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنَانًا، أَوْ مُفَاوَضَةً. (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُ وَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَ لَهُ وَلِنَفْسِهِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمَلِ وَيُطَالِبُ أَحَدُهُمَا بِالْأُجْرَةِ وَيَبْرَأُ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُفَاوَضَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ عِنَانًا فَإِنَّمَا يُطَالِبُ مَنْ بَاشَرَ السَّبَبَ دُونَ صَاحِبِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عِنَانًا، أَوْ مُفَاوَضَةً فَإِنْ شَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي الرِّبْحِ حَالَ مَا تَقَبَّلَا جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الرِّبْحَ بِالضَّمَانِ فَمَا حَصَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا مِنْ زِيَادَةِ عَمَلٍ فَهُوَ إعَانَةٌ لِصَاحِبِهِ. [شَرِكَةُ الْوُجُوهِ] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فَالرَّجُلَانِ يَشْتَرِكَانِ وَلَا مَالَ لَهُمَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِوُجُوهِهِمَا وَيَبِيعَا فَتَصِحَّ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ) وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ مُفَاوَضَةً وَعِنَانًا فَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ وَيَتَلَفَّظَا بِلَفْظِهَا وَيَكُونَ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا وَكَذَا ثَمَنُهُ، وَأَمَّا الْعِنَانُ فَيَتَفَاضَلَانِ فِي ثَمَنِ الْمُشْتَرَى وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الضَّمَانِ فَإِذَا أُطْلِقَتْ تَكُونُ عِنَانًا. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكِيلٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ فَإِنْ شَرَطَا أَنَّ الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَالرِّبْحُ كَذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ

стр. 290

يَتَفَاضَلَا فِيهِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَالرِّبْحُ كَذَلِكَ) لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةٌ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى الضَّمَانِ وَالضَّمَانُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ بِمِقْدَارِ مَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ شُرِطَ لَهُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَلَا عَمَلٍ فَلَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ بِالضَّمَانِ وَالضَّمَانُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ فِي الْمُشْتَرَى فَكَانَ الرِّبْحُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنْ فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي الِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ) ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الْوَكَالَةِ وَالتَّوْكِيلُ فِي أَخْذِ الْمُبَاحِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُهُ بِدُونِ أَمْرِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْهُ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ بِالْأَخْذِ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ. (قَوْلُهُ: وَمَا اصْطَادَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ احْتَطَبَهُ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْآخَرِ) هَذَا إذَا لَمْ يَخْلِطَاهُ أَمَّا إذَا خَلَطَاهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ عَلَى دَعْوَى الْآخَرِ إلَى تَمَامِ النِّصْفِ، وَإِنْ خَلَطَاهُ وَبَاعَاهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ قُسِمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْكَيْلِ الَّذِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا قُسِمَ عَلَى قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صُدِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ فَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَقْتَضِي التَّسَاوِيَ فَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا وَأَعَانَهُ الْآخَرُ بِأَنْ حَطَبَ أَحَدُهُمَا وَشَدَّهُ الْآخَرُ حُزَمًا أَوْ جَمَعَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ ثَمَنِ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَإِنْ أَعَانَهُ بِنَصْبِ الشِّبَاكِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا كَلْبٌ فَأَرْسَلَاهُ جَمِيعًا عَلَى صَيْدٍ كَانَ مَا أَصَابَ الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ إرْسَالَ غَيْرِ الْمَالِكِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ إرْسَالِ الْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبٌ فَأَرْسَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبَهُ فَأَصَابَا صَيْدًا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ أَصَابَ كَلْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَيْدًا عَلَى حِدَةٍ كَانَ لَهُ خَاصَّةً. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَكَا وَلِأَحَدِهِمَا بَغْلٌ وَلِلْآخَرِ رَاوِيَةٌ لِيَسْتَقِيَا عَلَيْهِمَا الْمَاءَ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ بَيْنَهُمَا لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، وَالْكَسْبُ كُلُّهُ لِلَّذِي اسْتَقَى وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الرَّاوِيَةِ إنْ كَانَ صَاحِبَ الْبَغْلِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ الرَّاوِيَةِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْبَغْلِ) أَمَّا فَسَادُ الشَّرِكَةِ فَلِانْعِقَادِهَا عَلَى إحْرَازِ الْمُبَاحِ وَهُوَ الْمَاءُ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْأُجْرَةِ فَلِأَنَّ الْمُبَاحَ إذَا صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْتَقِي فَقَدْ اسْتَوْفَى مِلْكَ الْغَيْرِ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْبَغْلِ وَالرَّاوِيَةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ. (قَوْلُهُ: وَكُلُّ شَرِكَةٍ فَاسِدَةٍ فَالرِّبْحُ فِيهَا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالِ وَيَبْطُلُ شَرْطُ التَّفَاضُلِ) لِأَنَّ الرِّبْحَ فِيهِ تَابِعٌ لِلْمَالِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ) لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَالْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ الْإِذْنَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ الشَّرِيكُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا بَعْدَ لَحَاقِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ لَمْ تَبْطُلْ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَمَا قَضَى بِلَحَاقِهِ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَضَى بِلَحَاقِهِ زَالَتْ أَمْلَاكُهُ فَانْفَسَخَتْ

стр. 291

الشَّرِكَةُ فَلَا تَعُودُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. . (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالٍ الْآخَرِ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ فَأَدَّاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالثَّانِي ضَامِنٌ عَلِمَ بِأَدَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَهَذَا إذَا أَدَّيَا عَلَى التَّعَاقُبِ أَمَّا إذَا أَدَّيَا مَعًا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ الْآخَرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَأْمُورُ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى الْفَقِيرِ بَعْدَمَا أَدَّى الْآمِرُ بِنَفْسِهِ لَهُمَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّمْلِيكِ مِنْ الْفَقِيرِ وَقَدْ أَتَى بِهِ فَلَا يَضْمَنُ لِلْمُوَكِّلِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِي وُسْعِهِ التَّمْلِيكَ لَا وُقُوعَهُ زَكَاةً لِتَعَلُّقِهِ بِنِيَّةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مَا فِي وُسْعِهِ وَصَارَ كَالْمَأْمُورِ بِذَبْحِ دَمِ الْإِحْصَارِ إذَا ذَبَحَ بَعْدَمَا زَالَ الْإِحْصَارُ وَحَجَّ الْآمِرُ لَمْ يَضْمَنْ الْمَأْمُورُ عَلِمَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْمُؤَدَّى لَمْ يَقَعْ زَكَاةً فَصَارَ مُخَالِفًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْآمِرِ إخْرَاجُ نَفْسِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ الضَّرَرَ وَهَذَا الْمَقْصُودُ حَصَلَ بِأَدَائِهِ وَعُرِّيَ أَدَاءُ الْمَأْمُورِ عَنْهُ فَصَارَ مَعْزُولًا عَلِمَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ. [كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ] (كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ) الْمُضَارَبَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ السَّفَرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ يُسَافِرُونَ لِطَلَبِ رِزْقِ اللَّهِ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَالُ وَمِنْ الْآخَرِ التِّجَارَةُ فِيهِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا. وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: دَفَعْتُ إلَيْك هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً، أَوْ مُعَامَلَةً، أَوْ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ فِيهِ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَيَقُولَ الْمُضَارِبُ: قَبِلْتُ أَوْ أَخَذْتُ، أَوْ رَضِيتُ قَالَ ﵀: (الْمُضَارَبَةُ عَقْدٌ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَعَمَلٍ مِنْ الْآخَرِ) مُرَادُهُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، ثُمَّ الْمُضَارَبَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِذَا دَفَعَ الْمَالَ فَهُوَ أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ إلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِ مَالِكِهِ فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ فَهُوَ وَكَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ فَإِذَا رَبِحَ صَارَ شَرِيكًا فَإِذَا فَسَدَتْ صَارَتْ إجَارَةً؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ فَإِذَا خَالَفَ الْمُضَارِبُ شَرْطَ رَبِّ الْمَالِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ فَيَكُونُ الْمَالُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ وَلَكِنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَطِيبُ لَهُ، فَإِذَا أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَالَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُضَارِبِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُضَارِبَ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذَهُ مِنْهُ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ، أَوْ الثُّلُثِ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ وَيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْعَمَلِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَالْقَرْضُ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَبِحَ وَلَمْ يَهْلِكْ يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيُّ فَصَارَ لِلْمُضَارِبِ خَمْسُ مَرَاتِبَ: هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ أَمِينٌ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فَهُوَ وَكِيلٌ، فَإِذَا رَبِحَ فَهُوَ شَرِيكٌ، فَإِذَا فَسَدَتْ فَهُوَ أَجِيرٌ، فَإِذَا خَالَفَ فَهُوَ غَاصِبٌ. (قَوْلُهُ: وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ إلَّا بِالْمَالِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرِكَةَ تَصِحُّ بِهِ) يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَأَمَّا الْفُلُوسُ فَعَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الشَّرِكَةِ وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ الْمُضَارَبَةُ بِهَا وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ

стр. 292

وَإِنْ قَالَ: اقْبِضْ مَا لِي عَلَى فُلَانٍ مِنْ الدَّيْنِ وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً جَازَ إذَا قَبَضَهُ وَعَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْمُضَارَبَةَ إلَى الْمَقْبُوضِ وَذَلِكَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُضَارَبَةِ، وَإِنْ قَالَ اعْمَلْ بِمَا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ مُضَارَبَةً لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا اشْتَرَاهُ الْمُضَارِبُ بِذَلِكَ يَكُونُ لَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ خَسَارَتُهُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ دَيْنِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ لَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا بِقَبْضِ الطَّالِبِ، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ بِإِبْرَائِهِ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَبَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَالدَّيْنُ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ يُنَافِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تَجُوزُ الْمُضَارَبَةُ وَيَبْرَأُ الْمُضَارِبُ مِنْ الدَّيْنِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُون الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُشَاعًا لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا مِنْهُ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً) لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا تِلْكَ الدَّرَاهِمُ الْمُسَمَّاةُ قَالَ فِي شَرْحِهِ: إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَلِلْمُضَارِبِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ فَإِنْ عَمِلَ فِي هَذَا فَرَبِحَ، أَوْ لَمْ يَرْبَحْ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى عَمَلَهُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ بِبَدَلٍ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ الْبَدَلَ رَجَعَ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ شَيْءٌ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ الْمُسَمَّى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الْأَجْرُ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْبَحْ لَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُضَارِبَ فِي الصَّحِيحَةِ إذَا لَمْ يَرْبَحْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَفِي الْفَاسِدَةِ أَوْلَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الْأَجْرُ رَبِحَ، أَوْ لَمْ يَرْبَحْ؛ لِأَنَّهَا إذَا فَسَدَتْ صَارَتْ إجَارَةً، وَالْإِجَارَةُ يَجِبُ فِيهَا الْأَجْرُ رَبِحَ، أَوْ لَمْ يَرْبَحْ، وَالْمَالُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْهَلَاكِ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الْكَرْخِيِّ لَا يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ لَا يَضْمَنُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى أَصْلِهِمَا فِي تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُضَارَبَةُ الْفَاسِدَةُ قَدْ صَارَتْ إجَارَةً بِدَلَالَةِ وُجُوبِ أَجْرِ الْمِثْلِ فِيهَا، وَالْمُضَارِبُ فِي حُكْمِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالْعَمَلِ. (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُسَلَّمًا إلَى الْمُضَارِبِ لَا يَدَ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَمَلَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْمَالِ فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَمْنَعُ خُلُوصَ يَدِ الْمُضَارِبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ إذَا دَفَعَا مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً وَشُرِطَ عَمَلُهُمَا حَيْثُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالِكَيْنِ لِلْمَالِ فَصَارَا كَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةً فَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ الصَّغِيرِ فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لِلْمَالِ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا شَرَطَ عَمَلَ مَوْلَاهُ لَمْ تَفْسُدْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ أَكْسَابَ مُكَاتَبِهِ فَهُوَ فِيهَا كَالْأَجْنَبِيِّ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ مُطْلَقَةً) أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالسِّلْعَةِ (جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ وَيُودِعَ وَيُوَكِّلَ) لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِاسْتِرْبَاحُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتِّجَارَةِ فَيَنْتَظِمُ مَا هُوَ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَالتَّوْكِيلُ، وَالْإِبْضَاعُ، وَالْإِيدَاعُ مِنْ صُنْعِهِمْ وَعَادَتِهِمْ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ فِي الْمَالِ بِعِوَضٍ فَإِذَا أَبْضَعَ حَصَلَ الْمَالُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ أَوْلَى وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ مِنْ الْأُجَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ بَيْتًا يَحْفَظُ فِيهِ الْمَتَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى حِفْظِهِ إلَّا بِذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الدَّوَابَّ لِحَمْلِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَحْصُلُ بِنَقْلِ الْمَتَاعِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، وَأَمَّا الْمُسَافَرَةُ بِالْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْمُطْلَقَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ وَلَهُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي بَرٍّ، أَوْ بَحْرٍ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْهُ إلَى أَهْلِهِ فِي لَيْلَتِهِ فَيَبِيتُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ بِالْمَالِ فِيهِ خَطَرٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ. وَقَوْلُهُ: وَيُسَافِرَ بِالْمَالِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ الْمَالِ فِي الْحَضَرِ ضَمِنَ وَنَفَقَةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَكِسْوَتُهُ وَرُكُوبُهُ وَعَلَفُ الدَّوَابِّ الَّتِي يَرْكَبُهَا فِي سَفَرِهِ وَيَتَصَرَّفُ عَلَيْهَا فِي حَوَائِجِهِ، وَغَسْلُ ثِيَابِهِ وَدُهْنُ السِّرَاجِ، وَفِرَاشٌ يَنَامُ عَلَيْهِ وَشِرَاءُ دَابَّةٍ لِلرُّكُوبِ وَاسْتِئْجَارُهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَأَمَّا الدَّوَاءُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالْفَصْدُ وَالِادِّهَانُ وَالِاخْتِضَابُ وَمَا يَرْجِعُ إلَى إصْلَاحِ الْبَدَنِ فَهُوَ فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَفِي الْكَرْخِيِّ الدُّهْنُ فِي مَالِ نَفْسِهِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي مَالِ

стр. 293

الْمُضَارَبَةِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَأَمَّا الْفَاكِهَةُ فَالْمُعْتَادُ مِنْهَا يَجْرِي مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْإِدَامِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ كَمَا كَانَ يَأْكُلُ فِي الْعَادَةِ، وَإِذَا رَجَعَ الْمُسَافِرُ إلَى مِصْرِهِ وَمَعَهُ مِنْ الثِّيَابِ الَّذِي اكْتَسَاهَا وَمِنْ الطَّعَامِ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِلنَّفَقَةِ شَيْءٌ رَدَّهُ إلَى مَالِ الْمُضَارَبَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ) ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، أَوْ التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ إلَيْهِ كَمَا فِي التَّوْكِيلِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إلَّا إذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك بِخِلَافٍ فِي الْإِيدَاعِ، وَالْإِبْضَاعِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فَيَتَضَمَّنُهُ وَبِخِلَافِ الْإِقْرَاضِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ بَلْ هُوَ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ أَمَّا الدَّفْعُ مُضَارَبَةً فِي قَوْلِهِ: اعْمَلْ بِرَأْيِك فَهُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَصَّ لَهُ رَبُّ الْمَالِ التَّصَرُّفَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فَيُتَخَصَّصُ وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِضَاعَةً إلَى مَنْ يُخْرِجُهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِخْرَاجَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ خَرَجَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، أَوْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ أَخْرَجَهُ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ خَارِجَ الْبَلَدِ فَإِنْ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ أَعَادَهُ إلَى الْبَلَدِ عَادَتْ الْمُضَارَبَةُ كَمَا كَانَتْ عَلَى شَرْطِهَا، وَإِنْ اشْتَرَى بِهِ قَبْلَ الْعَوْدِ صَارَ مُخَالِفًا ضَامِنًا وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ فَيَكُونُ لَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ وَضِيعَتُهُ وَلَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ اشْتَرَى بِبَعْضِهِ وَأَعَادَ بَقِيَّتَهُ إلَى الْبَلَدِ ضَمِنَ قَدْرَ مَا اشْتَرَى بِهِ وَلَا يَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَعَادَ وَأَلْفَاظُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ أَنْ يَقُولَ خُذْ هَذَا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ بِهِ فِي الْكُوفَةِ أَوْ فَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ أَمَّا إذَا قَالَ وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ بِالْوَاوِ لَا يَكُونُ تَقْيِيدًا وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا، وَفِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفُ عَطْفٍ وَمَشُورَةٍ وَلَيْسَ مِنْ حُرُوفِ الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا وَقَّتَ لِلْمُضَارَبَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِعَيْنِهَا جَازَ وَبَطَلَ الْعَقْدُ بِمُضِيِّهَا) ؛ لِأَنَّهَا تَوْكِيلٌ فَتَوَقَّتَ بِمَا وَقَّتَهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْعُمُومَ وَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ بِهِ فِي سُوقِ الْكُوفَةِ فَعَمِلَ فِي الْكُوفَةِ فِي غَيْرِ سُوقِهَا جَازَ، وَإِنْ قَالَ: لَا تَعْمَلْ إلَّا فِي سُوقِ الْكُوفَةِ فَعَمِلَ فِي غَيْرِ سُوقِهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ وَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ تَبِيعَ مِنْهُ صَحَّ التَّقْيِيدُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا التَّقْيِيدِ فَائِدَةً وَهُوَ الثِّقَةُ بِفُلَانٍ فِي الْمُعَامَلَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَبَا رَبِّ الْمَالِ وَلَا ابْنَهُ وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) بِقَرَابَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرِّبْحُ وَذَلِكَ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَبِدُخُولِهِمْ فِي مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ يَعْتِقُونَ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِمْ وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ قَدْ وَلَدَتْ مِنْ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِرَبِّ الْمَالِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهَا وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْرًا وَلَا جُلُودَ الْمَيْتَةِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُمْ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ دُونَ الْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَتَى وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي نَفَذَ عَلَيْهِ وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا مِمَّا يُمْلَكُ إذَا قَبَضَ فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الشِّرَاءِ عَامٌّ فِي الصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ وَذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ بَيْعُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَيَفْسُدُ نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ يَعْتِقُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ، فَيُمْنَعُ التَّصَرُّفَ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُمْ ضَمِنَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُ بِالنَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ؛ إذْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِمْ بِحُكْمِ الْمُضَارَبَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمْ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُمْ وَلَمْ يَضْمَنْ لِرَبِّ

стр. 294

الْمَالِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْ جِهَتِهِ فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَلَا فِي تَمَلُّكِهِ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ فَصَارَ كَمَا إذَا وَرِثَهُ مَعَ غَيْرِهِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَتَقَ كُلُّهُ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُضَارِبِ وَيَسْعَى فِي رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ. (قَوْلُهُ: وَيَسْعَى الْمُعْتَقُ فِي قَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ قَدْ سَلِمَ لَهُ بِالْعِتْقِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَ الْمَالَ امْرَأَةٌ فَاشْتَرَى بِهِ الْمُضَارِبُ زَوْجَهَا صَحَّ الشِّرَاءُ وَبَطَلَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي مِلْكِهَا بِالشِّرَاءِ وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا، وَفِيهِ فَضْلٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ نَحْوُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفًا فَاشْتَرَى بِهِ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ ظَهَرَ لِلْمُضَارِبِ فِيهِ نَصِيبٌ وَهُوَ رُبُعُ الْعَبْدِ وَذَلِكَ نِصْفُ الرِّبْحِ حَتَّى إنَّ الْمُضَارِبَ لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي رُبُعِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَضْلٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ فِيهِ نَصِيبٌ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ لَا يَعْتِقُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ عَتَقَ وَصَارَ مُسْتَوْفِيًا لِرَأْسِ مَالِهِ. وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلُ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ مَشْغُولًا بِرَأْسِ الْمَالِ وَلَا يَظْهَرُ لِلْمُضَارِبِ فِيهِ نَصِيبٌ حَتَّى إنَّ الْمُضَارِبَ لَوْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، أَوْ مُتَفَرِّقًا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا رَبُّ الْمَالِ نَظَرْتَ: إنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا عَتَقَا جَمِيعًا وَيَضْمَنُ لِلْمُضَارِبِ خَمْسَمِائَةٍ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَوَلَاؤُهُمَا جَمِيعًا لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى الْمُضَارِبِ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ ضَمَانَ إتْلَافٍ فَيَضْمَنُ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مُتَفَرِّقًا فَإِنَّ الْعَبْدَ الْأَوَّلَ يَعْتِقُ كُلُّهُ وَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِرَأْسِ الْمَالِ وَيَتَعَيَّنُ الْعَبْدُ الْآخَرُ لِلرِّبْحِ فَإِذَا أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ فِي نِصْفِهِ وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا. (قَوْلُهُ: وَإِذَا) (دَفَعَ الْمُضَارِبُ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ) فِي ذَلِكَ أَيْ لَمْ يَقُلْ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك (لَمْ يَضْمَنْ بِالدَّفْعِ وَلَا يَتَصَرَّفُ الْمُضَارِبُ الثَّانِي حَتَّى يَرْبَحَ فَإِذَا رَبِحَ ضَمِنَ الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِرَبِّ الْمَالِ) وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إذَا عَمِلَ بِهِ ضَمِنَ رَبِحَ، أَوْ لَمْ يَرْبَحْ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ زُفَرُ يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ عَمِلَ، أَوْ لَمْ يَعْمَلْ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَ فَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُودَعِ الْمُودَعِ وَقِيلَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ، أَوْ الثَّانِيَ إجْمَاعًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَهُمَا وَكَذَا عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ لَهُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مُودَعِ الْمُودَعِ أَنَّ الْمُودَعَ الثَّانِيَ يَقْبِضُ لِمَنْفَعَةِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا وَهُنَا يَعْمَلُ الْمُضَارِبُ الثَّانِي لِنَفْعِ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا، ثُمَّ إنْ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ خَالَفَ بِالدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا دَفَعَ مَالَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ وَتَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا؛ لِأَنَّ قَرَارَ الضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَأَنَّهُ ضَمِنَهُ ابْتِدَاءً وَيَطِيبُ الرِّبْحُ لِلثَّانِي وَلَا يَطِيبُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِهِ وَلَا خُبْثَ فِي الْعَمَلِ، وَالْأَوَّلَ يَسْتَحِقُّهُ بِمِلْكِهِ الْمُسْتَنِدِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَهُوَ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ خُبْثٍ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً فَدَفَعَهُ بِالثُّلُثِ فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَالَ لَهُ اعْمَلْ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَلِرَبِّ الْمَالِ نِصْفُ الرِّبْحِ وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي ثُلُثُ الرِّبْحِ وَلِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ السُّدُسُ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الثَّانِي مُضَارَبَةً قَدْ صَحَّ لِوُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَرَبُّ الْمَالِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ جَمِيعِ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَوَّلِ إلَّا النِّصْفُ وَقَدْ جُعِلَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْجَمِيعِ لِلثَّانِي فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا السُّدُسُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَالَ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَك اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي الثُّلُثُ وَمَا بَقِيَ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ، وَالْمُضَارِبِ

стр. 295

الْأَوَّلِ نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفَ وَجَعَلَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَزَقَ اللَّهُ الْأَوَّلَ وَقَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ الثُّلُثَيْنِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ نِصْفَ جَمِيعِ الرِّبْحِ فَافْتَرَقَا، وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: فَمَا رَبِحْتَ مِنْ شَيْءٍ فَبَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ وَقَدْ دَفَعَ إلَى غَيْرِهِ بِالنِّصْفِ فَلِلثَّانِي النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرَطَ لِلثَّانِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ فَيَسْتَحِقُّهُ وَقَدْ جَعَلَ رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَبِحَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَرْبَحْ إلَّا النِّصْفَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ وَدَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ فَلِلثَّانِي نِصْفُ الرِّبْحِ وَلِرَبِّ الْمَالِ نِصْفُ الرِّبْحِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ) وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُ: فَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَبَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ مُطْلَقَ الْفَضْلِ فَيَكُونُ لِلثَّانِي النِّصْفُ بِالشَّرْطِ وَيَخْرُجُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي ثُلُثَيْ الرِّبْحِ فَلِرَبِّ الْمَالِ النِّصْفُ وَلِلْمُضَارِبِ الثَّانِي النِّصْفُ وَيَضْمَنُ الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي سُدُسَ الرِّبْحِ فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ شَرَطَ لِلثَّانِي شَيْئًا هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِرَبِّ الْمَالِ فَلَمْ يَنْفُذْ فِي حَقِّهِ لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ لِكَوْنِ الْمُسَمَّى صَحِيحًا فِي عَقْدٍ يَمْلِكُهُ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ: اعْمَلْ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ ثُلُثُهُ وَلِي ثُلُثُهُ وَلِعَبْدِي ثُلُثُهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَالثُّلُثَانِ لِرَبِّ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، أَوْ لَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَ الْعَبْدِ، وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَهُ كَانَ عَلَى مَا شَرَطَ لِلْعَبْدِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَوْلَى كَسْبَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَا شَرَطَ لَهُ فَهُوَ لِمَوْلَاهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ ثُلُثُهُ وَلِعَبْدِك ثُلُثُهُ وَلِي ثُلُثُهُ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا وَالثُّلُثَانِ لِلْمُضَارِبِ وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْمَالِ وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَالْمَشْرُوطُ لَهُ مَشْرُوطٌ لِلْمُضَارِبِ. وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ إذَا كَانَ مَدْيُونًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَيَسْتَحِقُّهُ بِرَأْسِ مَالِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ لِلْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا يَعْنِي فِيمَا إذَا شَرَطَ عَمَلَهُ، وَإِنْ شَرَطَ الثُّلُثَ لِابْنِ الْمُضَارِبِ، أَوْ لِزَوْجَتِهِ فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ وَمَا شَرَطَ لَهُمَا فَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمُضَارِبِ وَزَوْجَتَهُ لَا يَسْتَحِقَّانِ الرِّبْحَ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَلَا مَالٍ فَصَارَ الْمَشْرُوطُ لَهُمَا كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَمَا سُكِتَ عَنْهُ مِنْ الرِّبْحِ اسْتَحَقَّهُ رَبُّ الْمَالِ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ فَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ رِبْحُهُ، وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنَّ رِبْحَهُ لِي فَهُوَ بِضَاعَةٌ، وَإِنْ قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَ الرِّبْحِ، أَوْ ثُلُثَهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ وَلِلْمُضَارِبِ مَا شَرَطَ لَهُ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفُ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِي وَلَك ثُلُثُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْنَ كَلِمَةُ الْقِسْمَةِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّنَا شَرِيكَانِ فِي الرِّبْحِ جَازَ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] ، وَإِنْ قَالَ لِلْمُضَارِبِ عَلَى أَنَّ لَك شِرْكًا فِي الرِّبْحِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ مُشْتَقٌّ مِنْ الشَّرِكَةِ وَالشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّصِيبِ وَهُوَ مَجْهُولٌ. (مَسْأَلَةٌ) إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ جَارِيَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَطَأَهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ وَوَطْءُ الْمُشْتَرَكَةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ فَلِلْمُضَارِبِ حَقٌّ يُشْبِهُ الْمِلْكَ أَلَا تَرَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَوْ مَاتَ كَانَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَهَا فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ الْمُضَارِبُ بَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ) أَمَّا مَوْتُ الْمُضَارِبِ فَلِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ عَقْدٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْوَكَالَةَ وَمَوْتُ الْوَكِيلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ، وَأَمَّا مَوْتُ رَبِّ الْمَالِ

стр. 296

فَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تُصْرَفُ بِالْإِذْنِ، وَالْمَوْتَ يُزِيلُ الْإِذْنَ، وَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَوْكِيلٌ، وَمَوْتَ الْمُوَكِّلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ فَإِنْ ارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ بَطَلَتْ مِنْ يَوْمِ ارْتَدَّ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ وَتَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ فَصَارَ كَمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِلَحَاقِهِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا جَازَتْ الْمُضَارَبَةُ وَلَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ قَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ عَرَضًا فَارْتَدَّ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَبَيْعُ الْمُضَارِبِ لِذَلِكَ الْعَرَضِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَنْعَزِلْ فَلَا يَنْعَزِلُ بِرِدَّتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَصَرُّفُهُ كَذَلِكَ وَعِنْدَهُمَا الرِّدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي حُكْمِ الْأَمْلَاكِ فَتَصَرُّفُ الْمُضَارِبِ فِي حَالِ رِدَّةِ رَبِّ الْمَالِ جَائِزٌ فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ قُتِلَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ بَطَلَتْ أَيْضًا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ تُزِيلُ الْأَمْلَاكَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ هُوَ الْمُرْتَدَّ فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا فَإِنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ، أَوْ قُتِلَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ بَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَالْمَوْتِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَارْتِدَادُهَا وَغَيْرُ ارْتِدَادِهَا سَوَاءٌ إجْمَاعًا سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ صَاحِبَةَ الْمَالِ، أَوْ الْمُضَارِبَةَ إلَّا أَنْ تَمُوتَ، أَوْ تَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيُحْكَمَ بِلَحَاقِهَا؛ لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي أَمْلَاكِهَا فَكَذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي تَصَرُّفِهَا. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَزَلَ رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارِبَ فَلَمْ يَعْلَمْ بِعَزْلِهِ حَتَّى اشْتَرَى وَبَاعَ فَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ وَعَزْلُ الْوَكِيلِ قَصْدًا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ بِعَزْلِهِ، وَالْمَالُ عُرُوضٌ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَمْنَعُهُ الْعَزْلُ عَنْ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالشِّرَاءِ وَصَحَّتْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَزْلُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ بِالْقِسْمَةِ وَهِيَ تُبْتَنَى عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يَنِضُّ بِالْبَيْعِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا شَيْئًا آخَرَ) يَعْنِي الْعُرُوضَ إذَا بَاعَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ نَقْدًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَزَلَهُ وَرَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمُ، أَوْ دَنَانِيرُ قَدْ نَضَّتْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا) هَذَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ أَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ وَاَلَّذِي نَضَّ لَهُ دَرَاهِمُ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِجِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا افْتَرَقَا، وَفِي الْمَالِ دُيُونٌ وَقَدْ رَبِحَ الْمُضَارِبُ فِيهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدُّيُونِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ لَهُ كَالْأُجْرَةِ، وَلِأَنَّ عَمَلَهُ حَصَلَ بِعِوَضٍ فَيُجْبَرُ عَلَى إتْمَامِهِ كَالْأَجِيرِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاقْتِضَاءُ) لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضٌ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إيفَاءِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ وَلِأَنَّ الدُّيُونَ مِلْكٌ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا حَظَّ لَهُ فِيهَا فَلَا يُجْبَرُ. (قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَهُ وَكِّلْ رَبَّ الْمَالِ فِي الِاقْتِضَاءِ) لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ إلَى الْعَاقِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْكِيلِهِ كَيْ لَا يَضِيعَ حَقُّهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُقَالُ لَهُ: أَحِلْ، مَكَانَ قَوْلِهِ " وَكِّلْ "، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْوَكَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْحَوَالَةِ: نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَمَعْنَى الْوَكَالَةِ: نَقْلُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فَاسْتَعَارَ لَفْظَ الْحَوَالَةِ لِلْوَكَالَةِ وَاَلَّذِي يَبِيعُ بِالْأَجْرِ كَالسِّمْسَارِ، وَالْبَيِّعِ بِالْأَجْرِ يُجْبَرَانِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا يَعْمَلَانِ بِالْأُجْرَةِ فَكَانَ الْأَجْرُ لَهُمَا بَدَلَ عَمَلِهِمَا. . (قَوْلُهُ: وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ مِنْ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّ الرِّبْحَ تَبَعٌ لِرَأْسِ الْمَالِ وَصَرْفُ الْهَلَاكِ إلَى مَا هُوَ التَّبَعُ أَوْلَى كَمَا يُصْرَفُ الْهَلَاكُ إلَى الْعَفْوِ فِي الزَّكَاةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ الْهَالِكُ عَلَى الرِّبْحِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ) ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مَقْبُوضٌ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِي هَلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ فِي الْوَدِيعَةِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً، أَوْ فَاسِدَةً فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً

стр. 297

فَالْمَالُ مَضْمُونٌ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ، أَوْ بَعْضُهُ تَرَادَّا الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ) لِأَنَّ قِسْمَةَ الرِّبْحِ لَا تَصِحُّ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَبَعٌ لَهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) أَيْ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ (كَانَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَقَصَ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ) الْأَوَّلَ (وَفَسَخَا الْمُضَارَبَةَ، ثُمَّ عَقَدَاهَا وَهَلَكَ الْمَالُ) أَوْ بَعْضُهُ (لَمْ يَتَرَادَّا الرِّبْحَ الْأَوَّلَ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْأُولَى قَدْ تَمَّتْ وَانْفَصَلَتْ، وَالثَّانِيَةَ عَقْدٌ جَدِيدٌ فَهَلَاكُ الْمَالِ فِي الثَّانِي لَا يُوجِبُ انْتِقَاضَ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ) لِأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَهَذَا إذَا بَاعَ إلَى أَجَلٍ مُعْتَادٍ أَمَّا إذَا كَانَ إلَى أَجَلٍ لَا يَبِيعُ التُّجَّارُ إلَيْهِ وَلَا هُوَ مُعْتَادٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْعَامَّ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سَفِينَةً لِلرُّكُوبِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَكْرِيَهَا اعْتِبَارًا لِعَادَةِ التُّجَّارِ وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِ الْمُضَارَبَةِ فِي التِّجَارَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ التُّجَّارِ وَلَوْ بَاعَ، ثُمَّ أَخَّرَ الثَّمَنَ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِاسْتِئْجَارِهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ تَصَرُّفًا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ، ثُمَّ الْبَيْعَ بِالنَّسَاءِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ عِنْدَهُمَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ وَتَأْخِيرَ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْوَكِيلِ إذَا أَخَّرَ الثَّمَنَ ضَمِنَ، وَالْمُضَارِبُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَقِيلَ، ثُمَّ يَبِيعَ بِنَسِيئَةٍ فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَخِّرَ ابْتِدَاءً وَلَا يَضْمَنُ، وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُقَايِلَ، ثُمَّ يَبِيعَ بِالنَّسَاءِ فَإِذَا أَخَّرَ ضَمِنَ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَكِيلِ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْمُضَارِبِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ احْتَالَ الْمُضَارِبُ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ أَيْسَرُ أَوْ أَعْسَرُ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ الِاقْتِضَاءِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اقْتِضَاءِ الْمُحِيلِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَصِيِّ إذَا احْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَصْلَحُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَصْلَحَ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ لِلْيَتِيمِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ فَمَا لَا احْتِيَاطَ فِيهِ لَا يَجُوزُ وَتَصَرُّفُ الْمُضَارِبِ عَلَى عَادَةِ التُّجَّارِ فِيمَا اعْتَادُوهُ جَازَ، وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ: لَا تَبِعْ إلَّا بِالنَّقْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِالنَّقْدِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَلَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْمَالِ فَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ؛ لِأَنَّ بِالنَّقْدِ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يَبِيعَ لَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ وَلَا يَبِيعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِأَلْفٍ وَبِمَا زَادَ عَلَيْهِ. . (قَوْلُهُ: وَلَا يُزَوِّجُ عَبْدًا وَلَا أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ) أَمَّا الْعَبْدُ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَيْنٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُضَارَبَةِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُزَوِّجُهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَأْذُونَةَ لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّ فِي تَزْوِيجِهَا تَحْصِيلَ عِوَضٍ وَهُوَ الْمَهْرُ فَصَارَ كَالْبَيْعِ وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِهَا سُقُوطَ نَفَقَتِهَا عَنْ الْمَوْلَى وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يُكَاتِبَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ. [كِتَابُ الْوَكَالَةِ] الْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْحِفْظُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَيْ وَنِعْمَ الْحَافِظُ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ

стр. 298

إقَامَةِ الْغَيْرِ مَقَامَهُ فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ قَالَ ﵀ (كُلُّ عَقْدٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْكِيلِ غَيْرِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ لِنَفْسِهِ أَيْ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ مُسْتَبِدًّا بِهِ، وَهَذَا الدَّفْعُ نَقَضَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ كُلُّ فِعْلٍ جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعُقُودِ وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ مِثْلُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ثُمَّ الْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِاللَّفْظِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْوَكَالَةُ مِنْ قَوْلِهِ وَكَّلْتُك بِبَيْعِ عَبْدِي هَذَا أَوْ بِشِرَاءِ كَذَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ أَحْبَبْت أَنْ تَبِيعَ عَبْدِي هَذَا أَوْ رَضِيت أَوْ شِئْت أَوْ أَرَدْت فَهُوَ تَوْكِيلٌ، وَلَوْ قَالَ لَا أَنْهَاك عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِي لَا يَكُونُ هَذَا تَوْكِيلًا حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا لَا يَقَعُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. [التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ] قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ) أَيْ بِالدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَوْ بِالْجَوَابِ الصَّرِيحِ قَوْلُهُ (فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِثْبَاتِهَا) أَيْ فِي جَمِيعِهَا، وَهَذَا بِإِطْلَاقِهِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِيهَا وَلَا فِي إثْبَاتِهَا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ بِالِاسْتِيفَاءِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ بِاسْتِيفَائِهِمَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ) يَعْنِي الْمَقْذُوفَ وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ وَوَلِيَّ الْقِصَاصِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا) سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلَ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يَعْنِي مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُصُومَةِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُهُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ وَقَوْلُهُ أَوْ غَائِبًا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَمَّا دُونَهَا فَهُوَ كَالْحَاضِرِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً جَازَ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْلَفْ خِطَابَ الرِّجَالِ فَإِذَا حَضَرَتْ مَجْلِسَ الْحُكْمِ انْقَبَضَتْ فَلَمْ تَنْطِقْ بِحُجَّتِهَا لِحَيَائِهَا وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَوَاتِ حَقِّهَا، وَهَذَا شَيْءٌ اسْتَحْسَنَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ جَعَلُوهَا كَالْمَرِيضِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَادَتُهَا تَحْضُرُ مَجَالِسَ الرِّجَالِ فَهِيَ كَالرَّجُلِ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّوْكِيلُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمِ وَمِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُوجِبُ لُزُومَ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْحَيْضُ إذَا كَانَ الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَتْ هِيَ طَالِبَةً قُبِلَ مِنْهَا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ وَإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً إنْ أَخَّرَهَا الطَّالِبُ حَتَّى يَخْرُجَ الْقَاضِي مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ بِهَا إلَى التَّوْكِيلِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اللُّزُومِ يَعْنِي هَلْ تَرْتَدُّ الْوَكَالَةُ بِرَدِّ الْخَصْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَعَمْ وَعِنْدَهُمَا لَا وَيُجْبَرُ وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ الْقَصْدَ بِالْإِضْرَارِ إلَى الْمُدَّعِي بِالتَّوْكِيلِ بِحِيَلِهِ وَأَبَاطِيلِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْكِيلُ إلَّا بِرِضَا خَصْمِهِ وَإِلَّا فَيَقْبَلُهُ وَقَيَّدَ بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَالتَّقَاضِي وَالْقَضَاءَ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ إجْمَاعًا ثُمَّ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ إذَا أَقَامَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَهُ إيَّاهَا سُمِعَتْ الْبَيِّنَةُ فِي مَنْعِ الْوَكِيلِ مِنْ الْقَبْضِ وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْبَيْعُ. قَوْلُهُ (وَمِنْ شَرْطِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُون الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِيُمَلِّكَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَصِحُّ مِنْهُمَا

стр. 299

التَّصَرُّفُ وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَا الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّصَرُّفُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِهِ قَوْلُهُ (وَيَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ) قَيَّدَ بِذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ الْوَكِيلِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرَى وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ لِغَيْرِهِ وَقِيلَ احْتِرَازًا عَنْ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ الْمَحْجُورَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا لَا يَمْلِكَانِهِ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَالِكًا لِيُمَلِّكَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْعِبَارَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ الْبَيْعَ أَوْ مَجْنُونًا كَانَ التَّوْكِيلُ بَاطِلًا وَقَوْلُهُ وَيَقْصِدُهُ احْتِرَازًا عَنْ بَيْعِ الْهَازِلِ وَالْمُكْرَهِ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ هَازِلًا لَا يَقَعُ عَلَى الْآمِرِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَ الْحُرُّ الْبَالِغُ أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ مِثْلَهُمَا جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ وَالْوَكِيلَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ مِثْلَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا وَكَّلَا مِثْلَيْهِمَا تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ، وَإِنْ وَكَّلَا دُونَهُمَا جَازَ أَيْضًا وَلَا يَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ مِثْلَهُمَا غَيْرُ مُنْحَصِرٍ عَلَى الْمِثْلِيَّةِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرَّقَبَةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ فَوْقَهُ كَتَوْكِيلِ الْمَأْذُونِ حُرًّا أَوْ دُونَهُ كَتَوْكِيلِ الْحُرِّ مَأْذُونًا قَوْلُهُ (وَإِنْ وَكَّلَا صَبِيًّا مَحْجُورًا عَلَيْهِ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ) أَيْ يَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ وَالْبَيْعَ سَالِبٌ وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ وَالْفَاحِشَ (أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ جَازَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْحُقُوقُ وَيَتَعَلَّقُ بِمُوَكِّلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ مَالِكٌ لَهُ، وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَالتَّوْكِيلُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي حَقِّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْتِزَامُ الْعُهْدَةِ الصَّبِيُّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ وَالْعَبْدُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الْبَائِعٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَبِيٌّ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ يَتَخَيَّرُ كَمَا إذَا عَثَرَ عَلَى عَيْبٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ فِي قَاضِي خَانْ فَرْقًا بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ فِي حَقِّ لُزُومِ الْعُهْدَةِ فَالْعَبْدُ إذَا عَتَقَ يَلْزَمُهُ تِلْكَ الْعُهْدَةُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ لُزُومِهَا حَقُّ الْمَوْلَى، وَقَدْ زَالَ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ، وَالصَّبِيُّ لِأَجْلِ حَقِّهِ وَحَقُّهُ لَا يَزُولُ بِالْبُلُوغِ. قَوْلُهُ (وَالْعُقُودُ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْوُكَلَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ كُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَحُقُوقُ ذَلِكَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ) حَتَّى لَوْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي مَا لِلْمُوَكِّلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ حَلَفَ مَا لِلْوَكِيلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ حَانِثًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ،. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ قَوْلُهُ (فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ إذَا اشْتَرَى وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ وَيُخَاصِمُ فِي الْعَيْبِ) ؛ لِأَنَّ

стр. 300

كُلَّ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْهُ اعْتِبَارًا لِلتَّوْكِيلِ السَّابِقِ كَالْعَبْدِ يَنْهَبُ وَيَصْطَادُ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ خِلَافَةً عَنْهُ أَيْ يَثْبُتُ الْمِلْكَ أَوَّلًا لِلْوَكِيلِ وَلَا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ سَاعَتَهُ وَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ فِي عِتْقِ قَرِيبِ الْوَكِيلِ وَلَا فَسَادِ نِكَاحِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُقُوقُ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ هُوَ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ فَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ صَبِيًّا مَحْجُورًا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا لَا يُخَاطَبَانِ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَأَمَّا إذَا كَانَا مَأْذُونَيْنِ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا الْحُقُوقُ فَيُخَاطَبَانِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُوَكِّلَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَلَوْ أَمَرَ الْوَكِيلُ الْمُوَكِّلَ بِقَبْضِ الثَّمَنِ فَأَيُّهُمَا طَالَبَهُ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إلَيْهِ، وَلَوْ نَهَى الْوَكِيلُ الْمُوَكِّلَ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحَّ نَهْيُهُ، وَإِنْ نَهَى الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ غَيْرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ نَقَدَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ يَبْرَأُ عَنْهُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ أَنَّ الْوَكِيلَ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ حَطَّ عَنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا حَطُّهُ، وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ عَنْهُ الثَّمَنَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُوَكِّلُ صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْمِلْكُ فِي الشِّرَاءِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ مِلْكًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ وَمِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ ابْتِدَاءً وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْوَكِيلِ لَعَتَقَ عَلَيْهِ مَحَارِمُهُ إذْ اشْتَرَاهُمْ بِالْوَكَالَةِ وَيُجَابُ لِلْكَرْخِيِّ أَنَّهُمْ إنَّمَا لَا يُعْتَقُونَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَكِيلِ لَا يَسْتَقِرُّ. قَوْلُهُ (وَكُلُّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إلَى مُوَكِّلِهِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَلَا يُطَالِبُ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِالصَّدَاقِ وَلَا يَلْزَمُ وَكِيلَ الْمَرْأَةِ تَسْلِيمُهَا) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ صَارَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ، وَقَالَ أَبُو الصَّغِيرَةِ زَوَّجْت ابْنَتِي مِنْ ابْنِك، وَقَالَ الْأَبُ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ لِابْنِي جَازَ النِّكَاحُ لِلِابْنِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى؛ لِأَنَّ الْمُزَوِّجَ أَضَافَ الْإِيجَابَ إلَى الِابْنِ، وَقَوْلُ الْأَبِ قَبِلْت جَوَابٌ لَهُ وَالْجَوَابُ يَتَقَيَّدُ بِالْأَوَّلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ قَبِلْت لِابْنِي، وَلَوْ قَالَ أَبُو الصَّغِيرَةِ لِأَبِي الصَّغِيرِ زَوَّجْت ابْنَتِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو الصَّغِيرِ قَبِلْت النِّكَاحَ يَقَعُ النِّكَاحُ لِلْأَبِ هُوَ الصَّحِيحُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْتَاطَ فِيهِ فَيَقُولَ قَبِلْت لِابْنِي وَيَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ أَنْ يَقُولَ قَبِلْت النِّكَاحَ لِأَجْلِ فُلَانٍ وَالْوَكِيلُ بِالْخُلْعِ إنْ كَانَ وَكِيلَ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهُ قَبْضُ بَدَلِ الْخُلْعِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلَ الْمَرْأَةِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِبَدَلِ الْخُلْعِ إلَّا إذَا ضَمِنَ فَيُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ لَا بِالْعَقْدِ، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالْكِتَابَةِ لَيْسَ لَهُ قَبْضُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا طَالَبَ الْمُوَكِّلُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ لِمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إلَى الْعَاقِدِ قَوْلُهُ (فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الثَّمَنِ الْمَقْبُوضِ حَقُّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ ثُمَّ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْنٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ أَيْضًا دُونَ دَيْنِ الْوَكِيلِ وَبِدَيْنِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَ وَحْدَهُ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عِنْدَهُمَا وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْفَصْلَيْنِ أَيْ فِي الْإِبْرَاءِ وَالْمُقَاصَّةِ، وَقَوْلُهُ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إيَّاهُ فَإِنْ وَكَّلَهُ الْوَكِيلُ جَازَ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ فَإِنْ نَهَاهُ الْوَكِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ مَنْعُهُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ) لِيَصِيرَ الْفِعْلُ الْمُوَكِّلُ بِهِ مَعْلُومًا فَيُمْكِنُهُ الِائْتِمَارُ أَمَّا تَسْمِيَةُ جِنْسِهِ فَقَوْلُهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً. وَأَمَّا صِفَتُهُ فَقَوْلُهُ حَبَشِيٌّ أَوْ تُرْكِيٌّ أَوْ مُوَلَّدٌ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هَا هُنَا النَّوْعُ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَ وَذَكَرَ الثَّمَنَ، فَقَالَ اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ جِنْسِهِ وَمَبْلَغِ ثَمَنِهِ وَإِنْ كَانَ لَفْظًا يَجْمَعُ أَجْنَاسًا كَدَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ رَقِيقٍ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ حَتَّى يُبَيِّنَ النَّوْعَ مَعَ الثَّمَنِ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ كَالدَّارِ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّوْكِيلُ، وَإِنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ فَلَا يَدْرِي مُرَادَ الْآمِرِ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ

стр. 301

الْجِنْسَ أَوْ وَالصِّفَةَ أَوْ الْجِنْسَ وَمِقْدَارَ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ يَجْمَعُ أَنْوَاعًا لَا أَجْنَاسًا كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِبَيَانِ الثَّمَنِ أَوْ النَّوْعِ؛ لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ الثَّمَنِ يَصِيرُ النَّوْعُ مَعْلُومًا وَبِذَكَرِ النَّوْعِ تَقِلُّ الْجَهَالَةُ مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَوْعًا وَلَا ثَمَنًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا فَإِنْ بَيَّنَ النَّوْعَ كَالتُّرْكِيِّ أَوْ الْحَبَشِيِّ أَوْ الْهِنْدِيِّ جَازَ، وَكَذَا إذَا بَيَّنَ الثَّمَنَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُوجَدْ بِهَذَا الثَّمَنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. أَمَّا إذَا وُجِدَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ لِلْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ فَإِنَّ الدَّابَّةَ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَفِي الْعُرْفِ تُطْلَقُ عَلَى الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَقَدْ جَمَعَ أَنْوَاعًا، وَكَذَا الثَّوْبُ يَتَنَاوَلُ الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ وَالْحَرِيرَ وَالصُّوفَ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا، وَكَذَا الدَّارُ فِي مَعْنَى الْأَجْنَاسِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَحَالِّ وَالْجِيرَانِ وَالْبُلْدَانِ وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى دَارٍ لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً فَإِنْ سَمَّى جِنْسَ الدَّارِ وَثَمَنَهَا أَوْ نَوْعَ الدَّابَّةِ وَثَمَنَهَا بِأَنْ قَالَ حِمَارًا وَنَوْعَ الثَّوْبِ بِأَنْ قَالَ هَرَوِيٌّ أَوْ مَرْوِيٌّ جَازَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ أَعْطَى عُرْوَةَ دِينَارًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً» فَذَكَرَ الْجِنْسَ وَالثَّمَنَ وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الصِّفَةِ وَإِنْ قَالَ اشْتَرِ لِي شَاةً أَوْ عَبْدًا وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا وَلَا صِفَةً فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ وَمَا اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُسَمِّيَ نَوْعَهُ فَيَقُولَ هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَقَعُ عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِقَدْرِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِي كُلِّ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ مَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ وَكَالَةً عَامَّةً فَيَقُولَ لَهُ ابْتَعْ لِي مَا رَأَيْت) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى رَأْيِهِ فَأَيُّ شَيْءٍ يَشْتَرِيهِ يَكُونُ مُمْتَثِلًا كَمَا إذَا قَالَ لَهُ اشْتَرِ لِي أَيَّ ثَوْبٍ شِئْت أَوْ أَيَّ دَابَّةٍ أَرَدْت أَوْ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْك مِنْهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ جَارِيَةٍ سَمَّى جِنْسَهَا وَثَمَنَهَا فَاشْتَرَى لَهُ عَمْيَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ مُقْعَدَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْمُوَكِّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعَادَةِ أَنَّ النَّاسَ لَا يَشْتَرُونَ ذَلِكَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ مَوْجُودٌ فِي الصَّحِيحَةِ وَالْمَعِيبَةِ فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ عَوْرَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا مَعِيبَةٌ، وَقَدْ يَشْتَرُونَ الْمَعِيبَ، وَإِنْ قَالَ اشْتَرِ لِي جَارِيَةً تَخْدُمْنِي أَوْ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلْخَبْزِ فَاشْتَرَى عَمْيَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِلْعَمَلِ، وَإِنْ قَالَ اشْتَرِ لِي رَقَبَةً لَمْ يَجُزْ شِرَاءُ الْعَمْيَاءِ وَلَا مَقْطُوعَةِ الْيَدَيْنِ إجْمَاعًا فَإِنْ اشْتَرَى عَوْرَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ إحْدَى الْيَدَيْنِ لَزِمَتْ الْمُوَكِّلَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي مَا يَجُوزُ عِتْقُهَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ قَالَ اشْتَرِ لِي جَارِيَةً أَطَؤُهَا أَوْ أَسْتَوْلِدُهَا فَاشْتَرَى لَهُ رَتْقَاءَ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ مَجُوسِيَّةً لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ وَنَفَذَ الشِّرَاءُ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقَيْدَ. قَوْلُهُ (فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَهِيَ كُلُّهَا إلَيْهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْوَكَالَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْآمِرِ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِهِ حَجْرٌ عَلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ. [التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ] قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِعَقْدِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهِ وَمُرَادُهُ التَّوْكِيلُ بِالْإِسْلَامِ وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ السَّلَمِ أَمَّا التَّوْكِيلُ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِأَنْ وَكَّلَهُ يَقْبَلُ لَهُ السَّلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ تَوْكِيلٌ بِبَيْعِ طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ (فَإِنْ فَارَقَ الْوَكِيلُ صَاحِبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ قَوْلُهُ (وَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ) ؛ لِأَنَّهُ

стр. 302

لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ قَبْضُ الْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ فَيَصِحُّ قَبْضُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ فِي الْعَقْدِ لَا فِي الْقَبْضِ وَيَنْتَقِلُ كَلَامُهُ إلَى الْمُرْسَلِ فَصَارَ قَبْضُ الرَّسُولِ قَبْضَ غَيْرِ الْعَاقِدِ فَلَمْ يَصِحَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ بِالرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُرْسَلِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ فِي حَالَةِ الْعَقْدِ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى قَوْلُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ إنَّمَا لَا يُعْتَبَرُ إذَا جَاءَ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَمَّا إذَا جَاءَ فِي مَجْلِسِ عَقْدِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ الْعَقْدُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَيُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ صَارِفٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْوَكِيلِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ) ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا لَمْ يُحْبَسْ يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ قَوْلُهُ (وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) سَوَاءٌ كَانَ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ. وَقَالَ زُفَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَمَا أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَذَا لِلْوَكِيلِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُوَكِّلِ قَوْلُهُ (فَإِنْ حَبَسَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ كَانَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَضَمَانَ الْمَبِيعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَضَمَانَ الْغَصْبِ عِنْدَ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فَهُوَ بِحَبْسِهِ مُتَعَدٍّ فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ التَّعَدِّي وَلَهُمَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مِنْهُ فَكَانَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ مَعَ ثُبُوتِ حَقِّ الْحَبْسِ لَهُ فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ضَمَانَ الرَّهْنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَيْ يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الثَّمَنِ كَمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْمَبِيعِ عَشَرَةٌ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ بِخَمْسَةٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَصُورَةُ ضَمَانِ الْبَيْعِ أَنْ يَسْقُطَ الثَّمَنُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَكِيلَ يُجْعَلُ كَالْبَائِعِ وَالْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْهُ وَيُجْعَلُ الْمَبِيعُ كَأَنَّهُ هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ كَمَا فِي الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَصُورَةُ ضَمَانِ الْغَصْبِ هُوَ أَنْ تَجِبَ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا وُكِّلَا فِيهِ دُونَ الْآخَرِ) هَذَا إذَا وَكَّلَهُمَا بِكَلَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ قَالَ وَكَّلْتُكُمَا بِبَيْعِ عَبْدِي هَذَا أَمَّا إذَا وَكَّلَهُمَا بِكَلَامَيْنِ بِأَنْ وَكَّلَ أَحَدَهُمَا بِبَيْعِهِ ثُمَّ وَكَّلَ الْآخَرَ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَهُ فَأَيُّهُمَا بَاعَ جَازَ بِخِلَافِ الْوَصِيَّيْنِ إذَا أَوْصَى إلَيْهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ صَارَا وَصِيَّيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَإِنْ وَكَّلَهُمَا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ اشْتَرَى وَالْآخَرُ حَاضِرٌ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَأَجَازَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ وَكَّلَهُمَا وَأَحَدُهُمَا عَبْدٌ مَحْجُورٌ أَوْ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ لَمْ يَجُزْ لِلْآخَرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِبَيْعِهِ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِرَأْيِ وَاحِدٍ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَبِيعَهُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ غَصْبٍ أَوْ بِقَضَاءِ دَيْنٍ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ

стр. 303

فِي اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الْخُصُومَةِ مُتَعَذِّرٌ لِلْإِفْضَاءِ إلَى الشَّغَبِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَلِأَنَّهُمَا إذَا اشْتَرَكَا فِي الْخُصُومَةِ لَمْ يُفْهِمَا فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا فِيهَا مَقَامَ الْآخَرِ إلَّا إذَا انْتَهَيَا إلَى قَبْضِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ الْقَبْضُ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا طَلَاقُ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعِتْقُ عَبْدِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَرَدُّ الْوَدِيعَةِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ فَأَشْيَاءُ لَا تَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ مَحْضٌ فَعِبَارَةُ الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ فِيهِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُمَا طَلِّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا أَوْ أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إذَا طَلَّقَ وَأَبَى الْآخَرُ لَمْ يَقَعْ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ إلَى رَأْيِهِمَا وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهِمَا فَاعْتُبِرَ بِدُخُولِهِمَا الدَّارَ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقَاهَا جَمِيعًا ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا الْآخَرُ طَلْقَتَيْنِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى ثَلَاثٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ قَيَّدَ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُمَا بِقَبْضِهَا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْقَبْضِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إذَا قَبَضَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا وَهُوَ مُمْكِنٌ وَلَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ حِفْظَ اثْنَيْنِ أَنْفَعُ فَإِذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا صَارَ قَابِضًا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ فَيَضْمَنُ. وَأَمَّا إذَا قَبَضَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ لَا يَضْمَنُ وَقَوْلُهُ أَوْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ يَعْنِي زَوْجَةً بِعَيْنِهَا أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ أَمَّا إذَا وَكَّلَهُمَا بِطَلَاقِ زَوْجَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي إخْرَاجِ زَوْجَةٍ دُونَ زَوْجَةٍ وَعِتْقِ عَبْدٍ دُونَ عَبْدٍ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِذَلِكَ دُونَ صَاحِبِهِ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُمَا بِعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ خُلْعِ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْعِوَضُ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَوَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِقَبْضِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْبِضَهُ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا وَالشَّيْءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي. قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ بِمَا وُكِّلَ بِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ بِهِ الْمُوَكِّلُ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْآرَاءِ. وَأَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ (أَوْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك) لِإِطْلَاقِ التَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِهِ ثُمَّ إذَا أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ أَوْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَوَكَّلَ وَكِيلًا كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلًا عَنْ الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ عَزْلَهُ، وَكَذَا لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ وَيَنْعَزِلَانِ جَمِيعًا بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْفَتَاوَى إذَا وَكَّلَ رَجُلًا وَفَوَّضَ إلَيْهِ الْأَمْرَ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَلَهُ عَزْلُهُ أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ وَكِّلْ فُلَانًا فَوَكَّلَهُ الْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ إلَّا بِرِضَا الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلٍ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ رَأْيِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ حَصَلَ رَأْيُهُ وَتَكَلَّمُوا فِي الْعُهْدَةِ وَحُقُوقِ الْعَقْدِ عَلَى مَنْ هِيَ قَالَ الْبَقَّالِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ. وَفِي الْعُيُونِ وَقَاضِي خَانْ عَلَى الثَّانِي قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ إجَازَةُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ مَا عَقَدَ الثَّانِي بِحَضْرَتِهِ أَمْ لَا قَالَ فِي الْأَصْلِ لَا يُشْتَرَطُ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ يَقُولُونَ يُشْتَرَطُ وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَجَازَهُ وَقَوْلُهُ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ قَيَّدَ بِالْعَقْدِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَهُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ غَيْرَهُ بِذَلِكَ فَطَلَّقَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَوْ أَعْتَقَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُ لِلْأَوَّلِ كَالشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِتَطْلِيقِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقَعُ بِدُونِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَتَعَلَّقَانِ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ قَوْلُهُ (وَإِنْ عَقَدَ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَأَجَازَهُ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ جَازَ) إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ أَمَّا لَوْ اشْتَرَى فَالشِّرَاءُ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ. وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا عَقَدَ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ فَاتَهُ رَأْيُهُ إلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ فَيُجِيزَهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ غَيْرُ الْوَكِيلِ فَأَجَازَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَهُ رَأْيُهُ. قَوْلُهُ (وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ عَنْ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ) ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَهُ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ بِغَيْرِ رِضَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ كَمَا لَوْ وَضَعَ الرَّهْنَ عِنْدَ عَدْلٍ وَسَلَّطَهُ عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ ثُمَّ عَزَلَهُ الرَّاهِنُ لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ إذَا كَانَتْ

стр. 304

الْوَكَالَةُ مَشْرُوطَةً فِي الرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا بِالْعَزْلِ فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ انْعَزَلَ، وَكَذَا إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا كَائِنًا مَنْ كَانَ الرَّسُولُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا بَعْدَ أَنْ يُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ وَيَقُولَ إنَّ فُلَانًا أَرْسَلَنِي إلَيْك يَقُولُ إنِّي عَزَلْتُكَ عَنْ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، وَلَوْ لَمْ يَكْتُبْ إلَيْهِ وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ عَزَلَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى عَزْلِهِ وَالْوَكِيلُ غَائِبٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِالْعَزْلِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ انْعَزَلَ إجْمَاعًا سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ انْعَزَلَ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يَنْعَزِلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَنْعَزِلُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ. وَأَمَّا الْعَزْلُ الْحُكْمِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عِلْمِ الْوَكِيلِ وَيَنْعَزِلُ سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ نَحْوُ أَنْ يَمُوتَ الْمُوَكِّلُ أَوْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ عَبْدِهِ ثُمَّ إنَّهُ أَخْرَجَ الْعَبْدَ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ الْوَكِيلُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ وَهَبَهُ انْعَزَلَ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ عَادَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْمَوْلَى إنْ عَادَ بِفَسْخٍ عَادَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ عَادَ بِحُكْمِ مِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ تَعُدْ قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ حَتَّى يَعْلَمَ) ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ نَهْيٌ وَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا فَعَلَى هَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ ثُمَّ عَزَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَبَاعَ الْوَكِيلُ الْعَبْدَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ وَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى مَوْلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَزِلْ فَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَمَا لَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَبْدُ وَلَكِنَّ الْمَوْلَى بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ، وَإِنْ زَالَ بِهِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فَقَدْ عَزَلَ الْوَكِيلَ وَغَرَّهُ حِينَ لَمْ يُعْلِمْهُ بِالْعَزْلِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ الْعَبْدُ إلَى مِلْكِ الْمُوَكِّلِ عَلَى حُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ مِثْلُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ جَازَ لِلْوَكِيلِ بَيْعُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكٍ مُسْتَأْنَفٍ مِثْلُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ بِإِقَالَةٍ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ دُخُولًا مُسْتَأْنَفًا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً مُسْتَقْبَلًا. (فَرْعٌ) رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ غَدًا كَانَ وَكِيلًا فِي الْغَدِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ تَعْلِيقَ الْإِطْلَاقَاتِ بِالْخَطَرِ جَائِزٌ كَالتَّوْكِيلِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ وَكَّلْتُك أَوْ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَقَدْ وَكَّلْتُك وَكَالْإِذْنِ لِلْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَأَمَّا تَعْلِيقُ التَّمْلِيكَاتِ وَالتَّقْيِيدَاتِ بِالْخَطَرِ فَلَا يَجُوزُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالرَّجْعَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِذَا قَالَ لِلْوَكِيلِ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ عَزَلْتُك لَا يَنْعَزِلُ. قَوْلُهُ (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَبِجُنُونِهِ جُنُونًا مُطْبِقًا وَبِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ عَزْلَهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْجُنُونِ كَمَا إذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ إلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ جُنَّ، وَكَذَا الْعَدْلُ إذَا سَلَّطَهُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ مِنْ طَرِيقِ الْآمِرِ وَبِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ يَبْطُلُ أَمْرُهُ فَيَحْصُلُ تَصَرُّفُهُ بِغَيْرِ أَمْرٍ فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونِهِ تَعُودُ الْوَكَالَةُ كَذَا ذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ فِي بَابِ الْمَأْذُونِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ كَوْنَهُ مُطْبِقًا؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ وَالْإِغْمَاءُ مَرَضٌ وَالْمَرَضُ لَا يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ وَحَدُّ الْمُطْبِقِ شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ عَنْدَهُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ حَوْلٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْكَرْخِيِّ حَدُّ الْمُطْبِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ شَهْرٌ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ حَوْلٌ كَامِلٌ وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا أَكْثَرُ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَقَوْلُهُ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ، وَكَذَا وَكَالَتُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَتَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ امْرَأَةً فَارْتَدَّتْ فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَلْحَقَ وَيُحْكَمَ بِلَحَاقِهَا؛ لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا وَلَا تُزِيلُ أَمْلَاكَهَا، وَإِنْ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ عَلَى

стр. 305

وَكَالَتِهِ، وَإِنْ جَاءَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ لَمْ يَعُدْ الْوَكِيلُ فِي الْوَكَالَةِ الْأُولَى، وَإِنْ ارْتَدَّ الْوَكِيلُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ انْقَطَعَتْ وَكَالَتُهُ، وَإِنْ عَادَ لَمْ تَعُدْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَعُودُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَخَذَ الْوَرَثَةُ مَالِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَأَكَلُوهُ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُمْ، وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِي حَكَمَ بِلَحَاقِهِ وَقَضَى بِمَالِهِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ رَجَعَ مُسْلِمًا فَوَجَدَ جَارِيَةً فِي يَدِ الْوَارِثِ فَأَبَى الْوَارِثُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَأَعْتَقَهَا الْوَارِثُ أَوْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا كَانَ مَا صَنَعَهُ جَائِزًا وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَدِّ قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ الْمَأْذُونُ لَهُ فَحُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) ؛ لِأَنَّ عَجْزَ الْمُكَاتَبِ يُبْطِلُ إذْنَهُ كَمَوْتِهِ، وَكَذَا الْحَجْرُ عَلَى الْمَأْذُونِ وَافْتِرَاقُ الشَّرِيكَيْنِ يُبْطِلُ إذْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا اشْتَرَكَا فِيهِ وَلِأَنَّ بَقَاءَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ بَقَاءَ الْأَمْرِ، وَقَدْ بَطَلَ بِالْعَجْزِ وَالْحَجْرِ وَالِافْتِرَاقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ كَالْمَوْتِ وَقَوْلُهُ أَوْ الشَّرِيكَانِ فَافْتَرَقَا سَوَاءٌ اشْتَرَكَا عَنَانًا أَوْ مُفَاوَضَةً ثُمَّ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَالِثًا. قَوْلُهُ (وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ بَعْدَ جُنُونِهِ وَمَوْتِهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِمًا) قَبْلَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ حَتَّى عَادَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يَعُودُ وَكِيلًا إجْمَاعًا، وَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَعُودُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعُودُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ وَكَّلَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ تَعَذَّرَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْتَظِمُ وُجُوهًا مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَيَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَيُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَنْقَضِ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَيْضًا أَمَّا إذَا انْقَضَتْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُلْعِ فَخَالَعَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا لِتَعَذُّرِ التَّصَرُّفِ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ، وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءٍ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَالْعَزْلِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِالْهِبَةِ فَوَهَبَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ فَكَانَ دَلِيلُ عَدَمِ الْحَاجَةِ إمَّا الرَّدُّ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَهُوَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلَ زَوَالِ الْحَاجَةِ فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ ثُمَّ مَلَكَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُوَكِّلِ إخْرَاجٌ لِلْوَكِيلِ مِنْ الْوَكَالَةِ. قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ) ، وَكَذَا مَنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ مُؤْتَمَنٌ فَإِذَا بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مُتَّصِلَةٌ وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إلَّا فِي عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ وَلَا تُهْمَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ

стр. 306

مُتَبَايِنَةٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى، وَكَذَا لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ حَقِيقَةً بِالْعَجْزِ وَفِي قَوْلِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا فِي الْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْبَيْعَ مِنْهُمْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِأَقَلَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِالْبَيْعِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ قَالَ لَهُ بِعْ مِمَّنْ شِئْت فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًا وَإِنْ صَرَّحَ الْمُوَكِّلُ لَهُ بِذَلِكَ وَقَيَّدَ فِي الْمَبْسُوطِ بِالْعَبْدِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَأَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَدْيُونًا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ عِنْدَ تَعْمِيمِ الْمَشِيئَةِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ الْوَكِيلُ ابْنَتَهُ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ بَالِغَةً فَكَذَا أَيْضًا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ، وَكَذَا إذَا زَوَّجَهُ الْوَكِيلُ أَمَتَهُ أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهَا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَإِنْ زَوَّجَهُ أُخْتَهُ أَوْ مَنْ يَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهَا جَازَ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ) ، وَكَذَا بِالْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْبَيْعِ عَامٌّ وَمِنْ حُكْمِ اللَّفْظِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْخِلَافُ فِي الْوَكَالَةِ الْمُطْلَقَةِ أَمَّا إذَا قَالَ بِعْهُ بِمِائَةٍ أَوْ بِأَلْفٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقِصَ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ (وَقَالَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِالنُّقُودِ وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ هُوَ مَأْمُورٌ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ، وَقَدْ أَتَى بِبَيْعٍ مُطْلَقٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ اسْمٌ لِمُبَادَلَةِ مَالٍ بِمَالٍ وَذَلِكَ يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ بِالْعُرُوضِ كَمَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ بِالنُّقُودِ، وَكَذَا الْبَيْعُ بِالْمُحَابَاةِ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ مُحَابَاةً حَنِثَ ثُمَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَنْتَظِمُ نَقْدًا وَنَسِيئَةً إلَى أَيِّ أَجَلٍ كَانَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْآمِرُ وَالْوَكِيلُ، فَقَالَ الْآمِرُ أَمَرْتُك أَنْ تَبِيعَ بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَسِيئَةٍ، وَقَالَ الْوَكِيلُ أَمَرْتنِي بِبَيْعِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَجَائِزٌ لِمَنْ وَكَّلَ بِبَيْعِ شَيْءٍ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ نَقْدًا وَلَا نَسِيئَةً أَنْ يَبِيعَهُ نَسِيئَةً إجْمَاعًا. قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا) قَالَ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ هَذَا فِيمَا لَيْسَتْ لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ. وَأَمَّا مَا لَهُ قِيمَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ إذَا زَادَ لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ كَذَا فِي شَاهَانْ قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) ثُمَّ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ إجْمَاعًا فَإِنْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ هَؤُلَاءِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ جُمْلَةُ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِالتَّسْلِيطِ حُكْمُهُمْ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ مِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ، وَقَدْرُ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ يُجْعَلُ عَفْوًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَعَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ وَالْمَأْذُونُ يَجُوزُ لَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَبِيعُوا مَا يُسَاوِي أَلْفًا بِدِرْهَمٍ وَيَشْتَرُوا مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِأَلْفٍ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْمَعْرُوفِ. وَأَمَّا الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْفَمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ إجْمَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْفَمَا كَانَ شِرَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ أَوْ مُفَاوَضَةٍ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ يَجُوزُ بَيْعُ هَؤُلَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا عَزَّ وَهَانَ وَبِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَعْرُوفِ. وَأَمَّا شِرَاؤُهُمْ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْمَعْرُوفِ إجْمَاعًا فَإِنْ اشْتَرَوْا بِخِلَافِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَوْ بِغَيْرِ النُّقُودِ نَفَذَ شِرَاؤُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَمِنُوا مَا تَعَدَّوْا فِيهِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِمْ إجْمَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُجْعَلُ قَدْرُ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ عَفْوًا وَهُوَ الْمَرِيضُ إذَا بَاعَ مَالَهُ

стр. 307

فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَحَابَا فِيهِ قَلِيلًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُحَابَاتُهُ، وَإِنْ قَلَّتْ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ زَادَ فِي الثَّمَنِ إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ. وَأَمَّا وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا بَاعَ تَرِكَتَهُ لِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَحَابَى فِيهِ قَدْرَ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ صَحَّ بَيْعُهُ وَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَكَذَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ مِنْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ وَحَابَى فِيهِ، وَإِنْ قَلَّ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِهِمَا. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ حَتَّى يُجِيزَ سَائِرُ وَرَثَتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ مِنْهُمْ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ، وَلَوْ بَاعَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَحَابَاهُ فِيهِ قَلِيلًا لَا يَجُوزُ، وَكَذَا الْوَصِيُّ إذَا بَاعَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَحَابَى فِيهِ قَلِيلًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ مَا لَمْ يَكُنْ خَيْرًا وَهُوَ الْوَصِيُّ إذَا بَاعَ مَالَهُ مِنْ الْيَتِيمِ أَوْ اشْتَرَى فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ (وَاَلَّذِي لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ) ؛ لِأَنَّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَوِّمُهُ إنْسَانٌ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَحَقِّقَةً عُفِيَ عَنْهَا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الَّذِي يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ نِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ فَهُوَ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَقَالَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى قَدْرُ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فِي الْعُرُوضِ ده نيم وَهُوَ نِصْفُ الْعُشْرِ وَفِي الْحَيَوَانِ ده يازده وَهُوَ الْعُشْرُ وَفِي الْعَقَارِ ده وازده وَهُوَ الْخُمُسُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فِي الْعُرُوضِ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ نِصْفَ دِرْهَمٍ وَفِي الْحَيَوَانِ فِي الْعَشَرَةِ دِرْهَمٌ، وَفِي الْعَقَارِ فِي الْعَشَرَةِ دِرْهَمَانِ وَمَا خَرَجَ مِنْ هَذَا فَهُوَ مِمَّا لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي الْعُرُوضِ وَيَقِلُّ فِي الْعَقَارِ وَيَتَوَسَّطُ فِي الْحَيَوَانِ وَكَثْرَةُ الْغَبْنِ لِقِلَّةِ التَّصَرُّفِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا ضَمِنَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ الثَّمَنَ عَنْ الْمُبْتَاعِ فَضَمَانُهُ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَكِيلِ إذَا بَاعَ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِيمَا يَقْبِضُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَلَمْ يَجُزْ نَفْيُ مُوجَبِ الْقَبْضِ مِنْ كَوْنِهِ أَمِينًا فِيهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُودَعِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَصِحَّ كَذَا هَذَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ عَلَى أَنْ يُبَرِّئَ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ كَانَتْ الْحَوَالَةُ بَاطِلَةً وَالْمَالُ عَلَى حَالِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ، وَكَذَا إذَا بَاعَ جُزْءًا مِنْهُ مَعْلُومًا غَيْرَ النِّصْفِ مِثْلَ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ بَاعَ الْبَاقِي مِنْهُ أَوْ لَمْ يَبِعْهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِافْتِرَاقِ وَالِاجْتِمَاعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ جَازَ عِنْدَهُ فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يَبِيعَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا أَوْ يُجِيزَهُ الْآمِرُ، وَكَذَلِكَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ كَالْأَمَةِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ نِصْفَ مَا وَكَّلَ بِهِ وَلَيْسَ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ جَازَ إجْمَاعًا. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ غَيْرَ النِّصْفِ فَهُوَ مِثْلُ النِّصْفِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشِّرَاءَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ التُّهْمَةُ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَى النِّصْفَ لِنَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ وَنِصْفُ الْعَبْدِ لَيْسَ بِعَبْدٍ وَقَوْلُهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ أَيْ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُوَكِّلُ نَفَذَ عِتْقُهُ وَيَكُونُ الْعِتْقُ إجَازَةً مِنْهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَكُونُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ لَا يَتَوَقَّفُ إذَا وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْعَاقِدِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِي قَبْلَ الْعِتْقِ فَحِينَئِذٍ يَتَحَوَّلُ إلَى الْآمِرِ قَوْلُهُ (فَإِنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ) ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْبَعْضِ قَدْ يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الِامْتِثَالِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ شِقْصًا شِقْصًا فَإِذَا اشْتَرَى الْبَاقِيَ قَبْلَ رَدِّ الْآمِرِ الْبَيْعَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ فَيَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي الْخُجَنْدِيِّ إذَا اشْتَرَى بَاقِيَهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ وَإِذَا اخْتَصَمَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ إلَى الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ الْبَاقِيَ وَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الْوَكِيلَ ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَ الْوَكِيلَ إجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ مَا فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ فَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ فَاشْتَرَى بَعْضَهُ لَزِمَ الْآمِرَ سَوَاءٌ

стр. 308

اشْتَرَى الْبَاقِيَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِ نَحْوُ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِشِرَاءِ كُرِّ حِنْطَةٍ بِمِائَةٍ فَاشْتَرَى نِصْفَ كُرٍّ بِخَمْسِينَ لَزِمَ الْآمِرَ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ فَاشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهُمَا لَزِمَ الْآمِرَ إجْمَاعًا، وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ فَاشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهَا لَزِمَ الْآمِرَ. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَى عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ مِنْ لَحْمٍ يُبَاع مِثْلُهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشَرَةٌ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ وَهُوَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِعَشَرَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ مِنْ ذَلِكَ اللَّحْمِ تُسَاوِي قِيمَتَهُ دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ عَشَرَةٌ مِنْهُ لَا تُسَاوِي ذَلِكَ نَفَذَ الْكُلُّ عَلَى الْوَكِيلِ إجْمَاعًا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَشَرَةَ تَثْبُتُ ضِمْنًا فِي الْعِشْرِينَ لَا قَصْدًا، وَهَذَا قَدْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةٍ قَصْدًا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا إذَا قَالَ طَلِّقْ امْرَأَتِي وَاحِدَةً فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا تَقَعُ الْوَاحِدَةُ لِثُبُوتِهَا فِي ضِمْنِ الثَّلَاثِ وَالْمُتَضَمِّنُ لَا يَثْبُتُ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ بِهِ قُلْنَا ذَاكَ مُسَلَّمٌ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُتَضَمِّنَ لَا يَثْبُتُ أَصْلًا لَا مِنْ الْمُوَكِّلِ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ بِهِ وَلَا مِنْ الْوَكِيلِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ امْرَأَةُ الْمُوَكِّلِ وَهُنَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الشِّرَاءُ مِنْ الْمُوَكِّلِ ثَبَتَ مِنْ الْوَكِيلِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي شَرْحِهِ أَبُو يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَحْدَهُ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى مِمَّا يُسَاوِي عِشْرِينَ رِطْلًا بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السَّمِينُ، وَهَذَا مَهْزُولٌ فَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْآمِرِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ الْوَكَالَةَ تَعَيَّنَتْ فَفِعْلُ مَا يَتَعَيَّنُ يَقَعُ لِمُسْتَحِقِّهِ سَوَاءٌ نَوَى عِنْدَ الْعَقْدِ الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْت لِنَفْسِي فَهُوَ لِلْمُوَكِّلِ إلَّا إذَا خَالَفَ فِي الثَّمَنِ إلَى شِرَاءٍ وَإِلَى جِنْسٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوَكِّلُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا أَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَقَدْ صَرَّحَ الْوَكِيلُ لِنَفْسِهِ يَصِيرُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَزَلَ نَفْسَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ دُونَ غَيْبَتِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِخِلَافِ جِنْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فَاشْتَرَى بِغَيْرِ النُّقُودِ أَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَى الثَّانِي وَهُوَ غَائِبٌ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ اشْتَرَى الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ نَفَذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَ رَأْيَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَهَذَا أَيْضًا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الثَّمَنَ أَمَّا إذَا عَيَّنَهُ فَاشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ إلَى شِرَاءٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَاشْتَرَى عَبْدًا فَهُوَ لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْت الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ إنْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ لِلْآمِرِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ إنْ نَوَاهُ لِلْآمِرِ فَلِلْآمِرِ وَإِنْ نَوَاهُ لِنَفْسِهِ فَلِنَفْسِهِ، وَإِنْ تَكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ يُحَكَّمُ النَّقْدُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ نِيَّةٌ قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ لِلْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحْكَمُ النَّقْدُ؛ لِأَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ مَوْقُوفًا فَأَيُّ الْمَالَيْنِ نَقَدَ فَقَدْ فَعَلَ الْمُحْتَمَلَ لِصَاحِبِهِ قَوْلُهُ (أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمَالِ الْمُوَكِّلِ) أَرَادَ بِهِ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ النَّقْدَ مِنْ مَالِهِ أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِدَرَاهِمَ

стр. 309

مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَقَدَ الْمَدْفُوعَةَ إلَى الْوَكِيلِ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَفْصِيلًا وَفِيمَا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى دَرَاهِمِ الْمُوَكِّلِ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ لِلْآمِرِ سَوَاءٌ نَقَدَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ مَا أَضَافَ إلَيْهِ الْعَقْدَ أَوْ نَقَدَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَذَا فِي شَاهَانْ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْنِي هَذَا الْعَبْدَ لِفُلَانٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون فُلَانٌ أَمَرَهُ فَإِنَّ فُلَانًا يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْإِنْكَارُ اللَّاحِقُ فَإِنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ آمُرْهُ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ ارْتَدَّ بِرَدِّهِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ فَيَكُونَ بَيْعًا بِالتَّعَاطِي وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ يَكْفِي بِالتَّعَاطِي، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْدُ الثَّمَنِ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي النَّفِيسِ وَالْخَسِيسِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَا بُدَّ فِي بَيْعِ التَّعَاطِي مِنْ نَقْدِ الثَّمَنِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ. قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) خِلَافًا لِزُفَرَ هُوَ يَقُولُ إنَّهُ رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَنَا أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئًا يَمْلِكُ إتْمَامَهُ وَتَمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ مَأْمُورٌ بِقَطْعِهَا وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ لِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْوُكَلَاءِ، وَقَدْ يُؤْتَمَنُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَصُورَتُهُ رَجُلٌ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَأَثْبَتَهُ الْوَكِيلُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُوَكِّلُ بِالْقَبْضِ وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ إلَّا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ كَانَ وَاثِقًا بِقَبْضِهِ لَنَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ لَا يَقْبِضَانِ إلَّا مَعًا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا. قَوْلُهُ (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَكِيلٌ بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوْ إبْرَائِهِ يُقْبَلُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَعِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَصْلُحُ لِلْقَبْضِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْخُصُومَةِ فَلِمَ يَكُونُ رِضَاهُ بِقَبْضِهِ رِضًا بِخُصُومَتِهِ وَلَيْسَ كُلُّ مُؤْتَمَنٍ عَلَى الْقَبْضِ يَصْلُحُ لِلْخُصُومَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمُطَالَبَةٍ وَمُخَاصَمَةٍ كَالْوَكِيلِ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَأَمَّا الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ فِيهَا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالنَّقْلِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِنَقْلِ الزَّوْجَةِ وَالنَّقْلُ لَيْسَ بِمُبَادَلَةٍ فَأَشْبَهَ الرَّسُولَ قَوْلُهُ (وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ إقْرَارُهُ) صُورَتُهُ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا فَأَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ أَوْ كَانَ وَكِيل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِلُزُومِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيرِ قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) اسْتِحْسَانًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ ظَالِمٌ لَهُ بِمُطَالَبَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَلَا تَصِحُّ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي) ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ. وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ وَالْإِقْرَارُ يُضَادُّهُ؛ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الصُّلْحَ وَالْإِبْرَاءَ ثُمَّ الْوَكِيلُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَهَلْ تُقْبَلُ لَهُ؟ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَا وُكِّلَ بِهِ قُبِلَتْ وَإِنْ كَانَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ إنْ

стр. 310

شَهِدَ قَبْلَ الْعَزْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ خَاصَمَ فِيهِ لَا تُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُخَاصِمْ قُبِلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي الْمُصَفَّى إذَا عُزِلَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ قَبْلَ أَنْ يُخَاصِمَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لَهُمَا، وَإِنْ خَاصَمَ لَا تُقْبَلُ إجْمَاعًا. وَفِي الْيَنَابِيعِ إذَا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فَخَاصَمَ ثُمَّ عَزَلَهُ فَشَهِدَ الْوَكِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْحَقِّ فَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ غَيْرِ الْقَاضِي قُبِلَتْ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْوَكَالَةِ خَاصَمَ أَوْ لَمْ يُخَاصِمْ. قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَيْهِ) أَيْ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ ظَهَرَتْ بِالتَّصْدِيقِ وَلِأَنَّ تَصْدِيقَهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَيَّدَ بِالتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ أَوْ كَذَّبَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ وَلَكِنْ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ فَصَدَّقَهُ وَإِلَّا دَفَعَ الْغَرِيمُ إلَيْهِ الدَّيْنَ ثَانِيًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيفَاءُ حَيْثُ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ) قَيَّدَ بِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَاعَ فِي يَدِهِ أَوْ هَلَكَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ وَهُوَ مَظْلُومٌ فِي هَذَا الْأَخْذِ وَالْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى ادِّعَائِهِ فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْغَرِيمِ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَاؤُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَدْفُوعَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى صَارَ حَقًّا لِلْغَائِبِ أَمَّا ظَاهِرًا أَوْ مُحْتَمَلًا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا جَاءَ الْمُوَكِّلُ إنْ أَقَرَّ بِالْوَكَالَةِ مَضَى الْأَمْرُ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنْ أَنْكَرَهَا أَخَذَ دَيْنَهُ مِنْ الْغَرِيمِ ثَانِيًا وَالْغَرِيمُ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ ضَمَّنَهُ مِثْلَهُ وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إنْ كَانَ صَدَّقَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ سَكَتَ رَجَعَ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا رَجَعَ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْغَرِيمِ وَأَرَادَ الْغَرِيمُ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَا وَكَّلْت كَانَ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَى الْوَكِيلِ عَنْ تَصْدِيقٍ وَإِنْ كَانَ عَنْ سُكُوتٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ إلَّا إذَا عَادَ إلَى التَّصْدِيقِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ عَنْ جُحُودٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ وَإِنْ عَادَ إلَى التَّصْدِيقِ وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ إنِّي وَكِيلُ الْغَائِبِ بِقَبْضِ الْوَدِيعَةِ وَصَدَّقَهُ الْمُودَعُ ثَمَّ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ وَإِقْرَارُهُ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا فِي مِلْكِهِ. وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَهِيَ عَيْنُ مَالِ الْغَيْرِ وَالْإِقْرَارُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْفُذُ وَمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ فَأَنْفَقَ عَشَرَةً مِنْ عِنْدِهِ فَالْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَفِي الْكَرْخِيِّ إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا لِيَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ فَدَفَعَ الْوَكِيلُ إلَى الْغَرِيمِ أَلْفًا مِنْ مَالِهِ وَاقْتَضَى الْأَلْفَ الَّتِي دُفِعَتْ إلَيْهِ جَازَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ بِهَذِهِ الْأَلْفِ فَاشْتَرَى بِأَلْفٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ أَخَذَهَا عِوَضًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْكَفَالَةِ] الْكَفَالَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الضَّمُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أَيْ ضَمَّهَا إلَى نَفْسِهِ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَفَالَةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ضَمُّ إحْدَى الذِّمَّتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ دُونَ الدَّيْنِ بَلْ أَصْلُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ عَلَى حَالِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الْكَفَالَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ فَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمَالِ فَإِنْ قِيلَ إذَا تَكَفَّلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إحْضَارِهِ؛ لِأَنَّ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ قُلْنَا أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى

стр. 311

إحْضَارِهِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ وَجَوَازُ الْكَفَالَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إمْكَانِ الْأَدَاءِ دُونَ اسْتِحْقَاقِهِ قَوْلُهُ (وَعَلَى الضَّامِنِ بِهَا إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ هُوَ الَّذِي لَزِمَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَقَدْ الْتَزَمَهُ الْكَفِيلُ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إحْضَارِهِ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ ذَلِكَ فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَتَنْعَقِدُ إذَا قَالَ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِ فُلَانٍ أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ) أَوْ بِوَجْهِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ قَوْلُهُ (أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ) ، وَكَذَا بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ تَكَفَّلْت بِيَدِ فُلَانٍ أَوْ بِرِجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. وَأَمَّا إذَا أَضَافَ الْجُزْءَ إلَى الْكَفِيلِ بِأَنْ قَالَ الْكَفِيلُ كَفَلَ لَك نِصْفِي أَوْ ثُلُثِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرَّهْنِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ ضَمِنْته لَك أَوْ هُوَ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ كَفِيلٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ بِهِ) أَوْ أَنَا ضَامِنٌ بِوَجْهِهِ أَمَّا إذَا قَالَ أَنَا ضَامِنٌ بِمَعْرِفَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ تَكَلَّفْتُ بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَفِيلٌ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَقُولَ فَإِنْ مَضَتْ فَأَنَا بَرِيءٌ فَيَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَطَ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ. قَوْلُهُ (فَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ إذَا طَالَبَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ وَإِذَا أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَ فِي مَكَان يَقْدِرُ الْمَكْفُولُ لَهُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الْكَفَالَةِ) فَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ الْمَسَافَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ، وَهَذَا إذَا عَلِمَ الْكَفِيلُ مَكَانَهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَكَانَهُ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مَكَانَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ بِالنَّفْسِ نَفْسَهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ بِجِهَةِ الْكَفَالَةِ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ حَتَّى إنَّهُ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالْأَمْرِ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ الْأَمْرِ لَا يَبْرَأُ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ، وَلَوْ أَنَّ ثَلَاثَةً كُفِّلُوا بِنَفْسِ رَجُلٍ كَفَالَةً وَاحِدَةً فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمْ بَرِئُوا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُتَفَرِّقَةٌ لَمْ يَبْرَأْ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ أَوْجَبَ إحْضَارًا عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ تَكَفَّلَ ثَلَاثَةٌ بِمَالٍ كَفَالَةً وَاحِدَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً فَأَدَّى أَحَدُهُمْ جَمِيعَ الْمَالِ بَرِئَ الْبَاقُونَ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَكَفَّلَ بِهِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِئَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَا عَلَى الْإِحْضَارِ، وَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ فِي نَوَاحِي الْبَلَدِ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ يَبْرَأْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُحَاكَمَةِ فِيهَا وَلَا عَلَى إحْضَارِهِ إلَى الْقَاضِي، وَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ فِي الْوَادِي لِعَدَمِ قَاضٍ يَفْصِلُ الْحُكْمَ بِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ فِي مِصْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْمِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ فِيهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ قُلْنَا وَلَعَلَّ شُهُودَهُ فِي هَذَا الْمِصْرِ أَيْضًا فَتَعَارَضَتْ الْمُوهِمَاتُ، وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ، وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُحَاكَمَةِ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْكَفَالَةِ وَإِذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَمْ يَبْرَأْ) لِعَجْزِهِ عَنْ إحْضَارِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ بِنَفْسِهِ وَمَالُهُ

стр. 312

لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الْوَاجِبِ بِخِلَافِ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ. وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ فَعَلَى الْكَفِيلِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى وَرَثَتِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى بَعْضِهِمْ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ لَهُ خَاصَّةً وَلِلْبَاقِينَ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فَلِوَصِيِّهِمْ أَنْ يُطَالِبَهُ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى أَحَدِ الْوَصِيِّينَ بَرِئَ فِي حَقِّهِ وَلِلْآخَرِ أَنْ يُطَالِبَهُ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَلْفٌ فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ ضَمَانُ الْمَالِ وَلَمْ يُبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ) وَعَلَى هَذَا إذَا كَفَلَ لِامْرَأَةٍ بِنَفْسِ زَوْجِهَا فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ إلَى الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ فَإِذَا وَفَّى أَحَدَهُمَا بَقِيَ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ ضَمَانُ الْأَلْفِ قُلْنَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ. [الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ] قَوْلُهُ (وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لِلتَّوَثُّقِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِدَرْءِ الْحُدُودِ وَتَرْكِ التَّوَثُّقِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ وَفِي الْهِدَايَةِ مَعْنَاهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُجْبَرُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ وَفِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ فَيَلِيقُ بِهِمَا الِاسْتِيثَاقُ بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَلَوْ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ وَصُورَتُهُ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فِي قَذْفٍ فَأَنْكَرَهُ فَسَأَلَ الْمُدَّعِي الْقَاضِيَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُ لَازِمْهُ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ قِيَامِي فَإِنْ أَحْضَرَ شُهُودَهُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَاضِي وَإِلَّا خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَعِنْدَهُمَا يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُقِيمَ لَهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالْكَفِيلُ إنَّمَا يَضْمَنُ الْإِحْضَارَ. وَأَمَّا نَفْسُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصُ فَلَا يَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهَا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْكَفِيلِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ فَجَائِزَةٌ مَعْلُومًا كَانَ الْمَالُ الْمَكْفُولُ بِهِ أَوْ مَجْهُولًا إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ تَكَفَّلْت عَنْهُ بِأَلْفٍ أَوْ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ أَوْ بِمَا يُدْرِكُك مِنْ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْكَفَالَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ فَيَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا مِثْلُ أَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ وَالْقَرْضِ وَالصَّدَاقِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ بِخِلَافِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ إزَالَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَالْكَفِيلُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ قَوْلُهُ (وَالْمَكْفُولُ لَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ طَالَبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ كَفِيلَهُ) ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ فِي الْمُطَالَبَةُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِيَامَ الْأَوَّلِ لَا الْبَرَاءَةَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا الضَّمُّ. [تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ] قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ) يَعْنِي إذَا كَانَ الشَّرْطُ سَبَبًا لَهُ وَمُلَائِمًا لَهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْحَقِّ كَقَوْلِهِ مَا بَايَعْت فُلَانًا أَوْ دَايَنْته أَوْ مَا ثَبَتَ لَك عَلَيْهِ فَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ الشَّرْطُ. وَأَمَّا الْمَالُ فَيَلْزَمُ الْكَفِيلَ حَالًّا وَإِنْ تَكَفَّلَ إلَى أَجَلٍ إنْ كَانَ أَجَلًا مُعَيَّنًا يَتَعَارَفُهُ التُّجَّارُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ تَكَفَّلَ إلَى الْحَصَادِ أَوْ الدِّيَاسِ أَوْ الْقِطَافِ جَازَ، وَإِنْ قَالَ إلَى أَنْ تُمْطِرَ السَّمَاءُ فَالْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ وَالتَّأْجِيلُ بَاطِلٌ وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا قَوْلُهُ (مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَا بَايَعْت فُلَانًا فَعَلَيَّ أَوْ مَا ذَابَ لَك

стр. 313

عَلَيْهِ) أَيْ تَقَرَّرَ (فَعَلَيَّ) إنَّمَا قَالَ فُلَانًا لِيُعْلَمَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ مَا بَايَعَتْ مِنْ النَّاسِ فَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ لَمْ يَجُزْ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَالْمَكْفُولِ بِهِ فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي شَاهَانْ، وَإِنْ قَالَ مَا ذَابَ لَك عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ عَلَيَّ لَمْ تَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَا ذَابَ عَلَيْك لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ عَلَيَّ لَمْ تَصِحَّ لِجَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ. قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ تَكَفَّلْت بِمَا لَك عَلَيْهِ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ ضَمِنَهَا الْكَفِيلُ) إنَّمَا صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِالْمَجْهُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ كَفِيلٌ وَحِمْلُ الْبَعِيرِ مَجْهُولٌ قَدْ يَزِيدُ، وَقَدْ يَنْقُصُ قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي مِقْدَارِ مَا يَعْتَرِفُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُلْتَزِمُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى كَفِيلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ (وَتَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِثُبُوتِ الرُّجُوعِ إذْ هُوَ عِنْدَ أَمْرِهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ) هَذَا إذَا كَانَ الْآمِرُ مِمَّنْ يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالدُّيُونِ وَيَمْلِكُ التَّبَرُّعَ حَتَّى لَوْ كَانَ صَبِيًّا مَحْجُورًا أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يَكْفُلَ عَنْهُ فَالْكَفَالَةُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ إذَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اضْمَنْ لِفُلَانٍ عَنِّي بِأَلْفٍ لَهُ عَلَيَّ أَمَّا إذَا قَالَ اضْمَنْ الْأَلْفَ الَّذِي لِفُلَانٍ عَلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا،. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ حِرِّيفًا لَهُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ حِرِّيفًا لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ خَلِيطًا لَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا اسْتِحْسَانًا وَالْخَلِيطُ هُوَ الَّذِي فِي عِيَالِهِ كَالْوَالِدِ الَّذِي هُوَ فِي عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ مِنْ الْأُجَرَاءِ وَالشَّرِيكِ شَرِكَةَ عِنَانٍ وَقِيلَ الْخَلِيطُ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ وَيُدَايِنُهُ وَيَضَعُ عِنْدَهُ الْمَالَ، وَلَوْ تَكَفَّلَ الْعَبْدُ عَنْ مَوْلَاهُ بِأَمْرِهِ فَعَتَقَ ثُمَّ أَدَّى لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ. وَقَوْلُهُ رَجَعَ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ هَذَا إذَا أَدَّى مِثْلَ الدَّيْنِ الَّذِي ضَمِنَهُ قَدْرًا وَصِفَةً أَمَّا إذَا أَدَّى خِلَافَهُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ لَا بِمَا أَدَّى كَمَا إذَا تَكَفَّلَ بِصِحَاحٍ أَوْ جِيَادٍ فَأَدَّى مُكَسَّرَةً أَوْ زُيُوفًا وَتَجَوَّزَ بِهَا الطَّالِبُ أَوْ أَعْطَاهُ دَنَانِيرَ أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ أَيْ بِالصِّحَاحِ وَالْجِيَادِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الدَّيْنَ بِالْأَدَاءِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَمْلِكَ الدَّيْنَ بِالْأَدَاءِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا يُؤَدِّي عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِيمَنْ كَفَلَ لِلرَّجُلِ بِأَلْفٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَمَاتَ الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ وَارِثُهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ وَمَلَكَهُ، وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمَكْفُولِ عَنْهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَفَلَ بِأَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ الْمَالَ عَنْهُ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ الطَّالِبُ الْمَالَ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَفَلَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ كَذَا فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلْكَفِيلِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ بِالْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ فِي حُكْمِ الْمُقْرِضِ وَمَنْ سَأَلَ رَجُلًا أَنْ

стр. 314

يُقْرِضَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ لُوزِمَ بِالْمَالِ كَانَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ) يَعْنِي مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْحَبْسِ. وَكَذَا إذَا حُبِسَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ وَمَا لَحِقَهُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُعَامِلَهُ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ قَوْلُهُ (وَإِذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَكْفُولَ عَنْهُ أَوْ اسْتَوْفَى مِنْهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ) سَوَاءٌ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إنَّمَا ضَمِنَ مَا فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فَإِذَا أَدَّى مَا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّتِهِ شَيْء تَعُودُ الْكَفَالَةُ إلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ الْبَرَاءَةَ فَإِنْ رَدَّهَا ارْتَدَّتْ وَهَلْ يَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى الْكَفِيلِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَعُودُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَعُودُ، وَلَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْقَبُولِ قَوْلُهُ (وَإِنْ بَرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يُبْرَأْ الْأَصِيلُ) ، وَكَذَا إذَا أَخَّرَ الطَّالِبُ عَنْ الْأَصِيلِ فَهُوَ تَأْخِيرٌ عَنْ كَفِيلِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ عَنْ الْكَفِيلِ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرًا عَنْ الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ وَبَرَاءَةُ الْكَفِيلِ لَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الْبَرَاءَةَ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ الرَّدِّ فَيَقُومَ ذَلِكَ مَقَامَ الْقَبُولِ، وَلَوْ رَدَّهُ ارْتَدَّ وَدُيِّنَ الطَّالِبُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْكَفِيلَ صَحَّ الْإِبْرَاءُ سَوَاءٌ قَبِلَ الْبَرَاءَةَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ وَهَبَ لَهُ الدَّيْنَ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فَإِذَا قَبِلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَصِيلِ كَمَا إذَا أَدَّى، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْت إلَيَّ صَارَ كَأَنَّهُ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ قَالَ أَبْرَأْتُك بَرِئَ الْكَفِيلُ وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ، وَإِنْ قَالَ بَرِئْت وَلَمْ يَقُلْ إلَيَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ كَقَوْلِهِ بَرِئْت إلَيَّ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ كَقَوْلِهِ أَبْرَأْتُك يَبْرَأُ الْكَفِيلُ خَاصَّةً دُونَ الْأَصِيلِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ كَسَائِرِ الْبَرَاءَاتِ وَيُرْوَى أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةَ دُونَ الدَّيْنِ فَكَانَ إسْقَاطًا مَحْضًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْكَفِيلِ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ إبْرَاءِ الْأَصِيلِ. وَأَمَّا بَرَاءَةُ الْأَصِيلِ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّرُوطِ. قَوْلُهُ (وَكُلُّ حَقٍّ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) مَعْنَاهُ بِنَفْسِ الْحَدِّ لَا بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إيجَابُهُ عَلَيْهِ إذْ الْعُقُوبَةُ لَا تُجْزِي فِيهَا النِّيَابَةُ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَكَفَّلَ عَنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ قَوْلُهُ (وَإِنْ تَكَفَّلَ عَنْ الْبَائِعِ بِالْمَبِيعِ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَيْنٌ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ وَإِذَا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَا يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ إذْ هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إلَى الذِّمَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّمُّ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ فَإِنْ كَانَتْ بِعَيْنِهَا لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الدَّابَّةِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلَا يَبْقَى ثَمَّةَ إجَازَةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ بِهَا وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا جَازَتْ الْكَفَالَةُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْحَمْلُ وَيُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ بِأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ إلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) ، وَكَذَا الْحَوَالَةُ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ بَلْ إذَا بَلَغَهُ فَأَجَازَهُ وَرَضِيَ بِهِ جَازَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِجَازَةَ عِنْدَهُ وَتَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَالَةِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ فَيَقُومُ بِهِمَا

стр. 315

جَمِيعًا أَيْ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْإِيجَابُ شَطْرُ الْعَقْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَكْفُولِ لَهُ فَوَقَفَ عَلَى رِضَاهُ وَقَبُولِهِ كَالْبَيْعِ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ إيجَابُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْلِ فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ تَكَفَّلْت لِفُلَانٍ كُلَّ الْعَقْدِ عَلَى أَصْلِهِ فَيَقِفُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا قَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ غَائِبٌ أَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِ عِنْدَهُ وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إذَا قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِرَجُلٍ إنَّ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا مِنْ الدَّيْنِ فَاكْفُلْ لَهُ بِهِ عَنِّي أَوْ احْتَلْ لَهُ بِهِ، فَقَالَ كَفَلْت أَوْ ضَمِنْت أَوْ احْتَلْت ثُمَّ بَلَغَ الطَّالِبَ ذَلِكَ فَأَجَازَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ أَنَّ فُضُولِيًّا قَالَ ضَمِنْت مَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ فَبَلَغَهُمَا فَأَجَازَا فَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَإِذَا قَبِلَ مِنْ الْغَائِبِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا قَوْلُهُ (إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ عَنِّي بِمَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ فَتَكَفَّلَ بِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ) يَعْنِي إذَا أَجَازَ الطَّالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَكْفُولَ لَهُمْ وَلِهَذَا قَالُوا إنَّمَا تَصِحُّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ يُقَالُ أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ تَفْرِيغًا لِذِمَّتِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ كَمَا إذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ صَارَ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ أَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَاكِ وَصَارَ كَأَنَّ الدَّيْنَ انْتَقَلَ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى التَّرِكَةِ فَصَارَ خِطَابُهُ كَخِطَابِ الْأَجْنَبِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُخَاطَبَ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا فَإِنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ. قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى اثْنَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ عَنْ الْآخَرِ) كَمَا إذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا بِأَلْفٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ (فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ مَا يُؤَدِّيهِ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَانِ نِصْفٌ مِنْ جِهَةِ الْمُدَايَنَةِ وَنِصْفٌ مِنْ جِهَةِ الْكَفَالَةِ فَإِذَا أَدَّى النِّصْفَ أَوْ أَقَلَّ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبِ الْمُدَايَنَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ فَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ وَأَدَّاهُ رَجَعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي الضَّمَانِ، وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا تَكَفَّلَ اثْنَانِ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) يَعْنِي إذَا تَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ وَهُوَ أَلْفٌ عَلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ تَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ أَيْضًا. وَأَمَّا إذَا تَكَفَّلَا لَهُ بِأَلْفٍ مَعًا وَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُدَايَنَةِ فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ حَتَّى يَزِيدَ مَا أَدَّاهُ عَلَى النِّصْفِ فَإِذَا زَادَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الزِّيَادَةِ. [الْكَفَالَةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ] قَوْلُهُ (وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ حُرٌّ تَكَفَّلَ بِهَا أَوْ عَبْدٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْعَبْدِ إزَالَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءً وَالْكَفِيلُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ وَمِنْ شَرْطِ الْكَفَالَةِ الِاتِّحَادُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ وَذِمَّةِ الْكَفِيلِ فَإِنْ قُلْتُ إذَا لَمْ تَصِحَّ كَفَالَةُ الْحُرِّ لَا تَصِحُّ كَفَالَةٌ لِعَبْدٍ فَلِأَيِّ مَعْنًى ذَكَرَ الْعَبْدَ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ أَشْرَفُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْكَفِيلُ تَبَعٌ لِلْأَصِيلِ فَرُبَّمَا يُقَالُ عَدَمُ الْجَوَازِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحُرَّ يَصِيرُ تَبَعًا لَوْ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ، فَقَالَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِدَفْعِ ذَلِكَ الظَّنِّ فَعَدَمُ صِحَّتِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِدَيْنٍ مَضْمُونٍ لَا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَبَعِيَّةِ الْحُرِّ لِلْعَبْدِ كَذَا فِي الْمُشْكِلِ وَقَيَّدَ بِمَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ فَكَفَلَ بِهِ إنْسَانٌ عَنْهُ جَازَ وَإِذَا كُوتِبَ الْعَبْدَانِ كِتَابَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ فَكُلُّ شَيْءٍ أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّيَا شَيْئًا حَتَّى أُعْتِقَ أَحَدُهُمَا جَازَ الْعِتْقُ وَبَرِئَ عَنْ النِّصْفِ وَبَقِيَ النِّصْفُ عَلَى الْآخَرِ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِحِصَّةِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ أَيَّهمَا شَاءَ الْمُعْتَقُ بِالْكَفَالَةِ وَصَاحِبُهُ بِالْأَصَالَةِ فَإِنْ أَخَذَ الَّذِي أُعْتِقَ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ أَخَذَ الْآخَرَ

стр. 316

لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُعْتَقِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَتَكَفَّلَ عَنْهُ رَجُلٌ لِلْغُرَمَاءِ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) سَوَاءٌ كَانَ ابْنَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُلَازَمَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَالَ ثُمَّ كَفَلَ عَنْهُ إنْسَانٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مَاتَ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ ﵊ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَقَالَ الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ» قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَكَفَّلَ بِهِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْحَوَالَةِ] [أَرْكَانُ الْحَوَالَةِ] (كِتَابُ الْحَوَالَةِ) الْحَوَالَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحْوِيلِ وَالنَّقْلِ وَهُوَ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْوِيلِ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَثُّقِ بِهِ وَيُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَسْمَاءٍ أَرْبَعَةٍ الْمُحِيلِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْأَصْلِيُّ وَالْمُحَالِ لَهُ وَهُوَ الطَّالِبُ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي قَبِلَ الْحَوَالَةَ وَالْمُحَالِ بِهِ وَهُوَ الْمَالُ قَالَ ﵀ (الْحَوَالَةُ جَائِزَةٌ بِالدُّيُونِ) قَيَّدَ بِالدُّيُونِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَعْيَانِ وَالْحُقُوقِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ بِهَا لَا تَصِحُّ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِالدُّيُونِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ هِيَ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فَكُلُّ دَيْنٍ لَا تَجُوزُ بِهِ الْكَفَالَةُ كَمَالِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَجُوزُ بِهِ وَلَا تَجُوزُ بِهِ الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُطْلَقَةٌ وَمُقَيَّدَةٌ فَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ احْتَلْ لِهَذَا عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ احْتَلْت وَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يَقُولَ احْتَلْ بِالْأَلْفِ الَّتِي لِي عَلَيْك فَيَقُولُ احْتَلْت وَكِلَاهُمَا جَائِزَانِ وَفِي كِلَيْهِمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمُحِيلِ سَبِيلٌ إلَّا أَنْ يَتْوَى مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَكِنْ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً انْقَطَعَتْ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ بَطَلَ الدَّيْنُ فِي الْمُقَيَّدَةِ أَوْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا بِأَلْفٍ وَلَمْ يُؤَدِّ الْأَلْفَ حَتَّى أَحَالَ بِهَا لِرَجُلٍ عَلَيْهِ فَقَبِلَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَظَهَرَ حُرًّا فَإِنَّ الْحَوَالَةَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَبْطُلُ وَكَانَ لِلْمُحَالِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِدَيْنِهِ، وَكَذَا لَوْ قَيَّدَ الْحَوَالَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةً فَهَلَكَتْ الْأَلْفُ عِنْدَ الْمُودَعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَى الْمُحَالِ لَهُ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُلُ. وَأَمَّا إذَا سَقَطَ الدَّيْنُ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ بِأَمْرٍ عَارِضٍ وَلَمْ تَتَبَيَّنْ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْأَصِيلِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ مِثْلُ أَنْ يَحْتَالَ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَهَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي سَقَطَ الثَّمَنُ عَنْهُ وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ وَلَكِنَّهُ إذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا أَدَّى؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَلَا تَنْقَطِعُ فِيهَا مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ عَنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ فَإِذَا أَدَّى سَقَطَ مَا عَلَيْهِ قِصَاصًا، وَلَوْ تَبَيَّنَ بَرَاءَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ لَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَلَوْ أَنَّ الْمُحَالَ لَهُ أَبْرَأَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ سَوَاءٌ قَبِلَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ إسْقَاطٌ وَلَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ فَلِهَذَا لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا لَوْ أَدَّى؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِالْهِبَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ. وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُحَالُ لَهُ وَوَرِثَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ فَصَارَ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْأَدَاءِ، وَلَوْ رَضِيَ الْمُحَالُ لَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِدُونِ حَقِّهِ وَأَبْرَأَهُ عَنْ الْبَاقِي نَحْوَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ وَأَبْرَأَهُ عَنْ الْبَاقِي فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ الْمُحِيلِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لَا غَيْرُ، وَإِنْ صَالَحَ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ كَمَا إذَا صَالَحَ عَلَى الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ أَوْ عَلَى الْعُرُوضِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ

стр. 317

بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَا أَدَّى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ. قَوْلُهُ (وَيَصِحُّ بِرِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ) أَمَّا الْمُحَالُ لَهُ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ وَالذِّمَمُ مُتَفَاوِتَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ. وَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَلَا لُزُومَ بِدُونِ الْتِزَامِهِ. وَأَمَّا الْمُحِيلُ فَالْحَوَالَةُ تَصِحُّ بِدُونِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الدَّيْنِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ رَضِيَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَأَمْرُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى إنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ إنَّ لَك عَلَى فُلَانٍ كَذَا مِنْ الدَّيْنِ فَاحْتَلْ بِهِ عَلَيَّ وَرَضِيَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الدَّيْنِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ فَإِنْ أَدَّى الْمَالَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَقَدْ بَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ قَوْلُهُ (فَإِذَا تَمَّتْ الْحَوَالَةُ بَرِئَ الْمُحِيلُ مِنْ الدَّيْنِ) بِالْقَبُولِ. وَقَالَ زُفَرُ لَا يَبْرَأُ اعْتِبَارًا بِالْكَفَالَةِ وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ إذَا نَقَدَ الْمُحِيلَ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا وَلَنَا أَنَّ الْحَوَالَةَ لِلنَّقْلِ وَالدَّيْنُ مَتَى انْتَقَلَ مِنْ ذِمَّةٍ لَا يَبْقَى فِيهَا أَمَّا الْكَفَالَةُ فَلِلضَّمِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى وِفَاقِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ إذَا نَقَدَ الْمُحِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الْمُطَالَبَةِ إلَيْهِ بِالتَّوَى فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الْحَوَالَةُ مُبْرِئَةٌ وَالْكَفَالَةُ غَيْرُ مُبْرِئَةٍ وَيَكُونُ الطَّالِبُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلَ أَوْ الْكَفِيلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَوَالَةً. وَقَالَ زُفَرُ الْحَوَالَةُ وَالْكَفَالَةُ سَوَاءٌ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُبْرِئَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ كِلَاهُمَا مُبْرِئَةٌ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ وَاحِدٍ فَلَوْ لَمْ يَبْرَأْ الْأَصِيلُ لَصَارَ حَقَّيْنِ قُلْنَا الْحَوَالَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحْوِيلِ وَالْحَقُّ إذَا تَحَوَّلَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ تَبْقَى ذِمَّةُ الْأَوَّلِ فَارِغَةً؛ لِأَنَّك إذَا حَوَّلْت الشَّيْءَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَقِيَ مَكَانُ الْأَوَّلِ فَارِغًا وَالْكَفَالَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكَفِيلِ وَهُوَ الضَّمُّ وَضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ لَا يُوجِبُ فَرَاغَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَتْوَى حَقُّهُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ تَوَى قَوْلُهُ (وَالْتَوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَجْحَدَ الْحَوَالَةَ وَيَحْلِفَ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ مُفْلِسًا) أَيْ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُحَالِ لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ. وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُحِيلِ وَلَا لِلْمُحَالِ لَهُ وَقَوْلُهُ أَوْ يَمُوتَ مُفْلِسًا أَيْ لَمْ يَتْرُكْ عَيْنًا وَلَا دَيْنًا وَلَا كَفِيلًا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحَالِ لَهُ فَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْمُحْتَالُ مَاتَ مُفْلِسًا، وَقَالَ الْمُحِيلُ خِلَافَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْعُسْرَةُ وَفِي غَيْرِ الْمَبْسُوطِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِفَلَسِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ) هَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْإِفْلَاسِ صَحِيحٌ. وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِفْلَاسُ بِحُكْمِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ رِزْقَ اللَّهِ تَعَالَى غَادٍ وَرَائِحٌ. قَوْلُهُ (وَإِذَا طَالَبَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمُحِيلَ بِمِثْلِ مَالِ الْحَوَالَةِ، فَقَالَ الْمُحِيلُ أَحَلْت بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ قَضَاءُ دَيْنِهِ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ يَدَّعِي عَلَيْهِ دَيْنًا وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ وَلَا تَكُونُ الْحَوَالَةُ إقْرَارًا مِنْهُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِدُونِهِ. قَوْلُهُ (، وَإِنْ طَالَبَ الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ بِمَا أَحَالَهُ بِهِ، وَقَالَ إنَّمَا أَحَلْتُك لِتَقْبِضَهُ لِي، وَقَالَ الْمُحْتَالُ أَحَلْتنِي بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ مَعَ

стр. 318

يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَهُوَ مُنْكِرٌ وَلَفْظَةُ الْحَوَالَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوَكَالَةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْأَلْفَ الْمَقْبُوضَةَ وَلَا يُصَدَّقُ الْمُحْتَالُ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ الدَّيْنِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحِيلُهُ لِيَسْتَوْفِيَ لَهُ الْمَالَ. قَوْلُهُ (وَيُكْرَهُ السَّفَاتِجُ وَهُوَ قَرْضٌ اسْتَفَادَ بِهِ الْمُقْرِضُ أَمْنَ خَطَرِ الطَّرِيقِ) مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْحَوَالَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ هِيَ النَّقْلُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقَلَ حَالَةَ التَّوَى مِنْ مَالِهِ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْرِضْ لَكَانَ التَّوَى فِي مَالِهِ فَبِالْقَرْضِ يُحِيلُ التَّوَى إلَى مَالِ الْمُسْتَقْرِضِ كَذَا فِي الْمُشْكِلِ وَالسَّفَاتِجُ جَمْعُ سَفْتَجَةٍ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ الْوَرَقَةُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ التَّاجِرُ أَقْرَضْتُك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِشَرْطِ أَنْ تَكْتُبَ لِي كِتَابًا إلَى وَكِيلِك بِبَلَدِ كَذَا فَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَسَأَلَهُ ذَلِكَ فَفَعَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ أَمْنُ خَطَرِ الطَّرِيقِ مَشْرُوطًا؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ نَفْعٍ اُسْتُفِيدَ بِالْقَرْضِ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الصُّلْحِ] [أَرْكَانُ الصُّلْحِ] (كِتَابُ الصُّلْحِ) هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُصَالَحَةِ وَهِيَ الْمُسَالَمَةُ بَعْدَ الْمُخَالَفَةِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ وُضِعَ بَيْنَ الْمُتَصَالِحِينَ لِدَفْعِ الْمُنَازَعَةِ بِالتَّرَاضِي يُحْمَلُ عَلَى عُقُودِ التَّصَرُّفَاتِ وَرُكْنُهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ الْمَوْضُوعَانِ لِلصُّلْحِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ مَالًا أَوْ حَقًّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَالْقِصَاصِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ حَقًّا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵊ «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ رَدِّدُوا الْخُصُومَ لِكَيْ يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا» هُوَ الصُّلْحُ عَلَى الْخَمْرِ وَقَوْلُهُ «أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَهُوَ الصُّلْحُ عَلَى عَبْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَسْتَخْدِمَهُ. وَفِي الْهِدَايَةِ الْحَرَامُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْحَرَامُ لِعَيْنِهِ كَالْخَمْرِ وَالْحَلَالُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْحَلَالُ لِعَيْنِهِ كَالصُّلْحِ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَ الضَّرَّةَ. [الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ] قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الصُّلْحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ صُلْحٌ مَعَ إقْرَارٍ وَصُلْحٌ مَعَ سُكُوتٍ وَهُوَ أَنْ لَا يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرُ وَصُلْحٌ مَعَ إنْكَارٍ وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ) أَمَّا مَعَ الْإِقْرَارِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . وَأَمَّا مَعَ السُّكُوتِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ السَّاكِتَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا فَإِذَا صَالَحَ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى الصِّحَّةِ دُونَ الْفَسَادِ. وَأَمَّا مَعَ الْإِنْكَارِ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِقَطْعِ الدَّعْوَى وَالْمُخَاصَمَةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ قَوْلُهُ (فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ إنْ وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِتَرَاضِيهِمَا فَتَجْرِي فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا كَانَ عَقَارًا وَيُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطُ وَيُفْسِدُهُ جَهَالَةُ الْبَدَلِ وَيُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَدَلِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الصُّلْحُ عَلَى عَيْنِ مَا يَدَّعِيهِ قَبْضٌ وَاسْتِيفَاءٌ وَعَلَى غَيْرِ مَا يَدَّعِيهِ بَيْعٌ وَشِرَاءٌ وَعَلَى أَقَلَّ مِمَّا يَدَّعِيهِ حَطٌّ وَإِبْرَاءٌ وَعَلَى أَكْثَرَ مِمَّا يَدَّعِيهِ فَضْلٌ وَرِبَا ثُمَّ الصُّلْحُ عَلَى شَيْءٍ مَجْهُولٍ عَنْ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ لَا يَصِحُّ وَعَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ عَنْ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ يَصِحُّ وَقَوْلُهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبِيَاعَاتِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَبَدَلُ الصُّلْحِ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ

стр. 319

إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَعَ عَنْ مَالٍ بِمَنَافِعَ اُعْتُبِرَ بِالْإِجَارَاتِ) لِوُجُودِ مَعْنَاهَا فَيُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ فِيهَا وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فِي الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ رَجَعَ الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَفَعَ بِنِصْفِ الْمُدَّةِ أَوْ ثُلُثِهَا بَطَلَ مِنْ دَعْوَاهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَرَجَعَ عَلَى دَعْوَاهُ فِيمَا بَقِيَ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ جَعَلَهُ كَالْإِجَارَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الصُّلْحُ مُخَالِفٌ لِلْإِجَارَةِ فَإِذَا مَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَسْتَوْفِيَ الذِّمَّةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْمُدَّعِي لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ أَيْضًا فِي خِدْمَةِ الْعَبْدِ وَسُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَيَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَيَبْطُلُ فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَلَا يَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَاتِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْمَنَافِعِ هَلَاكُ رَبِّ الْعَيْنِ غَيْرُ قَاطِعٍ ... كَذَاك مَوْتُ الْمُدَّعِي فِي الدَّارِ وَالْعَبْدِ لَا فِي الثَّوْبِ وَالْحِمَارِ ، وَإِنْ هَلَكَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَنْفَعَتِهِ أَوْ اُسْتُحِقَّ بَطَلَ الصُّلْحُ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ (وَالصُّلْحُ عَنْ السُّكُوتِ وَالْإِنْكَارِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ الْمَدْفُوعُ عِوَضًا عَنْهُ، وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْخُصُومَةُ فَجَازَ لَهُ الِافْتِدَاءُ مِنْهَا. وَأَمَّا الْمُدَّعِي فَفِي زَعْمِهِ أَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ حَقٌّ وَأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ عِوَضُ حَقِّهِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا صَالَحَ عَنْ دَارٍ لَمْ تَجِبْ فِيهَا الشُّفْعَةُ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ وَصُورَتُهُ ادَّعَى عَلَيْهِ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَأَنْكَرَ أَوْ سَكَتَ ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى دَرَاهِمَ لَمْ تَجِبْ فِيهَا شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ عَلَى مِلْكِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا دَفَعَ الْعِوَضَ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ وَلَهُ ذَلِكَ وَزَعْمُ الْمُدَّعِي لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ فَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ وَلِهَذَا لَوْ ظَهَرَ بِالدَّارِ عَيْبٌ لَا يَرْجِعُ بِأَرْشِهِ وَلَا يَرُدُّهَا؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ قَوْلُهُ (وَإِذَا صَالَحَ عَلَى دَارٍ وَجَبَتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِي يَأْخُذُهَا عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ وَمَنْ مَلَكَ دَارًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ وَجَبَتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْحَقِّ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْمُصَالِحَ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ الْحَقِّ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْأُخْرَى. قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمُصَالَحِ عَنْهُ رَجَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا كَانَ عَنْ إقْرَارٍ كَانَ مُعَاوَضَةً كَالْبَيْعِ قَوْلُهُ (وَإِنْ وَقَعَ عَنْ سُكُوتٍ أَوْ إنْكَارٍ فَاسْتُحِقَّ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ رَجَعَ الْمُدَّعِي بِالْخُصُومَةِ) أَيْ مَعَ الْمُسْتَحَقِّ (وَرَدَّ الْعِوَضَ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا بَدَّلَ الْعِوَضَ إلَّا لِدَفْعِ خُصُومَتِهِ عَنْهُ فَإِذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا خُصُومَةَ لَهُ فَقَدْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ غَيْرِ شَيْءٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ ذَلِكَ رَدَّ حِصَّتَهُ وَرَجَعَ بِالْخُصُومَةِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى حَقًّا فِي دَارِ لَمْ يُبَيِّنْهُ فَصُولِحَ عَنْهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الدَّارِ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَقِيَ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَحَقَّ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْرَى الْعِوَضُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ شَيْءٍ يُقَابِلُهُ فَيَرْجِعُ بِكُلِّهِ وَقَوْلُهُ حَقًّا فِي دَارٍ يَعْنِي حَقًّا فِي عَيْنِ الدَّارِ لَا حَقًّا لَهُ بِسَبَبِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الشُّفْعَةِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُهُ لَمْ

стр. 320

يُبَيِّنْهُ أَيْ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ كَالنِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ وَلَا إلَى جَانِبٍ مَعْلُومٍ كَالشَّرْقِيِّ أَوْ الْغَرْبِيِّ أَوْ الْقِبْلِيِّ فَإِنْ نَسَبَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الدَّارِ نُظِرَ إنْ بَقِيَ مِنْ الدَّارِ مِقْدَارُ الْمُشَاعِ أَوْ أَكْثَرُ فَلَا رُجُوعَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِوَضِ، وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْهُ قُسِّمَ الْعِوَضُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَمَا أَصَابَ الْمُسْتَحَقَّ رَدَّهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَهُ وَقَوْلُهُ لَمْ يُبَيِّنْهُ فِيهِ إشَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ عَنْ الْمَجْهُولِ عَلَى مَعْلُومٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. قَوْلُهُ (وَالصُّلْحُ جَائِزٌ فِي دَعْوَى الْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ) صُورَةُ دَعْوَى الْمَنَافِعِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَةِ هَذَا الْعَبْدِ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَحْفُوظَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى اسْتِئْجَارَ عَيْنٍ وَالْمَالِكُ يُنْكِرُ ثُمَّ تَصَالَحَا لَمْ يَجُزْ كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى قَوْلُهُ (وَجِنَايَةُ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ) إلَّا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ حَيْثُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى أَحَدِ مَقَادِيرِ الدِّيَةِ أَمَّا إذَا صَالَحَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا مُبَادَلَةٌ بِهَا إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَيْ لَا يَكُونَ افْتِرَاقًا عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِأَحَدِ مَقَادِيرِ الدِّيَةِ فَصَالَحَ عَلَى جِنْسٍ آخَرَ مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ الْحَقُّ بِالْقَضَاءِ فَكَانَ مُبَادَلَةً بِخِلَافِ الصُّلْحِ ابْتِدَاءً قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالدِّيَةِ مِائَةَ بَعِيرٍ فَصَالَحَ الْقَاتِلُ الْوَلِيَّ عَنْ الْمِائَةِ الْبَعِيرِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَهِيَ عِنْدَهُ وَدَفَعَ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي عَيَّنَ الْوُجُوبَ فِي الْإِبِلِ فَإِذَا صَالَحَ عَلَى الْبَقَرِ فَالْبَقَرُ الْآنَ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَقَّةٍ وَبَيْعُ الْإِبِلِ بِالْبَقَرِ جَائِزٌ، وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْإِبِلِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ فَإِذَا صَالَحَ عَنْهَا بِكَيْلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مُؤَجَّلٍ فَقَدْ عَاوَضَ دَيْنًا بِدَيْنٍ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ صَالَحَ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى مِثْلِ قِيمَةِ الْإِبِلِ أَوْ أَكْثَرَ بِمَا يُتَغَابَنُ فِيهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُتَغَابَنُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ فِي دَعْوَى حَدٍّ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ لَا حَقُّهُ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ نَسَبَ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْوَلَدِ لَا حَقُّهَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ فِي سَرِقَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ زِنًا أَمَّا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ فَلِأَنَّ الْحَدَّ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ أَيْضًا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ فَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْقَاضِي لَا يَجِبُ بَدَلُ الصُّلْحِ وَيَسْقُطُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الدَّعْوَى، وَإِنْ صَالَحَ فِيهِ بَعْدَ التَّرَافُعِ لَا يَجِبُ الْبَدَلُ وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَذَا فِي الْمُشْكِلِ. قَوْلُهُ (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَهِيَ تَجْحَدُ فَصَالَحَتْهُ عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ لَهُ حَتَّى يَتْرُكَ الدَّعْوَى جَازَ وَكَانَ فِي مَعْنَى الْخُلْعِ) ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَوْلُهُ جَازَ يَعْنِي فِي الْقَضَاءِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ كَاذِبًا. قَوْلُهُ (فَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ نِكَاحًا عَلَى رَجُلٍ فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهَا لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ لَهَا الْمَالَ لِتَرْكِ الدَّعْوَى فَإِنْ جُعِلَ تَرْكُ الدَّعْوَى مِنْهَا فُرْقَةً فَالزَّوْجُ لَا يُعْطَى الْعِوَضَ فِي الْفُرْقَةِ وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ فُرْقَةً فَلَا شَيْءَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِوَضِ الَّذِي بَذَلَهُ لَهَا فَلَا يَصِحُّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْمَالُ الَّذِي بَذَلَهُ لَهَا زِيَادَةً فِي مَهْرِهَا. قَوْلُهُ (وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ أَعْطَاهُ إيَّاهُ جَازَ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ قَوْلُهُ (وَكَانَ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي فِي مَعْنَى الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْمَالَ لِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الرِّقِّ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَفِي زَعْمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ الْخُصُومَةَ وَذَلِكَ
следующие страницы →