Полный текст (689 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، وَالْمُرَادُ بِالْجَدِّ أَبُو الْأَبِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَوْلَى مِنْهُ) لِأَنَّ مَوَالِي الْعَتَاقَةِ آخِرُ الْعَصَبَاتِ وَإِنَّمَا يَرِثُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُعْتِقِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَاحِبُ فَرْضٍ فِي حَالٍ أَمَّا إذَا كَانَ فَلَهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَمَعْنَى قَوْلِنَا فِي حَالٍ أَيْ صَاحِبُ فَرْضٍ لَهُ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ كَالْبِنْتِ بِخِلَافِ الْأَبِ فَإِنَّ لَهُ حَالَ فَرْضٍ وَحَالَ تَعْصِيبٍ فَلَا يَرِثُ الْمُعْتِقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِبَنِي الْمَوْلَى دُونَ بَنَاتِهِ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ تَعْصِيبٌ وَلَا تَعْصِيبَ لِلْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ) بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَدَّ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ «أَوْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهِنَّ» وَصُورَةُ الْجَرِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا زَوَّجَتْ عَبْدَهَا امْرَأَةً حُرَّةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَإِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ تَبَعًا لِأُمِّهِ وَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي أُمِّهِ دُونَ مَوَالِي أَبِيهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ يَكُونُ مِيرَاثُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَعْتَقَتْ عَبْدَهَا جَرَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى مَوْلَاتِهِ، وَالْمَرْأَةُ جَرَّتْ وَلَاءَ مُعْتَقِهَا إلَى نَفْسِهَا فَبَعْدَ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ الِابْنُ وَلَا مِيرَاثَ لَهُ لِأَبِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَمِيرَاثُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَعْتَقَتْ أَبَاهُ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ وَقَوْلُهُ: أَوْ أَعْتَقَ مِنْ أَعْتَقْنَ يَعْنِي أَنَّ مُعْتَقَهَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الْأَوَّلُ وَبَقِيَ الثَّانِي وَلَا وَارِثَ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لَهَا لِأَنَّهَا أَعْتَقَتْ مَنْ أَعْتَقَهُ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُعْتِقُ ابْنَ مَوْلَاتِهِ وَأَخَاهَا فَالْوَلَاءُ لِابْنِهَا دُونَ أَخِيهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عُصُوبَةً إلَّا أَنَّ عَقْلَ جِنَايَتِهَا عَلَى أَخِيهَا لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ دَبَّرَتْ) صُورَتُهُ امْرَأَةٌ دَبَّرَتْ عَبْدَهَا ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقُضِيَ بِلَحَاقِهَا حَتَّى عَتَقَ مُدَبَّرُهَا ثُمَّ جَاءَتْ مُسْلِمَةً إلَيْنَا ثُمَّ مَاتَ الْمُدَبَّرُ وَتَرَكَ مُدَبَّرَتَهُ هَذِهِ فَوَلَاؤُهُ لَهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ دَبَّرَ مَنْ دَبَّرْنَ) صُورَتُهُ أَنَّ هَذَا الْمُدَبَّرَ بَعْدَ مَا عَتَقَ دَبَّرَ عَبْدَهُ وَمَاتَ ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي فَوَلَاؤُهُ لِمُدَبِّرِ مُدَبِّرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَرَكَ الْمَوْلَى ابْنًا وَأَوْلَادَ ابْنٍ آخَرَ فَمِيرَاثُ الْمُعْتَقِ لِلِابْنِ دُونَ بَنِي الِابْنِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: (وَالْوَلَاءُ لِلْكَبِيرِ) أَيْ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ عَلَى أَنْ يَرِثَهُ وَيَعْقِلَ عَنْهُ أَوْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَوَالَاهُ فَالْوَلَاءُ صَحِيحٌ وَعَقْلُهُ عَلَى مَوْلَاهُ) صُورَتُهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ قَالَ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالَيْتُك عَلَى أَنِّي إنْ مِتّ فَمِيرَاثِي لَك وَإِنْ جَنَيْت فَعَقْلِي عَلَيْك فَقَبِلَ الْآخَرُ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَيَكُونُ الْقَائِلُ مَوْلًى لَهُ إذَا مَاتَ يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ إذَا جَنَى وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَا تَصِحُّ الْمُوَالَاةُ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْوَارِثِ وَإِنْ شَرَطَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَعَلَى مَا شَرَطَ فَإِنْ جَنَى الْأَسْفَلُ يَعْقِلُهُ الْأَعْلَى وَإِنْ مَاتَ يَرِثُهُ الْأَعْلَى وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْأَعْلَى.
وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ التَّوَارُثَ يَجْرِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ إذَا شَرَطَاهُ وَكَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ ثُمَّ وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ لَهُ شَرَائِطُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْعَرَبَ يَتَنَاصَرُونَ بِالْقَبَائِلِ فَأَغْنَى عَنْ الْمُوَالَاةِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَقًا لِأَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمِيرَاثَ، وَالْعَقْلَ، وَالْمَرْأَةُ إذَا عَقَدَتْ مَعَ رَجُلٍ عَقْدَ الْوَلَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ وَلَاؤُهَا وَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا الصِّغَارِ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا، وَالَى أَحَدًا ثَبَتَ وَلَاؤُهُ وَوَلَاءُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَلَا يَثْبُتُ وَلَاءُ أَوْلَادِهِ الْكِبَارِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ
стр. 492
لَهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمَوْلَى) يَعْنِي الَّذِي عَاقَدَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَلَوْ كَانَتْ عَمَّةٌ أَوْ خَالَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ بِوِلَايَةٍ إلَى غَيْرِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ الْأَعْلَى) يَعْنِي الْأَسْفَلَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ فَسْخٌ حُكْمِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْعَزْلِ لَحُكْمِيِّ فِي الْوَكَالَةِ وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى وَلَا لِلْأَسْفَلِ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الْوَلَاءِ قَصْدًا بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْوَكِيلِ ثُمَّ الْفَسْخُ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَسْخٌ مِنْ طَرِيقِ الْقَوْلِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ فَسَخْت الْوَلَاءَ مَعَك وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِحَضْرَتِهِ وَفَسْخٌ مِنْ طَرِيقِ الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ الْأَسْفَلُ مَعَ آخَرَ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ وَبِغَيْرِ حَضْرَتِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِوَلَائِهِ إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِمَوْلَى الْعَتَاقَةِ أَنْ يُوَالِيَ أَحَدًا) لِأَنَّ وَلَاءَ الْعِتْقِ فَرْعُ النَّسَبِ، وَالنَّسَبُ إذَا ثَبَتَ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَلَاءُ الْمُوَالَاةِ يُخَالِفُ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ فِي فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ يَتَوَارَثَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ، وَالثَّانِي أَنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ لَا يَحْتَمِلُهَا، وَالثَّالِثُ أَنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ مُؤَخَّرٌ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ.
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
[الْقَتْلُ الْعَمْدِ]
(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ)
الْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ التَّعَدِّي، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ وَاقِعٍ فِي النُّفُوسِ، وَالْأَطْرَافِ وَيُقَالُ الْجِنَايَةُ مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي وَهِيَ تَعُمُّ الْأَنْفُسَ، وَالْأَطْرَافَ، وَالْأَمْوَالَ إلَّا أَنَّ اسْمَهَا اخْتَصَّ بِالْأَنْفُسِ فِي تَعَارُفِ أَهْلِ الشَّرْعِ؛ وَلِهَذَا سَمَّى الْفُقَهَاءُ التَّعَدِّيَ فِي الْأَنْفُسِ جِنَايَةً، وَالتَّعَدِّيَ فِي الْأَمْوَالِ غَصْبًا وَإِتْلَافًا قَالَ ﵀ (الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ وَعَمْدٍ وَخَطَأٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ) وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشَبَهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَإِنَّمَا زَادَ الشَّيْخُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِبَيَانِ حُكْمِهِمَا وَإِنْ دَخَلَا فِي حُكْمِ الْخَطَأِ وَقَوْلُهُ: عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ يَعْنِي الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِلَّا فَأَنْوَاعُهُ أَكْثَرُ كَالْقَتْلِ الَّذِي هُوَ رَجْمٌ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْقَتْلِ قِصَاصًا، وَالْقَتْلِ صَلْبًا لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهُ فَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنْهُ لَا يَتَحَتَّمُ دُخُولُهُ النَّارَ بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ فَإِنْ دَخَلَهَا لَمْ يُخَلَّدْ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَى السِّلَاحِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَرَّرِ مِنْ الْخَشَبِ، وَالْحَجَرِ، وَالنَّارِ) الْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِالْحَدِيدِ كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَالرُّمْحِ، وَالْخَنْجَرِ، وَالنُّشَّابَةِ، وَالْإِبْرَةِ، وَالْأَشْفَارِ وَجَمِيعِ مَا كَانَ مِنْ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ يَقْطَعُ أَوْ يُبْضِعُ أَوْ يَرُضُّ كَالسَّيْفِ وَمِطْرَقَةِ الْحَدَّادِ، وَالزَّبْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْغَالِبُ أَمْنَهُ الْهَلَاكَ أَمْ لَا وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَدُّ فِي الْحَدِيدِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْقَتْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وَكَذَا كُلُّ مَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالصُّفْرِ، وَالرَّصَاصِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُبْضِعُ أَوْ يَرُضُّ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ بِالْمُثَقَّلِ مِنْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا إذَا ضَرَبَهُ بِعَمُودٍ مِنْ صُفْرٍ أَوْ رَصَاصٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَى السِّلَاحِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالزُّجَاجِ، وَاللِّيطَةِ، وَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ وَكُلِّ مَا كَانَ يَقَعُ بِهِ الذَّكَاةُ إذَا قَتَلَهُ بِهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمِزْرَاقٍ فَقَتَلَهُ إنْ أَصَابَهُ الْعُودُ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ أَصَابَهُ الْحَدِيدُ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ الْمَاءُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالنَّارِ قَالَ
стр. 493
فِي الْيَنَابِيعِ إذَا قَمَّطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ الدِّيَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ سَبَحَ سَاعَةً ثُمَّ غَرِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ.
وَلَوْ غَلَّقَ عَلَى حُرٍّ بَيْتًا أَوْ طَيَّنَهُ فَمَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ وَإِنَّمَا مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرُ وَهُوَ فَقْدُ الطَّعَامِ، وَالْمَاءِ فَلَمْ يَبْقَ لَا الْيَدَ، وَالْحُرُّ لَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ أَدَّاهُ إلَى التَّلَفِ كَسَقْيِ السُّمِّ وَإِنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ إيَّاهُ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي أَطْعَمَهُ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُضْرَبُ وَإِنْ أَوْجَرَهُ إيَّاهُ أَوْ كَلَّفَهُ أَكْلَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ إلَيْهِ إنَّمَا غَرَّهُ، وَالْغُرُورُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ سَطْحٍ أَوْ مِنْ جَبَلٍ عَلَى رَأْسِهِ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ (قَوْلُهُ: مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ) سَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْمَقْتَلَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ تَعَمَّدَ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ فَأَخْطَأَهُ فَوَقَعَ فِي غَيْرِهِ فَمَاتَ مِنْهُ فَهُوَ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْمَأْثَمُ، وَالْقَوَدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ عِنْدَنَا) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْعَمْدَ وَحُكْمَهُ فَقَالَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ وَذَكَرَ الْخَطَأَ وَحُكْمَهُ فَبَيَّنَ الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ فَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الْعَمْدِ كَوُجُوبِهَا فِي الْخَطَأِ لَبَيَّنَهَا وَمِنْ حُكْمِ الْقَتْلِ أَنْ يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَكَذَا لَهُمْ أَنْ يُصَالِحُوا عَنْهُ عَلَى مَالٍ فَإِذَا صَالَحُوا سَقَطَ حَقُّهُمْ عَنْ الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ عَفَوْا.
(قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ثُمَّ إذَا صَالَحَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ مَالٍ جَازَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا فَإِنْ لَمْ يُصَالِحُوا وَلَكِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ بَطَلَ الْقِصَاصُ وَلَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْعَافِي مَالًا وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِأَنَّ الْقِصَاصَ مَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ لَا يَنْقَلِبُ نَصِيبُهُ مَالًا وَمَتَى تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ يَنْقَلِبُ نَصِيبُهُ مَالًا ثُمَّ نَصِيبُ الْعَافِي لَا يَنْقَلِبُ مَالًا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهِ وَنَصِيبُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ يَنْقَلِبُ مَالًا لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ.
[الْقَتْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ]
قَوْلُهُ: (وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ) بَلْ يَضْرِبُهُ بِشَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ كَمِدَقَّةٍ الْقَصَّارِينَ، وَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَالْعَصَا الْكَبِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا قَتَلَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُ وَقَالَا هُوَ عَمْدٌ وَأَمَّا إذَا ضَرَبَهُ بِعَصًا صَغِيرَةٍ أَوْ لَطَمَهُ عَمْدًا فَمَاتَ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ إجْمَاعًا وَإِنْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ صَغِيرٍ وَوَالَى الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا) لِأَنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ يُقْصَدُ التَّأْدِيبُ. قَوْلُهُ: (وَمُوجَبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَأْثَمُ، وَالْكَفَّارَةُ) فَإِنْ قُلْت: وَجَمَعَ فِي هَذَا بَيْنَ الْإِثْمِ، وَالْكَفَّارَةِ وَهِيَ سِتَارَةٌ قُلْت: جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالْإِثْمُ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَسْقُطُ الْإِثْمُ بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ وَقَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْ اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا قَوَدَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ وَإِذَا الْتَقَى صَفَّانٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ظَنَّهُ كَافِرًا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ أَيْضًا إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ أَمَّا إذَا كَانَ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عِصْمَتَهُ بِتَكْثِيرِ سَوَادِهِمْ قَالَ ﵇ «مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. قَوْلُهُ: (وَفِيهِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ أَيْضًا وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيَدْخُلُ الْقَاتِلُ مَعَهُمْ فِي الدِّيَةِ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ.
[الْقَتْلُ الْخَطَأِ]
قَوْلُهُ: (وَالْخَطَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ شَخْصًا يَظُنُّهُ صَيْدًا فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ) أَوْ ظَنَّهُ حَرْبِيًّا فَإِذَا
стр. 494
هُوَ مُسْلِمٌ أَوْ رَمَى إلَى حَرْبِيِّ أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ رَمَى إلَى رَجُلٍ فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ فِي الْقَصْدِ وَأَمَّا إذَا قَصَدَ عُضْوًا مِنْ شَخْصٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَهُوَ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (وَخَطَأٌ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ خَطَأٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْفِعْلِ، وَالْآخَرَ فِي الْقَصْدِ. قَوْلُهُ: (وَمُوجَبُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَسَوَاءٌ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ، وَالْكَفَّارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وَإِنْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ هُنَاكَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ لَا غَيْرُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا يُحْرَزْ دَمُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ هُنَاكَ وَهَاجَرَ إلَيْنَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَهُ بِدَارِنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَأْثَمَ فِيهِ) يَعْنِي لَا إثْمَ فِيهِ فِي الْوَجْهَيْنِ وَسَوَاءٌ كَانَ خَطَأً فِي الْقَصْدِ أَوْ خَطَأً فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ، وَالْمُرَادُ إثْمُ الْقَتْلِ أَمَّا نَفْسُ الْإِثْمِ فَلَا يَعْرَى عَنْهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّثَبُّتَ فِي حَالَةِ الرَّمْيِ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ وَيُظْهِرَ الْخَطَأَ فَاتُّهِمَ فَسَقَطَ مِيرَاثُهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَمَا لَا فَلَا أَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَأَمَّا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فَهُوَ الْقَتْلُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ تَطَؤُهُ دَابَّةٌ وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ انْقَلَبَ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ حَجَرٌ أَوْ لَبِنَةٌ أَوْ خَشَبَةٌ أَوْ حَدِيدَةٌ فَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ بِالْمُبَاشَرَةِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ إنْ كَانَ وَارِثًا، وَالْوَصِيَّةَ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَأَمَّا الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ وَلَا كَفَّارَةٌ فَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ مُورِثَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ عِنْدَنَا وَكَذَا إذَا قَتَلَ مُورِثَهُ بِالسَّبَبِ كَمَا إذَا أَشْرَعَ جَنَاحًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى مُورِثِهِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا مُورِثُهُ فَمَاتَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ إذَا قَتَلَهُ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَرُجِمَ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ.
وَكَذَا إذَا وَضَعَ حَجَرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَتَعَقَّلَ بِهِ مُورِثُهُ أَوْ سَاقَ دَابَّةً أَوْ قَادَهَا فَأَوْطَأَتْ مُورَثَهُ فَمَاتَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَكَذَا إذَا وَجَدَ مُورَثَهُ قَتِيلًا فِي دَارِهِ تَجِبُ الْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ وَلَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ وَكَذَا الْعَادِلُ إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ لَا يُمْنَعُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الْكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا وَأَمَّا إذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ الْعَادِلَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْبَاطِلِ لَا يَرِثُهُ إجْمَاعًا وَإِنْ قَالَ قَتَلْته وَأَنَا عَلَى الْحَقِّ، وَالْآنَ أَيْضًا أَنَا عَلَى الْحَقِّ وَرِثَهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ هَذَا قَتْلٌ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا وَلَا كَفَّارَةً وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرِثُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الْكَفَّارَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرِثُ وَيُشْكِلُ هَذَا عَلَى أَصْلِنَا إلَّا أَنَّا نَقُولُ قَدْ وَجَبَ الْقِصَاصُ هُنَا ثُمَّ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرِثُ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَتْلِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ وَمُتَأَوِّلٍ وَيُورَثُ دَمُ الْمَقْتُولِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَيَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَانِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُوصَى لَهُ وَلَيْسَ لِلْبَعْضِ أَنْ يَقْتَصَّ حَتَّى يَجْتَمِعُوا كُلُّهُمْ فَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتَصُّوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الصِّغَارِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ اقْتَصَّ مِنْ ابْنِ مُلْجَمٍ، وَفِي وَرَثَةِ عَلِيٍّ ﵁ صِغَارٍ وَقَدْ أَوْصَى إلَيْهِ عَلِيٌّ بِذَلِكَ، وَقَالَ اضْرِبْهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَيْسَ لِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتَصُّوا حَتَّى يَبْلُغَ الصِّغَارُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ خَطَأً تَكُونُ مِيرَاثًا عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَرِثُ مِنْهَا الزَّوْجَانِ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ وَلَنَا حَدِيثُ «الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِ زَوْجِهَا أَشَيِمَ» وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِثُلُثِ مَالِهِ دَخَلَتْ دِيَتُهُ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ مَالُ الْمَيِّتِ حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ مِثْلُ النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ) يَعْنِي مِنْ سُقُوطِ
стр. 495
الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ لَهُمْ وَإِنْ اجْتَمَعُوا مَعَ الْمَوْلَى) لِأَنَّ الْمَوْلَى سَقَطَ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ فَاجْتِمَاعُهُ مَعَ الْوَارِثِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَبَقِيَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ حَتَّى يَجْتَمِعَ الرَّاهِنُ، وَالْمُرْتَهِنُ) لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَلِيهِ، وَالرَّاهِنُ لَوْ تَوَلَّاهُ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ فَشُرِطَ اجْتِمَاعُهُمَا لِيَسْقُطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِرِضَاهُ وَهَذَا. قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا قِصَاصَ لَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُهُ وَقَيَّدَ بِاجْتِمَاعِهِمَا حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَا فَلَهُمَا الْقِيمَةُ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَلَوْ قُتِلَ عَبْدُ الْإِجَارَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْمُؤَجِّرِ وَأَمَّا الْمَبِيعُ إذَا قُتِلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إجَازَةَ الْبَيْعِ فَلَهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَإِنْ اخْتَارَ رَدَّ الْمَبِيعِ فَلِلْبَائِعِ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا قِصَاصَ وَلِلْبَائِعِ الْقِيمَةُ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْقِصَاصُ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) لِأَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ وُجِدَ مِنْهُ وَاتَّصَلَ بِالْمَوْتِ وَلَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمَا مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ، وَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ وَأَخْرَجَ أَمْعَاءَهٌ ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ عَمْدًا فَالْقَاتِلُ الَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ وَلَا يَعِيشُ بَعْدَ ضَرْبِ الْعُنُقِ فَإِنْ كَانَ ضَرَبَ رَقَبَتَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَعَلَى الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ فَإِنْ كَانَ الشَّقُّ نَفَذَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَجَبَ ثُلُثَا الدِّيَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الشَّقُّ يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْحَيَاةُ بِأَنْ كَانَ يَعِيشُ مَعَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُتَوَهَّمُ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَإِنَّمَا يَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْمَقْتُولِ فَالْقَاتِلُ الَّذِي شَقَّ الْبَطْنَ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَاَلَّذِي ضَرَبَ الْعُنُقَ يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْمُنْكَرَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذَبَحَ الْمَفْرُوغَ مِنْهُ وَكَذَا إذَا جَرَحَهُ جِرَاحَةً لَا يَعِيشُ مِنْهَا وَجَرَحَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَتَانِ عَلَى التَّعَاقُبِ أَمَّا إذَا كَانَتَا مَعًا فَهُمَا قَاتِلَانِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَرِجْلَيْهِ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ اقْتَصَّ مِنْهُ وَتُحَزُّ رَقَبَتُهُ وَلَا يُقْطَعُ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفْصِلِ عَمْدًا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ يَدِ الْمَقْطُوعِ) وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْبُرْءِ وَلَا قِصَاصَ قَبْلَ الْبُرْءِ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ، وَالْأُذُنُ) يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ بِقَطْعِ ذَلِكَ الْقِصَاصُ أَمَّا الرِّجْلُ فَمَعْنَاهُ إذَا قَطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ أَوْ مِنْ مَفْصِلِ الرُّكْبَةِ وَأَمَّا الْأَنْفُ فَإِنْ قُطِعَ مِنْهُ الْمَارِنُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا قَطَعَ بَعْضَ الْقَصَبَةِ أَوْ كُلَّهَا فَلَا قِصَاصَ لِأَنَّهُ عَظْمٌ وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ إلَّا السِّنَّ وَأَمَّا الْأُذُنُ إذَا قَطَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ وَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَلَعَهَا فَلَا قِصَاصَ فِيهَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَذَهَبَ ضَوْءُهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) وَأَمَّا إذَا انْخَسَفَتْ أَوْ قَوِرَتْ فَلَا قِصَاصَ وَكَيْفِيَّةُ الْقِصَاصِ فِيهَا إذَا كَانَتْ وَتُرْبَطُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ. قَوْلُهُ: تُحْمَى لَهُ الْمِرْآةُ وَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ أَيْ مَبْلُولٌ عَيْنُهُ الْأُخْرَى بِقُطْنٍ رَطْبٍ أَيْضًا وَيُقَابِلُ عَيْنَهُ بِالْمِرْآةِ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا قَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ الْعَيْنُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى وَكَذَا الْيَدَانِ، وَالرِّجْلَانِ وَكَذَا أَصَابِعُهُمَا وَيُؤْخَذُ إبْهَامُ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى السَّبَّابَةِ بِالسَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى بِالْوُسْطَى وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْيُمْنَى إلَّا بِالْيُمْنَى وَلَا الْيُسْرَى إلَّا بِالْيُسْرَى.
قَوْلُهُ: (وَفِي السِّنِّ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] وَسَوَاءٌ كَانَ سِنُّ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ لِأَنَّ
стр. 496
مَنْفَعَتَهَا لَا تَتَفَاوَتُ وَكَذَا الْيَدُ وَمَنْ نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ الْمَنْزُوعَةُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ فَنَبَتَ سِنُّ الْأَوَّلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ لَمَّا نَبَتَتْ أُخْرَى انْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ؛ وَلِهَذَا يَسْتَأْنِي حَوْلًا وَقِيلَ إنْ فِي سِنِّ الْبَالِغِ لَا يَسْتَأْنِي لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ، وَالنَّادِرُ لَا عِبْرَةَ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لَكِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي الْقَلْعِ أَمَّا فِي التَّحْرِيكِ يَسْتَأْنِي حَوْلًا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَلَوْ قَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا عَمْدًا لَمْ تُقْلَعْ سِنُّ الْقَالِعِ بَلْ تُؤْخَذُ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ وَيَسْقُطَ مَا سِوَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ شَجَّةٍ يُمْكِنُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ الْقِصَاصُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنّ) وَلَا تُؤْخَذُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى وَتُؤْخَذُ الثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ، وَالنَّابُ بِالنَّابِ، وَالضِّرْسُ بِالضِّرْسِ وَلَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ وَلَا الْأَسْفَلُ بِالْأَعْلَى، وَلَوْ كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ يُؤْخَذُ مِنْ سِنِّ الْكَاسِرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ بِالْمِبْرَدِ وَلَا قِصَاصَ فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَلَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ، وَاللَّكْمَةِ، وَاللَّكْزَةِ، وَالْوَجَاءَةِ، وَالدَّقَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ عَمْدٍ إنَّمَا هُوَ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَإِذَا آلَتْ الضَّرْبَةُ إلَى النَّفْسِ فَإِنْ كَانَتْ بِحَدِيدَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ مُحَدَّدَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ بِشَيْءٍ لَا يَعْمَلُ عَمَلَ السِّلَاحِ فَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَبَعٌ لِلْجِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) حَتَّى لَوْ قَطَعَ يَدَهَا عَمْدًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَرْشَ مُخْتَلِفُ الْمِقْدَارِ، وَالتَّكَافُؤُ مُعْتَبَرٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْيَمِينَ بِالْيَسَارِ وَلَا الْيَدَ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ وَنَاقِصَةِ الْأَصَابِعِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفُسِ فَإِنَّ التَّكَافُؤَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا يُقْتَلُ الصَّحِيحُ بِالزَّمِنِ، وَالْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ فَإِنْ كَانَ التَّكَافُؤُ مُعْتَبَرًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا تَكَافُؤَ بَيْنَ يَدِ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّ يَدَهَا تَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ يَدُهُ كَالطَّحْنِ، وَالْخَبْزِ، وَالْغَزْلِ وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَجَبَ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ حَالًّا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارًا بِالْأَنْفُسِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ) لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ لَا تُكَافِئُ يَدَ الْحُرِّ لِأَنَّ أَرْشَهُمَا مُخْتَلِفٌ فَأَرْشُ يَدِ الْعَبْدِ قِيمَتُهَا. قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ) لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْحَزْرِ، وَالظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ) يَعْنِي الذِّمِّيَّ وَكَذَا بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ، وَالْمُسْلِمَةِ، وَالْكِتَابِيَّةِ وَكَذَا بَيْنَ الْكِتَابِيَّتَيْنِ، وَلَوْ رَمَى بِسَهْمٍ إلَى مُسْلِمٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ السَّهْمُ ارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ فَوَقَعَ بِهِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي فِي الْخَطَأِ، وَفِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتُبِرَ حَالَةُ خُرُوجِ السَّهْمِ وَعِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مُبَاحَةَ الدَّمِ، وَلَوْ رَمَى إلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ ثُمَّ وَقَعَ بِهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ زُفَرُ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْإِصَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةً) فَبَرِئَ مِنْهَا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ السَّاعِدَ عَظْمٌ وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ وَلِأَنَّ هَذَا كَسْرٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْسِرَ سَاعِدَهُ مِثْلَ مَا كَسَرَهُ وَكَذَا إذَا قَطَعَ نِصْفَ السَّاقِ وَكَذَا إذَا جَرَحَهُ جَائِفَةً لَا قِصَاصَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ وَيَجِبُ الْأَرْشُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً وَيَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَطَعَ الْيَدَ الْمَعِيبَةَ وَلَا شَيْء لَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا قَطَعَ لَهُ أُصْبُعَيْنِ وَلَيْسَ لِلْقَاطِعِ إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهَا وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْأُخْرَى وَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا زَائِدَةً، وَفِي يَدِهِ مِثْلُهَا فَلَا قِصَاصَ
стр. 497
الْقِصَاصُ وَوُجُوبُ الدِّيَةِ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ أَمَّا سُقُوطُ الْقِصَاصِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فَلِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّهُ مَاتَ بِثِقَلِهِ وَأَمَّا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ قَتْلَهُ وَأَظْهَرَ النَّوْمَ وَإِنَّمَا أُجْرِيَ ذَلِكَ مُجْرَى الْخَطَأِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْخَطَأِ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا قَصْدَ لَهُ فَلَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ فَلِهَذَا لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَطَأِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ الْقَتْلَ وَلَا خَاطِئٍ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِيهِ لِتَعَدِّيهِ.
(قَوْلُهُ: وَمُوجِبُ ذَلِكَ إذَا تَلِفَ فِيهِ آدَمِيٌّ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ. قَوْلُهُ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَلَا وَقَعَ بِثِقَلِهِ وَلَا يُشْبِهُ الرَّاكِبَ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا وَطِئَتْ آدَمِيًّا أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِوَطْئِهَا وَثِقَلِ الرَّاكِبِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا لَا كَفَّارَةَ عَلَى السَّائِقِ، وَالْقَائِدِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الْقَتْلَ وَلَا مَاتَ بِثِقَلِهِمَا وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ بِسَبَبِ الْحَفْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَفَرَهَا فِي مَمَرِّ النَّاسِ أَمَّا فِي غَيْرِ مَمَرِّهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَوَاضِعُ الْحَجَرِ) إنَّمَا يَضْمَنُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَى الْحَجَرِ أَمَّا إذَا تَعَمَّدَ الْمَارُّ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِتَعَمُّدِهِ الْمُرُورَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَنَحَّاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي نَحَّاهُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ، وَالْحَافِرُ فَقَالَ الْحَافِرُ هُوَ الَّذِي أَسْقَطَ نَفْسَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَافِرِ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْخُجَنْدِيِّ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ عَنْ الْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّ دَمَهُ إنَّمَا هُوَ مَحْقُونٌ فِي دَارِنَا أَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى دَارِهِ وَصَارَ مُبَاحَ الدَّمِ، وَالْحَقْنُ هُوَ الْمَنْعُ يُقَالُ حَقَنَ دَمَهُ أَيْ مَنَعَهُ أَنْ يُسْفَكَ، وَالْحَقْنُ أَيْضًا الْحِفْظُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِسَيِّدِهِ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ لِأَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ بَيْنَهُمَا؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِهِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ. قَوْلُهُ: (وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ نَاقِصُ عَنْ الْمَقْتُولِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَسْتَوِيَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَهُوَ أَكْمَلُ فَهَذَا أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَ وَهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ثَبَتَ لِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ وَكَذَا الْمُدَبَّرُ إذَا قَتَلَ عَبْدًا لِمَوْلَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا سَرَقَ مِنْ الذِّمِّيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُسْتَأْمَنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنِ وَيُقْتَلُ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْتَأْمَنِ قِيَاسًا لِلْمُسَاوَاةِ وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الْمُبِيحِ وَهُوَ الْكُفْرُ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالصَّحِيحُ بِالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ) وَكَذَا بِالْمَجْنُونِ وَنَاقِصِ الْأَطْرَافِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي النَّفْسِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ حَتَّى لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْمَذَاكِيرِ وَمَفْقُوءَ الْعَيْنَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ وَلَا بِعَبْدِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ» وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي قَتْلِ الِابْنِ لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَكَذَا لَا قِصَاصَ عَلَى الْأَبِ فِيمَا جَنَى عَلَى الِابْنِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَيْضًا وَكَذَا حُكْمُ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا لَا يُقْتَلُ بِابْنِ الِابْنِ وَكَذَا الْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَا الْجَدُّ وَسَفَلَ الْوَلَدُ وَكَذَا الْأُمُّ وَإِنْ عَلَتْ وَكَذَا الْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْنَ فَأَمَّا الِابْنُ إذَا قَتَلَ الْأَبَ أَوْ الْأُمَّ أَوْ الْجَدَّةَ أَوْ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَهَا.
стр. 498
إذَا كَانَ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ خَطَأً تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِابْنَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ مِنْ الْأَبِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَأَمَّا الْأَبُ فَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْجُزْءِ مِنْ الْوَلَدِ فَكَانَ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي قَتْلِ إنْسَانٍ أَحَدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ، وَالْآخَرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْأَبِ، وَالْخَاطِئِ، وَالْعَامِدِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِالسَّيْفِ، وَالْآخَرُ بِالْعَصَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَاَلَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَالْخَاطِئِ وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَهَذَا فِي غَيْرِ شَرِيكِ الْأَبِ فَأَمَّا الْأَبُ، وَالْأَجْنَبِيُّ إذَا اشْتَرَكَا الدِّيَةُ فِي مَالِهِمَا لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ انْفَرَدَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بِعَبْدِهِ) لِأَنَّهُ مَالُهُ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ مَالِهِ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُطَالَبَةِ بِدَمِهِ وَمُحَالٌ أَنْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بِمُدَبَّرِهِ وَلَا بِمَكَاتِبِهِ) لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَمْلُوكٌ، وَالْمُكَاتَبَ رِقٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَكَذَا لَا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَزَّأُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِعَبْدِ وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مِلْكِهِ قَالَ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ فَكَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهَا كَأَمَتِهِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَوْلَى بِقَتْلِ عَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَعَبْدِ وَلَدِهِ فَإِنْ قَتَلَ الْمُكَاتَبُ مَوْلَاهُ عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَرِثَ قِصَاصًا عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ) لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَصُورَتُهُ بِأَنْ قَتَلَ أُمَّ ابْنِهِ عَمْدًا أَوْ قَتَلَ أَخَا وَلَدِهِ مِنْ أُمِّهِ وَهُوَ وَارِثُهُ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ قَتَلَهُ الْأَبُ وَوَلَدُهُ وَارِثُهُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ. قَوْلُهُ: وَرِثَ الْقِصَاصَ وَهُوَ لِلْوَارِثِ ثَبَتَ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ عَفْوُ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُورَثِ، وَالْمُورَثُ يَمْلِكُ الْقِصَاصَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّمْلِيكِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَثَبَتَ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً قُلْنَا ثَبَتَ عِنْدَ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ أَوْ نَقُولُ تَعَيَّنَ صُورَةٌ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِرْثُ بِأَنْ قَتَلَ رَجُلٌ أَبَا امْرَأَتِهِ يَكُونُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ لِلْمَرْأَةِ ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَلَهَا وَلَدٌ مِنْ الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ يَرِثُ الْقِصَاصَ الْوَاجِبَ عَلَى أَبِيهِ كَذَا فِي الْمُشْكِلِ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ إذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ ثُمَّ مَاتَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفَوْهُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُ أَبْرَأهُ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَالِاسْتِحْسَانُ يَجُوزُ عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَإِنَّمَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ فَأَسْقَطَ حَقَّهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ جَازَ وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَيْسَ بِمَالٍ كَالطَّلَاقِ وَقَالُوا فِي الْوَارِثِ إذَا عَفَا عَنْ الْجَارِحِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَفْوُهُ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجْرُوحَ لَوْ عَفَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَازَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ الْحَقُّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِذَا عَفَا قَبْلَ ثُبُوتِ حَقِّهِ لَمْ يَجُزْ، وَالِاسْتِحْسَانُ يَجُوزُ عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ عِنْدَ الْجُرْحِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا أَبْرَأَ عَنْهُ عِنْدَ ثُبُوتِ سَبَبِ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجِرَاحَةُ جَازَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ إلَّا بِالسَّيْفِ) سَوَاءٌ قَتَلَهُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَدَّدِ أَوْ النَّارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُ بِمِثْلِ الْآلَةِ الَّتِي قَتَلَ بِهَا وَيُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ إنْ كَانَ فِعْلًا مَشْرُوعًا فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ لِأَنَّهُ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَلَنَا. قَوْلُهُ: ﵇ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» وَقَالَ ﵇ «لَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» .
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبُ عَمْدًا وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى فَلَهُ الْقِصَاصُ) هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَلِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ مِلْكُ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا، وَالْحُرُّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ وَإِذَا تَرَكَ وَفَاءً وَوَارِثُهُ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ وَقَعَتْ، وَالْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِ وَحَصَلَ الْمَوْتُ، وَالْمُسْتَحِقُّ غَيْرُ الْمَوْلَى فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْمُسْتَحِقُّ صَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ كَمَنْ جَرَحَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ وَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِيَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي قِصَاصٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا الْمَوْلَى فَلِلْمَوْلَى الْقِصَاصُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا قِصَاصَ لَهُ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَسْتَحِقُّ عِنْدَ الْجِرَاحَةِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ جِهَتَا الِاسْتِحْقَاقِ صَارَ كَاخْتِلَافِ الْمُسْتَحِقِّ فَمَنَعَ الْقِصَاصَ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِحُقُوقِ الْمُكَاتَبِ فِي الْحَالَيْنِ فَوَجَبَ لَهُ
стр. 499
عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الثُّؤْلُولِ وَذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَدِيَتُهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ لِأَنَّ حَقَّهُ الْيَدُ وَقَدْ اسْتَوْفَى النَّفْسَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقَطْعِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا يَحْدُثُ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدٌ وَذَلِكَ لِعِلَاجٍ كَمَا إذَا وَقَعَتْ فِيهَا أَكَلَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ لَا يَحِلُّ لَهُ قَطْعُهَا فِي الْحَالَيْنِ ثُمَّ لَوْ سَرَى إلَى النَّفْسِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ بِالْأَمْرِ وَإِنْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْنِي لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ فَإِنْ قَتَلَهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَإِنْ قَالَ اُقْتُلْ عَبْدِي فَقَتَلَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْحِجَامُ، وَالْخِتَانُ، وَالْبَزَّاغُ، وَالْفِصَادُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ إذَا كَانَ بِالْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا شَجَّةً فَاسْتَوْعَبَتْ الشَّجَّةُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهِيَ لَا تَسْتَوْعِبُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ فَالْمَشْجُوجُ بِالْخِيَارِ) إنْ شَاءَ (اقْتَصَّ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ يَبْتَدِئُ مِنْ أَيْ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ كَامِلًا) يَعْنِي يَأْخُذُ مِقْدَارَهَا طُولًا وَعَرْضًا وَكَذَا إذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ لَا تَأْخُذُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ وَهِيَ تَأْخُذُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ الْمَشْجُوجُ أَيْضًا إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْشَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ قَدْرَ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ كَامِلًا لِلتَّعَدِّي إلَى غَيْرِ حَقِّهِ وَإِنْ شَجَّهُ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشُجَّهُ فِي مُؤَخِّرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ فِي اللِّسَانِ) هَذَا إذَا قَطَعَ بَعْضَهُ أَمَّا إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ أَيْضًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (وَلَا فِي الذَّكَرِ إذَا قُطِعَ) لِأَنَّهُ يَنْقَبِضُ وَيَنْبَسِطُ فَلَا يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَقْطَعَ الْحَشَفَةَ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ كَالْمَفْصِلِ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهَا فَلَا قِصَاصَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ ذَلِكَ، وَالشَّفَةُ إذَا اسْتَقْصَاهَا بِالْقَطْعِ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ بَعْضَهَا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْمُسَاوَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اصْطَلَحَ الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ الْمَالُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) ثُمَّ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا حَالًّا وَلَا مُؤَجَّلًا فَهُوَ حَالٌّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ الْأَجَلَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الدَّمِ أَوْ صَالَحَ مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى عِوَضٍ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ مِنْ الْقِصَاصِ وَكَانَ لَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ وَعَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْآخَرِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ قِصَاصَانِ وَهُنَا الْوَاجِبُ قِصَاصٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا انْقَلَبَ حَقُّ الْبَاقِينَ مَالًا لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمَّا تَعَذَّرَ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ انْتَقَلَ إلَى الْمَالِ وَأَمَّا الْعَافِي فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِفِعْلِهِ وَرِضَاهُ ثُمَّ مَا يَجِبُ لِلْبَاقِينَ مِنْ الْمَالِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَالْعَمْدُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَيَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَوْ عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَنْ الْقِصَاصِ فَقَتَلَهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَفْوِ أَوْ عَلِمَ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِالْعَفْوِ فَصَارَ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ أَبَاهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ أَبَاهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِعَفْوِ صَاحِبِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّ دَمَهُ صَارَ حَرَامًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ إجْمَاعًا وَلَهُ عَلَى الْمَقْتُولِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
[مَسْأَلَةٌ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلَيْنِ وَوَلِيُّهُمَا وَاحِدٌ فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقِصَاصِ فِي أَحَدِهِمَا]
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلَيْنِ وَوَلِيُّهُمَا وَاحِدٌ فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الْقِصَاصِ فِي أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِالْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا نَسَمَةً وَاحِدَةً فِي الِاثْنَيْنِ فَإِذَا عَفَا فِي أَحَدِهِمَا فَكَأَنَّهُ أَسْقَطَ الْقِصَاصَ فِي نِصْفِهِ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَيْسَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَقْتَصَّ دُونَ بَعْضٍ.
стр. 500
حَتَّى يَجْتَمِعُوا فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا لَمْ يَقْتُلْ الْقَاتِلَ حَتَّى يَحْضُرُوا جَمِيعًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ قَدْ عَفَا وَلَيْسَ لِلْغَائِبِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْقِصَاصِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ اسْتَوْفَى مَعَ غَيْبَتِهِ اسْتَوْفَاهُ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ عَفَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ عَفَا لَأَظْهَرَ الْعَفْوَ وَمَنْ عَفَا مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقِصَاصِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ أَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ امْرَأَةً فَعَفَا زَوْجُهَا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِصَاصِ لِأَنَّ الدَّمَ مَوْرُوثٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا اُقْتُصَّ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَبْعَةَ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا فَقَتَلَهُمْ عُمَرُ ﵁ وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً فَحَضَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ قُتِلَ بِجَمَاعَتِهِمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قُتِلَ لَهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا قُتِلَ بِجَمَاعَةٍ صَارَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَتَلَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَمَاتَ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّ الْيَدَ تَتَبَعَّضُ فَيَصِيرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آخِذًا لِبَعْضِهَا وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ بِخِلَافِ النَّفْسِ لِأَنَّ الْإِزْهَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ (. قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ) يَعْنِي نِصْفَ دِيَةِ جَمِيعِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ دِيَةَ الْيَدِ نِصْفُ دِيَةِ النَّفْسِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَكَذَا إذَا جَنَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْوَاحِدِ فِيهِ الْقِصَاصُ لَوْ انْفَرَدَ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ قَلَعَا سِنَّهُ أَوْ قَطَعَا يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ وَعَلَيْهِمَا الْأَرْشُ نِصْفَانِ وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ هَذَا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِمْ الْأَرْشُ عَلَى عَدَدِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِينَ وَإِنْ كَثُرُوا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَطَعَ وَاحِدٌ يُمْنًى رَجُلَيْنِ فَحَضَرَا فَلَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا يَمِينَهُ وَيَأْخُذَا مِنْهُ نِصْفَ الدِّيَةِ يَقْتَسِمَانِهَا نِصْفَيْنِ) يَعْنِي يَأْخُذَانِ مِنْهُ دِيَةَ يَدٍ وَاحِدَةٍ يَقْتَسِمَانِهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ وَبَقِيَ لَهُ الْبَعْضُ فَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ إلَى الْأَرْشِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَطَعَ يَدَهُ وَلِلْآخِرِ عَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ) يَعْنِي نِصْفَ دِيَةِ جَمِيعِ الْإِنْسَانِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ قَطْعُ يَدِهِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الْيَدِ وَإِنَّمَا سَقَطَ حَقُّهُ عَنْ بَعْضِهَا بِالْمُزَاحَمَةِ فَإِذَا غَابَ الْآخَرُ فَلَا مُزَاحَمَةَ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ وَلَا يَلْزَمُهُ انْتِظَارُ الْغَائِبِ لِأَنَّ الْغَائِبَ يَجُوزُ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ كَانَ لَهُ دِيَةُ يَدِهِ وَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ وَكَانَ لِلثَّانِي أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا تَعَيَّنَ فِيهِ الْقِصَاصُ فَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَالَ اقْطَعُوهُ ثُمَّ اُقْتُلُوهُ وَإِنْ شَاءَ قَالَ اُقْتُلُوهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ مَعْنَاهُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ وَعِنْدَهُمَا يَقْتُلُهُ وَسَقَطَ حُكْمُ الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ لَزِمَهُ الْقَوَدُ) .
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ يُلَاقِي حَقَّ الْمَوْلَى بِالْإِبْطَالِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِقَتْلِ الْخَطَأِ لَمْ يَلْزَمْ الْمَوْلَى وَكَانَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى أَنْ يَعْتِقَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ رَمَى رَجُلًا عَمْدًا فَنَفَذَ مِنْهُ السَّهْمُ إلَى آخَرَ فَمَاتَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْأَوَّلِ، وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي عَلَى عَاقِلَتِهِ) لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ إحْدَاهُمَا عَمْدٌ وَمُوجَبُهَا الْقِصَاصُ، وَالثَّانِيَةُ خَطَأٌ وَمُوجَبُهَا الدِّيَةُ وَمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ كَانَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
стр. 501
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
(كِتَابُ الدِّيَاتِ) الدِّيَةُ بَدَلُ النَّفْسِ، وَالْأَرْشُ اسْمٌ لِلْوَاجِبِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَالدِّيَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُؤَدَّى فِي بَدَلِ الْإِنْسَانِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالْقِيمَةُ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَائِبِ وَلَمْ يُسَمِّ الدِّيَةَ قِيمَةً لِأَنَّ فِي قِيَامِهَا مَقَامَ الْفَائِتِ قُصُورًا لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا ثُمَّ الدِّيَةُ تَجِبُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، وَفِي شَبَهِ الْعَمْدِ، وَفِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ، وَفِي قَتْلِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ وَهَذِهِ الدِّيَاتُ كُلُّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا قَتْلَ الْأَبِ ابْنَهُ عَمْدًا فَإِنَّهَا فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَالَ ﵀ (إذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا شَبَهَ عَمْدٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) سُمِّيَ هَذَا الْقَتْلُ شَبَهَ عَمْدٍ لِأَنَّهُ شَابَهُ الْعَمْدَ حِينَ قَصَدَ بِهِ الْقَتْلَ وَشَابَهُ الْخَطَأَ حِينَ لَمْ يَضْرِبْهُ بِسِلَاحٍ وَلَا بِمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَصَارَ عَمْدًا خَطَأً. قَوْلُهُ: (وَدِيَةُ شَبَهِ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُف مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَاعًا إلَى آخِرِهِ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَثْلَاثًا ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ ثَنِيَّةً كُلُّهَا حَامِلَاتٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا يَعْنِي الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ إلَّا فِي الْإِبِلِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يُثْبِتُوهُ إلَّا فِيهَا. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَضَى بِالدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ الْإِبِلِ لَمْ تَتَغَلَّظْ) حَتَّى أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي الْفِضَّةِ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ وَلَا فِي الذَّهَبِ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَتْلُ الْخَطَأِ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] قَوْلُهُ: (وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَخْمَاسًا إلَى آخِرِهِ) وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُمَا جَعَلَا بَدَلَ ابْنِ الْمَخَاضِ ابْنَ لَبُونٍ. قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْعَيْنِ أَلْفُ دِينَارٍ) وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافٍ) يَعْنِي وَزْنَ سَبْعَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَوْلُهُ: (وَلَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: وَمِنْ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَمِنْ الْغَنَمِ أَلْفَا شَاةٍ، وَمِنْ الْحُلَلِ مِائَتَا حُلَّةٍ كُلُّ حُلَّةٍ ثَوْبَانِ) إزَارٌ وَرِدَاءٌ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقِيمَةُ كُلِّ بَقَرَةٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَقِيمَةُ كُلِّ شَاةٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
قَوْلُهُ: (وَدِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَا دِيَةَ فِي الْمُسْتَأْمَنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ جُعِلَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الرَّجُلِ فِي مِيرَاثِهَا وَشَهَادَتِهَا فَكَذَا فِي دِيَتِهَا وَمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْمَرْأَةِ مُعْتَبَرٌ بِدِيَتِهَا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَأَلَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ رَجُلٍ قَطَعَ أُصْبُعَ امْرَأَةٍ فَقَالَ فِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ فَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعَيْنِ قَالَ فِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ فَإِنْ قَطَعَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ قَالَ فِيهَا ثَلَاثُونَ قَالَ فَإِنْ قَطَعَ أَرْبَعًا قَالَ فِيهَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ رَبِيعَةُ لَمَّا عَظُمَ أَلَمُهَا وَزَادَتْ مُصِيبَتُهَا قَلَّ أَرْشُهَا فَقَالَ لَهُ أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا بَلْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ قَالَ هَكَذَا السُّنَّةُ أَرَادَ سُنَّةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (
стр. 502
وَفِي النَّفْسِ الدِّيَةُ، وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ) وَهُوَ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ وَيُسَمَّى الْأَرْنَبَةَ، وَلَوْ قُطِعَ الْمَارِنُ مَعَ الْقَصَبَةِ لَا يُزَادُ عَلَى دِيَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ) يَعْنِي اللِّسَانَ الْفَصِيحَ أَمَّا لِسَانُ الْأَخْرَسِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَكَذَا فِي قَطْعِ بَعْضِ اللِّسَانِ إذَا مَنَعَ الْكَلَامَ تَجِبُ الدِّيَةَ كَامِلَةً لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ دُونَ بَعْضٍ قُسِمَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُرُوفِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِيهِ الدِّيَةُ بِقِسْطِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى حُرُوفِ اللِّسَانِ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَرْفًا الْأَلِفُ، وَالتَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالدَّالُ، وَالْجِيمُ، وَالذَّالُ، وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَالْكَافُ، وَاللَّامُ، وَالنُّونُ، وَالْيَاءُ قَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) يَعْنِي الذَّكَرَ الصَّحِيحَ أَمَّا ذَكَرُ الْعِنِّينِ، وَالْخَصِيِّ، وَالْخُنْثَى فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِقَطْعِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِذَلِكَ مَنْفَعَةُ الْوَطْءِ، وَالْإِيلَاجِ، وَالرَّمْيِ بِالْبَوْلِ وَدَفْعُ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ طَرِيقُ الْإِعْلَاقِ وَكَذَا فِي الْحَشَفَةِ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الْإِيلَاجِ، وَالدَّفْقِ، وَالْقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهَا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَطَعَ الذَّكَرَ، وَالْأُنْثَيَانِ بَاقِيَتَانِ أَمَّا إذَا قُطِعَ وَقَدْ كَانَتَا قُطِعَتَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ بِقَطْعِهَا يَصِيرُ خَصِيًّا، وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ حُكُومَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلذَّكَرِ مَعَ فَقْدِهِمَا وَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالذَّكَرَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ قَطَعَهُمَا عَرَضًا يَجِبُ دِيَتَانِ وَإِنْ قَطَعَهُمَا طُولًا إنْ قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ يَجِبُ دِيَتَانِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْأُنْثَيَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالذَّكَرِ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلذَّكَرِ مَعَ فَقْدِهِمَا، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْأَعْضَاءُ الَّتِي تَجِبُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ ثَلَاثَةٌ اللِّسَانُ، وَالْأَنْفُ، وَالذَّكَرُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْعَقْلِ إذَا ضَرَبَ رَأْسَهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّ بِذَهَابِ الْعَقْلِ يَتْلَفُ مَنْفَعَةُ الْأَعْضَاءِ فَصَارَ كَتَلَفِ النَّفْسِ وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَجْنُونِ تَجْرِي مَجْرَى أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ وَكَذَا إذَا ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ شَمُّهُ أَوْ ذَوْقُهُ أَوْ كَلَامُهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَكَلَامُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي اللِّحْيَةِ إذَا حُلِقَتْ فَلَمْ تَنْبُتْ الدِّيَةُ) يَعْنِي لِحْيَةَ الرَّجُلِ أَمَّا لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِأَنَّهَا نَقْصٌ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ أَنَّ اللِّحْيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ كَانَتْ وَافِرَةً تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَإِنْ كَانَتْ شُعَيْرَاتٍ قَلِيلَةً مُجْتَمَعَةً لَا يَقَعُ بِهَا جَمَالٌ كَامِلٌ فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَإِنْ كَانَتْ شَعَرَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ تَشِينُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهَا لِأَنَّهُ أَزَالَ عَنْهُ الشَّيْنَ فَإِنْ نَبَتَتْ بَيْضَاءَ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ فِي الْحُرِّ، وَفِي الْعَبْدِ تَجِبُ حُكُومَةٌ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ حُكُومَةٌ فِي الْحُرِّ أَيْضًا وَيَسْتَوِي الْعَمْدُ، وَالْخَطَأُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الشَّارِبِ حُكُومَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلِّحْيَةِ فَصَارَ كَبَعْضِ أَطْرَافِهَا، وَفِي لِحْيَةِ الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ حُكُومَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قِيمَتُهُ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِيهَا كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ، وَفِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ.
قَوْلُهُ: (، وَفِي شَعْرِ الرَّأْسِ الدِّيَةُ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَنْبُتْ سَوَاءٌ حَلَقَهُ أَوْ نَتَفَهُ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي التَّجَمُّلِ بِهِ وَأَمَّا شَعْرُ الصَّدْرِ، وَالسَّاقِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَجَمَّلُ بِهِ الْجَمَالَ الْكَامِلَ وَلَا قِصَاصَ فِي الشَّعْرِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَ رَجُلٍ فَنَبِتْ أَبْيَضَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَفِيهِ أَرْشُ النُّقْصَانِ. قَوْلُهُ: (، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نِصْفُ الدِّيَةِ) ، وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ
стр. 503
الْمُبْصِرَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَكَذَا فِي عَيْنِ الْأَحْوَلِ، وَالْأَعْمَشِ وَقَوْلُهُ: وَفِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ يَعْنِي دِيَةَ الْمَرْأَةِ وَهِيَ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَفِي حَلَمَتَيْ ثَدْيَيْهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً لِفَوَاتِ الْإِرْضَاعِ وَإِمْسَاكِ اللَّبَنِ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي ثَدْيَيْ الْخُنْثَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ وَعِنْدَهُمَا نِصْفُ مَا فِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ وَنِصْفُ مَا فِي ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ عَلَى أَصْلِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ، وَفِي يَدِ الْخُنْثَى مَا فِي يَدِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا نِصْفُ مَا فِي يَدِ الرَّجُلِ وَنِصْفُ مَا فِي يَدِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ قُتِلَ الْخُنْثَى عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَفِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا رُبْعُ الدِّيَةِ) هَذَا إذَا لَمْ يَنْبُتْ أَمَّا إذَا نَبَتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ إذَا لَمْ يَنْبُتْ لِأَنَّهُ شَعْرٌ وَلَا قِصَاصَ فِي الشَّعْرِ، وَلَوْ قَطَعَ الْجُفُونَ بِأَهْدَابِهَا فَفِيهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْكُلَّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَصَارَ كَالْمَارِنِ مَعَ الْقَصَبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ عُشْرُ الدِّيَةِ) لِقَوْلِهِ ﵇ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَابِعُ كُلُّهَا سَوَاءٌ) يَعْنِي صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا سَوَاءٌ قَطَعَ الْأَصَابِعَ دُونَ الْكَفِّ أَوْ قَطَعَ الْكَفَّ، وَفِيهِ الْأَصَابِعُ وَكَذَا الْقَدَمُ مَعَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ قَطَعَ الْكَفَّ مَعَ الزَّنْدِ، وَفِيهِ الْأَصَابِعُ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْأَصَابِعِ وَيَدْخُلُ الْكَفُّ فِيهَا تَبَعًا لِأَنَّ الْكَفَّ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا إلَّا بِهَا وَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ فَفِي الْأَصَابِعِ دِيَتُهَا، وَفِي السَّاعِدِ حُكُومَةٌ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْخُلُ أَرْشُ السَّاعِدِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ وَإِنْ قَطَعَ الذِّرَاعَ مِنْ الْمَفْصِلِ خَطَأً فَفِي الْكَفِّ، وَالْأَصَابِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الذِّرَاعِ حُكُومَةٌ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالذِّرَاعُ تَبَعٌ وَمَا فَوْقَ الْكَفِّ تَبَعٌ وَكَذَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَ مَعَ الْعَضُدِ أَوْ الرِّجْلَ مَعَ الْفَخِذِ فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَمَا فَوْقَ الْقَدَمِ عِنْدَهُ تَبَعٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتْبَعُ الْأَصَابِعَ غَيْرُ الْكَفِّ وَكَذَا أَصَابِعُ الرِّجْلِ لَا يَتْبَعُهَا غَيْرُ الْقَدَمِ. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ أُصْبُعٍ فِيهَا ثَلَاثُ مَفَاصِلَ فَفِي أَحَدِهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ وَمَا فِيهَا مَفْصِلَانِ فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ) لِأَنَّ مَا فِي الْأُصْبُعِ يَنْقَسِمُ عَلَى أَصْلِهَا كَمَا انْقَسَمَ مَا فِي الْيَدِ عَلَى عَدَدِ الْأَصَابِعِ، وَالْقَطْعُ، وَالشَّلَلُ سَوَاءٌ إذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) يَعْنِي إذَا كَانَ خَطَأً أَمَّا فِي الْعَمْدِ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَدِيَةُ سِنِّ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ سِنِّ الرَّجُلِ وَقَوْلُهُ: خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهَذَا إذَا سَقَطَتْ أَوْ اسْوَدَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ وَلَمْ تَسْقُطْ فَإِنَّ فِيهَا الْأَرْشَ تَامًّا وَلَا قِصَاصَ فِيهَا إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُضْرَبَ سِنُّهُ فَتَسْوَدَّ أَوْ تَخْضَرَّ وَيَجِبُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ وَأَمَّا إذَا اصْفَرَّتْ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ تَجِبُ حُكُومَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَحُكُومَةٌ وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَفِي الْخُجَنْدِيِّ إذَا احْمَرَّتْ أَوْ اصْفَرَّتْ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَحُكُومَةٌ وَعِنْدَهُمَا حُكُومَةٌ فِي الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ.
وَعِنْدَ زُفَرَ يَجِبُ أَرْشُهَا تَامًّا. قَوْلُهُ: (وَالْأَسْنَانُ وَالْأَضْرَاسُ كُلُّهَا سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الطَّوَاحِينَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَنْفَعَةُ الطَّحْنِ فَفِي الضَّوَاحِكِ زِينَةٌ تُسَاوِي ذَلِكَ، وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى فَمِهِ حَتَّى أَسْقَطَ أَسْنَانَهُ كُلَّهَا وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا عِشْرُونَ ضِرْسًا وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَأَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ ضَوَاحِكَ كَانَ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ دِيَةٍ وَهِيَ مِنْ الدَّرَاهِمِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي السَّنَةِ الْأُولَى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثٌ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَثُلُثٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِهَا، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَمَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَخْمَاسِ، وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَهُوَ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ ضَرَبَ عُضْوًا فَأَذْهَبَ مَنْفَعَتَهُ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ كَالْيَدِ إذَا شُلَّتْ، وَالْعَيْنِ إذَا ذَهَبَ ضَوْءُهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعُضْوِ الْمَنْفَعَةُ فَذَهَابُ مَنْفَعَتِهِ كَذَهَابِ عَيْنِهِ وَمَنْ ضَرَبَ صُلْبَ رَجُلٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهُ يَجِبُ الدِّيَةُ وَكَذَا لَوْ أَحْدَبَهُ لِأَنَّهُ فَوَّتَ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ
стр. 504
وَهُوَ اسْتِوَاءُ الْقَامَةِ فَإِنْ زَالَتْ الْحُدُوبَةُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالشِّجَاجُ عَشَرَةٌ) يَعْنِي الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ، وَالرَّأْسِ لِأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ فِي الْبَدَنِ لَا يُقَالُ لَهُ شَجَّةٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ جِرَاحَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْحَارِصَةُ، وَالدَّامِعَةُ، وَالدَّامِيَةُ، وَالْبَاضِعَةُ، وَالْمُتَلَاحِمَةُ) فَالْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ، وَالدَّامِعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ، وَقِيلَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلَا تُسِيلُهُ وَالدَّامِيَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الدَّمُ وَيَسِيلُ، وَالْبَاضِعَةُ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَقْطَعُهُ، وَالْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَذْهَبُ فِي اللَّحْمِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاضِعَةِ. قَوْلُهُ: (وَالسِّمْحَاقُ، وَالْمُوضِحَةُ، وَالْهَاشِمَةُ، وَالْمُنَقِّلَةُ، وَالْآمَّةُ) فَالسِّمْحَاقُ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ تُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ السِّمْحَاقَ لِخِفَّتِهَا وَرِقَّتِهَا وَمِنْهُ قِيلَ لِلْغَيْمِ الرَّقِيقِ سَمَاحِيقُ، وَالْمُوضِحَةُ هِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُبَيِّنُهُ، وَالْهَاشِمَةُ هِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ أَيْ تَكْسِرُهُ، وَالْمُنَقِّلَةُ هِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ أَيْ تُحَوِّلُهُ، وَالْآمَّةُ هِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَهِيَ جِلْدَةٌ تَحْتَ الْعَظْمِ فَوْقَ الدِّمَاغِ وَقِيلَ هِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الرَّأْسِ وَهِيَ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاغُ وَبَعْدَهَا الدَّامِغَةُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ مَعَهَا فِي الْغَالِبِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إذَا كَانَتْ عَمْدًا) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا مُمْكِنَةٌ بِأَنْ تَنْتَهِيَ السِّكِّينُ إلَى الْعَظْمِ فَيَتَسَاوَيَانِ وَلَا تَكُونُ الْمُوضِحَةُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُوضِحَةَ لِأَنَّ مَا فَوْقَهَا مِنْ الشِّجَاجِ لَا قِصَاصَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْآمَّةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهَا لِأَنَّ الْهَاشِمَةَ تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ وَكَذَا الْمُنَقِّلَةُ، وَالْآمَّةُ يَتَعَذَّرُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ تَنْتَهِي السِّكِّينُ إلَيْهِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ إلَّا فِي السِّمْحَاقِ فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهَا إجْمَاعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهَا إذْ لَيْسَ فِيهَا كَسْرُ عَظْمٍ وَلَا خَوْفُ هَلَاكٍ غَالِبًا فَيُسْبَرُ غَوْرُ الْجِرَاحَةِ بِمِسْمَارٍ ثُمَّ تُعْمَلُ حَدِيدَةٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَيَنْفُذُهَا فِي اللَّحْمِ إلَى آخِرِهَا فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ، وَأَمَّا السِّمْحَاقُ فَلَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَشُقَّ جِلْدَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ السِّكِّينُ إلَى جَلْدَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ فَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِيفَاءُ فَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَرَجَعَ إلَى الْأَرْشِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قِصَاصَ فِي بَقِيَّةِ الشِّجَاجِ) هَذَا بِعُمُومِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ. قَوْلُهُ: (وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ) تَفْسِيرُ الْحُكُومَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا وَلَيْسَ بِهِ هَذِهِ الشَّجَّةُ وَيُقَوَّمُ وَهِيَ بِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَيَجِبُ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَإِنْ كَانَ نِصْفَ عُشْرِ الْقِيمَةِ يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَ رُبْعَ عُشْرٍ فَرُبْعُ عُشْرٍ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ اعْتِبَارُهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُ الشَّجَّةِ الَّتِي هِيَ السِّمْحَاقُ فِي الْعَبْدِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ فَإِذَا أَوْجَبْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ أَوْجَبْنَا فِي السِّمْحَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: تَفْسِيرُ حُكُومَةِ الْعَدْلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَدْنَى شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَهِيَ الْمُوضِحَةُ فَإِنْ كَانَ هَذَا نِصْفَ ذَلِكَ وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ لِأَنَّهُمَا مَوْضِعُ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِمَا كَانَتْ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَفْسِيرُ الْحُكُومَةِ هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ أَوْ أُجْرَةِ
стр. 505
الطَّبِيبِ، وَالْأَدْوِيَةِ إلَى أَنْ يَبْرَأَ وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهِ الْحُكُومَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَدَّرُوا فِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا قِيمَةُ أَرْبَعٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثِينَ مِثْقَالًا قِيمَةُ ثَلَاثٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْبَاضِعَةِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَةُ بَعِيرَيْنِ، وَفِي الدَّامِيَةِ الْكُبْرَى الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ اثْنَيْ عَشَرَ مِثْقَالًا وَنِصْفًا قِيمَةُ بَعِيرٍ وَرُبْعٍ، وَفِي الدَّامِيَةِ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي يَلْتَحِمُ فِيهَا الدَّمُ وَلَا يَسِيلُ سِتَّةُ مَثَاقِيلَ، وَفِي الْحَارِصَةِ خَمْسَةُ مَثَاقِيلَ، وَفِيمَا دُونَهَا أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلَ. قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُوضِحَةِ إذَا كَانَتْ خَطَأً نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي الرَّجُلِ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ فِي الْمَرْأَةِ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنْ أَدَّى مِنْ الْإِبِلِ أَدَّى فِي مُوضِحَةِ الرَّجُلِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَرْأَةِ نِصْفَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْهَاشِمَةِ عُشْرُ الدِّيَةِ) وَهُوَ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِنْ الْإِبِلِ عَشْرٌ، وَفِي الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ) وَهُوَ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَمِنْ الْإِبِلِ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَوْلُهُ: (وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) ، وَفِي ثَلَاثِ آمَّاتٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي أَرْبَعٍ دِيَةٌ وَثُلُثٌ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) وَهِيَ مِنْ الْجِرَاحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ الشِّجَاجِ، وَالْجَائِفَةُ مَا تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ الصَّدْرِ أَوْ مَا يَتَوَصَّلُ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي إذَا وَصَلَ إلَيْهِ الشَّرَابُ كَانَ مُفْطِرًا فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ بَيْنَ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالذَّكَرِ حَتَّى تَصِلَ إلَى الْجَوْفِ فَهِيَ جَائِفَةٌ ثُمَّ مَا كَانَ أَرْشُهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا فِي الْخَطَأِ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ إجْمَاعًا وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَفِي مَالُ الْجَانِي وَهَذَا فِي الرَّجُلِ أَمَّا فِي الْمَرْأَةِ فَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَصَاعِدًا لِأَنَّ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَفَذَتْ فَهُمَا جَائِفَتَانِ فَفِيهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ) قَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁.
قَوْلُهُ: (وَفِي أَصَابِعِ الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فَكَانَ فِي الْخَمْسِ نِصْفُ الدِّيَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ) لِأَنَّ الْكَفَّ تَبَعٌ لَهَا إذْ الْبَطْشُ إنَّمَا هُوَ بِهَا، وَلَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ، وَفِيهَا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْأُصْبُعِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْكَفِّ شَيْءٌ وَكَذَا إذَا كَانَ فِيهَا أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَفِيهِ دِيَةُ الْأَصَابِعِ لَا غَيْرُ، وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا لَا أَصَابِعَ فِيهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهِ حُكُومَةٌ لَا يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ أُصْبُعٍ لِأَنَّ الْأُصْبُعَ يَتْبَعُهَا الْكَفُّ، وَالتَّبَعُ لَا يُسَاوِي الْمَتْبُوعَ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ فَفِي الْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي السَّاعِدِ حُكُومَةٌ) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ مَا فَوْقَ الْكَفِّ، وَالْقَدَمِ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ وَعَلَى هَذَا إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْعَضُدِ أَوْ الرِّجْلَ مِنْ الْفَخِذِ فَعِنْدَهُمَا فِيهِ الدِّيَةُ وَمَا فَوْقَ الْكَفِّ، وَالْقَدَمِ فِيهِ حُكُومَةٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا فَوْقَ الْكَفِّ، وَالْقَدَمِ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ وَكَذَا إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْمَنْكِبِ فَهُوَ عَلَى هَذَا. قَوْلُهُ: (وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) تَشْرِيفًا لِلْآدَمِيِّ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ لَكِنْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَلَا زِينَةَ وَكَذَا السِّنُّ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي عَيْنِ الصَّبِيِّ وَلِسَانِهِ وَذَكَرِهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ ذَلِكَ حُكُومَةُ عَدْلٍ) وَمَعْرِفَةُ الصِّحَّةِ فِي اللِّسَانِ بِالْكَلَامِ، وَفِي الذَّكَرِ بِالْحَرَكَةِ، وَفِي الْعَيْنِ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى النَّظَرِ وَقِيلَ فِي مَعْرِفَةِ عَيْنِ الصَّبِيِّ إذَا قُوبِلَ بِهَا الشَّمْسُ مَفْتُوحَةً إنْ دَمَعَتْ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِكَلَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ صَوْتٍ، وَفِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ، وَالْخَصِيِّ حُكُومَةٌ لِأَنَّهُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَفِي سِنِّ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يَثْغَرْ إذَا نَبَتَ لَا شَيْءَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِيهَا حُكُومَةٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ تَنْبُتْ فَفِيهَا دِيَةُ السِّنِّ كَامِلَةً، وَفِي أُذُنِ الصَّغِيرِ وَأَنْفِهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ حُكُومَةٌ يَعْنِي إذَا لَمْ يَمْشِ وَلَمْ يَقْعُدْ وَلَمْ يُحَرِّكْهُمَا أَمَّا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَفِي ثَدْيَيْ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ ذَلِكَ، وَفِي حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ حُكُومَةٌ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الذَّاهِبِ نُورُهَا، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ الْقَائِمَةِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ، وَالذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ، وَالْأَنْفِ الْمَقْطُوعِ الْأَرْنَبَةِ حُكُومَةٌ وَكَذَا ثَدْيُ الْمَرْأَةِ
стр. 506
الْمَقْطُوعِ الْحَلَمَةِ، وَالْكَفِّ الْمَقْطُوعِ الْأَصَابِعِ، وَالْجَفْنِ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَيْهِ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا فِي مَكَانِهَا وَنَبَتَ اللَّحْمُ فَعَلَى الْقَالِعِ الْأَرْشُ كَامِلًا لِأَنَّ الْعُرُوقَ لَا تَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا قَطَعَ أُذُنَهُ وَأَلْصَقَهَا فَالْتَحَمَتْ، وَفِي الظُّفْرِ إذَا نَبَتَ كَمَا كَانَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ) فَلَمْ يَنْبُتْ (دَخَلَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ) وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ إلَّا فِي الشَّعْرِ خَاصَّةً، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ يَعْنِي جَمِيعَهُ أَمَّا إذَا تَنَاثَرَ بَعْضُهُ أَوْ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَدَخَلَ فِيهِ الشَّعْرُ وَذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَإِلَى الْحُكُومَةِ فِي الشَّعْرِ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً يَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ دَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُ رَأْسِهِ أَمَّا إذَا نَبَتَ وَرَجَعَ كَمَا كَانَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مَعَ الدِّيَةِ) هَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَعَ الْجِنَايَةِ مَوْتٌ أَمَّا إذَا حَصَلَ سَقَطَ الْأَرْشُ وَيَكُونُ عَلَى الْجَانِي الدِّيَةُ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِي مَالِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ سَوَاءٌ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ أُخْرَى إلَى جَانِبِهَا فَفِيهِمَا الْأَرْشُ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْأُولَى، وَالْأَرْشُ فِي الْأُخْرَى) وَعَلَى هَذَا إذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَ مِنْهَا عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ لَا قِصَاصَ فِيهِمَا وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعَقْلِ، وَالشَّعْرِ إذَا لَمْ يَمُتْ وَيَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِيهَا لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا حَصَلَتْ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ دَخَلَ أَرْشُ الْأَقَلِّ فِي الْأَكْثَرِ وَمَتَى وَقَعَتْ فِي عُضْوَيْنِ وَكَانَتْ خَطَأً لَا يَدْخُلُ وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا يَجِبُ الْمَالُ فِي الْجَمِيعِ وَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَوَّلِ، وَالْأَرْشُ فِي الثَّانِي كَمَا إذَا قَطَعَ أُصْبُعًا فَشُلَّتْ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ فِي مَوْضِعِهَا أُخْرَى سَقَطَ الْأَرْشُ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْأَرْشُ كَامِلًا لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ، وَالْحَادِثُ نِعْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجِنَايَةَ انْعَدَمَتْ مَعْنًى فَصَارَ كَمَا إذَا قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ فَنَبَتَتْ لَا يَجِبُ الْأَرْشُ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا شَجَّهُ فَالْتَحَمَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ وَيَنْبُتُ الشَّعْرُ سَقَطَ الْأَرْشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِزَوَالِ الشَّيْنِ، وَالْأَرْشِ إنَّمَا يَجِبُ بِالشِّينِ فَإِذَا زَالَ لَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ الْأَلَمِ وَمُجَرَّدُ الْأَلَمِ لَا يَجِبُ بِهِ الْأَرْشُ كَمَا لَوْ لَطَمَهُ فَآلَمَهُ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ) وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ بِفِعْلِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ) لِأَنَّ الْجُرْحَ مُعْتَبَرٌ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ فَرُبَّمَا يَسْرِي إلَى النَّفْسِ فَيُوجِبُ حُكْمَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَسَقَطَ أَرْشُ الْيَدِ) مَعْنَاهُ قَتَلَهُ خَطَأً لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي النَّفْسِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْطَعَ
стр. 507
يَدَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُرْءِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْيَدِ وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ فَاقْتَصَّ لَهُ بِهَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ قَتْلَ عَمْدٍ وَحَقُّ الْمُقْتَصِّ الْقَوَدُ وَاسْتِيفَاءُ الْقَطْعِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى الْقَطْعِ فَقَدْ أَبْرَأَهُ عَمَّا وَرَاءَهُ قُلْنَا: إنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى الْقَطْعِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ حَقَّهُ فِيهِ وَبَعْدَ السِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الْقَوَدِ فَلَمْ يَكُنْ مُبَرِّئًا عَنْهُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ وَمَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إذَا اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ، وَمَاتَ ضَمِنَ دِيَةَ النَّفْسِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ وَهَذَا وَقَعَ قَتْلًا إلَّا أَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَوَجَبَ الْمَالُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَهُوَ الْقَطْعُ وَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ إذْ الِاحْتِرَازُ عَنْ السِّرَايَةِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ يَدُهُ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قَتَلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ فِيهِ الْقِصَاصُ بِشُبْهَةٍ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) يَعْنِي فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ أَوْ عَشَرَةٌ قَتَلُوا رَجُلًا وَأَحَدُهُمْ أَبُوهُ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ جَمِيعًا عِنْدَنَا وَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهَا وَذَلِكَ الْعُشْرُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيَجِبُ فِي مَالِهِمْ إذَا كَانَ عَمْدًا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ إنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ أَرْشٍ وَجَبَ بِالصُّلْحِ فَهُوَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) وَيَجِبُ حَالًّا لِأَنَّهُ مَالٌ اُسْتُحِقَّ بِالْعَقْدِ وَكُلُّ مَالٍ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَهُوَ حَالٌّ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ الْأَجَلُ كَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ وَأَصْلُهُ. قَوْلُهُ: ﵇ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا» . قَوْلُهُ: وَلَا عَبْدًا أَيْ إذَا جَنَى عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ يَسْلُكُ فِيهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ وَكَذَا الْعَبْدُ إذَا جَنَى يَجِبُ عَلَى مَوْلَاهُ الدَّفْعُ أَوْ الْفِدَاءُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَأَمَّا إذَا قَتَلَ الرَّجُلُ عَبْدًا خَطَأً يَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْخَبَرِ. قَوْلُهُ: وَلَا صُلْحًا أَيْ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ قِصَاصًا فِي النَّفْسِ أَوْ فِيمَا دُونَهَا أَوْ خَطَأً فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ فَإِنْ صَالَحَهُ جَازَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: وَلَا اعْتِرَافًا أَيْ وَلَا إقْرَارًا إذَا أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ عَمْدًا فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) ، وَلَوْ اشْتَرَكَ الْأَبُ، وَالْأَجْنَبِيُّ فِي قَتْلِ الِابْنِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِذَا اشْتَرَكَ عَامِدَانِ فِي قَتْلِ رَجُلٍ فَعَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْآخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ عَنْ أَحَدِهِمَا صَارَ كَأَنَّ جَمِيعَ النَّفْسِ مُسْتَوْفَاةٌ بِفِعْلِهِ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ جِنَايَةٍ اعْتَرَفَ بِهَا الْجَانِي فَهِيَ فِي مَالِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) وَتَكُونُ فِي مَالِهِ حَالًّا لِأَنَّهُ مَالٌ الْتَزَمَهُ بِإِقْرَارِهِ فَلَا يَثْبُتُ التَّأْجِيلُ فِيهِ إلَّا بِالشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ، وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ) وَلَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ لِأَنَّ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ عُقُوبَةٌ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ، وَالْمَعْتُوهُ كَالْمَجْنُونِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَتَلِفَ بِذَلِكَ إنْسَانٌ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ تَلِفَ
стр. 508
فِيهَا بَهِيمَةٌ فَضَمَانُهَا فِي مَالِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانُ مَالٍ وَضَمَانُ الْمَالِ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ وَحَافِرُ الْبِئْرِ لَيْسَ بِقَاتِلٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَافِرِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ، وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ فِيهَا إنْسَانًا فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ، وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَعَمَّقَهَا رَجُلٌ آخَرُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يُعَمِّقْهَا وَلَكِنْ وَسَّعَ رَأْسَهَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا فِي قَعْرِ الْبِئْرِ فَسَقَطَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ سَدَّ رَأْسَهَا أَوْ كَبَسَهَا فَجَاءَ رَجُلٌ وَفَتَحَ رَأْسَهَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَبَسَهَا بِالتُّرَابِ أَوْ الْحِجَارَةِ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي وَإِنْ كَبَسَهَا بِالْحِنْطَةِ، وَالدَّقِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَمَاتَ غَمًّا أَوْ جُوعًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ مَاتَ جُوعًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ غَمًّا يَضْمَنُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا حَدَثَ بِسَبَبِ الْوُقُوعِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَنَحَّاهُ آخَرُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ التَّعَدِّيَ الْأَوَّلَ قَدْ زَالَ بِفِعْلِ الثَّانِي وَأَلْقَاءُ الْخَشَبَةِ، وَالتُّرَابِ، وَالطِّينِ فِي الطَّرِيقِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْحَجَرِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحْفِرُ لَهُ بِئْرًا فَحَفَرُوهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْحَافِرِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَافِرُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَإِنْ عَلِمَ ضَمِنَ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَصِحُّ أَمْرُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَلَا غُرُورَ فِيهِ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَى الْحَافِرِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْبَعَةً يَحْفِرُونَ بِئْرًا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حَفْرِهِمْ فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ رُبْعُ الدِّيَةِ وَيَسْقُطُ الرُّبْعُ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ وَجِنَايَةِ أَصْحَابِهِ فَيَسْقُطُ مَا أَصَابَهُ بِفِعْلِهِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ فِي الطَّرِيقِ أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُبَاحٌ فَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَشْرَعَ فِي الطَّرِيقِ رَوْشَنًا أَوْ مِيزَابًا فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَمَاتَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ الَّذِي هُوَ فِي الْحَائِطِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفُ الْخَارِجُ ضَمِنَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَإِنْ أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا ضَمِنَ النِّصْفَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّ الطَّرَفَيْنِ أَصَابَهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَضْمَنَ لِلشَّكِّ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ النِّصْفَ وَإِنْ وَضَعَ فِي الطَّرِيقِ جَمْرًا فَأَحْرَقَ شَيْئًا ضَمِنَهُ فَإِذَا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَأَحْرَقَ شَيْئًا لَا يَضْمَنُ لِنَسْخِ الرِّيحِ فِعْلَهُ وَقِيلَ إذَا كَانَ يَوْمَ الرِّيحِ يَضْمَنُ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَاقِبَتِهِ فَجُعِلَ كَمُبَاشَرَتِهِ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ صَاحِبُ الدَّارِ الْأُجَرَاءَ لِإِخْرَاجِ الْجُنَاحِ وَوَقَعَ فَقَتَلَ إنْسَانًا قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا إلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ سَقَطَ مِنْ أَيْدِيهِمْ آجُرٌّ أَوْ حِجَارَةٌ أَوْ خَشَبٌ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ وَجَبَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ سَقَطَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ وَهَذَا لَيْسَ بِقَاتِلٍ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الْبِئْرِ وَيَتَعَثَّرُ بِالْحَجَرِ بَعْدَ مَوْتِ الْفَاعِلِ بِذَلِكَ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْفِعْلُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّهُ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَعَطِبَ فِيهَا إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّاكِبُ ضَامِنٌ لِمَا وَطِئَتْ الدَّابَّةُ) وَمَا أَصَابَتْ (بِيَدِهَا أَوْ كَدَمَتْ) بِفَمِهَا وَكَذَا مَا صَدَمَتْهُ بِرَأْسِهَا أَوْ صَدْرِهَا دُونَ ذَنَبِهَا فَيَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، وَالْوَصِيَّةَ وَهُوَ قَاتِلٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ صَارَتْ لَهُ كَالْآلَةِ فَإِنْ كَانَ الْعَاطِبُ بِذَلِكَ عَبْدًا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا لِأَنَّ دِيَتَهُ قِيمَتُهُ وَإِنْ أَصَابَتْ مَالًا فَأَتْلَفَتْهُ وَجَبَ قِيمَتُهُ فِي مَالِهِ وَإِذَا أَصَابَتْ مَا دُونَ النَّفْسِ إنْ كَانَ أَرْشُهُ
стр. 509
أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِذَنَبِهَا) هَذَا إذَا كَانَتْ تَسِيرُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ السَّيْرِ أَمَّا إذَا أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ فَهُوَ ضَامِنٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي النَّفْحَةِ بِالرِّجْلِ، وَالذَّنَبِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِيقَافِ وَشَغْلِ الطَّرِيقِ وَإِنْ أَثَارَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَاةً أَوْ غُبَارًا فَفَقَأَتْ عَيْنَ إنْسَانٍ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ كَبِيرًا ضَمِنَ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ لَا يَعْرَى عَنْهُ، وَفِي الثَّانِي إنَّمَا هُوَ بِتَعَسُّفِ الرَّاكِبِ وَشِدَّةِ ضَرْبِهِ لَهَا، وَالْمُرْتَدِفُ فِيمَا ذَكَرْنَا كَالرَّاكِبِ وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَهُ السَّائِقُ، وَالْقَائِدُ إلَّا أَنَّ عَلَى الرَّاكِبِ الْكَفَّارَةُ فِيمَا أَوْطَأَتْهُ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى السَّائِقِ، وَالْقَائِدِ لِأَنَّهُمَا مُسَبِّبَانِ وَلَا يُحْرَمَانِ الْمِيرَاثَ، وَالْوَصِيَّةَ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُبَاشِرَيْنِ لِلْقَتْلِ وَلَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا إلَى الْمَحِلِّ شَيْءٌ وَكَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَى الرَّاكِبِ فِيمَا وَرَاءَ الْإِيطَاءِ وَأَمَّا فِي الْإِيطَاءِ فَالرَّاكِبُ مُبَاشِرٌ فِيهِ لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ وَثِقَلِ الدَّابَّةِ تَبَعٌ لَهُ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافٌ إلَيْهِ وَهِيَ آلَةٌ لَهُ وَيُحْرَمُ الرَّاكِبُ الْمِيرَاثَ، وَالْوَصِيَّةَ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ بِخِلَافِ السَّائِقِ، وَالْقَائِدِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ تَسِيرُ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَكَذَا إذَا أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِيقَافِ فَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَعَطِبَ إنْسَانٌ بِرَوْثِهَا أَوْ بِبَوْلِهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا الْإِيقَافِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّيْرِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَخَسَ دَابَّةً وَعَلَيْهَا رَاكِبٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَوَثَبَتْ فَأَلْقَتْ الرَّاكِبَ فَالنَّاخِسُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ تُلْقِهِ وَلَكِنْ جَمَحَتْ بِهِ فَمَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا ضَمِنَهُ النَّاخِسُ فَإِنْ نَفَحَتْ النَّاخِسَ فَقَتَلَتْهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، وَالنَّاخِسُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا فَفِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّائِقُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَالْقَائِدُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا دُونَ رِجْلِهَا) ، وَالْمُرَادُ النَّفْحَةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأًى مِنْ عَيْنِ السَّائِقِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَغَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِ الْقَائِدِ فَلَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إنَّ السَّائِقَ لَا يَضْمَنُ بِالنَّفْحَةِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَادَ قِطَارًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَوْطَأَ) لِأَنَّهُ مُقَرِّبٌ لَهُ إلَى الْجِنَايَةِ وَيَسْتَوِي فِيهِ أَوَّلُ الْقِطَارِ وَآخِرُهُ فَإِنْ وَطِئَ بَعِيرُ إنْسَانٍ ضَمِنَ دِيَتَهُ وَيَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ رَبَطَ رَجُلٌ بَعِيرًا إلَى الْقِطَارِ، وَالْقَائِدٌ لَا يَعْلَمُ فَوَطِئَ الْمَرْبُوطُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ صِيَانَةُ الْقِطَارِ مِنْ رَبْطِ غَيْرِهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ وَهَذَا إذَا رَبَطَ، وَالْقِطَارُ يَسِيرُ أَمَّا إذَا رَبَطَ، وَالْإِبِلُ قِيَامٌ ثُمَّ قَادَهَا ضَمِنَ الْقَائِدُ لِأَنَّهُ قَادَ بَعِيرَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً فَلَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ سَاقَ دَابَّةً فَوَقَعَ السَّرْجُ أَوْ اللِّجَامُ أَوْ سَائِرُ الْأَدَوَاتِ أَوْ الْحِمْلُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ لِأَنَّ الْوُقُوعَ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الرَّبْطِ، وَالْأَحْكَامُ فِيهِ وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً وَكَانَ لَهَا سَائِقًا فَأَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا إنْسَانًا أَوْ شَيْئًا ضَمِنَهُ وَإِنْ أَرْسَلَ طَائِرًا وَأَصَابَ شَيْئًا فِي فَوْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ بَدَنَ الْبَهِيمَةِ يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَاعْتُبِرَ سَوْقُهُ، وَالطَّيْرُ لَا يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَصَارَ وُجُودُ السَّوْقِ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً وَاحِدَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ عَشْرَ جِرَاحَاتٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمُوتُ
стр. 510
مِنْ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَمُوتُ مِنْ عَشْرِ جِرَاحَاتٍ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ مِنْ الْجِرَاحَةِ الْوَاحِدَةِ وَاحْتَمَلَ يَكُونُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ الْبَاقِيَةِ وَإِنْ جَرَحَهُ رَجُلٌ وَعَقَرَهُ سَبُعٌ وَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ وَأَصَابَهُ حَجَرٌ رَمَتْ بِهِ الرِّيحُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَى الرَّجُلِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَيُجْعَلُ الْبَاقِي كُلُّهُ جِرَاحَةً وَاحِدَةً فَكَأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا هَدَرٌ، وَالْأُخْرَى مَضْمُونَةٌ وَكَذَا لَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جِرَاحَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ ثُمَّ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَ الدِّيَةِ وَيُهْدَرُ الثُّلُثُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: شَاةٌ لِقَصَّابٍ فُقِئَتْ عَيْنُهَا فَفِيهَا مَا نَقَصَهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ اللَّحْمُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا النُّقْصَانُ، وَفِي عَيْنِ غَيْرِ بَقَرَةِ الْجَزَّارِ وَجَزُورِهِ رُبْعُ الْقِيمَةِ وَكَذَا فِي عَيْنِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَالْفَرَسِ لِأَنَّ فِيهَا مَقَاصِدَ سِوَى اللَّحْمِ كَالْحَمْلِ، وَالرُّكُوبِ، وَالْحِرَاثَةِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْعَمَلِ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ عَيْنَاهَا وَعَيْنَا الْمُسْتَعْمِلِ فَكَأَنَّهَا ذَاتَ أَرْبَعَةِ أَعْيُنٍ فَيَجِبُ الرُّبْعُ بِفَوَاتِ أَحَدِهَا.
[مَسَائِلُ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ عَمْدًا]
(مَسَائِلُ) إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ عَمْدًا لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَقَالَ زُفَرُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَأَمَّا الدِّيَةُ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ قَالَ اقْطَعْ يَدٍ أَوْ افْقَأْ عَيْنِي فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ: اُقْتُلْ عَبْدِي أَوْ اقْطَعْ يَدَهُ فَفَعَلَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ قَالَ اُقْتُلْ أَخِي وَهُوَ وَارِثُهُ فَقَتَلَهُ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةَ خَطَأٍ قِيلَ لِمَوْلَاهُ إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ بِهَا أَوْ تَفْدِيَهُ) قَيَّدَ بِالْخَطَأِ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ثُمَّ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ هُوَ الدَّفْعُ دُونَ الْفِدَاءِ؛ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجَبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الْفِدَاءُ ثُمَّ الْمَوْلَى إذَا اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَمَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ الْفِدَاءَ لَمْ يَسْقُطْ الْفِدَاءُ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ نَقَلَ الْحَقَّ مِنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَى ذِمَّتِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ شَيْئًا سَقَطَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ الْمَوْلَى قَتَلَهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْأَرْشِ فَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ إنْ كَانَ عَمْدًا بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَقْتَصَّ وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَخَذَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ وَدَفَعَهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ وَلَا يُخَيَّرُ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لَا يَصِيرُ مُخْتَارًا لِلْأَرْشِ ثُمَّ إذَا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ وَأَعْشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا سَبِيلَ لِلْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ وَيَكُونُ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى إلَى أَنْ يَجِدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمَوْلَى وَقْتَ الِاخْتِيَارِ مِقْدَارُ الْأَرْشِ كَانَ اخْتِيَارُهُ بَاطِلًا وَكَانَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ دَفَعَهُ مَلَكَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ وَإِنْ فَدَاهُ فَدَاهُ بِأَرْشِهَا) وَكُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالًّا فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْمَوْلَى شَيْئًا مِنْ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَادَ فَجَنَى كَانَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ حُكْمَ الْأُولَى) مَعْنَاهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمَّا فَدَاهُ فَقَدْ أَسْقَطَ الْجِنَايَةَ عَنْ رَقَبَتِهِ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ قِيلَ لِلْمَوْلَى: إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ يَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ تَفْدِيَهُ بِأَرْشِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ تَعَلُّقُ الْأُولَى بِرَقَبَتِهِ لَا يَمْنَعُ الثَّانِيَةَ بِرَقَبَتِهِ فَإِذَا قَتَلَ وَاحِدًا وَفَقَأَ عَيْنَ الْآخَرِ اقْتَسَمَاهُ أَثْلَاثًا لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْنِ نِصْفُ أَرْشِ النَّفْسِ وَكَذَا إذَا كَانُوا جَمَاعَةً اقْتَسَمُوهُ عَلَى قَدْرِ أُرُوشِهِمْ فَإِنْ اخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَدَاهُ بِجَمِيعِ أُرُوشِهِمْ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ رَقَبَةً تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْأَقَلُّ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنْ كَانَ أَقَلَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلَّ فَلَمْ يَتْلَفْ
стр. 511
بِالْعِتْقِ سِوَاهَا وَكَذَا إذَا كَانَتْ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا أَوْ دَبَّرَهَا فَهُوَ عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ) وَكَذَا إذَا وَهَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ مُخْتَارٌ لِلْفِدَاءِ وَكَذَا إذَا أَمَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ صَارَ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ قَامَ مَقَامَهُ فِي الْعِتْقِ وَإِنْ اسْتَخْدَمَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ فَعَطِبَ بِالْخِدْمَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ هَذَا اخْتِيَارًا فَإِنْ أَجَّرَهُ نَقَضَ الْحَاكِمُ الْإِجَارَةَ، وَقَالَ لِلْمَوْلَى: ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ، وَالْإِجَارَةُ، وَالرَّهْنُ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارٍ، وَلَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ ثُمَّ عَجَزَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا قِيلَ لَهُ ادْفَعْهُ أَوْ افْدِهِ، وَالتَّزْوِيجُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا جَنَى الْمُدَبَّرُ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ جِنَايَةً ضَمِنَ الْمَوْلَى الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهَا) اعْلَمْ أَنَّ جِنَايَةَ الْمُدَبَّرِ تَكُونُ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ حَالَّةً وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ فَإِنْ قَتَلَ الْمُدَبَّرُ قَتِيلًا خَطَأً أَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْمَوْلَى وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ وَلَا مَنْعَ مِنْ الْمَوْلَى فِي أَكْثَرِ مِنْ الْقِيمَةِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ يَوْمَ جَنَى لَا يَوْمَ التَّدْبِيرِ وَقَوْلُهُ: ضَمِنَ الْمَوْلَى الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثُلُثُ قِيمَتِهَا، وَفِي الْمُدَبَّرِ الثُّلُثَانِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى وَقَدْ دَفَعَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ لِلْأَوَّلِ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الدَّفْعِ. قَوْلُهُ: (يَتْبَعُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى) فَيُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى دَفَعَ الْقِيمَةَ لِلْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَالْوَلِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَوْلَى وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الدَّفْعُ بِقَضَاءٍ وَبِغَيْرِ قَضَاءٍ وَاحِدٌ وَيَتْبَعُ الثَّانِي الْأَوَّلَ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْمَوْلَى لِأَنَّ الْمَوْلَى دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِالدَّفْعِ فَلَا يَضْمَنُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّ جِنَايَاتِ الْمُدَبَّرِ يَسْتَنِدُ ضَمَانُهَا إلَى التَّدْبِيرِ السَّابِقِ الَّذِي صَارَ الْمَوْلَى بِهِ مَانِعًا فَإِنْ دَفَعَهَا بِقَضَاءٍ فَقَدْ زَالَتْ يَدُهُ عَنْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ دَفَعَهَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَقَدْ سَلَّمَ لِلْأَوَّلِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الثَّانِي وَكَانَ الثَّانِي بِالْخِيَارِ فِي تَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ يَوْمَ جَنَى لَا يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ وَلَا يَوْمَ التَّدْبِيرِ وَأَمَّا جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ فَهِيَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ سَيِّدِهِ وَدُونَ الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ أَكْسَابَهُ لِنَفْسِهِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا مَالَ الْحَائِطُ إلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَطُولِبَ صَاحِبُهُ بِنَقْضِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِهِ فِيهَا حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَ مَا تَلِفَ فِيهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِنَقْضِهِ حَتَّى تَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ مَالٌ لَمْ يَضْمَنْ) وَهَذَا إذَا كَانَ بِنَاؤُهُ مِنْ أَوَّلِهِ مُسْتَوِيًا لِأَنَّ أَصْلَ الْبِنَاءِ فِي مِلْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا، وَالْمَيْلُ حَصَلَ لِغَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَأَمَّا إذَا بَنَاهُ فِي ابْتِدَائِهِ مَائِلًا ضَمِنَ مَا تَلِفَ
стр. 512
بِسُقُوطِهِ سَوَاءٌ طُولِبَ بِهَدْمِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ ثُمَّ مَا تَلِفَ مِنْ نَفْسٍ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَا تَلِفَ مِنْ مَالٍ فَهُوَ فِي مَالِهِ. قَوْلُهُ: (وَطُولِبَ صَاحِبُهُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُسْتَعِيرِ، وَالسَّاكِنِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ فَإِنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ بَاطِلٌ وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ نَقْضَ الْحَائِضِ وَيَصِحُّ التَّقْدِيمُ إلَى الرَّاهِنِ، وَالْمُؤَجِّرِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَيَهْدِمَهُ وَكَذَا الْمُؤَجِّرُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُفْسَخُ لِلْأَعْذَارِ وَهَذَا عُذْرٌ، وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى الْأَبِ، وَالْوَصِيِّ وَأُمِّ الْيَتِيمِ فِي هَدْمِ حَائِطِ الصَّغِيرِ وَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ يَعْنِي إذَا لَمْ يَنْقُضْهُ حَتَّى انْهَدَمَ وَحَصَلَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلصَّغِيرِ فَمَا كَانَ مِنْهَا يَلْزَمُ فِي مَالِ الْبَالِغِ فَهُوَ لَازِمٌ فِي مَالِ الصَّغِيرِ وَمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَالِغِ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ وَإِلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ سَوَاءٌ كَانَ مَدْيُونًا أَوْ لَا لِأَنَّ النَّقْضَ إلَيْهِ ثُمَّ التَّالِفُ بِالسُّقُوطِ إنْ كَانَ مَالًا فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ نَفْسًا فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَوْلَى وَصُورَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَقُولَ الْمُتَقَدِّمُ إنَّ حَائِطَك هَذَا مَائِلٌ أَوْ مَخُوفٌ أَوْ مُتَصَدِّعٌ فَانْقُضْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ وَيُتْلِفَ شَيْئًا وَصُورَةُ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ الْمُتَقَدِّمُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ تَقَدَّمْت إلَى هَذَا فِي هَدْمِ حَائِطِهِ هَذَا وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْإِشْهَادُ إذَا كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا أَوْ وَاهِيًا أَوْ مَخُوفًا.
وَقِيلَ الْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّقْضِ، وَالتَّقَدُّمُ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى انْهَدَمَ لَزِمَهُ مَا تَلِفَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِشْهَادَ تَحَرُّزًا عَنْ الْجُحُودِ كَمَا فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى التَّقَدُّمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ عَلَى الْقَتْلِ، وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ بَعْدَ مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي بَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ بِخِلَافِ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا بِالْوَضْعِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ فَلَا يَبْرَأُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَقَوْلُهُ: ضَمِنَ مَا تَلِفَ أَيْ مَا تَلِفَ مِنْ النُّفُوسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاشِرٍ وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَإِنْ كَانَ مَا دُونَ النَّفْسِ إنْ بَلَغَ أَرْشُهُ مِنْ الرَّجُلِ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهِ وَمِنْ الْمَرْأَةِ عُشْرَ دِيَتِهَا فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَفِي مَالِهِ وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِهِ مِنْ الدَّوَابِّ أَوْ الْعُرُوضِ فَفِي مَالِهِ خَاصَّةً لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْأَمْوَالَ وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ أَنَّ الدَّارَ لَهُ لَا عَقْلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَيْهِ وَعَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ سُقُوطِهِ وَعَلَى أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الدَّارِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ دُونَ الْعَاقِلَةِ وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَنْقُضْهُ فِي مُدَّةٍ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى نَقْضِهِ ضَمِنَ لِأَنَّهُ فَرَّطَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ وَلَكِنْ ذَهَبَ يَطْلُبُ مَنْ يَهْدِمُهُ فَكَانَ فِي طَلَبِ ذَلِكَ فَسَقَطَ وَأَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إزَالَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الْحَائِطِ فَسَقَطَ فَأَشْهَدَ عَلَى النَّقْضِ فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ إجْمَاعًا وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الْحَائِطِ الْمَائِلِ فَسَقَطَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَتَعَقَّلَ بِنَقْضِهِ أَوْ بِتُرَابِهِ إنْسَانٌ فَهَلَكَ ضَمِنَ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الْحَائِطِ إشْهَادٌ عَلَى النَّقْضِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا أَشْهَدَ عَلَى النَّقْضِ، وَلَوْ سَقَطَ الْحَائِطُ الْمَائِلُ عَلَى إنْسَانٍ بَعْدَ الْإِشْهَادِ فَتَعَثَّرَ بِالْقَتِيلِ غَيْرُهُ فَعَطِبَ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ رَفْعَ الْمَيِّتِ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ وَإِنَّمَا هُوَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَإِنْ عَطِبَ بِجَرَّةٍ أَوْ خَشَبَةٍ كَانَتْ عَلَى الْحَائِطِ فَسَقَطَتْ بِسُقُوطِهِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ ضَمِنَهُ لِأَنَّ التَّفْرِيعَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ التَّفْرِيغَ إلَى مَالِكِهَا.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ خَمْسَةٍ أَشْهَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَقَتَلَ إنْسَانًا ضَمِنَ خُمُسَ الدِّيَةِ وَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتَيْنِ بَعْضُهَا مُعْتَبَرٌ وَهُوَ نَصِيبُ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا هَدَرٌ وَهُوَ نَصِيبُ مَنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ فَكَانَا قِسْمَيْنِ فَيَضْمَنُ النِّصْفَ كَمَا إذَا جَرَحَهُ إنْسَانٌ وَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ وَلَسَعَتْهُ حَيَّةٌ وَعَقَرَهُ أَسَدٌ فَمَاتَ مِنْ الْكُلِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ النِّصْفَ كَذَلِكَ هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْحَائِطِ فَيَجِبُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ. قَوْلُهُ: (وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ) لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْمُرُورِ فَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُكَاتَبًا كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ مَالَ
стр. 513
إلَى دَارِ رَجُلٍ فَالْمُطَالَبَةُ إلَى مَالِكِ الدَّارِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا سُكَّانٌ فَلَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ سَوَاءٌ سَكَنُوهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اصْطَدَمَ فَارِسَانِ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دِيَةُ الْآخَرِ) هَذَا إذَا كَانَ الِاصْطِدَامُ خَطَأً أَمَّا إذَا كَانَ عَمْدًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْخَطَأِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ فَالْمَوْتُ مُضَافٌ إلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَصِحُّ سَبَبًا لِلضَّمَانِ وَيَكُونُ مُلْزَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَمَّا إذَا اصْطَدَمَا عَمْدًا فَمَاتَا فَإِنَّهُمَا مَاتَا بِفِعْلَيْنِ مَحْظُورَيْنِ وَقَدْ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مَدَّا حَبْلًا وَجَذَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى نَفْسِهِ فَانْقَطَعَ بَيْنَهُمَا فَسَقَطَا فَمَاتَا فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ سَقَطَا جَمِيعًا عَلَى ظُهُورِهِمَا فَلَا ضَمَانَ فِيهِمَا وَيَكُونَانِ هَدَرًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ لَوْ أَثَّرَ فِعْلُ صَاحِبِهِ فِيهِ لَجَذَبَهُ إلَى نَفْسِهِ فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنْ سَقَطَا جَمِيعًا عَلَى وُجُوهِهِمَا فَدِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِجَذْبِ الْآخَرِ وَقُوَّتِهِ وَإِنْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى قَفَاهُ، وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهِهِ فَدِيَةُ السَّاقِطِ عَلَى وَجْهِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الَّذِي سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَإِنْ قَطَعَ الْحَبْلَ بَيْنَهُمَا قَاطِعٌ غَيْرُهُمَا فَسَقَطَا فَمَاتَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَاطِعِ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مِنْهُ وَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَوْ كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ أَبِيهِ جَذَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَدِهِ، وَالْأَبُ يُمْسِكُهُ حَتَّى مَاتَ فَدِيَتُهُ عَلَى الْجَاذِبِ وَيَرِثُهُ أَبُوهُ لِأَنَّ الْأَبَ مُمْسِكٌ لَهُ بِحَقٍّ وَالْجَاذِبُ مُتَعَدٍّ فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَجَاذَبَ رَجُلَانِ صَبِيًّا وَأَحَدُهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ ابْنُهُ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي عَبْدَهُ فَمَاتَ مِنْ جَذْبِهِمَا فَعَلَى الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدَهُ دِيَتُهُ لِأَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْوَلَدِ إذَا زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَبُوهُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَبْدَهُ فَصَارَ إمْسَاكُهُ بِحَقٍّ وَجَذْبُ الثَّانِي بِغَيْرِ حَقٍّ فَضَمِنَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدِهِ ثَوْبٌ وَتَشَبَّثَ بِهِ آخَرُ فَجَذَبَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ يَدِهِ فَتَخَرَّقَ ضَمِنَ الْمُمْسِكُ نِصْفَ الْخَرْقِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ فَجَذَبَ ذِرَاعَهُ مِنْ فَمِهِ فَسَقَطَتْ أَسْنَانُهُ وَذَهَبَ لَحْمُ ذِرَاعِ الْآخَرِ فَالْأَسْنَانُ هَدَرٌ وَيَضْمَنُ الْعَاضُّ أَرْشَ الذِّرَاعِ لِأَنَّ الْعَضَّ ضَرَرٌ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْجَذْبِ فَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مِنْ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ لَا يَضْمَنُهُ، وَلَوْ جَلَسَ رَجُلٌ بِجَنْبِ رَجُلٍ فَجَلَسَ عَلَى ثَوْبِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَامَ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَانْشَقَّ ثَوْبُهُ مِنْ جُلُوسِ هَذَا ضَمِنَ نِصْفَ الشَّقِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ تَعَدِّيًا وَقَدْ حَصَلَ التَّلَفُ مِنْ الْجُلُوسِ، وَالْجَذْبِ فَانْقَسَمَ الضَّمَانُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَجَذَبَ الْآخَرُ يَدَهُ فَسَقَطَ الْجَاذِبُ فَمَاتَ إنْ كَانَ أَخَذَهَا لِيُصَافِحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَذَهَا لِيَعْصِرَهَا فَأَذَاهُ فَجَذَبَهَا ضَمِنَ الْمُمْسِكُ لَهَا دِيَتَهُ لِأَنَّهُ إذَا صَافَحَهُ كَأَنْ جَذَبَ لَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَصَارَ جَانِيًا عَلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْصِرَهَا فَهُوَ دَافِعٌ لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَزِمَ الْمُمْسِكَ الضَّمَانُ وَإِنْ انْكَسَرَتْ يَدُ الْمُمْسِكِ لَمْ يَضْمَنْ الْجَاذِبُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْكَرْخِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْقَارِصَةِ، وَالْوَاقِصَةِ، وَالْقَامِصَةِ بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا ذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ كُنَّ يَلْعَبْنَ فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ الْأُخْرَى فَجَاءَتْ الثَّالِثَةُ فَقَرَصَتْ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ الْمَرْكُوبَةُ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَانْدَقَّ عُنُقُهَا فَجَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى الْقَارِصَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ وَعَلَى الْقَامِصَةِ الثُّلُثَ وَأَسْقَطَ الثُّلُثَ لِأَنَّ الْوَاقِصَةَ أَعَانَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَرُوِيَ أَنَّ عَشَرَةً مَدُّوا نَخْلَةً فَسَقَطَتْ عَلَى أَحَدِهِمْ فَمَاتَ فَقَضَى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُشْرِ الدِّيَةِ وَأَسْقَطَ الْعُشْرَ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ عَبْدًا خَطَأً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَهَذَا قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلَهُمَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى نَفْسِ آدَمِيٍّ فَلَا يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الْعَبْدِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَقَوْلُهُ: إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ إنَّمَا قُدِّرَ النُّقْصَانُ بِهَا لِأَنَّ لَهَا أَصْلًا
стр. 514
فِي الشَّرْعِ مِنْ تَقْدِيرِ نِصَابِ السَّرِقَةِ، وَالْمَهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْأَمَةِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ هَذِهِ دِيَةُ الْحُرَّةِ فَيَنْقُصُ مِنْهَا عَشَرَةٌ كَمَا يَنْقُصُ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْقُدُورِيِّ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهَا أَنَّ دِيَةَ الْحُرَّةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فَاعْتُبِرَ فِي الْأَمَةِ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى دِيَةِ الْحُرَّةِ فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ آلَافٍ كَانَ اعْتِبَارُ النُّقْصَانِ خَمْسَةً.
قَوْلُهُ: (وَفِي يَدِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ آلَافٍ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ) لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَيُعْتَبَرُ بِكُلِّهِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ أَمَّا إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ آلَافٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ، وَلَوْ غَصَبَ عَبْدًا قِيمَتُهٌ عِشْرُونَ أَلْفًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ إجْمَاعًا وَكَذَا إذَا غَصَبَ أَمَةً قِيمَتُهَا عِشْرُونَ فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا إجْمَاعًا لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْمَالِيَّةِ لَا ضَمَانَ الْآدَمِيَّةِ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُرَدُّ إلَّا عَلَى الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَالْحُرُّ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّمْلِيكُ وَمَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَمَاتَ فِي يَدِهِ بِحُمَّى أَوْ فَجْأَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صَاعِقَةٍ أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَكَلَهُ سَبُعٌ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ الدِّيَةُ اسْتِحْسَانًا وَإِنْ قَتَلَ الصَّبِيُّ نَفْسَهُ أَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَإِنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ رَجُلٌ عَمْدًا فَأَوْلِيَاؤُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْقَاتِلَ فَقَتَلُوهُ وَإِنْ شَاءُوا اتَّبَعُوا الْغَاصِبَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَيَرْجِعُ عَاقِلَةُ الْغَاصِبِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَإِنْ قَتَلَهُ رَجُلٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ خَطَأً فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَتَّبِعُوا أَيَّهُمَا شَاءُوا بِالدِّيَةِ إمَّا الْغَاصِبَ وَإِمَّا الْقَاتِلَ فَإِنْ اتَّبَعُوا الْغَاصِبَ رَجَعَ عَلَى الْقَاتِلِ وَإِنْ اتَّبَعُوا الْقَاتِلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ لِأَنَّ حَاصِلَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ فَهُوَ مُقَدَّرٌ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ) يَعْنِي أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الْحُرِّ الدِّيَةُ فَهُوَ مِنْ الْعَبْدِ فِيهِ الْقِيمَةُ وَمَا وَجَبَ فِي الْحُرِّ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فَفِيهِ مِنْ الْعَبْدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ ثُمَّ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ وَأَمَّا إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ خَطَأً فَقِيمَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِقَوْلِ عُمَرَ لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا قُلْنَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا جَنَى الْعَبْدُ لَا مَا جُنِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ قِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) أَيْ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بَعْدَ مَا اسْتَبَانَ خَلْقُهُ أَوْ بَعْدَ خَلْقِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبَةِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ» وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهُمْ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا سَوَاءٌ وَخَمْسُمِائَةٍ هُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ وَعُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ عِنْدَنَا فِي سَنَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي مَالِهِ وَهَذَا فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً عَلِقَتْ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ مِنْ مَغْرُورٍ فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا فَيَجِبُ مَا ذَكَرْنَا وَيَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ وَلَا يَكُونُ لِلْأُمِّ خَاصَّةً، وَعِنْدَ مَالِكٍ لِلْأُمِّ، وَلَوْ كَانَ الضَّارِبُ وَارِثًا لَا يَرِثُ هَذَا إذَا خَرَجَ مَيِّتًا فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَالْكَفَّارَةُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا) ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَتَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَغُرَّةٌ) الدِّيَةُ بِقَتْلِ الْأُمِّ، وَالْغُرَّةُ بِإِتْلَافِ الْجَنِينِ وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ تَجِبُ دِيَتَانِ وَتَرِثُ الْأُمُّ.
стр. 515
مِنْ دِيَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) وَتَجِبُ دِيَةُ الْأُمِّ وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ خَرَجَ حَيًّا وَمَاتَ وَجَبَ دِيَتَانِ. قَوْلُهُ: (وَمَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ مَوْرُوثٌ عَنْهُ) لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِهِ، وَالْبَدَلُ عَنْ الْمَقْتُولِ لِوَرَثَتِهِ ثُمَّ الْجَنِينُ إذَا خَرَجَ حَيًّا يَرِثُ وَيُورَثُ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا لَا يَرِثُ وَيُورَثُ.
وَفِي خِزَانَةِ أَبِي اللَّيْثِ أَرْبَعَةٌ لَا يَرِثُونَ وَيُورَثُونَ الْمُكَاتَبُ، وَالْمُرْتَدُّ، وَالْجَنِينُ، وَالْقَاتِلُ وَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ يَجِبُ غُرَّتَانِ فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ، وَالْآخَرُ خَرَجَ مَيِّتًا تَجِبُ غُرَّةٌ وَدِيَةٌ وَعَلَى الضَّارِبِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ ثُمَّ خَرَجَا مَيِّتَيْنِ تَجِبُ دِيَةُ الْأُمِّ وَحْدَهَا وَإِنْ خَرَجَا حَيَّيْنِ ثُمَّ مَاتَا تَجِبُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ وَسُمِّيَتْ غُرَّةً لِأَنَّهَا أَوَّلُ مُقَدَّرٍ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَأَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ غُرَّتُهُ كَمَا يُقَالُ لِأَوَّلِ الشَّهْرِ غُرَّةُ الشَّهْرِ.
قَوْلُهُ (وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا كَانَ ذَكَرًا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَعُشْرُ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى) وَصُورَتُهُ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْجَنِينِ الذَّكَرِ لَوْ كَانَ حَيًّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ نِصْفُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ فَيَجِبُ دِينَارٌ كَامِلٌ فَإِنْ قِيلَ فِي هَذَا تَفْضِيلُ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ فِي الْأَرْشِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قُلْنَا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّفْضِيلُ فَكَذَا لَا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ أَيْضًا وَقَدْ جَاءَتْ التَّسْوِيَةُ هُنَا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا التَّفْضِيلُ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ قَطْعِ النَّشْوِ لَا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ إذْ لَا مَالِكِيَّةَ فِي الْجَمِيعِ، وَالْأُنْثَى فِي مَعْنَى النَّشْوِ تُسَاوِي الذَّكَرَ وَرُبَّمَا تَكُونُ أَسْرَعَ نَشْوًا كَمَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَفْضِيلَ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ يَعْنِي الْمَمْلُوكَةَ، وَالْمُدَبَّرَةَ أَمَّا جَنِينُ أُمِّ الْوَلَدِ يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ فَضَرَبَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا فَإِنَّ فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا ضَرَبَ بَطْنَ الْأَمَةِ فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ قِيمَتُهُ حَيًّا وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِالضَّرْبِ السَّابِقِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الرِّقِّ فَلِهَذَا تَجِبُ الْقِيمَةُ دُونَ الدِّيَةِ وَتَجِبُ قِيمَتُهُ حَيًّا قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ وَمَا وَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ فَهُوَ فِي مَالِ الضَّارِبِ يُؤْخَذُ بِهِ حَالًّا مِنْ سَاعَتِهِ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الرَّقِيقِ ضَمَانُهُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ بِحَالٍ وَلَا كَفَّارَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّهَا عُرِفَتْ فِي النُّفُوسِ الْكَامِلَةِ، وَالْجَنِينُ نَاقِصٌ بِدَلِيلِ نُقْصَانِ دِيَتِهِ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ، وَالْجَنِينُ لَا يُعْلَمُ حَيَاتُهُ فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا جَازَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّارَةُ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وَلَا يَجْزِيهِ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لِأَنَّ رِقَّهُمَا نَاقِصٌ وَإِنْ أَعْتَقَ مُكَاتَبًا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا جَازَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى شَيْئًا لَمْ يَجْزِيه مَا فِي الْبَطْنِ لِأَنَّ لَا يُبْصِرُ فَهُوَ كَالْأَعْمَى. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَلَا يَجْزِي فِيهَا الْإِطْعَامُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعِتْقَ، وَالصَّوْمَ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ الْقَسَامَةِ]
قَالَ (وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةٍ لَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا) ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً وَاللَّوْثُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةٌ لِلْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ظَاهِرٍ
стр. 516
يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةِ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ وَقَوْلُهُ مَا قَتَلْنَاهُ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جُمْلَتِهِمْ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْت وَلَا يَحْلِفُ مَا قَتَلْنَا لِجَوَازِ أَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَيَجْتَرِئُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْت قُلْنَا مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْت وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مَعَ غَيْرِهِ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلًا وَلِهَذَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ وَمَنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يَحْلِفَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي شَاهَانْ هَذَا فِي الْعَمْدِ.
أَمَّا فِي الْخَطَإِ إذَا نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ، وَلَوْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ عُمْيَانًا أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ جَازَ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا حَلَفُوا قُضِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِالدِّيَةِ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ) (الدِّيَةُ مَعَ الْأَيْمَانِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ عُهِدَتْ فِي الشَّرْعِ مُبَرِّئَةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا مُلْزِمَةً وَلَنَا «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَخِي قُتِلَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَقَالَ ﷺ يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا فَقَالَ أَلَيْسَ لِي مِنْ أَخِي غَيْرُ هَذَا قَالَ بَلَى وَلَك مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَحْلَفَ فِي الْقَسَامَةِ خَمْسِينَ رَجُلًا وَغَرَّمَهُمْ الدِّيَةَ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ الْأَزْمَعِ غَرٌّ أَنَغْرَمُ أَيْمَانَنَا وَأَمْوَالَنَا قَالَ نَعَمْ فَبِمَ بَطَلَ دَمُ هَذَا فَإِنْ امْتَنَعُوا أَنْ يَدْفَعُوا الدِّيَةَ حَبَسَهُمْ الْإِمَامُ حَتَّى يَدْفَعُوهَا قَوْلُهُ (وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْوَلِيُّ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِالْجِنَايَةِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «لَوْ أُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُكْمِلْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ خَمْسِينَ كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِأَنَّ الْخَمْسِينَ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ فَيَجِبُ إتْمَامُهَا.
قَوْله (وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مُدَبَّرٌ وَلَا مُكَاتَبٌ) أَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ فَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَالْيَمِينُ قَوْلٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، وَالْعَبْدُ فَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَيَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ الْأَعْمَى، وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ لِأَنَّهُمَا يُسْتَحْلَفَانِ فِي الْحُقُوقِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتِيلٍ، وَالْأَثَرُ أَنْ يَكُونَ بِهِ جِرَاحَةٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ كَانَ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ أَكْثَرُ بَدَنِ الْقَتِيلِ أَوْ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فِي مَحَلَّةٍ فَعَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ وَإِنْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ فَمِهِ) لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ أَنْفِهِ رُعَافٌ وَمِنْ دُبُرِهِ عِلَّةٌ وَمِنْ فَمِهِ قَيْءٌ وَسَوْدَاءُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْقَتْلِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ فَهُوَ قَتِيلٌ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا رَجُلٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ دُونَ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ) لِأَنَّ
стр. 517
دَابَّتَهُ فِي يَدِهِ كَدَارِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ قَائِدَهَا أَوْ رَاكِبَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده هَذَا إذَا كَانَ يَسُوقُهَا سِرًّا مُتَحَشِّمًا أَمَّا إذَا سَاقَهَا نَهَارًا جِهَارًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ إنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّ نُصْرَتَهُ مِنْهُمْ وَقُوَّتَهُ بِهِمْ فَتُكَرَّرُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا فَلَمْ يَقْبِضْهَا فَوُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَدْخُلُ السُّكَّانُ فِي الْقَسَامَةِ مَعَ الْمُلَّاكِ عِنْدَهُمَا) ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هِيَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّدْبِيرِ تَكُونُ بِالسُّكْنَى كَمَا تَكُونُ بِالْمِلْكِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِنُصْرَةِ الْبُقْعَةِ دُونَ السُّكَّانِ لِأَنَّ سُكْنَى الْمُلَّاكِ أَلْزَمُ وَقَرَارُهُمْ أَدْوَمُ فَكَانَتْ وِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْهِمْ فَيَتَحَقَّقُ التَّقْصِيرُ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ (وَهِيَ عَلَى أَهْلِ الْخُطَّةِ دُونَ الْمُشْتَرِينَ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ) وَهَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْكُلُّ مُشْتَرِكُونَ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ وَقَدْ اسْتَوَوْا فِيهِ وَلَهُمَا أَنَّ صَاحِبَ الْخُطَّةِ أَصِيلٌ، وَالْمُشْتَرِي دَخِيلٌ وَوِلَايَةُ التَّدْبِيرِ إلَى الْأَصِيلِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) بِأَنْ بَاعُوا كُلُّهُمْ فَهِيَ عَلَى الْمُشْتَرِينَ الْمُلَّاكِ دُونَ السُّكَّانِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْوِلَايَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ وَزَالَتْ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الدَّارِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ) وَقَوْمُهُ وَتَدْخُلُ الْعَاقِلَةُ فِي الْقَسَامَةِ إنْ كَانُوا حُضُورًا فَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَعَلَى صَاحِبِ الدَّارِ تُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَنْ وَجَدَ قَتِيلًا فِي دَارِ نَفْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ هَدَرٌ لَا شَيْءَ فِيهِ.
. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي سَفِينَةٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الرُّكَّابِ، وَالْمَلَّاحِينَ) لِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَالِكُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَسْجِدِ مَحَلَّةٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِهَا) لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِمَسْجِدِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ فِي الْجَامِعِ أَوْ الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِلْعَامَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَإِنْ وُجِدَ فِي السَّجْنِ وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الدِّيَةُ، وَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ السَّجْنِ لِأَنَّهُمْ سُكَّانٌ.
. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ لَيْسَ بِقُرْبِهَا عِمَارَةٌ فَهُوَ هَدَرٌ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْبَرِّيَّةُ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ فِيهَا سَائِحٌ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَمَّا إذَا كَانَ يُسْمَعُ مِنْهَا الصَّوْتُ فَالْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ كَانَ عَلَى أَقْرَبِهِمَا الْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ) هَذَا إذَا كَانَ يُسْمَعُ الصَّوْتُ مِنْهَا أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُسْمَعُ فَهُوَ هَدَرٌ وَإِنْ كَانَا فِي الْقُرْبِ سَوَاءً فَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا.
. قَوْلُهُ: (وَإِنْ وُجِدَ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ يَمُرُّ بِهِ الْمَاءُ فَهُوَ هَدَرٌ) لِأَنَّ الْفُرَاتَ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ فَهُوَ كَالْمَفَازَةِ الْمُنْقَطِعَةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا فِي الشَّاطِئِ فَهُوَ عَلَى أَقْرَبِ
стр. 518
الْقُرَى مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ) لِأَنَّهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهُ وَيُورِدُونَ دَوَابَّهُمْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ لَمْ تَسْقُطْ الْقَسَامَةُ عَنْهُمْ) ، وَالْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ بِحَالِهَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَسْقُطُ فَإِنَّ دَعْوَاهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إبْرَاءٌ لِلْبَاقِينَ قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ الْقَسَامَةُ، وَالدِّيَةُ) لِأَنَّهُ صَارَ مُبَرِّئًا لَهُمْ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَحْلَفُ قَتَلَهُ فُلَانٌ اُسْتُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْته وَلَا عَرَفْت لَهُ قَاتِلًا غَيْرَ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُرِيدُ إسْقَاطَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَا يُقْبَلُ وَيَحْلِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تُقْبَلُ وَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِعَيْنِهِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَائِمَةٌ مَعَ الْكُلِّ فَالشَّاهِدُ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ الْخُصُومَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ فَكَانَ مُتَّهَمًا وَمَنْ شَهَرَ عَلَى رَجُلٍ سِلَاحًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ شَهَرَ عَلَيْهِ عَصًا لَيْلًا فِي الْمِصْرِ أَوْ نَهَارًا فِي الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ السِّلَاحَ لَا يَلْبَثُ فَيَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِالْقَتْلِ، وَالْعَصَا وَإِنْ كَانَ يَلْبَثُ لَكِنْ فِي اللَّيْلِ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَيُضْطَرُّ إلَى دَفْعِهِ وَكَذَا فِي النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فَإِذَا قَتَلَهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْمَعَاقِلِ]
هُوَ جَمْعُ مَعْقِلَةٍ وَهِيَ الدِّيَةُ وَسُمِّيَتْ الدِّيَةُ عَقْلًا لِأَنَّهَا تَعْقِلُ الدِّمَاءَ مِنْ أَنْ تُسْفَكَ، وَالْعَاقِلَةُ هُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِنُصْرَةِ الْقَاتِلِ قَالَ ﵀ (الدِّيَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَإِ وَكُلُّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِنَفْسِ الْقَتْلِ عَلَى الْعَاقِلَةِ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِنَفْسِ الْقَتْلِ عَمَّا تَجِبُ بِالصُّلْحِ. قَوْلُهُ: (وَالْعَاقِلَةُ أَهْلُ الدِّيوَانِ إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ) وَهُوَ الْجَيْشُ الَّذِينَ كُتِبَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الدِّيوَانِ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ هُمْ الْعَشِيرَةُ. قَوْلُهُ: (تُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) الْعَطَاءُ يَخْرُجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَيُعْتَبَرُ مُدَّةُ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ
стр. 519
بِالدِّيَةِ لَا مِنْ يَوْمِ الْقَتْلِ، وَالْعَطَاءُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ لِلْجُنْدِيِّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَالرِّزْقُ مَا يَخْرُجُ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَقِيلَ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَقَلَّ كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إلَى تَمَامِ الثُّلُثَيْنِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الدِّيَةِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْوَاجِبُ كُلَّ الدِّيَةِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَيْنِ كَانَ فِي سَنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ فَفِي سَنَةٍ وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّهِ نِصْفًا ثُمَّ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّصْفِ مِثَالُهُ دِيَةُ الْيَدِ فِي سَنَتَيْنِ وَمَا يَجِبُ فِي الْأُنْمُلَةِ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ كَذَا فِي شَرْحِهِ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَرَجَتْ الْعَطَايَا فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ أُخِذَ مِنْهَا) مَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ الْعَطَايَا بِالسِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ خَرَجَ لِلْعَاقِلَةِ ثَلَاثُ عَطَايَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلُّ الدِّيَةِ ثُمَّ إذَا كَانَ جَمِيعُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَكُلُّ ثُلُثٍ مِنْهَا فِي سَنَةٍ وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ أَقَلَّ كَانَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَتَلَ عَشَرَةٌ رَجُلًا خَطَأً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَعَاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ وَتُقَسَّطُ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَا يُزَادُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فِي كُلِّ سَنَةٍ دِرْهَمٌ وَدَانِقَانِ وَيُنْقَصُ مِنْهُمْ) فِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ.
وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي سَنَةٍ إلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَثُلُثٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ الْقَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهَا أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهَا) يَعْنِي نَسَبًا وَيُضَمُّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ الْأُخْوَةُ ثُمَّ بَنُوهُمْ ثُمَّ الْأَعْمَامُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَأَمَّا الْآبَاءُ، وَالْبَنُونَ فَقَدْ قِيلَ يَدْخُلُونَ لِقُرْبِهِمْ وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُونَ. قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي الْعَاقِلَةِ الْقَاتِلُ فَيَكُونُ فِيمَا يُؤَدِّي كَأَحَدِهِمْ) لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِ وَمُؤَاخَذَةِ غَيْرِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ شَيْءٌ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ النُّصْرَةِ لِتَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ، وَالنَّاسُ لَا يَتَنَاصَرُونَ بِالنِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا مِنْ الدِّيَةِ.
قَوْلُهُ (وَعَاقِلَةُ الْمُعْتَقِ قَبِيلَةُ مَوْلَاهُ) مِنْ أَهْلِ نُصْرَتِهِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ عَقْلِهِ قَالَ ﵊ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
قَوْلُهُ (وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ يَعْقِلُ عَنْهُ مَوْلَاهُ وَقَبِيلَتُهُ) لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ وَتَتَحَمَّلُ نِصْفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا) لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِجْحَافِ وَلَا إجْحَافَ فِي الْقَلِيلِ ثُمَّ الْعَاقِلَةُ إذَا حَمَلَتْ نِصْفَ الْعُشْرِ كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ قَبِيلَةٌ وَلَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ فَعَاقِلَتُهُ نُصَّارُهُ فَإِنْ كَانَتْ نُصْرَتُهُ بِالْحِرْفَةِ فَعَلَى الْمُحْتَرِفِينَ الَّذِينَ هُمْ أَنْصَارُهُ كَالْقَصَّارِينَ، وَالصَّفَّارِينَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَالْأَسَاكِفَةِ بِإِسْبِيجَابَ،.
وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلِهَذَا إذَا مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَكَذَا مُلْزَمُهُ مِنْ الْغَرَامَةِ يَلْزَمُ بَيْتَ الْمَالِ وَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ تَعْقِلُهُ قَبِيلَةُ أُمِّهِ فَإِنْ عَقَلُوا عَنْهُ ثُمَّ ادَّعَاهُ الْأَبُ رَجَعَتْ عَاقِلَةُ الْأُمِّ بِمَا أَدَّتْ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ فِي ثَلَاثِ
стр. 520
سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي الْقَاضِي لِعَاقِلَةِ الْأُمِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ قَوْلُهُ: (وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي مَالِ الْجَانِي) يَعْنِي مَا نَقَصَ أَرْشُهُ عَنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ كَانَ عَلَى الْجَانِي دُونَ الْعَاقِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ) يَعْنِي إذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى الْحُرِّ أَوْ عَلَى غَيْرِ الْحُرِّ.
. قَوْلُهُ: (وَلَا تُعْقَلُ الْجِنَايَةُ الَّتِي اعْتَرَفَ بِهَا الْجَانِي إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ) فَإِنْ قُلْت قَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي الدِّيَاتِ فَلِمَ أَعَادَهُ هُنَا قُلْت ذَكَرَ هُنَاكَ كُلَّ أَرْشٍ وَجَبَ بِالْإِقْرَارِ، وَالصُّلْحِ فَهُوَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَهُنَا قَالَ وَلَا تَعْقِلُ مَا لَزِمَ بِالصُّلْحِ أَوْ بِاعْتِرَافِ الْجَانِي فَلَا تَكْرَارَ مَعَ أَنَّ فِي هَذَا فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ التَّصْدِيقَ هُنَا بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ.
. قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ خَطَأٍ وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إلَى الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ سِنِينَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى عَلَيْهِ) لِأَنَّ التَّأْجِيلَ مِنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ فِي الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ فَفِي الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَلَا تَعْقِلُ مُلْزَمًا بِالصُّلْحِ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ فَقَتَلَهُ خَطَأً كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) يَعْنِي عَاقِلَةَ الْجَانِي وَمَا دُونَ النَّفْسِ عَلَى الْعَبْدِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
الْحَدُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ وَكَذَا سُمِّيَ حَدُّ الدَّارِ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ حَدًّا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ مَا حُدَّ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ فَلَمَّا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْفِعْلِ سُمِّيَ ذَلِكَ حَدًّا، وَفِي الشَّرْعِ هُوَ كُلُّ عُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَسْتَوْفِي حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى الْقِصَاصُ حَدًّا وَإِنْ كَانَ عُقُوبَةً لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ، وَالِاعْتِيَاضَ عَنْهُ وَكَذَا التَّعْزِيرُ لَا يُسَمَّى حَدًّا لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ قَالَ ﵀ (الزِّنَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارِ) الْمُرَادُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَصِفَةُ الزِّنَا هُوَ الْوَطْءُ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْعَارِي عَنْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِمَا وَيَتَجَاوَزُ الْخِتَانُ الْخِتَانَ هَذَا هُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ وَمَا سِوَاهُ لَيْسَ بِزِنًا وَإِنَّمَا شُرِطَ مُجَاوَزَةُ الْخِتَانِ لِأَنَّ مَا دُونَهُ مُلَامَسَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنْ الْغُسْلِ وَفَسَادِ الْحَجِّ وَكَفَّارَةِ رَمَضَانَ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ: الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ الْوَطْءُ الْحَرَامُ الْخَالِي عَنْ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَعَنْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ وَشُبْهَةِ النِّكَاحِ وَشُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ وَجَارِيَتِهِ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَوَطْءِ الْمَمْلُوكِ بَعْضَهَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَلَيْسَ بِزِنًا وَكَذَا وَطْءُ امْرَأَتِهِ الْحَائِضٍ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ وَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ، وَالْجَارِيَةُ مِنْ الْمَغْنَمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ مَا أُحْرِزَتْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ أَوْ تَزَوَّجَ بِمَجُوسِيَّةٍ أَوْ خَمْسًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ أَوْ تَزَوَّجَ بِمَحَارِمِهِ فَوَطِئَهَا، وَقَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُحَدُّ فِي كُلِّ وَطْءٍ حَرَامٍ عَلَى التَّأْبِيدِ كَوَطْءِ مَحَارِمِهِ، وَالتَّزْوِيجُ لَا يُوجِبُ شُبْهَةً فِيهِ وَمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَى التَّأْبِيدِ فَعَقْدُ النِّكَاحِ يُوجِبُ شُبْهَةً فِيهِ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ فِي عِدَّةِ الْغَيْرِ وَشَبَهُ ذَلِكَ وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ أَنْ يَقُولَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ. قَوْلُهُ (فَالْبَيِّنَةُ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الشُّهُودِ عَلَى رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ بِالزِّنَا) فَإِنْ قِيلَ الْقَتْلُ أَعْظَمُ مِنْ الزِّنَا وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ أَرْبَعَةٌ قُلْنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتِمُّ.
стр. 521
إلَّا بِاثْنَيْنِ وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَالْقَتْلُ يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ وَيُشْتَرَطُ فِي الْأَرْبَعَةِ أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا أَحْرَارًا عُدُولًا مُسْلِمِينَ وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَلَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَإِنْ شَهِدَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ جَمِيعًا حَدَّ الْقَذْفِ إذَا طَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَامَ زِيَادٌ وَكَانَ الرَّابِعَ فَقَالَ: رَأَيْت أَقْدَامًا بَادِيَةً وَنَفَسًا عَالِيًا، وَأَمْرًا مُنْكَرًا وَرَأَيْت رِجْلَيْهَا عَلَى عَاتِقِهِ كَأُذُنَيْ حِمَارٍ وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْضَحْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّ الثَّلَاثَةَ.
وَكَذَا إذَا جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ فَشَهِدُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَأَمَّا إذَا حَضَرُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَجَلَسُوا مَجْلِسَ الشُّهُودِ وَقَامُوا إلَى الْقَاضِي وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَشَهِدُوا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبِلَ الشَّهَادَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّهُ أَجْلَسَ الْمُغِيرَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ قَالَ ذَهَبَ رُبْعُك يَا مُغِيرَةُ فَلَمَّا شَهِدَ الثَّانِي قَالَ ذَهَبَ نِصْفُك فَلَمَّا شَهِدَ الثَّالِثُ قَالَ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِك وَكَانَ عُمَرُ ﵁ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَفْتِلُ شَارِبَهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ فَلَمَّا قَامَ زِيَادٌ وَكَانَ الرَّابِعَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: قُمْ يَا سَلْحَ الْعُقَابِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ لَوْنَهُ كَانَ يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ فَشَبَّهَهُ بِهِ وَقِيلَ: وَصَفَهُ بِالشَّجَاعَةِ لِأَنَّ الْعُقَابَ إذَا سَلَحَ عَلَى طَائِرٍ أَحْرَقَ جَنَاحَهُ وَأَعْجَزَهُ عَنْ الطَّيَرَانِ فَكَذَلِكَ كَانَ زِيَادٌ فِي مُقَابَلَةِ أَقْرَانِهِ وَهَذَا مَدْحٌ، وَالْأَوَّلُ ذَمٌّ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِي هَتْكِ سِتْرِ صَاحِبِهِ وَتَحْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْإِخْفَاءِ، فَقَالَ زِيَادٌ لَا أَدْرِي مَا قَالُوا لَكِنِّي رَأَيْتُهُمَا يَضْطَرِبَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ كَاضْطِرَابِ الْأَمْوَاجِ وَرَأَيْت نَفَسًا عَالِيًا، وَأَمْرًا مُنْكَرًا وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْحَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْقَذْفِ وَضَرَبَ الثَّلَاثَةَ حَدَّ الْقَذْفِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، وَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ: إذَا شَهِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا أَحَدُهُمْ الزَّوْجُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الزَّوْجِ قَذْفٌ قَبْلَ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا وَإِنْ قَذَفَهَا الزَّوْجُ وَجَاءَ بِثَلَاثَةٍ سِوَاهُ يَشْهَدُونَ فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ وَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ وَإِنْ جَاءَ هُوَ وَثَلَاثَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهَا قَدْ زَنَتْ وَلَمْ يَعْدِلُوا دُرِئَ عَنْهَا وَعَنْهُمْ الْحُدُودُ وَدُرِئَ عَنْ الزَّوْجِ اللِّعَانُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَلَيْسَ بِقَاذِفٍ وَذُكِرَ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ الْكَرْخِيِّ فِي الْقَذْفِ فِي بَابِ رُجُوعِ الشُّهُودِ أَنَّ الزَّوْجَ يُلَاعِنُ وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ، وَلَوْ جَاءَ بِأَرْبَعَةٍ فَلَمْ يَعْدِلُوا فَهُوَ قَاذِفٌ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا أُسْقِطَتْ تَعَلَّقَ بِقَذْفِ اللِّعَانِ. قَوْلُهُ: (فَيَسْأَلُهُمْ الْإِمَامُ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ) لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَفِيهِ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ، قَالَ ﵊ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ يَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ يَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ كَيْفَ زَنَى لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُكْرَهًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْنَ زَنَى) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي عَسَاكِرِ الْبُغَاةِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِ يَدٌ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَمَتَى زَنَى) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِزِنًا مُتَقَادِمٍ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ زَنَى وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ التَّقَادُمِ الَّذِي يُسْقِطُ الْحَدَّ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقَدِّرُ فِيهِ وَقْتًا وَفَوَّضَهُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَعِنْدَهُمَا إذَا شَهِدُوا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ مِنْ وَقْتِ عَايَنُوا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ وَمَا دُونَهُ قَرِيبٌ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَدَّرَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. قَوْلُهُ: (وَبِمَنْ زَنَى) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَرُبَّمَا إذَا سُئِلُوا قَالُوا لَا نَعْرِفُهَا فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً وَقَدْ تَكُونُ جَارِيَةَ ابْنِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ) أَوْ كَالْقَلَمِ فِي الْمِحْبَرَةِ أَوْ كَالرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ إلَّا إذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَاهُ تَلَذُّذًا فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ، قَوْلُهُ: (سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُمْ فَإِنْ عُدِّلُوا فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ) وَلَمْ يَكْتَفِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ احْتِيَاطًا لِلدَّرْءِ قَالَ ﵊: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قَالَ فِي الْأَصْلِ: يَحْبِسُهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْسِبُهُ وَقَدْ قِيلَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ وَلَيْسَ فِي حَبْسِهِ ذَلِكَ.
стр. 522
قِيلَ: إنَّمَا حُبِسَ تَعْزِيرًا لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا لِارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ فَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ فَوُجِدُوا فُسَّاقًا وَهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فَلَا حَدَّ عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فَإِنْ بَانُوا عَبِيدًا أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ أَوْ عُمْيَانًا فَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْعُمْيَانَ لَا يَرَوْنَ مَا شَهِدُوا عَلَيْهِ فَتَحَقَّقْنَا كَذِبَهُمْ فَكَانُوا قَذَفَةً وَأَمَّا الْعَبِيدُ، وَالْمَحْدُودُونَ فَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَكَانُوا قَذَفَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ وَقَوْلُهُ فِي السِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةِ التَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ فَالْعَلَانِيَةُ أَنْ يَجْمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الْمُعَدِّلِ، وَالشَّاهِدِ فَيَقُولُ الْمُعَدِّلُ هُوَ الَّذِي عَدَلْته، وَالسِّرُّ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي رَسُولًا إلَى الْمُزَكِّي وَيَكْتُبَ إلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ حَتَّى يَعْرِفَهُمْ الْمُزَكِّي فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ كَتَبَ تَحْتَ اسْمِهِ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَمَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ لَمْ يَكْتُب تَحْتَ اسْمِهِ شَيْئًا احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ السِّتْرِ أَوْ يَقُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا إذَا كَانَ عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَخَافَ إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا فِسْقٍ يَكْتُبُ تَحْتَ اسْمِهِ مَسْتُورٌ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ الْمَرْأَةَ، وَالْعَبْدَ، وَالْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ إذَا كَانُوا عُدُولًا وَلَا أَقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ إلَّا مَنْ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ السِّرِّ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ، وَالْمُخْبَرُ بِهِ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَقْبُولٌ إذَا كَانُوا عُدُولًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَجِبُ الصَّوْمُ بِقَوْلِهِمْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ وَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ نَظِيرُ الشَّهَادَةِ وَعَلَى هَذَا تَزْكِيَةُ الْوَالِدِ وَلَدَهُ فِي السِّرِّ جَائِزٌ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ. قَوْلُهُ: (وَالْإِقْرَارُ أَنْ يُقِرَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ الْقَاضِي) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ حَتَّى يَتَوَارَى مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَزْجُرَهُ عَنْ الْإِقْرَارِ وَيُظْهِرَ لَهُ كَرَاهَةَ ذَلِكَ وَيَأْمُرَ بِتَنْحِيَتِهِ عَنْهُ فَإِنْ عَادَ ثَانِيًا فَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ فَإِنْ عَادَ ثَالِثًا فَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ فَإِنْ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارٍ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَرَّ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ صَحَّ رُجُوعُهُ وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ إلَّا أَنَّ فِي السَّرِقَةِ يَصِحُّ رُجُوعُهُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ وَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَالِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا وَهُوَ يُنْكِرُ ثُمَّ أَقَرَّ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ بِنَفْسِ الْإِقْرَارِ وَيُؤْخَذُ فِيهِ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا لَمْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ فَإِذَا أَقَرَّ أَرْبَعًا بَطَلَتْ إجْمَاعًا وَيُؤْخَذُ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَجَحَدَتْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهَا فَجَحَدَتْ فَحُدَّ الرَّجُلُ وَهُوَ مَحْمُولٌ» عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَدَّهُ حَدَّ الْقَذْفِ لِلْمَرْأَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ مَحِلِّهِ، وَالزِّنَا لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمَرْأَةِ وَإِنْكَارُهَا حُجَّةٌ لِنَفْيِ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَقِّهَا فَاقْتَضَى النَّفْيُ عَنْ الرَّجُلِ ضَرُورَةً فَعَارَضَ النَّفْيَ الْإِقْرَارُ فَسَقَطَ الْحَدُّ وَلِأَنَّا صَدَّقْنَاهَا حِينَ جَحَدَتْ وَحَكَمْنَا بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهَا وَأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا وَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ فَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ زِنًا فِي حَقِّهَا كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَقَرَّ بِالزِّنَا بِهَا غَائِبَةً فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحَدَّ لِجَوَازِ أَنْ تَحْضُرَ فَتَجْحَدَ فَتَدَّعِي حَدَّ الْقَذْفِ أَوْ تَدَّعِي نِكَاحًا فَتَطْلُبَ الْمَهْرَ، وَفِي حَدِّهِ إبْطَالُ حَقِّهَا، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يُحَدَّ لِحَدِيثِ مَاعِزٍ لِأَنَّهُ حُدَّ مَعَ غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ جَاءَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَادَّعَتْ التَّزْوِيجَ وَطَلَبَتْ الْمَهْرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْرٌ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ زِنًا، وَفِي إيجَابِ الْمَهْرِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِّ، وَالْمَهْرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، قَوْلُهُ: (فَإِذَا تَمَّ إقْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ كَيْفَ هُوَ وَأَيْنَ زَنَى وَبِمَنْ زَنَى) وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ مَتَى زَنَى لِأَنَّ تَقَادُمَ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا رَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ) الْمُحْصَنُ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ شَرَائِطُ الْإِحْصَانِ وَهِيَ سَبْعَةٌ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ، وَالدُّخُولُ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدُّخُولِ الْإِيلَاجُ فِي الْقُبُلِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِنْزَالُ
стр. 523
وَلَا اعْتِبَارَ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِسْلَامَ، وَالدُّخُولَ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَنَا. قَوْلُهُ: ﵇ «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» .
وَأَمَّا الدُّخُولُ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ فَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى أَنَّ عِنْدَهُ إذَا حَصَلَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْحُرِّيَّةِ ثُمَّ أُعْتِقَا صَارَا مُحْصَنَيْنِ بِالْوَطْءِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَذَا الْمُسْلِمُ إذَا وَطِئَ الْكَافِرَةَ صَارَ بِهَا مُحْصَنًا عِنْدَهُ وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَلَا يَكُونُ بِهِ مُحْصَنًا كَالزِّنَا، وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فَمَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَكَذَا إذَا دَخَلَ بِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ ثُمَّ أَدْرَكَتْ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا، وَقَوْلُهُ حَتَّى يَمُوتَ يَعْنِي إذَا بَقِيَ الْمَرْجُومُ كَذَلِكَ أَمَّا إذَا هَرَبَ بَعْدَ مَا أَخَذُوا فِي رَجْمِهِ إنْ كَانَ ثَبَتَ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ لَا يُتْبَعُ وَكَانَ ذَلِكَ رُجُوعًا فَيُخْلَى سَبِيلُهُ وَإِنْ كَانَ بِالْبَيِّنَةِ اُتُّبِعَ وَلَا يُخْلَى سَبِيلُهُ لِأَنَّهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ إنْكَارُهُ قَوْلُهُ: (يُخْرِجُهُ إلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِرَجْمِهِ، وَكَيْلَا يُصِيبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلِهَذَا قَالُوا إنَّهُمْ يَصْطَفُّونَ كَصُفُوفِ الصَّلَاةِ إذَا أَرَادُوا رَجْمَهُ وَكُلَّمَا رَجَمَ قَوْمٌ تَنَحَّوْا وَيُقَدَّمُ آخَرُونَ وَرَجَمُوا وَلَا يُحْفَرُ لَهُ وَلَا يُرْبَطُ وَلَكِنَّهُ يَقُومُ قَائِمًا وَيَنْتَصِبُ لِلنَّاسِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ حَفَرَ لَهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ لِأَنَّ الْحَفْرَ أَسْتَرُ لَهَا مَخَافَةَ أَنْ تَنْكَشِفَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْفِرْ لَهَا لِأَنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الرُّجُوعُ بِالْهَرَبِ.
قَوْلُهُ: (وَتَبْتَدِئُ الشُّهُودُ بِرَجْمِهِ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ بُدِئَ بِهِمْ امْتِحَانًا لَهُمْ فَرُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا الْقَتْلَ فَرَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ الْإِمَامُ اسْتِظْهَارًا فِي حَقِّهِ فَرُبَّمَا يَرَى فِي الشَّهَادَةِ مَا يُوجِبُ دَرْءَ الْحَدِّ قَوْلُهُ: (فَإِنْ امْتَنَعَ الشُّهُودُ مِنْ الِابْتِدَاءِ سَقَطَ الْحَدُّ) وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالْقَذْفِ وَكَذَا إذَا امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ سَقَطَ أَيْضًا وَكَذَا إذَا غَابُوا أَوْ مَاتُوا أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ أَوْ غَابَ بَعْضُهُمْ أَوْ عَمِيَ أَوْ خَرِسَ أَوْ جُنَّ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ قُذِفَ فَضُرِبَ الْحَدَّ بَطَلَ الْحَدُّ عَنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ بِدَايَتَهُمْ شَرْطٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا امْتَنَعُوا أَوْ غَابُوا رَجَمَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ وَكَذَا إذَا عَمُوا أَوْ جُنُّوا أَوْ ارْتَدُّوا فَهَذَا كُلُّهُ إذَا امْتَنَعُوا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا إذَا كَانُوا مَرْضَى أَوْ مَقْطُوعِي الْأَيْدِي فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْمِيَ ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالرَّمْيِ وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَبِيهِمْ بِالزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْدَءُوا بِالرَّجْمِ وَكَذَا الْإِخْوَةُ وَذُو الرَّحِمِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَعَمَّدُوا لَهُ مَقْتَلًا وَكَذَا ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَأَمَّا ابْنُ الْعَمِّ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ لِأَنَّ رَحِمَهُ لَمْ يَكْمُلْ فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، وَقَدْ قَالُوا: ابْنُ الِابْنِ إذَا شَهِدَ عَلَى أَبِيهِ بِالزِّنَا لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَجِبُ بِالْمَوْتِ، وَالشَّهَادَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى الزِّنَا وَذَلِكَ غَيْرُ الْمَوْتِ وَكَذَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَقُتِلَ لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الزَّانِي مُقِرًّا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَمَى الْغَامِدِيَّةَ بِحَصَاةٍ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ، وَقَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ وَكَانَتْ اعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ وَيُفْطَمَ الْوَلَدُ لِأَنَّ رَجْمَهَا يُتْلِفُ الْوَلَدَ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا حُبْلَى وَأَشْكَلَ أَمْرُهَا نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ إنَّهَا حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا الْمُدَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، وَقَالَتْ أَنَا بِكْرٌ أَوْ رَتْقَاءُ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ هِيَ كَذَلِكَ لَمْ تُحَدَّ لِأَنَّهُ بَانَ كَذِبُهُمْ وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ أَيْضًا لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَيْهِمْ أَوْجَبْنَاهُ لِقَوْلِ النِّسَاءِ، وَالْحُدُودُ لَا تَجِبُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ الزَّانِي مَرِيضًا وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ رُجِمَ وَلَا يُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي انْتِظَارِهِ لِأَنَّ الرَّجْمَ يُهْلِكُهُ صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ اُنْتُظِرَ حَتَّى يَبْرَأَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَرِيضًا لَحِقَهُ الضَّرَرُ بِالضَّرْبِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا كَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا أَوْ الْبَرْدُ شَدِيدًا.
стр. 524
اُنْتُظِرَ زَوَالُ ذَلِكَ وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى النُّفَسَاءِ حَتَّى تَتَعَلَّى مِنْ نِفَاسِهَا لِأَنَّ النِّفَاسَ مَرَضٌ وَرُوِيَ «أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ لَمَّا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَهِيَ حَامِلٌ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي فَلَمَّا وَضَعَتْ أَتَتْهُ بِالْوَلَدِ فِي خِرْقَةٍ فَقَالَتْ: هُوَ هَذَا قَدْ وَلَدْته فَقَالَ اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْ بِهِ، وَفِي يَدِهِ كِسْرَةٌ مِنْ خُبْزٍ فَقَالَتْ: هُوَ هَذَا قَدْ فَطَمْته وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ بِرَجْمِهَا فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَافْتَضَحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَشَتَمَهَا، فَقَالَ ﵇ مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مُكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «صَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﵇ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى» .
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ خَطَأً أَوْ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَجَبَ فِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ وَوَجَبَ فِي الْخَطَأِ الدِّيَةُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ قَضَى بِرَجْمِهِ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ دَمُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَا يَسْقُطُ الْغُسْلُ كَالْمَقْتُولِ قِصَاصًا وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ ﵇ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ وَلَقَدْ رَأَيْته يَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» وَلَا بَأْسَ لِلنَّاسِ فِي حَالَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَتَعَمَّدُوا مَقْتَلَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَتْلُهُ فَمَا كَانَ أَسْرَعُ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا وَكَانَ حُرًّا فَحَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِضَرْبِهِ بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ) أَيْ لَا شَوْكَ وَلَا عُقَدَ وَلَا شَمَارِيخَ. قَوْلُهُ: (ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا) أَيْ بَيْنَ الْمُبَرِّحِ وَغَيْرِ الْمُؤْلِمِ لِأَنَّ الْمُبَرِّحَ يُهْلِكُ وَغَيْرَ الْمُؤْلِمِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ. قَوْلُهُ: (وَيُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ) يَعْنِي مَا خَلَا الْإِزَارَ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَمْنَعُ وُصُولَ الْأَلَمِ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] . قَوْلُهُ: (وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ يُهْلِكُهُ، وَالْجَلْدُ زَاجِرٌ لَا مُهْلِكٌ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ الْأَلَمُ إلَى كُلِّ الْأَعْضَاءِ كَمَا وَصَلَتْ إلَيْهَا اللَّذَّةُ قَوْلُهُ: (إلَّا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهُ) لِقَوْلِهِ ﵇ لِلْجَلَّادِ «اتَّقِ الْوَجْهَ، وَالرَّأْسَ، وَالْمَذَاكِيرَ» وَلِأَنَّ الْفَرْجَ مَقْتَلٌ، وَالرَّأْسَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ فَرُبَّمَا يَخْتَلُّ بِالضَّرْبِ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ شَمُّهُ أَوْ ذَوْقُهُ وَيَجْتَنِبُ الصَّدْرَ، وَالْبَطْنَ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَقْتَلٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَضْرِبُ الرَّأْسَ سَوْطًا وَاحِدًا لِأَنَّ فِيهِ شَيْطَانًا أَوْ لِأَنَّ السَّوْطَ الْوَاحِدَ لَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا قَائِمًا غَيْرَ مَمْدُودٍ وَلَا يُلْقَى عَلَى وَجْهِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يُشَدُّ يَدَاهُ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُحَدُّ قَاعِدَةً لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا فَتُلَفُّ ثِيَابُهَا عَلَيْهَا وَتُرْبَطُ الثِّيَابُ وَيَتَوَلَّى لَفَّ ثِيَابِهَا عَلَيْهَا امْرَأَةٌ وَيُوَالِي بَيْنَ الضَّرْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِيلَامُ، وَلَوْ جَلَدَهُ فِي يَوْمٍ خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً وَمِثْلَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْ الْمَجْلُودِ نَجَاسَةٌ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ عَبْدًا جَلَدَهُ خَمْسِينَ كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي جُلِدَ عَلَيْهَا الْحُرُّ مِنْ نَزْعِ ثِيَابِهِ وَاتِّقَاءِ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَفَرْجِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ) بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ، وَالْقَذْفُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ وَيَقُولُ لَهُ لَعَلَّك لَمَسْت أَوْ قَبَّلْت) أَوْ لَعَلَّك وَطِئْتهَا بِالشُّبْهَةِ أَوْ يَقُولُ: أَبِك خَبَلٌ؟ أَبِك جُنُونٌ؟ وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ
стр. 525
عَنْ إقْرَارِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَسَقَطَ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلشَّهَادَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) يَعْنِي فِي صِفَةِ الْحَدِّ وَقَبُولِ الرُّجُوعِ. قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنَّ) (الْمَرْأَةَ لَا يُنْزَعُ عَنْهَا مِنْ ثِيَابِهَا إلَّا الْفَرْوَ، وَالْحَشْوَ) لِأَنَّ فِي تَجْرِيدِهَا كَشْفُ عَوْرَتِهَا وَتُضْرَبُ جَالِسَةً لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا قَوْلُهُ: (وَإِنْ حَفَرَ لَهَا فِي الرَّجْمِ جَازَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ إلَى ثَدْيِهَا، وَالْحَفْرُ لَهَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَيُحْفَرُ لَهَا إلَى الصَّدْرِ وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقِيمُ الْمَوْلَى الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «أَرْبَعَةٌ إلَى الْوُلَاةِ الْجُمُعَةُ، وَالْفَيْءُ، وَالْحُدُودُ، وَالصَّدَقَاتُ» وَلِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَلِي ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَلِيهِ عَلَى عَبْدِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى عَبْدِهِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ.
. قَوْلُهُ: (وَإِذَا رَجَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ قَبْلَ الرَّجْمِ ضُرِبُوا الْحَدَّ وَسَقَطَ الرَّجْمُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) هَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ صَحَّتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَتَأَكَّدَتْ بِالْقَضَاءِ فَلَا تَنْفَسِخُ إلَّا فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ حُدُّوا جَمِيعًا فَكَذَا هَذَا وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ فِي حَقِّهِ فَسَقَطَتْ، وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا حُدُّوا جَمِيعًا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ يُحَدُّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ قُلْنَا كَلَامُهُمْ قَذْفٌ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ شَهَادَةً لِلِاتِّصَالِ بِالْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَضَاءُ بَقِيَ قَذْفًا فَيُحَدُّونَ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَلْدًا فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ خَاصَّةً إجْمَاعًا وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاجِعِ فِي أَثَرِ السِّيَاطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا إذَا مَاتَ مِنْ الْجَلْدِ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ.
قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ
، وَالْجَلْدُ إنْ يَجْرَحْ فَقَالَ وَاحِدٌ ... كَذَبْتُ لَا يَضْمَنُ هَذَا الشَّاهِدُ
صُورَتُهُ " أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى غَيْرِ مُحْصَنٍ بِالزِّنَا فَجَلَدَهُ الْقَاضِي فَجَرَحَهُ الْجَلْدُ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَا يَضْمَنُ الرَّاجِعُ أَرْشَ الْجِرَاحَةِ وَكَذَا إنْ مَاتَ مِنْ الْجَلْدِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَضْمَنُ الرَّاجِعُ قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الرَّجْمِ جُلِدَ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ وَضَمِنَ رُبْعَ الدِّيَةِ) .
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُحَدُّ الرَّاجِعُ لِأَنَّهُ صَارَ قَاذِفًا لَهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَمَنْ قَذَفَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ الْمَقْذُوفُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ وَلَنَا أَنَّ الرَّاجِعَ صَارَ قَاذِفًا عِنْدَ رُجُوعِهِ بِالشَّهَادَةِ السَّابِقَةِ وَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا فِي الْحَالِ، وَمَنْ قَذَفَ مَيِّتًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنَّمَا ضَمِنَ رُبْعَ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ غَيْرِهِ وَقَدْ بَقِيَ مَنْ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ خَمْسَةً أَوْ أَكْثَرَ فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَقْطَعُ جَمِيعَ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ وَهُمْ خَمْسَةٌ ضَمِنَ الرَّاجِعَانِ رُبْعَ الدِّيَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بَقِيَ مَنْ ثَبَتَ بِهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْحَقِّ وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ فَزُكُّوا فَرُجِمَ فَإِذَا هُمْ عَبِيدٌ فَالدِّيَةُ عَلَى الْمُزَكِّينَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْنَاهُ إذَا رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ بِأَنْ قَالُوا: عَلِمْنَا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَمَعَ ذَلِكَ زَكَّيْنَاهُمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُزَكِّينَ لِأَنَّهُمْ أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا وَلَكِنَّهُمْ يُعَزَّرُونَ عِنْدَهُمَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تَصِيرُ حُجَّةً وَعَامِلَةً بِالتَّزْكِيَةِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهَا، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَالُوا: عَلِمْنَا أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَزَكَّيْنَاهُمْ أَمَّا إذْ ثَبَتُوا عَلَى التَّزْكِيَةِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الشُّهُودِ بَلْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إجْمَاعًا، وَلَوْ قَالَ الْمُزَكِّي: أَخْطَأْت فِي التَّزْكِيَةِ لَا يَضْمَنُ إجْمَاعًا كَذَا فِي الْمُصَفَّى وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا قَالَ: عَلِمْت أَنَّهُمْ عَبِيدٌ وَتَعَمَّدْت ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُ الشُّهُودِ عَنْ الْأَرْبَعَةِ حُدُّوا) لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ.
. قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ إحْصَانِ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَدَخَلَ بِهَا وَهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ) فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ
стр. 526
أَمَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ كِتَابِيَّةً وَقَدْ دَخَلَ بِهَا لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَكَذَا لَوْ دَخَلَ بِالْأَمَةِ ثُمَّ أُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ وَطْءٌ حَتَّى زَنَى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَقَيَّدَ بِإِحْصَانِ الرَّجْمِ احْتِرَازًا عَنْ إحْصَانٍ لِمَقْذُوفٍ فَإِنَّهُ هُنَاكَ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ خَمْسِ شَرَائِطَ لَا غَيْرُ وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ فِعْلِ الزِّنَا وَيَنْقُصُ عَنْ إحْصَانِ الرَّجْمِ بِشَيْئَيْنِ النِّكَاحِ، وَالدُّخُولِ.
[مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِحْصَانِ]
(مَسْأَلَةُ) الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِحْصَانِ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَقَالَ زُفَرُ لَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ قُلْنَا الْقَتْلُ يَثْبُتُ بِالزِّنَا وَأَمَّا الْإِحْصَانُ فَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِيهِ فَلَوْ وَجَبَ اعْتِبَارُ الذُّكُورِيَّةِ فِيهِ كَمَا وَجَبَ فِي الزِّنَا لَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلِأَنَّ الْإِحْصَانَ هُوَ النِّكَاحُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالدُّخُولُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ.
. قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْمَعُ فِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الْجَلْدِ، وَالرَّجْمِ وَلَا يُجْمَعُ فِي الْبِكْرِ بَيْنَ الْجَلْدِ، وَالنَّفْيِ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً فَيُعَزِّرُ بِهِ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَرَاهُ) مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ فَعَلَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْحَدِّ،.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى طَرِيقِ الْحَدِّ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَهَذَا بَيَانٌ لِجَمِيعِ الْحَدِّ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ التَّغْرِيبُ مَعَهُ حَدًّا لَكَانَتْ الْغَايَةُ بَعْضَ الْحَدِّ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَعْلُومَةُ الْمَقَادِيرِ وَلَيْسَ لِلنَّفْيِ مِقْدَارٌ فِي مَسَافَةِ الْبُلْدَانِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَنَى الْمَرِيضُ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ رُجِمَ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلِامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدُ لَمْ يُجْلَدْ حَتَّى يَبْرَأَ) كَيْ لَا يُفْضِي لِلْهَلَاكِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَلِهَذَا إذَا كَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا أَوْ الْبَرْدُ شَدِيدًا اُنْتُظِرَ بِهِ زَوَالُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا زَنَتْ الْحَامِلُ لَمْ تُحَدَّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا) كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى هَلَاكِ الْوَلَدِ وَهُوَ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ فَحَتَّى تَتَعَلَّى مِنْ نِفَاسِهَا) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: تَتَعَالَى وَهُوَ سَهْوٌ، وَالصَّوَابُ تَتَعَلَّى بِغَيْرِ أَلِفٍ أَيْ تَرْتَفِعَ يُرِيدُ بِهِ تَخْرُجَ مِنْهُ لِأَنَّ النِّفَاسَ نَوْعُ مَرَضٍ وَتُجْلَدُ الْحَائِضُ فِي حَالِ الْحَيْضِ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ بِمَرَضٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ رُجِمَتْ فِي النِّفَاسِ) لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ وَقَدْ انْفَصَلَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِي وَلَدُهَا عَنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ ثُمَّ الْحُبْلَى تُحْبَسُ إلَى أَنْ تَلِدَ إذَا كَانَ الزِّنَا ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ كَيْ لَا تَهْرُبَ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ مَقْبُولٌ فَلَا يُفِيدُ الْحَبْسُ.
. قَوْلُهُ: (وَإِذَا شَهِدُوا بِحَدٍّ مُتَقَادِمٍ وَلَمْ يَقْطَعْهُمْ عَنْ إقَامَتِهِ بُعْدُهُمْ عَنْ الْإِمَامِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ خَاصَّةً) يَعْنِي إذَا شَهِدُوا بِسَرِقَةٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ حِينٍ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ وَيَضْمَنُ فِي السَّرِقَةِ الْمَالَ وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَحُقُوقُ الْعِبَادِ لَا تَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ، وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا يَبْطُلُ.
стр. 527
بِالتَّقَادُمِ إلَّا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ وُجُودَ الرَّائِحَةِ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ فِي الْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا وَإِنْ جَاءُوا بِهِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ تَذْهَبُ الرَّائِحَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ يُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَوْلُهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَهَلْ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَامِلَةُ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالشُّبْهَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ ثُمَّ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَلِكَ يَمْنَعُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَمْنَعُ وَفَائِدَتُهُ إذَا هَرَبَ بَعْدَ مَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ أُخِذَ بَعْدَ مَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ وَعِنْدَ زُفَرَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ) لِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ) لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِ حُكْمِيَّةٌ وَهِيَ نَشَأَتْ عَلَى دَلِيلٍ قَالَ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّبْهَةَ نَوْعَانِ شُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ وَتُسَمَّى شُبْهَةً حُكْمِيَّةً وَشُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ فَالشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ جَارِيَةُ ابْنِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا بِالْكِنَايَاتِ، وَالْمَبِيعَةُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَالْمَمْهُورَةُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالْمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ وَيَجِبُ الْمَهْرُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ إذَا ادَّعَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي جَدًّا مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ هَؤُلَاءِ وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ فَفِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ جَارِيَةُ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَبَائِنًا بِالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ فِي الْعِدَّةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَجَارِيَةُ الْمَوْلَى فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَالْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحُدُودِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَالْمُسْتَعِيرُ لِلرَّهْنِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهِنِ فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ حُدَّ ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَإِنْ ادَّعَاهُ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ إذَا ادَّعَاهُ وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ حُدَّ لِزَوَالِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَتَكُونُ الشُّبْهَةُ مُنْتَفِيَةً وَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي مَوْضِعِهِ إذْ أَثَرُ الْمِلْكِ قَائِمٌ فِي حَقِّ النَّسَبِ، وَالْحَبْسِ، وَالنَّفَقَةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا، وَالْمُخْتَلِعَةُ، وَالْمُطَلَّقَةُ عَلَى مَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيَامُ بَعْضِ الْآثَارِ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ قَالَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ أَمْرُك بِيَدِك فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَقَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيَّ لَمْ يُحَدَّ وَأَمَّا الْجَارِيَةُ الْعَارِيَّةُ، وَالْمُسْتَعَارَةُ لِلْخِدْمَةِ، الْوَدِيعَةِ فَيَجِبُ الْحَدُّ فِيهِنَّ مُطْلَقًا وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ أَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مِرَارًا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ مِلْكٍ وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ جَارِيَةَ أُمِّهِ مِرَارًا وَقَدْ ادَّعَى الشُّبْهَةَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ لِأَنَّ وَطْأَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا مِرَارًا فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ نِصْفُ مَهْرٍ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ وَطِئَ الْعَبْدُ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ فَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ حُدَّ) لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُمَا فِي الْمَوْطُوءَةِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ أَيْضًا) لِأَنَّ ظَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى ظَاهِرٍ لِأَنَّ لَهُ تَبَسُّطًا فِي مَالِ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَكَذَا الْعَبْدُ فِي مَالِ مَوْلَاهُ يَأْكُلُ مِنْهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ فَجَازَ أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ فَكَانَ شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ إلَّا أَنَّهُ زِنًا حَقِيقَةً فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَكَذَا إذَا قَالَتْ الْجَارِيَةُ: ظَنَنْت أَنَّهُ يَحِلُّ لِي، وَالْفَحْلُ لَمْ يَدَّعِ الْحِلَّ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ فَأَيُّهُمَا قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي دُرِئَ عَنْهُمَا الْحَدُّ حَتَّى يُقِرَّا جَمِيعًا أَنَّهُمَا قَدْ عَلِمَا أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ زَنَى بِجَارِيَةِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهٍ أَوْ جَدَّتِهِ، وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، وَقَالَتْ الْجَارِيَةُ إنَّهُ حَرَامٌ دُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُمَا إجْمَاعًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ بِأَنْ قَالَتْ الْأَمَةُ: ظَنَنْت أَنَّهُ حَلَالٌ، وَقَالَ هُوَ عَلِمْت أَنَّهُ حَرَامٌ دُرِئَ الْحَدُّ أَيْضًا عَنْهُمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَدُرِئَ عَنْهَا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَمْ يُحَدَّ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ابْنَهُ مِنْ هَذَا.
стр. 528
الْوَطْءِ فَإِنْ مَلَكَ الصَّبِيَّ عَتَقَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَلَكَ أُمَّهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَكَانَ لَهُ بَيْعُهَا وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ مِنْ الْغَانِمِينَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَلَهُ حُكْمُ الْمِلْكِ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ، وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ) لِأَنَّهُ لَا انْبِسَاطَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ وَكَذَا سَائِرِ الْمَحَارِمِ سِوَى الْأَوْلَادِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرَ امْرَأَتِهِ، وَقَالَتْ النِّسَاءُ: إنَّهَا زَوْجَتُك فَوَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) يَعْنِي مَهْرَ الْمِثْلِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِأَنَّ وَطْأَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ بَعْدَ طُولِ الصُّحْبَةِ وَلَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الزِّفَافِ لِأَنَّهُ هُنَاكَ جَاهِلٌ بِهَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَغَيْرِهَا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ وَلِهَذَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي مَسْأَلَةِ الزِّفَافِ وَلَا يَثْبُتُ فِي وَلَدِ هَذِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ أَعْمَى لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ بِالسُّؤَالِ إلَّا إذَا ادَّعَاهَا فَأَجَابَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ، وَقَالَتْ: أَنَا زَوْجَتُك فَوَطِئَهَا لَمْ يُحَدَّ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ وَهِيَ كَالْمَزْفُوفَةِ إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَوَطِئَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ) وَيُعَزَّرُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلَّهُ فَيَلْغُوَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ الزِّنَا فِي شَرِيعَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ أَبَاحَ نِكَاحَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي شَرِيعَةِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا عُزِّرَ لِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا.
. قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيُعَزَّرُ) وَيُودَعُ فِي السَّجْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ كَالزِّنَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ فِعْلُهُ فِي زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ وَإِنْ فَعَلَهُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ فِي رَجُلٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا وَيُعَزَّرُ لِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْغُلَامِ أَمَّا إذَا أَتَى أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا يُحَدُّ إجْمَاعًا، وَلَوْ فَعَلَهُ فِي عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ لَا يُحَدُّ بِلَا خِلَافٍ وَيُعَزَّرُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى، وَالِاسْتِمْنَاءُ حَرَامٌ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَلَوْ مَكَّنَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ مِنْ الْعَبَثِ بِذَكَرِهِ فَأَنْزَلَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِهِمَا إذَا أَتَى أَجْنَبِيَّةً فِي دُبُرِهَا أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ جَمِيعًا إنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رَجْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ جُلِدَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَا ثُمَّ الشَّهَادَةُ عَلَى اللِّوَاطِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَهُمَا كَالزِّنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قُتِلَ الْفَاعِلُ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُحْصَنَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَطِئَ بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا وَقَوْلُهُ: وَيُعَزَّرُ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَاهِدَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا، وَلَوْ مَكَّنَتْ امْرَأَةٌ قِرْدًا مِنْ نَفْسِهَا فَوَطِئَهَا كَانَ حُكْمُهَا كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ الْبَهِيمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْبَغْيِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْنَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ) وَهَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحَدُّ لَنَا أَنَّهُ زَنَى فِي مَوْضِعٍ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ فِيهِ فَلَمْ يُحَدَّ وَلَا يُقَامُ
стр. 529
بَعْدَمَا أَتَانَا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا الْأَصْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ، وَالْحَرْبِيَّةَ الْمُسْتَأْمَنَةَ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ، وَالْغَائِبَةِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ، وَالْمَجْنُونَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَالصَّبِيَّةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِمَنْزِلَةِ الذِّمِّيِّ، وَالذِّمِّيَّةِ بَيَانُهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ، وَالذِّمِّيَّ إذَا زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ الْمُسْلِمُ وَلَا تُحَدُّ الْمُسْتَأْمَنَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهَا كَالْغَائِبَةِ وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ غَابَتْ يُحَدُّ الرَّجُلُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ كَالْمَجْنُونَةِ فَصَارَ كَعَاقِلٍ زَنَى بِمَجْنُونَةٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ جَمِيعًا كَذِمِّيٍّ زَنَى بِذِمِّيَّةٍ، وَلَوْ زَنَى حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ لَا يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ وَهُوَ كَغَائِبٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتُحَدُّ الذِّمِّيَّةُ أَوْ الْمُسْلِمَةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُحَدَّانِ جَمِيعًا كَمَجْنُونِ زَنَى بِعَاقِلَةٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ جَمِيعًا كَذِمِّيٍّ زَنَى بِذِمِّيَّةٍ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ جَمِيعًا بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّ الْحَدَّ مَتَى سَقَطَ عَنْ أَحَدِ الزَّانِيَيْنِ بِالشُّبْهَةِ سَقَطَ عَنْ الْآخَرِ لِلشَّرِكَةِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا النِّكَاحَ، وَالْآخَرُ يُنْكِرُ وَمَتَى سَقَطَ لِقُصُورِ الْفِعْلِ فَإِنْ كَانَ الْقُصُورُ مِنْ جِهَتِهَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ الرَّجُلِ كَمَا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً وَإِنْ كَانَ الْقُصُورُ مِنْ جِهَتِهِ سَقَطَ عَنْهُمَا جَمِيعًا كَمَا إذَا كَانَ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مُكْرَهًا ثُمَّ حَدُّ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا لَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقَامُ عَلَيْهِ وَحَدُّ الشُّرْبِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ وَحَدُّ الْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ يُقَامُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَهُوَ فِيمَا سِوَى حَدِّ الشُّرْبِ كَالْمُسْلِمِ إجْمَاعًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الشُّرْبِ وَإِذَا زَنَى الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا.
وَقَالَ زُفَرُ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَإِذَا زَنَى صَحِيحٌ بِمَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّةً إجْمَاعًا لَنَا أَنَّ فِعْلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيًا وَهِيَ مَوْطُوءَةً وَمُزْنًى بِهَا إلَّا أَنَّهَا سُمِّيَتْ زَانِيَةً مَجَازًا لِكَوْنِهَا مُسَبِّبَةً بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلُّقُ الْحَدِّ فِي حَقِّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قُبْحِ الزِّنَا وَهُوَ فِعْلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْكَفِّ عَنْهُ أَثِمَ بِمُبَاشَرَتِهِ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَإِذَا زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا بِفِعْلِ الزِّنَا حُدَّ وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِهَا فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بَعْدَ مَا زَنَى بِهَا وَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَوْ وُهِبَتْ لَهُ وَقَبَضَهَا أَوْ وَرِثَهَا أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهَا أَوْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْهَا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ غَصَبَ أَمَةً فَزَنَى بِهَا فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ أَوْ غَصَبَ حُرَّةً ثَيِّبًا فَزَنَى بِهَا فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ دِيَةُ الْحُرَّةِ وَقِيمَةُ الْأَمَةِ أَمَّا الْحُرَّةُ فَلَا إشْكَالَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِدَفْعِ الدِّيَةِ.
وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ إنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ، وَلَوْ لَمْ تَمُتْ وَلَكِنْ ذَهَبَ بَصَرُهَا غَرِمَ الْقِيمَةَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الْأَمَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالضَّمَانِ فَيَصِيرُ كَمِلْكِهَا بِالشِّرَاءِ قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِي رَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا يُمْلَكُ بُضْعَهَا بِالنِّكَاحِ وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَيْضًا إذَا زَنَى ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَهِيَ تُنْكِرُ لَمْ يُحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ حَدِّ الشُّرْبِ]
قَالَ ﵀ (وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَأُخِذَ وَرِيحُهَا مَوْجُودٌ) مَعَهُ أَوْ جَاءُوا بِهِ سَكْرَانَ (فَشَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ) (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) وَكَذَا إذَا أَقَرَّ وَرِيحُهَا مَوْجُودٌ مَعَهُ وَسَوَاءٌ شَرِبَ مِنْ الْخَمْرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَإِنَّمَا شُرِطَ وُجُودُ رِيحِهَا مَعَهُ وَقْتَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِزِنًا مُتَقَادِمٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ مُتَقَادِمٍ أَوْ سَرِقَةٍ قَدِيمَةٍ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَهَابِ رِيحِهَا لَمْ يُحَدَّ) هَذَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ وَكَذَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَهَابِ رِيحِهَا، وَالسُّكْرِ لَمْ يُحَدَّ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَدُّ فَالتَّقَادُمُ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ
стр. 530
الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِالزَّمَانِ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَا وَعِنْدَهُمَا مُقَدَّرٌ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا وَعِنْدَهُمَا لَا يُحَدُّ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ فَإِنْ أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَرِيحُهَا مَعَهُ أَوْ سَكْرَانَ فَذَهَبُوا بِهِ إلَى مِصْرٍ فِيهِ الْإِمَامُ فَانْقَطَعَتْ الرَّائِحَةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا بِهِ حُدَّ إجْمَاعًا.
رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِ أَخِيهِ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ لَهُ: إنَّ هَذَا ابْنُ أَخِي وَإِنَّهُ كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِي، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَسَأَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَأَقَرَّ فَقَالَ لِعَمِّهِ: بِئْسَ كَافِلُ الْيَتِيمِ أَنْتَ إنَّكَ لَمْ تُحْسِنْ أَدَبَهُ وَلَا سَتَرْت عَلَيْهِ جَرِيمَتَهُ ثُمَّ قَالَ تَرْتِرُوهُ وَمَزْمِزُوهُ فَإِنْ وَجَدْتُمْ رِيحًا فَاجْلِدُوهُ.
التَّرْتَرَةُ أَنْ يُحَرَّكَ وَيُسْتَنْكَهَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الرَّائِحَةِ شَرْطٌ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ مَزْمِزُوهُ بِالزَّايِ أَيْ حَرِّكُوهُ وَأَقْبِلُوا بِهِ وَأَدْبِرُوا.
. قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَكِرَ مِنْ النَّبِيذِ حُدَّ) إنَّمَا شُرِطَ السُّكْرُ لِأَنَّ شُرْبَهُ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِشُرْبِ قَلِيلِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ السُّكْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ أَوْ تَقَيَّأَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى شُرْبِهَا بِاخْتِيَارِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أُكْرِهَ أَوْ شَرِبَهَا فِي حَالِ الْعَطَشِ مُضْطَرًّا لِعَدَمِ الْمَاءِ فَلَا يُحَدُّ مَعَ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ النَّبِيذِ وَشَرِبَهُ طَوْعًا) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ غَيْرِ النَّبِيذِ كَالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ أَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ مُكْرَهًا فَلَا يُحَدُّ بِالشَّكِّ قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَدُّ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ السُّكْرُ) لِيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ الَّذِي يُحَدُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ نُطْقًا وَلَا جَوَابًا وَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا هُوَ الَّذِي يَهْذِي وَيَخْلِطُ كَلَامَهُ وَإِلَى هَذَا مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُسْتَقْرَأُ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ فَإِنْ أَمْكَنَهُ قِرَاءَتَهَا وَإِلَّا حُدَّ وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ فَيَحْتَالُ الدَّرْءَ بِهِ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدُ فَالسَّكْرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي عُقُوبَةً لَهُ، وَلَوْ ارْتَدَّ السَّكْرَانُ لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الشَّكِّ.
. قَوْلُهُ: (وَحَدُّ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ مِنْ النَّبِيذِ فِي الْحُرِّ ثَمَانُونَ سَوْطًا) يَجُوزُ فِي السُّكْرِ ضَمُّ السِّينِ وَفَتْحُهَا مَعَ سُكُونِ الْكَافِ وَبِفَتْحِ السِّينِ وَتَحْرِيكِ الْكَافِ فَإِذَا قَالَ بِفَتْحَتَيْنِ يَكُونُ الْعَصِيرُ وَإِذَا قَالَ بِالسُّكُونِ وَضَمِّ السِّين يَكُونُ حَدُّ الْخَمْرِ بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ وَحَدُّ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ بَعْدَ حُصُولِ السُّكْرِ وَالشَّيْخُ ﵀ مَالَ إلَى السُّكُونِ، وَالضَّمِّ قَوْلُهُ: (يُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِّ الزِّنَا) وَيُجْتَنَبُ الْوَجْهُ، وَالرَّأْسُ وَيُجَرَّدُ فِي الْمَشْهُورَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يُجَرَّدُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ سَوْطًا) لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ أَقَرَّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ فَقُبِلَ فِيهِ الرُّجُوعُ كَحَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالسَّكَرُ هَهُنَا بِفَتْحَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ.
(وَيَثْبُتُ) حَدُّ الشُّرْبِ (بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ أَوْ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ
следующие страницы →