← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21596

الجوهرة النيرة على مختصر القدوري

أبو بكر الحداد

Полный текст (689 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عَلَيْهِ دَيْنٌ قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ الذَّبْحُ حَتَّى يُصَلِّي الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الصَّلَاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ» ، وَقَالَ ﵇: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» وَإِنْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ حَتَّى يَنْتَصِفَ النَّهَارُ وَكَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ جَازَ، وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُصَلِّي أَهْلُ الْجَبَّانَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ حَتَّى لَوْ اكْتَفَوْا بِهَا أَجْزَأَهُمْ وَكَذَا عَلَى عَكْسِهِ وَقِيلَ فِي عَكْسِهِ يُجْزِيهِ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا وَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَجْزَأَهُ وَيُعْتَبَرُ فِي الذَّبْحِ مَكَانُ الْأُضْحِيَّةِ لَا مَكَانُ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْمِصْرِ، وَالشَّاةُ فِي السَّوَادِ فَذَبَحُوا عَنْهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَمْرِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ فِي السَّوَادِ، وَالشَّاةُ فِي الْمِصْرِ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَحِيلَةُ الْمِصْرِيِّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ بِهَا إلَى خَارِجِ الْمِصْرِ فَيُضَحِّي بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهَذَا لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الزَّكَاةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ كَالزَّكَاةِ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ فَيُعْتَبَرُ فِي الْقُرْبِ مَكَانُ الْفِعْلِ لَا مَكَانُ الْفَاعِلِ اعْتِبَارًا بِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ مَسْكَنُهُ فِيهِ دَخَلَ الْمِصْرَ لِصَلَاةِ الْأَضْحَى وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُضَحُّوا عَنْهُ جَازَ أَنْ يَذْبَحُوا عَنْهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَكَانُ الْفِعْلِ دُونَ مَكَانِ الْمَفْعُولِ عَنْهُ وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ وَلَمْ يَخْطُبْ أَجْزَأَهُ مَنْ ذَبَحَ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. (قَوْلُهُ: فَأَمَّا) (أَهْلُ السَّوَادِ فَيَذْبَحُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ) ، وَلَوْ عَقَلَ أُضْحِيَّةً حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَوْ ضَاعَتْ فَأَصَابَهَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهَا وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا وَلَا يَتْرُكُ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةٍ فَضَلَّتْ فَاشْتَرَى غَيْرَهَا ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَ الْكُلَّ وَإِنْ ذَبَحَ الْأُولَى لَا غَيْرُ أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ أَقَلَّ وَإِنْ ذَبَحَ الثَّانِيَةَ لَا غَيْرُ إنْ كَانَتْ مِثْلَ الْأُولَى أَوْ أَفْضَلَ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ دُونَهَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْبَحَهُمَا جَمِيعًا سَوَاءٌ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ مُوسِرًا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ مُوسِرًا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا يَلْزَمُهُ ذَبْحُ الْكُلِّ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْغَنِيِّ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً لَا بِالشِّرَاءِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ وَعَلَى الْفَقِيرِ بِشِرَائِهِ بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا اشْتَرَى شَاةً سَلِيمَةً ثُمَّ تَعَيَّبَتْ بِعَيْبٍ مَانِعٍ إنْ كَانَ غَنِيًّا عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا تُجْزِيهِ هَذِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْغَنِيِّ بِالشَّرْعِ ابْتِدَاءً لَا بِالشِّرَاءِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا إذَا مَاتَتْ الْمُشْتَرَاةُ لِلتَّضْحِيَةِ فَعَلَى الْمُوسِرِ مَكَانَهَا أُخْرَى وَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَقِيرِ وَإِنْ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَلَدًا ذَبَحَهُ مَعَهَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَعَيَّنَ فِيهَا فَيَسْرِي إلَى وَلَدِهَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَعَيَّنَ فِيهَا بِالشِّرَاءِ وَأَمَّا الشَّاةُ الَّتِي اشْتَرَاهَا الْمُوسِرُ لِيُضَحِّيَ بِهَا إذَا وَلَدَتْ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا وَكَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ لَا يَجِبُ ذَبْحُ الْوَلَدِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَسِرْ إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا فَهُوَ كَجِلْدِهَا وَخِطَامِهَا وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَكَلَهُ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ فِي الْأَكْلِ وَبِثَمَنِهِ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ أَمْسَكَ الْوَلَدَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ

стр. 562

تَصَدَّقَ بِهِ قَالَ فِي الْخُجَنْدِيِّ: إذَا وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَذَبَحَ الْوَلَدَ يَوْمَ الْأَضْحَى بَعْدَ الْأُمِّ أَجْزَأَهُ وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ أُمِّهِ وَإِنْ ذَبَحَهُ قَبْلَ ذَبْحِهَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُضَحَّى بِالْعَمْيَاءِ وَلَا الْعَوْرَاءِ وَلَا الْعَرْجَاءِ الَّتِي لَا تَمْشِي إلَى الْمَنْسَكِ) وَهُوَ الْمَذْبَحُ (وَلَا بِالْعَجْفَاءِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا أَرْبَعٌ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» أَيْ لَا نِقْيَ لَهَا وَهُوَ الْمُخُّ لِشِدَّةِ الْهُزَالِ، قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ) قَالَ ﵇ «اسْتَشْفُوا الْعَيْنَ، وَالْأُذُنَ» أَيْ اُطْلُبُوا سَلَامَتَهُمَا وَأَمَّا الذَّنَبُ فَهُوَ عُضْوٌ مَقْصُودٌ كَالْأُذُنِ. قَوْلُهُ: (وَلَا الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ ذَنَبُهَا فَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ جَازَ) وَكَذَا حُكْمُ الْأَلْيَةِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ أَجْزَاهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يُجْزِهِ فَجَعَلَ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ لِأَنَّهُ تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ. وَرُوِيَ عَنْهُ إنْ كَانَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ جَازَ فَجُعِلَ الثُّلُثُ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ لِقَوْلِهِ ﵇ «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» وَرُوِيَ عَنْهُ إنْ كَانَ الذَّاهِبُ الرُّبْعَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الرُّبْعَ فِي حُكْمِ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّرُوا بِهِ مَسْحَ الرَّأْسِ وَوُجُوبَ الدَّمِ فِي الْحَلْقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْهُ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ النِّصْفَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ لِاجْتِمَاعِ الْحَظْرِ، وَالْإِبَاحَةِ فَغَلَبَ الْحَظْرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَجُوزُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ قِيلَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي الْهِدَايَةِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَنْ يُضَحَّى بِالْجَمَّاءِ) وَهِيَ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا خِلْقَةً وَتُسَمَّى الْجَلْحَاءُ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْقَضْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا قَوْلُهُ (وَالْخَصِيِّ) لِأَنَّهُ أَطْيَبُ لَحْمًا مِنْ غَيْرِ الْخَصِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ أَنْفَعُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْ خُصْيَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّوْلَاءِ) وَهِيَ الْمَجْنُونَةُ لِأَنَّ الْعَقْلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْبَهَائِمِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ تَعْتَلِفُ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تَعْتَلِفُ لَا يُجْزِيهِ وَأَمَّا الصَّكَّاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةً لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَحَّى بِهَا لِأَنَّهُ فَاتَ بِالْأُذُنِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَهَا أُذُنٌ صَغِيرَةٌ خِلْقَةً جَازَ لِأَنَّ الْعُضْوَ مَوْجُودٌ وَصِغَرُهُ غَيْرُ مَانِعٍ وَأَمَّا الْجَرْبَاءُ إنْ كَانَتْ سَمِينَةً جَازَ لِأَنَّ الْجَرَبَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجِلْدِ وَلَا نُقْصَانَ فِي اللَّحْمِ وَأَمَّا الْهَتْمَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا فَفِيهَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إحْدَاهُمَا اعْتَبَرَهَا بِالْأُذُنِ فَقَالَ إنْ بَقِيَ أَكْثَرُهَا أَجْزَأَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إذَا بَقِيَ لَهَا مَا تَعْتَلِفُ بِهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْأَكْلُ بِهَا. قَوْلُهُ: (وَالْأُضْحِيَّةُ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ) وَلَا يَجُوزُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْوَحْشِ فَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْأَهْلِيِّ، وَالْوَحْشِيِّ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْأُمُّ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِي التَّبَعِيَّةِ حَتَّى إذَا نَزَا الذِّئْبُ عَلَى الشَّاةِ يُضَحَّى بِالْوَلَدِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْبَقَرَةُ أَهْلِيَّةً نَزَا عَلَيْهَا ثَوْرٌ وَحْشِيٌّ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَحَّى بِالْوَلَدِ قَوْلُهُ: (يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الشَّيْءُ فَصَاعِدًا إلَّا الضَّأْنُ فَإِنَّ الْجَذَعَ مِنْهُ يُجْزِئُ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَظِيمًا بِحَيْثُ إذَا خُلِطَ بِالثَّنَايَا يَشْتَبِهُ عَلَى النَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ، وَالثَّنِيُّ مِنْهَا وَمِنْ الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ وَمِنْ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ وَمِنْ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَطَعَنَ فِي السَّادِسَةِ وَيَدْخُلُ فِي الْبَقَرِ الْجَوَامِيسُ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَالذَّكَرُ مِنْ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْأُنْثَى إذَا اسْتَوَيَا، وَالْأُنْثَى مِنْ الْبَقَرِ أَفْضَلُ مِنْ الذَّكَرِ إذَا اسْتَوَيَا. قَوْلُهُ: (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ)

стр. 563

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] الْبَائِسُ الَّذِي أَصَابَهُ ضَرَرُ الْجُوعِ وَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ بِأَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَيْك وَقِيلَ هُوَ الزَّمِنُ الْمُحْتَاجُ قَوْلُهُ: (وَيَدَّخِرُ) لِقَوْلِهِ ﵇ «فَكُلُوا مِنْهَا وَادَّخِرُوا» قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِالثُّلُثِ وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ ضِيَافَةً لِلْأَقَارِبِ، وَالثُّلُثَ لِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا جَازَ قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنْقِصَ الصَّدَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فَالْقَانِعُ: هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمُعْتَرُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ وَيُرِيَك نَفْسَهُ وَلَا يَسْأَلُك، وَقَالَ ﵇ «كُلُوا مِنْهَا أَوْ ادَّخِرُوا» فَصَارَتْ الْجِهَاتُ ثَلَاثًا الْأَكْلُ، وَالِاطِّعَامُ، وَالِادِّخَارُ فَإِنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا إرَاقَةُ الدَّمِ قَوْلُهُ: (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا قَوْلُهُ: (أَوْ يَعْمَلُ مِنْهُ آلَةً تُسْتَعْمَلُ فِي الْبَيْتِ) كَالنِّطَعِ، وَالْجِرَابِ، وَالْغِرْبَالِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذَهُ فَرْوًا لِنَفْسِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اتَّخَذَتْ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهَا سِقَاءً وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِلَحْمِهَا فَكَذَا بِجِلْدِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ فِي الْبَيْتِ مَعَ بَقَائِهِ مِثْلُ الْمُنْخُلِ، وَالْجِرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَشْتَرِي مَا يُسْتَهْلَكُ عَيْنُهُ كَالْخَلِّ، وَالْمِلْحِ، وَالْأَبْزَارِ، وَالْحِنْطَةِ، وَاللَّبَنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أُجْرَةَ جَزَّارِهَا، وَاللَّحْمُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنْ بَاعَ الْجِلْدَ، وَاللَّحْمَ بِالْفُلُوسِ أَوْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الْحِنْطَةِ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ انْتَقَلَتْ إلَى بَدَلِهِ. قَوْلُهُ: (، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ إنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَإِذَا وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَ مِنْهَا بِيَدِهِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ وَأَعْطَى الْحَرْبَةَ عَلِيًّا فَنَحَرَ الْبَاقِي وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الذَّبْحَ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَهَا لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ قَوْمِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَك فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ وَقُولِي إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ أَمَا إنَّهُ يُجَاءُ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا فَيُوضَعُ فِي مِيزَانِك وَسَبْعُونَ ضِعْفًا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً أَمْ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ: لِآلِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» . قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا الْكِتَابِيُّ) لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ ذَبَحَهَا الْمُسْلِمُ بِأَمْرِهِ أَجْزَأَهُ وَيُكْرَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا غَلِطَ رَجُلَانِ فَذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّةَ الْآخَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُمَا قَدْ تَعَيَّنَتَا لِلذَّبْحِ فَصَارَ الْمَالِكُ مُسْتَعِينًا بِكُلِّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلذَّبْحِ إذْنًا لَهُ دَلَالَةٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَضْمَنُ وَلَا يَجُوزُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ عِنْدَنَا إذَا ذَبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْلُوخَتَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ دَلَالَةً فَإِنْ كَانَا قَدْ أَكَلَا مِنْهَا فَلْيُحَالِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَيُجْزِيهِمَا وَإِنْ غَصَبَ شَاةً فَضَحَّى بِهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَجَازَتْ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِسَابِقِ الْغَصْبِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُودِعَ شَاةً فَضَحَّى بِهَا الْمُودَعُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالذَّبْحِ فَلَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْأَيْمَانِ] [الْيَمِينِ الْغَمُوسِ] (كِتَابُ الْأَيْمَانِ) الْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ وَالْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْقُوَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أَيْ الْقُوَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ

стр. 564

إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ أَيْ بِالْقُوَّةِ وَعَرَابَةُ اسْمُ رَجُلٍ مَعْدُودٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ قَوِيٍّ بِهِ عَزَمَ الْحَالِفُ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَسُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ بِهَا لِأَنَّ الْعَزِيمَةَ تَتَقَوَّى بِهَا قَالَ ﵀ (الْأَيْمَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ يَمِينِ غَمُوسٍ وَيَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ وَيَمِينِ لَغْوٍ فَالْغَمُوسُ هِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِيهِ) مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ مَا فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ لَقَدْ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْحَالِ أَيْضًا وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ كَاذِبٌ أَوْ يُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ مَعَ عِلْمِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ فَهَذِهِ كُلُّهَا يَمِينٌ الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِهَا حَقَّ الْمُسْلِمِ وَالتَّجَرِّي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ قَوْلُهُ (فَهَذَا الْيَمِينُ يَأْثَمُ بِهَا صَاحِبُهَا) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» قَوْلُهُ (وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارُ) يَعْنِي مَعَ التَّوْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ وَقَالَ ﵇ «ثَلَاثٌ مِنْ الْكَبَائِرِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ» وَلِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ وَالْعَقْدُ مَا تُصَوِّرَ فِيهِ الْحِلُّ وَالْعَقْدُ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَقَاءُ عَلَى عَقْدِهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِحِلِّهَا وَهُوَ الْحِنْثُ يُقَارِنُهَا فَلَا تَنْعَقِدُ كَالْبَيْعِ الَّذِي يُقَارِنُهُ الْعِتْقُ وَالصَّلَاةُ الَّتِي يُقَارِنُهَا الْحَدَثُ وَصُورَةُ الْبَيْعِ الَّذِي يُقَارِنُهُ الْعِتْقُ أَنْ يُوَكِّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَيُوَكِّلَ آخَرَ بِعِتْقِهِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ وَأَعْتَقَ الْآخَرُ وَخَرَجَ كِلَاهُمَا مَعًا فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ وَقَوْلُهُ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ [الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ] قَوْلُهُ (وَالْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ هِيَ الْحَلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوَّلًا يَفْعَلَهُ فَإِذَا حَنِثَ فِي ذَلِكَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) ثُمَّ الْمُنْعَقِدُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُرْسَلٌ وَمُؤَقَّتٌ وَفَوْرٌ فَالْمُرْسَلُ هُوَ الْخَالِي عَنْ الْوَقْتِ فِي الْفِعْلِ وَنَفْيِهِ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ إثْبَاتًا وَقَدْ يَكُونُ نَفْيًا فَالْإِثْبَاتُ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا وَالنَّفْيُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا فَفِي الْأَوَّلِ مَادَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُهُمَا حَنِثَ وَفِي الثَّانِي لَا يَحْنَثُ أَبَدًا فَإِنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ ثَانِيًا وَالْمُؤَقَّتُ مِثْلُ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَفِيهِ مَاءٌ فَهَذَا لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَمْضِ الْيَوْمُ فَإِذَا مَضَى وَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ صَبَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ عِنْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا دَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ فِي الْوَقْتِ لَا يَحْنَثُ فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ وَحْدَهُ وَالْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَانِ حَنِثَ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ وَالْوَقْتُ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ فَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْوَقْتُ وَالْحَالِفُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ عِنْدَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ إذَا مَضَى الْيَوْمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمَا أَنَّ قِيَامَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرْطٌ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ فَفَوَاتُهُ يَرْفَعُ الْيَمِينَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَحْنَثُ مِنْ سَاعَتِهِ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بِلَا مَاءٍ فِيهِ حَنِثَ بِالِاتِّفَاقِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحْنَثُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَأَمَّا يَمِين الْفَوْرِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِيَمِينِهِ سَبَبٌ فَدَلَالَةُ الْحَالِ تُوجِبُ قَصْرَ يَمِينِهِ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ وَذَلِكَ كُلُّ يَمِينٍ خَرَجَتْ جَوَابًا لِكَلَامٍ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ فَتَتَقَيَّدُ بِهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ نَحْوُ أَنْ تَتَهَيَّأَ الْمَرْأَةُ لِلْخُرُوجِ فَقَالَ: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَعَدَتْ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَتْ لَا تَطْلُقُ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ فَقَالَ رَجُلٌ: إنْ ضَرَبْته فَعَبْدِي حُرٌّ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى فَوْرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ حِنْثِهِ فِي فَوْرِهِ. وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُ: تَغَدَّ مَعِي فَقَالَ

стр. 565

وَاَللَّهِ لَا أَتَغَدَّى مَعَك وَإِنْ تَغَدَّيْت فَعَبْدِي حُرٌّ فَلَمْ يَتَغَدَّ مَعَهُ وَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ وَتَغَدَّى فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: إذَا فَعَلْت كَذَا وَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَلَى أَثَرِ فِعْلِهِ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَهُوَ كَذَا فَهُوَ عَلَى الْأَبَدِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كِلَاهُمَا عَلَى الْفَوْرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ قُمْت فَلَمْ أَضْرِبْك فَأَنْتَ حُرٌّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ وَهَبَ السَّكْرَانُ لِامْرَأَتِهِ دِرْهَمًا فَقَالَتْ: إنَّكَ تَسْتَرِدُّهُ مِنِّي إذَا صَحَوْت فَقَالَ: إذَا اسْتَرْدَدْته مِنْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَاسْتَرَدَّهُ مِنْهَا فِي سَاعَتِهِ وَهُوَ سَكْرَانٌ لَمْ يَحْنَثْ وَيَكُونُ يَمِينُهُ جَوَابًا لِكَلَامِهَا وَلَوْ حَلَفَ غَرِيمُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَقَضَاهُ دَيْنَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ [الْيَمِينُ اللَّغْوِ] قَوْلُهُ (وَيَمِينُ اللَّغْوِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ) مِثْلُ وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْت كَذَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ أَوْ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الْحَالِ مِثْلُ أَنْ يَرَى شَخْصًا مِنْ بَعِيدٍ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو أَوْ يَرَى طَائِرًا فَيَحْلِفُ أَنَّهُ غُرَابٌ فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ أَوْ وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت الْيَوْمَ وَقَدْ أَكَلَ فَهَذَا كُلُّهُ لَغْوٌ لَا حِنْثَ فِيهِ وَقِيلَ: إنَّ يَمِين اللَّغْوِ مَا يَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ، بَلَى وَاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ فِي ذَلِكَ وَاللَّغْوُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْكَلَامُ السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَوْلُهُ (فَهَذِهِ الْيَمِينُ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهَا صَاحِبَهَا) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ بِهَا عَلَى الْقَطْعِ فَلِمَ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ وَالشَّكِّ قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ اللَّغْوَ الَّذِي فَسَّرْنَاهُ لَمْ يَعْلَمْ قَطْعًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ أَمْ لَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالتَّوَصُّلِ إلَى حَقِيقَتِهِ فَلِهَذَا قَالَ: نَرْجُو وَالثَّانِي أَنَّ الرَّجَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رَجَاءِ طَمَعٍ وَرَجَاءِ تَوَاضُعٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجَاءُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: وَلَا يَكُونُ اللَّغْوُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَمَّا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ فَإِذَا هُوَ كَاذِبٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِنَذْرٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَالْعَامِدُ فِي الْيَمِينِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ سَوَاءٌ) لِقَوْلِهِ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْيَمِينُ» وَكَذَلِكَ الْخَاطِئُ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَبِّحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الْيَمِينُ فَهُوَ كَالْعَامِدِ قَوْلُهُ (وَمَنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَهُوَ سَوَاءٌ) لِأَنَّ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْإِكْرَاهِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَكَذَا إذَا فَعَلَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ فَإِنْ قِيلَ: الْكَفَّارَةُ شُرِعَتْ لِأَجْلِ سَتْرِ الذَّنْبِ وَلَا ذَنْبَ لِلْمَجْنُونِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَالَةَ الْجُنُونِ قُلْنَا: الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ دَائِرٌ مَعَ دَلِيلِ الذَّنْبِ وَهُوَ الْحِنْثُ لَا مَعَ حَقِيقَةِ الذَّنْبِ كَوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ دَائِرٌ مَعَ دَلِيلِ شُغْلِ الرَّحِمِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ لَا مَعَ حَقِيقَةِ الشُّغْلِ حَتَّى أَنَّهُ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشُّغْلُ أَصْلًا بِأَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِكْرًا أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ امْرَأَةٍ قَوْلُهُ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لِأَنَّ تَعْظِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: أَسْمَاءُ اللَّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهَا مَا لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ مِثْلُ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَالْحَلِفُ يَنْعَقِدُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ مِثْلُ الْكَبِيرِ وَالْعَزِيزِ وَالْقَادِرِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْقِسْمَيْنِ فَجَعَلَهُمَا يَمِينًا وَلَمْ يَفْصِلْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَالِفَ قَصَدَ يَمِينًا صَحِيحَةً. (قَوْلُهُ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَقَوْلِهِ وَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ) اعْلَمْ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ فَمَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَانَ بِهِ حَالِفًا وَمَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ لَا يَكُونُ بِهِ حَالِفًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصَفَ بِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَمَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ

стр. 566

بِهِ وَبِضِدِّهِ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ كَرَحْمَتِهِ وَغَضَبِهِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا مَنْ حَلَفَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ بِعَظَمَتِهِ أَوْ بِعِزَّتِهِ أَوْ بِقُوَّتِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ كَانَ بِهِ حَالِفًا كَالْحَالِفِ بِاسْمِهِ تَعَالَى وَإِذَا قَالَ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ الْقَادِرِ قَوْلُهُ (إلَّا قَوْلَهُ وَعِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا) وَكَانَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُرَادُ إذْنُهُ الْمَعْلُومُ يُقَالُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَك فِينَا أَيْ مَعْلُومَك وَمَعْلُومُ اللَّهِ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا قَالُوا: إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ الصِّفَةُ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا لِزَوَالِ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ قَالَ: وَوَجْهِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُرَادُ بِهِ الذَّاتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] قَالَ الْخُجَنْدِيُّ إذَا قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ وَوَجْهِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ يَمِينًا فِيهِمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي قَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ: لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَى عِبَادِهِ طَاعَتُهُ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي وَجْهِ اللَّهِ شَيْءٌ وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وَجْهِ اللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا وَكَذَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَأَفْعَلَن وَكَذَا بِسْمِ اللَّهِ إذَا عَنَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ يَمِينٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِوُجُودِ حَرْفِ الْقَسَمِ وَلَوْ قَالَ: وَمَلَكُوتِ اللَّهِ وَجَبَرُوتِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا فَإِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ كَغَضَبِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا) لِأَنَّ الْغَضَبَ وَالسَّخَطَ هُوَ الْعِقَابُ وَالنَّارُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَكَذَا قَوْلُهُ وَرَحْمَةِ اللَّه لِأَنَّ الرَّحْمَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] وَقَدْ يُرَادُ بِالرَّحْمَةِ أَيْضًا وَذَلِكَ كُلُّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا كَالنَّبِيِّ ﷺ وَالْقُرْآنِ وَالْكَعْبَةِ) أَمَّا إذَا قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ مِنْ الْقُرْآنِ كَانَ حَالِفًا لِأَنَّ التَّبَرِّي مِنْهُمَا كُفْرٌ قَوْلُهُ (وَالْحَلِفُ بِحُرُوفِ الْقَسَمِ وَحُرُوفُهُ الْوَاوُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَالْبَاءُ كَقَوْلِهِ بِاَللَّهِ وَالتَّاءُ كَقَوْلِهِ تَاللَّهِ) فَالْبَاءُ أَعَمُّ مِنْ الْوَاوِ وَالتَّاءِ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ فَتَقُولُ حَلَفْت بِاَللَّهِ وَحَلَفْت بِهِ وَالْوَاوُ أَعَمُّ مِنْ التَّاءِ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى جَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالتَّاءُ مُخْتَصَّةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ تَقُولُ تَاللَّهِ وَلَا تَقُولُ تَالرَّحْمَنِ قَوْلُهُ (وَقَدْ تُضْمَرُ الْحُرُوفُ فَيَكُونُ حَالِفًا كَقَوْلِهِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا) وَيُقَالُ: إذَا حُذِفَ حَرْفُ الْقَسَمِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ سَكَّنَ حَرْفَ الْإِعْرَابِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ كَسَرَهُ يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ نَصَبَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ سَوَاءٌ نَصَبَ أَوْ كَسَرَ أَوْ سَكَّنَ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِحَرْفِ الْقَسَمِ وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ كَانَ يَمِينًا لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تُقَامُ مَقَامَ الْبَاءِ وَتُبْدَلُ مِنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣] وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ: وَحَقُّ اللَّهِ فَلَيْسَ بِحَالِفٍ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَإِذَا كَانَ الْحَقُّ عِبَارَةً عَنْ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَالْعِبَادَاتِ لَأَفْعَلَنَّ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَوْلَهُ وَحَقِّ اللَّهِ يَمِينٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِأَنَّهُ الْحَقُّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ الْحَقِّ وَلَوْ قَالَ: وَالْحَقِّ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ: يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] . وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ لَا يَكُونُ يَمِينًا

стр. 567

لِأَنَّ الْحَقَّ يُعْرَفُ بِهِ الْحُقُوقُ وَفِي الْهِدَايَةِ هُوَ يَمِينٌ وَإِذَا قَالَ: حَقًّا لَأَفْعَلَنَّ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَالْمُنْكَرُ يُرَادُ بِهِ تَحْقِيقُ الْوَعْدِ قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ: أُقْسِمُ أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَحْلِفُ أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَهُوَ حَالِفٌ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً وَتُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةٍ فَيَكُونُ حَالِفًا فِي الْحَالِ وَالشَّهَادَةُ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ثُمَّ قَالَ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَشْرُوعُ وَبِغَيْرِهِ مَحْظُورٌ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَلِهَذَا قِيلَ: لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْهَا لِاحْتِمَالِ الْعِدَّةِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ قَالَ: آلَيْت لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّ الْأَلِيَّةَ هِيَ الْيَمِينُ قَالَ الشَّاعِرُ: قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... إذَا نَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فَهُوَ يَمِينٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ﴾ [النحل: ٩١] فَجَعَلَ الْعَهْدَ يَمِينًا وَالْمِيثَاقُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَهْدِ وَكَذَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ لِأَنَّهَا كَالْعَهْدِ أَمَّا إذَا قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ يَمِينٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ هُوَ أَمْرُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] وَقَالَ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥] فَصَارَ كُلُّهُ قَالَ: وَأَمْرُ اللَّهِ كَذَا فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرُ اللَّهِ عَلَيَّ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا سَمَّاهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَكَذَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ يَمِين اللَّهِ عَلَيَّ فَهُوَ حَالِفٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِإِيجَابِ الْيَمِينِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْيَمِينُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ كَانَ يَمِينًا) حَتَّى إذَا حَنِثَ فِي ذَلِكَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَكَذَا إذَا قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَكَذَا إذَا قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِبْلَةِ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُوَ يَمِينٌ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ أَمَّا إذَا حَلَفَ عَلَى الْمَاضِي مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ إنْ كَانَ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلَامَهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحْقِيقِ وَكَتَبَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى إلَى ابْنِ شُجَاعٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالِاعْتِقَادِ وَهُوَ لَمْ يَعْتَقِدْ الْكُفْرَ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يُصَدَّقَ فِي مَقَالَتِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ سَخَطُهُ فَلَيْسَ بِحَالِفٍ) وَكَذَا إذَا قَالَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَوْ عِقَابُهُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا أَوْ مَيْتَةً فَلَيْسَ بِحَالِفٍ) لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَمُرْتَكِبُهَا لَا يَكُونُ كَافِرًا وَلِأَنَّ الْمَيْتَةَ قَدْ أُبِيحَتْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْتَحِلٌّ لِلْخَمْرِ أَوْ لِلْمَيْتَةِ أَوْ لِلرِّبَا فَإِنَّهُ يَكُونُ حَالِفًا لِأَنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ كَافِرٌ فَهُوَ كَمَا إذَا قَالَ: فَأَنَا يَهُودِيٌّ وَمَنْ أَدْخَلَ بَيْنَ اسْمَيْنِ حَرْفَ عَطْفٍ كَانَ يَمِينَيْنِ مِثْلُ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَطْفٍ مِثْلُ وَاَللَّهِ اللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك فَهُمَا يَمِينَانِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ مَجُوسِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا الشَّيْءُ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَمِينٌ وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ هُوَ مَجُوسِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَمِينٌ وَإِنْ قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قَالَ: بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ فَهُمَا يَمِينَانِ وَفِيهِمَا كَفَّارَتَانِ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إذَا كَانَ مَظْلُومًا وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَعَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ قَالَ ﵇ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فَعَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ

стр. 568

سَوَاءٌ كَانَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا [كَفَّارَةُ الْيَمِينِ] قَوْلُهُ (وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ عِتْقُ رَقَبَةٍ يَجْرِي فِيهَا مَا يَجْرِي فِي الظِّهَارِ) يَعْنِي يُجْزِئُهُ عِتْقُ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكَافِرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فَإِنْ قِيلَ: الصَّغِيرُ لَا مَنَافِعَ فِي أَعْضَائِهِ فَهُوَ كَالزَّمِنِ قُلْنَا: مَنَافِعُ أَعْضَائِهِ كَامِلَةٌ وَإِنَّمَا فِيهَا ضَعْفٌ فَهُوَ كَالْكَبِيرِ الضَّعِيفِ وَإِنْ أَعْتَقَ حَمْلًا لَا يَجُوزُ وَإِنْ وُلِدَ بَعْدَ يَوْمٍ حَيًّا لِأَنَّهُ نَاقِصُ الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ فَهُوَ كَالْأَعْمَى وَإِنْ أَعْتَقَ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّ رِقَّهُمْ نَاقِصٌ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ بَيْعِهِمْ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ إنْ كَانَ قَدْ أَدَّى شَيْئًا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا جَازَ وَيَجُوزُ عِتْقُ الْآبِقِ وَالْأَعْوَرِ وَمَقْطُوعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ وَلَا يُجْزِيهِ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَلَا مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَكَذَا لَا يُجْزِيهِ عِتْقُ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ أَجْزَأَهُ وَيَجُوزُ الْأَصَمُّ إذَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا صِيحَ فِي أُذُنِهِ يَسْمَعُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَجُوزُ الْمُقْعَدُ وَلَا يَابِسُ الشِّقِّ وَلَا الزَّمِنُ وَلَا أَشَلُّ الْيَدَيْنِ وَلَا مَقْطُوعُ الْإِبْهَامِ وَلَا الْأَعْمَى وَلَا الْأَخْرَسُ وَإِنْ أَعْتَقَ مُبَاحَ الدَّمِ أَجْزَأَهُ إلَّا الْمُرْتَدَّ وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ ابْنَهُ يَنْوِي بِالشِّرَاءِ الْعِتْقَ عَنْ يَمِينِهِ أَجْزَأَهُ وَيَجُوزُ مَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ وَالْأَنْفِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّمْعِ وَالشَّمِّ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا فَاتَتْ الزِّينَةُ وَيَجُوزُ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ لِأَنَّ عَدَمَهُ أَصْلًا لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ بِأَنْ كَانَ أُنْثَى وَيَجُوزُ الْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ وَالرَّتْقَاءُ وَلَا يُجْزِئُ الذَّاهِبُ الْأَسْنَانِ وَلَا مَقْطُوعُ الشَّفَتَيْنِ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَكْلِ فَإِنْ قَدَرَ أَجْزَأَهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَوْبًا فَمَا زَادَ وَأَدْنَاهُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ) وَلَا يُجْزِيهِ الْعِمَامَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالْخُفَّانِ لِأَنَّهُمَا لَا يُسَمَّيَانِ كِسْوَةً وَأَمَّا السِّرْوَالُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُجْزِيهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ فِيهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَسَا رَجُلًا أَمَّا إذَا كَسَا امْرَأَةً فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَزِيدَهَا خِمَارًا لِأَنَّ رَأْسَهَا عَوْرَةٌ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ كَشْفِهِ وَلَوْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا وَاحِدًا وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةَ أَثْوَابٍ لَا يُجْزِيهِ إلَّا عِنْدَ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْإِطْعَامِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُجْزِيهِ مَا لَمْ يَنْوِهِ عَنْ الْإِطْعَامِ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَأَمَّا إذَا أَعْطَاهُمْ دَرَاهِمَ وَهِيَ لَا تَبْلُغُ قِيمَةَ الْكِسْوَةِ وَتَبْلُغُ قِيمَةَ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ عَنْ الطَّعَامِ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ لَا تَبْلُغُ قِيمَةَ الطَّعَامِ وَتَبْلُغُ قِيمَةَ الْكِسْوَةِ جَازَ عَنْ الْكِسْوَةِ وَلَوْ كَسَا خَمْسَةً وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَجْزَأَهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ) وَيُجْزِئُ فِي الْإِطْعَامِ التَّمْلِيكُ وَالتَّمْكِينُ فَالتَّمْلِيكُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْحِنْطَةِ يُجْزِئُ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ وَفِي رِوَايَةٍ كَالشَّعِيرِ وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْحُبُوبُ كَالْأُرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ أَيْ يُخْرِجُ مِنْهَا قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ قِيمَةَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي سَائِرِ الْحُبُوبِ تَمَامُ كَيْلِهِ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهَا وَأَمَّا التَّمْكِينُ فَهُوَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ وَيُعَشِّيَهُمْ فَيَحْصُلُ لَهُمْ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ عَشَاءَيْنِ أَوْ يُغَدِّيَهُمْ غَدَاءَيْنِ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ وَيُسَحِّرَهُمْ فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ بِغَيْرِ إدَامٍ لَا يُجْزِيهِ إلَّا فِي خُبْزِ الْحِنْطَةِ لَا غَيْرُ فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا أَوْ سَوِيقًا لَا غَيْرُ أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ طَعَامِ أَهْلِهِ وَإِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ غِذَاءً وَعَشَاءً أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ إلَّا رَغِيفًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشْبَاعُهُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّقْدِيرُ فِي التَّمْلِيكِ وَإِنْ غَدَّى عَشَرَةً وَعَشَّى عَشَرَةً غَيْرَهُمْ لَمْ يُجْزِيهِ وَكَذَا إذَا غَدَّى مِسْكِينًا وَعَشَّى غَيْرَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ فَرَّقَ طَعَامَ الْعَشَرَةِ عَلَى عِشْرِينَ فَلَمْ يَحْصُلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمِقْدَارُ الْمُقَدَّرُ كَمَا إذَا فَرَّقَ حِصَّةَ الْمِسْكِينِ وَلَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ الْعَشَاءِ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ أَجْزَأَهُ وَكَذَا إذَا فَعَلَهُ فِي عَشَرَةِ مَسَاكِينَ فَغَدَّاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ عَشَائِهِمْ فُلُوسًا أَوْ دَرَاهِمَ قَالَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ غَدَّى مِسْكِينًا عِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ عَشَّاهُ فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَجْزَأَهُ لِأَنَّ سَدَّ الْجَوْعَةِ فِي أَيَّامٍ لِوَاحِدٍ كَسَدِّ الْجَوْعَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِجَمَاعَةٍ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ. وَإِنْ أَعْطَى مِسْكِينًا وَاحِدًا طَعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ

стр. 569

فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الدَّفْعِ مُسْتَحَقٌّ كَمَا إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ كَذَا هَذَا وَلَوْ صَامَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ وَفِي مِلْكِهِ عَبْدُهُ قَدْ نَسِيَهُ أَوْ طَعَامٌ قَدْ نَسِيَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْوُجُودِ وَهَذَا وَاحِدٌ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَفَّارَةِ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ كَالْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ وَغَيْرِهِمْ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَهُمَا بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي كَفَنِ الْمَوْتَى وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) هَذِهِ كَفَّارَةُ الْمُعْسِرِ وَالْأُولَى كَفَّارَةُ الْمُوسِرِ وَحَدُّ الْيَسَارِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ كِفَايَةٍ مِقْدَارُ مَا يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ عَبْدٌ أَوْ كُسْوَةٌ أَوْ طَعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ حِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: إذَا مَلَكَ عَبْدًا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلرَّقَبَةِ فَلَا يُجْزِيهِ الصَّوْمُ وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَنَا فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ لَا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَعْسَرَ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ مُتَتَابِعَاتٍ التَّتَابُعُ شَرْطٌ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ فَرَّقَ الصَّوْمَ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ وَمِنْ شَرْطِ هَذَا الصَّوْمِ النِّيَّةُ مِنْ اللَّيْلِ فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنْ أَفْطَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مُعْسِرَةً فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الصَّوْمِ لِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهَا بِإِيجَابِهَا فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ إلَّا إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ لَيْسَ لِلْمَوْلَى مَنْعُهُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَرْأَةِ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْكَفَّارَةِ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحِنْثِ لَمْ يَجُزْ) هَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ إلَّا إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ مِثْلُ أَنْ لَا يُصَلِّي أَوَّلًا يُكَلِّمَ أَبَاهُ أَوْ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ الْبِرِّ إلَى الْجَابِرِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَا جَابِرَ لِلْمَعْصِيَةِ فِي ضِدِّهِ وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ سَأَلَ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ فِي مَعْصِيَةٍ فَقَالَ: أَلَيْسَ جَعَلَ اللَّهُ الظِّهَارَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَأَوْجَبَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: أَنْتَ مِنْ الْأرَائِيِّينَ أَيْ مِمَّنْ يَقُولُ بِالرَّأْيِ وَقَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ أَيْ يُكَلِّمَ أَبَاهُ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَعْزِمَ عَلَى تَرْكِ الْقَتْلِ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَبَاهُ وَقَتَلَ فُلَانًا فَهُوَ عَاصٍ وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُؤَقَّتَةً أَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ. وَأَمَّا النَّذْرُ إذَا كَانَ فِي الْمُبَاحِ أَوْ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا يَلْزَمُهُ كَمَا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْهَبَ إلَى السُّوقِ أَوْ أَعُودَ مَرِيضًا أَوْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي أَوْ أَضْرِبَ أَوْ أَشْتُمَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ لَزِمَهُ ذَبْحُ شَاةٍ اسْتِحْسَانًا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» وَلَهُمَا أَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ ﵇ حِينَ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِذَبْحِ شَاةٍ وَقَالَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ يَتَنَاوَلُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ عَبْدِهِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ شَاةٌ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ لِعَبْدِهِ مِنْ ابْنِهِ وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ فَكَذَا عِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ شَاةٌ لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ عَنْ ابْنِهِ جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ عَنْ نَفْسِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ النَّذْرِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ وَعَبْدِهِ وَنَفْسِهِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ شَاةٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَنْوَاعِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ فِيهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ شَاةٌ فِي الْوَلَدِ خَاصَّةً وَوَلَدُ الِابْنِ فِي هَذَا

стр. 570

بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ وَأَمَّا فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إجْمَاعًا قَالَ الْخُجَنْدِيُّ: هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَنْفِيذَ الْيَمِينِ أَمَّا إذَا أَرَادَ تَنْفِيذَ الْفِعْلِ فِي الْيَمِينِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ نَذْرٌ فِي مَعْصِيَةٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ الْكَافِرُ ثُمَّ حَنِثَ فِي حَالِ الْكُفْرِ أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْيَمِينِ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ مُعَظِّمًا وَلَا هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَزِمَهُ وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ صَحَّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَمْلِكُهُ لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ إنْ اسْتَبَاحَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَيَّ أَكْلُهُ فَإِنْ أَكَلَهُ حَنِثَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَصَارَ كَمَا إذَا حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ إنْ اسْتَبَاحَهُ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ تَقْتَضِي الْحُرْمَةَ قُلْنَا: لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا حَرَامًا لِعَيْنٍ وَالْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ أَنْ يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يُؤْكَلُ وَقَدْ أَكَلَهُ بَعْدَ مَا حَلَفَ فَيَكُونُ مُعَامَلًا مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ صَارَ حَلَالًا بَعْدَ أَنْ كَانَ حَرَامًا إذَا فَعَلَ مِمَّا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَنِثَ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا ثَبَتَ تَنَاوَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الطَّعَامَ فَإِنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا إنْ كَانَ طَعَامًا مَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَكْلَهُ مَرَّةً حَنِثَ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا إلَّا حَبَّةً أَوْ حَبَّتَيْنِ حَنِثَ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَإِنْ تَرَكَ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآكِلٍ لِجَمِيعِهَا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَحْمَ هَذَا الْجَزُورِ أُوَلًا يَبِيعُ هَذِهِ الْخَابِيَةَ الزَّيْتَ فَبَاعَ نِصْفَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْكُلِّ فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ) فَائِدَتُهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ لَا تَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا فَإِذَا نَوَاهَا كَانَ إيلَاءً وَلَا تُصْرَفُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَكَذَا اللِّبَاسُ لَا يَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَإِنْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي امْرَأَتَهُ كَانَ عَلَيْهَا وَعَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِأَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ يَلْزَمُهُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَتَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ يَلْزَمُهُ بِنِيَّتِهِ وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي فِي إحْدَاهُمَا الطَّلَاقَ وَفِي الْأُخْرَى الْإِيلَاءَ كَانَتَا طَلْقَتَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يُحْمَلُ عَلَى أَمْرَيْنِ فَإِذَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا حُمِلَ عَلَى الْأَغْلَظِ مِنْهُمَا وَهُوَ الطَّلَاقُ وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي فِي أَحَدِهِمَا ثَلَاثًا وَفِي الْأُخْرَى وَاحِدَةً يُطَلَّقَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَشَدِّهِمَا كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ قَوْلُهُ (وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ) بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ عَشْرُ حِجَجٍ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ فَكَذَا أَيْضًا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا يُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُجْزِيهِ وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا سَمَّاهُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: هُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُطْلِقَ النَّذْرَ فَيَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرٌ لِلَّهِ عَلَيَّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَهُوَ مُطْلَقٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَرْطٍ الثَّالِثَةِ أَنْ يُعَلِّقَ نَذْرَهُ بِشَرْطٍ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ بَعْدَ هَذِهِ الرَّابِعَةِ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهَذِهِ تَنْعَقِدُ يَمِينًا وَمُوجِبُهَا مُوجِبُ الْيَمِينِ قَوْلُهُ (وَإِنْ عَلَّقَ نَذْرَهُ بِشَرْطٍ فَوُجِدَ الشَّرْطُ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَفْسِ النَّذْرِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ

стр. 571

إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ صَدَقَةُ مَا أَمْلِكُ أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمَا سَمَّى أَيْضًا وَهَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ بِأَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَمَالِي صَدَقَةٌ أَوْ عَلَيَّ حَجَّةٌ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ نَذْرٌ فَيَتَخَيَّرُ وَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرْطًا يُرِيدُ كَوْنَهُ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ رَدَّ غَائِبِي فَشَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ أَوْ رَدَّ غَائِبَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ بِلَا خِلَافٍ لِانْعِدَامِ مَعْنَى الْيَمِينِ فِيهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَدَقَةٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعٍ وَإِنْ قَالَ: إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ الْكَعْبَةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ الْبِيعَةَ أَوْ الْكَنِيسَةَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ هَذِهِ لَا تُسَمَّى بُيُوتًا فِي الْعَادَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ الِاسْمُ وَالْعَادَةُ وَلِأَنَّ الْبَيْتَ هُوَ مَا أُعِدَّ لِلْبَيْتُوتَةِ وَهَذِهِ الْبِقَاعُ مَا بُنِيَتْ لَهَا وَلَا يُقَالُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا فَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُعْتَادُ دُونَ تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِكَلَامٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ هَذِهِ صَلَاتَنَا لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَإِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْأَذْكَارِ لَيْسَ بِكَلَامٍ فَلَا يَحْنَثُ وَكَذَا إذَا سَبَّحَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ حَنِثَ لِأَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بَلْ يُسَمَّى قَارِئًا أَوْ مُسَبِّحًا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَصَلَّى لَمْ يَحْنَثْ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْيَمِينِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَصَلَّى خَلْفَهُ فَسَهَا الْإِمَامُ فَسَبَّحَ بِهِ الْحَالِفُ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَلَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَهَذَا لَا يُبْطِلُهَا وَإِنْ فَتَحَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ حَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَلْفَهُ فَسَلَّمَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ سَلَامَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِكَلَامٍ كَتَكْبِيرِهَا وَالْقِرَاءَةِ فِيهَا. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ فَنَظَرَ فِيهِ وَفَهِمَهُ وَلَمْ يَنْطِقْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ وَالْأَيْمَانُ تَقَعُ عَلَى الْعُرْفِ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَنَظَرَ فِيهَا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا لَا يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ فَأَبُو يُوسُفَ سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ وَمُحَمَّدٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الْمَقْصُودُ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِ فُلَانٍ فَهْمُ مَا فِيهِ وَقَدْ حَصَلَ بِالنَّظَرِ وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا عَيْنُ الْقِرَاءَةِ إذْ الْغَرَضُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الثَّوَابُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ سُورَةً فَتَرَكَ مِنْهَا كَلِمَةً حَنِثَ وَإِنْ كَانَ آيَةً كَامِلَةً لَا يَحْنَثُ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ فَقَرَأَهُ إلَّا سَطْرًا حَنِثَ وَكَأَنَّهُ قَرَأَهُ كُلَّهُ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ الْوُقُوفُ عَلَى مَا فِيهِ فَإِنْ قَرَأَ نِصْفَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ قَالَ: يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَنَّ اسْمَ الْيَوْمِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَالْكَلَامُ لَا يَمْتَدُّ وَإِنْ عَنَى بِهِ النَّهَارَ خَاصَّةً دُيِّنَ فِي الْقَضَاءِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ وَأَنْ قَالَ: لَيْلَةَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ فَنَزَعَهُ فِي الْحَالِ لَمْ يَحْنَثْ) وَقَالَ زُفَرُ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ جُعِلَ لَابِسًا مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ إلَى أَنْ نَزَعَهُ وَلَنَا أَنَّ الْأَيْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَقَصْدُ الْإِنْسَانِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَبَقَاءُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْيَمِينِ إلَى أَنْ يَنْزِعَهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ يَمِينِهِ فَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُعْقَدُ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَحْلِفُ لِيَبَرَّ لَا لِيَحْنَثَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالنَّزْعِ لَا يُمْكِنُ

стр. 572

الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَا سِوَاهُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ رَاكِبُهَا فَنَزَلَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً حَنِثَ) لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ لُبْسٌ وَرُكُوبٌ فَإِذَا تَرَكَ النَّزْعَ وَالنُّزُولَ بَعْدَ يَمِينِهِ جُعِلَ رَاكِبًا وَلَابِسًا فَحَنِثَ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا شَيْئًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَكَسَاهُ قَلَنْسُوَةً أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ نَعْلَيْنِ حَنِثَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا تُكْسَى وَلِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ فَحَنِثَ بِوُجُودِ الْيَسِيرِ مِنْهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا ثَوْبًا فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا ثَوْبًا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْسُهُ وَإِنَّمَا وَهَبَ دَرَاهِمَ وَشَاوَرَهُ فِيمَا يَفْعَلُ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَهُوَ فِيهَا لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ حَتَّى يَخْرُجَ ثُمَّ يَدْخُلَ) لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا دَوَامَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ انْفِصَالٌ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ وَلَيْسَ الْمُكْثُ دُخُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارًا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَكَثَ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَقُولُ دَخَلْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَسَوَاءٌ دَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ مَحْمُولًا بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّ اسْمَ الدُّخُولِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ أُدْخِلَهَا مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُدْخَلٌ فَإِنْ أَدْخَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَمْ يُدْخِلْ الْأُخْرَى لَا يَحْنَثُ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ جَعَلْنَاهُ خَارِجًا بِالْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَاخِلًا وَخَارِجًا وَإِنْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُدْخِلْ قَدَمَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدُخُولٍ عَلَيْهِ عَادَةً وَإِنَّمَا الدُّخُولُ الْمُعْتَادُ فِي الْبُيُوتِ خَاصَّةً وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ إنْسَانًا فَحَمَلَهُ وَأَخْرَجَهُ حَنِثَ وَإِنْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ حَنِثَ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ عَلَى قَصْدِ مَكَّةَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتِي مَكَّةَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَهَا لِأَنَّ الْإِتْيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُصُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٦] وَإِنْ حَلَفَ لَا يَذْهَبُ إلَى مَكَّةَ فَهُوَ كَالْإِتْيَانِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَالْخُرُوجِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا خَرَابًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ الدَّارَ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي يَمِينِهِ دَارًا مُعْتَادًا دُخُولُهَا وَسُكْنَاهَا إذْ الْأَيْمَانُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَادَةِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اللُّبْسُ الْمُعْتَادُ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ صَحْرَاءَ حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَهَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِبَقَاءِ اسْمِهَا وَالِاسْمُ فِيهَا بَاقٍ كَمَا لَوْ انْهَدَمَتْ سُقُوفُهَا وَبَقِيَتْ حِيطَانُهَا وَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ بِعَيْنِهِ فَارْتَدَى بِهِ حَنِثَ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى الِاسْمِ لَا عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ اللُّبْسِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الصِّفَةَ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَفِي الْغَائِبِ شَرْطٌ وَقِيَامُ الِاسْمِ شَرْطٌ فِيهِمَا جَمِيعًا بَيَانُهُ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَأَشَارَ إلَيْهَا أَوْ دَارًا بِعَيْنِهَا فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ صَحْرَاءَ حَنِثَ لِأَنَّ الِاسْمَ بَاقٍ إذْ الدَّارُ اسْمٌ لِلسَّاحَةِ وَالْبِنَاءُ وَصْفٌ فِيهَا وَالصِّفَةُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَإِنْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا فَدَخَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الِاسْمَ قَدْ زَالَ فَلَوْ بَنَاهَا دَارًا أُخْرَى بَعْدَمَا جَعَلَهَا مَسْجِدًا فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهَا غَيْرُ الدَّارِ الْأُولَى وَإِنْ بَنَاهَا دَارًا بَعْدَ مَا صَارَتْ صَحْرَاءَ فَدَخَلَهَا حَنِثَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَدَخَلَ دَارًا قَدْ هُدِمَتْ وَصَارَتْ صَحْرَاءَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الصِّفَةَ فِي الْغَائِبِ شَرْطٌ إلَّا إذَا كَانَتْ حِيطَانُهَا قَائِمَةً حِينَئِذٍ يَحْنَثُ وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَدَخَلَهُ بَعْدَمَا انْهَدَمَ سَقْفُهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ غَيْرُ الْوَصْفِ وَإِنْ زَالَتْ حِيطَانُهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ زَالَ الِاسْمُ وَلَا يُسَمَّى بَيْتًا بَعْدَ زَوَالِ الْحِيطَانِ بِخِلَافِ الدَّارِ قَالَ الشَّاعِرُ: الدَّارُ دَارٌ وَإِنْ زَالَتْ حَوَائِطُهَا ... وَالْبَيْتُ لَيْسَ بِبَيْتٍ بَعْدَ تَهْدِيمٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَدَخَلَهُ بَعْدَمَا انْهَدَمَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْبَيْتَ اسْمٌ لِلْمَبْنِيِّ فَإِذَا زَالَ الْبِنَاءُ لَمْ يُسَمَّ بَيْتًا وَإِنْ كَانَ انْهَدَمَ سَقْفُهُ وَبَقِيَتْ حِيطَانُهُ فَدَخَلَ حَنِثَ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ وَالسَّقْفُ وَصْفٌ فِيهِ وَلِأَنَّهُ بِهَدْمِ السَّقْفِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْبَيْتِ مَا دَامَتْ الْحِيطَانُ بَاقِيَةً وَإِنَّمَا يُقَالُ: بَيْتٌ خَرَابٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتًا لَا سَقْفَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ فِيهِ وَالْوَصْفُ فِي الْغَائِبِ شَرْطٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَانْهَدَمَ وَبَنَى بَيْتًا آخَرَ فَدَخَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الِاسْمَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الِانْهِدَامِ قَوْلُهُ (وَلَوْ) (حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ

стр. 573

زَوْجَةَ فُلَانٍ فَطَلَّقَهَا فُلَانٌ) أَيْ طَلَاقًا بَائِنًا (ثُمَّ كَلَّمَهَا) (حَنِثَ) هَذَا إذَا كَانَ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُشَارٍ إلَيْهَا بِأَنْ قَالَ زَوْجَةَ فُلَانٍ هَذِهِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صَدِيقَ فُلَانٍ وَعَيَّنَهُ فَعَادَاهُ فُلَانٌ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُونَا مُعَيَّنَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لَمْ يَحْنَثْ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَكَذَا أَيْضًا لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَبَاعَ فُلَانٌ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ فَكَلَّمَ الْعَبْدَ أَوْ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَحْنَثْ) هَذَا قَوْلُهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ قَاسَهُ عَلَى صَدِيقِ فُلَانٍ وَزَوْجَةِ فُلَانٍ وَلَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ كَلَامِ الْعَبْدِ لِأَجْلِ مَوْلَاهُ إذْ لَوْ أَرَادَ الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ لَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمَوْلَى فَلَمَّا أَضَافَ الْمِلْكَ فِيهِ إلَى الْمَوْلَى زَالَتْ يَمِينُهُ عَنْهُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَكَذَا الدَّارُ لَا تُعَادَى وَلَا تُوَالَى فَإِذَا حَلَفَ عَلَى دُخُولِهَا مَعَ الْإِضَافَةِ صَارَ الِامْتِنَاعُ بِالْيَمِينِ لِأَجْلِ صَاحِبِهَا فَإِذَا زَالَ الْمِلْكُ زَالَتْ الْيَمِينُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ فُلَانٍ أَوَّلًا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَبَاعَهُمَا فَلَبِسَ الثَّوْبَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا إلَّا لِمَعْنًى فِي الْمَالِكِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا دَامَا مِلْكًا لِفُلَانٍ وَكَذَا الْعَبْدُ لَا يُعَادَى وَلَا يُوَالَى لِخَسَاسَتِهِ وَسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَجْلِ مَوْلَاهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّدِيقُ وَالزَّوْجَةُ وَالزَّوْجُ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُعَادَوْنَ وَيُوَالَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ فَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَهُمْ بِالْيَمِينِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ حَنِثَ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ فَوُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ بَعْدَ الْيَمِينِ فَتَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِنْتَ فُلَانٍ يَقْتَضِي بِنْتًا مَوْجُودَةً فِي الْحَالِ وَإِنْ قَالَ بِنْتًا لِفُلَانٍ أَوْ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِ فُلَانٍ وَلَا بَنَاتَ لَهُ وَقْتَ الْيَمِينِ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَهَا حَنِثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ فُلَانٍ فَأَكَلَ مِنْ طَعَامٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَالِفِ حَنِثَ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ يُسَمَّى طَعَامًا فَقَدْ أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ فَبَاعَهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا التَّعْرِيفَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَادَى لِمَعْنًى فِي الطَّيْلَسَانِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ وَقَدْ صَارَ شَيْخًا حَنِثَ) لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ إذْ الصِّفَةُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَإِنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ شَابًّا أَوْ شَيْخًا أَوْ صَبِيًّا بِلَفْظِ النَّكِرَةِ تَقَيَّدَ بِهِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ فَصَارَ كَبْشًا فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَتْ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ) فَهُوَ عَلَى ثَمَرِهَا لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى أَكْلُهَا فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهَا فَإِنْ أَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا لَمْ يَحْنَثْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا أَوْ جُمَّارِهَا أَوْ طَلْعِهَا أَوْ دِبْسِهَا يَحْنَثُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْهَا وَالْمُرَادُ بِالدِّبْسِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ أَمَّا إذَا طُبِخَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ فَإِنْ شَرِبَ مِنْ خَلِّهَا أَوْ نَبِيذِهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ هَذَا قَدْ تَغَيَّرَ بِصَنْعَةٍ جَدِيدَةٍ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْكَرْمِ شَيْئًا فَهُوَ عَنْ عِنَبِهِ وَزَبِيبِهِ وَعَصِيرِهِ وَالْكَرْمُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ فَهُوَ عَلَى لَحْمِهَا خَاصَّةً دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ اللَّبَنِ وَالزَّبَدِ وَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الشَّاةَ مَأْكُولَةٌ فِي نَفْسِهَا فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى لَحْمِهَا دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّخْلَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَأْكُولَةٍ فِي نَفْسِهَا فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَلَوْ نَظَرَ إلَى عِنَبٍ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى الْعِنَبِ فِي نَفْسِهِ دُونَ زَبِيبِهِ لِأَنَّ الْعِنَبَ مَأْكُولٌ فِي نَفْسِهِ فَانْصَرَفَ يَمِينُهُ إلَيْهِ كَالشَّاةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ فَصَارَ رُطَبًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ بَقِيَتْ بِبَقَاءِ اسْمِهِ وَزَالَتْ بِزَوَالِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ انْتِقَالَهُ إلَى الرُّطَبِ يُزِيلُ عَنْهُ اسْمَ الْبُسْرِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَأَكَلَ مِنْ جُبْنٍ صُنِعَ مِنْهُ أَوْ مَصْلٍ أَوْ أَقِطٍ أَوْ شِيرَازِ الْمَصْلُ الْمَوَّاهُ وَالشِّيرَازُ الْجَدَابَةُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبَيْضَةِ فَأَكَلَ مِنْ فَرْخٍ خَرَجَ مِنْهَا أَوَّلًا يَذُوقَ هَذِهِ الْخَمْرَ فَصَارَتْ خَلًّا فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ فَإِنْ نَوَى مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ حَنِثَ لِأَنَّهُ

стр. 574

شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبُسْرٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ بُسْرًا مُذَنَّبًا حَنِثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَوَافَقَهُ مُحَمَّدٌ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِاسْمٍ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ اسْمِ الرُّطَبِ وَلَهُمَا أَنَّ الْمُنْتَقَى بِيَمِينِهِ أَكْلُ الرُّطَبِ وَالْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ فِيهِ الرُّطَبُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ رُطَبًا فِيهِ بُسْرٌ يَسِيرٌ حَنِثَ عِنْدَهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الَّذِي فِي الرُّطَبِ لَا يُسَمَّى بُسْرًا فِي الْغَالِبِ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ الْغَلَبَةَ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَنِثَ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ فَصَارَ هُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا مُذَنَّبًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ رُطَبًا بِهِ بُسْرٌ يَسِيرٌ فَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَأَكَلَهُ بَعْدَ مَا صَارَ تَمْرًا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ زَالَ الِاسْمُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْبُسْرَ فَأَكَلَهُ بَعْدَ مَا صَارَ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ لِهَذَا الْمَعْنَى هَذَا كُلُّهُ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ أَمَّا فِي الشِّرَاءِ إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بُسْرًا أَوْ رُطَبًا فَاشْتَرَى بُسْرًا مُذَنَّبًا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ إجْمَاعًا فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَنِثَ إجْمَاعًا فَأَبُو يُوسُفَ سَوَّى بَيْنَهُمَا وَهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ الْأَكْلِ وَالشِّرَاءِ فَقَالَا: إنَّ الشِّرَاءَ يُصَادِفُ الْجُمْلَةَ وَالْمَغْلُوبُ تَابِعٌ فَيَتْبَعُ الْقَلِيلُ فِيهِ الْكَثِيرَ وَفِي الْأَكْلِ يُصَادِفُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا فَاشْتَرَى كِبَاسَةَ بُسْرٍ فِيهَا رُطَبٌ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُصَادِفُ الْجُمْلَةَ وَالْمَغْلُوبُ تَابِعٌ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَعِير أَوْ أَوْ لَا يَأْكُلُهُ فَاشْتَرَى حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتٌ شَعِيرًا وَأَكَلَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْأَكْلِ دُونَ الشِّرَاءِ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَأَكَلَ قَسْبًا أَوْ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ السَّمَكَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَسْمِيَتِهِ لَحْمًا فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُحْمَلُ عَلَى أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُخَرِّبُ بَيْتًا فَخَرَّبَ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ أَوَّلًا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمَّى الْكَافِرَ دَابَّةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] وَكَذَا جَمِيعُ مَا فِي الْبَحْرِ حُكْمُهُ حُكْمُ السَّمَكِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَيُّ لَحْمٍ أَكَلَهُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ غَيْرَ السَّمَكِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ مُحَرَّمُهُ وَمُبَاحُهُ وَمَطْبُوخُهُ وَمَشْوِيُّهُ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ أَكْلُهُ فَإِنْ أَكَلَ مَيْتَةً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ لَحْمَ إنْسَانٍ حَنِثَ فِي الْجَمِيعِ، ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا وَهَذَا فِي الْيَمِينِ عَلَى الْأَكْلِ أَمَّا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ الَّذِي يَجُوزُ شِرَاؤُهُ كَذَا فِي الْخُجَنْدِيِّ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ كَبِدًا أَوْ كِرْشًا أَوْ رَأْسًا أَوْ الْكَلَأَ أَوْ الرَّيَّةَ أَوْ النَّشَّاشَةَ أَوْ الْأَمْعَاءَ أَوْ الطِّحَالَ حَنِثَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَأَمَّا شَحْمُ الْبَطْنِ فَلَيْسَ بِلَحْمٍ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَكَذَا الْأَلْيَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الشَّحْمِ وَإِنْ أَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ أَوْ مَا عَلَى اللَّحْمِ حَنِثَ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لَحْمٌ سَمِينٌ فَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ الطُّيُورِ أَوْ لَحْمَ صَيُودِ الْبَرِّ حَنِثَ وَكَذَا لَحْمُ الرَّأْسِ لِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ مِنْ الْحَيَوَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا فَاشْتَرَى رَأْسًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: اشْتَرَى لَحْمًا وَإِنَّمَا يُقَالُ اشْتَرَى رَأْسًا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا وَلَا شَحْمًا فَاشْتَرَى أَلْيَةً لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَحْمٍ وَلَا شَحْمٍ وَإِنَّمَا هِيَ نَوْعٌ ثَالِثٌ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ فَشَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَكْرَعَ فِيهَا كَرْعًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ أَنْ يُبَاشِرَ الْمَاءَ بِفِيهِ فَإِنْ أَخَذَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِإِنَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ وَالِاغْتِرَافِ بِالْيَدِ وَالْإِنَاءِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْيَمِينَ عِنْدَهُ إذَا كَانَتْ لَهَا حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ مُسْتَعْمَلٌ حُمِلَتْ عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ وَعِنْدَهُمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَرْعَ فِي الدِّجْلَةِ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ مُتَعَارَفَةٌ يَفْعَلُهَا كَثِيرٌ مِنْ

стр. 575

النَّاسِ وَالْمَجَازُ أَيْضًا مُتَعَارَفٌ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ فَحُمِلَتْ عِنْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ شَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْ دِجْلَةَ لَمْ يَحْنَثْ إجْمَاعًا سَوَاءٌ كَرَعَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ دِجْلَةَ وَإِنَّمَا شَرِبَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْكُوزِ أَوْ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَحَوَّلَ مَاءَهُ إلَى كُوزٍ آخَرَ أَوْ إنَاءٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ فَكَرَعَ فِي نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهَا حَنِثَ إجْمَاعًا لِأَنَّ مَاءَ دِجْلَةَ مَوْجُودٌ فِي النَّهْرِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهَا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ فَاسْتَقَى لَهُ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهَا فَشَرِبَهُ حَنِثَ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي هَذَا النَّهْرِ قَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ فَشَرِبَ مِنْهَا بِإِنَاءٍ حَنِثَ) لِأَنَّهُ شَرِبَ مَاءً مُضَافًا إلَى دِجْلَةَ فَحَنِثَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً مِنْ دِجْلَةَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَشَرِبَهُ مِنْهَا بِإِنَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ فِي الدِّجْلَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ مِنْ وَهِيَ لِلتَّبْعِيضِ صَارَتْ الْيَمِينُ عَلَى النَّهْرِ فَلَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْكَرْعِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْجُبِّ فَإِنْ كَانَ مَمْلُوءًا فَهُوَ عَلَى الْكَرْعِ لَا غَيْرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى الْكَرْعِ وَالِاغْتِرَافِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْلُوءٍ فَعَلَى الِاغْتِرَافِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ أَوْ مِنْ مَاءِ هَذَا الْبِئْرِ فَهُوَ عَلَى الِاغْتِرَافِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ غَيْرُ مُتَعَارَفَةٍ فِيهَا فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَجَازِ فَإِنْ تَكَلَّفَ وَكَرَعَ مِنْ أَسْفَلِهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا لَمْ يَحْنَثْ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا قَضَمَهَا لِأَنَّ لَهَا حَقِيقَةً مُسْتَعْمَلَةً فَإِنَّهَا تُغْلَى وَتُقْلَى وَتُؤْكَلُ قَضْمًا وَالْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ وَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَهَا خُبْزًا أَوْ قَضْمًا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ الْمَجَازِ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَمَّا إذَا نَوَى أَنْ يَأْكُلَهَا حَبًّا فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا لَمْ يَحْنَثْ إجْمَاعًا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَأَكَلَ مِنْ سَوِيقِهَا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَحَقِيقَتُهَا أَنْ تُؤْكَلَ حَبًّا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَحْنَثُ كَمَا فِي الْخُبْزِ عَلَى أَصْلِهِ وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مَعَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْخُبْزِ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ لِأَنَّ الْخُبْزَ يُسَمَّى حِنْطَةً مَجَازًا يُقَالُ خُبْزُ حِنْطَةٍ وَالسَّوِيقُ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَزَرَعَهَا وَأَكَلَ مِنْ غَلَّتِهَا لَمْ يَحْنَثْ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ الْعَادَةَ أَكْلُهُ هَكَذَا وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ تُعْرَفُ غَيْرُ ذَلِكَ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى أَنْ يَأْكُلَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ مِنْ خُبْزِهِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ قَوْلُهُ (وَلَوْ اسْتَفَّهُ كَمَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَالَهُ مَجَازٌ مُسْتَعْمَلٌ وَلَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ تَنَاوَلَتْ الْيَمِينُ الْمَجَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّقِيقُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْغَزْلَ فَتَعَمَّمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْسَجَ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا اللَّبَنَ أَوْ هَذَا الْعَسَلَ أَوْ هَذَا الْخَلَّ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ أَوْ تَمْرٍ حَنِثَ وَإِنْ شَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يُسَمَّى أَكْلًا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْخُبْزَ فَجَفَّفَهُ وَدَقَّهُ وَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ هَذَا شُرْبٌ وَلَيْسَ بِأَكْلٍ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا فَجَعَلَ يَمُصُّهُ وَيَرْمِي بِثُفْلِهِ وَيَبْلَعُ مَاءَهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْأَكْلِ وَلَا فِي الشُّرْبِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا بِشُرْبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَصٌّ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا فَجَعَلَ فِي فِيهِ سُكَّرَةً وَجَعَلَ يَبْلَعُ مَاءَهَا حَتَّى ذَابَتْ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ حِينَ أَوْصَلَهَا إلَى جَوْفِهِ وَصَلَتْ وَهِيَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْمَضْغُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ الْمَاءَ فَتَمَضْمَضَ لِلْوُضُوءِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّطْهِيرُ دُونَ مَعْرِفَةِ الطَّعْمِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا فَأَكَلَ خُبْزًا أَوْ لَحْمًا أَوْ تَمْرًا وَفَاكِهَةً حَنِثَ لِأَنَّ الطَّعَامَ كُلُّ مَا يُطْعَمُ وَيُؤْكَلُ بِنَفْسِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَالْإِدَامُ يُسَمَّى طَعَامًا فَيَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ أَكَلَ أَهْلِيلَجَةً أَوْ مَحْمُودَةً لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَعَامًا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا مِنْ طَعَامِ فُلَانٍ فَأَكَلَ مِنْ خَلِّهِ أَوْ زَيْتِهِ أَوْ مِلْحِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا يَأْكُلُهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ حَنِثَ وَإِنْ أَخَذَ مِنْ نَبِيذِهِ أَوْ مَائِهِ فَأَكَلَ بِهِ خُبْزًا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ سَوِيقًا مَلْتُوتًا بِسَمْنٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ

стр. 576

السَّوِيقُ بِحَيْثُ إذَا عُصِرَ سَالَ مِنْهُ السَّمْنُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ وَهُوَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ إلَّا أَنَّهُ نَائِمٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهُ وَوَصَلَ إلَى سَمْعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِنَوْمِهِ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ وَهُوَ غَافِلٌ وَكَذَا إذَا نَادَاهُ وَهُوَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِغَفْلَتِهِ وَكَذَا لَوْ دَقَّ عَلَيْهِ الْبَابَ فَقَالَ الْحَالِفُ: مَنْ هَذَا أَوْ أَنْتَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُكَلِّمٌ لَهُ وَلَوْ نَادَاهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ حَنِثَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَؤُمُّ أَحَدًا فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ فَجَاءَ قَوْمٌ فَاقْتَدُوا بِهِ حَنِثَ قَضَاءً لَا دِيَانَةً لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ أَمَّهُمْ فَحَنِثَ قَضَاءً لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إمَامَتَهُمْ فَلَمْ يَحْنَثْ دِيَانَةً إنْ أَمَّهُمْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَحْنَثْ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً فِي كُلِّ الْوُجُودِ لِأَنَّ الْيَمِينَ عِنْدَ الْإِمَامَةِ تُصْرَفُ إلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى كَلَّمَهُ حَنِثَ) هَذَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ زَيْدٌ فَمَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ يَمِينُهُ فَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَتَى كَلَّمَهُ حَنِثَ وَلَوْ قَالَ إنْ ضَرَبْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَضَرَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَحْنَثُ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَكْسُوهُ فَهُوَ عَلَى الْحَيَاةِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ كَفَّنَهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْكُسْوَةِ السَّتْرَ وَإِنْ قَالَ: إنْ غَسَّلْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَغَسَّلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَنِثَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ أَوَّلًا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَحْنَثُ قَوْلُهُ (وَإِذَا اسْتَحْلَفَ الْوَالِي رَجُلًا لِيُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ خَبِيثٍ دَخَلَ الْبَلَدَ فَهُوَ عَلَى حَالِ وِلَايَتِهِ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ دَفْعُ شَرِّهِ بِزَجْرِهِ فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتُهُ بَعْدَ وِلَايَتِهِ وَالزَّوَالُ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِالْعَزْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ عُزِلَ ثُمَّ عَادَ وَالِيًا لَمْ تَعُدْ الْيَمِينُ وَتَبْقَى الْيَمِينُ مَا لَمْ يَمُتْ الْوَالِي أَوْ يُعْزَلُ وَصُورَتُهُ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا لَيَرْفَعَنَّ إلَيْهِ كُلَّ مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ فَاسِقٍ أَوْ سَارِقٍ فِي مَحَلَّتِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى عُزِلَ الْعَامِلُ مِنْ عَمَلِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَهُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ. وَبَطَلَتْ عَنْهُ الْيَمِينُ فَإِنْ عَادَ الْعَامِلُ بَعْدَ عَزْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَرْفَعَهُ إلَيْهِ وَقَدْ بَطَلَتْ بِيَمِينِهِ الدَّاعِرُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْفَاجِرُ الْخَبِيثُ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ) الْمُرَادُ عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ سَوَاءٌ كَانَ مَدْيُونًا أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُ الْمَوْلَى وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَوَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا أَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَهَا حَنِثَ) لِأَنَّ سَطْحَهَا مِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِصُعُودِهِ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَكَذَا الدِّهْلِيزُ مِنْ الدَّارِ لِأَنَّ الدَّارَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الدَّائِرَةُ وَقِيلَ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ بِالصُّعُودِ إلَى السَّطْحِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُهُ (فَإِنْ وَقَفَ عَلَى طَاقِ الْبَابِ بِحَيْثُ إذَا غُلِقَ الْبَابُ كَانَ خَارِجًا لَمْ يَحْنَثْ) وَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْبَابِ إذَا غُلِقَ حَنِثَ وَإِنْ أَدْخَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَمْ يُدْخِلْ الْأُخْرَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ مُنْهَبِطَةً حَنِثَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً لَا يَحْنَثُ وَفِي الْكَرْخِيِّ لَا يَحْنَثُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْهَبِطَةً أَوْ مُسْتَوِيَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ وَلَمْ يُدْخِلْ قَدَمَيْهِ أَوْ تَنَاوَلَ مِنْهَا شَيْئًا بِيَدِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدُخُولٍ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّارِقَ لَوْ فَعَلَهُ لَمْ يُقْطَعْ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشِّوَاءَ فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ دُونَ الْبَاذِنْجَانِ وَالْجَزَرِ) لِأَنَّ الشِّوَاءَ يُرَادُ بِهِ

стр. 577

اللَّحْمُ حَتَّى لَوْ أَكَلَ سَمَكًا مَشْوِيًّا لَا يَحْنَثُ فَإِنْ نَوَى كُلَّ مَا يُشْوَى مِنْ بَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّبِيخَ فَهُوَ عَلَى مَا يُطْبَخُ مِنْ اللَّحْمِ) اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ فَإِنْ أَكَلَ سَمَكًا مَطْبُوخًا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أَكَلَ لَحْمًا مَقْلِيًّا لَا مَرَقَ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ فَإِنْ طَبَخَ لَحْمًا لَهُ مَرَقٌ وَأَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ حَنِثَ لِأَنَّ الْمَرَقَ فِيهِ أَجْزَاءُ اللَّحْمِ. وَفِي الْيَنَابِيعِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ شَيْئًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقِهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمَرَقَ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّبِيخَ فَأَكَلَ شَحْمًا مَطْبُوخًا حَنِثَ فَإِنْ طَبَخَ عَدَسًا بِوَدَكٍ أَوْ بِشَحْمٍ أَوْ أَلْيَةٍ فَهُوَ طَبِيخٌ وَإِنْ طَبَخَهُ بِسَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ لَمْ يَكُنْ طَبِيخًا وَلَا يَكُونُ الْأُرْزُ طَبِيخًا قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُكْبَسُ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاع فِي الْمِصْرِ) الْكَبْسُ هُوَ الضَّمُّ وَكَانَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ عَلَى رُءُوسِ الْإِبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْ رُءُوسِ الْإِبِلِ وَجَعَلَهَا عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هِيَ عَلَى رُءُوسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً وَفِي الْخُجَنْدِيِّ إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رَأْسًا فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَعِنْدَهُمَا عَلَى رُءُوسِ الْغَنَمِ لَا غَيْرُ وَلَا يَقَعُ عَلَى رُءُوسِ الْإِبِلِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذَا فِي الشِّرَاءِ أَمَّا فِي الْأَكْلِ يَقَعُ عَلَى الْكُلِّ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ رُءُوسُ الْجَرَادِ وَالسَّمَكِ وَالْعَصَافِيرِ إجْمَاعًا لَا فِي الْأَكْلِ وَلَا فِي الشِّرَاءِ وَكَذَا رُءُوسُ الْإِبِلِ لَا تَدْخُلُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ كُلِّهِ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَحْنَثُ فِي بَيْضِ السَّمَكِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يَعْتَادُ أَهْلُ الْمِصْرِ أَكْلَهُ خُبْزًا) مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالدَّخَنِ وَكُلِّ مَا يُخْبَزُ عَادَةً فِي الْبِلَادِ قَوْلُهُ (فَإِنْ أَكَلَ الْقَطَائِفَ أَوْ خُبْزَ الْأُرْزِ بِالْعِرَاقِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ عِنْدَهُمْ وَإِنْ أَكَلَهُ فِي طَبَرِسْتَانَ أَوْ فِي بَلَدٍ عَادَتُهُمْ يَأْكُلُونَ الْأُرْزَ خُبْزًا حَنِثَ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي وَلَا يُؤَجِّرُ فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ لِأَنَّ حُقُوقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ دُونَ الْآمِرِ فَأَمَّا إذَا نَوَى ذَلِكَ حَنِثَ لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ هُوَ الْحَالِفُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُقُوقَ هَذَا الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِثْلُ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ فَأَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَنِثَ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْآمِرِ بِهِ فَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا يُطَلِّقُ أَوْ لَا يُعْتِقُ فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَنِثَ) وَكَذَا الْخُلْعُ وَالْكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ وَلِهَذَا لَا يُضِيفُهُ إلَى نَفْسِهِ لَا يَقُولُ: تَزَوَّجْت وَإِنَّمَا يَقُولُ: زَوَّجْت فُلَانًا وَطَلَّقْت امْرَأَةَ فُلَانٍ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ رَاجِعَةٌ إلَى الْآمِرِ لَا إلَيْهِ فَإِنْ قَالَ الْآمِرُ نَوَيْت أَنْ آلِي ذَلِكَ بِنَفْسِي لَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ أَوَّلًا يَذْبَحُ شَاتَه فَأَمَرَ إنْسَانًا فَفَعَلَ ذَلِكَ حَنِثَ وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت أَنْ أَلِيَهُ بِنَفْسِي دِينَ فِي الْقَضَاءِ. وَفِي الْهِدَايَةِ إذَا حَلَفَ لَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ فَأَمَرَ إنْسَانًا فَضَرَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ضَرْبِ الْوَلَدِ عَائِدَةٌ إلَى الْوَلَدِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ وَالتَّثْقِيفُ فَلَمْ يُنْسَبْ فِعْلُهُ إلَى الْآمِرِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِضَرْبِ الْعَبْدِ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِهِ فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَيْهِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَأَمَرَ رَجُلًا يُزَوِّجُهَا أَوْ زَوَّجَهَا رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ بِالْعَاقِدِ فَتَعَلَّقَتْ بِالْمُجِيزِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُؤَخِّرُ عَنْ فُلَانٍ حَقَّهُ شَهْرًا فَلَمْ يُؤَخِّرْهُ شَهْرًا بَلْ سَكَتَ عَنْ تَقَاضِيهِ حَتَّى مَضَى الشَّهْرُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ هُوَ التَّأْجِيلُ وَتَرْكُ التَّقَاضِي لَيْسَ بِتَأْجِيلٍ. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً بِكْرًا حَلَفَتْ أَنْ تَأْذَنَ فِي تَزْوِيجِهَا وَهِيَ بِكْرٌ فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا فَسَكَتَتْ فَإِنَّهَا

стр. 578

لَا تَحْنَثُ وَالنِّكَاحُ لَازِمٌ لَهَا لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِذْنٍ وَإِنَّمَا قِيَم مَقَامَ الْإِذْنِ بِالسُّنَّةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ شَيْئًا أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْ حَنِثَ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يُعِير ثُمَّ قَالَ: أَعَرْتُك حَنِثَ سَوَاءٌ قَبِلَ أَمْ لَا لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لَا مِنْ جَانِبَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يُؤَجِّرُ أَوْ لَا يُكَاتِبُ فَفَعَلَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقْبَلَ الْآخَرُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ حُصُولُ الْعِوَضَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ بَاعَ بَيْعًا فِيهِ خِيَارٌ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي حَنِثَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِوُجُوبِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا الْقِرَاضُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ كَالْبَيْعِ وَفِي رِوَايَةٍ كَالْهِبَةِ وَالطَّحَاوِيُّ جَعَلَهُ كَالْبَيْعِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يُصَلِّي فَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْفَاسِدِ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُمْلَكُ بِفَاسِدِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ الْمِلْكُ وَهُوَ يَقَعُ بِفَاسِدِهِ وَكَذَا الصَّلَاةُ الْغَرَضُ مِنْهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ بِالْفَاسِدِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي صَلَاةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَصَلَّى صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَةِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ فَأَصْبَحَ نَاوِيًا لِلصَّوْمِ وَصَامَ سَاعَةً ثُمَّ أَفْطَرَ حَنِثَ وَأَنْ قَالَ: لَا أَصُومُ صَوْمًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا كَامِلًا : قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِبَاسُهُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ حَائِلًا وَلِأَنَّ الْجَالِسَ عَلَى الْأَرْضِ هُوَ مَنْ بَاشَرَهَا وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَمَنْ) (حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ) أَيْ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ (فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ فَوْقَهُ بِسَاطٌ) أَوْ حَصِيرٌ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا عَلَيْهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى سَرِيرٍ أَيْ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَجَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ لَا يُتَصَوَّرُ آخَرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ مِثْلُهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ جَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ) هَذَا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى سَرِيرٍ مُعَرَّفٍ بِأَنْ قَالَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَعَدَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ أَمَّا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى سَرِيرٍ مُنَكَّرٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا السَّطْحِ فَبَنَى عَلَيْهِ سَطْحًا آخَرَ فَجَلَسَ عَلَى الثَّانِي لَا يَحْنَثُ لِمَا بَيَّنَّا وَلَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَهُدِمَ ثُمَّ بَنَى بِنَقْضِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا انْهَدَمَ زَالَ الِاسْمُ عَنْهُ وَهَذَا حَائِطٌ آخَرُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ فَكَسَرَهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَرَاهُ ثُمَّ بَرَاهُ ثَانِيًا لَمْ يَحْنَثْ إذَا كَتَبَ بِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَنَامَ عَلَيْهِ وَفَوْقَهُ قِرَامٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْفِرَاشِ فَيُعَدُّ نَائِمًا عَلَيْهِ وَالْقِرَامُ الْمَجْلِسُ قَوْلُهُ (فَإِنْ جَعَلَ فَوْقَهُ فِرَاشًا آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ) هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ وَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْعَلُ لِزِيَادَةِ التَّوْطِئَةِ فَصَارَ نَائِمًا عَلَى الْفِرَاشِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ فَلَبِسَهُ فَوْقَ قَمِيصٍ آخَرَ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِذَلِكَ كَذَا هَذَا قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ بِقَضَاءِ اللَّهِ أَوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ بِمَا أَحَبَّ اللَّهُ أَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَوْ إنْ أَعَانَنِي اللَّهُ أَوْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهُوَ مُسْتَثْنٍ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنه إنْ اسْتَطَاعَ فَهُوَ عَلَى اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ دُونَ الْقُدْرَةِ) يَعْنِي اسْتِطَاعَةَ الْحَالِ وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَمْرَضْ أَوْ يَجِئْ أَمْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ إتْيَانِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ حَنِثَ فَإِنْ نَوَى اسْتِطَاعَةَ الْقَضَاءِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ وَقِيلَ: يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَيَكْفِيهِ فِي الْإِتْيَانِ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنْزِلِهِ

стр. 579

لَقِيَهُ أَمْ لَا وَكَذَا عِيَادَةُ الْمَرِيضِ إذَا حَلَفَ بِأَنْ يَعُودَهُ فَعَادَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْ لَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا حِينًا أَوْ زَمَانًا أَوْ الْحِينَ أَوْ الزَّمَانَ فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَمَّا إذَا نَوَى شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ قَالَ: دَهْرًا أَوْ الدَّهْرَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ لَهُ نِيَّةُ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَمَا أَدْرِي مَا الدَّهْرُ وَعِنْدَهُمَا إذَا قَالَ: دَهْرًا فَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ قَالَ: الدَّهْرَ فَهُوَ عَلَى الْأَبَدِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا خِلَافَ فِي الدَّهْرِ أَنَّهُ الْأَبَدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا الْحِينُ وَالزَّمَانُ فَتَارَةً يَكُونَانِ لِأَقَلِّ الْأَوْقَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وَأَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَاةَ الصُّبْحِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ الْحَالِفِ إذْ لَوْ أَرَادَهُ لَامْتَنَعَ مِنْ كَلَامِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَتَارَةً يَقَعُ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] يَعْنِي أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادَ الْحَالِفِ أَيْضًا إذْ لَوْ أَرَادَهُ لَقَالَ أَبَدًا وَتَارَةً يَقَعُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّخْلَةِ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَيْ كُلَّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّ مِنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ الرُّطَبِ إلَى وَقْتِ خُرُوجِ الطَّلْعِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهَذَا أَوْسَطُ مَا قِيلَ: فِي الْحِينِ فَكَانَ أَوْلَى قَالَ ﵇ «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا» وَكَذَا الزَّمَانُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْحِينِ يُقَالُ مَا رَأَيْته مُنْذُ زَمَانٍ وَمُنْذُ حِينٍ بِمَعْنَى وَاحِدٍ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) يَعْنِي إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ دَهْرًا فَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ تَقْدِيرًا وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُنَكَّرِ هُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا الْمُعَرَّفُ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَبَدُ فِي قَوْلِهِمْ الْمَشْهُورُ عَلَى يَعْنِي جَمِيعَ عُمُرِهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّهْرَ وَدَهْرًا سَوَاءٌ لَا يُعْرَفُ تَفْسِيرُهُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حُقْبًا فَهُوَ عَلَى ثَمَانِينَ سَنَةً وَإِنْ قَالَ إلَى بَعِيدٍ فَهُوَ شَهْرٌ فَصَاعِدًا وَإِنْ قَالَ: إلَى قَرِيبٍ فَمَا دُونِ الشَّهْر وَلَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُهُ عَاجِلًا فَهُوَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ أَيَّامًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) اعْتِبَارًا لِأَقَلِّ الْجَمْعِ وَإِنْ قَالَ أَيَّامًا كَثِيرَةً قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَعِنْدَهُمَا هُوَ عَلَى أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَإِنْ قَالَ: بِضْعَ عَشَرَةَ يَوْمًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ لِأَنَّ الْبِضْعَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى تِسْعَةٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّهَا قَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَى أَيَّامِ أُسْبُوعٍ) وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الشُّهُورَ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْجُمَعَ أَوْ السِّنِينَ فَهُوَ عَلَى عَشْرِ جُمَعٍ وَعَشْرِ سِنِينَ فَصَاعِدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَى جَمِيعِ الْعُمُرِ وَإِنْ قَالَ لَا أُكَلِّمُهُ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَالَ جُمَعًا فَهُوَ ثَلَاثُ جُمَعٍ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْجُمَعَ أَوْ جُمَعًا فَلَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَكَذَا إذَا نَذَرَ صَوْمَ الْجُمَعِ لَمْ يَلْزَمْهُ صَوْمُ مَا بَيْنَهَا قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الشُّهُورَ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك مَا دَامَ أَبَوَاك حَيَّيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ كَلَّمَهَا لَا يَحْنَثُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَكَلَّمَهُ الرَّسُولُ أَوْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ لَا يَحْنَثُ وَالْكَلَامُ يَقَعُ عَلَى النُّطْقِ دُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يُحَدِّثُ فُلَانًا فَهُوَ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا) لِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى النَّفْيِ وَالنَّفْيُ لَا يُتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَحُمِلَ عَلَى التَّأْبِيدِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا فَفَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بَرَّ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيجَادُ الْفِعْلِ وَقَدْ

стр. 580

وَجَدَهُ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوُقُوعِ الْيَأْسِ مِنْهُ وَذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ بِفَوْتِ مَحَلِّ الْفِعْلِ قَوْلُهُ (وَمَنْ) (حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَخَرَجَتْ) وَرَجَعَتْ (ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنِهِ) (حَنِثَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ فِي كُلِّ خُرُوجٍ) فَإِنْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَفِي الْكَرْخِيِّ يُصَدَّقُ دِيَانَةً أَوْ قَضَاءً وَالْحِيلَةُ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ أَنْ يَقُولَ: أَذِنْت لَك بِالْخُرُوجِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَوْ أَذِنْت لَك كُلَّمَا خَرَجْت وَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَسْمَعُ فَخَرَجَتْ بَعْدَ الْإِذْنِ حَنِثَ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ فِي كُلِّ خُرُوجٍ أَوْ يَقُولُ أَذِنْت لَك كُلَّمَا خَرَجْت قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ إلَّا أَنْ آذَنَ لَك فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَخَرَجَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ) وَكَذَا إذَا قَالَ حَتَّى أَرْضَى أَوْ إلَّا أَنْ أَرْضَى فَإِنْ نَوَى الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَالْغَدَاءُ هُوَ الْأَكْلُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الظُّهْرِ وَالْعَشَاءُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَكْلِ الْعَشِيِّ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا فَوَقْتُ الْعَشَاءِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَكْلِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الشِّبَعُ فِي الْعَادَةِ فِي كُلِّ بَلَدٍ فِي غَالِبِ عَادَتِهِمْ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الْحَضَرِ إذَا حَلَفُوا عَلَى تَرْكِ الْغَدَاءِ فَشَرِبُوا اللَّبَنَ لَمْ يَحْنَثُوا لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ الشِّبَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْبَادِيَةِ حَنِثُوا لِأَنَّهُ غَدَاءٌ عِنْدَهُمْ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَأَكَلَ فَاكِهَةً أَوْ تَمْرًا حَتَّى شَبِعَ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَا لَحْمًا بِغَيْرِ خُبْزٍ لِأَنَّ الْغَدَاءَ فِي غَيْرِ الْبَوَادِي لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْخُبْزِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي أَكْلِ الْأُرْزِ وَالْهَرِيسَةِ وَالْفَالُوذَجِ الْحِنْثُ وَعَنْهُ أَيْضًا فِي الْهَرِيسَةِ وَالْحَلْوَى لَا يَحْنَثُ وَغَدَاءُ كُلِّ بَلَدٍ مَا يَتَعَارَفُونَهُ وَيُشْتَرَطُ فِي الْغَدَاءِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الشِّبَعِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَبَّحُ قَالَ مُحَمَّدٌ: التَّصَبُّحُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَيْنَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى الْأَكْبَرِ. (قَوْلُهُ وَالسَّحُورُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) وَفِي الْكَرْخِيِّ مِنْ بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ فَالْإِدَامُ كُلُّ شَيْءٍ يُصْبَغُ بِهِ الْخُبْزُ وَيُؤْكَلُ مَعَهُ مُخْتَلِطًا بِهِ كَاللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالْمَرَقِ وَالْعَسَلِ. وَأَمَّا مَا لَا يُصْبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِإِدَامٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِثْلُ الشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَيْضِ وَاللَّحْمِ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ إدَامٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ وَالْمِلْحُ إدَامٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِانْفِرَادِهِ بِخِلَافِ اللَّحْمِ وَمَا يُضَاهِيهِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَإِنْ ثُرِدَ خُبْزٌ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ لَمْ يَكُنْ إدَامًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعُرْفِ وَأَمَّا السَّمْنُ فَذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِدَامٍ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ إدَامٌ وَالْفَاكِهَةُ لَيْسَتْ بِإِدَامٍ إجْمَاعًا وَالْبَقْلُ وَالْبِطِّيخُ وَالْعِنَبُ لَيْسَ بِإِدَامٍ وَالتَّمْرُ وَالْجَوْزُ لَيْسَ بِإِدَامٍ لِأَنَّ التَّمْرَ يُفْرَدُ بِالْأَكْلِ فِي الْغَالِبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّمْرَ إدَامٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «أَخَذَ لُقْمَةً بِيَدِهِ وَتَمْرَةً بِيَدِهِ الْأُخْرَى وَقَالَ: هَذِهِ إدَامٌ» هَذِهِ كَذَا فِي الْكَرْخِيِّ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي وَجْهٍ يَحْنَثُ إجْمَاعًا وَهُوَ مَا إذَا أَكَلَ الْمِشْمِشَ أَوْ الْفِرْسِكَ أَوْ السَّفَرْجَلَ أَوْ الْإِجَّاصَ أَوْ التِّينَ أَوْ الْبِطِّيخَ أَوْ نَحْوَهَا وَكَذَا قَصَبُ السُّكَّرِ وَفِي وَجْهٍ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ مَا إذَا أَكَلَ الْقِثَّاءَ أَوْ الْخِيَارَ أَوْ الْجَزَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِي وَجْهٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ الرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ وَالْعِنَبُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحْنَثُ بِهِ لِأَنَّ الْفَاكِهَةَ عِنْدَهُ مَا يَقْصِدُ بِأَكْلِهِ التَّفَكُّهَ دُونَ الشِّبَعِ وَالرُّطَبُ يُؤْكَلُ لِلشِّبَعِ وَالرُّمَّانُ لَا يُقْصَدُ أَكْلُهُ وَإِنَّمَا يُمَصُّ. وَكَذَا الْعِنَبُ وَعِنْدَهُمَا كُلُّ ذَلِكَ فَاكِهَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَعَزِّ الْفَوَاكِهِ وَالتَّنَعُّمُ بِهِ يَفُوقُ التَّنَعُّمَ بِغَيْرِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] فَعَطَفَهُمَا عَلَى الْفَاكِهَةِ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ثُمَّ قَالَ وَفَاكِهَةً فَعَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ نَوَى بَدَلَهُ لَا آكُلُ فَاكِهَةَ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ حَنِثَ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْحَلْوَى فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حُلْوٍ لَيْسَ فِي جِنْسِهِ حَامِضٌ كَالْخَبِيصِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ فَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا حُلْوًا أَوْ رُمَّانًا حُلْوًا أَوْ بِطِّيخًا

стр. 581

لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ فِي جِنْسِ الْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ حَامِضٌ وَكَذَا الزَّبِيبُ لَيْسَ مِنْ الْحَلْوَى لِأَنَّهُ فِي جِنْسِهِ حَامِضٌ فَإِنْ أَكَلَ تِينًا أَوْ رُطَبًا فَعَنْ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جِنْسِهِ حَامِضٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَلَاوَةً فَهُوَ مِثْلُ الْحَلْوَى أَوْ إنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ خَاتَمًا مِنْ الْفِضَّةِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ لَيْسَ بِحُلِيٍّ حَتَّى أُبِيحَ لِلرِّجَالِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الذَّهَبِ حَنِثَ لِأَنَّهُ حُلِيٌّ حَتَّى لَا يُبَاحَ لِلرِّجَالِ وَإِنْ لَبِسَ عُقَدَ لُؤْلُؤٍ غَيْرَ مُرَصَّعٍ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَحْنَثُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ حُلِيٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] قَوْلُهُ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ إلَى قَرِيبٍ فَهُوَ دُونَ الشَّهْرِ) هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَمَّا إذَا كَانَتْ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الظَّاهِرُ وَكَذَا لَأَقْضِيَنَّكَ عَاجِلًا وَلَوْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ حَقَّهُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ فَلَهُ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى آخِرِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ نِصْفُهُ فَإِنْ مَضَى نِصْفُهُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ حَنِثَ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ إلَى بَعِيدٍ فَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ الشَّهْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ يُعَدُّ قَرِيبًا قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرَجَ مِنْهَا بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ فِيهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنًا بِبَقَاءِ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ فِيهَا عُرْفًا وَمَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ فِي بَلَدٍ فَخَرَجَ مِنْهُ وَتَرَكَ أَهْلَهُ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ بِالْبَصْرَةِ أَنَّهُ سَاكِنٌ فِي الْكُوفَةِ بِخِلَافِ الدَّارِ قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّهُ لَا يَبَرَّ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهَا بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ الَّذِينَ مَعَهُ وَمَتَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَمْ يَأْخُذْ فِي النُّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ وَهُوَ يُمْكِنُهُ حَنِثَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ كُلِّ الْمَتَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى لَوْ بَقِيَ فِيهَا وَتَدٌ حَنِثَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعْتَبَرُ نَقْلُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّ نَقْلَ الْكُلِّ قَدْ يَتَعَذَّرُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُعْتَبَرُ نَقْلُ مَا يَقُومُ بِهِ كَتْخُدَا بَيْتِهِ أَيْ أَثَاثُ بَيْتِهِ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى وَهَذَا أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بِلَا تَأَخُّرٍ حَتَّى يَبَرَّ فَإِنْ تَنَقَّلَ إلَى السِّكَّةِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ قَالُوا: لَا يَبَرُّ فَإِنْ كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ الِانْتِقَالَ مَعَهُ فَخَرَجَ هُوَ وَلَمْ يَعُدْ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَا إذَا وَجَدَ الْبَيْتَ مَغْلُوقًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ فَخَرَجَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَحْنَث وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ حَتَّى يُصْبِحَ أَوْ كَانَتْ أَمْتِعَتُهُ كَثِيرَةً فَخَرَجَ وَهُوَ يَنْقُلُهَا بِنَفْسِهِ وَيُمْكِنُهُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ وَالْحَمَّالِينَ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَا إذَا خَرَجَ لِدَابَّةٍ يَطْلُبُهَا لِيَنْقُلَ عَلَيْهَا الْمَتَاعَ لَمْ يَحْنَثْ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَحَنِثَ عَقِيبَهَا) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً وَلَنَا أَنَّ الْبِرَّ مُتَصَوَّرٌ حَقِيقَةً لِأَنَّ الصُّعُودَ إلَى السَّمَاءِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَقَدْ صَعِدَتْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ ﵈ وَإِنَّمَا يَنْقُصُ قُدْرَةُ غَيْرِهِمْ وَهَذَا إذَا أَطْلَقَ الْيَمِينَ أَمَّا إذَا وَقَّتَهَا لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ الْوَقْتُ كَمَا إذَا قَالَ: لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ الْيَوْمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُتَرَقَّبْ فِي الْيَمِينِ بِرٌّ حَنِثَ فِي الْحَالِ وَلَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَاءٌ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ لَا مَوْجُودٌ وَلَا مُتَوَهَّمٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مُتَوَهَّمٌ وُجُودُهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ قَادِرٍ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ السَّمَاءَ فِي كُلِّ وَقْتٍ إنَّمَا يَنْقُصُ قُدْرَةُ غَيْرِهِمْ فَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُتَوَهَّمًا وُجُودُهَا انْعَقَدَتْ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ يُؤَكِّدُ شَرْطَ الْحِنْثِ هَذَا إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ أَمَّا إذَا قَالَ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَلَا مَاءَ فِيهِ فَهُمْ كَذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَهُمْ لَا يَحْنَثُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُؤَقَّتَةَ إذَا لَمْ يَتَرَقَّبْ لَهَا بِرٌّ مُنْعَقِدَةٌ فِي الْحَالِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ السَّاعَةَ وَلَا مَاءَ فِيهِ فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ هَذَا كُلُّهُ إذَا حَلَفَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ أَمَّا إذَا قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَفِيهِ مَاءٌ فَانْصَبَّ حَنِثَ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنَاوَلَتْ مَعْقُودًا عَلَيْهِ مَوْجُودًا فَإِذَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ثُمَّ عُدِمَ شَرْطُ الْبِرِّ فَحَنِثَ فَإِنْ وَقَّتَ فَقَالَ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ وَفِيهِ مَاءٌ فَانْصَبَّ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِأَنَّ الْمُؤَقَّتَةَ يَتَعَلَّقُ انْعِقَادُهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْغُرُوبِ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي

стр. 582

فِي هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَحْنَثُ عِنْدَ الْغُرُوبِ وَأَمَّا لَوْ انْصَبَّ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَحْنَثُ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ بِالِاتِّفَاقِ ثُمَّ عُدِمَ شَرْطُ الْبِرِّ فَحَنِثَ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَقَضَاهُ ثُمَّ وَجَدَ فُلَانٌ بَعْضَهُ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةَ أَوْ مُسْتَحَقَّةً لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الزِّيَافَةَ عَيْبٌ وَالْعَيْبُ لَا يُعْدِمُ الْجِنْسَ وَلِهَذَا لَوْ تَجَوَّزَ بِهَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا وَقَبْضُ الْمُسْتَحَقَّةِ صَحِيحٌ وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهَا الْبِرُّ الْمُتَحَقِّقُ، الزُّيُوفُ مَا رَدَّهُ بَيْتُ الْمَالِ وَهِيَ دَرَاهِمُ فِيهَا غِشٌّ وَالنَّبَهْرَجَةُ مَا ضُرِبَ فِي غَيْرِ دَارِ الضَّرْبِ قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَدَهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا حَنِثَ) لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ، السَّتُّوقَةُ صُفْرٌ مُمَوَّهٌ بِالْفِضَّةِ وَهِيَ الْمُشَبَّهَةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَإِنْ بَاعَهُ بِدَيْنِهِ عَبْدًا وَقَبَضَهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ طَرِيقُهُ الْمُقَاصَّةُ وَقَدْ تَحَقَّقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ وَإِنْ وَهَبَ لَهُ الدَّيْنَ لَمْ يَبَرَّ لِعَدَمِ الْمُقَاصَّةِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُهُ وَالْهِبَةُ إسْقَاطٌ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْبِرِّ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَقَبَضَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقْبِضَ جَمِيعَهُ مُتَفَرِّقًا) لِأَنَّ الشَّرْطَ قَبْضُ الْكُلِّ لَكِنَّهُ بِوَصْفِ التَّفْرِيقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَضَافَ الْقَبْضَ إلَى دَيْنٍ مَعْرُوفٍ مُضَافٍ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِهِ وَلِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى جَمِيعِ دَيْنِهِ أَنْ لَا يَقْبِضَهُ مُتَفَرِّقًا فَإِنْ أَخَذَ بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ آخِذًا لِجَمِيعِهِ مُتَفَرِّقًا فَلَا يَحْنَثُ وَإِنْ أَخَذَ بَقِيَّتَهُ وَقَدْ كَانَ أَخَذَ بَعْضَهُ مُتَفَرِّقًا حَنِثَ لِأَنَّهُ عَدِمَ شَرْطَ الْبِرِّ وَلَوْ كَانَ قَالَ: إنْ قَبَضْت مِنْهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَضَ بَعْضَهُ وَمَضَى حَنِثَ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذْت بَعْضَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ وَقَدْ فَعَلَ حَنِثَ مُتَفَرِّقًا لِأَنَّهُ عَدِمَ شَرْطَ الْبِرِّ وَإِنْ قَالَ: إنْ قَبَضْت الْيَوْمَ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَعْضَهُ وَأَخَذَ الْبَاقِيَ فِي آخِرِ النَّهَارِ حَنِثَ لِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مُتَفَرِّقًا فِي الْيَوْمِ وَقَدْ أَخَذَهُ فَحَنِثَ وَلَوْ جَعَلَ يَزِنُهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ مُتَفَرِّقًا لِأَنَّهُ هَكَذَا تُسْتَوْفَى الدُّيُونُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مَالَهُ عَلَيْهِ فَهَرَبَ أَوْ غَالَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ مِنْهُ أَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ يَمِينَهُ وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مُفَارَقَتُهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قَالَ: لَا يُفَارِقُنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حَقِّي فَوَجَدَ ذَلِكَ مِنْهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ فَحَنِثَ كَذَا فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ قَبَضَ دَيْنَهُ فِي وَزْنَيْنِ لَمْ يَتَشَاغَلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِعَمَلِ الْوَزْنِ لَمْ يَحْنَثْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَفْرِيقٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ قَبْضُ الْكُلِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيَصِيرُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَلِأَنَّ الدُّيُونَ هَكَذَا تُقْبَضُ قَوْلُهُ (وَمَنْ حَلَفَ لَيَأْتِيَنَّ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَأْتِهَا حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ) لِأَنَّ الْبِرَّ قَبْلَ ذَلِكَ مَرْجُوٌّ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: حَتَّى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْفَارِّ وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ لَمْ يَتَعَذَّرْ بِمَوْتِهَا قَالَ فِي الْكَرْخِيِّ: إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَأْتِ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهَا لَمْ تَطْلُقْ وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَ الزَّوْجِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهَا وَلَمْ يَرِثْ الزَّوْجُ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [كِتَابُ الدَّعْوَى] (كِتَابُ الدَّعْوَى) جَمْعُهَا دَعَاوَى وَالدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ قَوْلٌ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلٍ

стр. 583

لَا حُجَّةَ لِمُدَّعِيهِ عَلَى دَعْوَاهُ حَتَّى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ حُجَّةٌ يُسَمَّى مُحِقًّا لَا مُدَّعِيًا وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُسَيْلِمَةَ مُدَّعٍ لِلنُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ مَعَهُ وَلَا يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُدَّعٍ لِلنُّبُوَّةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ وَكَذَا الْحَاكِمُ إذَا قَامَتْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ لَا يُقَالُ لِلطَّالِبِ أَنَّهُ مُدَّعٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ إقَامَتِهَا وَيُقَالُ: كُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مُدَّعٍ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ مَا فِي يَدِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مُنْكِرٌ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ شَاهِدٌ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ مَا فِي يَدِ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مُقِرٌّ قَالَ ﵀ (الْمُدَّعِي مَنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا تَرَكَهَا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُجْبَرُ عَلَيْهَا إذَا تَرَكَهَا) وَيُقَالُ الْمُدَّعِي هُوَ كُلُّ مَنْ ادَّعَى بَاطِنًا لِيُزِيلَ بِهِ ظَاهِرًا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ مَنْ ادَّعَى ظَاهِرًا وَقَرَّرَ الشَّيْءَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيُسَمَّى الْمُنْكِرُ قَوْلُهُ (وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى حَتَّى يُذَاكِرَ شَيْئًا مَعْلُومًا فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ) فَجِنْسُهُ أَنْ يَقُولَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَقَدْرُهُ أَنْ يَقُولَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ كَانَ مَجْهُولًا وَالْمَجْهُولُ لَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ نَكَلَ الْخَصْمُ فِيهِ عَنْ الْيَمِينِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كُلِّفَ إحْضَارُهَا لِيُشِيرَ إلَيْهَا بِالدَّعْوَى) وَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ وَالِاسْتِحْلَافِ حَتَّى يَقُولَ الشَّاهِدُ: إنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ حَقُّهُ وَكَذَا فِي الِاسْتِحْلَافِ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ شَرْطٌ وَذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ فِي الْمَنْقُولِ لِأَنَّ النَّقْلَ مُمْكِنٌ وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ذَكَرَ قِيمَتَهَا) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُعْرَفُ بِالْوَصْفِ وَقَدْ تَتَعَذَّرُ مُشَاهَدَةُ الْعَيْنِ وَيُشْتَرَطُ مَعَ بَيَانِ الْقِيمَةِ ذِكْرُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ قَوْلُهُ (وَإِذَا ادَّعَى عَقَارًا حَدَّدَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي يَدِهِ أَوْ مَحْبُوسًا بِالثَّمَنِ فِي يَدِهِ وَبِالْمُطَالَبَةِ يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَيَذْكُرُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ وَيَذْكُرُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ الْحُدُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا يُكْتَفَى بِذِكْرِهِ فَإِنْ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ يُكْتَفَى بِهِ عِنْدَنَا لِوُجُودِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَكَمَا يُشْتَرَطُ التَّحْدِيدُ فِي الدَّعْوَى يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الذِّمَّةِ ذَكَرَ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِهِ) لِأَنَّ صَاحِبَ الذِّمَّةِ قَدْ حَضَرَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُطَالَبَةُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ بِالْوَصْفِ لِيُعْرَفَ بِهِ قَوْلُهُ (فَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا قَضَى عَلَيْهِ

стр. 584

بِهَا) فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ فَهُوَ مُنْكِرٌ عِنْدَهُمَا فَيُسْتَحْلَفُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ فَلَا يُسْتَحْلَفُ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ فَيَقْضِيَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْكِرَ فَيُسْتَحْلَفُ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُنْكِرِ صَرِيحًا قَوْلُهُ (وَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمُنْكِرُ إذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ قَوْلُهُ (فَإِنْ أَحْضَرَهَا قَضَى بِهَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينُ خَصْمِهِ اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهَا) وَلَا يَسْتَحْلِفُهُ إلَّا بِمُطَالَبَتِهِ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ حَقُّهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ تَأْخِيرَ الْيَمِينِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْبَيِّنَةِ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا يَرَى سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ فَلِذَلِكَ وَقَفَتْ الْيَمِينُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ ثُمَّ إذَا قَطَعَ الْقَاضِي الْخُصُومَةَ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ذَلِكَ قُبِلَتْ فَإِذَا قُبِلَتْ هَلْ يَظْهَرُ كَذِبُهُ أَمْ لَا فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَظْهَرُ وَالْفَتْوَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْمَالَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَحَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَا يَظْهَرُ كَذِبُهُ بِالْبَيِّنَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ وَجَدَ الْقَرْضَ ثُمَّ الْإِبْرَاءَ وَفِي الْجَامِعِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ فُلَانًا أَقْرَضَهُ أَلْفًا قَبْلَ الْيَمِينِ فَقَضَى الْقَاضِي بِالْمَالِ لَا يَحْنَثُ لِجَوَازِ أَنَّهُ وَجَدَ الْقَرْضَ ثُمَّ الْإِبْرَاءَ وَلَوْ شَهِدَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفًا وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ يَحْنَثُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَطَلَبَ الْيَمِينَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَ الْمِصْرِ يُسْتَحْلَفُ إجْمَاعًا وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ فَحَلَّفَهُ فَإِنْ حَلَفَ ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ حَلَّفَهُ إجْمَاعًا فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ بَعْدَمَا حَلَفَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي عَلَى دَعْوَايَ فَحَلَّفَهُ الْحَاكِمُ ثُمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ ذَكَرَ الْخُجَنْدِيُّ أَنَّهَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: لَا تُقْبَلُ وَفِي شَرْحِهِ تُقْبَلُ وَلَوْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي وَكُلُّ بَيِّنَةٍ لِي فَهِيَ زُورٌ بُهْتَانٌ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ بِإِقْرَارِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُمَا يَقُولَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ قَدْ نَسِيَهَا أَوْ تَكُونَ لَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ أَقَرَّ عِنْدَ رَجُلَيْنِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُدَّعِي ثُمَّ عَلِمَ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ مَا سَبَقَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ (لَا يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ لَنَا قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَوْلُهُ (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) الْمُطْلَقُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هَذَا مِلْكُهُ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْته أَوْ وَرِثْته لَا يَكُونُ دَعْوَى مِلْكٍ مُطْلَقٍ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْضِي بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ لِاعْتِضَادِهَا بِالْيَدِ فَيَقْوَى الظُّهُورُ وَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ لَا تُفِيدُنَا أَكْثَرُ مِمَّا تُفِيدُنَا يَدُهُ فَلَا مَعْنَى لِسَمَاعِهَا وَلِأَنَّ يَدَهُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى الْمِلْكِ فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَإِظْهَارًا قَوْلُهُ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَزِمَهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بَلْ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِذَا حَلَفَ قَضَى عَلَيْهِ بِهِ ثُمَّ النُّكُولُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ وَحُكْمًا بِأَنْ يَسْكُتَ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَخْرَسَ وَلَا أَصَمَّ ثُمَّ النُّكُولُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَذْلِ وَعِنْدَهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ النُّكُولَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ وَالْوَكِيلِ وَهَؤُلَاءِ لَا يَصِحُّ بَذْلُهُمْ فَلَوْ كَانَ بَذْلًا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِقْرَارِ وَلَهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا كَانَ بَرِيئًا فِي الظَّاهِرِ مِنْ الدَّعْوَى جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ بَيْنَ

стр. 585

إسْقَاطِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ أَوْ بِالْتِزَامِ الْحَقِّ وَبَدَلِهِ فَلَمَّا اخْتَارَ إحْدَاهُمَا كَانَ بَاذِلًا لِمَا اخْتَارَهُ وَلِأَنَّ الْوَاهِبَ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَهَبَ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَهَبَ فَإِذَا وَهَبَ كَانَ بَاذِلًا لِمَا وَهَبَ وَلَا كَذَلِكَ الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: إنِّي أَعْرِضُ عَلَيْك الْيَمِينَ ثَلَاثًا فَإِنْ حَلَفْت وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك بِمَا ادَّعَاهُ فَإِذَا كَرَّرَ عَلَيْهِ الْعَرْضَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) هَذَا احْتِيَاطٌ فَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ بَعْدَ الْعَرْضِ مَرَّةً وَاحِدَةً جَازَ وَصُورَةُ الْعَرْضِ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي: احْلِفْ بِاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْك هَذَا الْمَالُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى يَقُولُ لَهُ: بَقِيَتْ الثَّالِثَةُ فَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ قَضَيْت عَلَيْك بِالنُّكُولِ فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ قَالُوا: فَإِذَا حَلَفَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ قَضَى بِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ أَحَقُّ أَنْ تُرَدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى نِكَاحًا لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْمُنْكِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ النُّكُولَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْلِ وَالنِّكَاحُ لَا يَصِحُّ بَذْلُهُ وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ فَلِهَذَا لَمْ يُسْتَحْلَفْ فِيهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِلْقَاضِي: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لِأَنَّ هَذَا زَوْجِي وَقَدْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ فَلْيُطَلِّقْنِي لِأَتَزَوَّجَ وَالزَّوْجُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِأَنَّهُ بِالطَّلَاقِ يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ فَمَاذَا يَصْنَعُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: يَقُولُ الْقَاضِي لِلزَّوْجِ: قُلْ لَهَا إنْ كُنْت امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا النِّكَاحَ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالرِّقِّ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْحُدُودِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ النُّكُولُ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَذْلِ عِنْدَهُ وَهَذَا الْأَشْيَاءُ لَا يَصِحُّ بَذْلُهَا وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إذَا قَالَ لَهَا: بَلَغَك النِّكَاحُ فَسَكَتَ فَقَالَتْ رَدَدْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا. وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ هِيَ النِّكَاحَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ لَمْ يُسْتَحْلَفْ وَصُورَةُ الرَّجْعَةِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ ادَّعَى هُوَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَصُورَةُ الْفَيْءِ ادَّعَى الْمَوْلَى عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ فَاءَ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ أَوْ هِيَ ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصُورَةُ الرِّقِّ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ ادَّعَى الْمَجْهُولُ أَنَّهُ مَوْلَاهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَصُورَةُ الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَقُولَ الْجَارِيَةُ: أَنَا أُمُّ وَلَدٍ لِمَوْلَايَ وَهَذَا ابْنِي مِنْهُ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى أَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا قَدْ مَاتَ وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَأَمَّا الْمَوْلَى إذَا ادَّعَى الِاسْتِيلَادَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يُتَصَوَّرُ الدَّعْوَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا فِي الِاسْتِيلَادِ خَاصَّةً وَصُورَةُ الْوَلَاءِ ادَّعَى مَجْهُولٌ عَلَى مَعْرُوفٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ ادَّعَى الْمَعْرُوفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ وَصُورَتُهُ فِي النَّسَبِ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّهُ وَلَدُهُ بِأَنْ قَالَ: هَذَا ابْنِي وَهُوَ يُنْكِرُ أَوْ يَدَّعِي هُوَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْحُدُودُ فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا إلَّا فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا لِأَجْلِ الْمَالِ وَصُورَتُهُ ادَّعَى عَلَى آخَرَ سَرِقَةً فَأَنْكَرَ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يُقْطَعْ وَيَضْمَنُ الْمَالَ وَكَذَا اللِّعَانُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحُدُودِ وَصُورَتُهُ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا وَأَرَادَتْ اسْتِحْلَافَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِي النِّكَاحِ يَعْنِي إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمَالَ أَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ وَجَبَ الِاسْتِحْلَافُ بِأَنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى كَذَا وَأَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَزِمَهُ نِصْفُ مَهْرِهَا فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا إذَا قَصَدَ الْإِرْثَ وَالنَّفَقَةَ كَذَا فِي الْمُصَفَّى. قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُسْتَحْلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ) وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَنْزِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ عِنْدَهُمَا إقْرَارٌ وَالْإِقْرَارُ يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَكِنَّهُ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ وَأَمَّا دَعْوَى الْقِصَاصِ فَيُسْتَحْلَفُ فِيهَا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اسْتَحْلَفَ فِي الْقَسَامَةِ فَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَامْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ مُسْتَعْظَمَةٌ فَلَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِالنُّكُولِ يَعْنِي إذَا حَلَفَ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَإِنْ نَكَلَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ إذَا نَكَلَ وَقَالَ زُفَرُ يُقْضَى عَلَيْهِ

стр. 586

بِالْقِصَاصِ وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَإِنَّهُ إنْ حَلَفَ فِيهَا بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ اُقْتُصَّ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ يُقْتَصُّ بِالنُّكُولِ فِي الْأَطْرَافِ ... وَفِي النُّفُوسِ الْحُكْمُ بِالْخِلَافِ يُحْبَسُ كَيْ يُقِرَّ أَوْ كَيْ يَقْسِمَا ... وَبِالنُّكُولِ الْمَالُ قَالَا فِيهِمَا قَوْلُهُ (وَإِذَا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ قُضِيَ بِهَا بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إذَا ادَّعَيَا ذَلِكَ مِلْكًا مُطْلَقًا وَلَا تَارِيخَ مَعَهُمَا أَوْ كَانَ تَارِيخُهُمَا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقَ تَارِيخًا فَهِيَ لَهُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُقْضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ الْآخَرُ فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا عِبْرَةَ لِلْوَقْتِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ التَّارِيخِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُقْضَى بِهَا لِلَّذِي لَمْ يُؤَرِّخْ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا قَضَى بِهَا لِلْخَارِجِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَا تَارِيخًا تَارِيخُ صَاحِبِ الْيَدِ أَسْبَقُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى مِنْ الْخَارِجِ قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ لَمْ يُقْضَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ) لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُ الِاشْتِرَاكَ قَوْلُهُ (وَرَجَعَ إلَى تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ لِأَحَدِهِمَا) فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْ أَحَدًا مِنْهُمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا فَإِنْ دَخَلَا بِهَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ فَإِنْ مَاتَا فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: هُوَ الْأَوَّلُ فَلَهَا الْمَهْرُ وَالْمِيرَاثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى تَصْدِيقِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ أَحَدِهِمَا أَسْبَقَ فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَصَاحِبُهَا أَوْلَى قَوْلُهُ (وَإِنْ) (ادَّعَى اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ) مَعْنَاهُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ (وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ) (فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْعَبْدِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَاقِدٌ عَلَى الْجُمْلَةِ وَقَدْ سَلِمَ لَهُ نِصْفُهَا وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ الْبَاقِي فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ هَذَا إذَا لَمْ يُؤَرِّخَا فَإِنْ أَرَّخَا فَأَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا أَوْلَى وَإِنْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ الْآخَرُ قُضِيَ بِهِ لِصَاحِبِ التَّارِيخِ بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَيَا تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَإِنَّهُ هُنَاكَ إذَا أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ الْآخَرُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَضَى بِهِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَا أَخْتَارُ) أَيْ لَا أَخْتَارُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ (لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَهُ) هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَمَّا إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا التَّرْكَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فَلِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ قَوْلُهُ (وَلَوْ ذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَارِيخًا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الشِّرَاءَ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ وَيَرُدُّ الْبَائِعُ عَلَى الثَّانِي الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ

стр. 587

لِأَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَبِيعَ فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا وَمَعَ أَحَدِهِمَا قَبْضٌ فَهُوَ أَوْلَى) مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي يَدِهِ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ قَبْضِهِ دَلِيلٌ عَلَى سَبْقِ شِرَائِهِ فَإِنْ ذَكَرَ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ شِرَاءَهُ كَانَ قَبْلَ شِرَاءِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ لِأَنَّ الصَّرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ قَوْلُهُ (فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شِرَاءً وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا) مَعْنَاهُ مِنْ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ اثْنَيْنِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَتَانِ وَيَتَنَصَّفُ (وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَلَا تَارِيخَ مَعَهُمَا فَالشِّرَاءُ أَوْلَى) لِأَنَّا إذَا لَمْ نَعْلَمْ تَارِيخَهُمَا حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا وَإِذَا حَكَمْنَا بِهِمَا مَعًا قُلْنَا: عَقْدُ الشِّرَاءِ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ وَعَقْدُ الْهِبَةِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِانْضِمَامِ الْقَبْضِ فَسَبَقَ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ الْمِلْكَ فِي الْهِبَةِ فَكَانَ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الشِّرَاءَ وَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ فَهُمَا سَوَاءٌ) هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ: الشِّرَاءُ أَوْلَى مِنْ النِّكَاحِ وَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ الْقِيمَةُ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ تَصْحِيحَ الْبَيِّنَتَانِ مَا أَمْكَنَ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا هُنَا بِأَنْ يُقَالَ: النِّكَاحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَةِ عِوَضٍ فِي صِحَّتِهِ وَالْبَيْعُ لَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْعِوَضِ فِي صِحَّتِهِ فَصَارَ عَقْدُ الْبَيْعِ مُنْعَقِدًا عَلَى الْمُسَمَّى وَالنِّكَاحُ مُنْعَقِدًا عَلَى غَيْرِ الْمُسَمَّى وَتَرْجِعُ الْمَرْأَةُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى الزَّوْجِ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَائِمٌ وَهُوَ النِّكَاحُ وَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ وَالْبَيْعَ يَتَسَاوَيَانِ فِي وُقُوعِ الْمِلْكِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَهُوَ كَالْبَيْعَيْنِ فَعَلَى هَذَا تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ الزَّوْجِ نِصْفَ الْقِيمَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا رَهْنًا وَقَبْضًا وَالْآخَرُ هِبَةً وَقَبْضًا فَالرَّهْنُ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ) يَعْنِي بِغَيْرِ عِوَضٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهَا بَيْعٌ انْتِهَاءً وَالْبَيْعُ أَوْلَى مِنْ الرَّهْنِ وَقَوْلُهُ فَالرَّهْنُ أَوْلَى هَذَا إذَا كَانَتْ دَعْوَاهُمَا مِنْ وَاحِدٍ أَمَّا إذَا كَانَا مِنْ اثْنَيْنِ فَهُمَا سَوَاءٌ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ وَالتَّارِيخِ فَصَاحِبُ التَّارِيخِ الْأَبْعَدِ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَالِكَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَابَّةً أَوْ أَمَةً فَوَافَقَ سِنُّهَا أَحَدَ التَّارِيخَيْنِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ سِنَّ الدَّابَّةِ مُكَذِّبٌ لِأَحَدِهِمَا فَكَانَ مَنْ صَدَّقَهُ أَوْلَى قَوْلُهُ (فَإِنْ) (ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْيَدِ (وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى تَارِيخَيْنِ) (فَالْأَوَّلُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ فِي وَقْتٍ لَا مُنَازَعَةَ لَهُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ آخَرَ وَذَكَرَا تَارِيخًا فَهُمَا سَوَاءٌ) لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمِلْكَ لِبَائِعَيْهِمَا فَيَصِيرَا كَأَنَّهُمَا حَضَرَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ تَارِيخٍ وَقَوْلُهُ وَذَكَرَا تَارِيخًا فَهُمَا سَوَاءٌ يَعْنِي تَارِيخًا وَاحِدًا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ أَوْ أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُؤَرِّخْ الْآخَرُ وَقَوْلُهُ فَهُمَا سَوَاءٌ وَيُخَيَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ شَاءَ أَخَذَ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَإِنْ وَقَّتَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ وَقْتًا وَلَمْ تُؤَقِّتْ الْأُخْرَى قَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِأَنَّ تَوْقِيتَ إحْدَاهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْمِلْكِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَقْدَمَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَاحِدًا لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا أَنَّ الْمِلْكَ لَا يُتَلَقَّى إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَإِذَا أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا تَارِيخًا حَكَمَ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ تَقَدَّمَهُ شِرَاءٌ غَيْرُهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ مُؤَرَّخٍ وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى مِلْكٍ أَقْدَمَ تَارِيخًا كَانَ أَوْلَى) هَذَا عِنْدَهُمْ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَكَأَنَّهُمَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ. (وَإِنْ أَقَامَ

стр. 588

الْخَارِجُ وَصَاحِبُ الْيَدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بَيِّنَةً بِالنِّتَاجِ فَصَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ أَنَّهُ تَتَهَاتَرُ الْبَيِّنَتَانِ وَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ تُقْبَلُ عِنْدَ ابْنِ أَبَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ النَّسْجُ فِي الثِّيَابِ الَّتِي لَا تُنْسَجُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) كَغَزْلِ الْقُطْنِ (وَكُلُّ سَبَبٍ فِي الْمِلْكِ لَا يَتَكَرَّرُ) كَالْأَوَانِي إذَا كُسِرَتْ لَا تَعُودُ وَأَمَّا الَّتِي تَتَكَرَّرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ لِلْخَارِجِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَذَلِكَ مِثْلُ الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ مِنْ الشَّعْرِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَإِنْ أَشْكَلَ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَضَى بِهِ لِلْخَارِجِ وَكُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ وَالزُّجَاجِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النِّتَاجِ وَإِنْ كَانَ حُلِيًّا قَضَى بِهِ لِلْخَارِجِ لِأَنَّ الْحُلِيَّ يُصَاغُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَوْلُهُ (فَإِنْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَصَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى إنْ كَانَتْ أَثْبَتَتْ أَوَّلِيَّةَ الْمِلْكِ فَهَذَا تَلْقَى مِنْهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَارِيخَ مَعَهُمَا تَهَاتَرَتْ الْبَيِّنَتَانِ) أَيْ تَسَاقَطَتَا وَبَطَلَتَا وَتُرِكَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: اقْضِ بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَاجْعَلْ الْخَارِجَ هُوَ الَّذِي اشْتَرَاهُ آخِرًا فَيَكُونُ لَهُ. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُ الْمُدَّعِيَيْنِ شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً فَهُمَا سَوَاءٌ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَرْبَعَةِ كَشَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى قِصَاصًا عَلَى غَيْرِهِ فَجَحَدَ اُسْتُحْلِفَ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَإِنْ نَكَلَ فِي النَّفْسِ حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا) لِأَنَّ النُّكُولَ إقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ وَيَثْبُتُ بِهِ الْأَرْشُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ قِيلَ: لِخَصْمِهِ أَعْطِهِ كَفِيلًا بِنَفْسِك ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا أُمِرَ بِمُلَازَمَتِهِ) كَيْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ وَقَوْلُهُ حَاضِرَةٌ أَيْ فِي الْمِصْرِ حَتَّى لَوْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي أَوْ شُهُودِي غُيَّبٌ لَا يَكْفُلُ وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَامِلِ وَالْوَجِيهِ وَالْحَقِيرِ

стр. 589

مِنْ الْمَالِ وَالْخَطِيرِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لِلتَّكْفِيلِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: يُؤْمَرُ بِإِعْطَاءِ الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمُلَازَمَةِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ أَسْقَطَ الْمُلَازَمَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَقِيَتْ الْمُلَازَمَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا عَلَى الطَّرِيقِ فَيُلَازِمُهُ مِقْدَارَ مَجْلِسِ الْقَاضِي) وَكَذَا لَا يَكْفُلُ إلَّا إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمَا أَيْ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ وَالْمُلَازَمَةِ لِأَنَّ فِي الْمُلَازَمَةِ وَأَخْذِ الْكَفِيلِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةَ ضَرَرٍ بِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ السَّفَرِ وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ وَقَوْلُهُ بِمُلَازَمَتِهِ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِمُلَازَمَةِ الْمَنْعِ مِنْ الذَّهَابِ لَكِنْ يَذْهَبُ الطَّالِبُ مَعَهُ وَيَدُورُ مَعَهُ أَيْنَمَا دَارَ فَإِذَا انْتَهَى إلَى بَابِ دَارِهِ وَأَرَادَ الدُّخُولَ يَسْتَأْذِنُهُ الطَّالِبُ فِي الدُّخُولِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ دَخَلَ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ يَحْبِسُهُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ ثُمَّ إذَا لَازَمَ الْمُدَّعِي غَرِيمَهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ بِغُلَامِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُلَازِمُهُ بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَرْضَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَصْمُ وَحْدَهُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى قَوْلُهُ (فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي أَوْ غَصَبْته مِنْهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي) وَكَذَا إذَا قَالَ أَعَارَنِيهِ أَوْ آجَرَنِيهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً لِأَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ خُصُومَةٍ وَلَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُصُومَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ إلَّا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً انْدَفَعَتْ الْخُصُومَةُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ قَدْ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى مُسَافِرٍ يُودِعُهُ إيَّاهُ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَحْتَالُ لِإِبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ فَإِذَا اتَّهَمَهُ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُ مَالَ إنْسَانٍ وَيَدْفَعُهُ فِي السِّرِّ إلَى مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُودِعَهُ إيَّاهُ عَلَانِيَةً وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ حَتَّى إذَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ يُقِيمُ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُودَعُ فُلَانٍ الْغَائِبِ لِيَدْفَعَ الْخُصُومَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا اتَّهَمَهُ الْقَاضِي لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَمَّا إذَا كَانَ عَدْلًا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا كَانَ يَدَّعِي الْفِعْلَ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ كَمَا إذَا قَالَ: غَصَبْت مِنِّي هَذَا الشَّيْءَ أَوْ سَرَقْته فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَدْفَعُ الْخُصُومَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْوَدِيعَةِ وَإِنْ قَالَ: غُصِبَ مِنِّي عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ انْدَفَعَتْ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: ابْتَعْته مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ فَهُوَ خَصِيمٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ مِلْكٍ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ خَصْمًا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: سُرِقَ مِنِّي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ: أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَنْدَفِعْ الْخُصُومَةُ) هَذَا قَوْلُهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تَنْدَفِعُ لِأَنَّهُ يَدَّعِ الْفِعْلَ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: غُصِبَ مِنِّي عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ ذِكْرَ الْفِعْلِ يَسْتَدْعِي الْفَاعِلَ لَا مَحَالَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي يَدِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ دَرْءًا لِلْحَدِّ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَإِقَامَةً لِحِسْبَةِ السَّتْرِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: سَرَقْت بِخِلَافِ الْغَصْبِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْ كَشْفِهِ قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ) (الْمُدَّعِي: ابْتَعْته مِنْ فُلَانٍ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ (وَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ: أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ) (سَقَطَتْ الْخُصُومَةُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا عَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ وُصُولُهَا إلَى ذِي الْيَدِ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ تَكُنْ يَدُهُ يَدَ خُصُومَةٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِقَبْضِهِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهَا قَوْلُهُ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ

стр. 590

تَعَالَى دُونَ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرْ» قَوْلُهُ (وَيُؤَكَّدُ بِذِكْرِ أَوْصَافِهِ) يَعْنِي بِدُونِ حَرْفِ الْعَطْفِ مِثْلُ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ مَا لِفُلَانٍ عَلَيْك وَلَا قِبَلَك هَذَا الْمَالُ الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْءَ مِنْهُ وَأَمَّا بِحَرْفِ الْعَطْفِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ كَانَ أَيْمَانًا ثَلَاثًا وَإِنْ شَاءَ الْقَاضِي لَمْ يُغَلِّظْ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ وَقِيلَ: لَا يُغَلِّظُ عَلَى الْمَعْرُوفِ بِالصَّلَاحِ وَيُغَلِّظُ عَلَى غَيْرِهِ وَقِيلَ: يُغَلِّظُ فِي الْخَطِيرِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الْحَقِيرِ مِنْ الْمَالِ قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ) وَقِيلَ: فِي زَمَانِنَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ سَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَهُ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مُبَالَاةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَكَثْرَةِ الِامْتِنَاعِ بِسَبَبِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ نَكَلَ لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: الشَّاهِدُ كَاذِبٌ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعِي مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ لَا يُحَلِّفُهُ وَكَذَا لَا يَحْلِفُ الشَّاهِدُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِإِكْرَامِ الشُّهُودِ وَلَيْسَ مِنْ إكْرَامِهِمْ اسْتِحْلَافُهُمْ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحْلَفُ الْيَهُودِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَالنَّصْرَانِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى وَالْمَجُوسِيُّ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّارَ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحْلَفُ أَحَدٌ إلَّا بِاَللَّهِ خَاصَّةً وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ غَيْرُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إلَّا بِاَللَّهِ لِأَنَّ ذِكْرَ النَّارِ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ بِخِلَافِ الْكِتَابَيْنِ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ مُعَظَّمَةٌ وَيُسْتَحْلَفُ الْوَثَنِيُّ بِاَللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْوَثَنَ قَوْلُهُ (وَلَا يَحْلِفُونَ فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَحْضُرَهَا قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ هَذَا عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَجَحَدَهُ اُسْتُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا بَيْعٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْت) لِأَنَّهُ قَدْ يُبَاعُ الشَّيْءُ ثُمَّ يُقَالُ فِيهِ أَوْ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ قَوْلُهُ (وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْغَصْبِ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْك رَدَّ هَذِهِ الْعَيْنِ وَلَا رَدَّ قِيمَتَهَا وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا غَصَبْت) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَصَبَهُ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَكَذَا دَعْوَى الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ لَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا أَوْدَعَك وَلَا أَعَارَك وَلَكِنْ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْك رَدَّ هَذِهِ الْعَيْنِ وَلَا رَدَّ قِيمَتِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقِيمَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُودَعِ وَالْمُسْتَعِيرِ بِتَعَدٍّ مِنْهُمَا قَوْلُهُ (وَفِي النِّكَاحِ بِاَللَّهِ مَا بَيْنَكُمَا نِكَاحٌ قَائِمٌ فِي الْحَالِ) هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ وَإِنَّمَا اُسْتُحْلِفَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَبَانَتْ مِنْهُ أَوْ خَالَعَهَا فَإِذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ يَقُولُ: فَرَّقْت بَيْنَكُمَا كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ امْرَأَتُك فَهِيَ طَالِقٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ التَّرْكِ وَقَضَاءِ الْإِلْزَامِ أَنَّ فِي قَضَاءِ الْإِلْزَامِ إذَا ادَّعَى ثَالِثٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إلَّا بِالتَّلَقِّي مِنْهُ بِخِلَافِ قَضَاءِ التَّرْكِ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِدُونِ التَّلَقِّي مِنْهُ فَإِذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ يَقُولُ: فَرَّقْت بَيْنَكُمَا هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقُولُ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ امْرَأَتَك فَهِيَ طَالِقٌ فَيَقُولُ الزَّوْجُ: نَعَمْ وَالْحِيلَةُ فِي دَفْعِ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ فَإِنْ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ لَا تُسْتَحْلَفُ لِلْمُدَّعِي كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الشُّهُودِ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَقَامَ

стр. 591

الْبَيِّنَةَ لَا نَفَقَةَ لَهَا أَيْضًا لِأَنَّ إنْكَارَهَا لِلنِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْ النُّشُوزِ قَوْلُهُ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا طَلَّقْتُهَا) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ اسْتَرْجَعَهَا أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ قَوْلُهُ (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ادَّعَاهَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا وَالْآخَرُ نِصْفَهَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلِصَاحِبِ الْجَمِيعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبُعُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ لَا يُزَاحِمُ صَاحِبَ الْجَمِيعِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَانْفَرَدَ بِهِ صَاحِبُ الْجَمِيعِ وَالنِّصْفُ الْبَاقِي اسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِيهِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هِيَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا) لِأَنَّ صَاحِبَ الْجَمِيعِ يَدَّعِي سَهْمَيْنِ وَصَاحِبَ النِّصْفِ يَدَّعِي سَهْمًا فَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَدَّعِيهِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ قَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمَا سَلِمَ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ نِصْفُهَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ) وَهُوَ الَّذِي فِي يَدِ شَرِيكِهِ (وَنِصْفُهَا لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ) وَهُوَ الَّذِي فِي يَدِهِ وَمَعْنَاهُ قَضَاءُ تَرْكٍ لَا قَضَاءُ إلْزَامٍ وَقِيلَ: قَضَاءُ إلْزَامٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا فَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْجَمِيعِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَقُبِلَتْ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ النِّصْفِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ إذْ النِّصْفُ فِي يَدِهِ حَكَمْنَا لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي يَدِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ صَاحِبَ الْجَمِيعِ يَأْخُذُ نِصْفَهَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَالنِّصْفُ الثَّانِي يُتْرَكُ فِي يَدِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى مُدَّعِي الْجَمِيعِ لِأَنَّ مُدَّعِيَ النِّصْفِ أَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِ الدَّارِ وَيَدَّعِي أَنَّ النِّصْفَ الَّذِي فِي يَدِ نَفْسِهِ لَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَى مُدَّعِي الْجَمِيعِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْجَمِيعِ لَا يَدَّعِي ذَلِكَ النِّصْفَ الَّذِي فِي يَدِهِ وَيَحْلِفُ مُدَّعِي النِّصْفِ فَإِذَا حَلَفَ تَرَكَ الدَّارَ فِي أَيْدِيهِمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ نَكَلَ قَضَى لَهُ (مَسْأَلَةٌ) دَارٌ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهُمْ يَدَّعِي جَمِيعَهَا وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَازَعَةِ فَتَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سِتَّةٌ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَطَرِيقُ ذَلِكَ أَنَّا نُسَمِّي مُدَّعِيَ الْكُلِّ الْكَامِلَ وَمُدَّعِيَ الثُّلُثَيْنِ اللَّيْثَ وَمُدَّعِيَ النِّصْفَ النَّصْرَ فَتُجْعَلُ الدَّارُ عَلَى سِتَّةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى الثُّلُثَيْنِ وَالنِّصْفِ فَيَكُونُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ سَهْمَانِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَاللَّيْثِ عَلَى مَا فِي يَدِ نَصْرٍ فَالْكَامِلُ يَدَّعِي كُلَّهُ وَاللَّيْثُ يَدَّعِي نِصْفَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: حَقِّي الثُّلُثَانِ وَبِيَدِي الثُّلُثُ بَقِيَ لِي الثُّلُثُ نِصْفُهُ فِي يَدِ الْكَامِلِ وَنِصْفُهُ فِي يَدِ نَصْرٍ. وَمَخْرَجُ النِّصْفِ اثْنَانِ فَالنِّصْفُ لِلْكَامِلِ بِلَا مُنَازَعَةٍ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ اسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِيهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهُوَ مُنْكَسِرٌ فَاضْرِبْ اثْنَيْنِ فِي سِتَّةٍ يَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ وَيَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَنَصْرٍ عَلَى مَا فِي يَدِ اللَّيْثِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فَالْكَامِلُ يَدَّعِي كُلَّهُ وَنَصْرٌ يَدَّعِي رُبُعَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: حَقِّي النِّصْفُ سِتَّةٌ مَعِي مِنْهُ الثُّلُثُ أَرْبَعَةٌ بَقِيَ السُّدُسُ سَهْمَانِ سَهْمٌ فِي يَدِ اللَّيْثِ وَسَهْمٌ فِي يَدِ الْكَامِلِ فَسَلِمَ ثَلَاثَةٌ لِلْكَامِلِ وَتَنَازَعَا فِي سَهْمٍ فَانْكَسَرَ فَاضْرِبْ اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ يَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ فَيَجْعَلُ فِي يَدِ كُلٍّ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةً ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَاللَّيْثِ عَلَى الثَّمَانِيَةِ الَّتِي فِي يَدِ نَصْرٍ فَأَرْبَعَةٌ سَلِمَتْ لِلْكَامِلِ بِلَا مُنَازَعَةٍ لِأَنَّ اللَّيْثَ لَا يَدَّعِي إلَّا سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ الْكُلِّ بِثَمَانِيَةٍ مِنْهَا فِي يَدِهِ وَأَرْبَعَةٍ فِي يَدِ نَصْرٍ وَأَرْبَعَةٍ فِي يَدِ الْكَامِلِ فَبَقِيَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأُخْرَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمُنَازَعَةِ فَيَحْصُلُ لِلْكَامِلِ سِتَّةٌ وَلِلَّيْثِ سَهْمَانِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَنَصْرٍ عَلَى مَا فِي يَدِ اللَّيْثِ فَنَصْرٌ يَدَّعِي رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ سَهْمَيْنِ فَالسِّتَّةُ سَلِمَتْ لِلْكَامِلِ وَاسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمَا فِي سَهْمَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمٌ فَحَصَلَ لِلْكَامِلِ سَبْعَةٌ وَلِنَصْرٍ سَهْمٌ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى اللَّيْثِ وَنَصْرٍ عَلَى مَا فِي يَدِ الْكَامِلِ فَاللَّيْثُ يَدَّعِي نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ أَرْبَعَةً وَنَصْرٌ يَدَّعِي لِأَرْبَعٍ مَا فِي يَدِهِ سَهْمَيْنِ وَفِي الْمَالِ سِعَةٌ فَأَخَذَ اللَّيْثُ أَرْبَعَةً وَنَصْرٌ سَهْمَيْنِ وَيَبْقَى لِلْكَامِلِ سَهْمَانِ. فَإِذَا حَصَلَ لِلْكَامِلِ مِمَّا فِي يَدِ نَصْرٍ

стр. 592

سِتَّةٌ وَمِمَّا فِي يَدِ اللَّيْثِ سَبْعَةٌ وَمَعَهُ سَهْمَانِ صَارَ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهِيَ خَمْسَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ وَحَصَلَ لِلَّيْثِ مِنْ نَصْرٍ سَهْمَانِ وَمِنْ الْكَامِلِ أَرْبَعَةٌ فَذَلِكَ سِتَّةٌ وَهُوَ رُبُعُ الدَّارِ وَحَصَلَ لِنَصْرٍ مِنْ اللَّيْثِ سَهْمٌ وَمِنْ الْكَامِلِ سَهْمَانِ فَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ ثُمُنُ الدَّارِ وَبِالِاخْتِصَارِ تَكُونُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ فَخَمْسَةُ أَثْمَانِهَا لِلْكَامِلِ وَرُبُعُهَا لِلَّيْثِ وَثُمُنُهَا لِنَصْرٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَلَى قَوْلِهِمَا تَقْسِيمُ الدَّارِ بَيْنَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ فَتَصِحُّ مِنْ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَهْمًا وَوَجْهُهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَاللَّيْثِ عَلَى نَصْرٍ فَالْكَامِلُ يَدَّعِي كُلَّهُ وَاللَّيْثُ نِصْفَهُ وَأَقَلُّ مَالٍ لَهُ نِصْفُ اثْنَانِ فَالْكَامِلُ يَضْرِبُ بِكُلِّهِ سَهْمَيْنِ وَاللَّيْثُ بِنِصْفِ سَهْمٍ وَعَالَتْ إلَى ثَلَاثَةٍ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى الْكَامِلِ وَنَصْرٍ عَلَى اللَّيْثِ فَالْكَامِلُ يَدَّعِي كُلَّهُ وَنَصْرٌ يَدَّعِي رُبُعَهُ وَمَخْرَجُ الرُّبُعِ أَرْبَعَةٌ يَضْرِبُ هَذَا بِرُبُعِهِ وَهَذَا بِكُلِّهِ فَعَالَتْ إلَى خَمْسَةٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ دَعْوَى اللَّيْثِ وَنَصْرٍ عَلَى الْكَامِلِ فَاللَّيْثُ يَدَّعِي نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ وَنَصْرٌ يَدَّعِي رُبُعَهُ وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَيَجْعَلُ مَا فِي يَدِهِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَفِيهِ سَبْعَةٌ فَنِصْفُهُ سَهْمَانِ لِلَّيْثِ وَرُبُعُهُ سَهْمٌ لِنَصْرٍ يَبْقَى الرُّبُعُ لِلْكَامِلِ فَحَصَلَ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسَةٌ وَكُلُّهَا مُتَبَايِنَةٌ فَاضْرِبْ الثَّلَاثَةَ فِي الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ فِي الْخَمْسَةِ يَكُونُ سِتِّينَ وَالدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَاضْرِبْ السِّتِّينَ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُونُ مِائَةً وَثَمَانِينَ يَكُونُ بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتُّونَ فَمَا فِي يَدِ نَصْرٍ ثُلُثُهُ لِلَّيْثِ عِشْرُونَ وَثُلُثَاهُ لِلْكَامِلِ أَرْبَعُونَ وَاَلَّذِي فِي يَدِ اللَّيْثِ خُمُسُهُ لِنَصْرٍ وَهُوَ اثْنَيْ عَشَرَ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْكَامِلِ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ. وَاَلَّذِي فِي يَدِ الْكَامِلِ نِصْفُهُ لِلَّيْثِ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ وَرُبُعُهُ لِنَصْرٍ وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيَبْقَى فِي يَدِهِ الرُّبُعُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَجَمِيعُ مَا حَصَلَ لِلَّيْثِ خَمْسُونَ مَرَّةً عِشْرُونَ وَمَرَّةً ثَلَاثُونَ وَجَمِيعُ مَا حَصَلَ لِنَصْرٍ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مَرَّةً اثْنَا عَشَرَ وَمَرَّةً خَمْسَةَ عَشَرَ وَجَمِيعُ مَا حَصَلَ لِلْكَامِلِ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ مَرَّةً أَرْبَعُونَ وَمَرَّةً ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَبَقِيَ مَا فِي يَدِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِيهِمْ أَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ سَبْعَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ اثْنَانِ وَوَجْهُهُ أَنَّك تَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثَانِ وَنِصْفٌ وَأَقَلُّهُ سِتَّةٌ فَاللَّيْثُ يَدَّعِي أَرْبَعَةً وَنَصْرٌ يَدَّعِي ثَلَاثَةً وَلَا مُنَازَعَةَ لَهُمَا فِي الْبَاقِي وَذَلِكَ سَهْمَانِ فَهُمَا لِلْكَامِلِ وَنَصْرٌ لَا يَدَّعِي إلَّا ثَلَاثَةٌ فَخَلَا عَنْ مُنَازَعَتِهِ سَهْمٌ اسْتَوَتْ فِيهِ مُنَازَعَةُ الْكَامِلِ وَاللَّيْثِ فَيَكُونُ سَهْمٌ بَيْنَهُمَا فَانْكَسَرَ فَضَرَبْنَا اثْنَيْنِ فِي سِتَّةٍ يَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ فَاللَّيْثُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَنَصْرٌ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعَةٌ سَلِمَتْ لِلْكَامِلِ وَسَهْمَانِ بَيْنَ اللَّيْثِ وَالْكَامِلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ وَتَبْقَى سِتَّةٌ اسْتَوَتْ مُنَازَعَتُهُمْ فِيهَا فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمَانِ فَأَصَابَ الْكَامِلُ سَبْعَةً مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ مَرَّةً أَرْبَعَةٌ وَمَرَّةً سَهْمٌ وَمَرَّةً سَهْمَانِ وَأَصَابَ اللَّيْثُ ثَلَاثَةً مَرَّةً سَهْمَانِ وَمَرَّةً سَهْمٌ وَأَصَابَ النَّصْرُ سَهْمَانِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشْرَةَ بِطَرِيقِ الْعَوْلِ لِلْكَامِلِ سِتَّةٌ وَلِلَّيْثِ أَرْبَعَةٌ وَلِنَصْرٍ ثَلَاثَةٌ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْكَامِلَ يَضْرِبُ بِالْكُلِّ وَهُوَ سِتَّةٌ لِأَنَّ الدَّارَ قُسِّمَتْ عَلَى سِتَّةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى الثُّلُثَيْنِ وَالنِّصْفِ فَاللَّيْثُ يَضْرِبُ بِأَرْبَعَةٍ وَهُوَ الثُّلُثَانِ وَالنَّصْرُ بِالنِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَالْكَامِلُ يَضْرِبُ بِسِتَّةٍ فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ مَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ ثَمَنِ الدَّارِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا أَلْفًا فَإِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا أَصَابَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْكَامِلِ سَبْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَلْفٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ وَطَرِيقُهُ أَنْ تُقَسَّمَ الْأَلْفُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ يَخْرُجُ الْقِسْمُ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ فَاضْرِبْ ذَلِكَ فِي سَبْعَةِ نَصْرٍ خَمْسُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَثُلُثٌ وَإِنْ شِئْت قُلْت: سَبْعَةً مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ نِصْفُهَا وَنِصْفُ سُدُسِهَا فَخُذْ تِلْكَ النِّسْبَةَ مِنْ الْأَلْفِ تَجِدْهُ كَذَلِكَ وَعَلَى اللَّيْثِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَوَجْهُهُ أَنَّك تَضْرِبُ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ وَثُلُثًا وَهِيَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْقِسْمِ فِيمَا فِي يَدِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ تَصِحُّ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ وَإِنْ شِئْت قُلْت: بِيَدِهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَهِيَ رُبُعُهَا فَخُذْ تِلْكَ النِّسْبَةَ مِنْ الْأَلْفِ وَعَلَى نَصْرٍ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ وَوَجْهُهُ أَنْ تَضْرِبَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ بِيَدِهِ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ وَثُلُثٍ وَإِنْ شِئْت قُلْت: بِيَدِهِ سُدُسُ اثْنَيْ عَشَرَ فَخُذْ مِنْ الْأَلْفِ سُدُسَهَا تَجِدْهُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا اقْسِمْ الْأَلْفَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ تَصِحُّ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ وَاثْنَا عَشَرَ جُزْءًا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَتَضْرِبُ سِهَامَ الْكَامِلِ وَالنَّصْرِ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَى الْكَامِلِ

стр. 593

أَرْبَعُمِائَةٍ وَوَاحِدٌ وَسِتُّونَ وَسَبْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشْرَةَ وَعَلَى نَصْرٍ نِصْفُهُ مِائَتَانِ وَثَلَاثُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكَذَلِكَ تَضْرِبُ سِهَامَ اللَّيْثِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا يَكُونُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَذَكَرَا تَارِيخًا وَسِنُّ الدَّابَّةِ يُوَافِقُ أَحَدَ التَّارِيخَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ الْحَالَ يَشْهَدُ لَهُ فَيَتَرَجَّحُ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ فِي يَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَأَمَّا إذَا كَانَ سِنُّهَا يُخَالِفُ الْوَقْتَيْنِ بَطَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُ الْفَرِيقَيْنِ وَتُتْرَكُ فِي يَدِ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ كَانَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ سَقَطَ التَّوْقِيتُ وَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا إذَا ادَّعَيَاهَا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مَحْكُومًا بِهَا وَلَيْسَ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَتَسَاوَيَا فِيهَا فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَصَاحِبُ الْيَدِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِبَيِّنَتِهِ وَمَعَهُ الْيَدُ فَهُوَ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا فَالرَّاكِبُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَظْهَرُ وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالْآخَرُ رَدِيفَهُ فَالرَّاكِبُ فِي السَّرْجِ أَوْلَى لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَالِكَ الدَّابَّةِ يَرْكَبُ عَلَى السَّرْجِ وَيُرْدِفُ غَيْرَهُ مَعَهُ فَكَانَ أَوْلَى قَالَ الْخُجَنْدِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ وَأَمَّا إذَا كَانَا جَمِيعًا رَاكِبَيْنِ عَلَى السَّرْجِ فَهُمَا سَوَاءٌ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إذَا تَنَازَعَا بَعِيرًا وَعَلَيْهِ حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا فَصَاحِبُ الْحِمْلِ أَوْلَى) وَكَذَا إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا حِمْلٌ وَلِلْآخَرِ كَوْرٌ مُعَلَّقٌ فَصَاحِبُ الْحِمْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَنَازَعَا قَمِيصًا أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ فَاللَّابِسُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَصَرُّفًا وَلَوْ تَنَازَعَا فِي بِسَاطٍ أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقُعُودَ لَيْسَ بِيَدٍ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ وَكَذَا إذَا كَانَ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ وَطَرَفٌ مِنْهُ فِي يَدِ آخَرَ فَهُمَا سَوَاءٌ قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبَيْعِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَادَّعَى الْبَائِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ اعْتَرَفَ الْبَائِعُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَبِيعِ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ بِهَا وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى) لِأَنَّ مُثْبِتَ الزِّيَادَةِ مُدَّعٍ وَنَافِيَهَا مُنْكِرٌ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ قِيلَ: لِلْمُشْتَرِي إمَّا أَنْ تَرْضَى بِالثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ وَقِيلَ: لِلْبَائِعِ إمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا اسْتَحْلَفَ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى

стр. 594

دَعْوَى الْآخَرِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْآخَرُ مُنْكِرٌ قَوْلُهُ (يَبْتَدِئُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي) هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَشَدُّهُمَا إنْكَارًا لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ أَوَّلًا بِالثَّمَنِ قَوْلُهُ (فَإِذَا حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إذَا طَلَبَا ذَلِكَ أَمَّا بِدُونِ الطَّلَبِ فَلَا يَفْسَخُ قَوْلُهُ (فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى الْآخَرِ) لِأَنَّهُ يُجْعَلُ بَاذِلًا فَلَمْ تَبْقَ دَعْوَاهُ مُعَارِضَةً دَعْوَى الْآخَرِ قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ فِي اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ فَلَا تَحَالُفَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودِ بِهِ قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ تَعَارُضَ الشَّرْطِ وَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الْعَوَارِضِ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الْعَقْدُ مِنْهُ وَالْخِيَارُ مِثْلُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْخِيَارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ افْتَرَقَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْخِيَارِ فِي الْحَالَيْنِ هَذَا كُلُّهُ إذَا اخْتَلَفَا وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِيَدِهِ قَوْلُهُ (فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَلَا تَحَالُفَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ) مَعْنَاهُ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ قَوْلُهُ (مَعَ يَمِينِهِ) يَعْنِي إذَا طَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَلَفَ سَلِمَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا قَالَ الْبَائِعُ قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ) أَيْ يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ بَعْدَ التَّحَالُفِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ هَلَكَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ (إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَتْرُكَ حِصَّةَ الْهَالِكِ) فَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ الْحَيَّ وَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ غَيْرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْحَيِّ وَقِيمَةِ الْهَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) ثُمَّ إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا مَعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْمَهْرِ فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ وَقَالَتْ: بِأَلْفَيْنِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَبَيِّنَةُ الزَّوْجِ تَنْفِي ذَلِكَ فَالْمُثْبِتَةُ أَوْلَى قَوْلُهُ (

стр. 595

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ وَلَكِنْ يُحْكَمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ أَقَلَّ قَضَى بِمَا قَالَ الزَّوْجُ) يَعْنِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِمَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ) أَيْ مَعَ يَمِينِهَا أَيْضًا قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَقَلُّ مِمَّا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ قَضَى لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ قِيمَةُ الْبُضْعِ وَإِنَّمَا سَقَطَ ذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِذَا اخْتَلَفَا فِيهَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لَهُ رَجَعَ إلَى مُوجِبِ الْعَقْدِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مُسْتَنْكَرٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَنْكَرِ قِيلَ: هُوَ أَنْ يَدَّعِيَ مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَنْكَرٌ فِي الشَّرْعِ وَقَالَ الْإِمَامُ خواهر زاده: هُوَ أَنْ يَدَّعِيَ مَهْرًا لَا يَتَزَوَّجُ مِثْلُهَا عَلَيْهِ عَادَةً كَمَا لَوْ ادَّعَى النِّكَاحَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُسْتَنْكَرُ مَا دُونَ نِصْفِ الْمَهْرِ فَإِذَا جَاوَزَ نِصْفَ الْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَرًا (قَوْلُهُ وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا) مَعْنَاهُ اخْتَلَفَا فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ فَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَنْفَعَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ وَأَيُّهُمَا نَكَلَ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الْمُؤَجِّرِ أَوْلَى إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأُجْرَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَنَافِعِ فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِيهَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْفَضْلِ نَحْوَ أَنْ يَدَّعِيَ هَذَا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ وَالْمُسْتَأْجِرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشَرَةٍ قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَالَفَا وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ فِيمَا بَقِيَ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِي قَوْلَ الْمُسْتَأْجِرِ) مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ فِيهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَيَصِيرُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُكَاتَبُ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) فَإِذَا لَمْ يَتَحَالَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ مَعَ يَمِينِهِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَتَحَالَفَانِ) ثُمَّ تُفْسَخُ الْكِتَابَةُ قَوْلُهُ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ) كَالْعِمَامَةِ وَالْخُفِّ وَالْكُتُبِ وَالْقَوْسِ وَالْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ قَوْلُهُ (وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ) كَالْوِقَايَةِ وَالْخَلْخَالِ وَالدُّمْلُجِ وَالْخَرَزِ وَثِيَابِ الْحَرِيرِ قَوْلُهُ (وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ) كَالسَّرِيرِ وَالْحَصِيرِ وَالْآنِيَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ

стр. 596

الرَّجُلَ يَتَوَلَّى آلَةَ الْبَيْتِ وَيَشْتَرِيَهَا فَكَانَ أَظْهَرَ يَدًا مِنْهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ. (قَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهَا) لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا وَالْبَاقِي لِلرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ مِنْ بَيْتِ أَهْلِهَا ثُمَّ فِيمَا عَدَاهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ لِظَاهِرِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ لِقِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَا حُرَّيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَمْلُوكًا فَالْمَتَاعُ لِلْحُرِّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ يَدَهُ أَقْوَى وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ فَخَلَتْ يَدُ الْحَيِّ عَنْ الْمُعَارِضِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْمُكَاتَبُ وَالْمَأْذُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي الْخُصُومَاتِ قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ زَوْجَانِ مَأْذُونٌ وَحُرٌّ خُصَمَا ... وَفِي مَتَاعِ الْبَيْتِ قَدْ تَكَلَّمَا فَذَاكَ لِلْحُرِّ وَقَالَا لَهُمَا قَوْلُهُ (وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ بَاعَهَا فَهُوَ ابْنُ الْبَائِعِ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهِ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَقَالَ زُفَرُ: دَعْوَتُهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ أَنَّهُ عَبْدٌ فَكَانَ فِي دَعْوَاهُ مُنَاقِضًا وَلَنَا أَنَّ اتِّصَالَ الْعَلُوقِ بِمِلْكِهِ شَهَادَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الزِّنَا وَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَةُ أُسْنِدَتْ إلَى وَقْتِ الْعَلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَيَفْسَخُ الْبَيْعَ لِأَنَّ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ قَوْلُهُ (فَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مَعَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ أَوْ بَعْدَهُ فَدَعْوَةُ الْبَائِعِ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَسْبَقُ لِاسْتِنَادِهَا إلَى وَقْتِ الْعَلُوقِ وَهَذِهِ دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اتِّصَالُ الْعَلُوقِ فِي مِلْكِهِ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ بِالنِّكَاحِ وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعَلُوقَ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقِيقَةُ الْعِتْقِ وَلَا حَقُّهُ وَهَذِهِ دَعْوَةُ تَحْرِيرٍ وَغَيْرُ الْمَالِكِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ادَّعَاهُ قَبْلَ دَعْوَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى صَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَيَثْبُتُ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمُمْكِنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَالْأَمَةُ فِي مِلْكِهِ فَصَحَّتْ دَعْوَتُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ أَقَرَّ بِمُمْكِنٍ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَأَحْبَلَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا مَعَ الْحَبَلِ فَإِذَا ادَّعَاهُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ قُبِلَ مِنْهُ فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ مَعْنَى لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُشْتَرِي قَوْلُهُ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْبَائِعِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي) لِأَنَّ دَعْوَةَ الْبَائِعِ هُنَا دَعْوَةُ مِلْكٍ لَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْعَلُوقَ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَإِذَا كَانَتْ دَعْوَةُ مِلْكٍ فَدَعْوَةُ الْمِلْكِ كَعَتَاقٍ مُوَقَّعٍ وَعِتْقُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْفُذُ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا قُبِلَتْ دَعْوَتُهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ: وَإِذَا صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ وَبَطَلَ الْمَبِيعُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَالْأُمُّ أُمُّ وَلَدٍ فَإِنْ ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّصْدِيقِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَتُهُ لِأَنَّ النَّسَبَ

стр. 597

لَمَّا ثَبَتَ مِنْ الْبَائِع بِتَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي زَالَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَتُهُ فِي إزَالَةِ نَسَبٍ ثَابِتٍ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَثْبُتْ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأُمِّ) لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْوَلَدِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَلَا يَتْبَعُهُ اسْتِيلَادُ الْأُمِّ قَوْلُهُ (فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ النَّسَبُ فِي الْوَلَدِ وَأَخَذَهُ الْبَائِعُ وَيَرُدُّ كُلَّ الثَّمَنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ) أَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ فَلِأَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْأُمَّ تُضَافُ إلَيْهِ فَيُقَالُ: أُمُّ الْوَلَدِ وَتَسْتَفِيدُ هِيَ الْحُرِّيَّةَ مِنْ جِهَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا وَالثَّابِتُ لَهَا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ وَلَهُ حَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَالْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى وَأَمَّا رَدُّ الثَّمَنِ كُلِّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْجَارِيَةَ أُمُّ وَلَدٍ وَمَنْ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ عِنْدَهُ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ فَلِذَلِكَ يَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ وَعِنْدَهُمْ تَكُونُ مَضْمُونَةً لِأَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمَا فَيَرُدُّ مِنْ الثَّمَنِ مِقْدَارَ قِيمَةِ الْوَلَدِ فَيُعْتَبَرُ الْقِيمَتَانِ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى مِقْدَارِ قِيمَتِهِمَا فَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْأُمِّ سَقَطَ وَمَا أَصَابَ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَرُدُّهُ هَذَا إذَا مَاتَتْ أَمَّا إذَا قَتَلَهَا رَجُلٌ فَأَخَذَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ الْوَلَدَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ قِيمَةَ الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ (وَمَنْ ادَّعَى نَسَبَ أَحَدِ التَّوْأَمَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُهُمَا مِنْهُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ وَالْحَمْلُ الْوَاحِدُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى الْجَارِيَةَ وَأَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ فَادَّعَى الْمَوْلَى الْوَلَدَ الْبَاقِيَ فِي يَدِهِ صَحَّتْ دَعْوَتُهُ فِي الْجَمِيعِ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَكَانَتْ الْأُمُّ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ [كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] الشَّهَادَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّوَثُّقِ صِيَانَةً لِلدُّيُونِ وَالْعُقُودِ عَنْ الْجُحُودِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالشَّهَادَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِخْبَارِ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ فَعَلَى هَذَا هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ الَّتِي تُنْبِئُ عَنْ الْمُعَايَنَةِ وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الشُّهُودِ وَهُوَ الْحُضُورُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي لِلْأَدَاءِ فَسُمِّيَ الْحَاضِرُ شَاهِدًا وَأَدَاؤُهُ شَهَادَةً وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْبَارٍ بِصِدْقٍ مَشْرُوطٍ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ ثُمَّ الشَّهَادَةُ لَهَا شُرُوطٌ وَسَبَبٌ وَرُكْنٌ وَحُكْمٌ فَسَبَبُهَا طَلَبُ الْمُدَّعِي مِنْ الشَّاهِدِ أَدَاءَهَا وَشَرْطُهَا الْعَقْلُ الْكَامِلُ وَالضَّبْطُ وَالْأَهْلِيَّةُ وَرُكْنُهَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْحُكْمِ عَلَى الْقَاضِي بِمَا تَقْتَضِيهِ الشَّهَادَةُ قَالَ ﵀: (الشَّهَادَةُ فَرْضٌ) يَعْنِي أَدَاؤُهَا وَهَذَا إذَا تَحَمَّلَهَا وَالْتَزَمَ حُكْمَهَا أَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَمَّلْهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّحَمُّلِ وَتَرْكِهِ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لِلْوُجُوبِ فَهُوَ كَمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَتَحَمُّلِهَا. وَفِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلٌ طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُثْبِتَ شَهَادَتَهُ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى عَقْدٍ فَأَبَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَجِدُ غَيْرَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ وَإِلَّا فَلَا يَسَعُهُ الِامْتِنَاعُ. (قَوْلُهُ يَلْزَمُ الشُّهُودَ أَدَاؤُهَا) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ فَرْضٌ. (قَوْلُهُ وَلَا يَسَعُهُمْ كِتْمَانُهَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ يَسَعَهُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ فِي الصَّكِّ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ مِمَّا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَأَجَابُوهُ فَإِنَّهُ يَسَعُهُ الِامْتِنَاعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سِوَاهُ أَوْ كَانُوا وَلَكِنْ مِمَّنْ لَا يَظْهَرُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ كَانَ يَظْهَرُ إلَّا أَنَّ شَهَادَتَهُ أَسْرَعُ قَبُولًا لَا يَسَعُهُ الِامْتِنَاعُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ لَهُ شُهُودٌ كَثِيرٌ فَدَعَا بَعْضَهُمْ لِلْأَدَاءِ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ

стр. 598

لَا يَسَعُهُ الِامْتِنَاعُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا لَوْ دُعِيَ لِلْأَدَاءِ وَالْقَاضِي مِمَّنْ يُقْضَى بِشَهَادَتِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّاهِدِ لَا أَرَى لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فَإِنْ شَهِدَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ خَلْفُ بْنُ أَيُّوبَ: لَوْ رُفِعَتْ الْخُصُومَةُ إلَى قَاضٍ غَيْرِ عَدْلٍ فَلَهُ أَنْ يَكْتُمَ الشَّهَادَةَ حَتَّى يَرْفَعَهَا إلَى قَاضٍ عَدْلٍ وَكَذَا إذَا خَافَ الشَّاهِدُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا وَسِعَهُ الِامْتِنَاعُ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ عَلَى بَاطِلٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ أَخَذَ سُوقَ النَّحَّاسِينَ مُقَاطَعَةً كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا فَدُعِيَ إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَدَاءُ حَتَّى قَالُوا: لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ اسْتَوْجَبَ اللَّعْنَةَ وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ عِنْدَهُ بِدَرَاهِمَ وَعَرَفَ الشَّاهِدُ أَنْ سَبَبَهُ مِنْ وَجْهٍ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا. (قَوْلُهُ إذَا طَالَبَهُمْ الْمُدَّعِي) هَذَا بَيَانُ وَقْتِ الْفَرْضِيَّةِ. (قَوْلُهُ وَالشَّهَادَةُ فِي الْحُدُودِ يُخَيَّرُ فِيهَا الشَّاهِدُ بَيْنَ السَّتْرِ وَالْإِظْهَارِ) هَذَا إذَا كَانُوا أَرْبَعَةً أَمَّا إذَا كَانُوا أَقَلَّ فَالسَّتْرُ وَاجِبٌ لِأَنَّهَا تَكُونُ قَذْفًا وَإِنَّمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِيهَا لِأَنَّهُ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ إقَامَةِ الْحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الْهَتْكِ فَإِنْ سَتَرَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَإِنْ أَظْهَرَ فَقَدْ أَظْهَرَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ خُيِّرَ فِيهَا (قَوْلُهُ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَلِأَنَّ الْإِظْهَارَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَالسَّتْرُ تَرْكُ كَشْفِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُشْهِدَ بِالْمَالِ فِي السَّرِقَةِ) لِأَنَّ الْمَالَ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَسَعُهُ كِتْمَانُهُ. (قَوْلُهُ فَيَقُولُ: أَخَذَ وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَخَذَ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَقَوْلُهُ سَرَقَ يُوجِبُ الْقَطْعَ وَقَدْ نُدِبَ إلَى السَّتْرِ فِيمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ فِيمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلِأَنَّ فِي قَوْلِهِ أَخَذَ إحْيَاءً لِحَقِّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَرَقَ وَجَبَ الْقَطْعُ، وَالضَّمَانُ لَا يُجَامِعُ الْقَطْعَ فَلَا يَحْصُلُ فِي قَوْلِهِ سَرَقَ إحْيَاءُ حَقِّهِ. [الشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ] (قَوْلُهُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهَا الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى اللِّوَاطِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ لِأَنَّ مُوجِبَهُ التَّعْزِيرُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا وَأَمَّا إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. (قَوْلُهُ وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ) لِأَنَّ الْحُدُودَ تُؤَثِّرُ فِيهَا الشُّبْهَةُ وَالنِّسَاءُ شَهَادَتُهُنَّ شُبْهَةٌ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَهِيَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا الشَّهَادَةُ بِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصُ يَقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ وَلَا يَقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةَ النِّسَاءِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ» وَقَدْ قَالُوا: إنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ تُقْبَلُ فِي الْإِحْصَانِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تُقْبَلُ إلَّا الرِّجَالِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ النِّسَاءٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَجُوزُ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي السَّرِقَةِ تُقْبَلُ فِيهَا فِي حَقِّ الْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ إلَّا رَجُلَانِ فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالسَّرِقَةِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ. (قَوْلُهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ مِثْلُ النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَالْوَكَالَةِ

стр. 599

وَالْوَصِيَّةِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ هَهُنَا الْإِيصَاءُ لِأَنَّهُ قَالَ: أَوْ غَيْرَ مَالٍ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَصِيَّةَ لَكَانَ مَالًا. (قَوْلُهُ وَيُقْبَلُ فِي الْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَالْعُيُوبِ بِالنِّسَاءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) إلَّا أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَحْوَطُ وَقَوْلُهُ وَالْعُيُوبِ بِالنِّسَاءِ يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْعَيْبَ بِالْجَارِيَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَيْضًا وَأَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ عَلَى اسْتِهْلَالِ الْمَوْلُودِ فَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَعِنْدَهُمَا يُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي حَقِّ الْإِرْثِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ صَوْتٌ عِنْدَ الْوِلَادَةِ وَتِلْكَ الْحَالَةُ لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ وَأَمَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَمَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَأَمَّا الرَّضَاعُ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ بِدَلِيلِ أَنَّ لِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى ثَدْيِهَا وَيُشَاهِدَ إرْضَاعَهَا. (قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ) هَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ حَتَّى تُشْتَرَطَ الْعَدَالَةُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلْزَامِ حَتَّى اخْتَصَّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَشُرِطَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَمَّا لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّ فِي لَفْظِهَا زِيَادَةَ تَوْكِيدٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَشْهَدُ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فَكَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْكَذِبِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أَشَدَّ وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَحْسَنُ مَا قِيلَ: فِي تَفْسِيرِ الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ وَلَا يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الصَّغَائِرِ وَيَكُونُ صَلَاحُهُ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِهِ وَصَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ وَقَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِ فِي بَطْنٍ وَلَا فَرْجٍ أَيْ لَا يُقَالُ: إنَّهُ يَأْكُلُ الرِّبَا وَالْمَغْصُوبَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ أَنَّهُ زَانٍ فَإِنَّ مَوْضِعَ الطَّعْنِ الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ وَلَهُمَا تَوَابِعُ فَإِذَا سَلِمَ عَنْهُمَا وَعَنْ تَوَابِعِهِمَا كَانَ عَدْلًا وَالْكَذِبُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّعْنِ فِي الْبَطْنِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّاهِدُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ وَقَالَ: أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ) لِأَنَّ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لَمْ يَكُنْ شَاهِدًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اعْتَبَرَ الشَّهَادَةَ بِقَوْلِهِ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦] . (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ عَلَى ظَاهِرِ عَدَالَةِ الْمُسْلِمِ) يَعْنِي لَا يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى يَطْعَنَ الْخَصْمُ فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ» . (قَوْلُهُ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ) لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِإِسْقَاطِهَا فَيَشْتَرِطُ الِاسْتِقْصَاءَ

стр. 600

فِيهِمَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمْ سَأَلَ عَنْهُمْ) وَكَذَا إذَا وَقَعَ لِلْقَاضِي فِي شَهَادَتِهِمْ الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ وَلَا تَزُولُ إلَّا بِالتَّزْكِيَةِ. (قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ) يَعْنِي فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَسَائِرِ الْحَوَادِثِ سَوَاءٌ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمْ أَوْ لَمْ يَطْعَنْ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَكَيْفِيَّةُ السُّؤَالِ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَهُمْ الْمُزَكِّي وَيَسْأَلَ عَنْ جِيرَانِهِمْ وَأَصْدِقَائِهِمْ وَيُرْسِلُ بِالْكِتَابِ إلَيْهِمْ فَيَكْتُبُ الْمُزَكُّونَ الْعَيْنَ تَحْتَ اسْمِ الْعَدْلِ وَلَا يَكْتُبُونَ الْفَاءَ تَحْتَ اسْمِ الْفَاسِقِ صِيَانَةً لِعِرْضِ الْمُسْلِمِ. وَفِي النِّهَايَةِ تَزْكِيَةُ السِّرِّ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي رَسُولًا إلَى الْمُزَكِّي وَيَكْتُبَ إلَيْهِ كِتَابًا فِيهِ أَسْمَاءُ الشُّهُودِ حَتَّى يَعْرِفَهُمْ وَيَكُونُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عَدْلًا لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَلَا يَكُونُ مُنْزَوِيًا غَيْرَ مُخَالِطٍ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُخَالِطْهُمْ لَمْ يَعْرِفْ الْعَدْلَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَرُدُّ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْجَوَابَ فَمَنْ عَرَفَهُ بِالْعَدَالَةِ كَتَبَ تَحْتَ اسْمِهِ هُوَ عَدْلٌ جَائِزُ الشَّهَادَةِ وَمَنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ لَا يَكْتُبُ شَيْئًا تَحْتَ اسْمِهِ احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ السَّتْرِ أَوْ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا إذَا عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَخَافَ إنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعَدَالَةٍ وَلَا فِسْقٍ كَتَبَ تَحْتَ اسْمِهِ مَسْتُورٌ وَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي السِّرِّ كَيْ لَا يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فَيُخْدَعُ الْمُعَدِّلُ أَوْ يَتَهَدَّدُ أَوْ يُسْتَمَالُ بِالْمَالِ. وَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمُعَدِّلِ وَالشَّاهِدِ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي تَزْكِيَةٍ فِي الْعَلَانِيَةِ لِتَنْتَفِي شُبْهَةُ تَعْدِيلِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُعَدِّلِ: هَذَا الَّذِي عَدَّلْته فِي السِّرِّ فَإِنْ قَالَ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: نَعَمْ قُضِيَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَقِيلَ: صِفَةُ التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَقُولَ الْمُعَدِّلُ عِنْدَ الْحَاكِمِ: إنَّهُ عَدْلٌ مَرْضِيُّ الْقَوْلِ جَائِزُ الشَّهَادَةِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: هُوَ جَائِزُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَشَهَادَتُهُ لَا تَجُوزُ وَقِيلَ: يَكْفِي بِقَوْلِهِ هُوَ عَدْلٌ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ بِالدَّارِ وَهَذَا أَصَحُّ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقُولُ فِي تَعْدِيلِهِ: مَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا وَلَوْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ عَدَّلَهُ وَزَكَّاهُ وَالتَّزْكِيَةُ كَانَتْ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ عَلَانِيَةً وَلَمْ يَكُنْ فِي السِّرِّ تَزْكِيَةٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا صُلَحَاءَ وَكَانَ الْمُعَدِّلُ لَا يَخَافُ الْأَذِيَّةَ مِنْ الشُّهُودِ إذَا جَرَّحَهُمْ وَفِي زَمَانِنَا تُرِكَتْ تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ وَاكْتُفِيَ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ وَالْأَذِيَّةِ لِأَنَّ الشُّهُودَ يُؤْذُونَ الْجَارِحَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: تَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِذَا رَأَى الْمُزَكِّي رَجُلًا حَافِظًا لِلْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ رِيبَةً قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: يَسَعُهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ فَجَاءَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فَعَدَّلَاهُ عِنْدَهُ وَسِعَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ بِقَوْلِهِمَا كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَتَعْدِيلُ الْوَاحِدِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُتَرْجِمُ عَنْ الشَّاهِدِ وَرَسُولِ الْقَاضِي إلَى الْمُعَدِّلِ يَعْنِي إذَا كَانَ رَسُولُ الْقَاضِي إلَى الْمُعَدِّلِ وَاحِدًا وَالْمُتَرْجِمُ عَنْ الشُّهُودِ جَازَ عِنْدَهُمَا وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ كَمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَهُمَا يَقُولَانِ التَّزْكِيَةُ فِي السِّرِّ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَكَذَا الْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَالَ الْخَصَّافُ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَيُشْتَرَطُ أَرْبَعَةٌ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الزِّنَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ إذَا كَانُوا عُدُولًا وَلَا أَقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ إلَّا تَزْكِيَةَ مَنْ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ السِّرِّ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالْمُخْبَرُ بِهِ أَمْرٌ دِينِيٌّ وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مَقْبُولٌ إذَا كَانُوا عُدُولًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَجِبُ الصَّوْمُ بِقَوْلِهِمْ وَتَزْكِيَةُ الْعَلَانِيَةِ نَظِيرُ الشَّهَادَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَكَذَا الْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَالَ الْخَصَّافُ وَعَلَى هَذَا فَتَزْكِيَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ فِي السِّرِّ جَائِزٌ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا تَعْدِيلُ الْأَعْمَى وَالْمَمْلُوكِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَذَا فِي
следующие страницы →