← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21599

حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب

البجيرمي

Полный текст (1 974 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُؤَبَّدًا عَلَى (فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ) سَوَاءٌ أَظْهَرَ فِيهِ جِهَةَ قُرْبَةٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُجَاهِدِينَ وَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ، أَمْ لَمْ تَظْهَرْ كَالْأَغْنِيَاءِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْفَسَقَةِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ، وَلَوْ وَقَفَ شَخْصٌ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَيُقْبَلُ بِلَا بَيِّنَةٍ نَظَرًا لِلْأَصْلِ فِيهِمَا. تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ عَطْفِ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ وَفَرْعٌ لَا يَنْقَطِعُ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَنَّهُمَا شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا عَدَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةً وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُمْ شَرْطَانِ كَمَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ. (وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَحْظُورٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، أَيْ مُحَرَّمٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا مِنْ مُتَعَبَّدَاتِ الْكُفَّارِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا، أَوْ حُصُرِهَا أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ خُدَّامِهَا، أَوْ كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ السِّلَاحِ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (مُؤَبَّدًا) أَيْ مُؤَبَّدًا مُتَعَلِّقُهُ وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ عَلَى فَرْعٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " مُؤَبَّدًا " بِحَذْفِ أَيْ التَّفْسِيرِيَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مُؤَبَّدًا " وَلَوْ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ كَزَيْدٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ مَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ الْوَقْفُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْفَرْعَ بِالْمَوْجُودِ كَمَا فِي " الْأَصْلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِيهِ كَمَا قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَالْآخِرِ بَاطِلٌ وَهُوَ مَرْجُوحٌ كَمَا سَيَأْتِي ق ل. فَالْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ " وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ " عَلَى أَنَّ فِي جَعْلِهِ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا نَظَرًا. قَوْلُهُ: (جِهَةِ قُرْبَةٍ) أَيْ قَصْدِ قُرْبَةٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْفُقَرَاءِ) وَيُعْتَبَرُونَ بِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ، نَعَمْ الْقَادِرُ عَلَى كَسْبٍ يَكْفِيهِ فَقِيرٌ هُنَا، وَالْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ وَهِيَ التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ ق ل. وَالرُّبُطُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ رِبَاطٍ وَهُوَ مُتَعَبَّدُ الصُّوفِيَّةِ ق ل، وَسُمِّيَ رِبَاطًا لِرَبْطِ الصُّوفِيَّةِ أَنْفُسَهُمْ فِيهِ، وَالْخَانِقَاهُ لِخَنْقِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِيهَا عَنْ الْمَعَاصِي وَالْغَنِيُّ هُنَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمَسَاجِدِ) وَلَوْ عَلَى أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْفَعَتِهَا بِنَحْوِ وَصِيَّةٍ أَوْ إجَارَةٍ فَبَسَطَ فِيهَا أَحْجَارًا مَمْلُوكَةً لَهُ وَوَقَفَهَا مَسْجِدًا، وَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْمَسْجِدِيَّةِ عَنْ الْحِجَارَةِ إذَا نُقِلَتْ عَنْ مَحَلِّهَا. وَالْوَقْفُ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ يَدْخُلُ فِيهِ تَرْمِيمُهُ وَتَجْصِيصُهُ لِلْإِحْكَامِ وَالسَّوَارِي وَالسَّلَالِمُ وَالْمَكَانِسُ وَالْمَسَاحِي وَالْبَوَارِي لِدَفْعِ نَحْوِ حَرٍّ وَالْمَيَازِيبُ لِدَفْعِ مَاءٍ نَحْوِ مَطَرٍ، وَأُجْرَةٌ نَحْوُ قَيِّمٍ، وَعَلَى مَصَالِحِهِ أَوْ مُطْلَقًا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ. وَإِذَا خَصَّ الْوَاقِفُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِمَّا وَقَفَهُ عَلَى نَحْوِ تَزْوِيقٍ وَنَقْشٍ وَسِرَاجٍ لَا نَفْعَ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. م د. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ إسْرَاجُهُ مِنْ زَيْتِ الْمَسْجِدِ طُولَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ مَالٍ. قَوْلُهُ: (أَمْ لَمْ تَظْهَرْ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِجِهَةِ الْقُرْبَةِ مَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُهَا، وَإِلَّا فَالْوَقْفُ كُلُّهُ قُرْبَةٌ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (كَالْأَغْنِيَاءِ) وَلَوْ حَصَرَهُمْ كَأَغْنِيَاءِ أَقَارِبَةِ جَزْمًا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْأَصْلِ) غَرَضُهُ بِذَلِكَ تَوْفِيقُهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ: أَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ الظَّاهِرَ يَكُونُ مُدَّعِيًا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَمَنْ وَافَقَ قَوْلَهُ الظَّاهِرَ يَكُونُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيَكْفِي مِنْهُ الْيَمِينُ. قَوْلُهُ: (وَفِي مَحْظُورٍ) أَيْ عَلَى مَحْظُورٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ) وُصِفَتْ بِالْمُشَالَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ يَرْتَفِعُ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا. قَوْلُهُ: (أَيْ مُحَرَّمٍ) مِنْهُ الْوَقْفُ عَلَى التَّزْوِيقِ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ كَانَ التَّزْوِيقُ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُصَلِّي لِإِذْهَابِهِ الْخُشُوعَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى السُّتُورِ وَلَوْ حَرِيرًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا زي. قَوْلُهُ: (كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ ذِمِّيًّا وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنَائِسِ فَهَلْ يَبْطُلُ؟ أَفْتَى شَيْخُنَا صَالِحٌ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهَا الْوَقْفُ عَلَى مَصَالِحِهَا الْمَمْنُوعِ، وَهُوَ مَا كَانَ يُظْهِرُ؛ شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (لِلتَّعَبُّدِ) صِفَةٌ لِلْكَنَائِسِ أَيْ الْمَوْضُوعَةُ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا، أَيْ وَلَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ كَمَا قَالَهُ ع ش، وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ " لِلتَّعَبُّدِ " أَيْ عِبَادَةُ الْكُفَّارِ وَلَوْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ، وَيَصِحُّ لِنُزُولِ الْمَارَّةِ وَلَوْ مِنْ الْكُفَّارِ. قَوْلُهُ: (أَوْ حُصُرِهَا) عَطْفٌ عَلَى عِمَارَةِ بِأَنْ يَقِفَ شَيْئًا عَلَى شِرَاءِ حُصُرِهَا أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ خُدَّامِهَا. قَوْلُهُ: (أَوْ كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) أَيْ الْمُبْدَلَيْنِ أَوْ وَقَفَهَا نَفْسَهَا، وَهُوَ مَعْطُوفٌ

стр. 1192

لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالْوَقْفُ شُرِعَ لِلتَّقَرُّبِ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ. وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْمُرَادِ كَالْعِتْقِ بَلْ أَوْلَى، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ صَرِيحُهُ كَوَقَفْتُ وَسَلَبْتُ وَحَبَسْتُ كَذَا عَلَى كَذَا أَوْ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا عَلَى كَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، أَوْ لَا تُبَاعُ أَوْ لَا تُوهَبُ وَجَعَلْتُ هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا، وَكِنَايَتُهُ كَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْت هَذَا لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُسْتَعْمَلُ مُسْتَقِلًّا، وَإِنَّمَا يُؤَكَّدُ بِهِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَكَتَصَدَّقْتُ بِهِ مَعَ إضَافَتِهِ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ. وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاللَّفْظِ أَيْضًا مَا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا بِنِيَّتِهِ بِمَوَاتٍ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: التَّأْبِيدُ كَالْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَمْ يَنْقَرِضْ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقَرِضُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ كَزَيْدٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْوَقْفِ. فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى كَذَا سَنَةً لَمْ يَصِحَّ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ، فَإِنْ أَعْقَبَهُ بِمَصْرِفٍ كَوَقَفْتُهُ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ وَرُوعِيَ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَهَذَا فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ، أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَالْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالرِّبَاطِ كَقَوْلِهِ: جَعَلْته مَسْجِدًا سَنَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُؤَبَّدًا، كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا ــ [حاشية البجيرمي] عَلَى قَوْلِهِ كَعِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَالثَّانِي مَوْقُوفًا فَإِنَّهُمَا مِثَالٌ لِلْوَقْفِ فِي مَحْظُورٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ كُتُبِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ غَيْرِهِ بِلَفْظِ كِتَابَةٍ فَيَكُونُ كَالْعِمَارَةِ؛ وَالتَّوْرَاةُ لِمُوسَى ﷺ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ صُحُفٍ عَشْرَةٍ قَبْلَهَا، وَالْإِنْجِيلُ لِعِيسَى ﷺ قَالَ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ: وَالتَّوْرَاةُ أَجَلُّ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَأَصْلُ تَوْرَاةٍ وَوْرَيَةٌ أُبْدِلَتْ الْوَاوُ تَاءً وَوَزْنُهَا تَفْعِلَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَوْ كَسْرِهَا، وَقِيلَ: وَزْنُهَا فَوْعَلَةٌ. وَالْإِنْجِيلُ بِالْكَسْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ مِنْ النَّجْلِ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ خُلَاصَةِ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَجْلُ أَبِيهِ كَأَنَّ الْإِنْجِيلَ اسْتَخْلَصَ خُلَاصَةَ نُورِ التَّوْرَاةِ، اهـ بِحُرُوفِهِ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ) ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ الثَّابِتِ فِي نُسَخٍ مُرَاعَاةً لِمَرْجِعِهِ وَهُوَ لَفْظُ الصِّيغَةِ. وَاَلَّذِي فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمَا لِوُجُودِ حِبْرٍ عَلَى الْخَطِّ اهـ أج. قَوْلُهُ: (بَلْ أَوْلَى) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا تَمْلِيكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهِ إزَالَةُ رِقٍّ عَلَى الْعَتِيقِ، وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِيهِ اللَّفْظُ فَشَرْطُهُ فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَى التَّمْلِيكِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (مُحَرَّمَةً) أَيْ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ) أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى مُعَيَّنٍ وَلَوْ جَمَاعَةً فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَقْفِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمِلْكِ كَتَصَدَّقْتُ بِهَذَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَخَالِدٍ مَثَلًا فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِلْكِيَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛؛ لِأَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوُجِدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ) هُوَ مُكَرَّرٌ مَعَ الشَّرْطِ الثَّالِثِ تَأَمَّلْ أج. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْبِيدِ هُنَا عَدَمُ التَّأْقِيتِ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (كَالْفُقَرَاءِ) فَهَذَا يُقَالُ لَهُ تَأْبِيدٌ أَيْ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّأْبِيدِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْوَقْفِ) وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُكَرَّرًا، لَكِنْ رُبَّمَا يُنَافِي فِي هَذَا الْمُرَادِ قَوْلَهُ كَالْوَقْفِ عَلَى إلَخْ تَأَمَّلْ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْبِيدِ عَدَمُ التَّأْقِيتِ فَيَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ أَطْلَقَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّارِحُ اقْتَصَرَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ. قَوْلُهُ: (تَأْقِيتُ الْوَقْفِ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى الْفُقَرَاءِ أَلْفَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْعُدُ بَقَاءُ الدُّنْيَا إلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ عَدَمِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ الْمُرَادُ تَأْبِيدَ الْوَقْفِ بِمُدَّةِ بَقَاءِ الدُّنْيَا إلَيْهِ فَلَا يَرِدُ إطْلَاقُهُمْ اهـ إسْعَادٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقَوْلُهُ " مِنْ عَدَمِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِذَلِكَ " أَيْ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ الطَّوِيلَةِ بَلْ يَكُونُ حَالًّا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرَيْتُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ مَثَلًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي ذِمَّتِي مُؤَجَّلَةٍ بِأَلْفِ سَنَةٍ فَيَلْغُو هَذَا الْأَجَلُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًّا وَيَصِحُّ الْبَيْعُ. قَوْلُهُ: (بِمَصْرِفٍ) أَيْ آخَرَ. قَوْلُهُ: (فِيمَا لَا يُضَاهِي) أَيْ يُشَابِهُ التَّحْرِيرَ أَيْ الْإِعْتَاقَ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُشَابَهَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ إزَالَةٌ لَا إلَى مَالِكٍ وَوَقْفُ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فِيهِ إزَالَةُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْمُضَاهَاةِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى مَالِكٍ. قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ) أَيْ فِي انْفِكَاكِهِ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّينَ س ل فَلِقُوَّةِ جَانِبِ الْمَسْجِدِ وَمَا بَعْدَهُ بِالشَّبَهِ الْمَذْكُورِ أُلْغِيَ التَّأْقِيتُ فِيهَا

стр. 1193

وَهُوَ لَا يُفْسِدُ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَدُومُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَصْرِفُ إلَيْهِ بَعْدَهُمْ صَحَّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَقْفِ الْقُرْبَةُ وَالدَّوَامُ، فَإِذَا بَيَّنَ مَصْرِفَهُ ابْتِدَاءً سَهُلَ إدَامَتُهُ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَيُسَمَّى مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ صُرِفَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ وَيَخْتَصُّ الْمَصْرِفُ وُجُوبًا بِفُقَرَاءِ قَرَابَةِ الرَّحِمِ لَا الْإِرْثِ فِي الْأَصَحِّ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ بِنْتٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصَّرْفِ إلَيْهِ فِي الْحَالِ؛ فَكَذَا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ لِوُجُودِ الْمَصْرِفِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ بَعْدَ أَوْلَادِهِ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ. وَالشَّرْطُ السَّادِسُ: بَيَانُ الْمَصْرِفِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَقَفْت كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفَهُ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ ذِكْرِ مَصْرِفِهِ، وَلَوْ ذَكَرَ الْمَصْرِفَ إجْمَالًا كَقَوْلِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى مَسْجِدِ كَذَا كَفَى وَصُرِفَ إلَى مَصَالِحِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. ــ [حاشية البجيرمي] وَصَحَّتْ مُؤَبَّدَةً كَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْتَقْت عَبْدِي سَنَةً فَإِنَّ الْعِتْقَ يَصِحُّ وَيَكُونُ مُؤَبَّدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَقَفْته عَلَى زَيْدٍ سَنَةً وَمَعْنَى مُضَاهَاةِ التَّحْرِيرِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَنْفَعَتِهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ. قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا) كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهِ أَوْ لَا يُعْتَكَفَ فِيهِ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيتَ فِيهِ النِّسَاءُ الْحُيَّضُ أَوْ الْجُنُبُ مِنْ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا يُفْسِدُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الْآخِرِ. وَحَاصِلُ الْوَقْفِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: إمَّا مَقْطُوعُ الْأَوَّلِ كَالْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ، وَإِمَّا مَقْطُوعُ الْآخِرِ كَقَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي، وَإِمَّا مَقْطُوعُ الْوَسَطِ كَقَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ. فَيَصِحُّ فِيمَا عَدَا مَقْطُوعِ الْأَوَّلِ وَيُصْرَفُ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَفِي مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ لِلْفُقَرَاءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (صُرِفَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَخْ) أَيْ إنْ وُجِدُوا بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِلَّا فَإِلَى الْأَهَمِّ مِنْ الْمَسَاكِينِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. ق ل. قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ نِصْفَ هَذَا وَعَلَى عَمْرٍو نِصْفَهُ الْآخَرَ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَتْ أَحَدُهُمَا صُرِفَ نَصِيبُهُ لِلْأَقْرَبِ لِلْوَاقِفِ عَلَى الْأَقْرَبِ مِنْ احْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا وَقْفَانِ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْته عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْأَقْرَبُ مِنْ احْتِمَالَيْنِ أَنَّهُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا يَنْتَقِلُ لِلْفُقَرَاءِ. اهـ. شَرْحِ الرَّوْضِ. قُلْت: فِي هَذَا التَّقْرِيرِ يَصِيرُ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: إذَا وَقَفَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا يَنْتَقِلُ لِلْآخَرِ، وَفِي وَقْفِ النِّصْفِ لِزَيْدٍ وَالنِّصْفِ لِعَمْرٍو ثُمَّ قَالَ مَنْ بَعْدَهُمَا لِلْفُقَرَاءِ يَنْتَقِلُ لِلْأَقْرَبِ لِلْوَاقِفِ حِصَّةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا لَا لِلْآخَرِ وَلَا لِلْفُقَرَاءِ، وَالثَّالِثَةُ: إذَا وَقَفَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ثُمَّ قَالَ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَنْتَقِلُ لِلْفُقَرَاءِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ وَاحِدٌ. قَوْلُهُ: (أَقْرَبِ النَّاسِ) فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَقْرَبُ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُ الْوَقْفَ حَبْسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وَفِي الْفَتَاوَى لِابْنِ الصَّبَّاغِ: تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، دِمْيَاطِيٌّ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ: (فَيُقَدَّمُ ابْنُ بِنْتٍ) أَيْ وَلَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأَوْجَهِ،. اهـ. تُحْفَةٌ. قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ الْمَصْرِفِ فِي الْحَالِ) وَهُمْ الْأَوْلَادُ وَالْمَآلِ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ. قَوْلُهُ: (يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَوَسِّطُ مُعَيَّنًا، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَالدَّابَّةِ فَمَصْرِفُهُ مُدَّةَ وُجُودِهَا كَمُنْقَطِعِ الْآخِرِ ق ل. وَقَوْلُهُ " كَالدَّابَّةِ " أَيْ أَوْ الْعَبْدِ نَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ " مُدَّةَ وُجُودِهَا " أَيْ مُدَّةَ حَيَاةِ الدَّابَّةِ. قَوْلُهُ: (بَيَانُ الْمَصْرِفِ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ " أَصْلٍ مَوْجُودٍ إلَخْ "؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ الْمَصْرِفِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفَهُ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ وَإِنْ أَضَافَهُ لِلَّهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ. وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَصْرِفَ كَأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي وَأَطْلَقَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ تَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ. اهـ. م د. قَوْلُهُ (فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ أَصْلًا أَوْ إعْطَاءً إلَّا بِالْمَوْتِ. اهـ. م د. وَقَوْلُهُ " أَصْلًا " كَأَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِي بَعْدَ مَوْتِي وَقَوْلُهُ " أَوْ

стр. 1194

وَالشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْت كَذَا عَلَى كَذَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ. أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَجَعَلْتُهُ مَسْجِدًا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِهِ كَقَوْلِهِ وَقَفْت دَارِي بَعْدَ مَوْتِي عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَالَ الشَّيْخَانِ وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِقَوْلِ الْقَفَّالِ إنَّهُ لَوْ عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ كَانَ رُجُوعًا، وَلَوْ نَجَّزَ الْوَقْفَ وَعَلَّقَ الْإِعْطَاءَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ جَازَ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ. وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى مَنْ شِئْت أَوْ فِيمَا شِئْت وَكَانَ قَدْ عَيَّنَ لَهُ مَا شَاءَ أَوْ مَنْ يَشَاءُ عِنْدَ وَقْفِهِ صَحَّ وَأُخِذَ بِبَيَانِهِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ. وَلَوْ قَالَ: وَقَفْته فِيمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالشَّرْطُ الثَّامِنُ: الْإِلْزَامُ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْت هَذَا عَلَى كَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ فِي إبْقَاءِ وُقْفِهِ أَوْ الرُّجُوعِ فِيهِ مَتَى شَاءَ، أَوْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ شَرَطَ عَوْدَهُ إلَيْهِ بِوَجْهِ مَا كَانَ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ شَرَطَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْ شَاءَ وَيَخْرُجُ مَنْ شَاءَ لَمْ يَصِحَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَالْعِتْقِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ بُطْلَانِ الْعِتْقِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَأَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ. (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ (عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ) سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَمْ يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى ــ [حاشية البجيرمي] إعْطَاءٍ " كَأَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِي الْآنَ وَلَا يُصْرَفُ لَهُمْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِي. قَوْلُهُ: (نَقْلَ الْمِلْكِ) أَيْ إزَالَةِ الْمِلْكِ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ) أَيْ الْقَهْرُ مَيْدَانِيٌّ، أَيْ كَمَا فِي الْعِتْقِ فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْقَهْرِ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَعْضُهُ قَهْرًا إذَا اشْتَرَاهُ وَقَوْلُهُ " وَالسِّرَايَةِ " كَمَا فِي الْعِتْقِ أَيْضًا فِيمَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَسْرِي الْعِتْقُ لِلنِّصْفِ الثَّانِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ فِيهِمَا، فَإِذَا وَقَفَ نِصْفَ دَارِهِ لَا يَسْرِي لِلْبَاقِي. وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ قَبِلَ التَّعْلِيقَ كَالْخُلْعِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِشَوْبِ جَعَالَةٍ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، فَلَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الْجِعَالَةِ، وَهِيَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، وَكَذَا الطَّلَاقُ يَقْبَلُ السِّرَايَةَ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ أَيْضًا بِخِلَافِ الْوَقْفِ م د. قَوْلُهُ: (فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ) وَلَا يَكُونُ مَسْجِدًا إلَّا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ زي. قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَالْحَاصِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَصَايَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْهُ وَفِي عَدَمِ صَرْفِهِ لِلْوَارِثِ، وَحُكْمُ الْأَوْقَافِ فِي تَأْبِيدِهِ وَعَدَمِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ. اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَعَلَّقَ الْإِعْطَاءَ إلَخْ) اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ لِلْفُقَرَاءِ فِي الْوَقْفِ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ لَهُمْ انْتِقَالُ الْوَقْفِ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا يُشْبِهُ الْحِيلَةَ فِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْفَوَائِدَ فِي هَذَا تَكُونُ لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَهُوَ يُشْبِهُهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ فِيمَا شِئْت) أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ. " وَفِي " بِمَعْنَى " عَلَى " وَالْأَوَّلُ الْعَاقِلُ وَالثَّانِي لِغَيْرِ الْعَاقِلِ كَالْمَسَاجِدِ. وَقَوْلُهُ " وَكَانَ قَدْ عَيَّنَ إلَخْ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ الْوَاقِفُ، " وَكَانَ " زَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ " لَهُ " أَيْ لِلْوَقْفِ؛ فَالْمُنَاسِبُ وَقَدْ عَيَّنَ إلَخْ بِحَذْفِ كَانَ؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّهُ عَيَّنَ قَبْلَ الْوَقْفِ مَعَ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي حَالِ الْوَقْفِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: (أَوْ مَنْ يَشَاءُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ مَنْ شَاءَهُ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَلَا يُعَيِّنُ فَلَا يَصِحُّ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَشَاء زَيْدٌ وَيَعْمَلُ بِبَيَانِ زَيْدٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ مَنْ يَرَاهُ وَإِلَّا فَيَصِحُّ جَزْمًا. اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (مِنْ بُطْلَانِ الْعِتْقِ) أَيْ إذَا أَعْتَقَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ الرُّجُوعِ أَوْ رِضَا فُلَانٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ نُفُوذُهُ لِقُوَّةِ الْعِتْقِ دُونَ الْوَقْفِ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ عَبْدِي وَأَبِيعُهُ مَتَى شِئْتُ بَطَلَ عَلَى قَوْلٍ، وَالرَّاجِحُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا مَرَّ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ) وَلِقُوَّةِ الْعِتْقِ، فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ كَمَا مَرَّ فِي التَّعْلِيقِ.

стр. 1195

أَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ، إذْ مَبْنَى الْوَقْفِ عَلَى اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ (مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَتَسْوِيَةٍ وَتَفْصِيلٍ) وَجَمْعٍ وَتَرْتِيبٍ وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِخْرَاجِهِ بِصِفَةٍ مِثَالُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ مِنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ. وَمِثَالُ التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَنْ يُصْرَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَمِثَالُ التَّفْضِيلِ كَقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَنْ يُصْرَفَ لِزَيْدٍ مِائَةٌ وَلِعَمْرٍو خَمْسُونَ. وَمِثَالُ الْجَمْعِ خَاصَّةً كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْإِعْطَاءِ وَالْمِقْدَارِ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَنُقِلَ عَنْ إجْمَاعِ النُّحَاةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ إذْ الْمَزِيدُ لِلتَّعْمِيمِ فِي النَّسْلِ، وَمِثَالُ التَّرْتِيبِ خَاصَّةً كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ مِنْ حَيْثُ صَرْفُهُ غَلَّتَهُ أَوْ اسْتِحْقَاقٌ. قَوْلُهُ: (عَلَى مَا شَرَطَ إلَخْ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ اتِّبَاعِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَوْ اخْتِصَاصَ نَحْوِ مَسْجِدٍ بِطَائِفَةٍ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ رِعَايَةً لِغَرَضِهِ أَيْ فَشَرْطُهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ. قَوْلُهُ: (الْمِلْكُ لَهُ) أَيْ لِلْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَزَالَ الْمِلْكَ عَنْ فُؤَادِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵁. وَقَوْلُهُ " أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ " وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فِي مَذْهَبِنَا. قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْفَكُّ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الِانْتِقَالِ إلَيْهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَكُلُّ الْمَوْجُودَاتِ بِأَسْرِهَا مِلْكٌ لَهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَغَيْرِهِ وَإِنْ سُمِّيَ مَالِكًا فَإِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّوَسُّعِ وَالْمَجَازِ شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ) أَيْ قَوْلُهُ أَمْ يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (إذْ مَبْنَى الْوَقْفِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلِّلَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ شَرَطَ الْوَاقِفُ كَنَصِّ الشَّارِعِ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَعَلَّلَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ رِعَايَةً لِغَرَضِهِ وَعَمَلًا بِشَرْطِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ) بَيَانٌ لِمَا وَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ الْمُتَلَازِمِينَ عَلَى الْآخَرِ. قَوْلُهُ: (وَتَرْتِيبٍ) قَالَ ق ل: لَعَلَّهُ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ قَوْلِهِ " تَقْدِيمٍ " اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا اسْتِدْرَاكَ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يُجَامِعُ التَّقْدِيمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إذْ لَا يُجَامِعُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ مِنْهُمْ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْفُ جَمْعٍ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْوَاقِفِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقْفُ جَمْعٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاقِفِ بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ فَالْأَوْرَعُ أَيْ يُقَدَّمُ بِكِفَايَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَإِنْ فَضَلَ إلَخْ " فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَإِخْرَاجِهِ بِصِفَةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ السَّابِقَةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِخْرَاجُهُ بِهَا؛ فَالْأَوْلَى الْإِضْمَارُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَإِخْرَاجِهِ " مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً تَكُونُ غَيْرَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبِيٌّ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (الْأَوْرَعُ) هُوَ مَنْ يَتَّقِي الشُّبُهَاتِ وَإِنْ زَادَ الْحَلَالُ عَلَى كِفَايَتِهِ، وَأَمَّا الزَّاهِدُ فَهُوَ مَنْ تَرَكَ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ الْحَلَالِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) أَيْ عَنْ كِفَايَتِهِ. وَكُلُّ هَذَا مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ. فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ق ل بِقَوْلِهِ فَإِنْ فَضَلَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ إذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْمُقَدَّمِ مِقْدَارٌ يُتَصَوَّرُ فِيهِ فَضْلٌ أَوْ عَدَمُهُ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ التَّسْوِيَةِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي الْإِطْلَاقِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا بَعْدَهُ ق ل. فَهُوَ مُكَرَّرٌ مَعَ الْجَمْعِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً كَمَا يَأْتِي؛ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ هُنَا وَمَا يَأْتِي مِنْ الْإِطْلَاقِ وَجَوْهَرِ اللَّفْظِ فَلَا تَكْرَارَ. قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ الْجَمْعِ خَاصَّةً) أَيْ بِدُونِ التَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: (يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ) ؛ لِأَنَّ " الْوَاوَ " حَرْفٌ مُشْتَرَكٌ. قَوْلُهُ: (ذُكُورِهِمْ) أَيْ وَخَنَاثَاهُمْ. قَوْلُهُ: (وَنُقِلَ) أَيْ كَوْنُ الْوَاوِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ سَفَلُوا، وَقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْبَطْنِيِّ، وَجَرَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ. وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَكَذَا يُسَوَّى بَيْنَ الْجَمِيعِ

стр. 1196

ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، أَوْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَوْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وَمِثَالُ الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا. فَتَكُونُ الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مُشْتَرَكِينَ وَبَعْدَهُمْ يَكُونُونَ مُرَتَّبِينَ، وَحَيْثُ وُجِدَ لَفْظُ التَّرْتِيبِ فَلَا يُصْرَفُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ. وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ لَا يُصْرَفُ إلَى بَطْنٍ وَهُنَاكَ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، فَيُتَّبَعُ شَرْطُهُ وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلَدِ حَقِيقَةً. وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَعَلَى النَّسْلِ وَعَلَى الْعَقِبِ وَعَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ بِهِمْ، أَمَّا فِي الذُّرِّيَّةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلَى أَنْ ذَكَرَ عِيسَى، وَلَيْسَ هُوَ إلَّا وَلَدُ الْبِنْتِ وَالنَّسْلُ ــ [حاشية البجيرمي] لَوْ زَادَ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ لِاقْتِضَائِهِ التَّشْرِيكَ؛ لِأَنَّهُ لِمَزِيدِ التَّعْمِيمِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِثْلُ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ، وَقِيلَ: الْمَزِيدُ فِيهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لِلتَّرْتِيبِ اهـ بِحُرُوفِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ بَطْنًا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَأَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثَةٌ: زِيَادَةُ مَا تَنَاسَلُوا فَقَطْ، زِيَادَةُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَقَطْ، زِيَادَةُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَالْخِلَافُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ دُونَ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (التَّرْتِيبِ خَاصَّةً) أَيْ بِدُونِ الْجَمْعِ. قَوْلُهُ: (أَوْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى) وَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الطَّبَقَاتِ. قَوْلُهُ: (أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) أَيْ لِلْوَاقِفِ، وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ وَقْفُ تَرْتِيبٍ أَوْ تَسْوِيَةٍ صُدِّقَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِلَّا حَلَفُوا وَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ ق ل وَقَوْلُهُ " وَلَوْ اخْتَلَفُوا " أَيْ وَلَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ. قَوْلُهُ: (لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّرْتِيبِ. قَوْلُهُ: (عَلَى أَوْلَادِي) هَذَا هُوَ الْجَمْعُ. وَقَوْلُهُ " فَإِذَا انْقَرَضُوا " هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ. قَوْلُهُ: (لَفْظُ التَّرْتِيبِ) أَيْ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ بَطْنٍ) أَيْ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَقُولَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ " فَلَا يُصْرَفُ إلَخْ " وَقَوْلُهُ " مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ " كَأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَخَلَفَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، فَيَكُونُ مُخَصَّصًا لِمَا تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ الْأُولَى مِنْ نَقْلِ نَصِيبِهِ إذَا مَاتَ لِبَاقِيهِمْ. قَوْلُهُ: (فَيُتْبَعُ شَرْطُهُ) فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ اخْتَصَّ بِنَصِيبِهِ وَلَدُهُ،. اهـ. رَوْضٌ مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: هَلَّا قِيلَ بِدُخُولِهِمْ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، قُلْت: شَرْطُهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ وَكَلَامُنَا هُنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، شَرْحِ الرَّوْضِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ حُمِلَ عَلَى الْمَجَاز، فَلَوْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ شَارَكَ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ وَلَا يَحْجُبُهُمْ. اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ وَلَدَ الْوَالِدِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُمْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الْأَوْلَادِ حَقِيقَةً. قَوْلُهُ: (لَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَدِ الْوَلَدِ. وَقَوْلُهُ " وَعَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ " نَعَمْ إنْ قَيَّدَ بِالْهَاشِمِيِّينَ لَمْ تَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَّا إنْ كَانَ أَبُوهُمْ هَاشِمِيًّا ق ل. قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَمْ يَزِدْ صُرِفَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْبُطُونِ فَفِيهِ نَظَرٌ. ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ أَفْتَى بِأَنَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ وَأَوْلَادِ الْبُطُونِ، فَعَرَضْتُ الْإِفْتَاءَ عَلَى شَيْخِنَا فَلَمْ يَرْتَضِ الْإِفْتَاءَ وَتَوَقَّفَ، ثُمَّ فَتْحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَنْقُولِ الْمُؤَيِّدِ لِلْحَقِّ فِي عِمَادِ الرِّضَا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَقَالَ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ أَوْ عَقِبٍ صُرِفَ نَصِيبُهُ لِمَنْ يُوجَدُ مِنْ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمِيرَاثِ فَمَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ بِنْتٍ وَابْنِ بِنْتٍ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِأَنَّ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِابْنِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ الْإِفْتَاءِ وَأَنَّهُ مِنْ التَّجَرُّؤِ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ أج. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَمَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى وَصْفِهِ الْمَعْرُوفِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ الِاتِّصَافِ حَقِيقَةً بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْوَقْفِ حَالَ الْمَوْتِ مَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَصِيبُهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا بِأَنْ يُرَادَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا أَفَادَ السُّبْكِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ كَافٍ فِي إفَادَةِ هَذَا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاءُ قَوْلِهِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسِ خَيْرٌ مِنْهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ اهـ.

стр. 1197

وَالْعَقِبُ فِي مَعْنَاهُ، إلَّا إنْ قَالَ: عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُمْ فَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِيمَا ذُكِرَ نَظَرًا لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ. هَذَا إنْ كَانَ الْوَاقِفُ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً دَخَلُوا فِيهِ بِجَعْلِ الِانْتِسَابِ فِيهَا لُغَوِيًّا لَا شَرْعِيًّا، فَالتَّقْيِيدُ فِيهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ، وَمِثَالُ الْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ وَالْإِخْرَاجِ بِصِفَةٍ كَوَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي الْأَرَامِلِ وَأَوْلَادِي الْفُقَرَاءِ، فَلَا تَدْخُلُ الْمُتَزَوِّجَةُ وَلَا يَدْخُلُ الْغَنِيُّ، فَلَوْ عَادَتْ أَرْمَلَةً أَوْ عَادَ فَقِيرًا عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا كَمَا قَالَهُ فِي الزَّوَائِدِ تَفَقُّهًا. تَتِمَّةٌ: الْمَوْلَى يَشْمَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ، وَالْأَسْفَلَ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ، فَلَوْ اجْتَمَعَا اشْتَرَكَا لِتَنَاوُلِ اسْمِهِ ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) أَيْ نُوحٌ وَقِيلَ إبْرَاهِيمُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ اقْتَصَرَ الْجَلَالُ قَالَ الْخَازِنُ: وَهُوَ أَيْ الْأَوَّلُ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي جَمَاعَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ لُوطًا وَهُوَ ابْنُ أَخِي إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ مَسَاقَ النَّظْمِ الْكَرِيمِ لِبَيَانِ شُؤُونِهِ الْعَظِيمَةِ مِنْ إتْيَانِ الْحُجَّةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَهِبَةِ الْأَوْلَادِ وَإِبْقَاءِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ فِي نَسْلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا الْقِيلِ لُوطٌ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعَمَّ أَبًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ؛ لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ اهـ. وَقَالَ زَكَرِيَّا عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ: وَلَمَّا كَانَ لُوطٌ ابْنَ أَخِيهِ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ اهـ قَالَ أج: وَيَدْخُلُ فِي الذُّرِّيَّةِ الْحَمْلُ وَيُصْرَفُ لَهُ زَمَنَ اجْتِنَانِهِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فَلَا يُصْرَفُ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فِي مَعْنَاهُ) أَيْ الذُّرِّيَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي مَعْنَاهَا. قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ قَالَ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ لِكُلِّ مَا قَبْلَهُ مِنْ الذُّرِّيَّةِ وَمَا بَعْدَهُ لَهُ. قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ) ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُنْسَبُونَ لِآبَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَأَمَّا خَبَرُ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» فِي حَقِّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنْ تُنْسَبَ أَوْلَادُ بَنَاتِهِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فَالتَّقْيِيدُ فِيهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ) أَيْ فَتَقْيِيدُ الْأُمِّ بِقَوْلِهَا عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُمْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فُرُوعِهَا يُنْسَبُونَ إلَيْهَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. قَوْلُهُ: (لَا لِلْإِخْرَاجِ) أَيْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ اللُّغَةِ أَنْ يُنْسَبَ الْوَلَدُ إلَى مَنْ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ مَنْ وَلَدَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ الْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ الْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَغْنًى عَنْ الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ مَا دَامَ فَقِيرًا فَاسْتَغْنَى ثُمَّ افْتَقَرَ لَا يَسْتَحِقُّ لِانْقِطَاعِ الدَّيْمُومَةِ، م ر وَكَذَا إذَا وَقَفَ عَلَى بِنْتِهِ مَا دَامَتْ عَزَبَةً فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ طَلُقَتْ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ لِمَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (وَالْإِخْرَاجُ بِصِفَةٍ) أَيْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا، عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمِثَالُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا صِفَةً وَاحِدَةً، فَالْأَرَامِلُ وَالْفُقَرَاءُ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيَخْرُجُ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْإِخْرَاجُ بِهَا. قَوْلُهُ: (عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ) مَحَلُّ الْعَوْدِ إذَا لَمْ يَقُلْ فِي وَقْفِهِ مَا دَامَ فَقِيرًا، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَاسْتَغْنَى وَاحِدٌ ثُمَّ افْتَقَرَ لَا يَعُودُ الِاسْتِحْقَاقُ لِانْقِطَاعِ الدَّيْمُومَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَهَذَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ مُطْلَقًا حَالَ فَقْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ الدَّيْمُومَةُ اهـ أج. قَوْلُهُ: (وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا أَيْ الرَّجْعِيَّةَ لَيْسَتْ أَرْمَلَةً؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ حُكْمًا؛ وَلَوْ قَالَ لَا تَدْخُلُ الرَّجْعِيَّةُ لَكَانَ وَاضِحًا ق ل بِزِيَادَةٍ، وَعِبَارَةُ أج وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ أَيْ وَهِيَ الْبَائِنُ، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا لِوُجُوبِ مُؤْنَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا وَلِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ إلَّا بِبَيْنُونَتِهَا. وَقَوْلُهُ " فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا " لَيْسَ بِقَيْدٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تُخَالِفُ فِيهِ الْبَائِنُ الرَّجْعِيَّةَ. قَوْلُهُ: (الْمَوْلَى يَشْمَلُ الْأَعْلَى إلَخْ) إنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ وَبَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ فِي عَدَمِ شُمُولِهِ لِلْأَسْفَلِ فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَاكَ عَلَى الْأَقْرَبِيَّةِ وَالرَّحِمِ وَهُمَا فِي الْأَوْلَادِ أَقْوَى مِنْهُمَا فِي أَوْلَادِهِمْ، وَفِي هَذَا عَلَى الشَّرَفِ لِلْوَاقِفِ وَهُوَ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَعْلَى يَكُونُ فِي الْأَسْفَلِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. قَوْلُهُ: (وَالْأَسْفَلَ) فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، أَيْ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمُعْتَمَدِ لِلْبَنْدَنِيجِيِّ، لَا عَلَى الْجِهَتَيْنِ مُنَاصَفَةً

стр. 1198

لَهُمَا. وَالصِّفَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَلْحَقَانِ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِحَرْفٍ مُشَرِّكٍ كَالْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَثُمَّ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْهَا كَلَامٌ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي جَمِيعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَا عَلَيْهَا أَمْ تَأَخَّرَا أَمْ تَوَسَّطَا كَوَقَفْتُ هَذَا عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَحْفَادِي، أَوْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ، وَالْحَاجَةُ هُنَا مُعْتَبَرَةٌ بِجَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ، فَإِنْ تَخَلَّلَ الْمُتَعَاطِفَاتُ مَا ذُكِرَ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ، فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِلَّا فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ. فَإِذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ إلَى إخْوَةِ الْمُحْتَاجِينَ أَوْ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَعْطُوفِ الْأَخِيرِ، وَنَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ وَمُؤْنَةُ ــ [حاشية البجيرمي] لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُمَا، نَعَمْ لَا يَدْخُلُ مُدَبَّرٌ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَوَالِي حَالَ الْوَقْفِ وَلَا حَالَ الْمَوْتِ اهـ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (فَلَوْ اجْتَمَعَا اشْتَرَكَا) أَيْ سَوِيَّةً وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ بِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ لَوْ وُجِدَ بَعْدُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالصِّفَةُ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يُفِيدُ قَيْدًا فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ النَّحْوِيَّةُ أَيْ خَاصَّةً شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (بِحَرْفِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَاطِفَاتِ. قَوْلُهُ: (كَالْوَاوِ إلَخْ) بَقِيَ لِلْكَافِّ حَتَّى، وَقَوْلُهُ " اشْتِرَاكُهُمَا " أَيْ اشْتِرَاكُ كُلٍّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ. قَوْلُهُ: (أَتَقَدَّمَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمُتَعَاطِفَاتِ. قَوْلُهُ: (أَمْ تَوَسَّطَا) خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ نَحْوُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَوْلَادِهِمْ، قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " لَا نَعْلَمُ فِيهَا نَقْلًا ": فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَعُودُ إلَى مَا وَلِيَهَا أَيْضًا، بَلْ قِيلَ: إنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِمَا أَيْضًا أَوْلَى مِمَّا إذَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُ الْمُتَعَاطِفَاتِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ كَغَيْرِهِ عَنْ الْمُتَوَسِّطِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا مُتَأَخِّرَةٌ وَلِمَا بَعْدَهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخَيْنِ عَقِبَ مَا مَرَّ: وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا اهـ. فَالصِّفَةُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا مِثَالٌ لِتَأْخِيرِهِ، وَمِثَالُ تَقْدِيمِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى غَيْرِ الْغَنِيِّ مِنْ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمِثْلُهُ فِي الرَّوْضِ بِوَقَفْتُ إلَّا عَلَى مَنْ فَسَقَ مِنْ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، قَالَ م ر: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِسْقِ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٌ عَلَى صَغِيرَةٍ أَوْ صَغَائِرَ وَلَمْ تَغْلِبُ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَبِالْعَدَالَةِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِخَرْمِ مُرُوءَتِهِ مَثَلًا اهـ. فَلَوْ تَابَ الْفَاسِقُ هَلْ يَسْتَحِقُّ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى بِنْتِهِ الْأَرْمَلَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ تَغَرَّبَتْ. مِنْ أَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي أَنْ لَا تَحْتَاجَ أَلْبَتَّةَ يَعْنِي قَطْعًا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى وَلَدِي مَا دَامَ فَقِيرًا فَاسْتَغْنَى ثُمَّ افْتَقَرَ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْمُومَةَ تَنْقَطِعُ بِالِاسْتِغْنَاءِ، وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ مَا يَشْمَلُ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ عَوْدِ الْفَقْرِ. اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ) أَيْ الْكَلَامُ الطَّوِيلُ، وَهُوَ فَاعِلٌ. قَوْلُهُ: (بِالْمَعْطُوفِ الْأَخِيرِ) وَهُوَ الْإِخْوَةُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ فِي الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِخْوَتِي بَعْدَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِي. قَوْلُهُ: (وَنَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ إلَخْ) وَلِأَهْلِ الْوَقْفِ الْمُهَايَأَةُ لَا قِسْمَتُهُ وَلَوْ إفْرَازًا وَلَا تَغْيِيرُهُ كَجَعْلِ الْبُسْتَانِ دَارًا، وَعَكْسُهُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ الْعَمَلَ بِالْمَصْلَحَةِ فَيَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِحَبْسِهَا. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ تَغْيِيرُهُ فِي غَيْرِهَا وَلَكِنْ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّاهُ، وَأَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْقُلُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى آخَرَ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ؛ وَعَلَيْهِ فَفَتْحُ شُبَّاكٍ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فِيهِ. اهـ. شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّاهُ " مِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ مَطْهَرَةَ مَسْجِدِ مُجَاوِرٍ لِشَارِعٍ مِنْ شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ آلَتْ لِلسُّقُوطِ وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ مَا تَعْمُرُ بِهِ فَطَلَبَ شَخْصٌ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ مَالِهِ بِشَرْطِ تَرْكِ قِطْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ حَامِلَةً لِلْجِدَارِ لِتَتَّسِعَ الطَّرِيقُ فَظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ انْهِدَامِهَا وَعَدَمِ مَا

стр. 1199

تَجْهِيزِهِ وَعِمَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ شَرَطَهَا الْوَاقِفُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَمِنْ مَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ كَكَسْبِ الْعَبْدِ وَغَلَّةِ الْعَقَارِ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنَافِعُهُ فَالنَّفَقَةُ وَمُؤْنَةُ التَّجْهِيزِ لَا الْعِمَارَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ نَظَرًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِلْقَاضِي وَشَرْطُ النَّاظِرِ عَدَالَةٌ وَكِفَايَةٌ، وَوَظِيفَتُهُ عِمَارَةٌ وَإِجَارَةٌ وَحِفْظُ أَصْلٍ وَغَلَّةٍ وَجَمْعُهَا وَقِسْمَتُهَا عَلَى ــ [حاشية البجيرمي] تَعْمُرُ بِهِ هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْجَوَازُ نَظَرًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَوْلُهُ " إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ " يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا أَرَادَ عِمَارَةَ مَسْجِدٍ خَرِبٍ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ غَيْرِ آلَتِهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي جَعْلِ بَابِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ بِجِوَارِ مَنْ يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْجَامِعِ وَالْمُسْلِمِينَ. اهـ. ع ش. فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ حَادِثَةٍ، وَهِيَ أَنَّ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَلْفٍ وَجَدَ مِنْ رِيعِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ دَرَاهِمَ لَهَا صُورَةٌ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا فَاشْتَرَى بِهَا جِرَايَاتٍ وَجُعِلَتْ خُبْزًا وَوُزِّعَتْ عَلَى فُقَرَائِهِ، هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ وَجَوَابُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَاحْفَظْهُ اهـ ع ش وَفِي فَتَاوَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ إيقَادُ الْيَسِيرِ فِي الْمَسْجِدِ الْخَالِي لَيْلًا تَعْظِيمًا لَهُ لَا نَهَارًا لِلسَّرَفِ وَالتَّشْبِيهِ بِالنَّصَارَى. وَفِي الرَّوْضَةِ: يَحْرُمُ إسْرَاجُ الْخَالِي وَجُمِعَ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى مَا إذَا أُسْرِجَ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدَ أَوْ مِلْكِهِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بَلْ الَّذِي يَتَّجِهُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ مَا إذَا تَوَقَّعَ وَلَوْ عَلَى نَذْرِ احْتِيَاجِ أَحَدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ النُّورِ، وَالثَّانِي: عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَوَقَّعْ ذَلِكَ. اهـ. حَجّ. وَقَوْلُهُ " وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ " أَيْ إذَا مَاتَ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ نَظَرًا لِنَفْسِهِ إلَخْ) وَلَوْ شَرَطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِنَفْسِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، نَعَمْ يُقِيمُ الْحَاكِمُ مُتَكَلِّمًا غَيْرَ مُدَّةِ إعْرَاضِهِ فَلَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " لَمْ يَنْعَزِلْ بِنَفْسِهِ " وَمَنْ عَزَلَ لِنَفْسِهِ مَا لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ النَّظَرِ لِغَيْرِهِ بِفَرَاغٍ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ وَيَسْتَنِيبُ الْقَاضِي مَنْ يُبَاشِرُ عَنْهُ فِي الْوَظِيفَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ مِنْ الْوَظَائِفِ شَيْئًا لِأَحَدٍ حَالَ الْوَقْفِ اُتُّبِعَ، وَمِنْهُ مَا لَوْ شَرَطَ الْإِمَامَةَ أَوْ الْخَطَابَةَ لِشَخْصٍ وَلِذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ ذَلِكَ فَرَغَ عَنْهَا لِآخَرَ وَبَاشَرَ الْفُرُوعُ لَهُ فِيهِمَا مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ الْفَارِغُ عَنْ أَوْلَادٍ وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِ الْفَارِغِ عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، ثُمَّ مَا اسْتَغَلَّهُ الْمَفْرُوغُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَهُ الْحَاكِمُ؛ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَقْرِيرَهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لِلنِّيَابَةِ عَنْ الْفَارِغِ ثَابِتٌ لَهُ مُدَّةَ حَيَاةِ الْفَارِغِ؛ وَكَذَلِكَ لَا رُجُوعَ لِلْمَفْرُوغِ لَهُ عَلَى تَرِكَةِ الْفَارِغِ بِمَا أَخَذَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَرَاغِ وَإِنْ انْتَقَلَتْ الْوَظِيفَةُ عَنْهُ لِأَوْلَادِ الْفَارِغِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ الدَّرَاهِمَ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ الْحَقِّ لَهُ وَقَدْ وُجِدَ وَقَرَّرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (اُتُّبِعَ شَرْطُهُ) وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَنَّهُ يَقِفُ مَالَهُ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ حَالَ صِحَّتِهِ قَاصِدًا بِذَلِكَ حِرْمَانَ إنَاثِهِمْ، وَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " حَالَ صِحَّتِهِ " أَمَّا فِي حَالِ مَرَضِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِإِجَازَةِ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الْبَاقِينَ. اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (لِلْقَاضِي) أَيْ قَاضِي بَلَدِ الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ إجَارَتُهُ وَحِفْظُهُ وَنَحْوُهُمَا وَقَاضِي بَلَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ قِسْمَةُ الْغَلَّةِ كَمَا فِي الْمَالِ الْيَتِيمِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ فِعْلُ مَا لَيْسَ لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَعَدَالَةٌ) أَيْ بَاطِنَةٌ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَنْصُوبَ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْصُوبَ الْوَاقِفِ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ الْبَاطِنَةَ فِي مَنْصُوبِ الْحَاكِمِ وَاكْتَفَى بِالظَّاهِرَةِ فِي مَنْصُوبِ الْوَاقِفِ. اهـ. ز ي. وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الْبَصَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِاشْتِرَاطِ الْبَصَرِ فِي النَّاظِرِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ النَّاظِرُ الْقَاضِيَ وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا مَنْصُوبُهُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَدَالَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (وَكِفَايَةٌ) أَيْ لِمَا يَتَوَلَّاهُ. قَوْلُهُ: (وَوَظِيفَتُهُ عِمَارَةٌ) وَالْعِمَارَةُ إنْ شَرَطَهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ تَعَيَّنَ، فَإِنْ فُقِدَ فَبَيْتُ الْمَالِ ثُمَّ الْمَيَاسِيرُ لَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ. وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ الْعِمَارَةَ عَلَى السَّاكِنِ وَشَرَطَ إنَّ تِلْكَ الدَّارَ لَا تُؤَجَّرُ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ بَعْدَ

стр. 1200

مُسْتَحِقِّيهَا، فَإِنْ فَوَّضَ لَهُ بَعْضَهَا لَمْ يَتَعَدَّهُ وَلِوَاقِفِ نَاظِرٍ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ النَّظَرَ عَنْهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ. ــ [حاشية البجيرمي] الْفَحْصِ أَيْ التَّفْتِيشِ أَنَّ شَرْطَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ كَمَا شَمَلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِمْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ مَا لَمْ يُنَافِ الْوَقْفَ أَوْ الشَّرْعَ. وَفَائِدَةُ صِحَّتِهِ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ، فَلَا يَلْزَمُ بِهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَرْكَ مِلْكِهِ بِلَا عِمَارَةٍ فَمَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ بِالْأَوْلَى، فَلَوْ تَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى تَعْمِيرِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيمَا إذَا أَشْرَفَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا عَلَى الِانْهِدَامِ لَا بِسَبَبِهِ بَيْنَ أَنْ يُعَمِّرَ وَيَسْكُنَ وَبَيْنَ أَنْ يُهْمِلَ وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى خَرَابِهَا، نَعَمْ عَلَى النَّاظِرِ إيجَارُهَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ بَقَاؤُهَا وَإِنْ خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ. لَا يُقَالُ شَرْطُ الْعِمَارَةِ عَلَى السَّاكِنِ يُنَافِي مَقْصُودَ الْوَقْفِ مِنْ إدْخَالِ الرِّفْقِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، إذْ شَأْنُهُ أَنْ يَغْنَمَ وَلَا يَغْرَمَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ قَطَعَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِالصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْكُنَ مَكَانَ كَذَا كَمَا مَرَّ. وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا عَيَّنَ مَكَانًا لَا يُسْكَنُ إلَّا بِأُجْرَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِسُكْنَاهُ أَوْ زَادَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ، فَكَمَا وَجَبَ لِاسْتِحْقَاقِهِ السُّكْنَى بِالْأُجْرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فَكَذَلِكَ تَجِبُ الْعِمَارَةُ لِاسْتِحْقَاقِ السُّكْنَى إذَا أَرَادَهَا، وَإِلَّا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ قَدْ يَغْرَمُ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ رِفْقٌ بِالْمَوْقُوفِ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْوَقْفِ حَتَّى يُلْغَى كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ مَثَلًا وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ قَيَّدَ اسْتِحْقَاقَهُ لِسُكْنَاهُ بِأَنْ يُعَمِّرَ مَا انْهَدَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُعَمِّرْهُ وَإِلَّا فَلْيُعْرِضْ عَنْهُ؛ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ مَشَايِخِنَا أَيَّدَهُ. اهـ. شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِابْنِ حَجَرٍ عِ ش عَلَى م ر. وَفِي حَاشِيَتِهِ ن ز عَلَى الْمَنْهَجِ فِي بَابِ الْغَصْبِ: وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِ قَزْوِينَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ وَضْعِ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ خَزَائِنَهُمْ فِيهِ الَّتِي يَحْتَاجُونَهَا لِكُتُبِهِمْ وَلِمَا يُضْطَرُّونَ لِوَضْعِهِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْإِقَامَةُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ دُونَ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا لِأَمْتِعَتِهِمْ الَّتِي يَسْتَغْنُونَ عَنْهَا وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ لِمَا جَازَ وَضْعُهُ، بِخِلَافِ وَضْعِ مَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ فِيهِ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (وَلِوَاقِفِ نَاظِرٍ إلَخْ) وَأَفْتَى السُّبْكِيُّ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ عَزْلُ الْمُدَرِّسِ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ وَلَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إسْقَاطُ بَعْضِ الْأَجْنَادِ الْمُثْبَتِينَ فِي الدِّيوَانِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَالنَّاظِرُ الْخَاصُّ أَوْلَى. وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ، وَمَنْ رَبَطَ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِلَا سَبَبٍ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، بَلْ يُرَدُّ بِأَنَّ التَّدْرِيسَ فَرْضٌ أَيْضًا أَيْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَمَنْ رَبَطَ نَفْسَهُ بِهِمَا فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الرَّبْطَ بِهِ كَالتَّلَبُّسِ بِهِ وَإِلَّا فَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا. وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ عَزْلَهُ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ لَا يَنْفُذُ، بَلْ هُوَ قَادِحٌ فِي نَظَرِهِ. وَلَوْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّونَ مِنْ النَّاظِرِ كِتَابَ الْوَقْفِ أَيْ الْكِتَابَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ وَقْفِيَّةُ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ لِيَكْتُبُوا مِنْهُ نُسْخَةً حِفْظًا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ لَزِمَهُ تَمْكِينُهُمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (نَاظِرٍ) أَيْ شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَعْزِلُهُ النَّاظِرُ إلَّا بِنَحْوِ فِسْقٍ. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَعِنْدَ زَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ يَكُونُ النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ كَمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ لَا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَهْلِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُتَأَخِّرِ نَظَرًا إلَّا بَعْدَ فَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا سَبَبَ لِنَظَرِهِ بِغَيْرِ فَقْدِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ انْتِقَالَ وِلَايَةِ النِّكَاحِ لِلْأَبْعَدِ بِفِسْقِ الْأَقْرَبِ لِوُجُودِ السَّبَبِ فِيهِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ اهـ بِحُرُوفِهِ. ١ - فَرْعٌ: لَوْ قَرَّرَ الْبَاشَا فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدًا وَالْقَاضِي شَخْصًا آخَرَ فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ وَلَّاهُ الْبَاشَا أَوْ الْقَاضِي؟ يُنْظَرُ، إنْ شُرِطَ التَّقْرِيرُ لِأَحَدِهِمَا اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ مَنْ قَرَّرَهُ الْبَاشَا نَظَرًا لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ. اهـ. م د. ١ - فَرْعٌ: قَرَّرَ شَيْخُنَا فِي دَرْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَأْخُذَ الضِّيَافَةَ وَالْحُلْوَانَ عِنْدَ إيجَارِ لِوَقْفٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخْذٌ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ.

стр. 1201

فَصْلٌ: فِي الْهِبَةِ تُقَالُ لِمَا يَعُمُّ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ وَلِمَا يُقَابِلُهُمَا وَاسْتُعْمِلَ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهَا وَالثَّانِي فِي أَرْكَانِهَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهَا عَلَى الْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَالْهِبَةُ بِرٌّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُحَقِّرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» أَيْ ظِلْفَهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْهِبَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا أَسْبَابٌ تُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ مِنْهَا الْهِبَةُ لِأَرْبَابِ ــ [حاشية البجيرمي] خَاتِمَةٌ: فِي الدَّمِيرِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ: قَالَ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ: قَالَ: لِي ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَفْتَيْت بِبُطْلَانِ وَقْفِ خِزَانَةِ كُتُبٍ وَقَفَهَا وَاقِفُهَا لِتَكُونَ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ فِي مَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَنَظِيرُهُ إحْدَاثُ مِنْبَرٍ فِي مَسْجِدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جُمُعَةٌ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا إحْدَاثُ كُرْسِيِّ مُصْحَفٍ مُؤَبَّدٍ يُقْرَأُ فِيهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ وَالْعَجَبُ مِنْ قُضَاةٍ يُثْبِتُونَ وَقْفَ ذَلِكَ شَرْعًا (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [فَصْلٌ فِي الْهِبَةِ] ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْوَقْفِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبَرُّعٌ وَتَمْلِيكٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَكَرَهَا عَقِبَ الْوَقْفِ لِأَنَّ فِيهَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ مَعَ الْعَيْنِ كَمَا أَنَّ الْوَقْفَ كَذَلِكَ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَبَّ إذَا مَرَّ لِمُرُورِهَا مِنْ يَدٍ إلَى أُخْرَى أَوْ اسْتَيْقَظَ لِتَيَقُّظِ فَاعِلِهَا لِلْإِحْسَانِ. قَوْلُهُ: (لِمَا يَعُمُّ إلَخْ) . فَتَجْتَمِعُ الثَّلَاثَةُ فِيمَا إذَا نَقَلَ إلَيْهِ شَيْئًا إكْرَامًا وَقَصَدَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أَيْ حُبِّ اللَّهِ. " وَعَلَى " لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ حُبِّ اللَّهِ، أَوْ الضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمَالِ وَتَكُونُ " عَلَى " بِمَعْنَى " مَعَ ". قَوْلُهُ: (لَا تُحَقِّرَن) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُعْطِيَةِ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمَهْدِيِّ إلَيْهَا. قُلْت: وَلَا يَتِمُّ حَمْلُهُ إلَيْهَا إلَّا بِجَعْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِجَارَتِهَا بِمَعْنَى مِنْ وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ اهـ فَتْحُ الْبَارِي شَوْبَرِيٌّ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: وَالنَّهْيُ لِلْمُهْدِيَةِ وَالْمُهْدَى إلَيْهَا؛ وَالْمَعْنَى لَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنْ إهْدَاءِ شَيْءٍ قَلِيلٍ بَلْ تَجُودُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهَا وَلَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنْ قَبُولِهَا مَا أُهْدِيَ لَهَا وَإِنْ قَلَّ، وَأُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولِهِ لَا إلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ إذْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطَتْ سَائِلًا حَبَّةَ عِنَبٍ فَأَخَذَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ اسْتِحْقَارًا لَهَا فَقَالَتْ لَهُ زَجْرًا: كَمْ فِي هَذِهِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . اهـ. قِ ل. قَوْلُهُ: (فِرْسِن) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ السِّينِ قَوْلُهُ (أَيْ ظِلْفَهَا) فَسَّرَ الْفِرْسِنَ بِهِ لِإِضَافَتِهِ فِي الْحَدِيثِ لِلشَّاةِ فَإِنَّ الَّذِي لِلشَّاةِ هُوَ الظِّلْفُ لَا الْفِرْسِنُ لِأَنَّهُ لِلْإِبِلِ خَاصَّةً فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الظِّلْفِ فِي الْحَدِيثِ مَجَازٌ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْفِرْسِنُ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ وَهُوَ مِنْ الْبَعِيرِ كَالْحَافِرِ لِلدَّابَّةِ وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِلشَّاةِ فَيُقَالُ فِرْسِنُ شَاةٍ وَاَلَّذِي لِلشَّاةِ هُوَ الظِّلْفُ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ وَالْمُرَادُ الظِّلْفُ الْمَشْوِيُّ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُحْرِقِ إذْ لَوْ حُمِلَ الْمُحْرِقُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الظِّلْفَ يَكُونُ لِلْبَقَرِ أَيْضًا وَاَلَّذِي لِنَحْوِ الْحِمَارِ فِي مَحَلِّهِ حَافِرٌ وَلِلطَّيْرِ ظُفْرٌ. قَوْلُهُ: (تُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ إمَّا لِلْحُرْمَةِ أَوْ لِلْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ، وَلَا تُبَاحُ لِأَنَّ وَضْعَهَا النَّدْبُ

стр. 1202

الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالِ وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ الْمُتَّهَبُ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ تَمْلِيكُ تَطَوُّعٍ فِي حَيَاةٍ فَخَرَجَ بِالتَّمْلِيكِ الْعَارِيَّةُ وَالضِّيَافَةُ وَالْوَقْفُ وَبِالتَّطَوُّعِ غَيْرُهُ كَالْبَيْعِ وَالزَّكَاةِ فَإِنْ مَلَكَ لِاحْتِيَاجٍ أَوْ لِثَوَابِ آخِرَةٍ فَصَدَقَةٌ أَيْضًا أَوْ نَقَلَهُ لِلْمُتَّهَبِ إكْرَامًا لَهُ فَهَدِيَّةٌ (وَأَرْكَانُهَا) بِالْمَعْنَى الثَّانِي الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ثَلَاثَةٌ: صِيغَةٌ وَعَاقِدٌ وَمَوْهُوبٌ، وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ هِبَتُهُ) بِالْأَوْلَى لِأَنَّ بَابَهَا أَوْسَعُ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ التَّاءَ مِنْ جَازَ هِبَتُهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ تَأْنِيثَ الْهِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ أَوْ لِمُشَاكَلَةٍ جَازَ بَيْعُهُ. ــ [حاشية البجيرمي] ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْهَا الْهِبَةُ لِأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالِ) لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ، كَإِقَامَةِ بَاطِلٍ أَوْ تَرْكِ حَقٍّ، وَإِلَّا فَلَا تَحْرُمُ، وَقَدْ وَرَدَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ سُحْتٌ» لِأَنَّهَا تُذْهِبُ الْبَرَكَةَ، أَوْ لِأَنَّهَا تُسْحِتُ فِي النَّارِ أَيْ تُلْقِيهِ فِيهَا. قَوْلُهُ: (عَلَى مَعْصِيَةٍ) أَيْ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَوْ ظُنَّ وَإِلَّا فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثَالًا لِلْوَاجِبَةِ كَمَا لَوْ نَذَرَهَا. قَوْلُهُ: (تَمْلِيكُ تَطَوُّعٍ فِي حَيَاةٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ امْتِنَاعُ الْهِبَةِ لِلْحَمْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ وَلَا تَمَلُّكُ الْوَلِيِّ لَهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الْعَارِيَّةُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا وَلَا مِلْكَ أَيْضًا بَلْ إبَاحَةٌ. قَوْلُهُ: (وَالضِّيَافَةُ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِلْكٌ لَكِنْ لَا بِالتَّمْلِيكِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِزَيْدٍ طَعَامًا فَأَكَلَ ضَيْفًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ وَضْعِهِ فِي فَمِهِ، فَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ إلَّا طَعَامَ نَفْسِهِ أج. وَقَوْلُهُ " بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ " لَكِنَّهُ يَكُونُ مُرَاعًى وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِازْدِرَادٍ فَلَوْ لَفَظَهُ بَطَلَ مِلْكُهُ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْوَقْفُ) فَإِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: الْأَوْجَهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْفِ بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " فِي حَيَاةٍ " الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِيهَا إنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبُولِ وَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَلَكَ لِاحْتِيَاجٍ) أَيْ احْتِيَاجِ الْآخِذِ. قَوْلُهُ: (فَصَدَقَةٌ أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّهَا هِبَةٌ فَكُلٌّ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ هِبَةٌ وَلَا عَكْسَ، وَكُلُّهَا مَسْنُونَةٌ وَأَفْضَلُهَا الصَّدَقَةُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ " وَلَا عَكْسَ " أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَلَيْسَ كُلُّ هِبَةٍ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي الْحَلِفِ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ وَلَا بِهَدِيَّةٍ أَيْضًا أَوْ حَلَفَ لَا يُهْدِي لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ وَلَا بِصَدَقَةٍ أَيْضًا أَوْ لَا يَهَبُ حَنِثَ بِهِمَا وَعَتَقَ عَبْدُهُ وَإِبْرَاءُ مَدِينِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ اهـ ق ل. وَتُعْرَفُ بِنَاءً عَلَى إطْلَاقِهَا عَلَى مَا يُقَابِلُ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الشَّيْءِ لَا لِطَلَبِ الثَّوَابِ وَلَا لِلنَّقْلِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَرْكَانُ لِلْهِبَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إيجَابٌ وَقَبُولٌ. قَوْلُهُ: (إكْرَامًا لَهُ) خَرَجَ بِذَلِكَ الْهَدِيَّةُ لِلظُّلْمَةِ وَرِشْوَةُ الْقَاضِي وَمَا يُعْطَى لِلشَّاعِرِ خَوْفًا مِنْ هَجْوِهِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ السُّبْكِيّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِكْرَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالشَّرْطُ هُوَ النَّقْلُ. اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (فَهَدِيَّةٌ) أَيْضًا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ مَعَ صِيغَةٍ كَانَ هِبَةً وَصَدَقَةً، وَإِنْ مَلَكَ بِقَصْدِ الْإِكْرَامِ مَعَ صِيغَةٍ كَانَ هِبَةً وَهَدِيَّةً، وَإِنْ مَلَكَ لَا لِأَجْلِ الثَّوَابِ وَلَا الْإِكْرَامِ بِصِيغَةٍ كَانَ هِبَةً فَقَطْ، وَإِنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ صِيغَةٍ كَانَ صَدَقَةً فَقَطْ، وَإِنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ مِنْ غَيْرِ صِيغَةٍ كَانَ هَدِيَّةً فَقَطْ فَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْكِتَابُ هَدِيَّةٌ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِ إلَّا إنْ شَرَطَ كِتَابَةَ الْجَوَابِ عَلَى ظَهْرِهِ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: سِتُّ كَلِمَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ لَا يَحْوِيهَا إلَّا الْعُقُولُ الزَّكِيَّةُ: أَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْهَدِيَّةُ وَأَصْلُ الْبُغْضَةِ الْأَسِيَّةُ وَأَصْلُ الْقُرْبِ الْأَمَانَةُ وَأَصْلُ الْبَعْدِ الْخِيَانَةُ وَأَصْلُ زَوَالِ النِّعْمَةِ الْبَطَرُ وَأَصْلُ الْعِفَّةِ غَضُّ الْبَصَرِ. قَوْلُهُ: (وَعَرَّفَهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ الْمُصَنِّفُ، نُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا لَا تَعْرِيفٌ، وَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ رَسْمٌ لِأَنَّهُ يُمَيِّزُهَا فِي الْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ إلَخْ) أَفْهَمَ كَلَامُهُ امْتِنَاعَ هِبَةِ الِاخْتِصَاصِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ، أَمَّا بِمَعْنَى نَقْلِ الْيَدِ فَجَائِزٌ. اهـ. سم. وَقَوْلُهُ " بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ إلَخْ " أَيْ فَإِذَا قَالَ: وَهَبْتُك هَذَا الْخَمْرَ مَثَلًا فَإِنْ أَرَادَ مَلَّكْتُك لَا يَصِحُّ، وَإِنْ أَرَادَ نَقَلْت يَدَيْ عَنْهُ صَحَّ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بَابَهَا أَوْسَعُ) إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ هِبَةُ أَشْيَاءَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَالْبَيْعُ كَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَشْيَاءِ وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ الْهِبَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى صِيغَةٍ وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا صِيغَةٌ بَلْ يَكْفِي فِيهِمَا بَعْثٌ وَقَبْضٌ. قَوْلُهُ: (مِنْ هِبَتِهِ)

стр. 1203

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِلُ مِنْهَا: الْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ إذَا اسْتَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ أَوْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهَا لَا مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. وَمِنْهَا الْمُكَاتَبُ يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ. وَمِنْهَا: هِبَةُ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بِالْأُجْرَةِ، وَفِي هِبَتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةٌ وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ. وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيّ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ أَمَانَةٌ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَاسْتَثْنَى مَسَائِلَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرْتُهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهِ. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَضَالٍّ وَآبِقٍ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ بِجَامِعِ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ. وَاسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ هَذَا مَسَائِلَ مِنْهَا: حَبَّتَا الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ كَشَعِيرٍ فَإِنَّهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَتَجُوزُ هِبَتُهُمَا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِانْتِفَاءِ الْمُقَابِلِ لَهُمَا وَإِنْ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ إنَّ هَذَا سَبْقُ قَلَمٍ. وَمِنْهَا: حَقُّ التَّحْجِيرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَمِنْهَا صُوفُ الشَّاةِ الْمَجْعُولَةِ أُضْحِيَّةً وَلَبَنُهَا، وَمِنْهَا: الثِّمَارُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَجُوزُ هِبَتُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَاسْتَثْنَى مَسَائِلَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ. وَشَرَطَ فِي الْعَاقِدِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ الْمِلْكُ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ وَلِيٍّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ، وَلَا مِنْ مُكَاتَبٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ ــ [حاشية البجيرمي] أَيْ مِنْ فِعْلِهَا الَّذِي هُوَ جَازَ. قَوْلُهُ: (أَوْ لِمُشَاكَلَةٍ) أَيْ مُنَاسَبَةٍ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُعْسِرٌ) رَاجِعٌ لِكُلِّ مِمَّا قَبْلَهُ، أَمَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا نَفَذَ وَلَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. قَوْلُهُ: (لِلضَّرُورَةِ) وَهِيَ وَفَاءُ الدَّيْنِ. قَوْلُهُ: (هِبَةُ الْمَنَافِعِ) الْأَوْلَى حَذْفُ " هِبَةُ " بِأَنْ يَقُولَ: وَمِنْهَا الْمَنَافِعُ لِيُنَاسِبَ الْخِلَافَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ أَيْ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ إلَخْ، وَالثَّانِي: تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ إلَخْ. قَوْلُهُ: (أَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ) الْمُنَاسِبُ أَنَّ إبَاحَتَهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّلَازُمَ بَيْنَ عَارِيَّةِ الْمَحَلِّ وَإِبَاحَةِ الْمَحَلِّ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْعَارِيَّةِ لِلْعَيْنِ عَلَى مَنَافِعِهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً، أَيْ وَشَأْنُ الْعَارِيَّةِ أَنَّ مَنَافِعَهَا لَا يَمْلِكُهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ. وَقَضِيَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهَا مَتَى شَاءَ لِأَنَّهُ فَرَضَ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (أَنَّهَا تَمْلِيكٌ) مُعْتَمَدٌ. قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ) أُطْلِقَ عَلَيْهِ هِبَةً بِالنَّظَرِ لِلصُّورَةِ، أَوْ بِالنَّظَرِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَهِيَ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا أُبِيحَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (عَارِيَّةٌ) فَإِذَا تَلِفَ ضَمِنَهُ الْمُتَّهَبُ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، قَالَ م ر: وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا بِقَبْضِ الْعَيْنِ اهـ فَلَوْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُتَّهَبِ فِيمَا بَقِيَ. قَوْلُهُ: (حَقُّ التَّحْجِيرِ) أَيْ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْإِحْيَاءِ؛ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْطَ الْهِبَةِ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ. قَوْلُهُ: (صُوفُ الشَّاةِ إلَخْ) أَيْ فَتَصِحُّ هِبَتُهُمَا لَا بَيْعُهُمَا. قَوْلُهُ: (يَجُوزُ هِبَتُهَا) وَهَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ أَوْ الْإِبْقَاءُ إلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي، وَتَكُونُ هِبَتُهَا رِضًا بِإِبْقَائِهَا إلَيْهِ أَيْ إلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ اهـ د م. قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ الْمِلْكُ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَقَّ التَّحْجِيرِ الْمُتَقَدِّمَ وَصُوفَ الشَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ هِبَتُهُمَا مَعَ عَدَمِ الْمِلْكِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَمْلُوكٌ مِلْكًا مُرَاعًى، أَيْ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الصُّوفَ جُبَّةً وَفُرُشًا وَغَيْرَهُمَا، وَحَقُّ التَّحَجُّرِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَحَّ كَلَامُ الشَّارِحِ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ اهـ أج. قَوْلُهُ: (وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ: وَأَهْلِيَّةُ تَبَرُّعٍ، لِيَصِحَّ إخْرَاجُ الْوَلِيِّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ وَالْمُكَاتَبِ مَعَ أَنَّهُمَا مُطْلَقَا التَّصَرُّفِ أَيْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا؛ وَلَكِنْ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ الْمِلْكِ) أَيْ التَّمَلُّكِ، وَهَذَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَّهَبِ الرُّشْدُ بَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ وَلِيِّ الطِّفْلِ. وَفِي حَاشِيَتِهِ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا م ر. عَنْ شَخْصٍ بَالِغٍ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدٍ مُمَيِّزٍ وَوَقَعَتْ الصَّدَقَةُ فِي يَدِهِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ فَهَلْ يَمْلِكُهَا الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِهَا فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ احْتَطَبَ أَوْ

стр. 1204

لِمَا يُوهَبُ لَهُ مِنْ مُكَلَّفٍ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يَقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ فَلَا تَصِحُّ لِحَمْلٍ وَلَا لِبَهِيمَةٍ وَلَا لِرَقِيقٍ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ ــ [حاشية البجيرمي] احْتَشَّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَمْ لَا لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ صَحِيحٍ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الصَّبِيُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِقَبْضِ وَلِيِّهِ اهـ. وَعَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ فَهَلْ يَحْرُمُ الدَّفْعُ لَهُ كَمَا يَحْرُمُ تَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ مِنْهُ أَمْ لَا لِانْتِقَاءِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ الْبَالِغِ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، فَلِلْمُبِيحِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا دَامَ بَاقِيًا هَذَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ حَيْثُ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ فِي عَدَمِ رِضَا الْوَلِيِّ بِالدَّفْعِ لَهُ سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ يُعَوِّدُهُمْ عَلَى دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَالرَّذَالَةِ فَيَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ لَهُمْ لَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الظَّاهِرَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ. قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ) يَشْمَلُ ذَلِكَ الْهِبَةَ لِلْعَبْدِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ إذَا قَصَدَ الْوَاهِبُ سَيِّدَهُ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ الْقَبُولَ مِنْ السَّيِّدِ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلِيِّ. قَوْلُهُ: (يَقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ انْعَزَلَ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ دُونَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ الْوَلِيَّ قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ إلَّا إنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ غَرَسَ شَجَرًا وَقَالَ عِنْدَ غِرَاسِهِ: أَغْرِسهُ لِطِفْلِي أَوْ جَعَلْته لَهُ أَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَزَيَّنَهُمَا بِهِ أَوْ جَهَّزَ بِنْتَه بِأَمْتِعَةٍ، لَمْ يَحْصُلْ الْمِلْكُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَوْ ادَّعَتْ بِنْتُهُ أَنَّهُ مَلَّكَهَا إيَّاهُ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ ابْنَتَهُ وَجَهَازَهَا إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ فَإِنْ قَالَ: هَذَا جَهَازُ بِنْتِي فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَهُوَ إعَارَةٌ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ سم. قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ لِحَمْلٍ) وَفَارَقَتْ مِلْكَهُ لِلْإِرْثِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَهْرِيٌّ، وَفَارَقَتْ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الْهِبَةِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ. قَوْلُهُ: (وَلَا لِرَقِيقٍ نَفْسِهِ) بِتَنْوِينِ رَقِيقٍ وَإِبْدَالِ نَفْسِهِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِرَقِيقِ الْوَاهِبِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَمْ السَّيِّدَ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَإِلَّا فَالْهِبَةُ لَهُ وَلَوْ مِنْ سَيِّدِهِ صَحِيحَةً وَلَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ تَوْكِيدًا لِأَنَّ رَقِيقَ نَكِرَةٌ وَالتَّوْكِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَعْرِفَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَمَّا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فَيَجُوزُ تَوْكِيدُ النَّكِرَةِ إنْ أَفَادَ وَعَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ يَفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ. وَفِي نُسْخَةٍ " لِنَفْسِهِ " وَهُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ. وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلْمُكَاتَبِ فَصَحِيحَةٌ وَيَمْلِكُهَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً فَلِمَنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَتِهِ فَإِنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَةِ الْمُبَعَّضِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ فَإِنْ أَطْلَقَ الْوَاهِبُ أَوْ قَصَدَ السَّيِّدُ صَحَّ وَكَانَ الْقَبُولُ مِنْ الْمُبَعَّضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً، فَمَا خَصَّ الْبَعْضَ الْحُرَّ تَصِحُّ فِيهِ وَمَا قَابَلَ الْبَعْضَ الرَّقِيقَ يَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصْدِ السَّيِّدِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فَيَصِحُّ أَوْ قَصَدَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فَلَا تَصِحُّ. تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ هُنَا مَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ مِنْ قَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْوَهْبِ مِنْ صِيغَةٍ إلَخْ " لِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَرْكَانِ مُنْضَمًّا بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَالصِّيغَةُ إيجَابٌ: كَوَهَبْتُكَ وَمَلَّكْتُك وَمَنَحْتُك وَأَكْرَمْتُك وَعَظَّمْتُك وَنَحَلْتُك وَكَذَا أَطْعَمْتُك وَلَوْ فِي غَيْرِ طَعَامٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَبُولٌ: كَقَبِلْتُ وَرَضِيت وَاتَّهَبْت لَفْظًا فِي حَقِّ النَّاطِقِ وَإِشَارَةً مِنْ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِهَذَا انْعَقَدَتْ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ: " لَك هَذَا " كَذَا " وَكَسَوْتُك هَذَا " وَبِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا، فَاشْتَرَطَ هُنَا فِي الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا مَرَّ فِيهَا فِي الْبَيْعِ، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُطَابِقًا لِلْإِيجَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ هُنَا، وَمِنْهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الصِّيغَةِ فَشَرْطُ الصِّيغَةِ عُلِمَ مِنْ الْبَيْعِ، وَمِنْهُ الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ فَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدَهُمَا أَوْ شَيْئًا فَقَبِلَ بَعْضَهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعٌ فِيهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنْ الْأَعْمَى وَلَا لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْهِبَةِ الْمُقَيَّدَةِ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَأَمَّا الْهِبَةُ الْمُطْلَقَةُ فَفِيهَا نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ مِنْ الْأَعْمَى أَوْ عَلَيْهِ إلَّا إنْ وَكَّلَ بَصِيرًا فِي الْإِقْبَاضِ وَالْقَبْضِ، وَشَيْخُنَا قَالَ بِهَذَا وَاعْتَمَدَهُ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ. وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وِفَاقًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا خِلَافُهُ لِإِطْبَاقِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَهُ قِ ل وَنَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ:

стр. 1205

الْهِبَةَ لَهُ فَهِيَ لِسَيِّدِهِ. (وَلَا تَلْزَمُ) أَيْ لَا تُمْلَكُ (الْهِبَةُ) الصَّحِيحَةُ غَيْرُ الضِّمْنِيَّةِ وَذَاتُ الثَّوَابِ الشَّامِلَةِ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ (إلَّا بِالْقَبْضِ) فَلَا تُمْلَكُ، بِالْعَقْدِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ ثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً مِسْكًا، ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: إنِّي لَأُرَى النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْتُ إلَيْهِ إلَّا سَتُرَدُّ فَإِذَا رُدَّتْ إلَيَّ فَهِيَ لَكِ» فَكَانَ كَذَلِكَ. ــ [حاشية البجيرمي] وَهِبَةُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ لِلْمَدِينِ أَوْ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَيْهِ إبْرَاءٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَهَذَا صَرِيحٌ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي الذَّخَائِرِ مِنْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، نَعَمْ تَرْكُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ أَيْ بِلَفْظِ التَّرْكِ كِنَايَةُ إبْرَاءٍ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِهِ أَيْ الْمَدِينِ بَاطِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْبَضُ مِنْ الْمَدِينِ عَيْنٌ فَهِيَ غَيْرُ مَا وَهَبَ لَا دَيْنٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بُطْلَانُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ. اهـ. . قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ) عِبَارَةُ سم: وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ الشَّامِلَةُ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِيهَا إلَّا بِالْقَبْضِ مِنْ الْوَاهِبِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ فِيهِ فَتَلْزَمُ وَيَحْصُلُ الْمِلْكُ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يَمْلِكْهَا وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ أَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ جُزْءًا شَائِعًا فَقَبَضَ الْجُمْلَةَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ دُونَ الشَّرِيكِ صَحَّ وَأَثِمَ وَضَمِنَ نَصِيبَ الشَّرِيكِ، وَلَوْ حَصَلَتْ زِيَادَةٌ قَبْلَهُ مُنْفَصِلَةٌ فَهِيَ لِلْوَاهِبِ لِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِ أَوْ تَصَرَّفَ قَبْلَهُ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَكَانَ رُجُوعًا وَإِنْ ظَنَّ لُزُومَ الْهِبَةِ بِالْعَقْدِ اهـ بِحُرُوفِهِ. قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تُمْلَكُ) هُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ لِأَنَّهَا الَّتِي تُمْلَكُ، وَقَوْلُهُ " الصَّحِيحَةُ " أَيْ الصَّحِيحُ عَقْدُهَا أَوْ الضَّمِيرُ لَهَا بِمَعْنَى عَقْدِهَا فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِخْدَامٌ، وَلَوْ قَالَ: وَلَا تُمْلَكُ كَمَا فَعَلَ سم لَكَانَ أَوْلَى مُفِيدًا لِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمَتْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ أَيْضًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَتْنِ أَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ؛ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ " أَيْ لَا تُمْلَكُ " يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُفِدْ مِلْكًا أَصْلًا، وَهَذَا مَا حَلَّ بِهِ ابْنُ قَاسِمٍ كَلَامَ الْمَتْنِ، إلَّا أَنْ يُقَدِّرَ أَيْ مِلْكًا تَامًّا وَإِلَّا فَأَصْلُ الْمِلْكِ حَصَلَ بِالْعَقْدِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ شَيْخِنَا ح ف: قَوْلُهُ " وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ " أَيْ لَا تَصِيرُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَهِيَ الَّتِي يَمْتَنِعُ فَسْخُهَا شَرْعًا لِغَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ إلَّا بِالْقَبْضِ اهـ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ الضِّمْنِيَّةِ) سَيَأْتِي مُحْتَرِزُهُ بِقَوْلِهِ كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي مَجَّانًا فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضٍ. قَوْلُهُ: (الشَّامِلَةُ إلَخْ) صِفَةٌ لِلْهِبَةِ، فَكَانَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ أَيْ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لِذَلِكَ، فَلَوْ قَبَضَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ سَفِيهٌ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ هَدِيَّةً فَلَا يَمْلِكُهَا وَلِمَالِكِهَا الرُّجُوعُ فِيهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ لَا ضَمَانَ إنْ كَانَ الدَّافِعُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ إذَا قَبَضَ الْوَلِيُّ، وَإِمَّا إذَا كَانَ الدَّافِعُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهَا لَا تُمْلَكُ وَلَوْ قُبِضَتْ، وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَلِوَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ الرُّجُوعُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا. قَوْلُهُ: (إلَّا بِالْقَبْضِ) أَيْ الَّذِي فِي الْبَيْعِ إمَّا لَهَا فِي الْأَعْيَانِ أَوْ لِمَحَلِّهَا فِي الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ هِبَتَهَا صَحِيحَةٌ فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْعَقْدِ. قَوْلُهُ: (أَهْدَى إلَى النَّجَّاشِي) بِفَتْحِ النُّونِ وَنُقِلَ كَسْرُهَا وَآخِرُهُ يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ الْأَكْثَرُ رِوَايَةً، وَنَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ تَشْدِيدَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ غَلَطًا؛ وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي هَاجَرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ النُّبُوَّةِ فَآمَنَ وَأَسْلَمَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَنَعَاهُ، أَيْ أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ، وَذَكَرَ مَحَاسِنَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَصُورَةُ الْكِتَابِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى النَّجَّاشِي مَلِكِ الْحَبَشَةِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوَك إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تَتَّبِعَنِي وَتَرْضَى بِاَلَّذِي جَاءَنِي فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ؛ وَإِنِّي أَدْعُوَك وَجُنْدَك إلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. وَبَعَثَ الْكِتَابَ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ اهـ. قَوْلُهُ: (أُوقِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَفْصَحُ مِنْ تَخْفِيفِهَا وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ) اسْمُهَا هِنْدٌ، فَلَمَّا مَاتَ

стр. 1206

وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ كَالْقِرَاضِ فَلَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَخَرَجَ بِالصَّحِيحَةِ الْفَاسِدَةُ فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ. وَبِغَيْرِ الضِّمْنِيَّةِ الضِّمْنِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي مَجَّانًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَنْهُ وَيَسْقُطُ الْقَبْضُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا يَسْقُطُ الْقَبُولُ إذَا كَانَ الْتِمَاسُ الْعِتْقِ بِعِوَضٍ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ، وَبِغَيْرِ ذَاتِ الثَّوَابِ ذَاتُهُ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الثَّوَابَ اسْتَقَلَّ بِالْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ. تَنْبِيهٌ: شَمَلَ كَلَامُهُ هِبَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِيهِ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ أَمْ لَا فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إذْنٍ وَلَا إقْبَاضٍ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَمْ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَبْضِ إلَّا أَنَّهُ هُنَا لَا يَكْفِي الْإِتْلَافُ وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ ــ [حاشية البجيرمي] أَبُو سَلَمَةَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَبَتْ ثُمَّ عُمَرُ فَأَبَتْ ثُمَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَشَكَتْ إلَيْهِ شِدَّةَ الْغَيْرَةِ، فَدَعَا لَهَا أَنْ يُذْهِبَهَا اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَتْ فِي نِسَائِهِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ لَا تَجِدُ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْغَيْرَةِ اهـ مِنْ بُسْتَانِ الْفُقَرَاءِ. قَوْلُهُ: (إنِّي لَأُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا مِنْ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الظَّنِّ. اهـ. م د. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: (فَإِذَا رُدَّتْ إلَخْ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالصِّيغَةِ. قَوْلُهُ: (فَكَانَ كَذَلِكَ) أَيْ مَوْتُ النَّجَّاشِي وَرَدُّ الْهَدِيَّةِ، لَكِنْ مَا رُدَّتْ قَسَمَهَا ﷺ بَيْنَ نِسَائِهِ وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا أُمَّ سَلَمَةَ م ر، وَذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تَقْبِضْهَا وَهِيَ هِبَةٌ. فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ لَا بِالْعَقْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ رَدَّ الْهَدِيَّةِ لِمَوْتِ النَّجَّاشِي قَبْلَ قَبْضِهِ لَهَا، فَرَدُّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَعْدٌ لَا عَقْدُ هِبَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا. قَوْلُهُ: (الْفَاسِدَةُ) أَيْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْمَوْهُوبِ مَثَلًا فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَلَا ضَمَانَ لَوْ تَلِفَتْ، وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ بِفَوَاتِ شَرْطٍ فِي الْوَاهِبِ أَوْ الْمُتَّهَبِ فَقَدْ عَرَفْت حُكْمَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ) نَعَمْ لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا لَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ. قَوْلُهُ: (أَعْتِقْ عَبْدَك إلَخْ) أَيْ فَفَعَلَ. قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الْتِمَاسٌ إلَخْ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْعًا ضِمْنِيًّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الثَّوَابَ) أَيْ الْعِوَضَ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّهَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ. قَوْلُهُ: (اسْتَقَلَّ بِالْقَبْضِ) مُقْتَضَى مُقَابَلَتِهِ لِكَلَامِ الْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضٍ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقَيْدٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ بِقَبْضٍ مَعَ إذْنٍ، أَمَّا ذَاتُ الثَّوَابِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ إذَا سَلَّمَ الْمُقَابِلَ. قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) أَيْ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِشْهَادُ بِالْمِلْكِ فِي هِبَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي م ر، وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ إلَى النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ وَإِمْكَانِ السَّيْرِ إلَى الْغَالِبِ. قَوْلُهُ: (بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِيهِ) أَيْ الْقَبْضِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ عَنْ جِهَةِ الْهِبَةِ أَيْضًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بَعْدَ تَمَامِ الصِّيغَةِ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذَا وَأَذِنْتُ لَك فِي قَبْضِهِ فَقَالَ قَبِلْتُ لَمْ يَكْفِ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ. وَمِثْلُ الْقَبْضِ بِالْإِذْنِ الْإِقْبَاضُ، فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِهِمَا. وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ صَدَقَ الْوَاهِبُ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ لَكِنْ قَالَ الْوَاهِبُ رَجَعْت قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبَ، وَقَالَ الْمُتَّهَبُ: بَلْ بَعْدَهُ، صَدَقَ الْمُتَّهَبُ ز ي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ) تَعْمِيمٌ فِي قَوْلِهِ: دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ. قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ غَائِبًا) وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَبْضِ) أَيْ أَنَّ الْمَنْقُولَ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ، وَالْعَقَارُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ وَتَفْرِيغُهُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَالْغَائِبُ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيَجْرِي ذَلِكَ فِي قَبْضِ الْمَوْهُوبِ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ هُنَا لَا يَكْفِي الْإِتْلَافُ) إلَّا إنْ كَانَ الْإِتْلَافُ بِالْأَكْلِ أَوْ الْعِتْقِ وَأَذِنَ فِيهِ الْوَاهِبُ فَيَكُونُ قَبْضًا وَيُقَدَّرُ انْتِقَالُهُ إلَيْهِ قُبَيْلَ الِازْدِرَادِ وَالْعِتْقِ ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَتُمْلَكُ الْهَدِيَّةُ بِوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْبَالِغِ لَا الصَّبِيِّ وَإِنْ أَخَذَهَا اهـ. بَقِيَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا الصَّبِيُّ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ فَهَلْ يَضْمَنُهَا، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهَا بِإِهْدَائِهَا لَهُ وَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ لِلصَّبِيِّ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ لَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ

стр. 1207

مُسْتَحِقٍّ الْقَبْضَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَامَ وَارِثُ الْوَاهِبِ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ وَالْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَوَارِثُ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْجُنُونِ وَلَا بِالْإِغْمَاءِ لِأَنَّهَا تَئُولُ إلَى اللُّزُومِ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ. (وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) أَيْ الْهِبَةَ الشَّامِلَةَ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ (لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ) حِينَئِذٍ (الرُّجُوعُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْوَاهِبُ (وَالِدًا) وَكَذَا سَائِرُ الْأُصُولِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا الْوَلَدُ أَمْ لَا، غَنِيًّا كَانَ أَمْ فَقِيرًا، صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا لِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَالْوَلَدُ يَشْمَلُ كُلَّ الْأُصُولِ إنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَإِلَّا ــ [حاشية البجيرمي] يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَالْهِبَةُ كَالْبَيْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ إقْبَاضٌ كَمَا تَقَرَّرَ سم عَلَى حَجّ. وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْبَالِغِ أَنَّهُ يَكْفِي الْقَبُولُ مِنْ السَّفِيهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ وَلِيِّهِ وَلَا قَبْضِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ. اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ. وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْمُتَّهِبِ " وَمُسْتَحِقٌّ " يَكُونُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ قَاسِمٍ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَجَعَلَ التَّمْكِينَ مِنْهُ قَبْضًا. قَوْلُهُ: (قَامَ وَارِثُ الْوَاهِبِ إلَخْ) فَلَوْ لَمْ يَرِثْ الْوَاهِبَ إلَّا بَيْتُ الْمَالِ فَهَلْ يَقُومُ الْإِمَامُ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرُهُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَلِّكُهَا لِلْمُتَّهِبِ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ إقْبَاضَهُ إيَّاهَا وَإِلَّا فَلَا. اهـ. سم. قَوْلُهُ: (وَلَا تَتَفَسَّخُ بِالْمَوْتِ) هُوَ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّفْرِيعَ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ وَلَوْ حَاكِمًا مَقَامَهُ وَلَا وَلِيٌّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ أَيْ فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، فَإِنْ أَيِسَ مِنْهَا فَكَمَا لِمَجْنُونٍ ق ل. قَوْلُهُ: (كَالْبَيْعِ) فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ بَلْ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْهِبَةُ) الَّتِي هِيَ الْعَيْنُ، أَمَّا الدَّيْنُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَبْضِ فِيهِ وَلَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا عَشْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَالصَّدَقَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِشَيْءٍ يَكُونُ لَهُ رُجُوعٌ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ هُنَا؛ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَفِي الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ خِلَافُهُ كَمَا ذَكَرَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي شَرْحِهِ فَلْيُحَرَّرْ. وَقَوْلُهُ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً» إلَخْ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْمُتَطَوَّعِ بِهَا غَيْرِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ فِدْيَةٍ فَلَا رُجُوعَ لِلْوَالِدِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ لَحْمَ أُضْحِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِيَسْتَفِيدَ التَّصَرُّفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا) أَيْ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا. نَعَمْ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ امْتَنَعَ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا سَائِرُ الْأُصُولِ) أَيْ مَا عَدَا الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَمُرَادُهُ بِالْوَالِدِ مَا يَشْمَلُ الْأُمَّ. وَحَمَلَ الشَّارِحُ الْوَالِدَ عَلَى الْحَقِيقِيِّ فَأَتَى بِذَلِكَ، وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لَشَمِلَ سَائِرَ الْأُصُولِ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْجِهَتَيْنِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا) هَذَا التَّعْمِيمُ سَرَى إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَلِلْوَالِدِ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ إلَخْ، وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْقَبْضِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ق ل: هَذَا التَّعْمِيمُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ اهـ وَأَيْضًا كُلُّ أَحَدٍ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَعَدَمُ الْقَبْضِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) يُرْفَعُ الْوَالِدُ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ يَرْجِعُ أَوْ بِجَرِّهِ بَدَلٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ بِنَصْبِهِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُخْتَارُ الْإِتْبَاعُ. وَذِكْرُ الرَّجُلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَاخْتَصَّ الْوَالِدُ بِذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ إذْ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ إيثَارِهِ وَلَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ وَيُكْرَهُ لَهُ الرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ وُجِدَ كَكَوْنِ الْوَلَدِ عَاقًّا أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَنْذَرَهُ بِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا قَالَا. وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ نَدْبَهُ فِي الْعَاصِي وَكَرَاهَتَهُ فِي الْعَاقِّ إنْ زَادَ عُقُوقُهُ بِهِ وَنَدْبُهُ إنْ أَزَالَهُ وَإِبَاحَتُهُ إنْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا، وَالْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ إنْ احْتَاجَ الْأَبُ لِنَفَقَتِهِ أَوْ دَيْنٍ بَلْ نَدْبُهُ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَهُ وَوُجُوبُهُ فِي الْعَاصِي إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَعَيُّنُهُ طَرِيقًا إلَى كَفِّهِ عَنْ

стр. 1208

أُلْحِقَ بِهِ بَقِيَّةُ الْأُصُولِ بِجَامِعِ أَنَّ لِكُلٍّ وِلَادَةً كَمَا فِي النَّفَقَةِ وَحُصُولِ الْعِتْقِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ. تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الرُّجُوعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، أَمَّا الْهِبَةُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَهِبَةٌ لِسَيِّدِهِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي هِبَةِ الْأَعْيَانِ. أَمَّا لَوْ وَهَبْ وَلَدَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّهُ تَمْلِيكٌ أَمْ إسْقَاطٌ إذْ لَا بَقَاءَ لِلدَّيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ، وَشَرْطُ رُجُوعِ الْأَبِ أَوْ أَحَدِ سَائِرِ الْأُصُولِ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ. وَيَدْخُلُ فِي السَّلْطَنَةِ مَا لَوْ أَبَقَ الْمَوْهُوبُ أَوْ غُصِبَ فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا، وَخَرَجَ بِهِمَا مَا لَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ أَوْ أَفْلَسَ الْمُتَّهَبُ وَحُجِرَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: أَنَا أُؤَدِّي أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَأَرْجِعُ. مُكِّنَ فِي الْأَصَحِّ، وَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ أَيْضًا بِبَيْعِ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ عِتْقِهِ أَوْ ــ [حاشية البجيرمي] الْمَعْصِيَةِ؛ شَرْحِ م ر شَوْبَرِيٌّ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَكْسُ مَذْهَبِنَا وَهُوَ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ دُونَ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ، وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ الْآتِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ؛ شَيْخُنَا. قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ بِحَالٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي كُلِّ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ عَلَى جِهَةِ الصِّلَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ عَلَى جِهَةِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسُوغُ الرُّجُوعُ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْوَلَدِ أَوْ يُسْتَحْدَثُ دَيْنًا بَعْدَ الْهِبَةِ أَوْ تَتَزَوَّجُ الْبِنْتُ أَوْ يَخْتَلِطُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِمَالٍ مِنْ جِنْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَاتِهِ: وَأَظْهَرِهَا أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلَادِ قَدْ يَكُونُ مَعَ أَبِيهِ كَالْأَجَانِبِ بَلْ كَالْأَعْدَاءِ، وَوَجْهُ الثَّانِي «قَوْلُهُ ﷺ لِوَلَدٍ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْوَالِدُ يَشْمَلُ كُلَّ الْأُصُولِ) أَيْ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، فَذِكْرُ الرَّجُلِ فِي الْحَدِيثِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ النَّسَبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ مِنْ النَّسَبِ لَا يَرْجِعُ فِي هِبَةِ الْفَرْعِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ حُرًّا وَأَنْ يَبْقَى الْمَوْهُوبُ فِي سَلْطَنَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ عَيْنًا لَا دَيْنًا فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ اهـ. وَلَوْ وَهَبَهُ، أَيْ الْأَجْنَبِيُّ، وَأَقْبَضَهُ وَمَاتَ فَادَّعَى الْوَارِثُ صُدُورَهُ فِي الْمَرَضِ وَالْمُتَّهَبُ كَوْنُهُ فِي الصِّحَّةِ صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ. اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (كَمَا فِي النَّفَقَةِ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ " أَلْحَقَ ". قَوْلُهُ: (وَسُقُوطُ الْقَوَدِ) كَمَا إذَا قَتَلَ الْجَدُّ وَلَدَ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (فَهِبَةٌ لِسَيِّدِهِ) أَيْ فَلَا رُجُوعَ. قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ) أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَقِيلَ صَحِيحَةٌ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي بَيْعِهِ، وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ بُطْلَانَهَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ. هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ صِحَّةِ هِبَتِهِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِهِ أَمْ لَا م ر أج. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ هِبَةِ الدَّيْنِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّهَا أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْهِبَةِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِالنَّظَرِ لِلْخَبَرِ. قَوْلُهُ: (أَمْ إسْقَاطٌ) أَيْ إبْرَاءٌ. قَوْلُهُ: (فِي سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ) هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمِلْكَ بِدَلِيلِ شُمُولِ زَوَالِهَا لِمَا لَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ أَوْ أَفْلَسَ الْمُتَّهَبُ وَحُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ رَهَنَ الْمَوْهُوبَ وَأَقْبَضَهُ فَإِنَّ هَذِهِ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ لَكِنَّهَا تُزِيلُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَقَوْلُهُ " فِي سَلْطَنَتِهِ " أَيْ اسْتِيلَائِهِ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِشُمُولِهَا مَا لَوْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ الْمِلْكُ خ ض. وَقَالَ ق ل: عَدَلَ إلَيْهَا عَنْ الْمِلْكِ لِصِحَّةِ إخْرَاجِ الْمُكَاتَبِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُسْتَوْلَدَةِ أَيْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُسْتَوْلَدَةِ زَالَتْ عَنْهُمَا السَّلْطَنَةُ دُونَ الْمِلْكِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِهَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلْطَنَةِ الِاسْتِيلَاءُ التَّامُّ فَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ بِهَا الْأَنْسَبُ بِهِ أَيْ الْبَقَاءِ. قَوْلُهُ: (وَحُجِرَ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْفَلَسِ. وَخَرَجَ مَا لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ، وَإِذَا انْفَكَّ

стр. 1209

نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ أَبِيهِ الْوَاهِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعُ رَهْنَهُ وَلَا هِبَتَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ؛ وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِزَوَالِ سَلْطَنَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَيْضًا تَعْلِيقَ عِتْقِهِ وَلَا تَدْبِيرِهِ وَلَا تَزْوِيجَ الرَّقِيقِ وَلَا زِرَاعَةَ الْأَرْضِ وَلَا إجَارَتَهَا لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ بَقَاءِ السَّلْطَنَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ جُنَّ الْأَبُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ حَالَ جُنُونِهِ، وَلَا رُجُوعُ وَلِيِّهِ بَلْ إذَا أَفَاقَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. وَمِنْهَا مَا لَوْ أَحْرَمَ وَالْمَوْهُوبُ صَيْدٌ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الصَّيْدِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَمِنْهَا مَا لَوْ ارْتَدَّ الْوَالِدُ، وَفَرَّعْنَا عَلَى وَقْفِ مِلْكِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَقْبَلُ الْوَقْفَ كَمَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، فَلَوْ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَوْهُوبُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ رَجَعَ. . فُرُوعٌ: لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا وَوَهَبَهُ الْوَلَدُ لِوَلَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ، وَلَوْ وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ فَوَهَبَهُ الْوَلَدُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فَالْأَبُ أَوْلَى، وَلَوْ وَهَبَهُ الْوَلَدُ لِجَدِّهِ ثُمَّ الْجَدُّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَالرُّجُوعُ لِلْجَدِّ فَقَطْ، وَلَوْ زَالَ مِلْكُ الْوَلَدِ عَنْ الْمَوْهُوبِ وَعَادَ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهِ. وَلَوْ زَرَعَ الْوَلَدُ الْحَبَّ أَوْ فَرَّخَ الْبَيْضَ لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ فِيهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَإِنْ جَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَوْ زَادَ الْمَوْهُوبُ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ ــ [حاشية البجيرمي] الْحَجْرُ مُكِّنَ مِنْ الرُّجُوعِ. قَوْلُهُ: (أَوْ وَقَفَهُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَ هَذَا بِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ كَمَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (مِمَّا يُزِيلُ الْمِلْكَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ غَيْرُهُ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِيلَادِ وَالرَّهْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ كَمَا أَشَارَ بِهِ؛ لَكِنْ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ لِغَيْرِ الْوَالِدِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ؛ سم مُلَخَّصًا. قَوْلُهُ: (مِنْ أَبِيهِ) أَيْ لِأَبِيهِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقَبْضِ) يَرْجِعُ لِلرَّهْنِ وَالْهِبَةِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمِلْكَ) فِيهِ قُصُورٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ أَيْضًا) كَمَا لَوْ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَالْكِتَابَةُ سم فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. قَوْلُهُ: (وَلَا إجَارَتُهَا) لَوْ قَالَ: وَلَا الْإِجَارَةُ لَكَانَ أَعَمَّ، وَلَا يَفْسَخُ الْوَالِدُ الْإِجَارَةَ إنْ رَجَعَ بَلْ تَبْقَى بِحَالِهَا لَكِنْ أُجْرَةُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ كَالتَّزْوِيجِ فَيَكُونُ الْمَهْرُ لِلْوَلَدِ. قَوْلُهُ: (عَلَى وَقْفِ مِلْكِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى وَقْفِ تَصَرُّفِهِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مِنْ قِبَلِ التَّصَرُّفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْإِمْلَاكِ، وَالْمُرْتَدُّ تُوقَفُ أَمْلَاكُهُ إنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ تَبَيَّنَ اسْتِمْرَارُهَا، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا تَبَيَّنَ زَوَالُهَا عَنْ الْمَمْلُوكَاتِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ، وَتَصَرُّفَاتُهُ الَّتِي تَقَعُ مِنْهُ حَالَ الرِّدَّةِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَقْبَلُ التَّعَالِيقَ كَالْعِتْقِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَ نُفُوذُهَا، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا تَبَيَّنَ فَسَادُهَا وَأَمَّا إذَا لَمْ تَقْبَلْ التَّعْلِيقَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مِنْ وَقْتِهَا وَلَا تُوقَفُ؛ وَسَيَأْتِي هَذَا كُلُّهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ. قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ سِتَّةٌ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمِلْكَ) أَيْ مِلْكَ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ " أَيْ مِنْ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ أَصْلًا لِوَلَدِ الْوَلَدِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ أَصْلٌ عَلَى فَرْعِ إلَّا إذَا اسْتَفَادَ الْفَرْعُ الْمِلْكَ مِنْ الرَّاجِعِ. قَوْلُهُ: (لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ) سَوَاءٌ كَانَ شَقِيقًا أَمْ لَا، وَقَيَّدَ بِالْأَبِ لِإِخْرَاجِ الْأَخِ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الرُّجُوعُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَهَبَهُ الْوَلَدُ لِجَدِّهِ) أَيْ وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ وَهَبَهُ لَهُ. وَقَوْلُهُ " ثُمَّ الْجَدُّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ " وَهُوَ الْوَاهِبُ لَهُ أَوَّلًا فَكَانَ الْأَوْلَى الْإِضْمَارُ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ وَلَدُ وَلَدٍ آخَرُ غَيْرُ الْوَاهِبِ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَالرُّجُوعُ لِلْجَدِّ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأَبِ الْوَاهِبِ لِوَلَدِهِ أَوَّلًا الَّذِي وَهَبَ لِجَدِّهِ. وَعِلَّةُ عَدَمِ رُجُوعِ الْأَبِ خُرُوجُ الْمَوْهُوبِ عَنْ سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ الْوَاهِبِ لِلْجَدِّ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الْآنَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْجَدِّ لَا مِنْ الْأَبِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُحَشِّي. قَوْلُهُ: (لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ) وَيَكُونُ الزَّائِلُ الْعَائِدُ هُنَا كَاَلَّذِي لَمْ يُعَدَّ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَعَائِدٌ كَزَائِلٍ لَمْ يُعَدَّ فِي فَلَسٍ مَعَ هِبَةٍ لِلْوَلَدْ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَفِي الصَّدَاقِ بِعَكْسِ ذَاكَ الْحُكْمِ بِاتِّفَاقِ

стр. 1210

كَالسِّمَنِ دُونَ الْمُنْفَصِلَةِ كَالْوَلَدِ الْحَادِثِ فَإِنَّهُ يَبْقَى لِلْمُتَّهَبِ لِحُدُوثِهِ عَلَى مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْحَمْلِ الْمُقَارِنِ لِلْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ وَإِنْ انْفَصَلَ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ أَوْ اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ إلَى مِلْكِي. أَوْ نَقَضْت الْهِبَةَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهَا أَوْ فَسَخْتُهَا، وَلَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِبَيْعِ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ، وَلَا بِوَقْفِهِ وَلَا بِهِبَتِهِ وَلَا بِإِعْتَاقِهِ، وَلَا بِوَطْءِ الْأَمَةِ. وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ مِنْ صِيغَةٍ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ، وَتَحْصُلُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولِ لَفْظٍ مِنْ النَّاطِقِ مَعَ التَّوَاصُلِ الْمُعْتَادِ كَالْبَيْعِ. ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (صَارَ مُسْتَهْلَكًا) أَيْ لِأَنَّهُ أَوْجَدَ فِيهِ فِعْلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ. وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ اقْتَرَضَ حَبًّا فَبَذَرَهُ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ رُجُوعِ الْمُقْرِضِ، وَقَوْلُهُمْ لِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً عِنْدَ الْمُقْتَرِضِ لَا يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا، فَلَا يُقَالُ إنَّ مَا يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنْ الزَّرْعِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُقْرِضِ؛ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ حَبًّا فَنَبَتَتْ فَإِنَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِلْمَالِكِ وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ نَقْصِهِ إنْ فُرِضَ أَنَّ الزَّرْعَ أَنْقَصُ مِنْ الْحَبِّ الْمَغْصُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَنَقَلَهُ أج عَنْ الزِّيَادِيِّ، وَعِبَارَتُهُ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّ بَذْرَ الْحَبِّ وَتَفْرِيخَ الْبَيْضِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ، وَإِنْ تَدَاوَلَتْ الْأَيْدِي عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالتَّعَلُّقُ بِذَلِكَ أَيْ بِمَا نَشَأَ مِنْ الْبَذْرِ وَالْبَيْضِ أَوْلَى مِنْ التَّعَلُّقِ بِبَدَلِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْهِبَةُ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. قَوْلُهُ: (بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ) أَيْ غَيْرِ الْحَمْلِ الْحَادِثِ وَلَوْ قَبْلَ وَضْعِهِ سم. قَوْلُهُ: (كَالسِّمَنِ) أَيْ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ لَا مُعَالَجَةَ لِلسَّيِّدِ فِيهِ، زي. وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّدِ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ التَّعَلُّمَ إنْ كَانَ فِيهِ مُعَالَجَةٌ تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ دَفَعَهَا الْوَاهِبُ لِابْنِهِ إنْ طَلَبَهَا تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (كَالْوَلَدِ الْحَادِثِ) أَيْ بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ لِحُدُوثِهِ، ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (بِبَيْعِ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ إلَخْ) أَيْ بَيْعَهُ مَعَ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بَاطِلَةٌ. قَوْلُهُ: (لِفَرْعِهِ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِ الْفَرْعِ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَلَا بِوَقْفِهِ) أَيْ وَلَا بِإِيلَادِهِ وَإِتْلَافِهِ، وَيَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَبِالْإِيلَادِ وَالْإِتْلَافِ الْقِيمَةُ وَتَلْغُو الْبَقِيَّةُ، وَالْوَطْءُ حَرَامٌ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ، وَإِذَا رَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَوْهُوبَ مِنْ الْوَلَدِ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ سم. قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَخْ، لِيُتِمَّ الْكَلَامَ عَلَى الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُهُ: (مِنْ صِيغَةٍ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ الْأَعْمَى وَلَا لَهُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ، أَمَّا الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ فَتَصِحُّ مِنْهُ وَلَهُ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَلَى طَبَقِ الْإِيجَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ هُنَا، وَمِنْهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الصِّيغَةِ فَيَضُرُّ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ وَالْأَوْجَهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ اغْتِفَارُ قَوْلِهِ بَعْدَ وَهَبْتُكَ وَسَلَّطْتُكَ عَلَى قَبْضِهِ، فَلَا يَكُونُ فَاصِلًا مُضِرًّا لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَقْدِ؛ نَعَمْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْإِذْنِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَزْجِ الرَّهْنِ بِالْبَيْعِ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَقَدْ لَا يَشْتَرِطُ صِيغَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ ضِمْنِيَّةً كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مَجَّانًا، وَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَأَقَرَّهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ زَيَّنَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ بِحُلِيٍّ كَانَ تَمْلِيكًا لَهُ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهِ بِتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَهُمَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ اشْتَرَطَا فِي هِبَةِ الْأَصْلِ تَوَلِّيَ الطَّرَفَيْنِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَهِبَةُ وَلِيِّ غَيْرِهِ لِمُوَلِّيهِ قَبُولُهَا مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ؛ شَرْحِ م ر. نَعَمْ إنْ دَفَعَ ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ أَوْ قَصَدَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ كَانَ صَدَقَةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُ، وَقَدْ تَدُلُّ الْقَرَائِنُ الظَّاهِرَةُ عَلَى شَيْءٍ فَيَعْمَلُ بِهِ ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ وَحَمَلَتْ لَهُ هَدَايَا مَلَكَهَا الْأَبُ وَقَالَ جَمْعٌ لِلِابْنِ فَيَلْزَمُ الْأَبَ قَبُولُهَا، أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ؛ وَمِنْهُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ لِلْأَبِ، وَهُوَ نَحْوُ قَاضٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الْمُهْدِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ قَصَدَهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا يُعْطَاهُ خَادِمُ الصُّوفِيَّةِ، فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصْدِهِ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمْ وَلَهُ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمَا، أَيْ فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ مَثَلًا، وَمَا

стр. 1211

وَمِنْ صَرَائِحِ الْإِيجَابِ وَهَبْتُكَ وَمَنَحْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ، وَمِنْ صَرَائِحِ الْقَبُولِ قَبِلْتُ وَرَضِيتُ، وَيَقْبَلُ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ الْوَلِيُّ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْهَدِيَّةِ وَلَا فِي الصَّدَقَةِ، بَلْ يَكْفِي الْإِعْطَاءُ مِنْ الْمَالِكِ وَالْأَخْذُ مِنْ الْمَدْفُوعِ لَهُ (وَ) تَصِحُّ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، فَالْعُمْرَى كَمَا إذَا أَعْمَرَ شَيْئًا كَأَنْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ هَذَا أَيْ: جَعَلْتُهُ لَك عُمْرَك أَوْ حَيَاتَك أَوْ مَا عِشْتَ وَإِنْ زَادَ فَإِذَا مِتَّ عَادَ لِي لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا: جَعَلْتُهُ لَك عُمْرَك مَا لَوْ قَالَ جَعَلْتُهُ لَك عُمْرِي أَوْ عُمْرَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِخُرُوجِهِ عَنْ اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ ــ [حاشية البجيرمي] جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ وَضْعِ طَاسَةٍ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْفَرَحِ لِيَضَعَ النَّاسُ فِيهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى الْمُزَيِّنِ وَنَحْوِهِ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُزَيِّنَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نُظَرَائِهِ الْمُعَاوِنِينَ لَهُ عُمِلَ بِالْقَصْدِ، وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْفَرَحِ يُعْطِيهِ لِمَنْ شَاءَ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ هُنَا شَرْحِ م ر. وَلَوْ نَذَرَ لِوَلِيِّ مَيِّتٍ بِمَالٍ فَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ لَغَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَإِنْ كَانَ عَلَى قَبْرِهِ مَا يَحْتَاجُ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ صُرِفَ لَهَا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ اُعْتِيدَ قَصْدُهُمْ بِالنَّذْرِ لِلْوَلِيِّ صُرِفَ لَهُمْ اهـ وَلَوْ أَهْدَى لِمَنْ خَلَّصَهُ مِنْ ظَالِمٍ لِئَلَّا يَنْقُضَ مَا فَعَلَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَبُولُهُ وَإِلَّا حَلَّ، أَيْ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ، بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: خُذْ وَاشْتَرِ لَك بِهِ كَذَا، تَعَيَّنَ الشِّرَاءُ بِهِ مَا لَمْ يُرِدْ التَّبَسُّطَ، أَيْ أَوْ تَدُلُّ قَرِينَةُ مَالٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ مُحَكَّمَةٌ هُنَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا دِرْهَمًا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ، أَيْ وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ، تَعَيَّنَ لَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَفَنًا لِأَبِيهِ فَكَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ لَهُ إنْ كَانَ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِأَبِيهِ لِفِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: أَوْ قَصَدَ الْقِيَامَ بِفَرْضِ التَّكْفِينِ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّبَرُّعَ عَلَى الْوَارِثِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا عَلِمَ قَصْدَهُ. فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ إنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ " فِي اشْتَرِ لَك بِهَذَا عِمَامَةً " رَوْضٌ وَشَرْحُهُ. وَلَوْ شَكَا إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ أُجْرَتَهُ كَاذِبًا فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ أَعْطَى بِظَنِّ صِفَةٍ فِيهِ أَوْ فِي نِسْبَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَاطِنًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَبُولُهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ وَيَكْتَفِي فِي كَوْنِهِ أَعْطَى لِتِلْكَ الصِّفَةِ بِالْقَرِينَةِ. وَمِثْلُ هَذَا مَنْ دَفَعَ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَكِيلِهَا أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ غَيْرِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا فَرَدَّ قَبْلَ الْعَقْدِ رَجَعَ عَلَى مَنْ أَقْبَضَهُ، وَحَيْثُ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مَا يُعْطَاهُ إنَّمَا يُعْطَاهُ لِلْحَيَاءِ حَرُمَ الْأَخْذُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إجْمَاعًا. وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ أَوْ تَسْلِيمِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَالٍ كَتَزْوِيجِ بِنْتِهِ، بِخِلَافِ إمْسَاكِهِ لِزَوْجَتِهِ حَتَّى تُبْرِئَهُ أَوْ تَفْتَدِيَ بِمَالٍ. وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهُ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَيْهِ بِمَالٍ؛. اهـ. حَجّ. فَرْعٌ: مَا تَقَرَّرَ فِي الرُّجُوعِ فِي النُّقُوطِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يُسْتَهْلَكُ كَالْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهِ؛ وَمَدَارُ الرُّجُوعِ عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِ الدَّافِعِ لِهَذَا الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَحَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالرُّجُوعِ رَجَعَ فَلَا. اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَمَنَحْتُك) أَيْ أَعْطَيْتُك. قَوْلُهُ: (بِلَا ثَمَنٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِ الثَّلَاثَةِ صَادِرَةً بِلَا ذِكْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا الثَّمَنَ فَهِيَ هِبَةٌ بِثَوَابٍ وَلَا كَلَامَ فِيهَا. قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ) أَيْ الْهِبَةُ وَقَوْلُهُ بِعُمْرَى، أَيْ فَهِيَ صِيغَةُ هِبَةٍ طَوَّلَ فِيهَا الْعِبَارَةَ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبُولُ وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ. وَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى كَانَا عَقْدَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَالَهُ) أَيْ الْعَارِفُ بِمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الرُّقْبَى وَالْعُمْرَى وَلَوْ بِوَجْهٍ حَتَّى يَقْصِدَهُ، فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ جَاهِلًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا انْحَطَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ م ر وحج، وَلَوْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِمَعْنَاهُ بَعْدَهُ إنْ صُدِّقَ إنْ أَمْكَنَ جَهْلُهُ؛. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى الْقَبُولُ كَالْهِبَةِ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ. قَوْلُهُ: (أَيْ جَعَلْته إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ: أَوْ جَعَلْته لَك عُمْرَك، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا إلَخْ. قَوْلُهُ: (مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا) أَيْ فَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا مِتّ عَادَ لِي، وَمِنْ ثَمَّ عَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ إذْ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَاهُ وَيَلْغُو إلَّا هَذَا زي. قَوْلُهُ: (الْمُعْتَادُ) أَيْ الْمُعْتَادُ مَعَ النَّاسِ فِي عَقْدِ

стр. 1212

تَأْقِيتِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ الْوَاهِبَ أَوْ زَيْدًا قَدْ يَمُوتُ أَوَّلًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعُمْرَى كَإِذَا جَاءَ فُلَانٌ أَوْ رَأْسُ الشَّهْرِ فَهَذَا الشَّيْءُ لَك عُمْرَك. وَالرُّقْبَى كَمَا إذَا قَالَ جَعَلْتُهُ لَك رُقْبَى أَوْ أَرْقُبُهُ كَأَنْ قَالَ أَرْقَبْتُكَهُ أَيْ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَ إلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلَك اسْتَقَرَّتْ لَك (كَانَ) ذَلِكَ الشَّيْءُ (لِلْمُعْمَرِ) فِي الْأُولَى (أَوْ لِلْمُرْقَبِ) فِي الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) وَيَلْغُو الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» أَيْ لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا طَمَعًا فِي أَنْ يَعُودَ إلَيْكُمْ فَإِنَّ مَصِيرَهُ الْمِيرَاثُ. وَالرُّقْبَى مِنْ الرُّقُوبِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ الْآخَرِ وَالْهِبَةُ إنْ أُطْلِقَتْ بِأَنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا بِعَدَمِهِ فَلَا ثَوَابَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِأَعْلَى مِنْ الْوَاهِبِ أَوْ قُيِّدَتْ بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ كَثَوْبٍ فَبَاطِلَةٌ، أَوْ بِمَعْلُومٍ فَبَيْعٌ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى. وَظَرْفُ الْهِبَةِ إنْ لَمْ يُعْتَدْ رَدُّهُ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ هِبَةً أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هِبَةً حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي أَكْلِ الْهِبَةِ مِنْهُ إنْ اُعْتِيدَ. تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ لِلْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا الْعَدْلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «اتَّقُوا اللَّهَ ــ [حاشية البجيرمي] الْهِبَةِ بِلَفْظِ الْعُمْرَى. قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) الْأَوْلَى وَلِمَا فِيهِ بِالْوَاوِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ إذَا قَالَ: جَعَلْتُهُ لَك عُمُرَكَ. قَوْلُهُ: (إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ) أَيْ فَلَا تَأْقِيتَ فِي الْحَقِيقَةِ، شَرْحِ الْبَهْجَةِ. قَوْلُهُ: (وَلِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْآخِذِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِهِ ذَكَرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهَا فِي الْحَالِ لَهُ وَلِمَنْ يَرِثُهُ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ. قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورُ) لَوْ حَذَفَ الْمَذْكُورَ إلَخْ، لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الرُّقْبَى شَرْطًا بَلْ فِي الْعُمْرَى فَقَطْ، وَهُوَ: فَإِذَا مِتَّ عَادَ لِي إلَّا أَنْ يُرَادَ وَلَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْ ق ل. وَقَوْلُهُ " وَلَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ " وَهُوَ قَوْلُهُ أَرْقَبْتُكَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ مِتّ قَبْلِي عَادَ إلَيَّ وَإِنْ مِتّ قَبْلَك اسْتَقَرَّ لَك كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تَعْمُرُوا إلَخْ) فَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْقَيْدِ، وَإِلَّا فَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى جَائِزَانِ. قَوْلُهُ: (بِثَوَابٍ) أَيْ بِذِكْرِ عِوَضٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ) غَايَةٌ. قَوْلُهُ: (كَقَوْصَرَّةِ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَلَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إلَّا وَفِيهَا التَّمْرُ وَإِلَّا فَهِيَ مِكْتَلٌ وَزِنْبِيلٌ وَهِيَ الْجِرَابُ الَّذِي يُكْنَزُ فِيهِ التَّمْرُ مِنْ الْبَوَادِي قَالَ الرَّاجِزُ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ قَوْصَرَّهْ ... يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّهْ قَوْلُهُ: (إلَّا فِي أَكْلٍ) أَيْ فَيَجُوزُ أَكْلُهَا مِنْهُ حِينَئِذٍ وَيَكُونُ عَارِيَّةً، شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ ظَرْفَ الْهَدِيَّةِ هِبَةٌ إنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ وَإِلَّا فَعَارِيَّةٌ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهَا مِنْهُ وَإِلَّا فَغَصْبٌ، اهـ وَيَنْدُبُ رَدُّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ حَالًا بَلْ يَجِبُ إنْ اُعْتِيدَ تَفْرِيغُهُ حَالًا، إذْ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعَادَةُ. فَالْحَاصِل أَنَّهُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَفْرِيغِهِ حَالًا وَالْمُرَادُ عَادَةُ الْمُهْدِي، وَجَبَ وَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِبْقَائِهَا فِيهِ مُدَّةً جَازَ؛ وَلَكِنْ الْأَفْضَلُ رَدُّهُ حَالًا. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ الْهَدِيَّةِ حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَيَأْكُلَ مِنْهَا، لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَأْكُلُ هَدِيَّةً حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا لِلشَّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ إلَيْهِ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ مَسْمُومَةٌ» وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَعْتَادُهُ الْمُلُوكُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ كُبَرَاءِ النَّاسِ. اهـ. م د مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الشَّوْبَرِيِّ. قَوْلُهُ: (وَفِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ صَدَقَةً أَمْ هَدِيَّةً أَمْ هِبَةً أَمْ وَقْفًا أَمْ تَبَرُّعًا آخَرَ، فَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " كَغَيْرِهِ عَطِيَّةً " أَنَّهُ لَا تُطْلَبُ مِنْهُ التَّسْوِيَةُ فِي غَيْرِهَا كَالتَّوَدُّدِ بِالْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الدَّمِيرِيِّ لَا خِلَافَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ حَتَّى فِي التَّقْبِيلِ وَلَهُ وَجْهٌ،. اهـ. ابْنُ حَجَرٍ زي. وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْمُمَيِّزِينَ. وَفِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: فَرْعٌ: يَنْدُبُ لِلْأَصْلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ، نَعَمْ إنْ تَمَيَّزَ أَحَدُهُمْ بِنَحْوِ فَضِيلَةٍ فَلَهُ تَمْيِيزُهُ أَوْ بِنَحْوِ عُقُوقٍ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْإِعْطَاءِ، بَلْ يَجِبُ إنْ لَزِمَ عَلَى إعْطَائِهِ مَعْصِيَةً اهـ. قَوْلُهُ: (يُسَوِّي إلَخْ) خَصَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى بِالذِّكْرِ لِمَا قِيلَ إنَّ

стр. 1213

وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ لِهَذَا الْخَبَرِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ فَضَّلَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَوْلَادِهِ، وَفَضَّلَ عُمَرُ ابْنَهُ عَاصِمًا بِشَيْءٍ، وَفَضَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ -. وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُسَوِّيَ الْوَلَدُ إذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ شَيْئًا، وَيُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ التَّسْوِيَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْأَوْلَادِ، فَإِنْ فَضَّلَ أَحَدَهُمَا فَالْأُمُّ أَوْلَى لِخَبَرِ: «إنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ» وَالْإِخْوَةُ وَنَحْوُهُمْ لَا يَجْرِي فِيهِمْ هَذَا الْحُكْمُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ لَكِنْ دُونَ طَلَبِهَا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَأَفْضَلُ الْبِرِّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَفِعْلِ مَا يَسُرُّهُمَا مِنْ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَعُقُوقُ ــ [حاشية البجيرمي] مَعْنَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَنْ يُعْطِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلَيْ الْأُنْثَى كَالْإِرْثِ، بَلْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى اهـ. قَوْلُهُ: (وَاعْدِلُوا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) أَيْ الْعَدْلِ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحَاجَةِ) أَيْ وَفِي الْبِرِّ وَعَدَمِهِ وَالدِّينِ وَقِلَّتِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَضَّلَ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَهُمَا أج. قَوْلُهُ: (هَذَا الْحُكْمُ) وَهُوَ كَرَاهَةُ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ. قَوْلُهُ: (إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ) أَيْ لَكِنْ تَرْكُ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَوْلَى فَقَطْ لَا مَكْرُوهٌ، فَقَوْلُهُ " مَطْلُوبَةٌ " أَيْ فِيهَا أَصْلُ الطَّلَبِ وَلَا يَتَأَكَّدُ. قَوْلُهُ: (بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا) مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدِ أَنْ يَسْتَمِعَ كَلَامَهُ وَأَنْ يَقُومَ لِقِيَامِهِ وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ وَلَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ وَلَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِ وَيُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ وَيَحْرِصَ عَلَى طَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَيَخْفِضَ لَهُ جَنَاحَهُ بِالصَّبْرِ وَلَا يَمَلَّ بِالْبِرِّ لَهُ وَلَا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَلَا يَنْظُرَ إلَيْهِ شَزْرًا أَيْ عَبُوسًا. وَفِي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ: «لَعَنَ اللَّهُ الْعَاقَّ لِوَالِدَيْهِ» قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ: وَقَالَ وَهْبٌ: «أَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى: وَقِّرْ وَالِدَيْك فَإِنَّ مَنْ وَقَّرَ وَالِدَيْهِ مَدَدْتُ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَوَهَبْتُ لَهُ وَلَدًا يَبَرُّهُ» وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْت أَقْوَامًا مُعَلَّقِينَ فِي جُذُوعِ النَّارِ فَقُلْت: مَالِكُ، مَا كَانَ ذَنْبُهُمْ؟ قَالَ كَانُوا عَاقِّينَ لِوَالِدَيْهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: لَا أُخْرِجُهُمْ إلَّا بِرِضَا وَالِدَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَخْرِجْهُمْ مَعِي يَنْظُرُونَ عَذَابَهُمْ لَعَلَّ أَنْ يَرْحَمُوهُمْ. فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِخُرُوجِ عَشْرِ رِجَالٍ فَيَمْشُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَأْتُونَ إلَى جَهَنَّمَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ مَالِكًا يَفْتَحُ لَهُمْ فَإِذَا رَأَوْا أَوْلَادَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَيَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: مَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فِي هَذَا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، فَيَصِيحُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَلَدِهِ فَإِذَا سَمِعُوا صَوْتَ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ بَكَوْا وَقَالُوا: النَّارُ أَحْرَقَتْ أَكْبَادَنَا وَالْعُقُوبَةُ أَهْلَكَتْنَا. فَيَبْكِي الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ فِيهِمْ: فَيَقُولُ: لَهُمْ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِشَفَاعَتِكُمْ. فَيَقُولُونَ: إلَهَنَا وَسَيِّدَنَا تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ إلَى الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ لَهُمْ اللَّهُ: أَنْتُمْ رَضِيتُمْ عَنْ أَوْلَادِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَالِكٍ: أَخْرِجْ كُلَّ مَنْ طَلَبَهُ أَبَوَاهُ وَأَخِّرْ مَنْ لَمْ يَطْلُبَاهُ، فَيُخْرِجُهُمْ فَحْمًا فَيُغْمَسُونَ فِي مَاءِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُ عَلَيْهِمْ اللَّحْمُ وَالشَّعْرُ وَالْجِلْدُ وَيَدْخُلُونَ بِهِمْ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَإِنَّهُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ضَمَّهُ الْقَبْرُ ضَمَّةً حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ. وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا فِي جَهَنَّمَ عَاقٌّ لِوَالِدَيْهِ وَالزَّانِي وَالْمُشْرِكُ بِاَللَّهِ » وَقَالَ ﷺ : «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ» . وَعَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَبَاهُ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ، فَدَعَاهُ فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا وَأَنَا قَوِيٌّ وَفَقِيرًا وَأَنَا غَنِيٌّ فَكُنْت لَا أَمْنَعُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِي وَالْيَوْمَ أَنَا ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوِيٌّ وَأَنَا فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ وَيَبْخَلُ عَلَيَّ بِمَالِهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ يَسْمَعُ بِهَذَا إلَّا بَكَى قَالَ لِلْوَلَدِ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . «وَشَكَا إلَيْهِ آخَرُ سُوءَ خُلُقِ أُمِّهِ فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ حِينَ حَمَلَتْكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: إنَّهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ. قَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينَ أَرْضَعَتْك حَوْلَيْنِ؟ قَالَ إنَّهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ. قَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينَ أَسْهَرَتْ لَك لَيْلَهَا وَأَظْمَأَتْ لَك نَهَارَهَا؟ قَالَ: لَقَدْ جَازَيْتُهَا. قَالَ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: حَجَجْتُ بِهَا عَلَى عُنُقِي. قَالَ: مَا جَازَيْتَهَا» . «وَقَالَ ﷺ إيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَلَا يَجِدُ رِيحَهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ عَاصٍ وَلَا جَارٌّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ إنَّ الْكِبْرِيَاءَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» اهـ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَطِيبِ.

стр. 1214

كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَنْ يُؤْذِيَهُ أَذًى لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَا لَمْ يَكُنْ مَا آذَاهُ بِهِ وَاجِبًا وَصِلَةُ الْقَرَابَةِ وَهِيَ فِعْلُكَ مَعَ قَرِيبِكَ ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ وَلَا يَفْعَلُهَا إلَّا بِإِيذَاءٍ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ أَوْ ذَا غِيبَةٍ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (مَأْمُورٌ بِهَا) أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ وَقَطِيعَتُهَا بِتَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ الْمَأْلُوفَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ. وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا مَنْدُوبٌ يَكُونُ تَرْكُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الرَّحِمُ حَجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَإِنِّي شَقَقْتُ لِلرَّحِمِ اسْمًا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ بَتَكَهَا بَتَكْتُهُ» اهـ. وَالْحَجْنَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مَعًا بَعْدَهُمَا نُونٌ هِيَ سِنَّارَةُ الْمِغْزَلِ، وَقَوْلُهُ " بَتَكَهَا بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مُحَرَّكًا أَيْ قَطَعَهَا اهـ وَالْمُرَادُ أَنَّ حَالَهَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا تَتَجَسَّمُ وَتَقُولُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ فَلَا يُقَالُ الرَّحِمُ الْعَلَقَةُ الَّتِي بَيْنَك وَبَيْنَ قَرِيبِك فَكَيْفَ تَقُولُ. وَعَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ " إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَيَصِلُ رَحِمَهُ فَيُبَارَك لَهُ فِيهِ فَيَصِيرُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيَقْطَعُ رَحِمَهُ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " مَنْ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ " يَعْنِي يُزَادُ فِي عُمُرِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِرُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَةِ الرَّحِمِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] يَعْنِي اتَّقُوا الْأَرْحَامَ فَصِلُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا، وَقَالَ تَعَالَى. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] يَعْنِي أَعْطِهِ حَقَّهُ مِنْ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] يَعْنِي التَّوْحِيدَ وَشَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] يَعْنِي يَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ: كَانَ عِنْدَنَا بِمَكَّةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَكَانَ صَالِحًا وَكَانَ النَّاسُ يُودِعُونَهُ الْوَدَائِعَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَوْدَعَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ وَقَدِمَ مَكَّةَ وَقَدْ مَاتَ الْخُرَاسَانِيُّ، فَسَأَلَ أَهْلَ مَكَّةَ: أَوْدَعْتُ فُلَانًا عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَقَدْ مَاتَ وَقَدْ سَأَلْت وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ فَمَا تَأْمُرُونِي؟ فَقَالُوا: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ ائْتِ زَمْزَمَ فَتَطَلَّعْ فِيهَا وَنَادِ يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ، يُخْشَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُك مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَائْتِ الْيَمَنَ فَإِنَّ بِهَا وَادِيًا يُقَالُ لَهُ بَرَهُوتُ وَفِيهِ بِئْرٌ فَتَطَلَّعْ فِيهَا؛ فَإِذَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ فَنَادِ يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ، فَأَجَابَهُ مِنْ أَوَّلِ صَوْتٍ فَقَالَ: وَيْحَك مَا أَنْزَلَك هَهُنَا وَقَدْ كُنْت صَاحِبَ خَيْرٍ؟ قَالَ: كَانَ لِي أَهْلُ بَيْتٍ بِخُرَاسَانَ فَقَطَعْتُهُمْ حَتَّى مِتُّ فَآخَذَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَأَمَّا مَالَك فَهُوَ عَلَى حَالِهِ وَقَدْ دَفَنْتُهُ فِي بَيْتِ كَذَا فَقُلْ لِوَلَدِي يُدْخِلُك دَارِي وَاحْفِرْ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَإِنَّك تَجِدُ مَالَك. فَوَجَدَ مَالَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَفَهُ. فَالْوَاجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالزِّيَارَةِ وَالْهَدِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصِّلَةِ بِالْمَالِ فَلْيَصِلْهُمْ بِالزِّيَارَةِ وَبِالْإِعَانَةِ فِي أَعْمَالِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَصِلُهُمْ بِالْكِتَابِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى السَّيْرِ إلَيْهِمْ كَانَ أَفْضَلَ. وَفِي صِلَةِ الرَّحِمِ عَشْرُ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ: الثَّانِي: إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «إنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ» . الثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا فَرَحَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ. الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهَا حُسْنَ الثَّنَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ. الْخَامِسُ: أَنَّ فِيهَا إدْخَالَ الْهَمِّ عَلَى إبْلِيسَ. السَّادِسُ: أَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي الْعُمْرِ. السَّابِعُ: أَنَّ فِيهَا بَرَكَةً فِي الرِّزْقِ. الثَّامِنُ: أَنَّ فِيهَا سُرُورَ الْأَمْوَاتِ لِأَنَّ الْآبَاءَ وَالْأَجْدَادَ يُسَرُّونَ بِصِلَةِ الْقَرَابَةِ. التَّاسِعُ: أَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي الْمُرُوءَةِ. الْعَاشِرُ: زِيَادَةُ الْأَجْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلَّمَا ذَكَرُوا إحْسَانَهُ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَاصِلُ

стр. 1215

مَا تُعَدُّ بِهِ وَاصِلًا مَأْمُورٌ بِهَا، وَتَحْصُلُ بِالْمَالِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالزِّيَارَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ بِالسَّلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَصْلٌ: فِي اللُّقَطَةِ وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِهَا لُغَةً الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ وَشَرْعًا مَا وُجِدَ مِنْ حَقٍّ مُحْتَرَمٍ غَيْرِ مُحْتَرَزٍ لَا يَعْرِفُ الْوَاجِدُ مُسْتَحِقَّهُ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْآيَاتُ الْآمِرَةُ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، إذْ فِي أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَالرَّدِّ بِرٌّ ــ [حاشية البجيرمي] الرَّحِمِ وَامْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ أَيْتَامًا فَتَقُومُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ أَوْ يَمُوتُوا وَرَجُلٌ اتَّخَذَ طَعَامًا وَدَعَا إلَيْهِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ» . وَقَالَ ﷺ : «رَأَيْت فِي الْجَنَّةِ قُصُورًا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، فَقُلْت: يَا جِبْرِيلُ لِمَنْ هَذِهِ الْمَنَازِلُ؟ قَالَ: لِمَنْ وَصَلَ الْأَرْحَامَ وَأَفْشَى السَّلَامَ وَأَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَرَفَقَ بِالْأَيْتَامِ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . وَيُقَالُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا يَزِيدُ فِي حَسَنَاتِهِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ وَيُوَسِّعُ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ: أَوَّلُهَا: مَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّدَقَةِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يُسْرِفْ، وَمَنْ أَطَاعَ وَالِدَيْهِ وَدَاوَمَ عَلَى طَاعَتِهِمَا ذَكَرَهُ فِي سَفِينَةِ الْأَبْرَارِ. وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُ الصِّلَةِ سُنَّةً وَقَطْعُهَا حَرَامٌ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَحَلَّ تَحْرِيمِ الْقَطْعِ إذَا سَبَقَ لَهُ مَعْرُوفٌ مَعَهُمْ، وَأَنَّ سُنَّةَ الصِّلَةِ بِالنَّظَرِ لِابْتِدَاءِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ مَعَهُمْ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْتِدَاءَ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ مَعَ الْأَقَارِبِ سُنَّةٌ وَأَنَّ قَطْعَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ كَبِيرَةٌ كَمَا فِي سم فِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَهُ دَوَامًا وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ فَلْيُحَرَّرْ. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَاسَلَةُ) أَيْ بِغَيْرِ مُكَاتَبَةٍ وَإِلَّا فَعَطْفُهَا مُرَادِفٌ وَقَوْلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَيْ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ ق ل. [فَصْلٌ فِي اللُّقَطَةِ] هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكَسْبِ كَمَا أَنَّ الْهِبَةَ نَوْعٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ، فَلِذَا ذَكَرَهَا عَقِبَ الْهِبَةِ، وَلَوْ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْقَرْضِ لَكَانَ أَنْسَبَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقْرَضَهَا لِلْمُلْتَقِطِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْكِتَابَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَرْضَ فَهُنَا وَقَعَ فِي مَرْكَزِهِ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَالَ م ر: إنَّمَا ذَكَرَهَا عَقِبَ الْهِبَةِ لِأَنَّ كُلًّا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَعَقَّبَهَا غَيْرُهُ لِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ مِنْ الشَّارِعِ اهـ وَذَكَرَهَا فِي التَّحْرِيرِ عَقِبَ الْغَصْبِ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا اسْتِيلَاءٌ إلَّا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ وَالْغَصْبُ حَرَامٌ، وَفِيهَا مَعْنَى الِاكْتِسَابِ لِجَوَازِ التَّمَلُّكِ وَمَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهَا وَمُتَوَلِّيًا حِفْظَهَا، وَالْمُغَلَّبُ فِيهَا الْأَوَّلُ لِصِحَّةِ لَقْطِ الصَّبِيِّ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ. قَوْلُهُ: (وَإِسْكَانُهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَقِيلَ إنَّهَا بِفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلَّاقِطِ أَيْ الشَّخْصِ الْمُلْتَقِطِ، وَبِإِسْكَانِهَا: لِلشَّيْءِ الْمَلْقُوطِ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْفَعْلَةَ بِالْإِسْكَانِ لِلْمَفْعُولِ كَالضَّحْكَةِ وَبِالتَّحْرِيكِ لِلْفَاعِلِ وَالتَّحْرِيكُ لِلْمَفْعُولِ نَادِرٌ. اهـ. زِيَادِيٌّ: قَوْلُهُ: (مَا وُجِدَ) أَيْ مَالٌ أَوْ اخْتِصَاصُ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَعْبِيرُهُ بِمَا لَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَتْ عَاقِلًا كَالرَّقِيقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ غَلَبَ غَيْرُ الْعَاقِلِ عَلَى الْعَاقِلِ. قَوْلُهُ: (لَا يَعْرِفُ الْوَاجِدُ مُسْتَحِقَّهُ) أَيْ وَقَدْ ضَاعَ بِنَحْوِ غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، فَخَرَجَ مَا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ أَوْ أَلْقَتْهُ فِي دَارِك وَمَا أَلْقَاهُ هَارِبٌ كَذَلِكَ أَوْ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ وَوَدَائِعَ عِنْدَك لَمْ تَعْرِفْ صَاحِبَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَمِنْ هَذَا جَمَلٌ أَثْقَلُهُ حَمْلُهُ فَتَرَكَهُ صَاحِبُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ فَالْأَمْرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْ الْعَادِلِ وَإِلَّا تَصَرَّفَ فِيهِ وَاجِدُهُ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا ظَهَرَ مَالِكُهُ أَخَذَهُ وَوَجَبَ دَفْعُهُ لَهُ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، وَلَا رُجُوعَ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَالِكِهِ فِيمَا أَنْفَقَهُ أَيْ بِلَا إذْنٍ وَلَا إشْهَادٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ الْمَذْكُورِ: يَرْجِعُ عَلَى مَالِكِهِ بِالنَّفَقَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّيْثُ، يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ. اهـ. ق ل؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَالِكَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) أَيْ إعَانَةً كَامِلَةً؛ وَإِلَّا فَاَللَّهُ فِي عَوْنِ كُلِّ أَحَدٍ دَائِمًا، وَانْظُرْ مَعْنَى هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ " فِي " زَائِدَةٌ

стр. 1216

وَإِحْسَانٌ، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (وَإِذَا وَجَدَ) أَيْ الْحُرُّ (لُقَطَةً فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ) وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ آمِنٌ فِي الْحَالِ، خَشْيَةَ الضَّيَاعِ أَوْ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ (فَلَهُ أَخْذُهَا) جَوَازًا لِأَنَّ خِيَانَتَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَعَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ (وَ) لَهُ (تَرْكُهَا) خَشْيَةَ اسْتِهْلَاكِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَضْمَنُ بِالتَّرْكِ، فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْأَخْذُ وَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّرْكُ. وَخَرَجَ بِالْحُرِّ الرَّقِيقُ فَلَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ أَمَانَةٌ وَوِلَايَةٌ ابْتِدَاءً وَتَمْلِيكٌ انْتِهَاءً وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنْ الْتَقَطَ بِإِذْنِهِ صَحَّ وَكَأَنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، وَأَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ كَانَ هُوَ الْمُلْتَقِطُ سَيِّدًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَلَوْ أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ سَيِّدُهُ وَاسْتَحْفَظَهُ عَلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا وَهُوَ أَمِينٌ جَاءَ وَإِلَّا فَلَا وَتَصِحُّ اللُّقَطَةُ مِنْ مُكَاتَبٍ كِتَابَةً صَحِيحَةً لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، وَخَرَجَ بِالْمَوَاتِ الْمَمْلُوكُ ــ [حاشية البجيرمي] وَعَوْنٌ " بِمَعْنَى مُعِينٍ وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاَللَّهُ مُعِينٌ لِلْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ مُعِينًا لِأَخِيهِ. قَوْلُهُ: (فِي مَوَاتٍ) أَيْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ تُخَمَّسُ خُمُسُهَا لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْمُلْتَقِطِ ح ل. قَوْلُهُ: (أَوْ طَرِيقٍ) وَمِنْهَا الشَّارِعُ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ النَّافِذُ فِي الْأَبْنِيَةِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُ الْمَسْجِدُ وَالرِّبَاطُ وَالْمَدْرَسَةُ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُشْتَرَكَةٌ فَلَا يَخْتَصُّ مَا يُوجَدُ فِيهَا بِأَحَدٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ مَظِنَّةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كَالْحَمَّامِ وَالْقَهْوَةِ وَالْمَرْكَبِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَثِقْ إلَخْ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ: وَأَخْذُهَا أَوْلَى إلَخْ، وَلِمُنَاسَبَةِ اللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ق ل، أَيْ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا. قَوْلُهُ: (خَشْيَةَ الضَّيَاعِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ لِقَوْلِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا جَوَازًا، أَيْ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا خَشْيَةَ الضَّيَاعِ، أَيْ لَوْ تَرَكَهَا، وَلَمْ يُنْدَبْ خَشْيَةَ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ؛ وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: " وَلِأَنَّ الْخِيَانَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ إلَخْ " بِوَاوِ الْعَطْفِ م د. وَقَوْلُهُ " خَشْيَةَ طُرُوُّ إلَخْ " هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ " أَوْ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ " عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ وَهُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ " وَلَمْ يُنْدَبْ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " وَلَهُ تَرْكُهَا " فَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ " خَشْيَةَ إلَخْ " عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " فَلَهُ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا " لَكِنْ عَلَى التَّوْزِيعِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ خَشْيَةِ اسْتِهْلَاكِهَا عِلَّةً ثَانِيَةً فَالْمُنَاسِبُ الْوَاوُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عِلَّةٌ لِلْمُعَلَّلِ مَعَ عِلَّتِهِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدُ مَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ، وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ " وَهُوَ آمِنٌ " أَيْ وَهُوَ آمِنٌ خَوْفَ الضَّيَاعِ وَآمِنٌ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ. قَوْلُهُ: (أَوْ طُرُوُّ) مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّيَاعِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ خِيَانَتَهُ إلَخْ) أَمَّا إذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا كَالْوَدِيعَةِ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ) أَيْ مِنْ الْخِيَانَةِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَتْنِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللُّقَطَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَتَكُونُ مُبَاحَةً إذَا أَمِنَ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَسُنَّةً إذَا وَثِقَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَوَاجِبَةً إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَعَلِمَ ضَيَاعَهَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا، وَمَكْرُوهَةً لِلْفَاسِقِ، وَحَرَامًا إذَا نَوَى الْخِيَانَةَ؛ وَعَلَى كُلٍّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا تَرَكَهَا وَلَوْ فِي صُورَةِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إنْ وَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ نُدِبَ لَهُ الِالْتِقَاطُ، إنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ آمِنٌ فِي الْحَالِ أُبِيحَ لَهُ الْأَخْذُ مَا لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا وَإِلَّا كُرِهَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِنًا فِي الْحَالِ وَمُحَقِّقًا مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَصَارَ ضَامِنًا إنْ أَخَذَهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ. اهـ. م د، وَتَكُونُ وَاجِبَةً إذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ حَالًا وَمَآلًا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمِينٌ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ " وَمَكْرُوهَةً لِلْفَاسِقِ " أَيْ وَلَوْ بِنَحْوِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَإِنْ عُلِمَتْ أَمَانَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ حَجّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ تَابَ يُكْرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِانْتِفَاءِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخِيَانَةِ حَالَ الْأَخْذِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الرَّقِيقُ) أَيْ كُلًّا. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) أَيْ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ سَيِّدَهُ سم. قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ وَفِي نُسْخَةٍ: " أَهْلِهِمَا " بِضَمِيرِ الْمُثَنَّى لِغَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ الرَّقِيقَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ. وَهَلْ إذْنُهُ لَهُ فِي الِاكْتِسَابِ مُطْلَقًا إذْنٌ لَهُ فِي الِالْتِقَاطِ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ بَحَثَ الزَّرْكَشِيّ تَرْجِيحَ أَوَّلِهِمَا اهـ سم. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ) أَيْ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِالْتِقَاطِ، فَإِقْرَارُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ اهـ. قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ وَكَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْإِذْنِ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الرَّقِيقُ أَمِينًا، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ لَهُ وَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْإِقْرَارِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ وَرَدَّهَا إلَيْهِ فَيَضْمَنُهَا السَّيِّدُ وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَمِنْهَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ فَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ الْعَبْدُ فَقَطْ كَمَا شُرِحَ فِي م ر، وَلِبَعْضِهِمْ:

стр. 1217

فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بَلْ هِيَ لِصَاحِبِ الْيَدِ فِيهِ إذَا ادَّعَاهَا وَإِلَّا فَلِمَنْ كَانَ مَالِكًا قَبْلَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمُحْيِي، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا كَانَتْ لُقَطَةً كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَبِغَيْرِ الْوَاثِقِ بِنَفْسِهِ الْوَاثِقُ بِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَأَخْذُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا) فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ (إنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ) مِنْ نَفْسِهِ (مِنْ الْقِيَامِ بِهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَسُنَّ إشْهَادٌ بِهَا مَعَ تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ اللُّقَطَةِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد: «مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ» عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. وَتَصِحُّ لُقَطَةُ الْمُبَعَّضِ لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةِ، وَلُقَطَتُهُ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ فِي غَيْرِ مُهَايَأَةٍ فَيُعَرِّفَانِهَا ــ [حاشية البجيرمي] يَضْمَنُ عَبْدٌ تَالِفًا فِي ذِمَّتِهْ ... إنْ يَرْضَهُ الْمَالِكُ دُونَ سَادَتِهْ وَإِنْ يَكُنْ بِلَا رِضَا مَنْ اسْتَحَقْ ... فَلَيْسَ إلَّا بِالرَّقِيبَةِ اعْتَلَقْ قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ اللُّقَطَةُ مِنْ مُكَاتَبٍ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ. الْأَوْلَى: " وَيَصِحُّ اللَّقْطُ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، أَيْ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، أَيْ الْمَلْقُوطِ، بَعْدَ تَعْرِيفِهِ وَتَمَلُّكِهِ، فَإِنْ رُقَّ الْمُكَاتَبُ أَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَخَذَهُ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَحَفِظَهُ الْمَالِكُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِأَنَّ الْتِقَاطَ الْمُكَاتَبِ لَا يَقَعُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ. فَرْعٌ: أَفْتَى الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بِصِحَّةِ الْتِقَاطِهِ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلشَّرِيكَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا الْآذِنُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْمُبَعَّضِ حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِتَغْلِيبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا هُنَا. اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (كِتَابَةً صَحِيحَةً) أَمَّا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَكَالْقِنِّ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمَوَاتِ) أَيْ وَالطَّرِيقُ لِأَنَّهُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَتْنِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ هَذَا عَنْ الْكَلَامِ فِي الْمُبَعَّضِ الْآتِي تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ. قَوْلُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَمْلُوكِ. وَقَوْلُهُ " لِلتَّمَلُّكِ " أَيْ وَلَا لِلْحِفْظِ. وَقَوْلُهُ " بَعْدَ التَّعْرِيفِ " ظَرْفٌ لِلتَّمَلُّكِ. وَقَوْلُهُ " لِصَاحِبِ الْيَدِ " بِمِلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ زي. وَقَوْلُهُ " فِيهِ " أَيْ فِي الْمَمْلُوكِ. قَوْلُهُ: (مَالِكًا) لَوْ قَالَ: لِذِي الْيَدِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلْمُحْيِي وَإِنْ نَفَاهَا، فَقَوْلُهُ: " كَانَتْ لُقَطَةً " ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ الْوَاثِقِ) أَيْ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَثِقْ إلَخْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْوَاثِقُ أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَوْلُهُ: الْوَاثِقُ بِهَا أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. قَوْلُهُ: (عَلَى ثِقَةٍ) أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْحَالِ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْقِيَامِ بِهَا) أَيْ بِحِفْظِهَا وَمِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ. قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ فِي أَخْذِهَا. قَوْلُهُ: (وَسُنَّ إشْهَادٌ بِهَا) عِبَارَةُ سم: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الِالْتِقَاطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَذْكُرَ فِي الْإِشْهَادِ بَعْضَ الصِّفَاتِ وَلَا يَسْكُتَ عَنْهَا لِيَكُونَ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةٌ. وَقَوْلُهُ " وَسُنَّ إشْهَادٌ " أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَدْلًا. وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ فِي الشَّاهِدِ بِالْمَسْتُورِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْتُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالنِّكَاحِ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَشْتَهِرُ غَالِبًا بَيْنَ النَّاسِ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالْمَسْتُورِ، وَالْغَرَضُ مِنْ الْإِشْهَادِ هُنَا أَمْنُ الْخِيَانَةِ فِيهَا وَجَحْدُ الْوَارِثِ لَهَا فَلَمْ يُكْتَفَ بِالْمَسْتُورِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَمَحَلُّ سَنِّ الْإِشْهَادِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مُتَغَلِّبًا إذَا عَلِمَ بِهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا امْتَنَعَ الْإِشْهَادُ وَالتَّعْرِيفُ اهـ. قَوْلُهُ: (مَعَ تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ اللُّقَطَةِ) أَيْ مِنْ أَوْصَافِهَا، وَالْمَحَلُّ لِلْإِضْمَارِ وَلَا يَسْتَوْعِبُهَا لِلشُّهُودِ، فَإِنْ خَالَفَ كُرِهَ وَلَا يَضْمَنُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْعَبَ الْأَوْصَافَ فِي التَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِحَصْرِ الشُّهُودِ وَعَدَمِ تُهْمَتِهِمْ. قَالَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ: وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ اسْتِيعَابَهَا لِلشُّهُودِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِهَا حَرُمَ وَضَمِنَ اهـ، فَمَحَلُّ سَنِّ الْإِشْهَادِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْتُمُ) أَيْ لَا يَكْتُمُ اللُّقَطَةَ بِأَنْ لَا يُعَرِّفَهَا، وَلَا يُغَيِّبَهَا عَنْ النَّاسِ بِأَنْ يَتْرُكَ تَعْرِيفَهَا؛ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ. شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (عَلَى النَّدْبِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " حَمَلُوا " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْعَدْلَيْنِ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْإِشْهَادُ وَاجِبًا لَمْ يَكْفِ الْعَدْلُ. قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ لُقَطَةُ الْمُبَعَّضِ) لَوْ قَالَ " لَقْطُ الْمُبَعَّضِ " لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ وَالْمَوْصُوفُ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَى الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ أَوْ لَا؛ وَلَا يُنَافِيهِ التَّشْبِيهُ بَعْدَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ " كَشَخْصَيْنِ

стр. 1218

وَيَتَمَلَّكَانِهَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَشَخْصَيْنِ الْتَقَطَا. وَفِي مُنَاوَبَةٍ لِذِي نَوْبَةٍ كَبَاقِي الْأَكْسَابِ، كَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ وَرِكَازٍ، وَالْمُؤَنُ كَأُجْرَةِ طَبِيبٍ وَحَجَّامٍ وَثَمَنِ دَوَاءٍ، فَالْأَكْسَابُ لِمَنْ حَصَلَتْ فِي نَوْبَتِهِ، وَالْمُؤَنُ عَلَى مَنْ وَجَبَ سَبَبُهَا فِي نَوْبَتِهِ، وَأَمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَالْجِنَايَةِ مِنْهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يَشْمَلُهُمَا. وَكُرِهَ اللَّقْطُ لِفَاسِقٍ لِئَلَّا تَدْعُوَهُ نَفْسُهُ إلَى الْخِيَانَةِ، فَيَصِحُّ اللَّقْطُ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ مُرْتَدٍّ وَكَافِرٍ مَعْصُومٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَاصْطِيَادِهِمْ وَاحْتِطَابِهِمْ، وَتُنْزَعُ اللُّقَطَةُ مِنْهُمْ وَتُسَلَّمُ لِعَدْلٍ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ لِعَدَمِ أَمَانَتِهِمْ. وَيُضَمُّ لَهُمْ مُشْرِفٌ فِي التَّعْرِيفِ فَإِنْ تَمَّ التَّعْرِيفُ تَمَلَّكُوا. وَتَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَيَنْزِعُ اللُّقَطَةَ مِنْهُمَا وَلِيُّهُمَا، ــ [حاشية البجيرمي] الْتَقَطَا " قَالَ سم: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُبَعَّضِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَ الِالْتِقَاطُ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ لِأَنَّهُ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ م ر أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ السَّيِّدِ إذَا كَانَتْ مُهَايَأَةً وَحَصَلَتْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي غَيْرِ الْمُهَايَأَةِ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ؛ فَإِنْ نَهَاهُ السَّيِّدُ عَنْ الِالْتِقَاطِ فَالْتَقَطَ صَحَّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحُرِّيَّةِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا حِينَئِذٍ الْمُبَعَّضُ الْمَذْكُورُ. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ إلَّا فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ وَحْدَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِ اللُّقَطَةِ فِي أَيِّ النَّوْبَتَيْنِ صُدِّقَ الْمُبَعَّضُ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَهُوَ الْمُصَدَّقُ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا أَوْ لَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ وَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا اهـ سم. قَوْلُهُ: (كَبَاقِي الْأَكْسَابِ) يَرْجِعُ لِلْمُهَايَأَةِ وَعَدَمِهَا. وَقَوْلُهُ " وَالْمُؤَنِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " بَاقِي ". قَوْلُهُ: (فَالْأَكْسَابُ إلَخْ) قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ وَالْمُؤَنِ بِوَقْتِ الِاحْتِيَاجِ لِلْمُؤَنِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهَا فِي نَوْبَةِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ بِوُجُودِهِ وَفِي الْمُؤَنِ بِوَقْتِ وُجُودِ سَبَبِهَا كَالْمَرَضِ اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ " وَالْمُؤَنُ عَلَى مَنْ وَجَدَ إلَخْ " ضَعِيفٌ، فَإِذَا مَرِضَ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ وَاحْتِيجَ لِلدَّوَاءِ فِي نَوْبَتِهِ هُوَ لَزِمَهُ، وَعَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ تَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ) أَيْ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا سَيَذْكُرُهُ. وَالضَّابِطُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّ الْمُبَعَّضَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ الْعِبْرَةُ فِيهِ بِذِي النَّوْبَةِ إلَّا فِي الْجِنَايَةِ مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ فَلَا يَتْبَعُ النَّوْبَةَ بَلْ الرَّقَبَةَ م د، وَلَوْ جَعَلَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ شَامِلًا لِلْجِنَايَةِ مِنْهُ وَعَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ) فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ رَقِيقًا وَنِصْفُهُ حُرًّا تَعَلَّقَ نِصْفُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِنِصْفِ الرَّقِيقِ فَيُبَاعُ فِيهِ أَوْ يَفْدِيهِ السَّيِّدُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُبَعَّضِ؛ لَكِنْ قَوْلُ الشَّارِحِ " لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ إلَخْ " يُفْهَمُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ مَا يُقَابِلُ النِّصْفَ الْحُرَّ بِالرَّقَبَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ لَهَا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالرَّقَبَةِ بَيْعُهَا فِيهِ وَالنِّصْفُ الْحُرُّ لَا يُبَاعُ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالتَّعَلُّقِ بِالرَّقَبَةِ مَا يَشْمَلُ التَّعَلُّقَ بِالذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهِ الْحُرِّ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ) فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَقَطَعَ شَخْصٌ يَدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ نَظَرًا لِلْحُرِّيَّةِ وَيَكُونُ لَهُ أَيْ لِلْمُبَعَّضِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاطِعِ أَيْضًا رُبُعُ الْقِيمَةِ نَظَرًا لِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ. قَوْلُهُ: (يَشْمَلُهُمَا) أَيْ الْجِنَايَةَ مِنْهُ وَالْجِنَايَةَ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ. " يَشْمَلُهَا " أَيْ الْجِنَايَةَ بِقِسْمَيْهَا، وَهُمَا صَحِيحَتَانِ. قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ اللَّقْطُ لِفَاسِقٍ) إنْ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ وَأَمَّا لَقْطُهَا لِلْحِفْظِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ ق ل. وَقَوْلُهُ " لِفَاسِقٍ " أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: (كَمَا يَصِحُّ مِنْ مُرْتَدٍّ) وَالْأَوْجَه أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ، فَلِمَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا خ ض. وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ بَعْدُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا وَيَتَمَلَّكَهَا. قَوْلُهُ: (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ لَا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَمَا وُجِدَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهَا فَغَنِيمَةٌ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلُقَطَةٌ احْتِرَامًا لِلْمُسْلِمِ وَتَغْلِيبًا لَهُ. اهـ. زِيَادِيٌّ. وَقَوْلُهُ: " وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ " أَيْ الْوَاجِدِ لَهَا وَهُوَ الْكَافِرُ الْمَعْصُومُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ " فِي دَارِ الْإِسْلَامِ " رَاجِعٌ لِلْكَافِرِ الْمَعْصُومِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (وَتُنْزَعُ اللُّقَطَةُ مِنْهُمْ) أَيْ يَنْزِعُهَا الْحَاكِمُ مِنْهُمْ فَقَطْ وَيُسَلِّمُهَا لِلْعَدْلِ وَأُجْرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ مُنْتَظِمًا وَإِلَّا فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَلَا ضَمَانَ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْكَافِرِ، وَكَذَا فِي الْكَافِرِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ وَإِلَّا لَمْ تُنْتَزَعْ مِنْهُ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مُشْرِفٌ) أَيْ مُرَاقِبٌ وَأُجْرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ فَعَلَيْهِمْ إنْ قَصَدُوا التَّمَلُّكَ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ تَعْرِيفَهَا

стр. 1219

وَيُعَرِّفُهَا وَيَتَمَلَّكُهَا لَهُمَا إنْ رَآهُ حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُمَا لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي مَعْنَى الِاقْتِرَاضِ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ حَفِظَهَا أَوْ سَلَّمَهَا لِلْقَاضِي وَكَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ السَّفِيهُ إلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ دُونَهُمَا. ؛ وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لَا لِخِيَانَةٍ بِأَنْ لَقَطَهَا لِحِفْظٍ أَوْ تَمَلُّكٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ خِيَانَةً وَلَا غَيْرَهَا، أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا وَنَسِيَهُ فَأَمِينٌ وَإِنْ قَصَدَ الْخِيَانَةَ بَعْدَ أَخْذِهَا مَا لَمْ يَتَمَلَّكْ أَوْ يَخْتَصَّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا وَإِنْ لَقَطَهَا لِحِفْظٍ وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْخِيَانَةِ فَضَامِنٌ وَلَيْسَ لَهُ تَعْرِيفُهَا. وَلَوْ دَفَعَ لُقَطَةً لِقَاضٍ لَزِمَهُ قَبُولُهَا. (وَإِذَا أَخَذَهَا) أَيْ اللُّقَطَةَ الْمُلْتَقِطُ الْوَاثِقُ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَعْرِفَ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ (سِتَّةَ أَشْيَاءَ) وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَتَرْكِ مَعْرِفَةَ اثْنَيْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ: الْأَوَّلَ أَنْ يَعْرِفَ (وِعَاءَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ ــ [حاشية البجيرمي] وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ عَدْلٍ. قَوْلُهُ: (تَمَلَّكُوا) أَيْ حَتَّى الْمُرْتَدِّ إنْ أَسْلَمَ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً قَبْلَ إسْلَامِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) أَيْ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي اللُّقَطَةِ الِاكْتِسَابُ لَا الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ شَرْحِ م ر، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ لَمْ يَصِحَّ الْتِقَاطُهُمَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُمَا؛. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ. قَوْلُهُ: (وَيَنْزِعُ اللُّقَطَةَ مِنْهُمَا) فَإِنْ قَصَّرَ فِي نَزْعِهَا مِنْهُمَا فَتَلِفَتْ وَلَوْ بِإِتْلَافِهِمَا ضَمِنَ فِي مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَصِرْ فَلَا ضَمَانَ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَم ر. وَقَوْلُهُ " فَإِنْ يُقَصِّرْ فَلَا ضَمَانَ " أَيْ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ أَيْضًا فِي التَّلَفِ، وَأَمَّا الْإِتْلَافُ فَالضَّمَانُ فِيهِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ اهـ خ ض. فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ إتْلَافِهِمَا ضَاعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا. قَوْلُهُ: (إنْ رَآهُ) أَيْ مَصْلَحَةً بِأَنْ احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَلَهُمَا مَا يُوَفَّى كَدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ مَتَاعٍ كَاسِدٍ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (حَيْثُ يَجُوزُ) فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لَهُ، وَلَيْسَ زَائِدًا عَلَيْهِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ إلَخْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: (يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ) وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ جَوَازِ إبْقَائِهَا فِي يَدِهِ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَصْلُحُ لِلْمَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ فِي انْتِزَاعِهَا مِنْهُ فَتَلِفَتْ أَوْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي مَالِهِ أَصَالَةً لَا قَرَارًا، فَلَا يُطَالَبُ السَّفِيهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيِّ إنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ مُعْتَرِضًا بِهِ مَا أَفْهَمَهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي قَوْلِ الْقَرَارِ الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ فِي التَّعْجِيزِ، كَمَا لَوْ قَصَّرَ بِتَرْكِ مَا احْتَطَبَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهُ ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَةَ، ثُمَّ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَمَلُّكِهَا لَهُ تَمَلَّكَ لَهُ قِيمَتَهَا هُوَ أَوْ السَّفِيهُ بِإِذْنِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْحَاكِمِ إيَّاهَا مِنْ الْوَلِيِّ إذْ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ. اهـ. سم. وَقَوْلُهُ " ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ إلَخْ " عِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَضْمَنُ أَيْ فِي مَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ الْحُكْمُ فِيمَا يَظْهَرُ. اهـ. سم. قَوْلُهُ: (أَوْ تَمَلُّكٍ) أَيْ فِيمَا يُمْلَكُ أَيْ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِشُرُوطِهِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ اخْتِصَاصٍ " أَيْ فِيمَا لَا يُمْلَكُ. قَوْلُهُ: (أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْخِيَانَةَ وَغَيْرَهَا. وَوَجْهُهُ فِي قَصْدِ الْخِيَانَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَسِيَهَا ضَعُفَ قَصْدُهَا فَكَانَ أَمِينًا وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْحِفْظِ أَوْ التَّمَلُّكِ، فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَصَدَ الْخِيَانَةَ) غَايَةٌ، أَيْ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْخِيَانَةِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ ضَامِنًا، إنْ تَمَلَّكَ أَوْ اخْتَصَّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَتَمَلَّكْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ فَأَمِينٌ. أَيْ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الِاخْتِصَاصِ أَمِينًا مَا لَمْ يُتْلِفْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْغَصْبِ، شَرْحِ م ر. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ فِي الِاخْتِصَاصِ مَعَ أَنَّهُ إنْ تَلِفَ بِتَقْصِيرٍ لَا يَضْمَنُ. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا) هَذَا اسْتِطْرَادٌ لِأَنَّ مَحَلَّهُ سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْخِيَانَةِ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: لَا لِخِيَانَةٍ. قَوْلُهُ: (فَضَامِنٌ) وَيَبْرَأُ بِالدَّفْعِ لِحَاكِمٍ أَمِينٍ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ أَخَذَ لِلْخِيَانَةِ تَعْرِيفُهَا أَيْ لِيَتَمَلَّكَهَا بَعْدَهُ، فَالْمَنْفِيُّ التَّمَلُّكُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا لِلْقَاضِي مَا لَمْ يَقْصِدْ الْحِفْظَ وَيَتْرُكُ الْخِيَانَةَ فَإِنْ عَرَّفَهَا فَمُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى قَصْدِ الْأَمَانَةِ وَالْحِفْظِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ دَفَعَ) أَيْ الْخَائِنُ أَوْ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ) لِأَنَّ الْوِعَاءَ وَالْعِفَاصَ وَاحِدٌ وَالْعَدَّ وَالْوَزْنَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ يَشْمَلُهُمَا كَمَا يَشْمَلُ أَيْضًا الْكَيْلَ وَالذَّرْعَ. قَوْلُهُ؛ (مَعْرِفَةُ اثْنَيْنِ) كَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: وَتَرْكُ مَعْرِفَةِ أَرْبَعَةٍ كَزِيَادَةِ الْكَيْلِ وَالذَّرْعِ كَمَا يَأْتِي ق ل. قَوْلُهُ: (وَأَصْلُهُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ. وَقَوْلُهُ " كَمَا فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ " هُوَ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَهُوَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَتَحْرِيرُ التَّنْبِيهِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ.

стр. 1220

وَالْمَدُّ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) الثَّانِيَ أَنْ يَعْرِفَ (عِفَاصَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَصْلُهُ كَمَا فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ عَنْ الْخَطَّابِيِّ الْجِلْدُ الَّذِي يَلْبَسُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ وَهِيَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ كَصَاحِبِ التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُمَا جَمَعَا بَيْنَ الْوِعَاءِ وَالْعِفَاصِ وَالْمَحْكِيُّ فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعِفَاصَ هُوَ الْوِعَاءُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فَيَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَهِيَ الْوِعَاءُ مِنْ جِلْدٍ وَخِرْقَةٍ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى فَأَطْلَقَ الْعِفَاصَ عَلَى الْوِعَاءِ تَوَسُّعًا، (وَ) الثَّالِثَ: أَنْ يَعْرِفَ (وِكَاءَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ مَا تُرْبَطُ بِهِ مِنْ خَيْطٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) الرَّابِعَ: أَنْ يَعْرِفَ (جِنْسَهَا) مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) الْخَامِسَ: أَنْ يَعْرِفَ (عَدَدَهَا) كَاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (وَ) السَّادِسَ: أَنْ يَعْرِفَ (وَزْنَهَا) كَدِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ. أَمَّا كَوْنُهَا تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعٍ فَإِنَّ الْعِفَاصَ وَالْوِعَاءَ وَاحِدٌ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَالْعَدَدُ وَالْوَزْنُ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْقَدْرِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ شَامِلَةٌ لِلْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَالْكَيْلِ وَالذَّرْعِ. وَالسَّابِعَ: وَهُوَ الْمَتْرُوكُ مِنْ كَلَامِهِ أَنْ يَعْرِفَ صِنْفَهَا أَهَرَوِيَّةً أَمْ مَرْوِيَّةً. وَالثَّامِنَ: أَنْ يَعْرِفَ صِفَتَهَا مِنْ صِحَّةٍ وَتَكْسِيرٍ وَنَحْوِهِمَا، وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَكُونُ عَقِبَ الْأَخْذِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ. وَهِيَ سُنَّةٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ. وَفِي الْكَافِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَيَنْدُبُ كَتْبُ الْأَوْصَافِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنَّهُ الْتَقَطَهَا فِي وَقْتِ كَذَا. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ (أَنْ يَحْفَظَهَا) لِمَالِكِهَا (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) إلَى ظُهُورِهِ لِأَنَّهَا فِيهَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاكْتِسَابِ، فَالْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ أَوَّلًا وَالِاكْتِسَابُ آخِرًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ. وَهَلْ الْمُغَلَّبُ فِيهَا الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ لِأَنَّهُمَا نَاجِزَانِ أَوْ الِاكْتِسَابُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ؟ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَالْمُرَجَّحُ فِيهَا تَغْلِيبُ الِاكْتِسَابِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ ــ [حاشية البجيرمي] وَقَوْلُهُ " الْقَارُورَةُ هِيَ مِنْ الزُّجَاجِ وَقَالَ م د هِيَ ظَرْفُ الشَّيْءِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ الْقَارُورَةُ إنَاءٌ مِنْ زُجَاجٍ وَالْجَمْعُ الْقَوَارِيرُ وَالْقَارُورَةُ أَيْضًا وِعَاءُ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَهِيَ الْقَوْصَرَّةُ وَتُطْلَقُ الْقَارُورَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَوْ الْمَنِيَّ يَقَرُّ فِي رَحِمِهَا كَمَا يَقَرُّ الشَّيْءُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ تَشْبِيهًا بِآنِيَةِ الزُّجَاجِ لِضَعْفِهَا. قَوْلُهُ: (وَهِيَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ) الْمُنَاسِبُ هُوَ أَيْ الْجِلْدُ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ آنِيَةً. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْمُصَنِّفَ وَصَاحِبَ التَّنْبِيهِ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْوِعَاءُ) الْأَوْلَى وَهُوَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. وَيُجَابُ عَنْ التَّأْنِيثِ بِمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (انْتَهَى) أَيْ كَلَامُ الرَّوْضَةِ. وَقَوْلُهُ " فَأَطْلَقَ " أَيْ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِفَاصِ، بِخِلَافِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوِعَاءِ فَجَعَلَ لَهُ مَعْنًى يَخُصُّهُ. قَوْلُهُ: (تَوَسُّعًا) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ إطْلَاقٌ لُغَوِيٌّ فَلَا تَوَسُّعَ فِيهِ. اهـ. ق ل، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْقَامُوسِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوِعَاءِ الَّذِي فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً وَغِلَافُ الْقَارُورَةِ وَالْجِلْدُ الَّذِي يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهَا كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ حَجّ. قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) كَجِلْدٍ. قَوْلُهُ: (جِنْسَهَا) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلنَّوْعِ وَالصِّفَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمَا، فَلَا حَاجَةَ لِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ مَعَ أَنَّهُ عَدَّ الصِّفَةَ وَأَسْقَطَ النَّوْعَ ق ل. قَوْلُهُ: (كَدِرْهَمٍ) كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ كَرَطْلٍ مَثَلًا لِأَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ الْعَدِّ، إلَّا إنْ قَيَّدَ بِالْوَزْنِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الدِّرْهَمَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَزْنِ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْعِفَاصَ وَالْوِعَاءَ وَاحِدٌ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ. وَغَايَرَ أَوَّلًا بَيْنَهُمَا مُجَارَاةً لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ق ل هَذَا لَا يُلَائِمُ مَا قَرَّرَ بِهِ الْمَتْنُ مِنْ تَغَايُرِهِمَا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ) الْمُنَاسِبُ: فَإِنَّ الْقَدْرَ. قَوْلُهُ: (أَهَرَوِيَّةً) بِفَتَحَاتٍ نِسْبَةً إلَى هَرَاةَ قَرْيَةٌ بِالْعَجَمِ، وَمَرْوِيَّةٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ نِسْبَةً إلَى مَرْوَ قَرْيَةٌ كَذَلِكَ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا مَرْوَزِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ) الْأَوْلَى الْأَشْيَاءُ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ بِقَيْدِ كَوْنِ الْمَعْرِفَةِ الْمَذْكُورَةِ عَقِبَ الْأَخْذِ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ فَوَاجِبَةٌ ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ. قَوْلُهُ: (أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) هُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ (وَيُنْدَبُ كَتْبُ الْأَوْصَافِ) أَيْ خَوْفًا مِنْ نِسْيَانِهَا. قَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ كَذَا) أَيْ وَفِي مَكَانِ كَذَا. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَخَذَ الشَّارِحُ الْوُجُوبَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ إلَخْ، فَالْمَعْنَى: وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ " عَلَى " لِلْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: (مَعْنَى الْأَمَانَةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُلْتَقِطَ أَمِينٌ فِيمَا لَقَطَهُ وَالشَّرْعُ وَلَّاهُ حِفْظَهُ كَالْوَلِيِّ فِي مَالِ الطِّفْلِ، مَنْهَجٌ. قَوْلُهُ: (أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَجَّحُ فِيهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ،

стр. 1221

وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُغَلَّبَ ذَلِكَ لَمَا صَحَّ الْتِقَاطُهُمَا. (ثُمَّ إذَا أَرَادَ) الْمُلْتَقِطُ (تَمَلُّكَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً) أَيْ مِنْ يَوْمِ التَّعْرِيفِ تَحْدِيدًا، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْقَوَافِلُ غَالِبًا وَتَمْضِي فِيهَا الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ سَنَةً لَضَاعَتْ الْأَمْوَالُ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَلَوْ جَعَلَ التَّعْرِيفَ أَبَدًا لَامْتَنَعَ مِنْ الْتِقَاطِهَا فَكَانَ فِي السُّنَّةِ نَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَعًا. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ مُتَّصِلَةً بَلْ تَكْفِي وَلَوْ مُفَرَّقَةً عَلَى الْعَادَةِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَقِيرَةٍ، وَلَوْ مِنْ الِاخْتِصَاصَاتِ فَيُعَرِّفُهَا أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيْهِ أُسْبُوعًا ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً طَرَفَهُ أُسْبُوعًا أَوْ أُسْبُوعَيْنِ ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِمَا مَضَى. وَإِنَّمَا جَعَلَ التَّعْرِيفَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأُوَلِ أَكْثَرَ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَالِكِ فِيهَا أَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: قِيلَ وَمُرَادُهُمْ أَنْ يُعَرِّفَ كُلَّ مُدَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَلَوْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بَنَى وَارِثُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَلَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ لُقَطَةً عَرَّفَهَا كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَالتَّعْرِيفُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِكُلِّهَا لَا لِنِصْفِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّمَلُّكِ. ــ [حاشية البجيرمي] وَرُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بَعِيدٌ إذْ لَوْ رَجَعَ إلَيْهَا لَقَالَ " مِنْهَا " وَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُ بِاللُّقَطَةِ فِيمَا مَرَّ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهَا أَيْ اللُّقَطَةَ فِيهَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (تَغْلِيبٌ) أَيْ تَقْدِيمُ مُرَاعَاةِ الِاكْتِسَابِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. قَوْلُهُ: (الْفَاسِقُ وَالذِّمِّيُّ) وَكَذَا الصَّبِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ. قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ الِاكْتِسَابُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إذَا أَرَادَ إلَخْ) خَرَجَ مَا لَوْ الْتَقَطَهَا لِلْحِفْظِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ وَلَوْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ. وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ التَّعْرِيفِ مُطْلَقًا. وَعِبَارَةُ م د: " إذَا أَرَادَ تَمَلُّكَهَا " لَيْسَ بِقَيْدٍ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ التَّعْرِيفُ عَلَى مَنْ الْتَقَطَ لِلْحِفْظِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ يَوْمِ التَّعْرِيفِ) لَا مِنْ الِالْتِقَاطِ، فَالتَّعْرِيفُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ. قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى) أَيْ الْحِكْمَةُ فِي تَعْرِيفِهَا سَنَةً. قَوْلُهُ: (وَتَمْضِي إلَخْ) اُنْظُرْ وَجْهَ مَدْخَلِيَّةِ ذَلِكَ فِي الْحِكْمَةِ إذْ لَا دَخْلَ لِلْفُصُولِ فِي ذَلِكَ وَلَا مُنَاسَبَةَ، وَيُمْكِنُ الْمُنَاسَبَةُ بِأَنْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَرَتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِأَنَّ الْقَوَافِلَ كَانَتْ تُسَافِرُ كُلُّ قَافِلَةٍ مِنْهَا فِي فَصْلٍ مِنْ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ. قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ. قَوْلُهُ: (لَامْتُنِعَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: (نَظَرٌ) أَيْ رِعَايَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرِفْقٌ. قَوْلُهُ: (لِلْفَرِيقَيْنِ) أَيْ الْمَالِكِ وَالْمُلْتَقِطِ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَنَةٍ، أَيْ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْقَدْرِ وَالْمَحَلِّ، فَقَوْلُهُ " فَيُعَرِّفُهَا أَوَّلًا إلَخْ " بَيَانٌ لِلْقَدْرِ، وَقَوْلُهُ " وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ " بَيَانٌ لِلْمَحَلِّ. قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ) أَيْ اللُّقَطَةُ وَهَذَا قَيْدٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ عَرَّفَهَا سَنَةً، وَمَفْهُومُهُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ الِاخْتِصَاصَاتِ) بِأَنْ كَانَ اخْتِصَاصًا عَظِيمَ الْمَنْفَعَةِ يَكْثُرُ أَسَفُ فَاقِدِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (طَرَفَيْهِ) أَيْ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ إلَخْ) إلَى أَنْ يُتِمَّ أَسَابِيعَ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ شَرْحِ م ر. قَالَ الرَّشِيدِيُّ: التَّعْبِيرُ بِيُتِمَّ أَيْ فِي قَوْلِهِ إلَى أَنْ يُتِمَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الْأُسْبُوعَانِ الْأَوَّلَانِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ كُلُّ شَهْرٍ كَذَلِكَ) أَيْ إلَى آخِرِ السَّنَةِ فَالْمَرَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْرِيبِيَّةٌ. وَالضَّابِطُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنَّهُ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِمَا مَضَى حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرَّةَ فِي الْأَسَابِيعِ الَّتِي بَعْدَ التَّعْرِيفِ كُلُّ يَوْمٍ لَا تَدْفَعُ النِّسْيَانَ وَجَبَ مَرَّتَانِ كُلَّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ مَرَّةٌ كُلَّ أُسْبُوعٍ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ (قِيلَ إلَخْ) هَذَا فِي مُقَابَلَةِ التَّقْرِيرِ السَّابِقِ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيّ نَقَلَ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا طَرَفَيْ النَّهَارِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ طَرَفَهُ فَقَطْ ثَلَاثَةً أُخْرَى ثُمَّ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فِي طَرَفِ يَوْمٍ مِنْهَا ثَلَاثَةً أُخْرَى ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أُخْرَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ م د. قَوْلُهُ: (كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَيَوْمًا ثُمَّ جُمُعَةً وَجُمُعَةً ثُمَّ شَهْرًا وَشَهْرًا. قَوْلُهُ: (إنَّهُ الْأَشْبَهُ) أَيْ الْمُشَابِهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَيَكْفِي تَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ، وَيَكْفِي إذْنُهُمَا لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَوْ أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ الِالْتِقَاطِ لَمْ يَسْقُطْ، وَمِثْلُهُمَا الْوَارِثُ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ) حَيْثُ قَالَ: يُعَرِّفُهَا كُلُّ وَاحِدٍ سَنَةً. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ وَاحِدَةٌ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ السُّبْكِيّ.

стр. 1222

تَنْبِيهٌ: قَدْ يُتَصَوَّرُ التَّعْرِيفُ سَنَتَيْنِ وَذَلِكَ إذَا قَصَدَ الْحِفْظَ فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ قَصَدَ التَّمْلِيكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ سَنَةً مِنْ حِينَئِذٍ، وَيُبَيِّنُ فِي التَّعْرِيفِ زَمَنَ وِجْدَانِ اللُّقَطَةِ، وَيَذْكُرُ نَدْبًا اللَّاقِطُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ بَعْضَ أَوْصَافِهَا فِي التَّعْرِيفِ فَلَا يَسْتَوْعِبُهَا لِئَلَّا يَعْتَمِدَهَا الْكَاذِبُ، فَإِنْ اسْتَوْعَبَهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْفَعُهُ إلَى مَنْ يُلْزِمُ الدَّفْعُ بِالصِّفَاتِ. وَيُعَرِّفُهَا فِي بَلَدِ الِالْتِقَاطِ وَ (عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى وُجُودِ صَاحِبِهَا (وَ) يَجِبُ التَّعْرِيفُ (فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ) وَلْيُكْثِرْ مِنْهُ فِيهِ، لِأَنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ فِي مَكَانِهِ أَكْثَرُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ الْمَسَاجِدُ فَيُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الرَّوْضَةِ التَّحْرِيمَ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَلَا يُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى كَذَلِكَ. وَلَوْ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ سَفَرًا اسْتَنَابَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ مَنْ يَحْفَظُهَا وَيُعَرِّفُهَا، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا أَوْ اسْتَنَابَ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِهِ ضَمِنَ لِتَقْصِيرِهِ وَإِنْ الْتَقَطَ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُنَاكَ قَافِلَةٌ تَبِعَهَا وَعَرَّفَ فِيهَا إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّعْرِيفِ فِي الْأَمَاكِنِ الْخَالِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَفِي بَلَدٍ يَقْصِدُهَا قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ سَوَاءٌ أَقَصَدَهَا ابْتِدَاءً أَمْ لَا حَتَّى لَوْ قَصَدَ بَعْدَ قَصْدِهِ الْأَوَّلِ بَلْدَةً أُخْرَى. وَلَوْ بَلْدَتَهُ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا عَرَّفَ فِيهَا وَلَا يُكَلَّفُ الْعُدُولَ عَنْهَا إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ لَا يَعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا مُتَمَوِّلًا كَانَ أَوْ مُخْتَصًّا وَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ بَلْ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ فَاقِدَهُ لَا يُكْثِرُ أَسَفَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُطَوِّلُ طَلَبَهُ لَهُ غَالِبًا إلَى أَنْ يَظُنَّ إعْرَاضَ فَاقِدِهِ عَنْهُ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إنْ قَصَدَ تَمَلُّكًا وَلَوْ بَعْدَ لَقْطِهِ لِلْحِفْظِ أَوْ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ لِوُجُوبِ التَّعْرِيفِ ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (قَدْ يُتَصَوَّرُ إلَخْ) لَكِنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ وَالثَّانِيَ وَاجِبٌ م د؛ لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر الْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ مِنْ حِينِ قَصَدَ التَّمَلُّكَ. قَوْلُهُ: (وَيُبَيِّنُ فِي التَّعْرِيفِ) أَيْ يَذْكُرُ زَمَنَ وِجْدَانِ اللُّقَطَةِ وَمَكَانَهُ وُجُوبًا فِيهِمَا، وَمَحَلَّهُ فِي الْمَكَانِ مَا لَمْ يَكُنْ التَّعْرِيفُ وَاقِعًا فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ ذِكْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يَرْفَعُ اللَّاقِطَ إلَى حَاكِمٍ يُلْزِمُ اللَّاقِطَ دَفْعَ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا لَهُ. قَوْلُهُ: (إلَى مَنْ يُلْزِمُ الدَّفْعَ بِالصِّفَاتِ) أَيْ إلَى حَاكِمٍ مَذْهَبُهُ إلْزَامُ اللَّاقِطِ دَفْعَ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا بِصِفَاتِهَا. قَوْلُهُ: (عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَاتِ قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ التَّعْرِيفُ) الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ، وَيَقُولُ: وَلْيُكْثِرْ مِنْ التَّعْرِيفِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (وَلْيُكْثِرْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهَا) أَيْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِرَفْعِ صَوْتٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ ق ل. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ وَسَائِرُ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ إلَّا النِّكَاحَ فَيُسَنُّ عَقْدُهُ فِيهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ نَشْدُ الضَّالَّةِ فِيهِ وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَاقِدِ فِيهِ لَا رَبَّحَ اللَّهُ تِجَارَتَك وَلِلْمُنْشِدِ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ نَحْوُ مُصَلٍّ وَلَمْ يَتَخَطَّ الرِّقَابَ وَلَمْ يَمْشِ أَمَامَ الصُّفُوفِ وَإِلَّا حَرُمَ، وَلَا يُكْرَهُ إعْطَاؤُهُ إلَّا إنْ تَأَذَّى بِهِ النَّاسُ فَيُكْرَهُ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْأَذَى، بَلْ لَوْ قِيلَ يَحْرُمُ لَمْ يَبْعُدْ وَلَا يُكْرَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ؛ اهـ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ لِلْمُنَاوِيِّ. قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، أَيْ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَقْصَى كَذَلِكَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ فِيهِمَا كَغَيْرِهِمَا م ر. قَوْلُهُ: (تَبِعَهَا) أَيْ إنْ كَانَتْ لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ) أَيْ إنْ لَمْ يُرِدْ اتِّبَاعَ الْقَافِلَةِ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَبَدًا. قَوْلُهُ: (عَرَّفَ مِنْهَا) أَيْ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْقَصْدِ. قَوْلُهُ: (بِشَيْءٍ) أَيْ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ. قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يُظَنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ " وَمَرَاتِبُ الْحَقِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ النِّصْفَ يُعَرَّفُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَلْسِ، وَأَمَّا مَا يَعْرَضُ عَنْهُ غَالِبًا فَلَا يُعَرَّفُ كَزَبِيبَةٍ وَزِبْلٍ يَسِيرٍ بَلْ يَسْتَبِدُّ أَيْ يَسْتَقِلُّ بِهِ وَاجِدُهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُعَرِّفُ زَبِيبَةً فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ وَقَالَ: " إنَّ مِنْ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ " وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِلْمُقَلِّشِينَ فَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ حَقِيرًا كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، أَوْ غَيْرَ حَقِيرٍ وَجَبَ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّشِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ م د. وَالْمُقَلِّشُ هُوَ الَّذِي يُفَتِّشُ فِي التُّلُولِ وَغَيْرِهَا عَلَى الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُ الْمُكَرْبِلُونَ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ) أَيْ إنْ كَانَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ رَأَى وَلِيُّهُ تَمَلُّكَ اللُّقَطَةِ لَهُ لَمْ يَصْرِفْ مُؤْنَةَ تَعْرِيفِهَا مِنْ مَالِهِ بَلْ يَرْفَعُ

стр. 1223

عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّمَلُّكَ كَأَنْ لَقَطَ لِحِفْظٍ أَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقْصِدْ تَمْلِيكًا أَوْ اخْتِصَاصًا فَمُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى مَالِكٍ بِأَنْ يُرَتِّبَهَا الْحَاكِمُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَقْتَرِضَهَا عَلَى الْمَالِكِ مِنْ اللَّاقِطِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَأْمُرَهُ بِصَرْفِهَا لِيَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يَبِيعَ بَعْضَهَا إنْ رَآهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَلْزَمْ اللَّاقِطَ لِأَنَّ الْحَظَّ لِلْمَالِكِ فَقَطْ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا) بَعْدَ تَعْرِيفِهَا (كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ) إذَا ظَهَرَ مَالِكُهَا وَلَا يَمْلِكُهَا الْمُلْتَقِطُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَتَمَلَّكْتُ لِأَنَّهُ تَمَلُّكُ مَالٍ بِبَدَلٍ فَافْتَقَرَ إلَى ذَلِكَ كَالتَّمَلُّكِ بِشِرَاءٍ. وَبَحَثَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي لُقَطَةٍ لَا تُمْلَكُ كَخَمْرٍ وَكَلْبٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَقْلِ الِاخْتِصَاصِ، فَإِنْ تَمَلَّكَهَا فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَلَمْ يَرْضَ بِبَدَلِهَا وَلَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لَازِمٌ يَمْنَعُ بَيْعَهَا لَزِمَهُ رَدُّهَا بِهِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَكَذَا الْمُنْفَصِلَةُ إنْ حَدَثَتْ قَبْلَ التَّمَلُّكِ تَبَعًا لِلُّقَطَةِ، فَإِنْ تَلِفَ حِسًّا أَوْ شَرْعًا بَعْدَ التَّمَلُّكِ غَرِمَ مِثْلَهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً أَوْ قِيمَتَهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً وَقْتَ التَّمَلُّكِ لِأَنَّهُ وَقْتُ دُخُولِهَا فِي ضَمَانِهِ ، وَلَا تُدْفَعُ اللُّقَطَةُ لِمُدَّعِيهَا بِلَا وَصْفٍ وَلَا حُجَّةٍ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ اللَّاقِطُ أَنَّهَا لَهُ فَيَلْزَمُهُ دَفْعُهَا لَهُ، وَإِنْ وَصَفَهَا لَهُ وَظَنَّ صِدْقَهُ جَازَ دَفْعُهَا لَهُ عَمَلًا بِظَنِّهِ بَلْ يُسَنُّ نَعَمْ إنْ تَعَدَّدَ الْوَاصِفُ لَمْ يَدْفَعْ إلَّا بِحُجَّةٍ، فَإِنْ دَفَعَهَا لَهُ بِالْوَصْفِ فَثَبَتَتْ لِآخَرَ بِحُجَّةٍ حُوِّلَتْ لَهُ عَمَلًا بِالْحُجَّةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْوَاصِفِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَالْقَرَارُ عَلَى الْمَدْفُوعِ لَهُ وَإِذَا تَمَلَّكَ الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا صَاحِبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي إنْفَاقِهَا فَإِنَّهَا كَسْبٌ مِنْ أَكْسَابِهِ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ. فَصْلٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ فِي أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ وَبَيَانِ حُكْمِ كُلٍّ مِنْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُلْتَقَطَ قِسْمَانِ. وَيُعْلَمُ مَالٌ وَغَيْرُهُ. وَالْمَالُ نَوْعَانِ: حَيَوَانٌ وَغَيْرُهُ. وَالْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ: آدَمِيٌّ وَغَيْرُهُ. وَعُلِمَ غَالِبُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ــ [حاشية البجيرمي] الْأَمْرَ لِلْحَاكِمِ لِيَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا وَكَالتَّمَلُّكِ الِاخْتِصَاصُ وَكَقَصْدِهِ لُقَطَةً لِلْخِيَانَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ اهـ. قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَ تَمَلُّكًا) أَوْ الْخِيَانَةَ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكًا) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ تَبَرُّعًا لَا قَرْضًا، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الضَّمَانِ) هُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الضَّمَانَ، بَلْ مَتَى تَمَلَّكَ ضَمِنَ وَوَلَدُهَا الْحَاصِلُ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا لَهُ حُكْمُهَا وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ. وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا شَيْءٌ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لُقَطَةٌ وَلَمْ يَضِعْ مِنْ مَالِكِهِ وَيُتَمَلَّكُ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَيْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَعْرِيفُ أُمِّهِ فَقَطْ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ وَوَرِثَهُ نَحْوُ صَبِيٍّ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ حَقُّ التَّمَلُّكِ لِلصَّغِيرِ فِي الْأُولَى فَلِوَلِيِّهِ أَنْ يَتَمَلَّكَ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِي الثَّانِيَةِ فَلِلْإِمَامِ التَّمَلُّكُ لَهُمْ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيّ وَلَا يَبْعُدُ الِانْتِقَالُ. قَوْلُهُ (أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا) بِأَنْ يَقُولَ: نَقَلْت الِاخْتِصَاصَ بِهَذَا إلَيَّ. قَوْلُهُ: (حَقٌّ لَازِمٌ) أَيْ مِنْ الْمُلْتَقِطِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالرَّهْنِ الْمَقْبُوضِ. قَوْلُهُ: (فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ اللَّاقِطِ وَالْمَدْفُوعِ لَهُ، وَمَحَلُّ تَضْمِينِ اللَّاقِطِ إذَا دَفَعَ بِنَفْسِهِ لَا إنْ أَلْزَمَهُ بِهِ الْحَاكِمُ اهـ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَالْقَرَارُ عَلَى الْمَدْفُوعِ لَهُ) أَيْ لِحُصُولِ التَّلَفِ عِنْدَهُ فَيَرْجِعُ اللَّاقِطُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ، فَإِنْ أَقَرَّ لَمْ يَرْجِعْ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ. قَوْلُهُ: (لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ) مَحَلُّهُ إذَا عَزَمَ عَلَى رَدِّهَا أَوْ رَدِّ بَدَلِهَا إذَا ظَهَرَ مَالِكُهَا ن ز. [فَصْلٌ فِي أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ اللُّقَطَةِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ مِنْ إبَاحَتِهِ وَنَدْبِهِ وَكَرَاهَتِهِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَيَانِ مَا يُفْعَلُ فِي الشَّيْءِ الْمَلْقُوطِ. قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ النُّسَخِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ لَفْظِ فَصْلٌ، وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا فَصْلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فَصْلٌ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ خَبَرُهُ. وَسَوَّغَ الِابْتِدَاءَ بِالنَّكِرَةِ إرَادَةُ لَفْظِهِ فَيَصِيرُ مَعْرِفَةً. قَوْلُهُ: (آدَمِيٌّ) جَعَلَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْمَالِ

стр. 1224

فِي قَوْلِهِ: (وَاللُّقَطَةُ) أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يُفْعَلُ فِيهَا (عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ أَحَدِهَا مَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ) كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (فَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ تَمَلُّكِهَا وَبَيْنَ إدَامَةِ حِفْظِهَا إذَا عَرَّفَهَا وَلَمْ يَجِدْ مَالِكَهَا هُوَ (حُكْمُهُ) أَيْ هَذَا الضَّرْبِ (وَ) الضَّرْبِ (الثَّانِي مَا لَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ) بَلْ يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ (كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ) كَالرَّطْبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ وَالْبُقُولِ (فَهُوَ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (مُخَيَّرٌ) فِيهِ (بَيْنَ) تَمَلُّكِهِ ثُمَّ (أَكْلِهِ) وَشُرْبِهِ (وَغُرْمِهِ) أَيْ وَغُرْمِ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ (أَوْ بَيْعِهِ) بِثَمَنِ مِثْلِهِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) لِمَالِكِهِ (وَ) الضَّرْبِ (الثَّالِثِ مَا يَبْقَى) عَلَى الدَّوَامِ لَكِنْ (بِعِلَاجٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ (كَالرَّطْبِ) الَّذِي يَتَجَفَّفُ (فَيَفْعَلُ) الْمُلْتَقِطُ (مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ) لِمَالِكِهِ (مِنْ بَيْعِهِ) بِثَمَنِ مِثْلِهِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) لَهُ (أَوْ تَجْفِيفِهِ وَحِفْظِهِ) لِمَالِكِهِ إنْ تَبَرَّعَ الْمُلْتَقِطُ بِالتَّجْفِيفِ، وَإِلَّا فَيَبِيعُ بَعْضَهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إنْ وَجَدَهُ وَيُنْفِقُهُ عَلَى تَجْفِيفِ الْبَاقِي. وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الَّذِي يُبَاعُ مَا يُسَاوِي مُؤْنَةَ التَّجْفِيفِ (وَ) الضَّرْبِ (الرَّابِعِ مَا يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ كَالْحَيَوَانِ) آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَالْآدَمِيُّ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ ــ [حاشية البجيرمي] بِالنَّظَرِ لِلرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لُقَطَةً بِخِلَافِ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَقِيطٌ لَا لُقَطَةٌ. قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) فَجُمْلَةُ الْأَقْسَامِ أَرْبَعَةٌ مَالٌ وَغَيْرُهُ، فَغَيْرُ الْمَالِ قِسْمٌ وَالْمَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ لَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَحَيَوَانٍ آدَمِيٍّ وَحَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ. قَوْلُهُ: (وَيُعْلَمُ غَالِبُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ غَيْرِ الْمَالِ وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَيُعْلَمُ بَعْضُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّك عَلِمْت أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ قِسْمَيْنِ مِنْهَا وَهُمَا لُقَطَةُ الْمَالِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَقَدْ ذَكَرَ نِصْفَ الْأَقْسَامِ لَا غَالَبَهَا، شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِهِ) لَعَلَّ (فِي) بِمَعْنَى (مِنْ) الْبَيَانِيَّةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، أَيْ كَلَامُهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ إلَخْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ " فِي قَوْلِهِ " طَرَفٌ لِقَوْلِهِ: " كَلَامِهِ " مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ. قَوْلُهُ: (عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ) أَيْ إجْمَالًا وَإِلَّا فَهِيَ بِالنَّظَرِ لِلتَّفَاصِيلِ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللُّقَطَةَ إمَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى نَفَقَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ احْتَاجَتْ فَهِيَ الضَّرْبُ الرَّابِعُ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُخَيَّرُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ أَمِينٍ تَمَلَّكَهَا مَعَ غُرْمِ الْبَدَلِ وَإِدَامَةِ الْحِفْظِ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ فَإِمَّا أَنْ لَا تَقْبَلَ التَّجْفِيفَ بِالْعِلَاجِ أَوْ تَقْبَلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ تَمَلُّكِهَا بَيْنَ التَّمَلُّكِ ثُمَّ الْأَكْلِ وَالْغُرْمِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ مَعَ حِفْظِ الثَّمَنِ، وَإِنْ قَبِلَتْ التَّجْفِيفَ خُيِّرَ بَيْنَ بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا وَبَيْنَ التَّجْفِيفِ لَهَا إمَّا بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ أَوْ بَيْعِ جُزْءٍ مِنْهَا لِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " عَلَى الدَّوَامِ " أَيْ الْمُعْتَادِ، وَلَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى عِلَاجٍ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (مِنْ التَّخْيِيرِ) أَيْ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ، أَيْ وَكَانَ لَهُ إدَامَةُ الْحِفْظِ. قَوْلُهُ: (إذَا عَرَّفَهَا) يَرْجِعُ لِلتَّخْيِيرِ. قَوْلُهُ: (كَالطَّعَامِ) مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمَشْرُوبَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (فَهُوَ مُخَيَّرٌ) أَيْ إنْ أَخَذَهُ لِلتَّمَلُّكِ، فَإِنْ أَخَذَهُ لِلْحِفْظِ فَالظَّاهِرُ تَعَيُّنُ الْخُصْلَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ سم. قَوْلُهُ: (بَيْنَ تَمَلُّكِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمَتْنِ. قَوْلُهُ: (وَشُرْبِهِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ. قَوْلُهُ: (وَغُرْمِهِ) أَيْ لِمَالِكِهِ حِينَ يَظْهَرُ. قَوْلُهُ: (أَوْ بَيْعِهِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ أَوْ لَا تَقَعُ بَعْدَ بَيْنَ لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ. وَيُجَابُ بِأَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهَا إلَى أَوْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى وَغُرْمِهِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَوْ بَيْعِهِ " أَيْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ إنْ وَجَدَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ أُلَاحِظُ الْبَيْعَ لَمْ يَبِعْ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ أُلَاحِظُ الْأَكْلَ أَكَلَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ع ش عَلَى الْغَزِّيِّ؛ ثُمَّ يُعَرِّفُهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (عَلَى الدَّوَامِ) أَيْ الْمُعْتَادِ. قَوْلُهُ: (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) ثُمَّ يُعَرِّفُ الْمَبِيعَ. قَوْلُهُ: (إنْ تَبَرَّعَ الْمُلْتَقِطُ) أَيْ أَوْ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الَّذِي يُبَاعُ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي الْحَيَوَانِ مِنْ أَنَّهُ يُبَاعُ كُلُّهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ عَلْفَهُ يَتَكَرَّرُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ نَفْسَهُ؛ فَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ أَعْنِي الْبَيْعَ وَالتَّجْفِيفَ فَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي التَّجْفِيفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ مَشَايِخِنَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ثُمَّ بَعْدَ الْبَيْعِ أَوْ التَّجْفِيفِ يُعَرِّفُهُ وَيَظْهَرُ جَوَازُ التَّعْرِيفِ أَيْضًا قَبْلَهُمَا وَمَعَهُمَا، لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ الرَّطْبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. اهـ. سم. وَيُنْفِقُهُ، أَيْ يُنْفِقُ ثَمَنَهُ.

стр. 1225

اخْتِصَارًا لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فَيَصِحُّ لَقْطُ رَقِيقٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ أَوْ مُمَيِّزٍ زَمَنَ نَهْبٍ بِخِلَافِ زَمَنِ الْأَمْنِ لِأَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَصِلُ إلَيْهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ إذَا الْتَقَطَهَا لِلْحِفْظِ أَوْ لِلتَّمَلُّكِ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ كَمَجُوسِيَّةٍ وَمَحْرَمٍ بِخِلَافِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ تَمَلُّكَ اللُّقَطَةِ كَالِاقْتِرَاضِ، وَيُنْفِقُ عَلَى الرَّقِيقِ مُدَّةَ الْحِفْظِ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ فَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَذَاكَ، وَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلْيُنْفِقْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ وَإِذَا بِيعَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ وَقَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ وَحُكِمَ بِفَسَادِ الْبَيْعِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ لِغَلَبَةِ وُقُوعِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ ضَرْبَانِ) الْأَوَّلُ (حَيَوَانٌ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَشَاةٍ وَعِجْلٍ وَفَصِيلٍ وَالْكَسِيرِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا إذَا تَرَكَهُ يَضِيعُ بِكَاسِرٍ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ بِخَائِنٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ وَجَدَهُ بِمَفَازَةٍ (فَهُوَ مُخَيَّرٌ) فِيهِ (بَيْنَ) تَمَلُّكِهِ ثُمَّ (أَكْلِهِ وَغُرْمِ ثَمَنِهِ) لِمَالِكِهِ (أَوْ تَرْكِهِ) أَيْ إمْسَاكِهِ عِنْدَهُ (وَالتَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) إنْ شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَلْيُنْفِقْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ كَمَا مَرَّ فِي الرَّقِيقِ (أَوْ بَيْعِهِ) بِثَمَنِ مِثْلِهِ (وَحِفْظِ ثَمَنِهِ) لِمَالِكِهِ وَيُعَرِّفُهَا ثُمَّ يَتَمَلَّكُ الثَّمَنَ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَفَازَةِ الْعُمْرَانُ فَإِذَا وَجَدَهُ فِيهِ فَلَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ التَّعْرِيفِ وَلَهُ الْبَيْعُ وَالتَّعْرِيفُ وَتَمَلُّكُ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ وَغُرْمُ ثَمَنِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ لِسُهُولَةِ الْبَيْعِ فِي الْعُمْرَانِ بِخِلَافِ الْمَفَازَةِ فَقَدْ لَا يَجِدُ فِيهَا مَنْ يَشْتَرِي وَيَشُقُّ النَّقْلُ إلَيْهِ وَالْخُصْلَةُ الْأُولَى مِنْ الثَّلَاثِ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (فَالْآدَمِيُّ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ، أَوْ قَوْلُهُ (فَيَصِحُّ لَقْطُ رَقِيقٍ) خَبَرٌ وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ، أَوْ عَلَى تَوَهُّمٍ فِي الْكَلَامِ؛ وَلَكِنْ الْجُمْلَةُ لَا رَابِطَ فِيهَا يَرْبِطُهَا بِالْمُبْتَدَإِ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ رَقِيقٌ مِنْهُ أَيْ الْآدَمِيِّ أَوْ إعَادَةٌ لِلْمُبْتَدَإِ بِمُرَادِفِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآدَمِيِّ الرَّقِيقُ، وَيُخَيَّرُ فِي هَذَا الرَّقِيقِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ بَيْعِهِ أَوْ إمْسَاكِهِ، وَيَجِبُ التَّعْرِيفُ ثُمَّ إذَا تَمَّ التَّعْرِيفُ تَمَلَّكَ الثَّمَنَ أَوْ اللَّقِيطَ أَوْ أَبْقَى ذَلِكَ لِمَالِكِهِ، وَيَعْرِفُ كَوْنَهُ رَقِيقًا بِعَلَامَةٍ فِيهِ كَعَبِيدِ الْحَبَشَةِ أَوْ الزِّنْجِ وَيَعْرِفُ كَوْنَهَا مَجُوسِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ فِي دَارِ مَجُوسٍ أَوْ بِإِخْبَارِهَا إنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ زَمَنِ الْأَمْنِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ لَقْطُهُ لِأَنَّهُ يَسْتَدِلُّ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ. وَقَوْلُهُ: " يَسْتَدِلُّ " بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَضَمِيرُهُ " لِلرَّقِيقِ " أَيْ يَسْتَدِلُّ بِالسُّؤَالِ. قَوْلُهُ: (كَالِاقْتِرَاضِ) أَيْ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الْأَمَةِ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ إعَارَةَ الْإِمَاءِ لِلْوَطْءِ. قَوْلُهُ: (مِنْ كَسْبِهِ) فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حُفِظَ لِمَالِكِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ) وَهَلْ لَهُ إيجَارُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ سم؛ الظَّاهِرُ لَا. قَوْلُهُ: (تَبَرَّعَ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ. قَوْلُهُ: (فَذَاكَ) أَيْ وَاضِحٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ حُكْمِهِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَرَادَ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ الرُّجُوعَ. قَوْلُهُ: (أَشْهَدَ) فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ وَلِنُدْرَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا بِيعَ) أَيْ بَعْدَ تَمَلُّكِهِ. قَوْلُهُ: (وَحُكِمَ بِفَسَادِ الْبَيْعِ) وَانْظُرْ مَا حُكْمُ النَّفَقَةِ هَلْ تَضِيعُ عَلَى الْمُنْفِقِ أَوْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ بَعْدَ يَسَارِهِ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى الْمُعْتِقِ نَفْسِهِ؟ . اهـ. مَيْدَانِيٌّ. وَقَالَ ع ش: ضَاعَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. قَوْلُهُ: (مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ) قُيِّدُوا بِالصِّغَارِ لِأَنَّ الْكِبَارَ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهَا ضَالَّةٌ لِشِدَّةِ ضَرَاوَتِهَا، شَرْحُ الرَّوْضِ. وَإِضَافَةُ " صِغَارٍ " مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، أَيْ السِّبَاعِ الصِّغَارِ كَذِئْبٍ وَفَهْدٍ وَنَمِرٍ. قَوْلُهُ: وَفَصِيلٍ هُوَ الصَّغِيرُ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ لَهُ سَنَةٌ. قَوْلُهُ: (وَالْكَسِيرِ) أَيْ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَشْيِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْكَسِيرُ بِفَتْحِ الْكَاف بِوَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ الْمَكْسُورَةُ إحْدَى قَوَائِمِهِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. قَوْلُهُ: (بِمَفَازَةٍ) أَيْ مَهْلَكَةٍ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ تَفَاؤُلًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَكَلَهُ) فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْأَحَظُّ مِنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ قَبْلَ التَّمَلُّكِ. قَوْلُهُ: (وَغُرْمِ ثَمَنِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَغُرْمِ قِيمَتِهِ، كَمَا فِي الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ هُنَا لِعَدَمِ الْبَيْعِ. قَوْلُهُ: (لِمَالِكِهِ) أَيْ إذَا ظَهَرَ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَشْهَدَ) قَالَ سم: وَلَعَلَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ إيجَارُهُ وَإِلَّا أَوْجَرَ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَحِفْظِ الْفَاضِلِ. وَهَلْ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِإِيجَارِهِ مَعَ وُجُودِ الْحَاكِمِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ (وَيُعَرِّفُهَا) أَيْ اللُّقَطَةَ، وَالْأَنْسَبُ وَيُعَرِّفُهُ. وَلَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْهُ خَوْفَ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْبَدَلِ أَوْ الثَّمَنِ فَتَأَمَّلْ ق ل؛ أَيْ مَعَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ اللُّقَطَةُ لَا الثَّمَنُ. وَمَحَلُّ التَّعْرِيفِ إذَا انْتَقَلَ إلَى الْعُمْرَانِ وَأَمَّا مَا دَامَ فِي الْمَفَازَةِ فَلَا تَعْرِيفَ اهـ عَشْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (الْعُمْرَانِ) كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِدِ. قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْإِمْسَاكُ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخِيرَتَيْنِ فَقَطْ.

стр. 1226

فِي الْأَحَظِّيَّةِ أَوْلَى مِنْ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنْ الثَّالِثَةِ. وَزَادَ الْمَاوَرْدِيُّ خُصْلَةً رَابِعَةً وَهِيَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ لِيَسْتَبْقِيَهُ حَيًّا لِدَرٍّ أَوْ نَسْلٍ قَالَ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَبَاحَ تَمَلُّكَهُ مَعَ اسْتِهْلَاكِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَبِيحَ تَمَلُّكَهُ مَعَ اسْتِبْقَائِهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ كَالْجَحْشِ وَصِغَارِ مَا لَا يُؤْكَلُ فَفِيهِ الْخُصْلَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ حَتَّى يُعَرِّفَهُ سَنَةً عَلَى الْعَادَةِ. (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي (حَيَوَانٌ يَمْتَنِعُ) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ كَذِئْبٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ (بِنَفْسِهِ) إمَّا بِفَضْلِ قُوَّةٍ كَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَإِمَّا بِشِدَّةِ عَدْوِهِ كَالْأَرَانِبِ وَالظِّبَاءِ الْمَمْلُوكَةِ، وَإِمَّا بِطَيَرَانِهِ كَالْحَمَامِ (فَإِنْ وَجَدَهُ) الْمُلْتَقِطُ (فِي الصَّحْرَاءِ) الْآمِنَةِ وَأَرَادَ أَخْذَهُ لِلتَّمَلُّكِ لَمْ يَجُزْ. وَ (تَرَكَهُ) وُجُوبًا لِأَنَّهُ مَصُونٌ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ أَكْثَرِ السِّبَاعِ مُسْتَغْنٍ بِالرَّعْيِ إلَى أَنْ يَجِدَهُ صَاحِبُهُ لِطَلَبِهِ لَهُ، وَلِأَنَّ طُرُوقَ النَّاسِ فِيهَا لَا يَعُمُّ فَمَنْ أَخَذَهُ لِلتَّمَلُّكِ ضَمِنَهُ وَيَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِدَفْعِهِ إلَى الْقَاضِي لَا بِرَدِّهِ إلَى مَوْضِعِهِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّمَلُّكِ إرَادَةُ أَخْذِهِ لِلْحِفْظِ فَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ وَنُوَّابِهِ وَكَذَا لِلْآحَادِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ لِئَلَّا يَضِيعَ بِأَخْذِ خَائِنٍ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْآمِنَةِ مَا لَوْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ زَمَنِ نَهْبٍ فَيَجُوزُ لَقْطُهُ لِلتَّمَلُّكِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَضِيعُ بِامْتِدَادِ الْيَدِ الْخَائِنَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ) بِبَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُمَا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ لِلتَّمَلُّكِ وَحِينَئِذٍ (فَهُوَ ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (وَيَشُقُّ النَّقْلُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْعُمْرَانِ. قَوْلُهُ: (وَالْخُصْلَةُ الْأُولَى إلَخْ) مِثْلُهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ لَكِنْ الْخَصْلَةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّف هِيَ أَكْلُهُ وَغُرْمُ ثَمَنِهِ وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى فِي الْمَنْهَجِ هِيَ تَعْرِيفُهُ ثُمَّ تَمَلُّكُهُ فَهِيَ الثَّانِيَةُ هُنَا فَتَدَافَعَا فِي الْأُولَى مِنْ الْخِصَالِ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا فِي الْأَحَظِّيَّةِ تَأَمَّلْ، فَالثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّف أَوْلَى مِنْ الثَّالِثَةِ وَالثَّالِثَةُ أَوْلَى مِنْ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ رَاغِبٌ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَى الشَّارِحُ بِكَلَامِ غَيْرِهِ سَاهِيًا عَنْ تَرْتِيبِ الْمَتْنِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَقَدْ بَيَّنَ م ر وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَعِبَارَتُهُ: وَالْأُولَى أَوْلَى لِحِفْظِ الْعَيْنِ بِهَا عَلَى مَالِكِهَا، ثُمَّ الثَّانِيَةُ لِتَوَقُّفِ اسْتِبَاحَةِ الثَّمَنِ عَلَى التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: (فِي الْأَحَظِّيَّةِ) أَيْ لِلْمَالِكِ. قَوْلُهُ: (فَفِيهِ الْخَصْلَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ) وَهُمَا التَّطَوُّعُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَبَيْعُهُ مَعَ حِفْظِ ثَمَنِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَلْقُوطُ جَحْشَةً جَازَتْ فِيهَا الْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ أَنْ يُبْقِيَهَا لِنَسْلِهَا ز ي. قَوْلُهُ: (إمَّا بِفَضْلٍ) أَيْ زِيَادَةِ قُوَّةٍ. قَوْلُهُ: (الْمَمْلُوكَةِ) نَعْتٌ لِلْأَرَانِبِ وَالظِّبَاءِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا عَلَامَةُ الْمِلْكِ كَخَضْبِ جُنَاحٍ وَخَيْطٍ فِي عُنُقٍ، بِخِلَافِ الْمُبَاحَةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا عَلَامَةُ الْمِلْكِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لُقَطَةً بَلْ كُلُّ مَنْ أَخَذَهَا مَلَكَهَا. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَتَرَكَهُ) هُوَ بِلَفْظِ الْمَاضِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَقْطُ الْحَيَوَانِ فِي الْمَفَازَةِ وَالْعُمْرَانِ لِلتَّمَلُّكِ وَالْحِفْظِ إلَّا الْمُمْتَنِعَ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ فِي مَفَازَةٍ آمِنَةٍ لِلتَّمَلُّكِ ق ل. قَوْلُهُ: (مُسْتَغْنٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ خَبَرٌ ثَانٍ لِأَنَّ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مَصُونٌ. قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَجِدَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِالرَّعْيِ. وَقَوْلُهُ: " لِطَلَبِهِ " عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: " يَجِدَهُ ". قَوْلُهُ: (بِبَلْدَةٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْبَادِيَةَ خِلَافُ الْحَاضِرَةِ وَهِيَ الْعِمَارَةُ، فَإِنْ قَلَّتْ: فَقَرْيَةٌ، أَوْ كَبُرَتْ: فَبَلْدَةٌ، أَوْ عَظُمَتْ: فَمَدِينَةٌ، أَوْ إذَا كَانَتْ ذَاتَ زَرْعٍ وَخِصْبٍ: فَرِيفٌ. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: عِمَارَةٌ إنْ صَغُرَتْ فَقَرْيَةٌ ... أَوْ كَبُرَتْ يَا صَاحِبِي فَبَلْدَةٌ أَوْ عَظُمَتْ فَهِيَ مَدِينَةٌ وَمَا ... زَرْعًا حَوَى وَالْخِصْبُ لِلرِّيفِ انْتَمَى وَكُلُّ هَذَا سَمِّهِ بِالْحَاضِرَةِ ... وَمَا عَدَا بَادِيَةٌ مُشْتَهِرَهْ قَوْلُهُ: (أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُمَا) بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ أَنَّهُ فِي مَهْلَكَةٍ شَرْحِ م ر. فَرْعٌ: مِنْ اللُّقَطَةِ أَنْ تُبَدَّلَ نَعْلُهُ بِغَيْرِهَا فَيَأْخُذَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا إلَّا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا بِشَرْطِهِ وَهُوَ التَّمَلُّكُ أَوْ تَحَقُّقُ إعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا تَعَمَّدَ أَخْذَ نَعْلِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُ ذَلِكَ ظَفَرًا بِشَرْطِهِ وَهُوَ تَعَذُّرُ وُصُولِهِ إلَى حَقِّهِ، ثُمَّ إنْ

стр. 1227

مُخَيَّرٌ) فِيهِ (بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ) الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَرِيبًا (فِيهِ) أَيْ الضَّرْبِ الرَّابِعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا هُنَا وَإِنَّمَا جَازَ أَخْذُ هَذَا الْحَيَوَانِ فِي الْعُمْرَانِ دُونَ الصَّحْرَاءِ الْآمِنَةِ لِلتَّمَلُّكِ لِئَلَّا يَضِيعَ بِامْتِدَادِ الْأَيْدِي الْخَائِنَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ الْآمِنَةِ فَإِنَّ طُرُوقَ النَّاسِ بِهَا نَادِرٌ. . تَتِمَّةٌ: لَا يَحِلُّ لَقْطُ حَرَمِ مَكَّةَ إلَّا لِحِفْظٍ، فَلَا يَحِلُّ إنْ لَقَطَ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ أَطْلَقَ وَيَجِبُ تَعْرِيفُ مَا الْتَقَطَهُ لِلْحِفْظِ لِخَبَرِ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا» وَيَلْزَمُ اللَّاقِطَ الْإِقَامَةُ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَرَمَ مَكَّةَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ يَعُودُونَ إلَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى، فَرُبَّمَا يَعُودُ مَالِكُهَا مِنْ أَجْلِهَا أَوْ يَبْعَثُ فِي طَلَبِهَا فَكَأَنَّهُ جَعَلَ مَالَهُ بِهِ مَحْفُوظًا عَلَيْهِ كَمَا غَلُظَتْ الدِّيَةُ فِيهِ. وَخَرَجَ بِحَرَمِ مَكَّةَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَحَرَمِ مَكَّةَ بَلْ هِيَ كَسَائِرِ الْبِلَادِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ، وَلَيْسَتْ لُقَطَةُ عَرَفَةَ وَمُصَلَّى إبْرَاهِيمَ كَلُقَطَةِ الْحَرَمِ. فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ ــ [حاشية البجيرمي] وَفَّى بِقَدْرِ حَقِّهِ فَذَاكَ وَإِلَّا ضَاعَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ كَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الدُّيُونِ ش ع. قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى وَهِيَ تَمَلُّكُهُ فِي الْحَالِ وَأَكْلُهُ لَا تَأْتِي هُنَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ سم. وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ لِتَقْيِيدِهِ بِالْمَفَازَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ فِي الْعُمْرَانِ فَلَهُ الْخُصْلَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ. قَوْلُهُ: (فِيهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " مُخَيَّرٌ ". قَوْلُهُ: (دُونَ الصَّحْرَاءِ الْآمِنَةِ لِلتَّمَلُّكِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا لِلتَّمَلُّكِ، فَغَرَضُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمْرَانِ حَيْثُ جَازَ أَخْذُ الْحَيَوَانِ مِنْهُ لِلتَّمَلُّكِ وَبَيْنَ الصَّحْرَاءِ الْآمِنَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْهَا لِلتَّمَلُّكِ. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَضِيعَ) أَيْ فِي الْعُمْرَانِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا لِلتَّمَلُّكِ لِأَنَّ طُرُوقَ إلَخْ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ. وَفِي قَوْلِهِ: بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ " إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِخِلَافِهَا. قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لُقَطٌ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ لُقْطَةٍ بِسُكُونِ الْقَافِ كَغُرْفَةِ وَغُرَفٍ لَا بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ مَصْدَرًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " حَرُمَ " وَقَوْلُهُ: " إلَّا لِحِفْظٍ " لَا يُنَاسِبَانِهِ بَلْ يُنَاسِبَانِ الْمَلْقُوطَ، وَهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ يَصِحُّ كَوْنُهُ مَصْدَرًا وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى " مِنْ ". وَقَوْلُهُ " إلَّا لِحِفْظٍ " أَيْ حِفْظِ الْمَلْقُوطِ، وَيَصِحُّ كَوْنُ اللَّقْطِ بِمَعْنَى الْمَلْقُوطِ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: (لِلتَّمَلُّكِ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَاَلَّذِي بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ لِتَمَلُّكٍ بِدُونِ تَعْرِيفٍ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَطْلَقَ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكًا وَلَا حِفْظًا. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعْرِيفُ مَا الْتَقَطَهُ لِلْحِفْظِ) يَعْنِي عَلَى الدَّوَامِ وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ بِهَا لِلتَّعْرِيفِ أَوْ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَمَوِّلَةٍ فَيُتَّجَهُ عَدَمُ وُجُوبِ تَعْرِيفِهَا وَجَوَازُ الِاسْتِبْدَادِ بِهَا سم. قَوْلُهُ: (إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أَيْ عَلَى الدَّوَامِ، وَإِلَّا فَسَائِرُ الْبِلَادِ كَذَلِكَ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (مَثَابَةً) أَيْ مَرْجِعًا، مِنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ. وَقَوْلُهُ " فَكَأَنَّهُ " أَيْ اللَّهَ جَعَلَ مَالَهُ أَيْ الْمَالِكِ مَحْفُوظًا عَلَيْهِ، أَيْ لَهُ. قَوْلُهُ: (بَلْ هِيَ) فِي نُسْخَةٍ بَلْ هُوَ وَهِيَ أَنْسَبُ ق ل وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي اللَّقِيطِ] ِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ سُمِّيَ لَقِيطًا وَمَلْقُوطًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلْقَطُ إلَّا فَهُوَ قَبْلَ اللَّقْطِ لَيْسَ لَقِيطًا وَمَنْبُوذًا بِاعْتِبَارِ أَنْ يُنْبَذَ، وَتَسْمِيَتُهُ بِذَيْنِك أَيْ لَقِيطٍ، وَمَلْقُوطٍ قَبْلَ أَخْذِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وَكَذَا تَسْمِيَتُهُ مَنْبُوذًا أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ بَعْدَهُ أَخَذَهُ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْحَقِيقَةِ بِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَقَوْلُهُ " وَدَعِيًّا بِكَسْرِ الدَّالِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ آخِرِ أَمْرِهِ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى

стр. 1228

وَيُسَمَّى مَلْقُوطًا وَمَنْبُوذًا وَدَعِيًّا. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَعَ مَا يَأْتِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . وَأَرْكَانُ اللَّقِيطِ الشَّرْعِيِّ: لَقْطٌ وَلَقِيطٌ وَلَاقِطٌ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ اللَّقْطُ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ) أَيْ مَلْقُوطٌ (بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) أَيْ طَرِيقِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ (فَأَخْذُهُ وَتَرْبِيَتُهُ) وَهِيَ تَوْلِيَةُ أَمْرِ الطِّفْلِ بِمَا يُصْلِحُهُ (وَكَفَالَتُهُ) وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ حِفْظُهُ وَتَرْبِيَتُهُ (وَاجِبَةٌ) أَيْ فَرْضٌ (عَلَى الْكِفَايَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُحْتَرَمٌ، فَوَجَبَ حِفْظُهُ كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ. وَفَارَقَ اللُّقَطَةَ حَيْثُ لَا يَجِبُ لَقْطُهَا بِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الِاكْتِسَابُ وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ الْوُجُوبِ كَالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِيهِ وَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى اللَّقِيطِ وَإِنْ كَانَ اللَّاقِطُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ، وَفَارَقَ الْإِشْهَادَ عَلَى لَقْطِ اللُّقَطَةِ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الْمَالُ، وَالْإِشْهَادُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ مُسْتَحَبٌّ، وَمِنْ اللَّقِيطِ حِفْظُ حُرِّيَّتِهِ وَنَسَبِهِ، فَوَجَبَ الْإِشْهَادُ كَمَا فِي ــ [حاشية البجيرمي] الْمَحَلِّيِّ وَدَعِيًّا بِفَتْحِ الدَّالِ بِوَزْنِ بَغِيًّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ بِكَسْرِ الدَّالِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ دَعِيٌّ هُوَ الدَّعْوَةُ بِالْكَسْرِ إذَا كَانَ يَدَّعِي الْقَرَابَةَ أَوْ يَدَّعِيهِ غَيْرُ أَبِيهِ فَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ عَلَى الثَّانِي وَبِمَعْنَى مَفْعُولٍ عَلَى الْأَوَّلِ فَالْكَسْرُ فِي كَلَامِهِ رَاجِعٌ لِلدَّعْوَةِ لَا لِلدَّاعِي اهـ. قَوْلُهُ: (اللَّقْطُ الشَّرْعِيُّ) دَفَعَ بِهَذَا مَا يَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ رُكْنًا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّقْطَ مِنْ أَرْكَانِ اللَّقْطِ. وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ الَّذِي جُعِلَ رُكْنًا وَهُوَ اللَّقْطُ اللُّغَوِيُّ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْأَخْذِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّقْطُ الشَّرْعِيُّ. قَوْلُهُ: (فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ " وَإِذَا وُجِدَ إلَخْ " لِأَنَّ الْمَتْنَ ذَكَرَ رُكْنَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ " فَأَخْذُهُ " عِبَارَةٌ عَنْ اللَّقْطِ. قَوْلُهُ: (بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) وَهِيَ أَعْلَاهُ أَوْ صَدْرُهُ أَوْ مَا بَرَزَ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا مُطْلَقُ الطَّرِيقِ أَيْ فَهِيَ مِنْ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ بِقَارِعَةٍ هِيَ الطَّرِيقُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النِّعَالَ تَقْرَعُ فِيهَا. وَالطَّرِيقُ لَيْسَتْ قَيْدًا أَيْضًا بَلْ مِثْلُهَا الْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا. قَوْلُهُ: (تَوْلِيَةُ أَمْرِ الطِّفْلِ) أَيْ تَعَهُّدُهُ وَالْمُرَادُ بِأَمْرِ الطِّفْلِ حَالُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. قَوْلُهُ: (حِفْظُهُ وَتَرْبِيَتُهُ) فَذِكْرُهَا مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَدَفَعَ بِذَلِكَ إرَادَةَ الْحَضَانَةِ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ ق ل. قَوْلُهُ: (فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) أَيْ حَيْثُ عَلِمَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَفَرْضُ عَيْنٍ زِيَادِيٌّ. وَقَوْلُهُ " حَيْثُ عَلِمَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ " أَيْ وَلَوْ فَسَقَةً عَلِمُوهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الِالْتِقَاطُ وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لَهُمْ، أَيْ بِمَعْنَى أَنَّ لِلْغَيْرِ انْتِزَاعَهُ مِنْهُمْ وَلَعَلَّ سُكُوتَهُمْ عَنْ هَذَا لِعِلْمِهِ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا قَالَ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ [المائدة: ٣٢] أَيْ حَفِظَهَا وَصَانَهَا أَيْ النَّفْسَ عَنْ الْهَلَاكِ، أَيْ أَدَامَ إحْيَاءَهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] بِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْهُمْ إذْ بِإِحْيَائِهَا أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ النَّاسِ فَأَحْيَاهُمْ بِالنَّجَاةِ مِنْ الْعَذَابِ زي. قَوْلُهُ: (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الِاكْتِسَابِ. قَوْلُهُ: (بِذَلِكَ) أَيْ الْمَيْلِ. قَوْلُهُ: (كَالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ) أَيْ لَمْ يُوجِبُوا الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَيْهِ، فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْوُجُوبِ. أَوْ يُقَالُ: لَمَّا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِي النِّكَاحِ مَعْنَى الْوَطْءِ وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ لَمْ يُوجِبُوا النِّكَاحَ أَيْ الْعَقْدَ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِمَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ أَيْ النِّكَاحِ. لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْوَطْءِ زي. قَوْلُهُ: (عَلَى اللَّقِيطِ) الْأَوْلَى عَلَى اللَّقْطِ. وَيُمْكِنُ أَنَّ كَلَامَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَلَى لَقْطِ اللَّقِيطِ. قَوْلُهُ: (ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ) أَيْ ثَابِتُهَا بِأَنْ تَكُونَ بَاطِنَةً؛ وَهِيَ مَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِ الْمُزَكِّينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَنْ تَكُونَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرَةً لِأَنَّ هَذَا لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ مَعَهُ وَإِنَّمَا الْمُتَوَهَّمُ عَدَمُ وُجُوبِهِ مَعَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ الْمَذْكُورَةَ تَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ اهـ ع ش بِزِيَادَةٍ. قَوْلُهُ: (مِنْ اللَّقِيطِ) أَيْ وَالْغَرَضُ مِنْ اللَّقِيطِ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ. قَوْلُهُ: (حِفْظُ حُرِّيَّتِهِ وَنَسَبِهِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ اللَّاقِطَ لَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَتَوَهَّمَ أَنَّهُ ابْنُ اللَّاقِطِ أَوْ عَبْدُهُ. قَوْلُهُ: (كَمَا

стр. 1229

النِّكَاحِ وَبِأَنَّ اللُّقَطَةَ يَشِيعُ أَمْرُهَا بِالتَّعْرِيفِ وَلَا تَعْرِيفَ فِي اللَّقِيطِ. وَيَجِبُ الْإِشْهَادُ أَيْضًا عَلَى مَا مَعَهُ تَبَعًا وَلِئَلَّا يَتَمَلَّكَهُ، فَلَوْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَجَازَ نَزْعُهُ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى لَاقِطٍ بِنَفْسِهِ، أَمَّا مَنْ سَلَّمَهُ لَهُ الْحَاكِمُ فَالْإِشْهَادُ مُسْتَحَبٌّ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاللَّقِيطُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ مَنْبُوذٌ لَا كَافِلَ لَهُ مَعْلُومٌ وَلَوْ مُمَيِّزًا لِحَاجَتِهِ إلَى التَّعَهُّدِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ اللَّاقِطُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقَرُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَا يُتْرَكُ اللَّقِيطُ (إلَّا فِي يَدِ أَمِينٍ) وَهُوَ الْحُرُّ الرَّشِيدُ الْعَدْلُ وَلَوْ مَسْتُورًا فَلَوْ لَقَطَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ بِهِ رِقٌّ وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ كُفْرٌ أَوْ صِبًا أَوْ جُنُونٌ أَوْ فِسْقٌ لَمْ يَصِحَّ، فَيُنْزَعُ اللَّقِيطُ مِنْهُ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ وِلَايَةٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ لِكَافِرٍ لَقْطُ كَافِرٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُوَالَاةِ، فَإِنْ أَذِنَ لِرَقِيقِهِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ فِي لَقْطِهِ أَوْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ اللَّاقِطُ وَرَقِيقُهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْبِيَةِ إذْ يَدُهُ كَيَدِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ لِاسْتِقْلَالِهِ، فَلَا يَكُونُ السَّيِّدُ هُوَ اللَّاقِطُ بَلْ وَلَا هُوَ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فَإِنْ قَالَ لَهُ السَّيِّدُ: الْتَقِطْ لِي فَالسَّيِّدُ هُوَ اللَّاقِطُ وَالْمُبَعَّضُ كَالرَّقِيقِ، وَلَوْ ازْدَحَمَ اثْنَانِ أَهْلَانِ لِلَّقْطِ عَلَى لَقِيطٍ قَبْلَ أَخْذِهِ بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَا آخُذُهُ عَيَّنَ الْحَاكِمُ مَنْ يَرَاهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ بَعْدَ أَخْذِهِ قُدِّمَ سَابِقٌ لِسَبْقِهِ، وَإِنْ لَقَطَاهُ مَعًا قُدِّمَ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ لِأَنَّهُ قَدْ يُوَاسِيهِ بِبَعْضِ مَالِهِ، وَعَدْلٌ بَاطِنًا عَلَى ــ [حاشية البجيرمي] فِي النِّكَاحِ) يَرْجِعُ لِلْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا هَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّسَبِ دُونَ الْحُرِّيَّةِ. قَوْلُهُ: (تَبَعًا) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ اللُّقَطَةِ فَأَجَابَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ تَبَعًا لِلَّقِيطِ. قَوْلُهُ: (وَجَازَ نَزْعُهُ) أَيْ وَجَبَ لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ امْتِنَاعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ أَيْ مَا لَمْ يَتُبْ وَيُشْهِدْ فَيَكُونُ الْتِقَاطًا جَدِيدًا كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ مُصَرِّحًا بِأَنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ فِسْقٌ م ر. قَوْلُهُ: (فِيمَا ذُكِرَ) وَهُوَ اللَّقِيطُ وَمَا مَعَهُ. قَوْلُهُ: (فَالْإِشْهَادُ مُسْتَحَبٌّ) لِأَنَّ هَذَا فِي الْغَالِبِ يَشْتَهِرُ أَمْرُهُ. قَوْلُهُ: (مَنْبُوذٌ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ يَمْشِي. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمَنْبُوذِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لَا كَافِلَ لَهُ مَعْلُومٌ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَافِلٌ أَصْلًا أَوْ لَهُ كَافِلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ. قَوْلُهُ: (الْعَدْلُ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ أَوْ أَصَرَّ عَلَيْهَا وَغَلَبَتْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ. وَذَكَرَهُ بَعْدَ الرُّشْدِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الرُّشْدِ الْعَدَالَةُ، فَتَفْسِيرُهُ الْأَوْصَافَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلَوْ فَسَّرَهُ بِحَقِيقَتِهِ وَهِيَ الْعَدْلُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ الْوَصْفَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْحُرُّ الرَّشِيدُ لَكَانَ أَوْلَى اهـ ق ل. وَشَمِلَ الْعَدْلُ عَدْلَ الرِّوَايَةِ فَيَشْمَلُ الْمَرْأَةَ، الْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ اعْتِبَارُ الْبَصَرِ وَعَدَمُ نَحْوِ بَرَصٍ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ يَتَعَهَّدُ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْحَضَانَةِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْتَقِطُ، وَلَوْ كَانَ بِاللَّقِيطِ مَا بِالْمُلْتَقِطِ مِنْ بَرَصٍ وَجُذَامٍ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ. وَسُئِلَ شَيْخُنَا عَمَّا لَوْ تَعَارَضَ الْعَمَى وَالْبَصَرُ كَأَنْ كَانَ الْبَصِيرُ لَا مَالَ لَهُ وَالْأَعْمَى لَهُ مَالٌ مَنْ الْأَوْلَى مِنْهُمَا. فَأَجَابَ بِأَنَّ الْبَصِيرَ الْفَقِيرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعْمَى الْغَنِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْغَنِيِّ الْأَعْمَى عَلَى الْبَصِيرِ الْفَقِيرِ اهـ خ ض، أَيْ إذَا كَانَ الْأَعْمَى لَا يَتَعَهَّدُ بِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ: (مِنْهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِغَيْرِ الْحُرِّ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ بَعْدُ: وَلَيْسَ هُوَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ. قَوْلُهُ: (كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ مُكَاتَبًا. قَوْلُهُ: (وَالْمُبَعَّضُ) عِبَارَةُ م ر: وَلَوْ أَذِنَ لِمُبَعَّضٍ وَلَا مُهَايَأَةَ أَوْ كَانَتْ وَالْتَقَطَ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ فَكَالْقِنِّ، فَإِنْ نَوَى السَّيِّدُ أَوْ أَطْلَقَ صَحَّ، وَإِنْ نَوَى نَفْسَهُ فَلَا يَصِحُّ أَوْ فِي نَوْبَةِ الْمُبَعَّضِ فَبَاطِلٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي اللُّقَطَةِ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ هُنَا جَانِبُ الْوِلَايَةِ وَالرَّقِيقُ وَلَوْ مُبَعَّضًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَالْمُغَلَّبُ فِي اللُّقَطَةِ جَانِبُ الِاكْتِسَابِ. قَوْلُهُ: (مَنْ يَرَاهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَعْلُهُ تَحْتَ يَدِهِمَا مَعًا، وَعَلَيْهِ فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ جَعْلَهُ تَحْتَ يَدِهِمَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرِ الطِّفْلِ بِتَوَاكُلِهِمَا فِي شَأْنِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَوْ ازْدَحَمَ عَلَيْهِ كَامِلٌ وَنَاقِصٌ كَصَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ اخْتَصَّ بِهِ الْبَالِغُ وَلَا يُشْرِكُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِيهِ، لَكِنْ فِي سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْزِعُ النِّصْفَ مِنْ غَيْرِ الْكَامِلِ وَيَجْعَلَهُ تَحْتَ يَدِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْكَامِلِ الْمُزَاحِمِ لَهُ وَغَيْرِهِ ع ش عَلَى م ر. وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: قَوْلُهُ: " أَهْلَانِ " فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ أَهْلٍ فَهُوَ كَالْعَدَمِ وَيَسْتَقِلُّ الْأَهْلُ بِهِ.

стр. 1230

مَسْتُورٍ احْتِيَاطًا لِلَّقِيطِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَلِلَاقِطٍ نَقْلُهُ مِنْ بَادِيَةِ الْقَرْيَةِ وَمِنْهُمَا لِبَلَدٍ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ لَا نَقْلُهُ مِنْ قَرْيَةٍ لِبَادِيَةٍ أَوْ مِنْ بَلَدٍ لِقَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ لِخُشُونَةِ عَيْشِهِمَا وَفَوَاتِ الْعِلْمِ بِالدِّينِ وَالصَّنْعَةِ فِيهِمَا. نَعَمْ لَوْ نَقَلَهُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ مِنْ قَرْيَةٍ لِبَادِيَةٍ قَرِيبَةٍ يَسْهُلُ الْمُرَادُ مِنْهَا، جَازَ عَلَى النَّصِّ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: وَلَهُ نَقْلُهُ مِنْ بَادِيَةٍ وَقَرْيَةٍ وَبَلَدٍ لِمِثْلِهِ (فَإِنْ) (وُجِدَ مَعَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مَالٌ) عَامٌّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ أَوْ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ أَوْ خَاصٌّ كَثِيَابٍ عَلَيْهِ أَوْ مَلْبُوسَةٍ لَهُ أَوْ مُغَطًّى بِهَا أَوْ تَحْتَهُ مَفْرُوشَةً وَدَنَانِيرَ عَلَيْهِ أَوْ تَحْتَهُ وَلَوْ مَنْثُورَةً، وَدَارٍ هُوَ فِيهَا وَحْدَهُ وَحِصَّتُهُ مِنْهَا إنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ لَهُ يَدًا وَحِصَّةً ــ [حاشية البجيرمي] قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَ أَخْذِهِ) أَيْ أَخْذِهِمَا لَهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ وَتَشَاحَّا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " اسْتَوَيَا " أَيْ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْغِنَى بِغِنَى الزَّكَاةِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالْفَقِيرِ، وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى غَنِيٍّ بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، نَعَمْ يُقَدَّمُ جَوَّادٌ عَلَى بَخِيلٍ. قَوْلُهُ: (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) إذْ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ انْفَرَدَ بِهِ الْآخَرُ، وَلَيْسَ لِمَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ تَرْكُ حَقِّهِ لِلْآخَرِ كَمَا لَيْسَ لِلْمُنْفَرِدِ تَرْكُ حَقِّهِ إلَى غَيْرِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ، وَلَا يُقَدَّمُ مُسْلِمٌ عَلَى كَافِرٍ فِي كَافِرٍ وَلَا رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَإِنْ كَانَتْ أَصْبَرَ عَلَى التَّرْبِيَةِ مِنْهُ، إلَّا مُرْضِعَةٌ فِي رَضِيعٍ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمَا الْبَلَدُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ مِنْ مَحَلٍّ لِمِثْلِهِ أَوْ أَعْلَى لَا دُونَهُ، وَمَحَلُّ جَوَازِ نَقْلِهِ إذَا أَمِنَ الطَّرِيقَ وَالْمَقْصِدَ وَتَوَاصَلَتْ الْأَخْبَارُ وَاخْتُبِرَتْ أَمَانَةُ اللَّاقِطِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْلِ بَيْنَ كَوْنِهِ لِلسُّكْنَى أَوْ غَيْرِهَا كَقَضَاءِ حَاجَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّفَرُ بِهِ لِلنُّقْلَةِ أَمْ غَيْرِهَا كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ م ر اهـ. قَوْلُهُ: (لَا نَقْلَهُ مِنْ قَرْيَةٍ لِبَادِيَةٍ) الْبَادِيَةُ خِلَافُ الْحَاضِرَةِ وَهِيَ الْعِمَارَةُ، فَإِنْ قَلَّتْ فَقَرْيَةٌ أَوْ كَبُرَتْ فَبَلْدَةٌ أَوْ عَظُمَتْ فَمَدِينَةٌ أَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَرْعٍ أَوْ خِصْبٍ فَرِيفٌ، وَقِيلَ: الْمَدِينَةُ مَا فِيهَا حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَشُرَطِيٌّ وَسُوقٌ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْبَلَدُ مَا فِيهَا بَعْضُ ذَلِكَ وَالْقَرْيَةُ مَا خَلَتْ عَنْ الْجَمِيعِ وَالْبَادِيَةُ خِلَافُ الْجَمِيعِ. قَوْلُهُ: (لِخُشُونَةِ عَيْشِهِمَا) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلَّقِيطِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهَا مُطَاوَعَتُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ خَشِنَ الْعَيْشِ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُقَدَّرَةٌ وَيُمْكِنُهَا إبْدَالُهَا، كَذَا رَأَيْته فِي حَاشِيَةِ الْعَزِيزِيِّ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ وَالتَّفْتِيشِ فَاحْفَظْهُ. اهـ. . قَوْلُهُ: (كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ) أَيْ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعَهُ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَمُؤْنَتُهُ فِي مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ أَوْ الْخَاصِّ إلَخْ، فَسَرَى لِلشَّارِحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْهُمَا وَيُمْكِنُ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ " مَعَ " فِي قَوْلِهِ " مَعَهُ " بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ مِلْكًا أَوْ اسْتِحْقَاقًا اهـ قَالَ الزِّيَادِيُّ: لَا يُقَالُ كَيْفَ صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِهِمْ، لِأَنَّا نَقُولُ الْجِهَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَحَقُّقُ الْوُجُودِ بَلْ يَكْفِي إمْكَانُهُ؛ قَالَ سم: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْفِ اللُّقَطَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ سَيِّدٌ أَوْ قَرِيبٌ رَجَعَ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ حِينَ الْإِنْفَاقِ كَانَ لَقِيطًا فَيَصْرِفُ لَهُ بِشَرْطِ الْوَقْفِ، وَلَوْ وُجِدَ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَهَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى اللُّقَطَاءِ أَوْ لَا؟ قَالَ السُّبْكِيُّ: فِيهِ احْتِمَالَانِ أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي لِأَنَّ فَقْرَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَعَلَّ الْأَوَّلَ أَرْجَحُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ تَحَقُّقُهُ بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْحَالِ اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ خَاصٍّ) قَضِيَّةُ كَلَامِهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقْدِيمُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ حُمِلَتْ " أَوْ " فِي كَلَامِهِ عَلَى التَّنْوِيعِ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ شَرْحُ م ر. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَاكِمَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ إمَّا مِنْ مَالِهِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمُقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُعْلَمُ مِنْ خَارِجٍ أَنَّ الْخَاصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا أَنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ الْعَامِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِالْحَاجَةِ كَوَقَفْتُ عَلَى اللُّقَطَاءِ الْمُحْتَاجِينَ وَإِلَّا فَيُقَدِّمُ الْخَاصَّ عَلَيْهِ كَمَا فِي س ل. قَوْلُهُ: (كَثِيَابٍ عَلَيْهِ) وَالْمُرَادُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ بِكَوْنِ مَا ذَكَرَ لَهُ صَلَاحِيَتُهُ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ وَدَفْعُ الْمُنَازِعِ لَهُ لَا أَنَّهُ طَرِيقٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ مِلْكِهِ ابْتِدَاءً فَلَا يَسُوغُ لِلْحَاكِمِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ مِلْكُهُ شَرْحُ م ر. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدٌ بِبَيِّنَةٍ سُلِّمَ لِلْمُدَّعِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ مَلْبُوسَةٍ) أَوْ دَابَّةٍ زِمَامُهَا بِيَدِهِ أَوْ مَرْبُوطٍ بِنَحْوِ وَسَطِهِ أَوْ رَاكِبٍ عَلَيْهَا وَمَا عَلَيْهَا تَابِعٌ لَهَا. قَوْلُهُ: (وَدَارٍ هُوَ فِيهَا وَحْدَهُ) أَيْ لَا تُعْلَمُ لِغَيْرِهِ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ خَيْمَةٍ كَذَلِكَ، وَكَذَا قَرْيَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لَكِنْ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ ثُمَّ بَحَثَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، أَيْ إنْ كَانَتْ الْيَدُ غَيْرَ صَالِحَةٍ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ
следующие страницы →