Полный текст (1 974 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
مِنْ الْأَقْوَاتِ وَنَمْلٍ وَذُبَابٍ.
وَلَا تَحِلُّ الْحَشَرَاتُ وَهُوَ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ كَخُنْفُسَاءَ وَدُودٍ، وَلَا مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
سَاحِلَ الْبَحْرِ وَيَبْنِي بَيْتَهُ بِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَخْضَرُ كَالدُّرَّةِ وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ مِصْرَ الْخُضَيْرَ؛ وَحُكْمُ الْخُطَّافِ حُرْمَةُ أَكْلِهِ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْخَطَاطِيفِ وَذَبْحِهَا» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَلَالِ غَالِبًا، وَإِذَا نُقِعَ عُشُّهُ بِمَا فِيهِ فِي الْمَاءِ يَوْمًا وَلَيْلَةً نَفَعَ شُرْبُهُ لِلْحَصْبَةِ اهـ. دَمِيرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَنَمْلٍ) وَالنَّمْلَةُ وَاحِدُ النَّمْلِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ نِمَالٌ وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهَا. وَحَمَلُوهُ عَلَى النَّمْلِ السُّلَيْمَانِيِّ وَهُوَ الْكَبِيرُ لِانْتِفَاءِ أَذَاهُ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ لِكَوْنِهِ مُؤْذِيًا وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَنَمُّلِهِ أَيْ تَحَرُّكِهِ بِكَثْرَةِ مَا يَحْمِلُ مَعَ قِلَّةِ قَوَامِهِ وَهُوَ لَا جَوْفَ لَهُ وَعَيْشُهُ بِالشَّمِّ مَعَ أَنَّهُ أَحْرَصُ الْحَيَوَانِ عَلَى الْقُوتِ وَالنَّمْلُ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَلَاقَحُ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ حَقِيرٌ فِي الْأَرْضِ فَيَنْمُو، وَهُوَ عَظِيمُ الْحِيلَةِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، فَإِذَا وَجَدَ شَيْئًا أَنْذَرَ الْبَاقِينَ فَيَأْتُونَ إلَيْهِ، وَمِنْ طَبْعِهِ أَنَّهُ يَحْتَكِرُ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ لِزَمَنِ الشِّتَاءِ. وَإِذَا احْتَكَرَ مَا يَخَافُ إنْبَاتَهُ قَسَمَهُ نِصْفَيْنِ وَإِذَا خَافَ الْعَفَنَ عَلَى الْحَبِّ أَخْرَجَهُ إلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَنَشَرَهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لَيْلًا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ وَيُقَالُ: إنَّ حَيَاتَهُ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِ مَا يَأْكُلُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَوْفٌ يَنْفُذُ مِنْهُ الطَّعَامُ وَإِنَّمَا عَيْشُهُ بِالشَّمِّ وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ ضِعْفَ بَدَنِهِ مِرَارًا غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِأَضْعَافِ الْأَضْعَافِ، حَتَّى إنَّهُ يَتَكَلَّفُ حَمْلَ نَوَى التَّمْرِ، وَهُوَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى حَمْلِهِ الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ. وَهُوَ يَجْمَعُ غِذَاءَ سِنِينَ لَوْ عَاشَ، وَلَا يَكُونُ عُمُرُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَمِنْ عَجَائِبِهِ اتِّخَاذُ الْقَرْيَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَفِيهَا مَنَازِلُ وَدَهَالِيزُ وَغُرَفٌ وَطَبَقَاتٌ مُعَلَّقَاتٌ تَمْلَؤُهَا حُبُوبًا وَذَخَائِرَ لِلشِّتَاءِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵊ سَمِعَ النَّمْلَةَ وَقَدْ أَحَسَّتْ بِصَوْتِ جُنُودِ سُلَيْمَانَ تَقُولُ لِلنَّمْلِ: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] . فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ الرِّيحَ فَوَقَفَتْ حَتَّى دَخَلَ النَّمْلُ مَسَاكِنَهَا ثُمَّ جَاءَ سُلَيْمَانُ إلَى تِلْكَ النَّمْلَةِ وَقَالَ لَهَا حَذَّرْت النَّمْلَ ظُلْمِي قَالَتْ: أَمَا سَمِعْت قَوْلِي: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] عَلَى أَنِّي لَمْ أُرِدْ حَطْمَ النُّفُوسِ أَيْ إهْلَاكَهَا إنَّمَا أَرَدْت حَطْمَ الْقُلُوبِ خَشْيَةَ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِالنَّظَرِ إلَيْك عَنْ التَّسْبِيحِ أَيْ فَيَمُتْنَ فَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا: «آجَالُ الْبَهَائِمِ كُلِّهَا وَخَشَاشِ الْأَرْضِ فِي التَّسْبِيحِ فَإِذَا انْقَضَى تَسْبِيحُهَا قَبَضَ اللَّهُ أَرْوَاحَهَا» وَيُرْوَى: «مَا مِنْ صَيْدٍ يُصَادُ وَلَا شَجَرَةٍ تُقْطَعُ إلَّا بِغَفْلَتِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» وَفِي الْحَدِيثِ: «الثَّوْبُ يُسَبِّحُ فَإِذَا اتَّسَخَ انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ النَّمْلَ قَالَتْ لَهُ إنَّمَا خَشِيت أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْك فَتَكْفُرَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا عِظِينِي فَقَالَتْ: هَلْ تَدْرِي لِمَ جُعِلَ مُلْكُك فِي فَصِّ خَاتَمِك؟ قَالَ: لَا قَالَتْ: أُعْلِمُكَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي قِطْعَةً مِنْ حَجَرٍ» . وَيُذْكَرُ أَنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ الَّتِي خَاطَبَتْ سُلَيْمَانَ ﵊، أَهْدَتْ لَهُ نَبْقَةً وَضَعَتْهَا لَهُ فِي كَفِّهِ. وَفِي فَتَاوَى الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي زَهْرِ الرِّيَاضِ: لَمَّا تَوَلَّى سُلَيْمَانُ ﵇ جَمِيعَ الْمُلْكِ جَاءَهُ جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ يُهَنِّئُونَهُ إلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً، فَجَاءَتْ تُعَزِّيهِ فَعَاتَبَهَا النَّمْلُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: كَيْفَ أُهَنِّئُهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَحَبَّ عَبْدًا زَوَى عَنْهُ الدُّنْيَا وَحَبَّبَ إلَيْهِ الْآخِرَةَ. وَقَدْ شُغِلَ سُلَيْمَانُ بِأَمْرٍ لَا يَدْرِي مَا عَاقِبَتُهُ فَهُوَ بِالتَّعْزِيَةِ أَوْلَى مِنْ التَّهْنِئَةِ. وَجَاءَهُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ شَرَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ. فَقِيلَ لَهُ إنْ شَرِبْته لَمْ تَمُتْ فَشَاوَرَ جُنْدَهُ فَكُلٌّ أَشَارَ بِشُرْبِهِ إلَّا الْقُنْفُذُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَشْرَبْهُ فَإِنَّ الْمَوْتَ فِي عِزٍّ، خَيْرٌ مِنْ الْبَقَاءِ فِي سِجْنِ الدُّنْيَا. قَالَ: صَدَقْت فَأَرَاقَ الشَّرَابَ فِي الْبَحْرِ؛ وَرُوِيَ: أَنَّ النَّمْلَةَ الَّتِي خَاطَبَتْ سُلَيْمَانَ ﵇ أَهْدَتْ لَهُ نَبْقَةً وَقَالَتْ: أَلَمْ تَرَنَا نُهْدِي إلَى اللَّهِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ عَنْهُ ذَا غِنًى فَهُوَ قَابِلُهْ وَلَوْ كَانَ يُهْدَى لِلْجَلِيلِ بِقَدْرِهِ لَقَصَّرَ عَنْهُ الْبَحْرُ حَتَّى سَوَاحِلُهْ وَلَكِنَّنَا نُهْدِي إلَى مَنْ نُحِبُّهُ فَيَرْضَى بِهِ عَنَّا وَيُشْكَرُ فَاعِلُهْ
стр. 1787
كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ كَلْبٍ وَشَاةٍ، فَلَوْ لَمْ نَرَ ذَلِكَ وَوَلَدَتْ سَخْلَةً تُشْبِهُ الْكَلْبَ. قَالَ الْبَغَوِيّ لَا تَحْرُمُ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْخَلْقُ عَلَى خِلَافِ صُورَةِ الْأَصْلِ، وَمِنْ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ السِّمْعُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ، وَالْبَغْلُ لِتَوَلُّدِهِ بَيْنَ فَرَسٍ وَحِمَارٍ كَمَا مَرَّ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَمَا ذَاكَ إلَّا مِنْ كَرِيمِ فِعَالِهِ وَإِلَّا فَمَا فِي مِلْكِنَا مَا نُشَاكِلُهْ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ. وَمِمَّا يَنْفَعُ لِتَرْحِيلِهِ أَنْ يُكْتَبَ فِي إنَاءٍ مَدْهُونٍ طَاهِرٍ وَيُمْحَى بِالْمَاءِ وَيُرَشَّ فِي مَوْضِعِ النَّمْلِ، وَهَذَا مَا تَكْتُبُ: إنَّ سُلَيْمَانَ يُقْرِئُكُمْ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكُمْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُ مَسْجِدًا مِنْ الشَّعْرِ طُولُهُ طُولُ الدُّنْيَا وَعَرْضُهُ عَرْضُ الْآخِرَةِ. وَإِلَّا فَعَلَيْكُمْ بِالْهَرَبِ وَعَلَيْنَا الطَّلَبُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمُبَارَكَةِ الْوَحْيِ الْعِجْلَ السَّاعَةَ. اهـ. .
قَوْلُهُ (كَخُنْفُسَاءَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا مَمْدُودٌ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ الْفَسْوِ لِكَثْرَةِ فَسْوِهَا وَهِيَ تَتَوَلَّدُ مِنْ عُفُونَةِ الْأَرْضِ وَهِيَ طَوِيلَةُ الظُّهْرِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقْرَبِ صَدَاقَةٌ وَلِهَذَا يُقَالُ لَهَا جَارِيَتُهَا. وَمِنْ شَأْنِهَا أَنَّهَا تَهْرُبُ مِنْ الْكَرَفْسِ فَإِذَا وَضَعَ بِمَوْضِعٍ رَحَلَتْ مِنْهُ. وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا رَأَى خُنْفُسَاءَ فَقَالَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِخَلْقِ هَذِهِ أَلِحُسْنِ شَكْلِهَا، أَوْ طِيبِ رِيحِهَا. فَابْتُلِيَ بِقُرْحَةٍ عَجَزَ فِيهَا الْأَطِبَّاءُ فَتَرَكَ عِلَاجَهَا ثُمَّ سَمِعَ يَوْمًا صَوْتَ طَبِيبٍ مِنْ الطَّرَّاقِينَ يُنَادِي فِي الدَّرْبِ فَقَالَ ائْتُونِي بِهِ يَنْظُرُ إلَيَّ فَقَالُوا: وَمَا يَصْنَعُ هَذَا وَعَجَزَ عَنْك حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ؟ فَقَالَ لَا بُدَّ لِي مِنْهُ فَأَحْضَرُوهُ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ قَالَ ائْتُونِي بِخُنْفُسَاءَ فَضَحِكُوا مِنْهُ فَتَذَكَّرَ الْعَلِيلُ مَا صَدَرَ مِنْهُ فَقَالَ: أَحْضِرُوا لَهُ مَا طَلَبَ فَإِنَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ فَجَاءُوهُ بِوَاحِدَةٍ فَأَحْرَقَهَا وَذَرَّ رَمَادَهَا عَلَى الْقُرْحَةِ. فَبَرَأَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَنِي أَنَّ أَخَسَّ الْمَخْلُوقَاتِ أَعَزُّ الْأَدْوِيَةِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا سُدًى سُبْحَانَهُ، وَالِاكْتِحَالُ بِمَا فِي جَوْفِهَا يَجْلُو الْغِشَاوَةَ، وَيُحِدُّ الْبَصَرَ، وَيُزِيلُ الْبَيَاضَ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَدُودٍ) أَيْ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدُهُ دُودَةٌ وَجَمْعُهُ دِيدَانٌ وَيُصَغَّرُ عَلَى دُوَيْدَةٍ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ نَزْوِ الْكَلْبِ عَلَى الشَّاةِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْخَلْقُ إلَخْ وَإِنْ كَانَ الْوَرَعُ تَرْكَهَا وَذَهَبَ جَمْعٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ أَشْبَهَ بِالْحَلَالِ خِلْقَةً حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِ فَرَسٍ وَلَدَتْ بَغْلًا، وَشَاةٍ كَلْبًا لِأَنَّهُ مِنْهَا لَا مِنْ الْفَحْلِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَالْبَغْلُ) وَشِدَّةُ شَبَهِهِ لِأُمِّهِ لَا لِأَبِيهِ وَهُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنَّ الْبِغَالَ كَانَتْ تَتَنَاسَلُ وَكَانَتْ أَسْرَعَ الدَّوَابِّ فِي نَقْلِ الْحَطَبِ لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ﵊ فَدَعَا عَلَيْهَا فَقَطَعَ اللَّهُ نَسْلَهَا، قِيلَ وَأَوَّلُ مَنْ أَنْتَجَهَا قَارُونُ اهـ. دَمِيرِيٌّ قَالَ ح ل فِي السِّيرَةِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ بَغْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ذَكَرًا لَا أُنْثَى قِيلَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ بَغْلَةٌ غَيْرَهَا. وَقَدْ قَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ ﵁ لَوْ حَمَلْنَا الْحُمُرَ عَلَى الْخَيْلِ لَكَانَ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: أَيْ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ النَّهْيَ: وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ امْتَنَّ بِهَا كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَلَا يَقَعُ الِامْتِنَانُ بِالْمَكْرُوهِ. اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا وَأَمَّا بَغْلَتُهُ ﷺ فَبَغْلَةٌ شَهْبَاءُ يُقَالُ لَهَا: دُلْدُلٌ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مَعَ مَارِيَةَ. وَهَذِهِ أَوَّلُ بَغْلَةٍ رُكِبَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي لَفْظٍ رُئِيَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ ﷺ يَرْكَبُهَا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الْأَسْفَارِ، وَعَاشَتْ حَتَّى ذَهَبَتْ أَسْنَانُهَا، فَكَانَ يُدَقُّ لَهَا الشَّعِيرُ وَعَمِيَتْ، وَقَاتَلَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْخَوَارِجَ بَعْدَ أَنْ رَكِبَهَا عُثْمَانُ ﵁ وَرَكِبَهَا بَعْدَ عَلِيٍّ ابْنُهُ الْحَسَنُ ﵁ ثُمَّ ابْنُهُ الْحُسَيْنُ ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَسُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ هَلْ كَانَتْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا وَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ أَجَابَ بِالْأَوَّلِ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ ذَكَرًا وَرَمَاهَا رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهَا. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي إلَى زَوْجَتِهِ أَمِّ سَلَمَةَ فَأَتَيْتُهُ بِصُوفٍ وَلِيفٍ ثُمَّ فَتَلْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسَنًا وَعِذَارًا ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَأَخْرَجَ عَبَاءَةً فَثَنَاهَا، ثُمَّ رَبَّعَهَا عَلَى ظَهْرِهَا ثُمَّ سَمَّى وَرَكِبَ ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ» . اهـ وَيَجُوزُ الْإِرْدَافُ عَلَى الدَّابَّةِ إذَا كَانَتْ مُطِيقَةً وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ تُطِقْهُ وَإِذَا أَرْدَفَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِصَدْرِهَا وَيَكُونُ الرَّدِيفُ وَرَاءَهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُهَا بِتَقْدِيمِهِ لِجَلَالَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَفَادَ
стр. 1788
وَالزَّرَافَةُ: وَهِيَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا، وَبِتَحْرِيمِهَا جَزَمَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَمَنَعَ ابْنُ الرِّفْعَةِ التَّحْرِيمَ، وَحَكَى أَنَّ الْبَغَوِيَّ أَفْتَى بِحِلِّهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ: وَمَنْقُولُ اللُّغَةِ أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَأْكُولَيْنِ مِنْ الْوَحْشِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ سَهْوٌ وَصَوَابُهُ الْعَكْسُ اهـ. وَهَذَا الْخِلَافُ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ إنْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَأْكُولَيْنِ فَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَيَحِلُّ كُرْكِيٌّ وَبَطٌّ وَإِوَزٌّ وَدَجَاجٌ وَحَمَامٌ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ وَمَا عَلَى شَكْلِ عُصْفُورٍ. وَإِنْ اخْتَلَفَ لَوْنُهُ كَعَنْدَلِيبِ وَهُوَ الْهَزَارُ وَصَعْوَةَ وَهِيَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْحَافِظُ ابْن مَنْدَهْ أَنَّ الَّذِينَ أَرْدَفَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ نَفْسًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَهُ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «نَهَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلَاثَةٌ عَلَى دَابَّةٍ» وَفِي حَدِيثِ شُعْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ نَاوِلْنِي مِنْ الْبَطْحَاءِ فَأَفْقَهَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَغْلَةَ فِي كَلَامِهِ فَانْقَضَّتْ بِهِ حَتَّى كَادَ بَطْنُهَا يَمَسُّ الْأَرْضَ فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْحَصَى فَنَفَخَ فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ حم لَا يُبْصِرُونَ» اهـ. دَمِيرِيٌّ وَقَوْلُهُ فَأَفْقَهَ اللَّهُ أَيْ أَفْهَمَ.
قَوْلُهُ: (لِتَوَلُّدِهِ بَيْنَ فَرَسٍ وَحِمَارٍ) أَهْلِيٍّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَلَوْ اشْتَبَهَ حَيَوَانٌ فَلَمْ يُدْرَ مِمَّا تَوَلَّدَ؟ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ فَإِنْ أُرِيدَ أَكْلُهُ رُجِعَ إلَى خِلْقَتِهِ فَإِنْ أَشْبَهَ مَا يَحِلُّ حَلَّ، أَوْ مَا يَحْرُمُ، حَرُمَ، وَلَوْ وَلَدَتْ شَاةٌ شَبَهَ كَلْبٍ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ نَزَا عَلَيْهَا حَلَّ، إذْ قَدْ يَحْصُلُ الْخَلْقُ عَلَى خِلَافِ صُورَةِ الْأَصْلِ، وَالْوَرَعُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ وَيُسْتَبْعَدُ الْحِلُّ لَوْ وَلَدَتْ شَبَهَ آدَمِيٍّ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ نَزَا عَلَيْهَا وَيَدِقُّ الْفَرْقُ سم. وَقَدْ وَقَعَ فِي وَقْتِنَا أَنَّ الشَّاةَ وَلَدَتْ مَا فِيهِ صُورَةُ الْآدَمِيِّ فَظُنَّ بِصَاحِبِهَا سُوءٌ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ بِحُصُولِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الْعَكْسُ) أَيْ عَكْسُ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْحِلِّ. قَوْلُ: (فَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ) أَيْ الْقَائِلُونَ بِالْحِلِّ.
قَوْلُهُ: (وَبَطٌّ) وَهُوَ الْوَزُّ الَّذِي لَا يَطِيرُ فَيَكُونُ عَطْفُ الْوَزِّ عَلَيْهِ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ. قَوْلُهُ: (وَإِوَزٌّ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْبَطِّ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. فَمَا قِيلَ: إنَّهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ سَبْقُ قَلَمٍ قَالَ الْقَزْوِينِيُّ: إذَا شُوِيَتْ خُصْيَةُ الْإِوَزِّ وَأَكْلَهَا الرَّجُلُ وَجَامَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ وَقْتِهِ فَإِنَّهَا تَعْلَقُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصُّفْرَةُ مِنْ كُلِّ بَيْضٍ أَلْطَفُ مِنْ الْبَيَاضِ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَدَجَاجٌ مُثَلَّثُ الدَّالِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ مِنْ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَاحِدُهُ دَجَاجَةٌ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا يُقَالُ دَجَّ الْقَوْمُ يَدُجُّونَ دَجًّا إذَا مَشَوْا رُوَيْدًا وَكُنْيَتُهَا أُمُّ حَفْصَةَ وَأَمُّ الْوَلِيدِ وَأَمُّ جَعْفَرٍ وَأَمُّ عُقْبَةَ وَأَمُّ نَافِعٍ. وَإِذَا هَرِمَتْ الدَّجَاجَةُ انْقَطَعَ فِرَاخُهَا لِأَنَّ بَيْضَهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مُحٌّ وَتَأْكُلُ الْفُولَ وَالْحَبَّ، كَبَهَائِمِ الطَّيْرِ وَالْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَالذُّبَابَ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ فَلَهَا شَبَهٌ بِهِمَا وَتُوصَفُ بِقِلَّةِ النَّوْمِ وَسُرْعَةِ الْيَقَظَةِ، قِيلَ فَنَوْمُهَا وَاسْتِيقَاظُهَا بِمِقْدَارِ خُرُوجِ نَفَسِهَا وَرُجُوعِهِ وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْجُبْنِ وَلِهَذَا تَقْصِدُ فِي نَوْمِهَا الْأَمَاكِنَ الْمُرْتَفِعَةَ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ بَادَرَتْ إلَيْهَا، وَتَبِيضُ فِي كُلِّ السَّنَةِ إلَّا شَهْرَيْنِ مِنْ الشِّتَاءِ وَمِنْهَا مَا يَبِيضُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ وَيَتِمُّ خَلْقُ بَيْضِهَا فِي عَشْرَةِ أَيَّامِ وَيَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لَيِّنَ الْقِشْرِ فَإِذَا أَصَابَهُ الْهَوَاءُ يَبِسَ وَبَيَاضُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنِيِّ فَيَنْشَأُ مِنْهُ الرُّوحُ وَصَفَارُهُ بِمَنْزِلَةِ دَمِ الْحَيْضِ فَيَتَغَذَّى بِهِ الْفَرْخُ كَمَا يَتَغَذَّى الْجَنِينُ بِدَمِ الْحَيْضِ وَالْبَيْضَةُ ذَاتُ الصَّفَارَيْنِ يَخْرُجُ مِنْهَا فَرْخَانِ وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاِتِّخَاذِ الْغَنَمِ وَالْفُقَرَاءَ بِاِتِّخَاذِ الدَّجَاجِ وَقَالَ عِنْدَ اتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللَّهُ بِهَلَاكِ الْقُرَى» قِيلَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ إذَا ضَيَّقُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي مَكَاسِبِهِمْ وَخَالَطُوهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، تَعَطَّلَ الْفُقَرَاءُ وَبِذَلِكَ تَبُورُ الْقُرَى فَتَهْلَكُ. وَخَوَاصُّهُ: أَكْلُ لَحْمِهِ يَزِيدُ الْعَقْلَ، وَالْمَنِيَّ، وَيُصَفِّي الصَّوْتَ لَكِنَّ مُدَاوَمَتَهُ تُورِثُ الْبَوَاسِيرَ، وَإِذَا طُبِخَتْ الدَّجَاجَةُ بِعَشْرِ بَصَلَاتٍ، وَكَفِّ سِمْسِمٍ مَقْشُورٍ، ثُمَّ أُكِلَتْ وَشُرِبَ مَرَقُهَا زَادَتْ فِي الْبَاهِ وَقُوَّةِ الشَّهْوَةِ، وَفِي قَانِصَةِ الدَّجَاجِ حَجَرٌ، إذَا شُدَّ عَلَى إنْسَانٍ، زَادَ فِي الْبَاهِ، وَصَرَفَ عَنْهُ الْعَيْنَ وَالنَّظْرَةَ، أَوْ عَلَى مَصْرُوعٍ بَرِئَ، أَوْ تَحْتَ رَأْسِ صَغِيرٍ أَمِنَ مِنْ الْفَزَعِ فِي نَوْمِهِ، وَذَرْقُ الدَّجَاجِ السُّودِ إذَا وُضِعَ بِبَابِ قَوْمٍ وَقَعَ بَيْنَهُمْ الشَّرُّ وَالْخُصُومَةُ. وَإِذَا طُلِيَ الذَّكَرُ بِمَرَارَةِ السَّوْدَاءِ وَجَامَعَ لَمْ يَنَلْ أَهْلَهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ، وَإِذَا جُعِلَ رَأْسُهَا فِي كُوزِ حَدِيدٍ وَوُضِعَ تَحْتَ
стр. 1789
صِغَارُ الْعَصَافِيرِ
وَيَحِلُّ غُرَابُ الزَّرْعِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ: الزَّاغُ وَقَدْ يَكُونُ مُحَمَّرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُ مُسْتَطَابٌ يَأْكُلُ الزَّرْعَ يُشْبِهُ الْفَوَاخِتَ. وَأَمَّا مَا عَدَا الْأَبْقَعَ الْحَرَامَ وَغُرَابَ الزَّرْعِ الْحَلَالَ فَأَنْوَاعٌ أَحَدُهَا: الْعَقْعَقُ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَرْشِ رَجُلٍ قَدْ خَاصَمَ زَوْجَتَهُ صَالَحَهَا لِوَقْتِهَا، وَإِذَا احْتَمَلَ الرَّجُلُ مِنْ دُهْنِهَا قَدْرَ أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ هَيَّجَ الْبَاهَ. وَأَمَّا بَيْضُهَا فَحَارٌّ مَائِلٌ إلَى الرُّطُوبَةِ وَالْيُبْسِ، لَكِنَّهُ إذَا زَادَ فِي أَكْلِهِ، يُوَلِّدُ كَلَفًا أَيْ مَشَقَّةً وَهُوَ بَطِيءُ الْهَضْمِ وَيَدْفَعُ ضَرَرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صُفْرَتِهِ اهـ. دَمِيرِيٌّ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ الدَّجَاجَ حَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَحَمَامٌ) وَمِثْلُهُ الْيَمَامُ. وَالْقَطَا وَالدِّبْسِيُّ وَالْفَاخِتُ وَالْحُبَارَى وَالشِّقِرَّاقُ وَأَبُو قِرْدَانَ وَالْحُمَّرَةُ وَالْحَجْلُ وَالْقُمْرِيُّ: «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إلَى الْحَمَامِ الْأَحْمَرِ، وَكَانَ فِي مَنْزِلِهِ ﷺ حَمَامٌ أَحْمَرُ اسْمُهُ وَرْدَانُ» وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَسْتَعْمِلُ التَّقْبِيلَ عِنْدَ السِّفَادِ إلَّا الْإِنْسَانُ وَالْحَمَامُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَمَامَ يَعِيشُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَالْقُمْرِيُّ طَائِرٌ مَشْهُورٌ حَسَنُ الصَّوْتِ وَالْأُنْثَى قُمْرِيَّةٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو زَكَرِيَّا وَأَبُو طَلْحَةَ وَجَمْعُهُ قَمَارِيٌّ قَالَ الْقَزْوِينِيُّ: إذَا مَاتَتْ ذُكُورُ الْقُمَارِيِّ لَمْ تَتَزَوَّجْ إنَاثُهَا بَعْدَهَا وَتَنُوحُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَمُوتَ، وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ تَبِيضَ الْقُمَارِيُّ تَحْتَ الْفَوَاخِتِ وَبَيْضُ الْفَوَاخِتِ تَحْتَ الْقُمَارِيِّ. وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ﵈ أَنَّ الْحَمَامَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى اهـ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ قَالَ سُلَيْمَانُ لِأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذَا الْحَمَامُ لِأُنْثَاهُ؟ قَالُوا لَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: يَقُولُ لِأُنْثَاهُ: تَابِعِينِي عَلَى مَا أُرِيدُ مِنْك فَوَاَللَّهِ لَمُتَابَعَتُك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ. كَذَا فِي دِيوَانِ الْحَيَوَانِ، وَفِيهِ: إذَا صَاحَ الْعُقَابُ قَالَ الْبُعْدُ عَنْ النَّاسِ رَحْمَةٌ، وَإِذَا صَاحَ الْخُطَّافُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ إلَى ` آخِرِهَا يَمُدُّ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا الضَّالِّينَ كَمَا يَمُدُّ الْقَارِئُ، وَالنَّسْرُ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ عِشْ مَا شِئْت آخِرُك الْمَوْتُ، وَالْقُمْرِيُّ يَقُولُ: يَا كَرِيمُ، وَالْغُرَابُ يَلْعَنُ الْعَشَّارَ وَيَدْعُو عَلَيْهِ وَالْعَشَّارُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْعُشْرَ، وَالْحِدَأَةُ تَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا اللَّهَ، وَالْقَطَاةُ تَقُولُ مَنْ سَكَتَ سَلِمَ، وَالْبَبَّغَاءُ تَقُولُ: وَيْلٌ لِمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ، وَالدُّرَّاجُ يَقُولُ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَالزُّرْزُورُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ يَا رَزَّاقُ، وَالْعَنْزَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مُبْغِضِي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَالدِّيكُ يَقُولُ: اُذْكُرُوا اللَّهَ يَا غَافِلُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْفَرَسَ تَقُولُ إذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، وَالْحِمَارُ يَلْعَنُ الْمَكَّاسَ وَكَسْبَهُ، وَالضِّفْدَعُ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْقُدُّوسِ، وَالسَّرَطَانُ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْمَذْكُورِ بِكُلِّ لِسَانٍ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عُصْفُورٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَحُكِيَ بِالْفَتْحِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا قِيلَ: إنَّهُ عَصَى نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﷺ وَفَرَّ مِنْهُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو يَعْقُوبَ وَيَتَمَيَّزُ الذَّكَرُ مِنْهَا بِلِحْيَةٍ سَوْدَاءَ كَالرِّجَالِ وَإِذَا خَلَتْ مَدِينَةٌ عَنْ أَهْلِهَا ذَهَبَ الْعَصَافِيرُ مِنْهَا فَإِذَا عَادُوا إلَيْهَا عَادَتْ الْعَصَافِيرُ. وَالْعُصْفُورُ لَا يَعْرِفُ الْمَشْيَ وَإِنَّمَا يَثِبُ وَثْبًا وَهُوَ كَثِيرُ السِّفَادِ فَرُبَّمَا سَفْدَ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَلِذَلِكَ قَصُرَ عُمْرُهُ. فَإِنَّهُ لَا يَعِيشُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِمَارِ عَدَاوَةٌ رُبَّمَا نَهَقَ الْحِمَارُ فَتَسْقُطُ فِرَاخُهُ أَوْ بَيْضُهُ مِنْ جَوْفِ وَكْرِهِ أَيْ مَحَلِّهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَإِذَا رَأَى الْحِمَارَ عَلَا فَوْقَ رَأْسِهِ وَأَذَاهُ بِطَيَرَانِهِ وَصِيَاحِهِ وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْقُبَّرَةُ اهـ. وَالزُّرْزُورُ بِضَمِّ الزَّايِ طَائِرٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَصَافِيرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِزَرْزَرَتِهِ أَيْ تَصْوِيتِهِ. اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْهَزَارُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَمَّى بِالْبُلْبُلِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَتَيْنِ ق ل.
وَمَرَّ سُلَيْمَانُ عَلَى بُلْبُلٍ فَوْقَ شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ ذَنَبَهُ. وَرَأْسَهُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذَا الْبُلْبُلُ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: يَقُولُ إذَا أَكَلْت نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلَى الدُّنْيَا الْعَفَاءُ أَيْ الْخَرَابُ وَذَهَابُ الْأَثَرِ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَهُ الزَّاغُ) وَيُقَالُ لَهُ غُرَابُ الزَّيْتُونِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْعَقْعَقُ) كَثَعْلَبٍ وَهُوَ طَائِرٌ عَلَى قَدْرِ الْحَمَامَةِ وَعَلَى شَكْلِ الْغُرَابِ وَجَنَاحَاهُ أَكْبَرُ مِنْ جَنَاحَيْ الْحَمَامَةِ وَهُوَ لَا يَأْوِي تَحْتَ سَقْفٍ وَلَا يَسْتَظِلُّ بِهِ بَلْ يُهَيِّئُ وَكُرِهَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُشْرِفَةِ وَفِي طَبْعِهِ الزِّنَا وَالْخِيَانَةُ وَيُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ وَالْخُبْثِ وَالْعَرَبُ تَضْرِبُ بِهِ الْمَثَلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَفِي طَبْعِهِ شِدَّةُ الِاخْتِطَافِ لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْحُلِيِّ فَكَمْ مِنْ
стр. 1790
وَيُقَالُ لَهُ الْقُعْقُعُ، وَهُوَ ذُو لَوْنَيْنِ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ، طَوِيلُ الذَّنَبِ، قَصِيرُ الْجَنَاحِ عَيْنَاهُ يُشْبِهَانِ الزِّئْبَقَ صَوْتُهُ الْعَقْعَقَةُ. كَانَتْ الْعَرَبُ تَتَشَاءَمُ بِصَوْتِهِ، ثَانِيهَا الْغُدَافُ الْكَبِيرُ وَيُسَمَّى الْغُرَابَ الْجَبَلِيَّ لِأَنَّهُ لَا يَسْكُنُ إلَّا الْجِبَالَ فَهَذَانِ حَرَامَانِ لِخُبْثِهِمَا، ثَالِثُهَا الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَهُوَ أَسْوَدُ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ. وَهَذَا قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: يَحْرُمُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي لِلْأَمْرِ بِقَتْلِ الْغُرَابِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ بِحِلِّهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِحِلِّهِ الْبَغَوِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَأْكُلُ الزَّرْعَ وَاعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ (وَيَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ. (فِي) حَالِ (الْمَخْمَصَةِ) بِمِيمَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَبَعْدَهُمَا صَادٌ أَيْ الْمَجَاعَةُ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا زِيَادَتُهُ أَوْ طُولُ مُدَّتِهِ أَوْ انْقِطَاعَهُ عَنْ رُفْقَتِهِ أَوْ خَوْفَ ضَعْفٍ عَنْ مَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ. وَلَمْ يَجِدْ حَلَالًا يَأْكُلُهُ. (أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ) عَلَيْهِ قَبْلَ اضْطِرَارِهِ لِأَنَّ تَارِكَهُ سَاعٍ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ وَكَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْهَلَاكِ بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَخَافُ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الظَّنُّ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّيَقُّنُ وَلَا الْإِشْرَافُ عَلَى الْمَوْتِ بَلْ لَوْ انْتَهَى إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ:
يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ فَلَا يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتُوبَ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَكَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ مُرَاقُ الدَّمِ كَالْمُرْتَدِّ، وَالْحَرْبِيِّ فَلَا يَأْكُلَانِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُسْلِمَا قَالَ: وَكَذَا مُرَاقُ الدَّمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إسْقَاطِ الْقَتْلِ بِالتَّوْبَةِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ. وَمَنْ قَتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.
تَنْبِيهٌ:
أَفْهَمَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ الْمَيْتَةَ الْمُحَرَّمَةَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ أَنْوَاعِهَا كَمَيْتَةِ شَاةٍ وَحِمَارٍ لَكِنْ لَوْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ مِنْ حَيَوَانٍ نَجَسٍ فِي حَيَاتِهِ كَخِنْزِيرٍ وَمَيْتَةِ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ كَحِمَارٍ وَجَبَ تَقْدِيمُ مَيْتَةِ الطَّاهِرِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَهُ الْإِسْنَوِيُّ ثُمَّ إنْ تَوَقَّعَ الْمُضْطَرُّ حَلَالًا عَلَى قُرْبٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ غَيْرَ (مَا يَسُدُّ رَمَقُهُ) لِانْدِفَاعِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عِقْدٍ ثَمِينٍ اخْتَطَفَهُ مِنْ شِمَالٍ وَيَمِينٍ وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ عَقْعَقٌ فَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُقُّ فِرَاخَهُ فَيَتْرُكُهُمْ بِلَا طُعْمٍ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْغِرْبَانِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقِيلَ: اُشْتُقَّ لَهُ هَذَا الِاسْمُ مِنْ صَوْتِهِ وَالْعَرَبُ كَانَتْ تَتَشَاءَمُ بِهِ وَبِصِيَاحِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْغُدَافُ) وَهُوَ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُهُ غِدْفَانُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ وَيَحِلُّ الْكَرَوَانُ بِالْإِجْمَاعِ اهـ، دَيْرَبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْوُجُوبِ كَمَا هُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: (مَوْتًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ.
قَوْلُهُ: (مَخُوفًا) لَيْسَ قَيْدًا وَعِبَارَةُ م ر وَمَرَضٌ مَخُوفٌ أَوْ غَيْرُ مَخُوفٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ وَيُبِيحُ التَّيَمُّمَ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ خَوْفَ ضَعْفٍ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ خَوْفٍ وَيَقُولُ: أَوْ ضَعْفًا لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْتًا وَيَصِيرُ الْمَعْنَى عَلَى ثُبُوتِ خَوْفٍ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ ضَعْفٍ وَلَا مَعْنًى لَهُ اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَجِدْ حَلَالًا) وَكَذَا إذَا وَجَدَهُ وَلَمْ يَبْذُلْهُ مَالِكُهُ أَوْ كَانَ مُضْطَرًّا أَيْضًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَدَمِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَكْلِ ذَلِكَ) أَيْ الْمَيْتَةِ فَيَكْفِي فِيهِ ظَنُّ وُقُوعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ الْمُكْرِهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ مَثَلًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ مَا يُخَوِّفُهُ بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الظَّنُّ وَأَتَى بِهِ وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الْعَاصِي بِسَفَرِهِ) لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ رُخْصَةٌ فَلَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَتَلَ) أَيْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ لِلْأَخِيرِ وَهُوَ مُرَاقُ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ اسْتِثْنَاؤُهُ مُتَعَيِّنٌ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ تَوَقَّعَ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا تَوَقَّعَ حَلَالًا عَنْ قُرْبٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَوَقَّعْ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، بَلْ يَأْكُلُ حَتَّى
стр. 1791
الضَّرُورَةِ بِهِ وَقَدْ يَجِدُ بَعْدَهُ الْحَلَالَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشِّبَعَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: وَالرَّمَقُ بَقِيَّةُ الرُّوحِ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ الْقُوَّةُ وَبِذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ الشَّدَّ الْمَذْكُورَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَا بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الَّذِي نَحْفَظُهُ أَنَّ بِالْمُهْمَلَةِ. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْكُتُبِ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ سَدُّ الْخَلَلِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجُوعِ نَعَمْ إنْ خَافَ تَلَفًا أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتَهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ جَازَتْ لَهُ الزِّيَادَةُ بَلْ وَجَبَتْ لِئَلَّا يُهْلِكَ نَفْسَهُ. تَنْبِيهٌ:
يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّدُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَوْ رَجَا الْوُصُولَ إلَى الْحَلَالِ وَيَبْدَأُ وُجُوبًا بِلُقْمَةٍ حَلَالٍ ظَفِرَ بِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا ذُكِرَ حَتَّى يَأْكُلَهَا لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ وَإِذَا وَجَدَ الْحَلَالَ بَعْدَ تَنَاوُلِهِ الْمَيْتَةَ وَنَحْوَهَا لَزِمَهُ الْقَيْءُ أَيْ إذَا لَمْ يَضُرَّهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ نَصِّ الْأُمِّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أُكْرِهَ رَجُلٌ حَتَّى شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَكَلَ مُحَرَّمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ عَمَّ الْحَرَامُ جَازَ اسْتِعْمَالُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الضَّرُورَةِ قَالَ الْإِمَامُ: بَلْ عَلَى الْحَاجَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا إنْ تَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ الْمُسْتَحَقِّ إذْ الْمَالُ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْهَا لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَلِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَيْتَةً غَيْرَهُ كَمَا قَيَّدَهُ الشَّيْخَانِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلَ مِنْهُ جَزْمًا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَالْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ. أُجِيبُ: بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ مُضْطَرٍّ وَجَدَ مَيِّتَةَ نَبِيٍّ قَبْلَ دَفْنِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا وَالْمُضْطَرُّ كَافِرًا فَإِنَّهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَدْفَعَ الضَّرَرَ. قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) أَيْ غَيْرَ مَائِلٍ لَهُ وَمُنْحَرِفٍ إلَيْهِ، بِأَنْ يَأْكُلَهَا تَلَذُّذًا أَوْ مُجَاوِزًا حَدَّ الرُّخْصَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] اهـ. بَيْضَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قِيلَ أَرَادَ بِهِ) أَيْ بِالتَّجَانُفِ وَإِنَّمَا كَانَ إثْمًا لِأَنَّهُ لِعِلْمِهِ تَوَقُّعَ حَلَالٍ عَنْ قُرْبٍ فَكَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ.
قَوْلُهُ: (بَقِيَّةُ الرُّوحِ) أَيْ بَقِيَّةُ الْقُوَّةِ الَّتِي الرُّوحُ سَبَبٌ فِيهَا وَإِلَّا فَالرُّوحُ لَا تَتَجَزَّأُ اهـ.
ع ش.
قَوْلُهُ: (وَبِذَلِكَ) أَيْ بِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ، فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إنْ فَسَّرَ الرَّمَقَ بِالْقُوَّةِ كَانَ الشَّدُّ بِالشِّينِ وَإِنْ فَسَّرَ الرَّمَقَ بِبَقِيَّةِ الرُّوحِ كَانَ السَّدُّ بِالسِّينِ. وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالشِّينِ وَبِالسِّينِ مَعَ كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّهُ يُقَوِّي بَقِيَّةَ الرُّوحِ أَوْ الْقُوَّةِ وَسَدِّ الْخَلَلِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر السَّدُّ بِالْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ الرَّمَقُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الرُّوحِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْقُوَّةُ عَلَى مُقَابَلَةٍ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ الرَّمَقُ بِفَتْحَتَيْنِ بَقِيَّةُ الرُّوحِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقُوَّةِ وَيَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ أَيْ مَا يُمْسِكُ بِهِ قُوَّتَهُ وَيَحْفَظُهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهَا) كَالْمَغْصُوبِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْقَيْءُ) قَيَّدَهُ م ر بِمَا إذَا شَبِعَ مِنْ الْمَيْتَةِ وَعَلَيْهَا فَلَا تَضْعِيفَ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ شَبِعَ فِي حَالَةِ امْتِنَاعِهِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْحِلِّ لَزِمَهُ كَكُلِّ مَنْ تَنَاوَلَ مُحَرَّمًا التَّقَيُّؤُ إنْ أَطَاقَهُ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَ) مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَرْضًا وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ فَيُغَلَّبُ الْمَانِعُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ إذَا تَعَارَضَ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعُ وَعِبَارَةُ م د هَذَا مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَرْضًا وَإِلَّا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأَنَّ إتْمَامَ صَوْمِهِ وَاجِبٌ فَإِنْ كَانَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُ الْقَيْءِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ قَطْعُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (بَلْ عَلَى الْحَاجَةِ) أَيْ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْحَاجَةِ. قَوْلُهُ: (هَذَا إنْ تَوَقَّعَ) أَيْ مَحَلُّ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَصَالِحِ) أَيْ فَيَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ زَائِدٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَيَكُونُ الْمَالُ حِينَئِذٍ حَلَالًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ) تَأَمَّلْ هَذَا الْإِيرَادَ وَجَوَابَهُ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبُ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ إلَخْ) وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ
стр. 1792
لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ لِشَرَفِ الْإِسْلَامِ. وَحَيْثُ جَوَّزْنَا أَكْلُ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ يَجُوزُ طَبْخُهَا وَلَا شَيُّهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهِ بَيْنَ أَكْلِهِ نِيئًا وَغَيْرِهِ. وَلَهُ قَتْلُ مُرْتَدٍّ وَأَكْلُهُ وَقَتْلُ حَرْبِيٍّ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً وَأَكْلُهُ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْصُومَيْنِ. وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُ الصَّبِيِّ الْحَرْبِيِّ وَالْمَرْأَةِ الْحَرْبِيَّةِ، فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ لَا لِحُرْمَتِهِمَا بَلْ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ وَلَهُ قَتْلُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْمُحَارِبِ. وَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ مُسْتَحَقٌّ.
وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ تَأَدُّبًا مَعَهُ، وَحَالُ الضَّرُورَةِ لَيْسَ فِيهَا رِعَايَةُ أَدَبٍ وَحُكْمُ مَجَانِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَرِقَّائِهِمْ وَخَنَاثَاهُمْ كَصِبْيَانِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ صَبِيًّا مَعَ بَالِغٍ حَرْبِيَّيْنِ أَكَلَ الْبَالِغَ وَكَفَّ عَنْ الصَّبِيِّ لِمَا فِي أَكْلِهِ مِنْ ضَيَاعِ الْمَالِ. وَلِأَنَّ الْكُفْرَ الْحَقِيقِيَّ أَبْلَغُ مِنْ الْكُفْرِ الْحُكْمِيِّ انْتَهَى. وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا شُبِّهَ بِالصَّبِيِّ وَمَحَلُّ الْإِبَاحَةِ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إذَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَيْ وَنَحْوِهِمَا وَإِلَّا صَارُوا أَرِقَّاءَ مَعْصُومِينَ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِحَقِّ الْغَانِمِينَ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ ذِمِّيٍّ وَمُعَاهِدٍ لِحُرْمَةِ قَتْلِهِمَا وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ طَعَامَ غَائِبٍ أَكَلَ مِنْهُ وَغَرِمَ بَدَلَهُ أَوْ حَاضِرٍ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «ابْدَأْ بِنَفْسِك» وَإِبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ. نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرُ الْمَالِكِ نَبِيًّا وَجَبَ بَذْلُهُ لَهُ فَإِنْ آثَرَ الْمُضْطَرُّ مُضْطَرًّا مُسْلِمًا مَعْصُومًا جَازَ بَلْ سُنَّ إنْ كَانَ أَوْلَى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ وَالْبَهِيمَةُ وَبِالْمَعْصُومِ مُرَاقُ الدَّمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ أَوْ وَجَدَ طَعَامَ حَاضِرٍ غَيْرِ مُضْطَرٍّ لَزِمَهُ بَذْلُهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
حَقِيقَةً وَلَا تَرْجِعُ أَرْوَاحُهُمْ إلَّا بَعْدَ دَفْنِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَيْسَ مَوْتُهُمْ كَمَوْتِ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ لِرُوحِهِمْ اتِّصَالًا بِأَبْدَانِهِمْ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ طَبْخُهَا) قَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِالْمُحْتَرَمِ وَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِإِطْلَاقِهِمْ وَمَحَلُّ امْتِنَاعِ طَبْخِهِ وَشَيِّهِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَكْلُهُ نِيئًا وَإِلَّا جَازَ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَالْمُحَارِبُ) أَيْ قَاطِعُ الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (حَرْبِيَّيْنِ) نَعْتٌ مَقْطُوعٌ أَيْ أَعْنِي لِاخْتِلَافِ عَامِلِ الْمَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ) حَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَإِذَا كَانَ حَاضِرًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ لِغَائِبٍ، أَكَلَ مِنْهُ وُجُوبًا، وَغَرِمَ الْبَدَلَ الْقِيمَةَ فِي الْمُتَقَوِّمِ وَالْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْبَدَلِ أَمْ لَا اكْتِفَاءً بِالذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَالِكِ نَبِيًّا فَيَجِبُ بَذْلُهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ لِوُجُوبِ فِدَائِهِ بِالنَّفْسِ وَلِلْمَالِكِ فِي الْأَوْلَى إيثَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بَلْ يُسَنُّ فَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمَعْصُومِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ إذَا لَمْ يَحْضُرْ، فَلَوْ سَكَتَ عَنْ الثَّمَنِ لَمْ يَجِبْ، حَمْلًا عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ إعْطَائِهِ فَلَهُ قَهْرُهُ، وَأَخْذُهُ مِنْهُ وَإِنْ قَتَلَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُضْطَرُّ كَافِرًا مَعْصُومًا وَالْمَالِكُ مُسْلِمًا فَيَضْمَنُهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ غَيْرُ الْمَالِكِ نَبِيًّا وَجَبَ بَذْلُهُ) وَيُتَصَوَّرُ هَذَا فِي حَقِّ الْخَضِرِ ﵇ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَيٌّ وَفِي عِيسَى ﵇ إذَا نَزَلَ اهـ. إيعَابُ شَوْبَرِيٍّ وَالْأَوْجَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ النَّظَرِ لِأَفْضَلِيَّةِ الْمَيِّتِ مَعَ اتِّحَادِهِمَا إسْلَامًا وَعِصْمَةً قِيلَ وَقِيَاسُهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ اتِّحَادِهِمَا نُبُوَّةً وَيُتَصَوَّرُ فِي عِيسَى وَالْخَضِرِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا. وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ إذْ هُمَا حَيَّانِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ اهـ. قَالَ ع ش عَلَيْهِ قَدْ يُقَالُ: هَذَا خِلَافُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى أَفْضَلِيَّةِ أَحَدِهِمَا بَلْ الْحَيُّ يَأْكُلُ مِنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ النَّبِيَّ حَيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَمُتْ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَيِّ الْأَكْلُ مِنْهُ. وَقِيَاسُ هَذَا أَنَّ غَيْرَ الشَّهِيدِ، وَبَعْضَ الشُّهَدَاءِ مَعَ بَعْضٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الشَّهِيدِ لِمَا صَحَّ مِنْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ سم عَنْ م ر. أَنَّهُ مَشَى عَلَى أَنَّ لِلْمُضْطَرِّ الْمُسْلِمِ أَكْلَ مَيْتَةِ الشَّهِيدِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ الشَّهِيدِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا لِأَنَّ حَيَاتَهُ لَيْسَتْ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْإِيثَارُ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ أَيْ خِصَالِهِمْ الْحَمِيدَةِ.
قَوْلُهُ: (بِثَمَنِ مِثْلٍ)
стр. 1793
لِمَعْصُومٍ بِثَمَنِ مِثْلٍ مَقْبُوضٍ إنْ حَضَرَ وَإِلَّا فَفِي ذِمَّتِهِ وَلَا ثَمَنَ لَهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَإِنْ امْتَنَعَ غَيْرُ الْمُضْطَرِّ مِنْ بَذْلِهِ بِالثَّمَنِ فَلِلْمُضْطَرِّ قَهْرُهُ وَأَخْذُ الطَّعَامِ وَإِنْ قَتَلَهُ، وَلَا يَضْمَنُهُ بِقَتْلِهِ إلَّا إنْ كَانَ مُسْلِمًا وَالْمُضْطَرُّ كَافِرٌ مَعْصُومٌ فَيَضْمَنُهُ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ أَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً، وَطَعَامَ غَيْرِهِ لَمْ يَبْذُلْهُ لَهُ أَوْ مَيْتَةً وَصَيْدًا حَرُمَ بِإِحْرَامٍ أَوْ حَرُمَ تَعَيَّنَتْ الْمَيْتَةُ.
وَيَحِلُّ قَطْعُ جُزْءِ نَفْسِهِ لِأَكْلِهِ إنْ فَقَدَ نَحْوَ مَيْتَةٍ وَإِنْ كَانَ خَوْفَ قَطْعِهِ أَقَلَّ، وَيَحْرُمُ قَطْعُ بَعْضِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ لِأَنَّ قَطْعَهُ لِغَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ قَطْعُ الْبَعْضِ لِاسْتِبْقَاءِ الْكُلِّ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ نَبِيًّا لَمْ يَحْرُمْ بَلْ يَجِبُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَيْضًا أَنْ يَقْطَعَ لِنَفْسِهِ قِطْعَةً مِنْ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ لِمَا مَرَّ.
(وَلَنَا مَيْتَتَانِ حَلَالَانِ) وَهُمَا (السَّمَكُ وَالْجَرَادُ) وَلَوْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ لِخَبَرِ: «أُحِلَّتْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَحَلُّهُ إنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ غَنِيًّا فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِلَا بَدَلٍ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ إطْعَامُهُ وَيَجِبُ إطْعَامُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ قَصَدَهُ مِنْهُمْ لِئَلَّا يَتَوَاكَلُوا. قَوْلُهُ: (وَلَا ثَمَنَ لَهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ النُّطْقِ فَرَاجِعْهُ. ق ل فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي إلْزَامِ عِوَضِ الطَّعَامِ فَقَالَ: أَطْعَمْتُك بِعِوَضٍ فَقَالَ: بَلْ مَجَّانًا صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ. لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ بَذْلِهِ رَوْضٌ وَشَرْحُهُ. وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذِكْرِ الْعِوَضِ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ تَحَالَفَا ثُمَّ يَفْسَخَانِهِ هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ الْحَاكِمُ وَيُرْجَعُ إلَى الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ فَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْقِيمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ صُدِّقَ الْغَارِمُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَتَلَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَيْرِهِ) هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ وَجَدَ طَعَامًا أَيْ فَقَطْ فَذَاكَ، فِيمَا إذَا وَجَدَ شَيْئًا وَاحِدًا وَهَذَا فِيمَا إذَا وَجَدَ شَيْئَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مَيْتَةً) أَيْ مَيْتَةَ غَيْرِ آدَمِيٍّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْذُلْهُ) أَمَّا إذَا بَذَلَهُ مَجَّانًا أَوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا وَمَعَ الْمُضْطَرِّ ثَمَنُهُ أَوْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ.
قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَتْ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِالنَّصِّ، وَإِبَاحَةَ أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ ثَابِتٌ بِالِاجْتِهَادِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَبْحِ الصَّيْدِ مَعَ أَنَّ مَذْبُوحَهُ مَيْتَةٌ أَيْضًا وَأَمَّا فِي الثَّلَاثَةِ فَلِأَنَّ صِيدَ الْحَرَمِ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِهِ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ إلَّا صَيْدًا أَوْ غَيْرُ الْمُحْرِمِ إلَّا صَيْدَ حَرَمٍ، فَلَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ فَيَتَعَيَّنُ الصَّيْدُ عَلَى، الْمُعْتَمَدِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، شَرْحُ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ قَطْعُ جُزْءِ نَفْسِهِ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا إنْ وَجَدَ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا قَطَعَ مِنْ نَفْسِهِ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: كَوْنُ الْقَطْعِ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَوْنُ الْقَطْعِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ. وَعَدَمُ وُجُودِ مَيْتَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَكَانَ الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ أَقَلَّ أَوْ انْتَفَى الْخَوْفُ بِالْمَرَّةِ فِي الْقَطْعِ أَمَّا إذَا كَانَ الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ فَقَطْ أَوْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرَ أَوْ اسْتَوَى الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ وَعَدَمِهِ حَرُمَ الْقَطْعُ. وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ السِّلْعَةِ إذَا اسْتَوَى الضَّرَرُ فِي الْقَطْعِ وَعَدَمِهِ حَيْثُ قَالُوا: يَقْطَعُ بِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ قَطْعُ عُضْوٍ زَائِدٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى بَقَائِهِ شَيْنٌ فَوَسَّعُوا فِيهِ دُونَ مَا هُنَا فَإِنَّهُ لِقَطْعِ عُضْوٍ أَصْلِيٍّ فَضَيَّقُوا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ) أَيْ آدَمِيٍّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) وَهُوَ قَوْلُهُ: لِأَنَّ قَطْعَهُ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَنَا مَيْتَتَانِ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ لَنَا عَنْ حَلَالَانِ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ يُفِيدُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَيْنَا وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (السَّمَكُ وَالْجَرَادُ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ وَلَا اعْتِبَارَ بِفِعْلِهِ. وَالسَّمَكُ هُوَ كُلُّ حَيَوَانٍ يَكُونُ عَيْشُهُ فِي الْبَحْرِ عَيْشَ مَذْبُوحٍ وَلَوْ عَلَى صُورَةِ الْخِنْزِيرِ مَثَلًا وَمِنْهُ الْقِرْشُ وَمِنْ السَّمَكِ مَا لَا يُدْرَكُ الطَّرَفُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ لِكِبَرِهِ وَتَحِلُّ سَمَكَةٌ فِي قَلْبِ سَمَكَةٍ مَا لَمْ تَتَفَتَّتْ وَتَتَغَيَّرْ وَيَحِلُّ مَا طَفَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَانْتَفَخَ مَا لَمْ يَضُرَّ، وَيَجُوزُ بَلْعُهُ وَقَلْيُهُ حَيًّا وَشَيُّهُ وَلَا يَنْجُسُ الدُّهْنُ بِمَا فِي جَوْفِهِ مِنْ الرَّوْثِ إنْ كَانَ صَغِيرًا وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّغِيرِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُرْفًا أَنَّهُ صَغِيرٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ كِبَارُ الْبَسَارِيَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمِصْرَ وَإِنْ كَانَ قَدْرَ أُصْبُعَيْنِ مَثَلًا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. لَا إنْ كَانَ كَبِيرًا وَكَذَا يُقَالُ فِي الْجَرَادِ وَمِنْ السَّمَكِ التُّرْسُ وَلَا نَظَرَ لِتَقَوِّيهِ بِنَابِهِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَا بَقَاءَ لَهُ فِي غَيْرِ الْبَحْرِ، بِخِلَافِ التِّمْسَاحِ لِقُوَّتِهِ وَحَيَاتِهِ فِي الْبَرِّ اهـ. وَفِي الْبَحْرِ مِنْ الْعَجَائِبِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ حَصْرُهُ وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الشَّيْخُ الْيَهُودِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْقَزْوِينِيُّ فِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ: إنَّهُ حَيَوَانٌ وَجْهُهُ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ وَلَهُ لِحْيَةٌ بَيْضَاءُ وَبَدَنُهُ كَبَدَنِ الضِّفْدَعِ، وَشَعْرُهُ كَشَعْرِ الْبَقَرِ، وَهُوَ فِي حَجْمِ الْعِجْلِ يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَيَسْتَمِرُّ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْأَحَدِ فَيَثِبُ كَمَا يَثِبُ الضِّفْدَعُ وَيَدْخُلُ الْمَاءَ
стр. 1794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَحُكْمُهُ الْحِلُّ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ السَّمَكِ وَالْقِرْشُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي آخِرِهِ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ، تَمْنَعُ السُّفُنَ مِنْ السَّيْرِ فِي الْبَحْرِ وَتَدْفَعُ السَّفِينَةَ فَتَقْلِبُهَا وَتَضْرِبُهَا فَتَكْسِرُهَا، وَمِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلسُّفُنِ الْكِبَارِ فَلَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ أَهْلُهَا الْمَشَاعِلَ فَتَمُرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِثْلَ الْبَرْقِ وَلَا يَهَابُ شَيْئًا إلَّا النَّارَ وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا، وَالْقِرْشُ يُوجَدُ بِبَحْرِ الْقُلْزُمِ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَهُوَ عِنْدَ عَقَبَةِ الْحَاجِّ، وَبَنَاتُ الرُّومِ سَمَكٌ بِبَحْرِ الرُّومِ شَبِيهٌ بِالنِّسَاءِ ذَوَاتُ شُعُورٍ سَبْطَةٍ أَلْوَانُهُنَّ إلَى السُّمْرَةِ ذَوَاتُ فُرُوجٍ عِظَامٍ وَثَدْيٍ وَكَلَامٍ لَا يُفْهَمُ يَضْحَكُونَ وَيُقَهْقِهُونَ وَرُبَّمَا يَقَعْنَ فِي أَيْدِي بَعْضِ أَهْلِ الْمَرَاكِبِ فَيَنْكِحُوهُنَّ ثُمَّ يُعِيدُوهُنَّ إلَى الْبَحْرِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْبَحْرِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَتَاهُ صَيَّادٌ بِسَمَكَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَرْأَةِ حَلَّفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا. اهـ. دَمِيرِيٌّ. فَرْعٌ:
لَوْ صَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ هَلْ يَمْلِكُ الدُّرَّةَ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً فَالدُّرَّةُ لُقَطَةٌ، وَلَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِطَرِيقِهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي اللُّقَطَةِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ مَلَكَهَا مَعَ السَّمَكَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. شَرْحُ الْحِصْنِيِّ وَعِبَارَةُ ز ي فَرْعٌ: الدُّرَّةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي السَّمَكَةِ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ مِلْكٌ لِلصَّيَّادِ إنْ لَمْ يَبِعْ السَّمَكَةَ أَوْ لِلْمُشْتَرِي إنْ بَاعَهَا تَبَعًا لَهَا فِيهِمَا قَالَ فِي الْأَصْلِ: كَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَيْ فِي الثَّانِيَةِ لِلصَّيَّادِ أَيْضًا كَالْكَنْزِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ لِمُحْيِيهَا فَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً فَلِلْبَائِعِ فِي صُورَتِهِ إنْ ادَّعَاهَا وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَدَّعِهَا الْبَائِعُ فَلُقَطَةٌ وَقَيَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ مَا ذُكِرَ بِمَا إذَا صَادَ مِنْ بَحْرِ الْجَوَاهِرِ وَإِلَّا فَلَا يَمْلِكُهَا بَلْ تَكُونُ لُقَطَةً. اهـ قَالَ م ر وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي التَّهْذِيبِ وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الْكَنْزِ بِأَنَّ الدُّرَّةَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ لِلسَّمَكَةِ فَتَتْبَعُهَا وَاعْتَمَدَ مَا قَيَّدَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِبَحْرِ الْجَوَاهِرِ مَا يُخْلَقُ فِيهِ وَلَوْ نَادِرًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَرَادُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَرْدِ وَهُوَ بَرِّيٌّ وَبَحْرِيٌّ وَبَعْضُهُ أَصْفَرُ وَبَعْضُهُ أَبْيَضُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ وَبَعْضُهُ كَبِيرُ الْجُثَّةِ وَبَعْضُهُ صَغِيرُهَا) فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيضَ الْتَمَسَ الْمَوَاضِعَ الصُّلْبَةَ وَضَرَبَهَا بِذَنَبِهِ فَتَنْفَرِجُ. ثُمَّ يُلْقِي فِيهَا بَيْضَهُ وَيَكُونُ حَاضِنًا لَهُ وَمُرَبِّيًا وَلَهُ سِتَّةُ أَرْجُلٍ يَدَانِ فِي صَدْرِهِ وَقَائِمَتَانِ فِي وَسَطِهِ وَرِجْلَانِ فِي مُؤَخِّرِهِ وَطَرَفُ رِجْلَيْهِ صَفْرَاوَانِ، وَفِيهِ خِلْقَةُ عَشْرَةٍ مِنْ جَبَابِرَةِ الْبَوَادِي وَجْهُ فَرَسٍ، وَعَيْنُ فِيلٍ، وَعُنُقُ ثَوْرٍ، وَقَرْنُ أَيْلٍ وَصَدْرُ أَسَدٍ وَبَطْنُ عَقْرَبٍ، وَجَنَاحَا نَسْرٍ، وَفَخِذَا جَمَلٍ، وَرِجْلَا نَعَامَةٍ، وَذَنَبُ حَيَّةٍ، وَلَيْسَ فِي الْحَيَوَانَاتِ أَكْثَرُ إفْسَادًا مِنْهُ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَتَيْت الْبَادِيَةَ فَرَأَيْت رَجُلًا يَزْرَعُ بُرًّا فَلَمَّا قَامَ أَيْ الْبُرُّ عَلَى سُوقِهِ وَجَادَ سُنْبُلُهُ جَاءَ إلَيْهِ جَرَادٌ فَجَعَلَ الرَّجُلَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ الْعَمَلُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
مَرَّ الْجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْت لَهُ ... لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تُشْغَلْ بِإِفْسَادِ
فَقَامَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ ... إنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ
وَلُعَابُهُ سُمٌّ عَلَى الْأَشْجَارِ وَلَا يَقَعُ عَلَى شَيْءٍ إلَّا أَفْسَدَهُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَأَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: «كُنَّا عَلَى مَائِدَةٍ نَأْكُلُ أَنَا وَأَخِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَنُو عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ وَالْقَاسِمُ وَالْفَضْلُ أَوْلَادُ الْعَبَّاسِ فَوَقَعَتْ جَرَادَةٌ عَلَى الْمَائِدَةِ فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ لِي مَا مَكْتُوبٌ عَلَى هَذِهِ؟ فَقُلْت: سَأَلْت أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَأَلْت عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا رَبُّ الْجَرَادِ وَرَازِقُهَا إنْ شِئْت بَعَثْتهَا رِزْقًا لِقَوْمٍ وَإِنْ شِئْت بَعَثْتهَا بَلَاءً عَلَى قَوْمٍ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ، وَقَالَ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ سِتَّمِائَةٍ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعَمِائَةٍ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَإِنَّ أَوَّلَ هَلَاكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجَرَادُ فَإِذَا هَلَكَ الْجَرَادُ تَتَابَعَ هَلَاكُ الْأُمَمِ» . وَإِنَّمَا صَارَ الْجَرَادُ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَلَاكًا لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الطِّينَةِ الَّتِي فَضَلَتْ مِنْ خَلْقِ آدَمَ ﵇. وَحَكَى الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ هُدْهُدًا قَالَ لِسُلَيْمَانَ ﵇ أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ ضَيْفِي أَنْتَ وَعَسْكَرُك يَوْمَ كَذَا بِجَزِيرَةِ كَذَا فَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بِجُنُودِهِ فَأَتَى الْهُدْهُدُ بِجَرَادَةٍ مَيِّتَةٍ فَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْرِ وَقَالَ: كُلُوا فَمَنْ فَاتَهُ اللَّحْمُ أَدْرَكَ الْمَرَقَ فَضَحِكَ مِنْهُ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَفِي هَذَا قِيلَ:
стр. 1795
لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» فَيَحِلُّ أَكْلُهُمَا وَبَلْعُهُمَا. وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ السَّمَكَ الْمَشْهُورَ، كَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَفَرَسٍ، وَكُرِهَ قَطْعُهُمَا حَيَّيْنِ. وَيُكْرَهُ ذَبْحُهُمَا إلَّا سَمَكَةً كَبِيرَةً يَطُولُ بَقَاؤُهَا فَيُسَنُّ ذَبْحُهَا وَيَحْرُمُ مَا يَعِيشُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ كَضِفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ، وَيُسَمَّى عَقْرَبَ الْمَاءِ، وَحَيَّةٍ وَنَسْنَاسٍ وَتِمْسَاحٍ وَسُلَحْفَاةٍ، بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ لِخُبْثِ لَحْمِهَا وَلِلنَّهْيِ عَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
جَاءَتْ سُلَيْمَانَ يَوْمَ الْعَرْضِ هُدْهُدَةٌ ... أَهْدَتْ إلَيْهِ جَرَادًا كَانَ فِي فِيهَا
وَأَنْشَدَتْ بِلِسَانِ الْحَالِ قَائِلَةً ... إنَّ الْهَدَايَا عَلَى مِقْدَارِ مُهْدِيهَا
لَوْ كَانَ يُهْدَى إلَى الْإِنْسَانِ قِيمَتُهُ ... لَكَانَ يُهْدَى لَك الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا
قَوْلُهُ: (فَيُسَنُّ ذَبْحُهَا) أَيْ مِنْ الذَّيْلِ لِأَنَّهُ أَصْفَى لِلدَّمِ.
قَوْلُهُ: (كَضِفْدِعٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ وَعَكْسِهِ وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ: أَنَّهُ لَا عَظْمَ لَهُ وَأَنَّهُ إذَا كُفِئَ طَشْتٌ فِي بِرْكَةٍ هُوَ فِيهَا مَنَعَ مِنْ نَقِيقِهِ فِيهَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ. وَفِي كِتَابِ الزَّاهِرِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ دَاوُد ﵇ قَالَ لَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ اللَّيْلَةَ تَسْبِيحًا مَا يُسَبِّحُهُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ فَنَادَتْهُ ضِفْدِعَةٌ مِنْ سَاقِيَةٍ فِي دَارِهِ يَا دَاوُد تَفْتَخِرُ عَلَى اللَّهِ بِتَسْبِيحِك وَإِنَّ لِي لَسَبْعِينَ سَنَةً مَا جَفَّ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنَّ لِي لَعَشْرَ لَيَالٍ مَا طَعِمْت خَضِرًا وَلَا شَرِبْت مَاءً اشْتِغَالًا بِكَلِمَتَيْنِ فَقَالَ: مَا هُمَا؟ قَالَتْ يَا مُسَبَّحًا بِكُلِّ لِسَانٍ وَمَذْكُورًا بِكُلِّ مَكَان. فَقَالَ دَاوُد فِي نَفْسِهِ وَمَا عَسَى أَنْ أَقُولَ أَبْلَغَ مِنْ هَذَا. قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّمَا حُرِّمَ الضِّفْدَعُ لِأَنَّهُ كَانَ جَارَ اللَّهِ فِي الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْعَرْشُ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] . اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: وَسَرَطَانٍ وَهُوَ مِنْ خَلْقِ الْمَاءِ وَيَعِيشُ فِي الْبَرِّ أَيْضًا وَهُوَ جَيِّدُ الْمَشْيِ سَرِيعُ الْعَدْوِ ذُو فَكَّيْنِ وَمِخْلَبٍ وَأَظْفَارٍ حِدَادٍ وَلَهُ ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى جَنْبٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَنْشِقُ الْمَاءَ وَالْهَوَاءَ مَعًا، وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ لِاسْتِخْبَاثِهِ كَالصَّدَفِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ. وَفِي قَوْلٍ: إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ اهـ. دَمِيرِيٌّ قَالَ: ع ش عَلَى م ر وَلَيْسَ مِنْ السَّرَطَانِ الْمَذْكُورِ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ بِبِلَادِ الصِّينِ نَوْعًا مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ يُسَمُّونَهُ سَرَطَانًا وَشَأْنُهُ أَنَّهُ مَتَى خَرَجَ مِنْ الْبَحْرِ انْقَلَبَ حَجَرًا وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَدْوِيَةِ بَلْ هُوَ مِمَّا يُسَمَّى سَمَكًا لِانْطِبَاقِ تَعْرِيفِ السَّمَكِ السَّابِقِ عَلَيْهِ فَهُوَ طَاهِرٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَحَيَّةٍ) لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ لَا يَعِيشَانِ إلَّا فِي الْبَحْرِ حُرِّمَا أَيْضًا لِلسُّمِّيَّةِ سَمِّ.
قَوْلُهُ: (وَنِسْنَاسٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِهَا. قَالَ الْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِ الذَّهَبِ: إنَّهُ حَيَوَانٌ كَالْإِنْسَانِ لَهُ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَاءِ وَيَتَكَلَّمُ وَمَتَى ظَفِرَ بِالْإِنْسَانِ قَتَلَهُ، وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ إنَّهُ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ بَدَنٍ وَنِصْفُ رَأْسٍ وَيَدٌ وَرِجْلٌ. كَأَنَّهُ إنْسَانٌ شُقَّ نِصْفَيْنِ وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ حَيًّا مِنْ عَادٍ عَصَوْا نَبِيَّهُمْ فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى نَسْنَاسًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدٌ وَرِجْلٌ يَنْقُرُونَ كَمَا تَنْقُرُ الطَّيْرُ وَيَرْعَوْنَ كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِمُ» دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: وَتِمْسَاحٍ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ وَالرَّجُلِ الْكَذَّابِ، قَالَ الْقَزْوِينِيُّ: التِّمْسَاحُ حَيَوَانٌ عَلَى صُورَةِ الضَّبِّ وَهُوَ مِنْ أَعْجَبِ حَيَوَانِ الْمَاءِ لَهُ فَمٌ وَاسِعٌ، وَسِتُّونَ نَابًا فِي فَكِّهِ الْأَعْلَى وَأَرْبَعُونَ فِي فَكِّهِ الْأَسْفَلِ وَبَيْنَ كُلِّ نَابَيْنِ سِنٌّ صَغِيرَةٌ مُرَبَّعٌ وَيَدْخُلُ بَعْضُهُمَا فِي بَعْضٍ عِنْدَ الِانْطِبَاقِ، وَلِسَانٌ طَوِيلٌ وَظَهْرُهُ كَظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ، لَا يَعْمَلُ الْحَدِيدُ فِيهِ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَرْجُلٍ وَذَنَبٌ طَوِيلٌ وَهَذَا الْحَيَوَانُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِيلِ مِصْرَ خَاصَّةً وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ فِي بَحْرِ السِّنْدِ أَيْضًا وَهُوَ شَدِيدُ الْبَطْشِ فِي الْمَاءِ وَلَا يُقْتَلُ إلَّا مِنْ إبْطَيْهِ وَيَعْظُمُ إلَى أَنْ يَكُونَ طُولُهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَمِنْ عَجَائِبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ فَإِذَا امْتَلَأَ جَوْفُهُ خَرَجَ إلَى الْبَرِّ وَفَتَحَ فَاهُ فَيَجِيءُ طَائِرٌ يُقَالُ لَهُ الْقَطْقَاطُ فَيَلْقُطُ ذَلِكَ مِنْ فِيهِ. وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ يَجِيءُ يَطْلُبُ الطُّعْمَ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ غِذَاءٌ لَهُ، وَرَاحَةٌ لِلتِّمْسَاحِ. وَهَذَا الطَّائِرُ فِي رُءُوسِ أَجْنِحَتِهِ شَوْكٌ فَإِذَا أَغْلَقَ التِّمْسَاحُ فَمَه عَلَيْهِ نَخَسَهُ بِهَا فَيَفْتَحُهُ. اهـ. دَمِيرِيٌّ. قَوْلُهُ:
стр. 1796
قَتْلِ الضِّفْدَعِ. فَائِدَةٌ:
رَوَى الْقَزْوِينِيُّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَّفَ فِي الْأَرْضِ أَلْفَ أُمَّةٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ» وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ تَعَالَى ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ (وَدَمَانِ حَلَالَانِ) وَهُمَا (الْكَبِدُ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ (وَالطِّحَالِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ لِحَدِيثِ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» رَفَعَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ. وَلِذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: الصَّحِيحُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ هُوَ الْقَائِلُ: أُحِلَّتْ لَنَا، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَرْفُوعًا. تَتِمَّةٌ:
أَفْضَلُ مَا أَكَلْت مِنْهُ كَسْبُك مِنْ زِرَاعَةٍ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ ثُمَّ مِنْ صِنَاعَةٍ لِأَنَّ الْكَسْبَ فِيهَا يَحْصُلُ بِكَدِّ الْيَمِينِ ثُمَّ مِنْ تِجَارَةٍ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْتَسِبُونَ بِهَا. وَيَحْرُمُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ أَوْ الْعَقْلَ كَالْحَجَرِ وَالتُّرَابِ وَالزُّجَاجِ، وَالسُّمِّ كَالْأَفْيُونِ وَهُوَ لَبَنُ الْخَشْخَاشِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ وَرُبَّمَا يَقْتُلُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
ــ
[حاشية البجيرمي]
(وَسُلَحْفَاةٍ) أَيْ بَرِّيَّةٍ أَمَّا الْبَحْرِيَّةُ فَيَجُوزُ أَكْلُهَا. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر. فَالْحَيَّةُ وَالنِّسْنَاسُ وَالسُّلَحْفَاةُ الْبَحْرِيَّةُ حَلَالٌ، وَالسُّلَحْفَاةُ هِيَ التِّرْسَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَتَحِلُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي الْبَرِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَلْفُ أُمَّةٍ) أَيْ أَلْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ وَكَذَا قَوْلُهُ: أَلْفُ عَالَمٍ أَيْ أَلْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَالَمِ.
قَوْلُهُ: (الْكَبِدُ) الْكَبِدُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَالْجَمْعُ أَكْبَادُ وَكُبُودٌ. قَوْلُهُ: (حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ: (يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَرْفُوعًا) أَيْ بِقَوْلِهِ: أُحِلَّتْ لَنَا أَيْ أَحَلَّ لَنَا الشَّارِعُ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ نَحْوُ أُمِرْنَا وَنُهِينَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ) وَأَسْلَمُ مِنْ الْغِشِّ وَلِعُمُومِ النَّفْعِ بِهَا لِلْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْكَسْبَ يَحْصُلُ فِيهَا بِكَدِّ الْيَمِينِ) وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ بَاتَ كَالًّا مِنْ عَمَلِهِ بَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْتَسِبُونَ بِهَا) وَعَنْ الْمِقْدَامِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» اهـ فَكَانَ يَعْمَلُ الزَّرَدَ وَيَبِيعُهُ لِقُوتِهِ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاجَةٍ، لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ. قَالَ الضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: مَلَكَ دَاوُد بَعْدَ قَتْلِهِ جَالُوتَ سَبْعِينَ سَنَةً وَجَمَعَ اللَّهُ لِدَاوُدَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ بَلْ كَانَ الْمُلْكُ فِي سَبْطٍ وَالنُّبُوَّةُ فِي سَبْطٍ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ دَاوُد أَشَدَّ مُلُوكِ الْأَرْضِ سُلْطَانًا يَحْرُسُ مِحْرَابَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفِ رَجُلٍ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا وَإِبْرَاهِيمُ بَزَّازًا وَإِدْرِيسُ خَيَّاطًا وَنَحْوُ هَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَأْكُلُ مِنْ سَعْيِهِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ بَصَائِرِ الْقُدَمَاءِ وَسَرَائِرِ الْحُكَمَاءِ صِنَاعَةَ كُلِّ مَنْ عُلِمْت صِنَاعَتُهُ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَزَّازًا وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ عُمَرُ دَلَّالًا يَسْعَى بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّادًا وَكَذَلِكَ أَبُو الْعَاصِ أَخُو أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ نَخَّاسًا يَبِيعُ الْجَوَارِيَ، وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ عَوَّادًا يَضْرِبُ بِالْعُودِ، وَكَانَ الْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ خَصَّاءً يَخْصِي الْغَنَمَ، وَكَانَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ بَيْطَارًا يُعَالِجُ الْخَيْلَ، وَكَانَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَزَّارًا، وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ صَاحِبُ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ اهـ مِنْ الدَّمِيرِيِّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ أَوْ الْعَقْلَ) وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُرْمَةُ الدُّخَانِ الْمَشْهُورِ لِمَا نُقِلَ عَنْ الثِّقَاتِ أَنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى وَالتَّرَهُّلَ وَالتَّنَافِيسَ وَاتِّسَاعَ
стр. 1797
قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ: وَيَحْرُمُ أَكْلُ الشِّوَاءِ الْمَكْمُورِ وَهُوَ مَا يُكْفَأُ عَلَيْهِ غِطَاءٌ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ لِإِضْرَارِهِ بِالْبَدَنِ.
وَيُسَنّ تَرْكُ التَّبَسُّطِ فِي الطَّعَامِ الْمُبَاحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ السَّلَفِ، هَذَا إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَقِرَى الضَّيْفِ وَأَوْقَاتِ التَّوَسُّعَةِ عَلَى الْعِيَالِ كَيَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَوْمَيْ الْعِيدِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ التَّفَاخُرُ وَالتَّكَاثُرُ بَلْ لِطِيبِ خَاطِرِ الضَّيْفِ وَالْعِيَالِ وَقَضَاءِ وَطَرِهِمْ مِمَّا يَشْتَهُونَهُ؛ وَفِي إعْطَاءِ النَّفْسِ شَهَوَاتِهَا الْمُبَاحَةَ، مَذَاهِبُ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ: مَنْعُهَا وَقَهْرُهَا لِئَلَّا تَطْغَى، وَالثَّانِي إعْطَاؤُهَا تَحَيُّلًا عَلَى نَشَاطِهَا وَبَعْثًا لِرُوحَانِيَّتِهَا. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ فِي إعْطَائِهَا الْكُلَّ سَلَاطَةً عَلَيْهِ وَفِي مَنْعِهَا بَلَادَةً. وَيُسَنُّ الْحُلْوُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَكَثْرَةُ الْأَيْدِي عَلَى الطَّعَامِ وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِبَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَجَارِي. اهـ. ق ل وَقَوْلُهُ: مَا يَضُرُّ الْبَدَنُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمُرَادُ الضَّرَرُ الْبَيِّنُ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً لَا مُطْلَقُ الضَّرَرِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالتُّرَابُ) أَيْ وَطِينٌ وَطَفَلٌ وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ الْحَبَالَى فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ أَكْلُ الطِّينِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّدَاوِي م ر. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (كَالْأَفْيُونِ) تَنْظِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَبَنُ الْخَشْخَاشِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْخَشْخَاشُ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ أَيْ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي النَّوْمِ وَالْمُرَادُ بِلَبَنِهِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ بِعَصْرِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْوَاحِدَةِ خَشْخَاشَةٌ وَقَدْ أَلْغَزَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَمَا قُبَّةٌ مَبْنِيَّةٌ فَوْقَ شَاهِقٍ ... لَهَا شَرَفٌ نَحْوَ الْمَلَاحَةِ وَالظُّرْفِ
وَأَوْلَادُهَا فِي بَطْنِهَا إنْ عَدَدْتهمْ ... يَكُونُونَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُونَ عَنْ أَلْفِ
وَيَأْخُذُهَا الطِّفْلُ الصَّغِيرُ بِجَهْلِهِ ... فَيَقْلِبُهَا عَسْفًا عَلَى رَاحَةِ الْكَفِّ
قَوْلُهُ: (الشِّوَاءِ) أَيْ الْمَشْوِيِّ الْمَكْمُورِ كَاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ وَالْفُولِ الْمَكْمُورِ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا غُطِّيَ مِنْ أَوَّلِ وَضْعِهِ عَلَى النَّارِ إلَى اسْتِوَائِهِ، وَمَنَعَ خُرُوجَ الْبُخَارِ مِنْهُ وَدُخُولَ الْهَوَاءِ لَهُ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ خِلَافًا لِلشَّارِحِ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ اسْتِوَائِهِ، وَيَحْرُمُ الْبَنْجُ وَالْحَشِيشُ وَلَا يُحَدُّ بِهِ، بِخِلَافِ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ لَا يُلِذُّ وَلَا يُطْرِبُ وَلَا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ بَلْ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَلَهُ تَنَاوُلُهُ لِيُزِيلَ عَقْلَهُ لِقَطْعِ عُضْوٍ مُتَأَكِّلٍ حَتَّى لَا يَحُسُّ بِالْأَلَمِ، وَلِبَعْضِهِمْ:
قُلْ لِمَنْ يَأْكُلُ الْحَشِيشَةَ جَهْلًا ... يَا خَسِيسًا قَدْ عِشْت شَرَّ مَعِيشَهْ
دِيَةُ الْعَقْلِ بَدْرَةٌ فَلِمَاذَا ... يَا سَفِيهًا قَدْ بِعْتهَا بِحَشِيشَهْ
وَالْبَدْرَةُ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ. اهـ. .
قَوْلُهُ: (التَّبَسُّطِ) أَيْ الْأَلْوَانُ الْمُخْتَلِفَةُ.
قَوْلُهُ: (كَقِرَى الضَّيْفِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَرَيْت الضَّيْفَ أَقْرِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى، قَرَى. وَفِي الْمُخْتَارِ قَرَى الضَّيْفَ يَقْرِيهِ بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَقَرَّاءٌ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ أَحْسَنُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي إعْطَاءٍ إلَخْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمَذَاهِبُ مُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ وَقَوْلُهُ: مَذَاهِبُ أَيْ أَقْوَالٌ. قَوْلُهُ: (مَنَعَهَا) أَيْ أَحَدُهَا مَنَعَهَا وَقَوْلُهُ: إعْطَاؤُهَا أَيْ الثَّانِي إعْطَاؤُهَا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْثًا) أَيْ بَاعِثًا وَحَامِلًا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ يُرِيدُ تَهْذِيبَ نَفْسِهِ، أَمَّا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بُخْلًا وَشُحًّا فَهُوَ مَذْمُومٌ وَلِبَعْضِهِمْ:
الْبُخْلُ شَيْنٌ وَلَا يَرْضَى بِهِ ... أَحَدٌ إلَّا الْأَسَافِلُ أَهْلُ الذَّمِّ وَالْعَارِ
الْمُنْفِقُونَ لَهُمْ إخْلَافَ مَا بَذَلُوا ... وَالْمُمْسِكُونَ لَهُمْ إتْلَافَ مَا نَارِ
قَوْلُهُ: (لِرُوحَانِيَّتِهَا) أَيْ رَاحَتِهَا. قَوْله: (وَالْأَشْبَهُ) هُوَ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (سَلَاطَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ الطُّغْيَانُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَنْعِهَا بَلَادَةٌ) أَيْ إذَا مَنَعَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْرَثَهُ الْبَلَادَةَ.
стр. 1798
الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا» .
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّحْوَةِ وَسُمِّيَتْ بِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا وَهُوَ الضُّحَى وَهِيَ بِضَمِّ هَمْزَتِهَا وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ يَائِهَا وَتَخْفِيفِهِمَا مَا يُذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فَإِنَّ أَشْهَرَ الْأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ، صَلَاةُ الْعِيدِ وَبِالنَّحْرِ الضَّحَايَا، وَخَبَرُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ إنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِمَعْنَى التَّضْحِيَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لَا الْأُضْحِيَّةِ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ اسْمٌ لِمَا يُضَحَّى بِهِ. (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّنَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْأَطْعِمَةِ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالنَّعَمِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ النَّعَمِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ وَأَوَّلُ طَلَبِهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَالْعِيدَيْنِ وَزَكَاةِ الْمَالِ وَالْفِطْرِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهَا، وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا. وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ وَتُسَنُّ مِنْ مَالِهِ عَنْ الْمَوْلُودِ لَا عَنْ الْجَنِينِ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ بِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا) أَيْ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ اسْمِ أَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا. وَهُوَ الضُّحَى أَوْ الْمَعْنَى سُمِّيَتْ بِاسْمٍ يُلَوِّحُ وَيُشِيرُ لِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ بِضَمِّ هَمْزَتِهَا) حَاصِلُهُ: أَنَّ فِيهَا ثَمَانَ لُغَاتٍ: ضَمُّ الْهَمْزَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَمَعَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الضَّادِ وَكَسْرُهَا، وَأَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (تَقَرُّبًا) خَرَجَ مَا يَذْبَحُهُ الْجَزَّارُ لِلْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ) يَصْدُقُ بِمَا ذُبِحَ قَبْلَ مُضِيِّ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا يَأْتِي وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الْعِيدِ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَيَّدُ فِيهِ حَتَّى لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا كَانَ آخَرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الرَّابِعَ عَشَرَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِلشَّارِحِ. قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ. قَوْلُهُ: (مِنْ عَمَلٍ) أَيْ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ مِنْ النَّوَافِلِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (أَحَبَّ) مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ نَعْتًا لِعَمَلٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ) الْمُرَادُ لَازِمُهُ وَهُوَ الذَّبْحُ.
قَوْلُهُ: (إنَّهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ وَقَوْلُهُ: لَتَأْتِي أَيْ لِيَرْكَبَهَا صَاحِبُهَا يَدُلُّ لِذَلِكَ وُرُودُهُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَانٍ) أَيْ لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقَبُولِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (نَفْسًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْأَصْلُ فَلْتَطِبْ نُفُوسُكُمْ بِهَا أَيْ افْعَلُوهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى التَّضْحِيَةِ) الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الْمَوْصُوفِ بِالسُّنَّةِ إذْ كَثِيرًا مَا تُطْلَقُ الْأُضْحِيَّةُ وَيُرَادُ بِهَا الْفِعْلُ الْمُتَقَرَّبُ بِهِ. قَوْلُهُ: (لَا الْأُضْحِيَّةُ) أَيْ لَا بِمَعْنَى الْأُضْحِيَّةِ أَيْ الْعَيْنِ الْمُضَحَّى بِهَا إذْ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا بِسُنَّةٍ.
قَوْلُهُ: (كَلَامُهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ سُنَّةٌ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ إلَخْ عِلَّةٌ لِلتَّضْحِيَةِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ لِمُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ وَلَوْ مُبَعَّضًا؛ وَتُسَنُّ لِلْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَيَحْصُلُ ثَوَابُهَا لِمَنْ فَعَلَهَا وَلَوْ فَقِيرًا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي أَوْ امْرَأَةً وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَةِ مُمَوِّنِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَمَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ م ر كَابْنِ حَجَرٍ. وَاعْتَبَرَ الْعَلَّامَةُ الزِّيَادِيُّ كِفَايَةَ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ. وَعَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كَعْكٍ وَسَمَكٍ وَفَطِيرٍ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ: سُنَّةٌ فِيهِ تَلْوِيحٌ لِمُخَالَفَةِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ أَوْجَبَهَا عَلَى مَالِكِ نِصَابٍ زَكَوِيٍّ. وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ وَلَا تَصِيرُ وَاجِبَةً إلَّا بِالنَّذْرِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فِي حَقِّنَا) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَوَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ مَنْدُوبَةٌ
стр. 1799
عَلَى الْكِفَايَةِ إنْ تَعَدَّدَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَإِذَا فَعَلَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَفَى عَنْ الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَسُنَّةُ عَيْنٍ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْتَطِيعُ. وَكَذَا الْمُبَعَّضُ، إذَا مَلَكَ مَالًا بِبَعْضِهِ الْحُرِّ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ مَنْ يَمُونُهُ لِأَنَّهَا نَوْعُ صَدَقَةٍ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَمَّا يَحْتَاجُهُ فِي لَيْلَتِهِ وَيَوْمِهِ وَكِسْوَةِ فَصْلِهِ، كَمَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُ وَقْتُهُمَا كَمَا أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ الْعِيدِ وَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَاشْتَرَطُوا فِيهَا أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَهِيَ مِنْهُ تَبَرُّعٌ فَيَجْرِي فِيهَا مَا يَجْرِي فِي سَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ. تَنْبِيهٌ:
شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَهْلَ الْبَوَادِي وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرَ وَالْحَاجَّ وَغَيْرَهُ: لِأَنَّهُ ﷺ «ضَحَّى فِي مِنًى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا انْتَهَى. أَيْ فَيُكْرَهُ لِلْقَادِرِ تَرْكُهَا وَيُسَنُّ لِمُرِيدِهَا أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ وَلَا ظُفْرَهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحِّيَ وَلَا تَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَيْضًا وَأَكْلُهُ ﷺ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا وَالْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ ﷺ وَاحِدَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَنْدُوبٌ وَلَمْ يَتْرُكْ الْأُضْحِيَّةَ قَطُّ وَهَلْ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَعْدِ إبْرَاهِيمَ تُضَحِّي هُمْ وَأُمَمُهُمْ، أَوْ هُمْ خَاصَّةً اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْكِفَايَةِ) وَمَعْنَى كَوْنِهَا سُنَّةَ كِفَايَةٍ مَعَ كَوْنِهَا تُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ سُقُوطُ الطَّلَبِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ لَا حُصُولُ الثَّوَابِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ نَعَمْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ لَوْ أَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ وَأَنَّهُ مَذْهَبُنَا م ر. قَوْلُهُ: (إنْ تَعَدَّدَ أَهْلُ الْبَيْتِ) وَهُمْ مَنْ اجْتَمَعُوا فِي الْعِيشَةِ وَالْعِشْرَةِ وَقِيلَ مَنْ تَلْزَمُ الْفَاعِلَ نَفَقَتُهُمْ. وَاعْتَمَدَهُ م ر وَز ي وَالثَّوَابُ خَاصٌّ بِالْفَاعِلِ وَسَقَطَ عَنْ غَيْرِهِ الطَّلَبُ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ الَّذِي تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ أَوْ غَيْرُهُ. ق ل. وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِالْمُنْفِقِ.
قَوْلُهُ: (كَفَى عَنْ الْجَمِيعِ) أَيْ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ وَإِلَّا فَالثَّوَابُ لِلْمُضَحِّي خَاصَّةً كَالْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَقَوْلُهُ ﵇ «اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا» خُصُوصِيَّةٌ لَهُ. قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (فَيَجْرِي فِيهَا إلَخْ) . فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ صَحَّتْ لَهُ وَوَقَعَتْ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ قَوْلُهُ: وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لِمُرِيدِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ، وَلَوْ مِنْ عَانَةٍ أَوْ إبْطٍ إلَخْ. فَتُكْرَهُ الْإِزَالَةُ إلَّا لِعُذْرٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: تَحْرُمُ الْإِزَالَةُ الْمَذْكُورَةُ ق ل. وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَسَأَلْت بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَشْبِيهًا بِالْمُحْرِمِينَ اهـ مَيْدَانِيٌّ. وَقَوْلُهُ لِمُرِيدِهَا أَيْ سَوَاءٌ طُلِبَتْ مِنْهُ أَوْ لَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَا بِرْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ إلَخْ) وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَكُرِهَ لِمُرِيدِهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ إزَالَةُ نَحْوِ شَعْرٍ كَظُفْرٍ وَجِلْدَةٍ لَا تَضُرُّ إزَالَتُهَا، وَلَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا وَقَوْلُهُ وَجِلْدَةٍ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَتْ إزَالَتُهُ وَاجِبَةً كَخِتَانِ الْبَالِغِ، وَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ أَوْ مُسْتَحَبَّةً كَخِتَانِ الصَّبِيِّ. اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ الْأَقَلَّ يُرَاعَى بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُضَحِّيَ) أَيْ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ تَعَدَّدَتْ فِي حَقِّهِ، وَيَنْتَهِي وَقْتُ عَدَمِ الْإِزَالَةِ لِمَنْ لَا يُضَحِّي بِزَوَالِ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ " وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَلَوْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ بِعَدَدٍ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ بِأَوَّلِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ) أَيْ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ كَأَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً وَيَقُولُ هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْهَا م ر. وَحِينَئِذٍ فَمَا يَقَعُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ كَثِيرًا مِنْ شِرَائِهِمْ مَا يُرِيدُونَ التَّضْحِيَةَ بِهِ مِنْ أَوَائِلِ السَّنَةِ، وَكُلُّ مَنْ سَأَلَهُمْ عَنْهَا يَقُولُونَ لَهُ تِلْكَ أُضْحِيَّةٌ مَعَ جَهْلِهِمْ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ تَصِيرُ بِهِ أُضْحِيَّةً وَاجِبَةً يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَكْلُهُ مِنْهَا. وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْت أَنْ أَتَطَوَّعَ بِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرْحُ م ر. وَالْمُخَلِّصُ لَهُ إذَا سُئِلَ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ نَذْبَحُهَا. وَنَأْكُلُهَا فِي الْعِيدِ وَلَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت هَذِهِ الشَّاةَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ مَلَكَهَا. لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ إنْ مَلَكْت شَاةً فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا فَيَلْزَمُهُ: إذَا مَلَكَ شَاةً لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، كَذَا صَرَّحُوا بِهِمَا فَانْظُرْ الرَّوْضَ وَغَيْرَهُ سم وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلَ هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَهُ إلَخْ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ شَيْئًا مِنْ النَّعَمِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ سَنَّ لَهُ مَا يُسَنُّ لِمُرِيدِ
стр. 1800
وَيُسَنُّ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ إنْ أَحْسَنَ. الذَّبْحَ لِلِاتِّبَاعِ. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَالسُّنَّةُ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. وَالْخُنْثَى مِثْلُهَا وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلْيَشْهَدْهَا لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: قَوْمِي إلَى أُضْحِيَّتِك فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا أَيْ مِنْ دَمِهَا: يُغْفَرُ لَك مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِك قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ هَذَا لَك وَلِأَهْلِ بَيْتِك فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً»
وَشَرْطُ التَّضْحِيَةِ نَعَمٌ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْحَيَوَانِ فَاخْتُصَّتْ بِالنَّعَمِ كَالزَّكَاةِ.
(وَيُجْزِئُ فِيهَا) مِنْ النَّعَمِ (الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ أَجَذَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ. أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ أَجْزَأَ لِعُمُومِ خَبَرِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
التَّضْحِيَةِ سم.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَخُطْبَتِهُ يُؤْتَى لَهُ بِكَبْشَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ فَيَذْبَحُ أَحَدُهُمَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: «هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعًا مَنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» . وَعَنْ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ كَبْشًا أَقْرَنَ بِالْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَذْبَحُ الْآخَرُ وَيَقُولُ: هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ فَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وَلَمْ يَتْرُكْ الْأُضْحِيَّةَ قَطُّ. اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ) وَمِثْلُهَا الْهَدْيُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْسِهِ) أَيْ وَلَوْ مُرَاهِقًا وَسَفِيهًا لِأَنَّهُ قُرْبَةً فَالْإِتْيَانُ بِهَا أَوْلَى.
«وَلِأَنَّهُ ﷺ ضَحَّى بِمِائَةِ بَدَنَةٍ نَحَرَ مِنْهَا بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ. وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ فَنَحَرَ تَمَامَ الْمِائَةِ» وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مُدَّةِ حَيَاتِهِ ﷺ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ أَحْسَنَ الذَّبْحِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فَخَرَجَ الْأَعْمَى فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ التَّوْكِيلُ اهـ.
ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَى مِثْلُهَا) مِثْلُهُمَا مَنْ ضَعُفَ مِنْ الرِّجَالِ عَنْ الذَّبْحِ وَالْأَعْمَى إذْ تُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ س ل.
قَوْلُهُ: (فَلْيَشْهَدْهَا) الْمُرَادُ بِشُهُودِهِ حُضُورِهِ، وَلَوْ أَعْمَى ق ل. وَالْأَوْلَى فِي الْوَكِيلِ كَوْنُهُ فَقِيهًا مُسْلِمًا وَيُكْرَهُ اسْتِنَابَةُ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَأَعْمَى لَا حَائِضٍ وَيُسَنُّ لِغَيْرِ الْإِمَامِ أَنْ يُضَحِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَشْهَدَ أَهْلُهُ، وَأَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي نَفْسِهِ عِظَمَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا سَخَّرَ لَهُ مِنْ الْأَنْعَامِ. وَأَنْ يَقُولَ: إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي إلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيُجَدِّدَ الشُّكْرَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِلْإِمَامِ إذَا ضَحَّى عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ فِي الْمُصَلَّى عَقِبَ الصَّلَاةِ وَيُخَلِّيهَا لِلنَّاسِ بِرْمَاوِيٌّ. وَهَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّضْحِيَةَ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: (قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) أَيْ لِلنَّبِيِّ وَقَوْلُهُ: هَذَا لَك أَيْ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِفَاطِمَةَ مِنْ أَنَّهُ يَغْفِرُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا مَا سَلَفَ مِنْ الذُّنُوبِ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَأَهْلٌ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّكُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَأَهْلٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْتُمْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْ فَالْمَخْصُوصُ بِالْغُفْرَانِ أَنْتُمْ يَا آلَ الْبَيْتِ مَنْ ضَحَّى مِنْ غَيْرِكُمْ لَا يُغْفَرُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ فِي الْجَوَابِ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ كُلُّ مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ فَلَهُ هَذَا الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَك وَلِأَهْلِ بَيْتِك.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ التَّضْحِيَةِ نَعَمٌ) أَيْ كَوْنُهَا نَعَمًا إلَخْ.
وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَكْفِي إرَاقَةُ الدَّمِ وَلَوْ مِنْ دَجَاجٍ أَوْ إوَزٍّ مَيْدَانِيٌّ أَيْ فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحَمِيرِهِ وَالظِّبَاءِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ مِنْ النَّعَمِ فَيُجْزِئُ هُنَا. وَفِي الْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَعْلَى الْأَبَوَيْنِ سِنًّا فِي الْأُضْحِيَّةِ وَنَحْوِهَا، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ بُلُوغُهُ سَنَتَيْنِ إلْحَاقًا لَهُ بِأَعْلَى السِّنِينَ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبَقَرٍ) أَيْ عِرَابٍ أَوْ جَوَامِيسَ بِرْمَاوِيٌّ. وَسَوَاءٌ فِي الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا الْإِنَاثُ أَوْ الْخَنَاثَى أَوْ الذُّكُورُ وَلَوْ خَصِيًّا وَالْخَصِيُّ مَا قُطِعَ خُصْيَتَاهُ أَيْ الْبَيْضَتَانِ وَيَجْبُرُ مَا قُطِعَ مِنْهُ زِيَادَةُ لَحْمِهِ طِيبًا وَكَثْرَةً كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْسَكًا) أَيْ عِبَارَةٌ بِرْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ إلَخْ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ الزَّكَاةَ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّعَمِ. كَذَلِكَ التَّضْحِيَةُ قَاصِرَةٌ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ) هَلْ وَلَوْ وَاحِدَةً وَقِيَاسُ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْرَةٍ فِي الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ الِاكْتِفَاءُ بِسُقُوطِ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ اهـ
стр. 1801
أَحْمَدَ: «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ» فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَيْ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي أَسْبَقُهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ (وَ) الثَّنِيُّ مِنْ (الْإِبِلِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ وَطَعَنَ فِي السَّادِسَةِ (وَ) الثَّنِيُّ مِنْ (الْبَقَرِ) الْإِنْسِيِّ وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِنْسِيِّ الْوَحْشِيُّ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ دَخَلَ فِي اسْمِ الْبَقَرِ. وَتُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَثُرَ نَزَوَانُ الذَّكَرِ وَوِلَادَةُ الْأُنْثَى نَعَمْ التَّضْحِيَةُ بِالذَّكَرِ أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَطْيَبُ. كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْهَدْيِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأُنْثَى أَحْسَنُ مِنْ الذَّكَرِ لِأَنَّهَا أَرَطْبُ لَحْمًا وَلَمْ يُحْكَ غَيْرُهُ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ نَزَوَانُهُ. وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَثُرَ. تَنْبِيهٌ:
لَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِإِجْزَاءِ الْخُنْثَى فِي الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَكِلَاهُمَا يُجْزِئُ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْقِصُ اللَّحْمَ
(وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةَ) عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا (عَنْ سَبْعَةٍ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
أج. قَوْلُهُ: (أَجْزَأَ) أَيْ إذَا كَانَ فِي سِنِّهِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر أَوْ إجْذَاعُهُ أَيْ سُقُوطُ سِنِّهِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَبُلُوغُهُ السَّنَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَامِ السَّنَةِ وَالْإِجْذَاعِ، قَوْلُهُ: (سَنَتَيْنِ) وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ إذْ الْمُتَوَلِّدُ يُجْزِئُ هُنَا وَفِي الْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ س ل.
قَوْلُهُ: (خَمْسَ سِنِينَ) أَيْ تَحْدِيدًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْبَقَرِ الْإِنْسِيِّ) وَمِنْهُ الْجَامُوسُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ فِي الْبَقَرِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَحْشِيٌّ وَأَمَّا الظِّبَاءُ فَيُقَالُ لَهَا شِيَاهُ الْبَرِّ لَا غَنَمَ الْوَحْشِ وَلَا مَعْزَ الْوَحْشِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُرَ نَزَوَانُ الذَّكَرِ) أَيْ طُرُوقُهُ لِلْأُنْثَى وَإِنَّمَا غَيَّا بِمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَيْبٌ لِأَنَّهُ مُضْعِفٌ.
قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ) وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: لَيْسَ فِي الْحَيَوَانَاتِ خُنْثَى إلَّا الْآدَمِيُّ وَالْإِبِلُ قَالَ النَّوَوِيُّ جَاءَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ قَالَ عِنْدِي بَقَرَةٌ خُنْثَى لَا ذَكَرَ لَهَا وَلَا فَرْجَ وَإِنَّمَا لَهَا خَرْقٌ عِنْدَ ضَرْعِهَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَضَلَاتُهَا، فَهَلْ تُجْزِئُ أُضْحِيَّةً أَوْ لَا. فَقُلْت لَهُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ ذَكَرًا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أُنْثَى وَكِلَاهُمَا مُجَزِّئٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْقِصُ اللَّحْمَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ إبِلٍ وَغَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ فَقَطْ، س ل وَيَنْقُصُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَيَجُوزُ أَيْضًا ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ كَمَا فِي الْإِشَارَاتِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَبْعَةٍ) سَوَاءٌ أَرَادَ بَعْضُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ وَالْآخَرُ اللَّحْمَ أَمْ لَا وَلَهُمْ قِسْمَةُ اللَّحْمِ إذْ هِيَ إفْرَازٌ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: عَنْ سَبْعَةٍ وَكَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَالتَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ وَارْتِكَابِ مَحْظُورَاتٍ فِيهِ. نَعَمْ الْمُوَلَّدُ بَيْنَ غَنَمٍ أَوْ مَعْزٍ وَإِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ وَيَظْهَرُ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجُزْءٍ مِنْ حِصَّتِهِ نِيئًا. وَلَا يَكْفِي تَصَدُّقُ وَاحِدٍ عَنْ الْجَمِيعِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ سَبْعِ أَضَاحٍ وَخَرَجَ بِالسَّبْعَةِ مَا لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ كَثَمَانِيَةٍ وَاشْتَرَكُوا فِي بَدَنَةٍ أَوْ فِي بَدَنَتَيْنِ فَلَا تَقَعُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِعَدَدِهِمْ أَوْ بِالْحُكْمِ أَوْ ضَمَّ لَهَا شَاةً كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي شَاتَيْنِ فَلَا يُجْزِئَانِ عَنْهُمَا لِأَنَّ كُلَّ شَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا فَيَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ شَاتَيْنِ. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا قَصَدَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ إجْزَاءُ السَّبْعِ عَنْهُ وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبَدَنَةِ مِنْ الذَّبْحِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَمَنْذُورَةٍ مِنْهُ ذُبِحَتْ قَهْرًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَذْبَحَهَا إنْ خِيفَ خُرُوجُ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ نَظَرًا لِلْوُصُولِ لِحَقِّهِ وَهُوَ سُبْعُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَاجِعَ الْحَاكِمَ لِيَنْوِيَ عَنْ الْمُمْتَنِعِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَاةٌ وَاجِبَةٌ فَذَبَحَ بَدَنَةً وَقَعَ سُبْعُهَا عَنْ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ شَاةٍ فِي الزَّكَاةِ فَيَقَعُ كُلُّهُ وَاجِبًا وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ فِيهَا بِكَوْنِهِ فِي الزَّكَاةِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا بِخِلَافِهِ هُنَا ق ل.
قَوْلُهُ: (مُهِلِّينَ) أَيْ مُحْرِمِينَ قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْتَرِك) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ عَدَمِ الِانْفِرَادِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَيْسَ
стр. 1802
بَدَنَةٍ» وَسَوَاءٌ اتَّفَقُوا فِي نَوْعِ الْقُرْبَةِ أَوْ اخْتَلَفُوا كَمَا إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ التَّضْحِيَةَ وَبَعْضُهُمْ الْهَدْيَ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ، وَبَعْضُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ وَلَهُمْ قِسْمَةُ اللَّحْمِ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ قِسْمَةُ إفْرَازٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ. (وَ) كَذَا الْبَقَرَةُ تُجْزِئُ (عَنْ سَبْعَةٍ) لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ. تَنْبِيهٌ:
لَا يَخْتَصُّ إجْزَاءُ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ بِالتَّضْحِيَةِ، بَلْ لَوْ لَزِمَ شَخْصًا سَبْعُ شِيَاهٍ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ وَمُبَاشَرَةِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ جَازَ عَنْ ذَلِكَ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ.
(وَ) تُجْزِئُ (الشَّاةُ) الْمُعَيَّنَةُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ (عَنْ وَاحِدٍ) فَقَطْ فَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ أَوْ عَنْهُ وَأَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ مُسْلِمٍ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ الْخَبَرُ الصَّحِيحِ فِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً " وَخَرَجَ بِمُعَيَّنَةٍ الِاشْتِرَاكُ فِي شَاتَيْنِ مُشَاعَتَيْنِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِوَاجِبٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ السُّبُعُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا أَنْ يَذْبَحَ عَلَى قَصْدِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَوْ ذَبَحَ لَا بِهَذَا الْقَصْدِ لَمْ يُجْزِ كَأَنْ ذُبِحَتْ لِغَيْرِ التَّضْحِيَةِ ثُمَّ اشْتَرَى وَاحِدٌ سُبُعَهَا أُضْحِيَّةً لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ هُوَ مَقْصُودُ التَّضْحِيَةِ. اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ لَا قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ وَلَا رَدَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ بَيْعُ طَرِيِّ اللَّحْمِ بِطَرِيِّهِ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَقَرَةُ) أَيْ الْمُعَيَّنَةُ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اشْتَرَكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَتَيْنِ أَوْ بَقَرَتَيْنِ، مُشَاعَتَيْنِ. فَلَا يَكْفِي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يُصِبْهُ سُبُعٌ، مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَإِنْ ذَبَحَ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ عَنْ الشَّاةِ كَانَ السُّبُعُ وَاجِبًا وَمَا زَادَ تَطَوُّعٌ وَكَذَا إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ مَعَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُرِدْ الْأُضْحِيَّةَ فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ سُبُعِهِ، وَلَا يَكْفِي تَصَدُّقُ وَاحِدٍ عَنْ الْجَمِيعِ. وَكَذَا لَوْ ضَحَّى بِسَبْعِ شِيَاهٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ سَبْعِ أَضَاحٍ. فَإِنْ قُلْت: لِأَيِّ شَيْءٍ الْبَدَنَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْإِبِلِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَاكْتُفِيَ فِي الْبَقَرِ بِالطَّعْنِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَمَا النُّكْتَةُ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ. قُلْت لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ دُونَ لَحْمِ الْبَقَرِ فِي الطِّيبِ وَالْحُسْنِ وَالْقِيمَةِ فَاشْتُرِطَ فِي الْإِبِلِ زِيَادَةُ السِّنِّ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ جَابِرَةً لِلنَّقْصِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّأْنَ وَالْمَعْزَ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْمَعْزِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالضَّأْنِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ اهـ. خَضِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
قَوْلُهُ: (وَمُبَاشَرَةُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ وَتَرْكِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ وَالْمِيقَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ) فَإِنْ قُلْت إنَّ هَذَا مُنَافٍ لِمَا بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِهِ أَوْ عَنْهُ وَأَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ. أُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا عَنْ وَاحِدٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ حُصُولِ التَّضْحِيَةِ حَقِيقَةً وَمَا بَعْدَهُ الْحَاصِلُ لِلْغَيْرِ إنَّمَا هُوَ سُقُوطُ الطَّلَبِ عَنْهُ، وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالتَّضْحِيَةُ حَقِيقَةً فَخَاصَّانِ بِالْفَاعِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ مُسِخَتْ الشَّاةُ بَعِيرًا أَوْ عَكْسِهِ هَلْ يُجْزِئُ فِي الْأُولَى عَنْ سَبْعَةٍ وَلَا يُجْزِئُ الْبَعِيرُ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ أَوْ لَا. الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمَسْخَ هَلْ هُوَ تَغْيِيرُ صِفَةٍ أَوْ ذَاتٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ: لَا تُجْزِئُ الشَّاةُ الْمَمْسُوخَةُ بَعِيرًا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ وَيُجْزِئُ الْبَعِيرُ الْمَمْسُوخُ إلَى الشَّاةِ عَنْ سَبْعَةٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: انْعَكَسَ الْحَالُ لِأَنَّ ذَاتَ الشَّاةِ الْمَمْسُوخَةِ إلَى الْبَعِيرِ ذَاتُ بَعِيرٍ وَالْبَعِيرِ الْمَمْسُوخِ إلَى الشَّاةِ ذَاتُ شَاةٍ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (جَازَ) وَمَعَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ الثَّوَابُ بِهِ وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنْهُمْ م د وَز ي. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ حُمِلَ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الثَّوَابَ لِلْأُمَّةِ حَاصِلٌ بِهَذَا التَّشْرِيكِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ الثَّوَابُ خَاصٌّ بِالْفَاعِلِ فَقَطْ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُضَحِّي وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَصْدُ الِاسْتِدْلَال مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ التَّضْحِيَةِ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حُصُولِ الثَّوَابِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَصَّ النَّبِيُّ بِزِيَادَةٍ وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ
стр. 1803
يَصِحُّ.
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَقَرَتَيْنِ مُشَاعَتَيْنِ أَوْ بَدَنَتَيْنِ كَذَلِكَ، لَمْ يُجْزِ عَنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَخُصَّهُ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ إبِلٍ وَغَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّضْحِيَةِ بِالنَّظَرِ لِإِقَامَةِ شِعَارِهَا بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ لِأَنَّ لَحْمَ الْبَدَنَةِ أَكْثَرُ ثُمَّ ضَأْنٌ ثُمَّ مَعْزٌ لِطِيبِ الضَّأْنِ عَلَى الْمَعْزِ ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَمَّا بِالنَّظَرِ لِلَّحْمِ فَلَحْمُ الضَّأْنِ خَيْرُهَا وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَشَاةٌ أَفْضَلُ مِنْ مُشَارَكَةٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لِلِانْفِرَادِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّمِينِ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَالسَّمِينَةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الذَّوَاتِ. وَأَمَّا فِي الْأَلْوَانِ فَالْبَيْضَاءُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الصَّفْرَاءُ، ثُمَّ الْعَفْرَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا يَصْفُو بَيَاضُهَا ثُمَّ الْحَمْرَاءُ ثُمَّ الْبَلْقَاءُ، ثُمَّ السَّوْدَاءُ، قِيلَ لِلتَّعَبُّدِ وَقِيلَ لِحُسْنِ الْمَنْظَرِ وَقِيلَ لِطِيبِ اللَّحْمِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ خَبَرَ: «لَدَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ»
(وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا) الْأُولَى (الْعَوْرَاءُ) بِالْمَدِّ (الْبَيِّنُ عَوَرُهَا) بِأَنْ لَمْ تُبْصِرْ بِإِحْدَى عَيْنَيْهَا وَإِنْ بَقِيَتْ الْحَدَقَةُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِ الْعَوَرِ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ الْعَوْرَاءِ عَلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ. أُجِيبَ: بِأَنْ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَصْلُ الْعَوَرِ بَيَاضٌ يُغَطِّي النَّاظِرَ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا فَلَا يَضُرُّ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْبَيِّنِ كَمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْآتِي. تَنْبِيهٌ:
قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ إجْزَاءِ الْعَمْيَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتُجْزِئُ الْعَمْشَاءُ وَهِيَ ضَعِيفَةُ الْبَصَرِ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمْعِ غَالِبًا وَالْمَكْوِيَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ، وَالْعَشْوَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا تُبْصِرُ لَيْلًا لِأَنَّهَا تُبْصِرُ وَقْتَ الرَّعْيِ غَالِبًا. (وَ) الثَّانِيَةُ (الْعَرْجَاءُ) بِالْمَدِّ (الْبَيِّنُ عَرَجُهَا) بِأَنْ يَشْتَدَّ عَرَجُهَا بِحَيْثُ تَسْبِقُهَا الْمَاشِيَةُ إلَى الْمَرْعَى. وَتَتَخَلَّفُ عَنْ الْقَطِيعِ فَلَوْ كَانَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِلْأُمَّةِ بِتَشْرِيكِهِ قَوْلُهُ (مُبَاهَاةً) أَيْ لَا عِبَادَةً أَيْ يَتَبَاهَى بِهَا النَّاسُ وَيَفْتَخِرُونَ بِهَا أَيْ لَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إلَّا الرِّيَاءَ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِمُعَيَّنَةٍ إلَخْ) فَمُقَابِلُ الْمُعَيَّنَةِ الْمُشَاعَةُ فِي شَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ إعْتَاقِ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِأَنَّ الْمَأْخَذَ مُخْتَلِفٌ، إذْ الْمَأْخَذُ ثَمَّ تَخْلِيصُ رَقَبَةٍ مِنْ الرِّقِّ وَقَدْ وُجِدَ بِذَلِكَ وَهُنَا التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ وَلَمْ تُوجَدْ بِمَا حَصَلَ أَمَّا خَبَرُ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْرِيكُ فِي الثَّوَابِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَلَوْ ضَحَّى بِبَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ بَدَلَ شَاةٍ فَالزَّائِدُ عَلَى السُّبُعِ تَطَوُّعٌ يَصْرِفُهُ مَصْرِفَ التَّطَوُّعِ إنْ شَاءَ. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ) لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَعْلَى السِّنَّيْنِ حَتَّى لَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ سَنَتَيْنِ إلْحَاقًا لَهُ بِأَعْلَى السِّنَّيْنِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ اهـ ز ي قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّضْحِيَةِ) حَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْأُضْحِيَّةُ بِالِاعْتِبَارِ فَمِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الشِّعَارِ فَالْبَدَنَةُ ثُمَّ الْبَقَرَةُ أَفْضَلُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى وَمِنْ حَيْثُ طِيبُ اللَّحْمِ أَفْضَلُهَا الضَّأْنُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ. وَمِنْ حَيْثُ الِانْفِرَادُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ. فَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي بَدَنَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ وَمِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ فَالْبَيْضَاءُ إلَخْ أَفْضَلُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ فَإِنْ تَعَارَضَتْ الصِّفَاتُ فَسَمِينَةٌ سَوْدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ بَيْضَاءَ هَزِيلَةٍ وَمَا جَمَعَ صِفَتَيْنِ أَفْضَلُ مِمَّا جَمَعَ صِفَةً وَاحِدَةً وَالْبَيْضَاءُ السَّمِينَةُ إذَا كَانَتْ ذَكَرًا أَفْضَلُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ شِعَارِهَا) أَيْ التَّضْحِيَةِ أَيْ عَلَامَاتِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّمِينِ) وَيُقَدَّمُ السِّمَنُ عَلَى اللَّوْنِ فَسَمِينَةٌ سَوْدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ هَزِيلَةٍ بَيْضَاءَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الصَّفْرَاءُ ثُمَّ الْعَفْرَاءُ) قَدْ يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْعَفْرَاءِ عَلَى الصَّفْرَاءِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْبَيَاضِ مِنْ الصَّفْرَاءِ سم عَلَى حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْبَلْقَاءُ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ الْبَلَقُ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ وَكَذَا الْبُلْقَةُ،. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ بَلْ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ لِقُرْبِهِ مِنْ الْبَيَاضِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّوَادِ وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْأَحْمَرِ الْخَالِصِ عَلَى الْأَسْوَدِ وَتَقْدِيمُ الْأَزْرَقِ عَلَى الْأَحْمَرِ وَكُلُّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَبْيَضِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ الصَّفْرَاءِ ثُمَّ الْحَمْرَاءِ ثُمَّ الْبَلْقَاءِ ثُمَّ السَّوْدَاءِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ السَّوْدَاءُ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا بَلْ هُوَ مُوهِمٌ أَنَّ بَعْدَهَا لَوْنًا آخَرَ إذْ الْمَرْتَبَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ أَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ، كَالْأَلْوَانِ هُنَا
стр. 1804
عَرَجُهَا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّفُ بِهِ عَنْ الْمَاشِيَةِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ. (وَ) الثَّالِثَةُ (الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا) بِأَنْ يَظْهَرَ بِسَبَبِهِ هُزَالُهَا وَفَسَادُ لَحْمِهَا فَلَوْ كَانَ مَرَضُهَا يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ وَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْهَيْمَاءَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْمَدِّ فَلَا تُجْزِئُ لِأَنَّ الْهُيَامَ كَالْمَرَضِ يَأْخُذُ الْمَاشِيَةَ فَتَهِيمُ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَرْعَى كَمَا قَالَهُ فِي الزَّوَائِدِ. (وَ) الرَّابِعَةُ (الْعَجْفَاءُ) بِالْمَدِّ وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ لَحْمُهَا السَّمِينُ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ الْهُزَالِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ضِدَّ السِّمَنِ وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» مَأْخُوذَةٌ مِنْ النِّقْيِ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ أَيْ لَا مُخَّ لَهَا مِنْ شِدَّةِ الْهُزَالِ. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا عَدَمُ إجْزَاءِ الْمَجْنُونَةِ وَهِيَ الَّتِي تَدُورُ فِي الْمَرْعَى وَلَا تَرْعَى إلَّا قَلِيلًا فَتَهْزَلُ وَتُسَمَّى أَيْضًا التَّوْلَى، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهَا. تَنْبِيهٌ:
قَدْ عَرَفْت مَا تَنَاوَلَهُ كَلَامُ الْمُصَنَّفِ مِنْ أَنَّ الْعَمْيَاءَ وَالْهَيْمَاءَ وَالْمَجْنُونَةَ لَا تُجْزِئُ وَبِهِ صَارَتْ الْعُيُوبُ الْمَذْكُورَةُ سَبْعَةً وَبَقِيَ مِنْهَا مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْجَرْبَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْجَرَبُ يَسِيرًا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ، وَالْحَامِلُ فَلَا تُجْزِئُ. كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَعَجَّبَ مِنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ حَيْثُ صَحَّحَ فِي الْكِفَايَةِ الْإِجْزَاءَ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُرَتَّبَةٍ بِثُمَّ مَثَلًا لَا يُعْطَفُ بِهَا حَذَرًا مِنْ ذَلِكَ الْإِيهَامِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَقَعُونَ فِي ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ، أَيْ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي بَيَانَ الْمُفَضَّلِ وَالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَحَيْثُ ذَكَرَ الْبَلْقَاءَ عُلِمَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ السَّوْدَاءِ، فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ السَّوْدَاءِ حِينَئِذٍ مُتَّصِفَةً إذْ لَا مُفَضَّلَ عَلَيْهِ بَعْدُ فَلْيُتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ) مَحَلُّ عَدَمِ إجْزَائِهَا مَا لَمْ يَلْتَزِمْهَا مُتَّصِفَةً بِالْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ الْتَزَمَهَا كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ وَكَانَتْ عَرْجَاءَ مَثَلًا أَوْ جَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً وَكَانَتْ مَرِيضَةً مَثَلًا أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِعَرْجَاءَ أَوْ بِحَامِلٍ فَتُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً وَالْعِبْرَةُ بِالسَّلَامَةِ. وَعَدَمِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيجَابٌ فَإِنْ تَقَدَّمَ فَإِنْ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ مَعِيبَةً فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ السَّلَامَةِ فَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَلِيمَةً ثُمَّ إنْ عَيَّنَ سَلِيمًا عَنْ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ، وَاسْتَمَرَّ إلَى الذَّبْحِ فَذَاكَ وَإِنْ عَيَّنَ سَلِيمًا ثُمَّ تَعَيَّبَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَبْدَلَهُ بِسَلِيمٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي الْمَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (الْهَيْمَاءُ) هِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكَان وَمِنْهُ الْهَائِمُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ فَهُوَ تَابِعٌ لِشَهْوَةِ بَطْنِهِ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ النُّونِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ النِّقْيُ بِالْكَسْرِ شَحْمُ الْعَيْنِ مِنْ السِّمَنِ.
قَوْلُهُ: (فَتُهْزَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُلَازِمَةِ لِلْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَهُوَ عَلَى وَزْنِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْفَاعِلَ أَيْ يَقُومُ بِهَا الْهُزَالُ وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ، فَتَهْزِلُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ بَابِ فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ الْأَدَبِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ. وَهَذَا خِلَافُ مَا اُشْتُهِرَ أَنَّ هُزِلَ لَمْ يُسْمَعْ إلَّا مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فَتَنَبَّهْ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ) أَيْ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقَوْلُهُ: بِهَا أَيْ بِالْمَجْنُونَةِ. وَقَالَ م د. بَلْ هُوَ أَيْ اسْمُ التَّوْلَى أَوْلَى بِهَا مِنْ الْمَجْنُونَةِ لِأَنَّ الْجُنُونَ عَدَمُ الْعَقْلِ الْخَاصِّ بِالْعُقَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا تَنَاوَلَهُ) أَيْ بِاللَّازِمِ أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةً) وَسَيَأْتِي أَيْضًا مِنْهَا الْجَرَبُ وَالْحَمْلُ وَقَطْعُ الْأُذُنِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَقَطْعُ الذَّنَبِ كَذَلِكَ فَصَارَتْ الْعُيُوبُ أَحَدَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (وَبَقِيَ مِنْهَا مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ) فَصَارَتْ الْعُيُوبُ تِسْعَةً، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
عَوْرَا وَعَرْجَا ثُمَّ تَوْلَى عَجْفَا ... مَرِيضَةٌ وَحَامِلٌ لَا تَخْفَى
عَمْيَا وَهَيْمَا ثُمَّ جَرْبَاءُ فَذَا ... عِنْدَ التَّضَحِّي تِسْعَةٌ لَهَا انْبِذَا
قَوْلُهُ: (الْجَرْبَاءُ) بَدَلٌ مِنْ مَا وَقَوْلُهُ: وَالْوَدَكُ أَيْ الدُّهْنُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَامِلُ فَلَا تُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْحَمْلَ يُنْقِصُ لَحْمَهَا وَإِنَّمَا عَدُّوهَا كَامِلَةً فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهَا النَّسْلُ دُونَ طِيبِ اللَّحْمِ وَأَلْحَقَ الزَّرْكَشِيّ بِالْحَامِلِ قَرِيبَةَ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ لِنَقْصِ لَحْمِهَا وَالْمُرْضِعَ وَرَدَّهُ حَجّ. وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَمْلَ يُفْسِدُ الْجَوْفَ وَيُصَيِّرُ اللَّحْمَ رَدِيئًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَبِالْوِلَادَةِ
стр. 1805
فَائِدَةٌ: ضَابِطُ الْمُجْزِئِ فِي الْأُضْحِيَّةِ السَّلَامَةُ مِنْ عَيْبٍ يُنْقِصُ اللَّحْمَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُؤْكَلُ (وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ) ، لِأَنَّهُ ﷺ «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» أَيْ خَصِيَّيْنِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَجَبَرَ مَا قُطِعَ مِنْهُ زِيَادَةُ لَحْمِهِ طِيبًا وَكَثْرَةً وَأَيْضًا الْخُصْيَةُ الْمَفْقُودَةُ مِنْهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالْأَكْلِ فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهَا. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ إلَّا ابْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى جَوَازِ خِصَاءِ الْمَأْكُولِ فِي صِغَرِهِ دُونَ كِبَرِهِ وَتَحْرِيمِهِ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ. (وَ) تُجْزِئُ (الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ) مَا لَمْ يَعِبْ اللَّحْمَ وَإِنْ دَمِيَ بِالْكَسْرِ لِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ غَرَضٍ وَلِهَذَا لَا يَضُرُّ فَقْدُهُ خِلْقَةً فَإِنْ عِيبَ اللَّحْمُ ضَرَّ كَالْجَرَبِ وَغَيْرِهِ. وَذَاتُ الْقَرْنِ أَوْلَى لِخَبَرِ: «خَيْرُ الضَّحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ» وَلِأَنَّهُ أَحْسَنُ مَنْظَرًا بَلْ يُكْرَهُ غَيْرُهَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ بَعْضِ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاعْتِلَافِ وَنَقْصِ اللَّحْمِ فَلَوْ ذَهَبَ الْكُلُّ ضَرَّ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ. وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ ذَهَابَ الْبَعْضِ إذَا أَثَّرَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ: وَيُجْزِئُ مَكْسُورُ سِنٍّ أَوْ سِنَّيْنِ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيّ.
(وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ) بَعْضِ (الْأُذُنِ) وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لِذَهَابِ جُزْءٍ مَأْكُولٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ دُونَ الثُّلُثِ أَجْزَأَ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَنْعَ كُلِّ الْأُذُنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْعَ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أُذُنٍ وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ بِخِلَافِ فَاقِدَةِ الضَّرْعِ أَوْ الْأَلْيَةِ أَوْ الذَّنَبِ خِلْقَةً فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأُذُنَ عُضْوٌ لَازِمٌ غَالِبًا بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَكَمَا يُجْزِئُ ذَكَرُ الْمَعْزِ.
وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَمَّا إذَا فُقِدَ ذَلِكَ بِقَطْعٍ وَلَوْ لِبَعْضٍ مِنْهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَا مَقْطُوعُ) بَعْضِ (الذَّنَبِ) وَإِنْ قَلَّ أَوْ بِقَطْعِ بَعْضِ لِسَانٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ لِحُدُوثِ مَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ اللَّحْمِ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَلَلَ الْأُذُنِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
زَالَ هَذَا الْمَحْذُورُ. اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَتَعَجَّبَ) أَيْ الْإِسْنَوِيُّ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمُهِمَّاتِ لِأَنَّهَا لَهُ هـ اشَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (السَّلَامَةُ) أَيْ ذُو السَّلَامَةِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: الْمُجْزِئُ وَفِي نُسْخَةِ السَّلِيمُ.
قَوْلُهُ: (مَوْجُوءَيْنِ) بِجِيمٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَيْنَ الْوَاوِ وَالتَّحْتِيَّةِ مِنْ الْوِجَاءِ بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ الْقَطْعِ. اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَقْصُودَةٍ) مِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ يُجْزِئُ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَهُ شَيْخُنَا.
ثُمَّ قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ أج.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَوَازِ خِصَاءِ الْمَأْكُولِ فِي صِغَرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْخِصَاءَ جَائِزٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ لِمَأْكُولٍ وَأَنْ يَكُونَ صَغِيرًا وَأَنْ يَكُونَ فِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ وَإِلَّا حَرُمَ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ قَوْلُهُ: خِصَاءُ الْمَأْكُولِ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ أَيْ سَلُّ خُصْيَتَيْهِ بِمَعْنَى اسْتِخْرَاجِ بَيْضَتِهِ. قَوْلُهُ: (بَلْ يُكْرَهُ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ ذَاتِ الْقَرْنِ. قَوْلُهُ (فَلَوْ ذَهَبَ الْكُلُّ ضَرَّ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ فَقْدَ الْأَسْنَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا إنْ أَثَّرَ فِي اللَّحْمِ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا ق ل. وَلَا تُجْزِئُ فَاقِدَةُ كُلِّ الْأَسْنَانِ بِخِلَافِ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أَسْنَانٍ وَكَأَنَّ الْفَرْقُ أَنَّ فَقْدَ جَمِيعِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ بِخِلَافِ فَقْدِ الْجَمِيعِ خِلْقَةً فَلْيُحَرَّرْ سم.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ الْأُذُنِ) وَجَوَّزَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَنْعَ كُلِّ الْأُذُنِ) أَيْ مَنْعَ مَقْطُوعَةِ كُلِّ الْأُذُنِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْمَتْنِ لَا أَنَّهُ أَفْهَمُهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ النُّسْخَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ فِيهَا كَلِمَةُ بَعْضِ مِنْ الْمَتْنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ بَعْضِ الْأُذُنِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْعَ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أُذُنٍ) وَسَكَتُوا عَنْ الْمَخْلُوقَةِ فَاقِدَةً بَعْضَ الْأُذُنِ. وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
قَوْلُهُ: (عُضْوٌ لَازِمٌ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَلْيَةِ صَغِيرَةً فِي ذَاتِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي بَعْضِ الْغَنَمِ، وَكَوْنِهَا كَبِيرَةً وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: فَقْدُ فِلْقَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْكُبْرُ النِّسْبِيُّ فَالْأَلْيَةُ وَإِنْ صَغُرَتْ فَهِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَبِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُذُنِ هَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا لَوْ وُجِدَتْ أَلْيَةٌ قُطِعَ جُزْءٌ مِنْهَا وَشَكَّ فِي أَنَّ الْمَقْطُوعَ كَانَ كَبِيرًا فِي الْأَصْلِ فَلَا يُجْزِئُ مَا قُطِعَتْ مِنْهُ الْآنَ أَوْ صَغِيرًا فَيُجْزِئُ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيمَا قُطِعَتْ مِنْهُ وَالْمُوَافِقُ لِلْغَالِبِ فِي أَنَّ الَّذِي يُقْطَعُ لِكُبْرِ الْأَلْيَةِ صَغِيرٌ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْإِجْزَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ خِلْقَةً وَكَمَا يُجْزِئُ إلَخْ فَقَوْلُهُ: وَكَمَا يُجْزِئُ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (ذَكَرُ الْمَعْزِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا ضَرْعَ لَهُ وَلَا أَلْيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى فَاقِدِ الضَّرْعِ وَالْأَلْيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا فُقِدَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الضَّرْعِ وَالْأَلْيَةِ وَالذَّنَبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِقَطْعِ بَعْضِ لِسَانٍ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى أَمَّا إذَا فُقِدَ الضَّرْعُ وَالْأَلْيَةُ وَالذَّنَبُ بِقَطْعِ بَعْضِ
стр. 1806
كَفَقْدِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَأْكُولًا، وَلَا يَضُرُّ شَقُّ أُذُنٍ وَلَا خَرْقُهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْقُطَ مِنْ الْأُذُنِ شَيْءٌ بِذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا يَضُرُّ التَّطْرِيفُ وَهُوَ قَطْعُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْأَلْيَةِ لِخَبَرِ: " ذَلِكَ يُسَمِّنُهَا " وَلَا قَطْعَ فِلْقَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ كَفَخِذٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعُضْوِ فَلَا يُجْزِئُ لِنُقْصَانِ اللَّحْمِ.
(وَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ) لِلْأُضْحِيَّةِ الْمَنْدُوبَةِ وَالْمَنْذُورَةِ (مِنْ وَقْتِ) مُضِيِّ قَدْرِ (صَلَاةِ) رَكْعَتَيْ (الْعِيدِ) وَهُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ. وَمُضِيِّ قَدْرِ خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ قَبْلَ تَمَامِ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِهَا صَحَّتْ أُضْحِيَّةً. فَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَقْطَعْ أُضْحِيَّةً لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» وَخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ: «فِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى مُضِيِّ ذَلِكَ مِنْ ارْتِفَاعِ شَمْسِ يَوْمِ النَّحْرِ كَرُمْحٍ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ فِي ذِمَّتِهِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ، ثُمَّ عَيَّنَ الْمَنْذُورَةَ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ. فَإِنْ تَلِفَتْ الْمُعَيَّنَةُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ بِلَا تَقْصِيرٍ بَقِيَ الْأَصْلُ عَلَيْهِ أَوْ تَلِفَتْ فِي الْأُولَى بِلَا تَقْصِيرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَقْصِيرٍ لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا كَرِيمَةً أَوْ مِثْلَيْنِ لِلْمُتْلَفَةِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ دَفْعُ قِيمَتِهَا لِلنَّاذِرِ يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَدُونَهَا.
(وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الذَّبْحِ) مُطْلَقًا (خَمْسَةُ) بَلْ تِسْعَةُ (أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (التَّسْمِيَةُ) بِأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِسَانٍ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَلَعَلَّهَا سَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ تَأَمَّلْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: أَوْ بِقَطْعٍ أَيْ أَوْ نَقَصَ الْمُضَحَّى بِهِ بِقَطْعٍ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِقَطْعِ قَوْلُهُ: (شَيْءٍ يَسِيرٍ) خَرَجَ الْكَثِيرُ فَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَى بَقَائِهِ ضَرَرُهَا بِأَنْ تَنْجَرِحَ فَهَلْ يُغْتَفَرُ الْكَثِيرُ أَيْضًا أَوْ لَا؟ عُمُومُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِضَافَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ) غَيَّرَ الشَّارِحُ إعْرَابَ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ فَاعِلًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعِيبًا لِأَنَّ نَوْعَ الْإِعْرَابِ لَمْ يَخْتَلِفْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ شَخْصُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً. قَوْلُهُ: (مِنْ وَقْتِ) هِيَ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ مُبْتَدَأٌ وَثَابِتٌ مِنْ وَقْتِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةِ الْعِيدِ) لَعَلَّهُ تَجَوَّزَ بِاسْتِعْمَالِ الصَّلَاةِ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالْخُطْبَةِ، وَلَوْ وَقَفُوا فِي الْعَشْرِ حُسِبَتْ الْأَيَّامُ لِلذَّبْحِ عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ كَمَا فِي الْحَجِّ اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَهُوَ طُلُوعُ إلَخْ) صَوَابُهُ مِنْ طُلُوعِ إلَخْ أَيْ مَضَى ذَلِكَ مِنْ طُلُوعِ، فَتَأَمَّلْ وَقَالَ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: وَهُوَ طُلُوعُ الضَّمِيرُ عَائِدٌ لِلْوَقْتِ بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَوَقْتُ الذَّبْحِ وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَمُضِيِّ قَدْرٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ صَلَاةٍ فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَتْنَ حَذَفَ الْوَاوَ، مَعَ الْمَعْطُوفِ أَوْ تَوَسَّعَ بِأَنْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ مَا يَشْمَلُ الْخُطْبَةَ. قَوْلُهُ: (خَفِيفَتَيْنِ) بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (إلَى غُرُوبِ) لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِيَدْخُلُ لِأَنَّ الدُّخُولَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ. قَوْلُهُ: (إلَى مُضِيِّ ذَلِكَ) أَيْ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ.
قَوْلُهُ: (مُعَيَّنَةً) أَيْ ابْتِدَاءً كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ. قَوْلُهُ: (كَلِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ) بِشَاةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ اكْتِفَاءً بِالصِّيغَةِ. قَوْلُهُ: (فِي الثَّانِيَةِ) وَهِيَ الْمَنْذُورَةُ فِي الذِّمَّةِ وَقَوْلُهُ: فِي الْأُولَى وَهِيَ الْمُعَيَّنَةُ ابْتِدَاءً اهـ أج.
قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهَا) أَيْ مِنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا مَرْحُومِيٌّ وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ قِيمَةٍ كَمَا هُوَ فِي الْمَنْهَجِ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ مِثْلِهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَيْ وَلَوْ مِنْ مَالِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَكْثَرَ وَتَسْمِيَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ لَزِمَهُ الْمِثْلُ. اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ قِيمَتُهَا) أَيْ وَقْتَ التَّلَفِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَدُونَهَا) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اشْتَرَى لَحْمًا. نَعَمْ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ فِي التَّضْحِيَةِ وَغَيْرِهَا مَا عَدَا التَّكْبِيرَ. وَالدُّعَاءَ بِالْقَبُولِ فَإِنَّهُمَا خَاصَّانِ بِالْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ) وَالْأَكْمَلُ، تَكْمِيلُهَا وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الذَّبْحَ لَا يُنَاسِبُهُ رَحْمَةٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الذَّبْحَ
стр. 1807
بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ.
(وَ) الثَّانِي (الصَّلَاةُ) وَالسَّلَامُ (عَلَى) سَيِّدِنَا (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) تَبَرُّكًا بِهِمَا. (وَ) الثَّالِثُ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالذَّبِيحَةِ) أَيْ بِمَذْبَحِهَا فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ دُونَ وَجْهِهَا لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْضًا. (وَ) الرَّابِعُ (التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا) بَعْدَ التَّسْمِيَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. (وَ) الْخَامِسُ (الدُّعَاءُ بِالْقَبُولِ) بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَالسَّادِسُ تَحْدِيدُ الشَّفْرَةِ فِي غَيْرِ مُقَابِلَتِهَا. وَالسَّابِعُ إمْرَارُهَا وَتَحَامُلُ ذَهَابِهَا وَإِيَابِهَا وَالثَّامِنُ إضْجَاعُهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ وَشَدِّ قَوَائِمِهَا الثَّلَاثِ غَيْرَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى. وَالتَّاسِعُ عَقْلُ الْإِبِلِ وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ) وَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ كَدَمِ الْجُبْرَانِ فِي الْحَجِّ. (شَيْئًا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا غَرِمَهُ. (وَيَأْكُلُ مِنْ) الْأُضْحِيَّةِ (الْمُتَطَوِّعِ بِهَا) أَيْ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ التَّطَوُّعِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] أَيْ الشَّدِيدَ الْفَقْرِ وَفِي الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا كَمَا قِيلَ بِهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَجَعَلَهَا لَنَا وَمَا جُعِلَ لِلْإِنْسَانِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَتَرْكِهِ. قَالَهُ فِي الْمُهَذَّبِ
(وَلَا يَبِيعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ شَيْئًا) وَلَوْ جِلْدَهَا أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ سَوَاءً أَكَانَتْ مَنْذُورَةً أَمْ لَا. وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ رَحْمَةٌ لِلْآكِلِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ) بِالْجَرِّ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ حَرُمَ وَحَرُمَتْ الذَّبِيحَةُ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ " التَّشْرِيكَ. فَإِنْ أَطْلَقَ كُرِهَ وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ لَمْ يُكْرَهْ وَلَا تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ فِيهِمَا وَقِيلَ: يَحْرُمُ إذَا أَطْلَقَ لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ.
وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمُ مُحَمَّدٍ بِالرَّفْعِ لَمْ يَحْرُمْ بَلْ وَلَا يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ بِرْمَاوِيٌّ وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ وَأَمَّا مَا قِيلَ عِنْدَ ذَبْحِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ فَحَلَالٌ أَكْلُهُ. وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ حَرَامًا لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَالِّ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: " لَا أَذْكُرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي " فَقَدْ جَاءَ " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي وَرَبَّك يَقُولُ لَك أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعَ ذِكْرَك " أَيْ عَلَى أَيِّ حَالٍ جَعَلْت ذِكْرَك مَرْفُوعًا مُشَرَّفًا، الْمَذْكُورَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: " لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي " أَيْ فِي غَالِبِ الْمَوَاطِنِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا. فَائِدَةٌ:
مَنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا لِكَوْنِهَا بَيْتَهُ أَوْ لِلنَّبِيِّ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ أَوْ لِلْفَرَحِ بِقُدُومِ إمَامٍ أَوْ وَزِيرٍ أَوْ ضَيْفٍ أَوْ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لِإِرْضَاءِ سَاخِطٍ أَوْ عِنْدَ مَقَامِ وَلِيٍّ فَلَا يَكْفُرُ، وَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُسَنُّ ذَلِكَ بِالْإِهْدَاءِ لِلْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ أَيْ بِالذَّبْحِ كَنَحْوِ زَيْتٍ لِإِسْرَاجِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. اهـ. دَيْرَبِيٌّ بِخَطِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ) أَيْ عَقِبَ التَّسْمِيَةِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا أَعْنِي التَّسْمِيَةَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ إلَخْ سم.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّسْمِيَةِ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ أَوْ قَبْلَهَا فَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِمَرَّةٍ وَالْأَكْمَلُ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مِنْك) أَيْ وَاصِلٌ مِنْك، وَرَاجِعٌ إلَيْك أَوْ نِعْمَةٌ مِنْك أَوْ مُتَقَرَّبٌ بِهِ إلَيْك وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مُقَابَلَتِهَا أَيْ الذَّبِيحَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَنْذُورَةِ) لَوْ قَالَ: الْوَاجِبَةِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ لِيَشْمَلَ الْوَاجِبَةَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ أَوْ جَعَلْتهَا أُضْحِيَّةً وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ ق ل. وَمِثْلُهُ م ر حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ شَدِيدٌ. قَوْلُهُ: (كَدَمِ الْجُبْرَانِ) تَنْظِيرٌ لِلْهَدْيِ. قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَأْكُلَ) مَحْمُولٌ عَلَى الزَّائِدَةِ عَلَى الْوَاجِبِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْوَاجِبَةِ وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي أَكْلِهِ مِنْ الْكَبِدِ كَوْنُهُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ بِهِ إكْرَامُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ أَوَّلَ إكْرَامِهِ لَهُمْ بِأَكْلِ زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ» قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْآيَةِ) أَيْ قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْمَنْفِيِّ
стр. 1808
أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا. كَأَنْ يَجْعَلَهُ دَلْوًا أَوْ نَعْلًا أَوْ خُفًّا وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا إجَارَتُهُ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» وَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ أُجْرَةً لِلْجَزَّارِ، وَتَجُوزُ إعَارَتَهُ، كَمَا لَهُ إعَارَتُهَا. أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِجِلْدِهَا. كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَرْنُ مِثْلُ الْجِلْدِ فِيمَا ذُكِرَ وَلَهُ جَزُّ صُوفٍ عَلَيْهَا إنْ تُرِكَ إلَى الذَّبْحِ ضَرَّ بِهَا لِلضَّرُورَةِ وَإِلَّا فَلَا يَجُزُّهُ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً لِانْتِفَاعِ الْحَيَوَانِ بِهِ فِي دَفْعِ الْأَذَى وَانْتِفَاعِ الْمَسَاكِينِ بِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَكَالصُّوفِ فِيمَا ذُكِرَ الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ حَتْمًا كَأُمِّهِ وَيَجُوزُ لَهُ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ أَكْلُهُ قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ أُمِّهِ وَلَهُ شُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا عَنْ وَلَدِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ
(وَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ بَعْضِهَا وُجُوبًا وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ لَحْمِهَا بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَيَكْفِي الصَّرْفُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ. وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ بِخِلَافِ سَهْمِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى جُزْءٍ يَسِيرٍ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَيُشْتَرَطُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يَكُونَ نِيئًا لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ مَنْ يَأْخُذُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ. كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ فَلَا يَكْفِي جَعْلُهُ طَعَامًا وَدُعَاءُ الْفُقَرَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي تَمَلُّكِهِ وَلَا تَمْلِيكُهُمْ لَهُ مَطْبُوخًا وَلَا تَمْلِيكُهُمْ غَيْرَ اللَّحْمِ مِنْ جِلْدٍ وَكَرِشٍ وَطِحَالٍ وَنَحْوِهَا وَلَا الْهَدِيَّةُ عَنْ التَّصَدُّقِ وَلَا الْقَدْرُ التَّافِهُ مِنْ اللَّحْمِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا كَوْنُهُ قَدِيدًا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ. وَلَوْ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَأَكَلَ وَلَدَهَا كُلَّهُ جَازَ. وَلَوْ أَعْطَى الْمُكَاتَبَ جَازَ كَالْحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ وَخَصَّهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِغَيْرِ سَيِّدِهِ وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَفَهُ إلَيْهِ مِنْ زَكَاتِهِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُمْ فَلَا يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ مِنْهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَوَقَعَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا) أَيْ قَبْلَ الذَّبْحِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَوْ جِلْدَهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَعَادَهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ لِخَبَرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ وُجُوبُهَا بِنَذْرٍ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ: عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، أَوْ كَانَ وُجُوبُهَا بِالْجَعْلِ كَجَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً فَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَرَأَ لَهَا الْحَمْلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ الذَّبْحِ وَهِيَ حَامِلٌ ذُبِحَتْ وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ ذُبِحَتْ وَذُبِحَ وَلَدُهَا وَيَجُوزُ أَكْلُ وَلَدِهَا.
وَكَذَا إذَا عَيَّنَ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَحَمَلَتْ بَعْدَ التَّعْيِينِ وَوُلِدَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ أَيْضًا وَيَجُوزُ أَكْلُهُ. وَأَمَّا لَوْ عَيَّنَ حَامِلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ أَوْ عَيَّنَ حَائِلًا فَحَمَلَتْ وَاسْتَمَرَّ الْحَمْلُ إلَى وَقْتِ الذَّبْحِ فَلَا يَصِحُّ ذَبْحُهَا، فَكَلَامُ الشَّارِحِ يُنَزَّلُ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُضَحِّيَ بِحَامِلٍ فَعَيَّنَ حَامِلًا وَاسْتَمَرَّ الْحَمْلُ إلَى الذَّبْحِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِيهَا صِفَةُ النَّذْرِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ إذَا بَقِيَتْ أُمُّهُ أَمَّا إذَا مَاتَتْ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ) أَيْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَكْفِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْهَدِيَّةِ يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ الْإِكْرَامُ بِخِلَافِ مَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِ الصَّدَقَةُ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (بَعْضَهَا) مَفْعُولٌ لِيُطْعِم.
قَوْلُهُ: (تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ.
قَوْلُهُ: (وَأَكَلَ وَلَدَهَا كُلَّهُ) وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاةً مَثَلًا بِنِيَّةِ الضَّحِيَّةِ، بِقَلْبِهِ أَوْ عَيَّنَهَا مِنْ مَالِهِ لِلضَّحِيَّةِ بِقَلْبِهِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّهَا حَمَلَتْ، وَوَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا، بَلْ يُبْدِلُهَا بِسَلِيمَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلَ الْأُولَى قَالَ م د: دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُتَطَوَّعَ بِهَا إذَا عَرَضَ لَهَا الْحَمْلُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَحِيَّةٌ ثَانِيَةٌ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، أَيْ فَهَذَا التَّوَهُّمُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ: (وَخَصَّهُ) أَيْ الْمُعْطِي وَقَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ مَعَ رُجُوعِهِ لِلْغَيْرِ، لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ الْجَمْعِيَّةَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي كِتَابِهِ: وَهُوَ الْإِمَامُ يُوسُفُ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ نِسْبَةً إلَى بُوَيْطَ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ اهـ أج.
стр. 1809
فِي الْمَجْمُوعِ جَوَازُ إطْعَامِ فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبَةِ وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ.
تَتِمَّةٌ:
الْأَفْضَلُ التَّصَدُّقُ بِكُلِّهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَبْعَدُ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ إلَّا لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ لُقَمًا يُتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالِاتِّبَاعِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْأَكْلَ وَيُسَنُّ إنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِهْدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ أَثْلَاثًا وَإِذَا أَكَلَ الْبَعْضَ وَتَصَدَّقَ بِالْبَعْضِ فَلَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ وَيُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلتَّضْحِيَةِ عِنْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ قَبْلَهُ عِنْدَ تَعْيِينِ مَا يُضَحِّي بِهِ: كَالنِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ لَا فِيمَا عَيَّنَ لَهَا بِنَذْرٍ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةٌ وَلَوْ وَكَّلَ بِذَبْحٍ كَفَتْ نِيَّتُهُ وَلَا حَاجَةَ لِنِيَّةِ الْوَكِيلِ وَلَهُ تَفْوِيضُهَا لِمُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَلَا تَضْحِيَةَ لِأَحَدٍ عَنْ آخَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لَهُ كَالزَّكَاةِ. وَلَا لِرَقِيقٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا وَقَعَتْ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُكَاتَبٍ وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا وَقَعَتْ لَهُ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) أَيْ مِمَّا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا إرْفَاقُ الْمُسْلِمِينَ بِأَكْلِهَا لِأَنَّهَا ضِيَافَةٌ مِنْ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ غَيْرِهِمْ مِنْهَا وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ هُوَ إطْعَامُ الْمُضَحِّي لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر امْتِنَاعُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ إنَّمَا هُوَ فِي إعْطَاءِ الْفَقِيرِ أَوْ الْمُهْدَى لَهُ شَيْئًا مِنْهَا لِلْكَافِرِ وَعِبَارَتُهُ: وَخَرَجَ بِالْمُضَحِّي عَنْ نَفْسِهِ مَا لَوْ ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا مُطْلَقًا فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا مَنْدُوبَةً أَوْ وَاجِبَةً وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ إطْعَامِ الْفَقِيرِ وَالْمُهْدَى إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا لِلْكَافِرِ إذْ الْقَصْدُ مِنْهَا إرْفَاقُ الْمُسْلِمِينَ بِأَكْلِهَا، لَكِنْ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَفِي ع ش عَلَى م ر. دَخَلَ فِي الْإِطْعَامِ مَا لَوْ ضَيَّفَ الْفَقِيرُ أَوْ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْغَنِيُّ كَافِرًا فَلَا يَجُوزُ نَعَمْ لَوْ اُضْطُرَّ الْكَافِرُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُ إلَّا لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ لَهُ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُ وَيَضْمَنُهُ الْكَافِرُ بِبَدَلِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ لَهُ غَنِيًّا كَمَا لَوْ أَكَلَ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْبَدَلِ وَلَا تَكُونُ الضَّرُورَةُ مُبِيحَةً لَهُ إيَّاهُ مَجَّانًا. اهـ. .
قَوْلُهُ: (بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] . قَوْلُهُ: (لَا فِيمَا عَيَّنَ لَهَا بِنَذْرٍ) صُورَتُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لَا عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَا عِنْدَ النَّذْرِ حَتَّى لَوْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي وَيُفَرِّقُهَا صَاحِبُهَا وَأَمَّا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِالْجَعْلِ كَجَعَلْتهَا أُضْحِيَّةً أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَهَذِهِ أُضْحِيَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ عِنْدَ الْجَعْلِ أَوْ عِنْدَ التَّعْيِينِ بِالْإِشَارَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ عَيَّنَهَا فَيَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَكَّلَ بِذَبْحٍ كَفَتْ نِيَّتُهُ) أَيْ الْمُضَحِّي عِنْدَ ذَبْحِ الْوَكِيلِ أَوْ الدَّفْعِ إلَيْهِ أَوْ فِيمَا قَبْلَهُ، مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقَوْلَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ تَفْوِيضُهَا) أَيْ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا) صُورَتُهَا فِي الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ تَضْحِيَتُهُ عَنْ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ إلَّا فِيمَا إذَا ضَحَّى عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ ضَحَّى عَنْ مُوَلِّيهِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ، أَوْ ضَحَّى الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ الطَّلَبُ عَنْ الْأَغْنِيَاءِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الذَّبْحِ عَنْهُمْ مُجَرَّدُ حُصُولِ الثَّوَابِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ التَّضْحِيَةِ مِنْ الْإِمَامِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ التَّضْحِيَةُ بِمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ التَّضْحِيَةَ بِهِ مِنْ غَلَّةِ وَقْفِهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ شَرَطَ صَرْفَهُ لَهُمْ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ التَّضْحِيَةُ عَنْهُمْ، وَيَأْكُلُونَ مِنْهُ وَلَوْ أَغْنِيَاءً وَلَيْسَ هُوَ ضَحِيَّةٌ مِنْ الْوَاقِفِ، بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ مُجَرَّدَةٌ كَبَقِيَّةِ عِلَّةِ الْوَاقِفِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لَهُ) وَصُورَتُهُ فِي الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَعَتْ لِسَيِّدِهِ) أَيْ بِأَنْ نَوَى السَّيِّدُ أَوْ فَوَّضَ النِّيَّةَ إلَيْهِ ز ي وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ أَيْ الرَّقِيقُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ إلَخْ. اهـ.
стр. 1810
فَصْلٌ: فِي الْعَقِيقَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا خَبَرُ: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ. وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» وَمِنْهَا: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَوَضْعِ الْأَذَى عَنْهُ وَالْعَقِّ» رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ؛ وَمَعْنَى مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ قِيلَ لَا يَنْمُو نُمُوَّ مِثْلِهِ. وَقِيلَ: إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ لَمْ يَشْفَعْ لِوَالِدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ) لُغَةً اسْمٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ وَشَرْعًا الذَّبِيحَةُ عَنْ الْمَوْلُودِ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي الْعَقِيقَةِ]
ِ الْأَوْلَى تَسْمِيَتُهَا ذَبِيحَةٌ وَنَسِيكَةٌ، أَيْ لِمَا فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالْعُقُوقِ فَالتَّسْمِيَةُ بِهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ. وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا عَقِيقَةً كَمَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً اهـ. قَالَ الشَّيْخُ س ل: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، أَيْ لِأَنَّهُ ﷺ سَمَّاهَا عَقِيقَةً وَذَكَرَهَا بَعْدَ الْأُضْحِيَّةِ لِمُشَارَكَتِهَا لَهَا فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا تُخَالِفُهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ طَبْخُ مَا يُدْفَعُ مِنْهَا لِلْفُقَرَاءِ وَأَنْ تُعْطَى رِجْلُهَا نِيئَةً لِلْقَابِلَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيمَا يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) : أَيْ الْعَقِيقَةُ أَيْ الْعَقُّ بِهَا لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ اسْمٌ لِلذَّبِيحَةِ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ سُنَّةً وَإِنَّمَا السُّنَّةُ الْعَقُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ فِي حَقِّنَا وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ: مُؤَكَّدَةٌ فَيُثَابُ عَلَى فِعْلِهَا فَإِنْ نَذَرَهَا وَجَبَتْ. قَوْلُهُ: (الْغُلَامُ) لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْوَالِدَيْنِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْأُنْثَى فَقَصْدُ حَثِّهِمْ عَلَى فِعْلِ الْعَقِيقَةِ وَإِلَّا فَالْأُنْثَى كَذَلِكَ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مُرْتَهَنٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ مَحْبُوسٌ فَشَبَّهَهُ بِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَدِ مُرْتَهِنٍ يَعْنِي إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ فَمَاتَ طِفْلًا لَا يَشْفَعُ فِي أَبَوَيْهِ كَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاسْتَجْوَدَهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ شَفَاعَةَ الْوَلَدِ فِي وَالِدِهِ لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَبِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ إنَّهُ مُرْتَهَنٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعَقِيقَةَ سَبَبٌ لِفِكَاكِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، الَّذِي طَعَنَهُ حَالَ خُرُوجِهِ فَهِيَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ حَبْسِ الشَّيْطَانِ لَهُ فِي أَسْرِهِ وَمَنْعُهُ لَهُ فِي سَعْيِهِ فِي مَصَالِحِ آخِرَتِهِ. اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ إلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: وَهُوَ تَفْسِيرُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِحَاطَتُهُ بِالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ ثَبَتَ فِيهِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَشْفَعْ لِوَالِدَيْهِ) أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ أَيْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا لِكَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَالْأَوْلَى قِرَاءَةُ وَالِدِيهِ بِكَسْرِ الدَّالِ فَيَشْمَلُ الْوَالِدَ وَإِنْ عَلَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَمْ الْأُمِّ. ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَانْظُرْ إذَا عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ هَلْ يَشْفَعُ فِي أَبَوَيْهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ) أَيْ ذَبْحُهَا لَا هِيَ نَفْسُهَا لِأَنَّهَا الْحَيَوَانُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ) مِنْ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْعًا الذَّبِيحَةُ إلَخْ) أَقُولُ: هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ مِنْ الْعَقِيقَةِ مَا يُذْبَحُ قَبْلَ حَلْقِ الشَّعْرِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَمَا يُذْبَحُ وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ حَلْقُ شَعْرٍ مُطْلَقًا فَإِنَّ الذَّبْحَ عِنْدَ حَلْقِ الشَّعْرِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، بِأَنْ يَكُونَ يَوْمَ السَّابِعِ وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي الْحَقِيقَةِ تَأَمَّلْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ) هَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ الْعَقِيقَةُ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ فَقَوْلُهُ: عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَأَصْلُ السُّنَّةِ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ) وَهِيَ الذَّبِيحَةُ وَقَوْلُهُ: بِاسْمِ سَبَبِهِ أَيْ وَهُوَ حَلْقُ الرَّأْسِ هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُ الْحَلْقِ سَبَبًا لِلتَّسْمِيَةِ وَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ كَانَ الْحَلْقُ يُسَمَّى عَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ السَّبَبُ الْبَعِيدُ. وَهُوَ الشَّعْرُ لِأَنَّ الشَّعْرَ سَبَبٌ لِلْحَلْقِ وَالْحَلْقُ سَبَبٌ لِلذَّبْحِ، وَفِي كَوْنِ الْحَلْقِ سَبَبًا لِلذَّبْحِ شَيْءٌ فَكَانَ الْأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ مَذْبَحَهَا يُعَقُّ أَيْ يُشَقُّ وَيُقْطَعُ وَقِيلَ سُمِّيَ الشَّعْرُ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُعَقُّ أَيْ يُزَالُ قَالَ الرَّشِيدِيُّ: اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ وَلَا تَظْهَرُ لَهُ مُلَاءَمَةٌ
стр. 1811
سَبَبِهِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِانْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ وَلَا تُحْسَبُ قَبْلَهُ بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ وَيُسَنُّ ذَبْحُهَا. (يَوْمَ سَابِعِهِ) أَيْ وِلَادَتِهِ وَيُحْسَبُ يَوْمُ الْوِلَادَةِ مِنْ السَّبْعَةِ. كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الزَّوَائِدِ لِأَنَّ الْمَرْعِيَّ هُنَا الْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ الْقُرْبَةِ وَالْمَرْعِيُّ هُنَاكَ التَّأْخِيرُ لِزِيَادَةِ الْقُوَّةِ لِيَحْتَمِلَهُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الذَّابِحُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: اللَّهُمَّ مِنْك، وَإِلَيْك عَقِيقَةُ فُلَانٍ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
وَيُكْرَهُ لَطْخُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِدَمِهَا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِقُوا عَلَيْهِ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» بَلْ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ثُمَّ يُغْسَلُ لِهَذَا الْخَبَرِ؛ وَيُسَنُّ لَطْخُ رَأْسِهِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْخُلُوقِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ
. وَيُسَنُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابِعِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَلَا بَأْسَ بِتَسْمِيَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَصِحُّ جَامِعًا بَيْنَ اللُّغَوِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَقَّ لُغَةً مَعْنَاهُ قَطَعَ فَيَكُونُ لَهَا فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَانِ الْقَطْعُ وَالشَّعْرُ الَّذِي عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ فَلَعَلَّ هَذَا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَسْقَطَتْهُ الْكَتَبَةُ مِنْ الشَّرْحِ بَعْدَ إثْبَاتِهِ فِيهِ مَعَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَيَكُونُ الشَّرْحُ قَدْ أَشَارَ إلَى مُنَاسَبَةِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَأَشَارَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَعْنَى قَطَعَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَذْبَحَهُ إلَخْ وَلِمُنَاسَبَتِهِ لِمَعْنَى الشَّعْرِ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ الشَّعْرَ إلَخْ اهـ بِالْحَرْفِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وِلَادَتِهِ) وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهَا وَهِيَ تَطْلَقُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] الْآيَةَ الَّتِي فِي الْأَعْرَافِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَمِنْ دُعَاءِ يُونُسَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يَقْرَأَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] قَالَ بَعْضُهُمْ: خَاصِّيَّتُهَا أَنَّ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَزْنِ مُدَّةَ عُمْرِهِ. فَائِدَةٌ لِوَضْعِ الْحَامِلِ:
يَكْتُبُ فِي إنَاءٍ جَدِيدٍ: اُخْرُجْ أَيُّهَا الْوَلَدُ مِنْ بَطْنٍ ضَيِّقَةٍ إلَى سِعَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا، اُخْرُجْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَك فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] . إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ، وَيُمْحَى بِمَاءٍ وَتَشْرَبُهُ الْحَامِلُ وَيُرَشُّ عَلَى وَجْهِهَا مِنْهُ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك) أَيْ اللَّهُمَّ هَذَا نِعْمَةٌ مِنْك، وَتَقَرَّبْت بِهِ إلَيْك، وَالْإِشَارَةُ لِلْمَذْبُوحِ.
قَوْلُهُ: (عَقِيقَةُ فُلَانٍ) أَيْ هَذِهِ عَقِيقَةٌ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْك خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَعَقِيقَةٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لَطْخُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِدَمِهَا) وَيَحْرُمُ لَطْخُ الْأَبْوَابِ بِدَمِهَا وَبِدَمِ الْأُضْحِيَّةِ اهـ ق ل وَنُقِلَ عَنْ م ر. أَنَّ تَلْطِيخَ الْبَابِ بِدَمِ الْأُضْحِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّبَرُّكُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْبَابُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْمُضَحِّي.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ) أَيْ لَطْخُ الرَّأْسِ قَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا فَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلَّا قِيلَ بِالْحُرْمَةِ لِحُرْمَةِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَيْ لِظَاهِرِهِ إذْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَأَهْرِقُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ فَأَهْرِقُوا لِأَجْلِهِ فَتَكُونُ عَلَى لِلتَّعْلِيلِ وَقَوْلُهُ: أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى أَيْ أَزِيلُوا عَنْهُ أَذَى الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّدْبِ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الْحَاشِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْغُلَامِ) أَيْ يُطْلَبُ مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَهْرِقُوا) أَيْ صُبُّوا عَلَى رَأْسِهِ. وَقَوْلُهُ: وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى أَيْ اغْسِلُوهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُلُوقِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْقَافِ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ. اهـ. تَقْرِيبٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابِعِ) وَلَوْ مَاتَ أَوْ كَانَ سِقْطًا وَلَمْ يُعْرَفْ ذُكُورَتُهُ وَلَا أُنُوثَتُهُ سُمِّيَ بِاسْمٍ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى نَحْوُ طَلْحَةَ وَهِنْدٍ وَنَحْوَ
стр. 1812
أَذْكَارِهِ أَنَّ السُّنَّةَ تَسْمِيَتُهُ يَوْمَ السَّابِعِ، أَوْ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَاسْتَدَلَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ وَحَمَلَ الْبُخَارِيُّ أَخْبَارَ يَوْمِ الْوِلَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ الْعَقَّ وَأَخْبَارَ يَوْمِ السَّابِعِ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ شَارِحُهُ: وَهُوَ جَمْعٌ لَطِيفٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ؛ وَيُسَنُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ لِخَبَرِ: «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَحَسِّنُوا أَسْمَاءَكُمْ» وَأَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» . وَتُكْرَهُ الْأَسْمَاءُ الْقَبِيحَةُ كَشِهَابٍ وَشَيْطَانٍ وَحِمَارٍ وَمَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ عَادَةً كَبَرَكَةَ وَنَجِيحٍ، وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللَّهُ أَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْ النَّارِ وَأَوَّلُ مَنْ يُخْرَجُ مَنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ " وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمْ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَلْيَدْخُلْ الْجَنَّةَ كَرَامَةً لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ " وَيَحْرُمُ تَلْقِيبُ الشَّخْصِ بِمَا يَكْرَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَالْأَعْمَشِ وَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِقَصْدِ التَّعْرِيفِ. لِمَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ، وَالْأَلْقَابُ الْحَسَنَةُ لَا يُنْهَى عَنْهَا وَمَا زَالَتْ الْأَلْقَابُ الْحَسَنَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلَّا مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا مِنْ التَّوَسُّعِ حَتَّى لَقَّبُوا السَّفَلَةَ بِالْأَلْقَابِ الْعَلِيَّةِ. وَيُسَنُّ أَنْ يُكَنَّى أَهْلُ الْفَضْلِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ إنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ لَا تُؤَخَّرَ تَسْمِيَتُهُ إلَى السَّابِعِ بَلْ يُسَمَّى غَدَاةَ وِلَادَتِهِ. اهـ. مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ السَّابِعِ) أَيْ مِنْ الْوِلَادَةِ وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَأْقِيتِهَا بِهِ وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذِكْرَ السَّابِعِ لِلِاخْتِيَارِ لَا لِلتَّعْيِينِ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ فَالرَّابِعَ عَشَرَ فَالْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَجَرٍ) أَيْ الْعَسْقَلَانِيُّ شَارِحُهُ أَيْ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ مَا أُضِيفَ بِالْعُبُودِيَّةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ثُمَّ أَحْمَدُ. وَسُئِلَ شَيْخُنَا: عَنْ اسْمِ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ مَا الْأَفْضَلُ مِنْهُمَا. فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْأَفْضَلَ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مُحَمَّدٌ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ وَبِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ أَحْمَدُ لِذَلِكَ. وَقَالَ شَيْخُنَا س ل مُحَمَّدٌ أَفْضَلُ مُطْلَقًا بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْغَزِّيِّ. وَتُكْرَهُ بِعَبْدِ النَّبِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ مِنْ حُرْمَةِ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ النَّبِيِّ ضَعِيفٌ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الرَّحْمَانِيِّ حُرْمَةُ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ الْعَاطِي لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَهِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ؛ وَتُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ أَيْضًا بِكُلِّ مَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ أَوْ إثْبَاتِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ: كَبَرَكَةَ وَرَحْمَةَ وَغَنِيمَةَ وَنَافِعٍ وَيَسَارٍ وَحَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَشِهَابٍ وَشَيْطَانٍ وَحِمَارٍ، وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ بِنَحْوِ سِتِّ النَّاسِ أَوْ سِتِّ الْعُلَمَاءِ أَوْ سِتِّ الْقُضَاةِ أَوْ سِتِّ الْعَرَبِ أَوْ سَيِّدِ الْعُلَمَاءِ أَوْ سَيِّدِ النَّاسِ.
وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ الْكَعْبَةِ أَوْ النَّارِ أَوْ بِعَبْدِ عَلِيٍّ أَوْ الْحَسَنِ لِإِيهَامِ التَّشْرِيكِ، كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ عَلِيٍّ ضَعِيفٌ وَتَحْرُمُ بِأَقْضَى الْقُضَاةِ وَمَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ لَا قَاضِي الْقُضَاةِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَحْرُمُ أَيْضًا بِرَفِيقِ اللَّهِ وَجَارِ اللَّهِ لِإِيهَامِهِ الْمَحْذُورَ أَيْضًا، وَمِمَّا يَحْرُمُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَوَامّ: إذَا حَمَلَ شَيْئًا ثَقِيلًا الْحَمْلَةُ عَلَى اللَّهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَمِثْلُهُ يَا حَامِلُ يَا زَامِلُ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ جِسْمًا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَحْرُمُ بِعَبْدِ مَنَافٍ وَعَبْدِ الْعُزَّى لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ لِصَنَمٍ كَعَبْدِ الْعَاطِي فَإِنَّهُ قَابِلُ الْعَطَاءِ كَعَبْدِ النَّارِ وَلَا يُكْرَهُ عَبْدُ النُّورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وَيَجِبُ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْحَرَامِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ عَادَةً) كَأَنْ يَقُولَ أَيْنَ بَرَكَةُ فَتَقُولُ لَهُ ذَهَبَتْ. قَوْلُهُ (كَبَرَكَةَ) وَغَنِيمَةَ وَرَحْمَةَ وَنَافِعٍ وَيَسَارٍ وَحَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَشِهَابٍ. قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْعُهُودِ: أَخَذَ عَلَيْنَا الْعُهُودَ أَنْ نَزِيدَ فِي تَعْظِيمِ كُلِّ عَبْدٍ يُسَمَّى بِمِثَالِ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ رَسُولِهِ ﷺ ، أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ ﵃ زِيَادَةً عَلَى تَعْظِيمِ غَيْرِهِ، مِمَّنْ لَمْ يُسَمَّ بِمَا ذَكَرَهُ وَقَالَ لِي سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ عَنَانٍ: أُحِبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يُسَمُّوا أَوْلَادَهُمْ أَحْمَدَ دُونَ مُحَمَّدٍ فَقُلْت لَهُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِلَحْنِ الْعَامَّةِ فِي
стр. 1813
وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ وَلَا يُكَنَّى كَافِرٌ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا فَاسِقٌ وَلَا مُبْتَدِعٌ لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لِلتَّكْرِمَةِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا إلَّا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ أَوْ تَعْرِيفٍ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى.
وَيُسَنُّ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُهُ كُلُّهُ. وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ الشَّعْرِ ذَهَبًا فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فَفِضَّةٌ.
(وَيُذْبَحُ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ حُذِفَ فَاعِلُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ) مُتَسَاوِيَتَانِ (وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
اسْمِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْيَافِ يَقُولُونَهَا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَأَهْلُ الْحَاضِرَةِ يَقُولُونَهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكِلَاهُمَا لَحْنٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ) وَلَوْ لِغَيْرِ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ ق ل وَظَاهِرُهُ الْحُرْمَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ سَمَّاهُ قَاسِمًا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِأَبِي قَاسِمٍ وَالْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا أَيْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِمَنْ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ قَاسِمٌ أَوْ لَا، وَلَا بَأْسَ بِالتَّكَنِّي بِأَبِي الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ لُقَيْمَةَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ: وَلَا بَأْسَ بِكُنْيَةِ الصَّغِيرِ؛ وَيُسَنُّ أَنْ يُكَنَّى مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ وَيُسَنُّ لِوَلَدِ الشَّخْصِ وَتِلْمِيذِهِ وَغُلَامِهِ أَنْ لَا يُسَمِّيَهُ بِاسْمِهِ، وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يُكَنِّيَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ فِي كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا إنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ أَشْهَرَ مِنْ الِاسْمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكَنَّى كَافِرٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْكُنْيَةُ تُشْعِرُ بِالذَّمِّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: كَمَا قِيلَ بِهِ إلَخْ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لِلتَّكْرِمَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ شَأْنَهَا ذَلِكَ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا) وَقَدْ قَالَ ﷺ : «إذَا مُدِحَ الْكَافِرُ غَضِبَ الرَّبُّ وَاهْتَزَّ لِذَلِكَ الْعَرْشُ» .
قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ) أَيْ خَافَ الضَّرَرَ إذَا ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ لِعِظَمِهِ عِنْدَهُمْ فَيَذْكُرُهُ بِكُنْيَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَكْرِيمٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَعْرِيفٍ) أَيْ تَعْرِيفِ الْمُكَنَّى وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى خَوْفٍ، أَيْ إذَا كَانَ الْكَافِرُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْكُنْيَةِ فَيَجُوزُ ذِكْرُهَا، لِأَجْلِ أَنْ يُعْرَفَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيلَ بِهِ) أَيْ بِالتَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: (فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . أَيْ هَلَكَتَا أَوْ خَسِرَتَا بَيْضَاوِيٌّ قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ قَالَ مُقَاتِلٌ: إنَّمَا كَنَّوْهُ بِأَبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وَإِشْرَاقِ وَجْهِهِ مَعَ حُمْرَتِهِ
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ الْحَلْقُ بَعْدَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ.
فَائِدَةٌ: تُنْدَبُ التَّهْنِئَةُ فِي الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ وَنَحْوِهِ بِنَحْوِ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ وَبَلَّغَهُ رُشْدَهُ وَرَزَقَك بِرَّهُ، وَالرَّدُّ بِنَحْوِ جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا ق ل. وَقَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ كَالْأَخِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ الشَّعْرِ إلَخْ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَةَ أَنْ تَزِنَ شَعْرَ الْحُسَيْنِ، وَتَتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ فِضَّةً، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَوَجَدَتْهُ عَادَلَ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمًا إلَّا شَيْئًا وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ» اهـ قَرَّرَهُ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَيُذْبَحُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ) فَقَدْ «عَقَّ ﷺ عَنْ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ بِكَبْشَيْنِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَمَرَ بِشَعْرِهِ فَدُفِنَ فِي الْأَرْضِ» ح ل فِي السِّيرَةِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْخُنْثَى احْتِيَاطًا م ر خِلَافًا لحج وَأَفْضَلُ مِنْ الشَّاتَيْنِ ثَلَاثٌ. وَمَا زَادَ إلَى سَبْعٍ ثُمَّ بَعِيرٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ وَكَالشَّاتَيْنِ سُبْعَانِ مِنْ نَحْوِ بَدَنَةٍ فَأَكْثَرُ وَيَجُوزُ مُشَارَكَةُ جَمَاعَةٍ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُمْ عَنْ عَقِيقَةٍ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْ ضَحِيَّةٍ أَوْ لَا وَلَا. اهـ. ق ل قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَإِذَا ذَبَحَهُمَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ التَّصَدُّقُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ يَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَبْحِهِ أَجْزَأَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ، مِنْ كُلِّ كَمَا لَوْ ضَحَّى تَطَوُّعًا بَعْدَهُ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي هَذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنْ كُلٍّ وَقَدْ سَوَّوْا كَمَا عَلِمْت بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِمَا، إلَّا فِي صُورَةٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ بَلْ الْوَجْهُ اهـ إيعَابٌ. أَقُولُ: بَلْ الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبِ فِي وَاحِدَةٍ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ إذْ مُسَمَّى الشَّاتَيْنِ هُنَا هُوَ الْعَقِيقَةُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ مُسَمَّاهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ بِفَرْضِ إعْسَارِهِ سم فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: إمَّا مَنْ مَالِ الْمَوْلُودِ فَلَا إلَخْ فَسَقَطَ مَا يُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ مَالٌ نَافَى قَوْلَهُ: مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (مُتَسَاوِيَتَانِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَعُقَّ)
стр. 1814
نَعُقَّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ» . وَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ تَشْبِيهًا بِالدِّيَةِ وَيَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاةٍ: «لِأَنَّهُ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» وَكَالشَّاةِ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ عَاجِزًا عَنْ الْعَقِيقَةِ حِينَ الْوِلَادَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ قَبْلَ تَمَامِ السَّابِعِ. اُسْتُحِبَّ فِي حَقِّهِ وَإِنْ أَيْسَرَ بِهَا بَعْدَ السَّابِعِ وَبَعْدَ بَقِيَّةِ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَيْ أَكْثَرِهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَفِيمَا إذَا أَيْسَرَ بِهَا بَعْدَ السَّابِعِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَنْوَارِ تَرْجِيحُ مُخَاطَبَتِهِ بِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(وَيُطْعَمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ) الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ كَالْأُضْحِيَّةِ فِي جِنْسِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ الْعَيْبِ وَالْأَفْضَلُ مِنْهَا وَسِنُّهَا وَالْأَكْلُ وَقَدْرُ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِهْدَاءُ مِنْهَا وَتَعْيِينُهَا إذَا عُيِّنَتْ وَامْتِنَاعُ بَيْعِهَا: كَالْأُضْحِيَّةِ الْمَسْنُونَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا. فَأَشْبَهَتْ الْأُضْحِيَّةَ لَكِنَّ الْعَقِيقَةَ: يُسَنُّ طَبْخُهَا، كَسَائِرِ الْوَلَائِمِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ السُّنَّةُ.
وَيُسَنُّ أَنْ تُطْبَخَ بِحُلْوٍ تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِ الْمَوْلُودِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» .
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسَنُّ طَبْخُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً. وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ طَبْخِهَا «رِجْلُ الشَّاةِ. فَإِنَّهَا تُعْطَى لِلْقَابِلَةِ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَعَلَتْ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ » رَوَاهُ الْحَاكِمُ. وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُكْسَرَ مِنْهَا عَظْمٌ بَلْ يُقْطَعُ كُلُّ عَظْمٍ مِنْ مَفْصِلِهِ تَفَاؤُلًا بِسَلَامَةِ أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ. فَإِنْ كَسَرَهُ لَمْ يُكْرَهْ.
خَاتِمَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُمْنَى وَيُقَامَ فِي الْيُسْرَى لِخَبَرِ ابْنِ السِّنِيِّ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَيْ التَّابِعَةُ مِنْ الْجِنِّ وَلِيَكُونَ إعْلَامُهُ بِالتَّوْحِيدِ أَوَّلُ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ عِنْدَ قُدُومِهِ إلَى الدُّنْيَا كَمَا يُلَقَّنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا. وَأَنْ يُحَنَّكَ بِتَمْرٍ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، فَيُمْضَغُ وَيُدَلَّكُ بِهِ حَنَكُهُ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهِمَا وَفِي اللُّغَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الضَّمِّ مِنْ بَابِ قَتَلَ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ
. قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا) أَيْ أَمْرًا مُؤَكَّدًا. قَوْلُهُ: (تَرْجِيحُ مُخَاطَبَتِهِ) لِبَقَاءِ أَثَرِ الْوِلَادَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّصَدُّقُ) أَيْ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إذَا كَانَتْ مَنْدُوبَةً لَكِنْ لَا يَجِبُ هُنَا إعْطَاءُ النِّيءِ بَلْ يُسَنُّ طَبْخُهَا بِحُلْوٍ أَيْ بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ مِنْ الْيَخْنِيِّ الْقِرْمِزِيِّ. اهـ. ع ش. وَالْقِرْمِزِيُّ هُوَ مَا فِيهِ جَوْزٌ وَلَوْزٌ وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (كَالْأُضْحِيَّةِ) مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: قَبْلُ فَهِيَ كَالْأُضْحِيَّةِ. قَوْلُهُ: (بِحُلْوٍ) وَطَبْخُهَا بِحَامِضٍ خِلَافُ الْأَوْلَى وَحَمْلُ لَحْمِهَا مَطْبُوخًا مَعَ مَرَقِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِمْ إلَيْهَا وَلِلْأَغْنِيَاءِ التَّصَرُّفُ فِيمَا يُهْدَى إلَيْهِمْ مِنْهَا بِغَيْرِ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةٍ إلَخْ) وَلَا يُقَالُ: بِمِثْلِهِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَفَاؤُلًا بِأَخْلَاقِ الْعَرُوسِ لِأَنَّهَا طُبِعَتْ فَاسْتَقَرَّ طَبْعُهَا وَهُوَ لَا يُغَيَّرُ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْحَلْوَاءَ) بِالْمَدِّ وَقَوْلُهُ: وَالْعَسَلَ عَطْفٌ مُغَايِرٌ إنْ أُرِيدَ بِالْحَلْوَاءِ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ، لِأَنَّ عَسَلَ النَّحْلِ لَا يَدْخُلُهُ نَارٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْحَلْوَاءِ أَعَمَّ مِنْ أَنَّهَا مَا تَرَكَّبَتْ مِنْ شَيْئَيْنِ أَمْ لَا كَانَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (رِجْلُ الشَّاةِ) أَيْ إلَى أَصْلِ الْفَخِذِ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْأَفْضَلُ الْيَمِينُ تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يَعِيشُ وَيَمْشِي بِرِجْلِهِ وَتَكْفِي رِجْلٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الشِّيَاهُ وَالْقَوَابِلُ ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُكْرَهْ) بَلْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (يُسَنُّ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ) وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ الْأَذَانُ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الرِّجَالِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الذِّكْرِ لِلتَّبَرُّكِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِعْلُ الْأَذَانِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْلُودُ كَافِرًا وَهُوَ قَرِيبٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَدَفْعُ الشَّيْطَانِ وَرُبَّمَا كَانَ دَفْعُهُ مُؤَدِّيًا لِبَقَائِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهِدَايَتِهِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيُقَامُ فِي الْيُسْرَى) وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُهُ حِينَئِذٍ فَشُرِعَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لِأَنَّهُ يُدْبِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ إلَّا مَرْيَمُ وَابْنُهَا كَمَا فِي الْأَخْبَارِ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَيَمْضُغُ) أَيْ يَمْضُغُهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ
стр. 1815
وَيُفْتَحُ فَاهُ حَتَّى يَنْزِلَ إلَى جَوْفِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِي مَعْنَى التَّمْرِ الرُّطَبُ، وَيُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَدَّهِنَ غِبًّا بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِحَيْثُ يَجِفُّ الْأَوَّلُ وَأَنْ يَكْتَحِلَ وِتْرًا لِكُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةٌ وَأَنْ يَحْلِقَ الْعَانَةَ وَيُقَلِّمَ الظُّفْرَ، وَيَنْتِفَ الْإِبِطَ وَأَنْ يَغْسِلَ الْبَرَاجِمَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ وَهِيَ: عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا. وَأَنْ يُسَرِّحَ اللِّحْيَةَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَأَمَّا حَلْقُ جَمِيعِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنَظُّفَ وَلَا يَتْرُكُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْهُنَهُ وَيُرَجِّلَهُ وَلَا يُسَنُّ حَلْقُهُ إلَّا فِي النُّسُكِ أَوْ فِي حَقِّ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ. أَوْ فِي الْمَوْلُودِ إذَا أُرِيدَ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا حَلْقُ رَأْسِهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُكْرَهُ نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ، وَنَتْفُ الشَّيْبِ وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أَوْ غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
الصَّلَاحِ وَيُقَدَّمُ الرُّطَبُ عَلَى التَّمْرِ وَبَعْدَهُمَا حُلْوٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى التَّمْرِ) فَإِنْ فُقِدَ فَحُلْوٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، وَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ الرُّطَبِ عَلَى التَّمْرِ كَمَا فِي الصَّوْمِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَنْ يَدَّهِنَ غِبًّا) أَيْ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُرَطِّبُ الْبَدَنَ.
قَوْلُهُ: (الْبَرَاجِمَ) جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْجِيمِ شَرْحُ الرَّوْضِ، وَأَمَّا التَّرَاجِمُ فَإِنْ كَانَ فِي تَرَاجِمِ الْمُصَنِّفِينَ فَتُكْسَرُ فِيهِ الْجِيمُ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ مَثَلًا فَتُضَمُّ فِيهِ الْجِيمُ. اهـ. مِصْرِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسَرِّحَ اللِّحْيَةَ) وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ تَسْرِيحَهَا بِاللَّيْلِ مَكْرُوهٌ وَكَذَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ إطَالَةُ الْعُمْرِ وَفِي تَسْرِيحِ الْحَاجِبَيْنِ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ الْأَمْنُ مِنْ الطَّاعُونِ وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ مَبْلُولَةً أَمَانٌ مِنْ الْفَقْرِ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ تَسْرِيحِ الْجِهَةِ الْيُمْنَى وَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] عِنْدَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ الرَّأْسِ) وَمِنْهُ الشُّوشَةُ الْمَشْهُورَةُ وَمَا يَفْعَلُهُ الْحَلَّاقُ عِنْدَ خِتَانِ الْأَوْلَادِ ق ل.
فَائِدَةٌ: مَنْ قَالَ بَعْدَ الْعُطَاسِ عَقِبَ حَمْدًا لِلَّهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مَالًا يَكْفِينِي وَبَيْتًا يَأْوِينِي وَاحْفَظْ عَلَيَّ عَقْلِي وَدِينِي وَاكْفِنِي شَرَّ مَنْ يُؤْذِينِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا حَلْقُ جَمِيعِهَا) الْأَوْلَى تَذْكِيرُ ضَمِيرِ الرَّأْسِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ عُضْوٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ وَالْأَفْصَحُ فِي الْعُضْوِ الْغَيْرِ الْمُتَعَدِّدِ إفْرَادُ ضَمِيرِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «لَمْ يَحْلُقْ ﷺ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ إلَّا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» ، وَقَدْ رُوِيَ فِي صِفَتِهِ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ رَجِلَ الشَّعْرِ. وَلَمْ يُجَاوِزْ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إذَا هُوَ وَفَّرَهُ» أَيْ جَعَلَهُ وَفْرَةً.
وَحَاصِلُ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ شَعْرَهُ ﷺ وُصِفَ بِأَنَّهُ جَمَّةٌ وَوُصِفَ بِأَنَّهُ وَفْرَةٌ وَوُصِفَ بِأَنَّهُ لِمَّةٌ وَفُسِّرَتْ اللِّمَّةُ بِالشَّعْرِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ وَالْجُمَّةُ بِاَلَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ: «كَانَ شَعْرُهُ ﷺ يَقْصُرُ وَيَطُولُ بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ» . فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَصَلَ إلَى مَنْكِبِهِ وَإِذَا قَصَّرَهُ تَارَةً يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَتَارَةً لَا يَنْزِلُ عَنْهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي وَصْفِ «شَعْرِهِ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ أَيْ بَالِغٍ فِي الْجُعُودَةِ وَلَا رَجْلٍ سَبْطٍ أَيْ بَالِغٍ فِي السُّبُوطَةِ وَكَانَ لَهُ ﷺ أَرْبَعُ غَدَائِرَ أَيْ ضَفَائِرَ يُخْرِجُ أُذُنَهُ الْيُمْنَى مِنْ بَيْنِ اثْنَيْنِ وَأُذُنَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ» اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (إذَا أُرِيدَ أَنْ يُتَصَدَّقَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ وَلَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ نَتْفُ اللِّحْيَةِ) وَكَذَا يُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَالنَّقْصُ مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ فِي شَعْرِ الْعِذَارَيْنِ وَيَحْرُمُ خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْغَزْوِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الْغِرْبِيبَ» وَهُوَ الَّذِي يُسَوِّدُ شَيْبَهُ بِالْخِضَابِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ كُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُرْدٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْغِرْبِيبَ هُوَ الَّذِي بَلَغَ أَوَانَ الشَّيْبِ وَلَمْ يَشِبْ. قَوْلُهُ: (أَوَّلَ طُلُوعِهَا) لَيْسَ قَيْدًا وَكَذَا الْكَبِيرُ أَيْضًا أَيْ إنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ مَكْرُوهٌ حَتَّى مِنْ الرَّجُلِ وَلَيْسَ حَرَامًا وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ بِهِ لِقَوْلِهِ: إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ، وَأَخْذُ مَا عَلَى الْحُلْقُومِ قِيلَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ مُبَاحٌ، وَلَا بَأْسَ بِإِبْقَاءِ السِّبَالَيْنِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ وَإِحْفَاءُ الشَّارِبِ بِالْحَلْقِ أَوْ الْقَصِّ مَكْرُوهٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْلِقَ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى تَظْهَرَ الشَّفَةُ وَأَنْ يَقُصَّ مِنْهُ شَيْئًا وَيُبْقِيَ مِنْهُ شَيْئًا.
١ -
стр. 1816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
خَاتِمَةٌ: حَاصِلُ مَا فِي الْخِتَانِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَخِتَانُ الرَّجُلِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُ الْحَشَفَةِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَطْعُ اللَّحْمَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتُشْبِهُ تِلْكَ اللَّحْمَةُ عُرْفَ الدِّيكِ فَإِذَا قُطِعَتْ بَقِيَ أَصْلُهَا كَالنَّوَاةِ وَيَكْفِي أَنْ يُقْطَعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ فِي السَّبْعِ مِنْ وِلَادَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يَحْتَمِلُهُ فَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَحْتَمِلَهُ وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يُخْتَنُ فِي صِغَرِهِ. فَإِذَا بَلَغَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ لَا يَجُوزُ خِتَانُهُ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَجُوزُ بِالشَّكِّ وَبِهِ قَطَعَ النَّوَوِيُّ. ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ذَكَرَانِ إنْ كَانَا عَامِلَيْنِ خُتِنَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا خُتِنَ وَحْدَهُ وَهَلْ يُعْرَفُ الْعَمَلُ بِالْجِمَاعِ أَوْ الْبَوْلِ وَجْهَانِ اهـ. قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ الْجَزْمُ بِاعْتِبَارِ الْبَوْلِ اهـ. وَمُؤْنَةُ الْخِتَانِ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ وَإِذَا بَلَغَ غَيْرَ مَخْتُونٍ أَمَرَهُ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ. فَإِنْ خَتَنَ الْإِمَامُ الْمُمْتَنِعَ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ وَاجِبٍ إلَّا أَنْ يَخْتِنَهُ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدَيْنِ. فَيَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ اهـ. شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَالسُّنَّةُ فِي خِتَانِ الذَّكَرِ الْإِظْهَارُ. وَفِي خِتَانِ النِّسَاءِ الْإِسْرَارُ، وَلَوْ وُلِدَ الشَّخْصُ مَخْتُونًا فَلَا خِتَانَ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَنَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيّ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَيْ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْحَالِقِينَ أَمْرٌ يَظْهَرُ اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الزِّيَادِيُّ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ ثَقْبَ أُذُنِ الصَّغِيرَةِ لِتَعْلِيقِ الْحَلَقِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ وَغَرَضُ الزِّينَةِ لَا يَجُوزُ بِمِثْلِ هَذَا التَّعْذِيبِ هَذَا مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا م ر. وَرَجَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْجَوَازَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَجِبُ أَيْضًا قَطْعُ سُرَّةِ الْمَوْلُودِ إذْ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوتُ الطَّعَامِ بِدُونِهِ
١ -
وَأَوَّلُ مَنْ خُتِنَ مِنْ النِّسَاءِ هَاجَرُ، وَوُلِدَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَخْتُونًا خَمْسَةَ عَشَرَ آدَم، وَشِيثُ وَنُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ وَلُوطٌ، وَشُعَيْبٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى وَعِيسَى وَحَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَفِي الرُّسُلِ مَخْتُونٌ لَعَمْرُك خِلْقَةً ... ثَمَانٍ وَتِسْعٌ طَيِّبُونَ أَكَارِمُ
وَهُمْ زَكَرِيَّا وَشِيثُ إدْرِيسُ يُوسُفُ ... وَحَنْظَلَةُ مُوسَى وَعِيسَى وَآدَمُ
وَنُوحٌ شُعَيْبٌ سَامُ لُوطٌ وَصَالِحُ ... سُلَيْمَانُ يَحْيَى هُودٌ يس خَاتَمُ
لَكِنْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّ «جِبْرِيلَ خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ طَهَّرَ قَلْبَهُ» وَرَوَى أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِهِ وَجَعَلَ لَهُ مَائِدَةً وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا اهـ. حَاشِيَةٌ م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ وُلِدَ مَخْتُونًا ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ) نَعَمْ إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ جَازَ اهـ. ق ل. وَقَوْلُهُ بِالْكِبْرِيتِ أَيْ بِالتَّبَخُّرِ بِهِ.
стр. 1817
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ السَّبْقُ بِالسُّكُونِ مَصْدَرُ سَبَقَ أَيْ تَقَدَّمَ وَبِالتَّحْرِيكِ الْمَالُ الْمَوْضُوعُ بَيْنَ أَهْلِ السِّبَاقِ وَالرَّمْيُ يَشْمَلُ الرَّمْيَ بِالسِّهَامِ وَالْمَزَارِيقِ وَغَيْرِهِمَا. وَهَذَا الْبَابُ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا. كَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَصْدِ الْجِهَادِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةَ وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ وَلِخَبَرِ أَنَسٍ: «كَانَتْ الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ]
ِ كَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْجِهَادِ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ يَقَعُ الْجِهَادُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ لِلْمُسَابَقَةِ قَدَّمَ الْجِهَادَ وَأَخَّرَ السَّبْقَ. قَوْلُهُ: (مِنْ مُبْتَكَرَاتِ إمَامِنَا) أَيْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُتُبَ الْأَئِمَّةِ خَلَتْ عَنْهُ وَكَانَ ﵁ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الرَّمْيِ، وَاتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا حَاذِقًا فِي الرَّمْيِ فَأَعْطَاهُ ثَلَثَمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ لَهُ: لَا تُؤَاخِذْنَا لَوْ كَانَ مَعَنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَأَعْطَيْنَاهُ لَك.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ) أَيْ الْمُرَامَاةُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَالْمُسَابَقَةُ تَعَلُّمُ الْمُنَاضَلَةِ وَالرِّهَانِ. وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْلِ تَغَايُرَ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ وَالسِّبَاقُ يَعُمُّهُمَا اهـ وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ: الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ السَّبْقَ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ ثَلَاثَةٌ فِي الشَّارِحِ وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ سَبَبًا فِي قِتَالِ قَرِيبٍ كَافِرٍ لَمْ يَسُبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُنَاضَلَةِ قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْجِهَادِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْجِهَادَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سم.
قَوْلُهُ: (لِلرِّجَالِ) أَيْ غَيْرِ ذَوِي الْأَعْذَارِ اهـ. ع ن. وَالْأَوْجَهُ جَوَازُهَا لِلذِّمِّيِّينَ كَبَيْعِ السِّلَاحِ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْحَرْبِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ كَذَا قَالَهُ حَجّ فِي بَعْضِ شُرُوحِهِ وَفِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ خِلَافُهُ. وَعِبَارَةُ ق ل هِيَ سُنَّةٌ لِلذُّكُورِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْرُمَانِ عَلَى النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى بِعِوَضٍ وَيُكْرَهَانِ بِدُونِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَقِيلَ بِجَوَازِهَا لَهُمْ لِصِحَّةِ بَيْعِ السِّلَاحِ لَهُمْ. وَبِهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِمْ مَا فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ تَكْلِيفُهُمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَالسِّبَاقُ خَاصٌّ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ نَعَمْ تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْبَقَرِ بِلَا عِوَضٍ اهـ. قَوْلُهُ: (بِقَصْدِ الْجِهَادِ) أَيْ بِقَصْدِ التَّأَهُّبِ لِلْجِهَادِ فَإِنْ قَصَدَ غَيْرَهُ فَهِيَ مُبَاحَةٌ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَإِنْ قَصَدَ مُحَرَّمًا كَقَطْعِ الطَّرِيقِ حَرُمَتْ س ل.
قَوْلُهُ: (بِالرَّمْيِ) وَلَوْ بِأَحْجَارٍ وَمَحَلُّ جَوَازِ الرَّمْيِ بِهَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ جِهَةِ الرَّمْيِ أَمَّا لَوْ رَمَى كُلٌّ إلَى صَاحِبِهِ فَحَرَامٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُؤْذِي كَثِيرًا وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الرَّمْيِ بِالْجَرِيدِ لِلْخَيَّالَةِ فَيَحْرُمُ نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمَا حِذْقٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمَا سَلَامَتُهُمَا مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ حَيْثُ لَا مَالَ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (كَانَتْ الْعَضْبَاءُ) فِي الْمُخْتَارِ نَاقَةٌ عَضْبَاءُ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ وَهُوَ أَيْضًا لَقَبٌ لِنَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَكُنْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ وَيُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْعَضْبَاءَ لَمْ تَأْكُلْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَشْرَبْ. وَإِبِلُ النَّبِيِّ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا نَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْقَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْجَدْعَاءُ، وَنَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعَضْبَاءُ وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ
стр. 1818
أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ» وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ تَرْكُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْجِهَادِ كَانَ مُبَاحًا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مُحَرَّمًا كَقَطْعِ الطَّرِيقِ كَانَ حَرَامًا، أَمَّا النِّسَاءُ فَصَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ بِمَنْعِ ذَلِكَ لَهُنَّ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخَانِ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِعِوَضٍ لَا مُطْلَقًا فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - سَابَقَتْ النَّبِيَّ ﷺ »
(وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ) بِعِوَضٍ وَغَيْرِهِ (عَلَى الدَّوَابِّ) الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْكِلَابِ وَمُهَارَشَةِ الدِّيَكَةِ وَمُنَاطَحَةِ الْكِبَاشِ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ سَفَهٌ وَمِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا عَلَى طَيْرٍ وَصِرَاعٍ بَعُوضٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ آلَاتِ الْقِتَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «صَارَعَ النَّبِيُّ ﷺ رُكَانَةَ عَلَى شِيَاهٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. أُجِيبَ: بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ مُصَارَعَتِهِ لَهُ أَنْ يُرِيَهُ شِدَّتَهُ لِيُسَلِّمَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا صَارَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَسْلَمَ رَدَّ عَلَيْهِ غَنَمَهُ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ. وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ: كَالشِّبَاكِ وَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْبَقَرِ فَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ وَأَمَّا الْغَطْسُ فِي الْمَاءِ فَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي الْحَرْبِ فَكَالسِّبَاحَةِ فَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
(وَ) تَجُوزُ (الْمُنَاضَلَةُ) بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
اسْمٌ لِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْقَصْوَاءَ هِيَ الْعَضْبَاءُ وَهِيَ الْجَدْعَاءُ وَقِيلَ: الْقَصْوَاءُ وَاحِدَةٌ وَالْعَضْبَاءُ وَالْجَدْعَاءُ وَاحِدَةٌ اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (فَسَبَقَهَا) أَيْ وَكَانَ الْمُسَابِقُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: (إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ إلَخْ) أَيْ مِنْ عَادَتِهِ مَعَ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا أَيْ يُظْهِرَ لَهُ عِزَّةً وَشَأْنًا إلَّا وَضَعَهُ أج.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْجِهَادِ) أَيْ مِنْ الْمُبَاحَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مُحَرَّمًا إلَخْ. قَوْلُهُ: (أَمَّا النِّسَاءُ) أَيْ وَلَوْ مَعَ الرِّجَالِ وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (سَابَقَتْ النَّبِيَّ) أَيْ عَلَى الْأَقْدَامِ وَعِبَارَةُ ح ل فِي السِّيرَةِ: «وَتَسَابَقَ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فَتَحَزَّمَتْ بِثِيَابِهَا وَفَعَلَ كَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَبَقَا فَسَبَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهَا: هَذِهِ بِتِلْكَ السِّبْقَةِ الَّتِي كُنْتِ سَبَقْتِينِي بِهَا» وَقَوْلُهُ بِتِلْكَ السِّبْقَةِ أَيْ بَدَلَهَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ ﷺ جَاءَ إلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فَوَجَدَ مَعَ عَائِشَةَ شَيْئًا فَطَلَبَهُ مِنْهَا، فَأَبَتْ وَسَعَتْ
فَسَعَى ﷺ خَلْفَهَا فَسَبَقَتْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا سَبْقَ) أَيْ لَا مَالَ وَالسَّبَقُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْعِوَضُ وَيُرْوَى بِالسُّكُونِ مَصْدَرًا.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي خُفٍّ) أَيْ ذِي خُفٍّ دَخَلَ الْإِبِلُ وَالْفِيَلَةُ، وَدَخَلَ فِي الْحَافِرِ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ نَصْلٍ وَهِيَ السِّهَامُ وَانْظُرْ وَجْهَ دَلَالَتِهِ عَلَى السُّنِّيَّةِ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَجُوزُ) أَيْ الْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُغَالَبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمُهَارَشَةُ الدِّيَكَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بِغَيْرِهِ) رَاجِعٌ لِغَيْرِ الْكِلَابِ أَمَّا هِيَ فَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ) وَمِنْ فِعْلِهِمْ أَيْضًا الضُّرَاطُ فِي الْمَجَالِسِ قَالَ السُّيُوطِيّ أَوَّلُ مَنْ أَتَى الرِّجَالَ قَوْمُ لُوطٍ، أَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَحِينَ كَثُرَ الْغَزْوُ، وَطَالَتْ الْغَيْبَةُ وَسُبِيَتْ الذُّرِّيَّةُ، اسْتَخْدَمُوهُمْ وَطَالَتْ الْخَلْوَةُ بِهِمْ وَأَجْرُوهُمْ مَجْرَى النِّسَاءِ وَطَلَبُوا مِنْهُمْ فَأَطَاعُوهُمْ لِشِدَّةِ الِانْقِيَادِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ كَانَ بِخُرَاسَانَ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ ابْنِ لُقَيْمَةَ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ) : بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود: ٨٢] إلَخْ. وَالْإِمْطَارُ كَانَ عَلَى الْخَارِجِينَ مِنْ قُرَاهُمْ لِيَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَالْحِجَارَةُ أَصْلُهَا طِينٌ عُجِنَ وَطُبِخَ بِالنَّارِ مَعَ الْكِبْرِيتِ ثُمَّ جُعِلَ حِجَارَةً صَغِيرَةً يَنْزِلُ الْوَاحِدُ مِنْهَا عَلَى رَأْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ وَيَسْرِي فِي بَدَنِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ. قَوْلُهُ: (وَصِرَاعٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَقَدْ يُضَمُّ شَرْحُ م ر وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُخَابَطَةِ عِنْدَ الْعَوَامّ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى حُرْمَتِهِ بِمَالٍ.
قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ) أَيْ لِأَجْلِ أَخْذِهِ فَيَصْدُقُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَخْذَهُ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ مَعَ رُكَانَةَ. قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ إلَخْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ شَيْءٌ لِجَوَازِ أَنَّهُ رَدَّهَا إحْسَانًا وَتَأْلِيفًا وَفِي الْخَصَائِصِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالشِّبَاكِ) أَيْ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (فَكَالسِّبَاحَةِ) أَيْ الْعَوْمِ
стр. 1819
الْمُغَالَبَةُ عَلَى رَمْيِ السِّهَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَهِيَ النَّبْلُ أَمْ عَجَمِيَّةً وَهِيَ النُّشَّابُ وَتَصِحُّ عَلَى مَزَارِيق جَمْعُ مِرْزَاقٍ وَهُوَ رُمْحٌ صَغِيرٌ وَعَلَى رِمَاحٍ وَعَلَى رَمْيٍ بِأَحْجَارٍ بِمِقْلَاعٍ أَوْ بِيَدٍ وَرَمْيٍ بِمَنْجَنِيقٍ وَكُلٌّ نَافِعٌ فِي الْحَرْبِ مِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ كَالرَّمْيِ بِالْمِسَلَّاتِ وَالْإِبَرِ وَالتَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الْمُرَامَاةُ بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَجَرَ إلَى صَاحِبِهِ وَإِشَالَةُ الْحَجَرِ بِالْيَدِ وَيُسَمَّى الْعِلَاجُ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْتِقَافُ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَقُولُهُ الْعَامَّةُ بِالدَّالِ فَلَا نَقْلَ فِيهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي حَالِ الْمُسَابَقَةِ وَقَدْ يُمْنَعُ خَشْيَةَ الضَّرَرِ إذْ كُلٌّ يَحْرِصُ عَلَى إصَابَةِ صَاحِبِهِ كَاللِّكَامِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى رَمْيِ بُنْدُقٍ يُرْمَى بِهِ فِي حُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا. وَلَا عَلَى سِبَاحَةٍ فِي الْمَاءِ وَلَا عَلَى شِطْرَنْجٍ وَلَا عَلَى خَاتَمٍ وَلَا عَلَى وُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ مِنْ شَفْعٍ وَوِتْرٍ وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالزَّوَارِقِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ هَذَا إذَا عُقِدَ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ وَأَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ عَلَى قَوْسٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْحَاوِي الْجَوَازُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
وَشُرُوطُ الْمُسَابَقَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى ذِكْرِ اثْنَيْنِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَعْلُومِ وَتَعَلُّمُهُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَسِبَاحَةٌ وَغَطْسٌ بِمَا اُعْتِيدَ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْأَخِيرُ بِمَا ذُكِرَ لِتَوَلُّدِ الضَّرَرِ مِنْهُ إلَى الْمَوْتِ بِخِلَافِ السِّبَاحَةِ وَنَحْوِهَا
. قَوْلُهُ: (وَهِيَ النَّبْلُ) هِيَ النِّشَابُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَدِيدِ فِي طَرَفِهِ وَالنِّشَابُ هُوَ الْخَالِي عَنْ الْحَدِيدِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَرَمْيٌ بِمَنْجَنِيقٍ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْيَدِ شَامِلٌ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَ الْمَنْجَنِيقَ إبْلِيسُ فَإِنَّ النُّمْرُودَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ إبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ بَنَى إلَى جَنْبِ الْجَبَلِ جِدَارًا طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَلَمَّا أَلْقَوْا الْحَطَبَ وَجَعَلُوا فِيهِ النَّارَ وَصَلَتْ النَّارُ إلَى رَأْسِ ذَلِكَ الْجِدَارِ وَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ يُلْقُونَ إبْرَاهِيمَ فَتَمَثَّلَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ نَجَّارٍ فَصَنَعَ لَهُمْ الْمَنْجَنِيقَ وَنَصَبُوهُ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ. وَوَضَعُوهُ فِيهِ وَأَلْقُوهُ فِي تِلْكَ النَّارِ. اهـ. ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمِسَلَّاتِ) الْمُرَادُ بِالْمِسَلَّاتِ مَا يُحْشَى بِهَا الْبَرَاذِعُ وَبِالْإِبَرِ الْكِبَارِ مَا يُخَاطُ بِهَا الْبَرَاذِعُ أج.
قَوْلُهُ: (وَالتَّرَدُّدُ بِالسُّيُوفِ) كَاَلَّذِي يُفْعَلُ فِي الزِّفَافِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَخْ) فَهِيَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا تُؤْذِي قَطْعًا نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمَا حِذْقٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمَا سَلَامَتُهُمَا مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتَقُولُهُ الْعَامَّةُ بِالدَّالِ) وَتَقُولُ بِاللَّامِ وَهُوَ الَّذِي يُوجَدُ أَمَامَ الْفَرَحِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَالِ الْمُسَابَقَةِ) عِبَارَةُ م ر فِي حَالِ الْحَرْبِ اهـ.
تَنْبِيهٌ: يَحِلُّ اصْطِيَادُ الْحَيَّةِ لِحَاذِقٍ فِي صَنْعَتِهِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلَامَتُهُ مِنْهَا. وَقَصَدَ تَرْغِيبَ النَّاسِ فِي اعْتِمَادِ مَعْرِفَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا حِلُّ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ الْخَطِيرَةِ مِنْ الْحَاذِقِ بِهَا أَيْ كَالْبَهْلَوَانِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلَامَتُهُ. وَإِذَا مَاتَ يَمُوتُ شَهِيدًا وَيَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ حَيْثُ جَازَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَمِثْلُهُ سَمَاعُ الْأَعَاجِيبِ وَالْغَرَائِبِ مِمَّا لَا يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ بِقَصْدِ الْفُرْجَةِ. بَلْ وَلَوْ تُيُقِّنَ كَذِبُهُ لَكِنْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ وَتَعْلِيمُ نَحْوِ الشَّجَاعَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ آدَمِيِّينَ أَوْ حَيَوَانَاتٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَاللِّكَامِ) وَهُوَ لَعِبُ الْحَكَمِ وَهُوَ جِلْدٌ كَبِيرٌ مُرَبَّعٌ مَحْشُوٌّ قُطْنًا أَوْ صُوفًا، أَوْ غَيْرُهُمَا يُحْشَى بِهِ وَيَجْعَلُ كُلٌّ مِنْ الْحَكَمَيْنِ وَاحِدَةً فِي يَدِهِ وَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَكَمَيْنِ الْجِلْدَةَ الَّتِي فِي يَدِ الْآخَرِ. قَوْلُهُ: (عَلَى رَمْيِ بُنْدُقٍ) قَالَ الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ الرَّمْلِيِّ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُؤْكَلُ وَيُلْعَبُ بِهِ فِي الْعِيدِ، أَمَّا بُنْدُقُ الرَّصَاصِ وَالطِّينِ فَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ نِكَايَةً فِي الْحَرْبِ أَشَدَّ مِنْ السِّهَامِ اهـ. وَصُورَةُ رَمْيِ الْبُنْدُقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِرَأْسِ أُصْبُعِهِ عَلَى وَجْهِ النَّقْرَةِ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْحَفِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ لَهَا. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى خَاتَمٍ) أَيْ هَلْ هُوَ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الْيَسَارِ.
وَقِيلَ صُورَتُهُ أَنْ يَمُدَّ ظَهْرَ يَدِهِ ثُمَّ يَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَلْبَسُهُ فِي أَيِّ أُصْبُعٍ وَهُوَ فِي الْهَوَاءِ. قَوْلُهُ: (وَالزَّوَارِقِ) جَمْعُ زَوْرَقٍ وَهُوَ الْقَارِبُ الصَّغِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَشُرُوطُ الْمُسَابَقَةِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ شَرْطًا فِي الْمُسَابَقَةِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً وَشَرْطًا فِي الْمُنَاضَلَةِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةٌ وَشَرْطًا يَعُمُّهُمَا. وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا أَخْرَجَا عِوَضَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَلِّلٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ التَّعْبِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَيُمْكِنُ وَهُوَ الْأَوْلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ
стр. 1820
أَوَّلُهُمَا (إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ) أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ مَوْقِفِ الرَّامِي وَالْغَرَضِ الَّذِي يَرْمِي إلَيْهِ (مَعْلُومَةً) ابْتِدَاءً وَغَايَةً، وَثَانِيهِمَا الْمُحَلِّلُ الْآتِي فِي كَلَامِهِ، وَالثَّالِثُ مِنْ بَاقِي الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عُدَّةً لِلْقِتَالِ، وَالرَّابِعُ تَعَيُّنُ الْفَرَسَيْنِ مَثَلًا لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ سَيْرِهِمَا وَهِيَ تَقْتَضِي التَّعْيِينَ وَيَكْفِي وَصْفُهُمَا فِي الذِّمَّةِ وَيَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ فَإِنْ وَقَعَ هَلَاكٌ انْفَسَخَ الْعَقْدُ. فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَتَعَيَّنَا كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمَوْتِ الْفَرَسِ الْمَوْصُوفِ كَالْأَجِيرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالْخَامِسُ إمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرَسَيْنِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ، وَالسَّادِسُ أَنْ يَرْكَبَا الْمَرْكُوبَيْنِ وَلَا يُرْسِلَاهُمَا فَلَوْ شُرِطَ إرْسَالُهُمَا لِيَجْرِيَا بِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْصِدَانِ الْغَايَةَ، وَالسَّابِعُ أَنْ يَقْطَعَ الْمَرْكُوبَانِ الْمَسَافَةَ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُمَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمَا قَطْعُهَا بِلَا انْقِطَاعٍ وَتَعَبٍ، وَالثَّامِنُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَيْنِ فَلَوْ شَرَطَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُرْكِبَ دَابَّتَهُ مَنْ شَاءَ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الرَّاكِبَانِ وَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ فِي الرَّاكِبِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ. وَالتَّاسِعُ الْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشْرُوطِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ بِغَيْرِ مَالٍ كَكَلْبٍ وَلَا بِمَالٍ مَجْهُولٍ كَثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وَالْعَاشِرُ اجْتِنَابُ شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَلَوْ قَالَ إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ هَذَا الدِّينَارُ، بِشَرْطِ أَنْ تُطْعِمَهُ أَصْحَابَك فَسَدَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِشَرْطٍ يَمْنَعُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ عَقْدِ الْمُسَابَقَةِ وَهُوَ لَازِمٌ فِي حَقٍّ مُلْتَزِمِ الْعِوَضِ وَلَوْ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ كَالْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ وَلَا تَرْكُ عَمَلٍ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ مَسْبُوقًا أَوْ سَابِقًا وَأَمْكَنَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْآخَرُ وَيَسْبِقَهُ وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُ حَقِّهِ وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ فِي الْعَمَلِ وَلَا فِي الْعِوَضِ وَقَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَسَافَةِ أَيْ كَانَتْ صِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةً لِتَصِحَّ فَيُشْتَرَطُ لَهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُ الْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ لِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا فِيهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَعْلُومَةً جَارِيًا فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: مَعْلُومَةً أَيْ بِالْمُشَاهَدَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ إلَخْ) وَكَذَا مَسَافَةُ ابْتِدَاءِ السَّبْقِ وَانْتِهَائِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ شَامِلٌ لِلْمَسَافَةِ الَّتِي فِي الْمُنَاضَلَةِ وَاَلَّتِي فِي الْمُسَابَقَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَلِّلُ) أَيْ إذَا أَخْرَجَا عِوَضَيْنِ وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ أَحَلَّ الْعِوَضَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْرَجَهُمَا الْمُتَسَابِقَانِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعَيُّنِ) أَيْ إذَا عُيِّنَا بِالْإِشَارَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ وَاحِدٍ أَيْ إذَا عُيِّنَ الْمَرْكُوبَانِ بِالْعَيْنِ وَأَمَّا إذَا عُيِّنَا بِالْوَصْفِ فَيَجُوزُ الْإِبْدَالُ. كَمَا قَالَهُ الْعَنَانِيُّ وَعِبَارَةُ ق ل وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمَرْكُوبَيْنِ أَوْ عَجَزَ مَثَلًا جَازَ إبْدَالُهُ فِي الْوَصْفِ دُونَ الْعَيْنِ وَكَذَا أَحَدُ الرَّاكِبَيْنِ حَيْثُ لَا فَسْخَ وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ اهـ. وَفِي شَرْحِ م ر مَا نَصُّهُ وَيَتَعَيَّنَانِ أَيْ الرَّاكِبَانِ وَالرَّامِيَانِ فَيَمْتَنِعُ إبْدَالُ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَوْ عَمِيَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مَثَلًا أُبْدِلَ الْمَوْصُوفُ، وَانْفَسَخَ فِي الْمُعَيَّنِ نَعَمْ فِي مَوْتِ الرَّاكِبِ أَيْ دُونَ مَوْتِ الرَّامِي يَقُومُ وَارِثُهُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ مَقَامَهُ فَإِنْ أَبَى اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ كَانَ مُوَرِّثُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفَسْخُ لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّاكِبِ وَالرَّامِي بِأَنَّ الْقَصْدَ جَوْدَةُ هَذَا فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا وَرُجِيَ اُنْتُظِرَ وَإِلَّا جَازَ الْفَسْخُ إلَّا فِي الرَّاكِبِ فَيَتَّجِهُ إبْدَالُهُ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَقُومُ وَارِثُهُ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ انْفَسَخَتْ وَلَيْسَ مِنْ الْوُرَّاثِ بَيْتُ الْمَالِ اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (أَوْ فَارِهًا) أَيْ جَيِّدًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْطَعَ الْمَرْكُوبَانِ) أَيْ أَنْ يُمْكِنَ قَطْعُهُمَا الْمَسَافَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّ مُلْتَزِمِ الْعِوَضِ) خَرَجَ مَا إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ أَوْ كَانَ الْفَاسِخُ غَيْرَ الْمُلْتَزِمِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِجَارَةِ) أَيْ بِجَامِعِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ جَائِزَةٌ كَالْجَعَالَةِ بِجَامِعِ أَنَّ الْعِوَضَ مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا يُوثَقُ بِهِ فَكَانَ كَرَدِّ الْآبِقِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُ حَقِّهِ) الْمَعْنَى وَإِلَّا فَلَهُ الْفَسْخُ وَتَرْكُهُ لِأَنَّ لَهُ تَرْكُ حَقِّهِ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وَمَا ذُكِرَ عِلَّةٌ لَهُ. وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ أَحَدَ الْمُتَسَابِقَيْنِ، لَا غَيْرَهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ.
قَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ كَانَ. قَوْلُهُ: (زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى نَافِعٍ فِي
стр. 1821
حَذَرًا مِنْ اشْتِبَاهِ الْمُصِيبِ بِالْمُخْطِئِ لَوْ رَمَيَا مَعًا وَبَيَانُ قَدْرِ الْغَرَضِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يُرْمَى إلَيْهِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ قِرْطَاسٍ طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا وَبَيَانُ ارْتِفَاعِهِ مِنْ الْأَرْضِ إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ وَلَمْ يَغْلِبْ عُرْفٌ فِيهِمَا فَإِنْ غَلَبَ فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ. وَلَا بَيَانُ مُبَادَرَةٍ بِأَنْ يَبْدُرَ أَيْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ كَعِشْرِينَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَدِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الْيَأْسِ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِصَابَةِ وَلَا بَيَانُ مُحَاطَّةٍ بِأَنْ تَزِيدَ إصَابَتُهُ عَلَى إصَابَةِ الْآخَرِ بِكَذَا كَوَاحِدٍ مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ كَعِشْرِينَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَادَرَةِ. وَعَلَى أَقَلِّ نُوَبِهِ وَهُوَ سَهْمٌ سَهْمٌ لِغَلَبَتِهِمَا وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَوْسٍ وَسَهْمٍ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ عَلَى الرَّامِي فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا مِنْهُمَا لَغَا وَجَازَ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ نَوْعِهِ وَشَرْطُ مَنْعِ إبْدَالِهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ. وَيُسَنُّ بَيَانُ صِفَةِ إصَابَتِهِ الْغَرَضَ مِنْ قَرْعٍ وَهُوَ مُجَرَّدُ إصَابَةِ الْغَرَضِ أَوْ خَرْقٍ بِأَنْ يَثْقُبَهُ وَيَسْقُطَ أَوْ خَسْقٍ بِأَنْ يَثْبُتَ فِيهِ وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَرْقٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْحَرْبِ كَالرِّمَاحِ وَالْمَزَارِيقِ وَنَحْوِهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمَارَّةِ الَّتِي تَأْتِي هُنَا. قَوْلُهُ: (مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ) بَيَانٌ لِمَا.
قَوْلُهُ: (وَسُمْكًا) أَيْ ثِخَنًا.
قَوْلُهُ: (وَبَيَانُ ارْتِفَاعِهِ) كَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ ذِرَاعٌ مَثَلًا وَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ) فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ كَقَوْلِهِمَا: تَنَاضَلْنَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ لِلْأَبْعَدِ رَمْيًا لَمْ يَحْتَجْ لِبَيَانِ غَرَضٍ وَلَا بَيَانِ ارْتِفَاعِهِ أَوْ اضْطَرَدَ عُرْفٌ فِيهِمَا فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْلِبْ عُرْفٌ) هُوَ مَحَلُّ التَّقْيِيدِ أَيْ إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي قَدْرِ الْغَرَضِ وَبَيَانِ ارْتِفَاعِهِ.
قَوْلُهُ: (بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَبْدُرَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُضَارِعُ بَدَرَ مِنْ بَابِ قَتَلَ عِبَارَةُ الْعُبَابِ وَهِيَ أَيْ الْمُبَادَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَالُ لِلسَّابِقِ إلَى إصَابَةِ خَمْسَةٍ مَثَلًا مِنْ عِشْرِينَ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي عَدَدِ الرَّمْيَاتِ فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَاتِ فَلَا نَاضِلَ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الرَّمْيَاتِ كَأَنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَالْآخَرُ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَجَبَ إتْمَامُ الْعِشْرِينَ فَقَدْ يُصِيبُ الْبَاقِي فَلَا يَكُونُ مَنْضُولًا وَإِنْ كَانَتْ إصَابَةُ الْآخَرِ لِثَلَاثَةٍ مِنْهَا فَقَدْ صَارَ مَنْضُولًا.
قَوْلُهُ: (الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ إصَابَتُهُ كَخَمْسَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَعِشْرِينَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: عَقِبَ ذَلِكَ وَلَا بَيَانُ عَدَدٍ نُوَبٍ لِلرَّمْيِ كَسَهْمٍ سَهْمٍ وَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ إلَخْ. فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ سَقْطٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعَلَى أَقَلَّ نُوَبِهِ سم فَلَوْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَلَهُ كَذَا فَرَمَى كُلٌّ عِشْرِينَ أَوْ عَشَرَةً فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَالْآخَرُ دُونَهَا فَالْأَوَّلُ نَاضِلٌ وَإِنْ أَصَابَ كُلٌّ خَمْسَةً فَلَا نَاضِلَ وَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ بَلْ يُتِمُّ الْعِشْرِينَ لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ فِي الْبَاقِي وَإِنْ أَصَابَ الْآخَرُ مِنْ التِّسْعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةً لَمْ يَتِمَّ الْعِشْرِينَ وَصَارَ مَنْضُولًا لِيَأْسِهِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْإِصَابَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (فِي عَدَدِ الْمَرْمِيِّ) أَيْ الَّذِي رَمَاهُ صَاحِبُهُ لَا الْعَدَدُ الْمَشْرُوطُ رَمْيُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ عَشْرَةً سم.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَزِيدَ إلَخْ) كَأَنْ يَقُولَ تَنَاضَلْت مَعَك عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَّا يَرْمِي عِشْرِينَ وَمَنْ زَادَتْ إصَابَتُهُ عَلَى الْآخَرِ فِيهَا بِكَذَا فَهُوَ النَّاضِلُ وَسُمِّيَتْ مُحَاطَّةً مِنْ الْحَطِّ وَهُوَ إسْقَاطٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحُطُّ سَهْمًا أَيْ يُسْقِطُهُ فِي مُقَابَلَةِ حَطِّ الْآخَرِ سَهْمًا آخَرَ وَيَزِيدَا عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُمَا وَمَنْ زَادَتْ إصَابَتُهُ مِنَّا عَلَى الْآخَرِ بِكَذَا، فَهُوَ النَّاضِلُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ إلَخْ) وَصُورَتُهُ فِي الْإِطْلَاقِ أَنْ يَقُولَ تَرَامَيْنَا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَّا يَرْمِي عِشْرِينَ وَمَنْ أَصَابَ فِي خَمْسَةٍ فَهُوَ النَّاضِلُ، فَهَذَا مِنْ قَسِيمِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ الْمَشْرُوطَةَ إصَابَتُهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِكَوْنِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الْآخَرِ، أَوْ بَعْدَهَا فَإِنْ قَيَّدَهَا بِكَوْنِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الْآخَرِ بِأَنْ قَالَ: وَمَنْ أَصَابَ مِنَّا فِي خَمْسَةٍ قَبْلَ الْآخَرِ فَهُوَ النَّاضِلُ فَهِيَ حَقِيقَةُ الْمُبَادَرَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا اهـ.
قَوْلُهُ: (عَنْ التَّقْيِيدِ) كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى وَهِيَ بِمَعْنَى عَنْ. وَقَوْلُهُ: نُوَبِهِ أَيْ الرَّمْيِ، قَوْلُهُ: (أَوْ خَزْقٍ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَهَذَا وَاَللَّذَانِ بَعْدَهُ مَصَادِرُ لِأَفْعَالٍ كُلِّهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَثْبُتَ فِيهِ) لَمْ يَقُلْ أَنْ يَثْقُبَهُ وَيَثْبُتَ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي ثُقْبَةٍ قَدِيمَةٍ وَثَبَتَ فِيهَا كَفَى وَكَذَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ صَلَابَةٌ وَلَوْلَاهَا لَثَبَتَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الشَّيْخُ س ل فِي حَاشِيَتِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْخَرْقِ وَالْخَسْقِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ جَعَلَا
стр. 1822
بِأَنْ يَنْفُذَ مِنْهُ أَوْ خَرْمٍ بِأَنْ يُصِيبَ طَرَفَ الْغَرَضِ فَيَخْرِمَهُ فَإِنْ أَطْلَقَا كَفَى الْقَرْعُ
(وَيُخْرِجُ الْعِوَضَ) الْمَشْرُوطَ (أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ حَتَّى إذَا سَبَقَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (اسْتَرَدَّهُ) مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ (وَإِنْ سُبِقَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَخَذَهُ صَاحِبُهُ) السَّابِقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ (وَإِنْ أَخْرَجَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَانِ الْعِوَضَ. (مَعًا لَمْ يَجُزْ) حِينَئِذٍ (إلَّا أَنْ يَدْخُلَا) أَيْ يَشْرِطَا (بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى فَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ دَابَّتُهُ كُفُؤًا لِدَابَّتَيْهِمَا سُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ الْعَقْدَ. وَيُخْرِجُهُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمَةِ فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ (إنْ سَبَقَ) الْمُتَسَابِقَيْنِ (أَخَذَ) مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الْعِوَضِ لِنَفْسِهِ سَوَاءٌ أَجَاءَا مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا لِسَبْقِهِ لَهُمَا. (وَإِنْ سُبِقَ) أَيْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا (لَمْ يَغْرَمْ) لَهُمَا شَيْئًا وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ جَاءَ الْمُحَلِّلُ مَعَ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَتَأَخَّرَ الْآخَرُ فَمَالُ هَذَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ وَمَالُ الْمُتَأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَلِلذِّمِّيِّ مَعَهُ لِأَنَّهُمَا سَبَقَاهُ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْمُحَلِّلُ ثُمَّ الْآخَرُ فَمَالُ الْآخَرِ لِلْأَوَّلِ لِسَبْقِهِ الِاثْنَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: الصُّوَرُ الْمُمْكِنَةُ فِي الْمُحَلِّلِ ثَمَانِيَةٌ: أَنْ يَسْبِقَهُمَا وَيَجِيئَانِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يَسْبِقَا وَيَجِيئَانِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَكُونُ مَعَ أَوَّلِهِمَا أَوْ ثَانِيهِمَا أَوْ يَجِيءُ الثَّلَاثَةُ مَعًا وَلَا يَخْفَى الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ وَلَوْ تَسَابَقَ جَمْعٌ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ وَشَرَطَ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ صَحَّ، وَيَجُوزُ شَرْطُ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْإِمَامِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا أَوْ لَهُ عَلَيَّ كَذَا
وَيَكُونُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ
كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا، فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا لِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَاعَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ إخْرَاجِ أَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ الْعِوَضَ وَإِخْرَاجِهِمَا مَعًا حُكْمُ الْمُسَابَقَةِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ. وَصُورَةُ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: تَرْمِي كَذَا فَإِذَا أَصَبْت أَنْتَ مِنْهَا كَذَا فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا. وَإِنْ أَصَبْتُهَا أَنَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدِنَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَصُورَةُ إخْرَاجِهِمَا مَعًا أَنْ يَشْتَرِطَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ عِوَضًا إنْ أَصَابَ وَلَا يَجُوزُ هَذَا إلَّا بِمُحَلِّلٍ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْخَازِقَ بِالزَّايِ لُغَةً فِي الْخَاسِقِ بِالسِّينِ فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ هُوَ عُرْفُ الرُّمَاةِ اهـ خ ط.
قَوْلُهُ: (أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ) أَيْ أَوْ الْمُتَرَامِيَيْنِ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إذَا سَبَقَ إلَخْ) وَسَبْقُ ذِي خُفٍّ بِكَتِفٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَرْفَعُ أَعْنَاقَهَا عِنْدَ السَّيْرِ وَالْفِيلُ لَا عُنُقَ لَهُ. وَأَمَّا ذُو الْحَافِرِ فَالسَّبْقُ بِالْعُنُقِ فَمَتَى بَرَزَ عُنُقُ أَحَدِهِمَا عَنْ عُنُقِ الْآخَرِ كَانَ سَابِقًا إنْ لَمْ تَرْفَعْ أَعْنَاقَهَا، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْكَتِفِ فَإِنْ زَادَ عُنُقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا عِبْرَةَ بِالسَّبْقِ بِالزِّيَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ شَيْءٍ مِمَّا تَوَافَقَا فِيهِ، كَأَنْ كَانَ طُولُ عُنُقِ أَحَدِهِمَا شِبْرًا وَالْآخَرِ شِبْرَيْنِ فَالسَّبْقُ بِزِيَادَةِ شِبْرٍ مِنْ طَوِيلِ الْعُنُقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ قَدْرُ الزَّائِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّبْقِ بِأَكْثَرَ مِنْ الشِّبْرِ فِي الْمِثَالِ حَتَّى يُعَدَّ سَابِقًا شَيْخُنَا. وَهَذَا فِي سَبْقِ الزَّائِدِ وَسَبْقِ النَّاقِصِ بِمُجَاوَزَتِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا زَادَ بِهِ الْآخَرُ عَلَيْهِ لَا مُجَاوَزَتُهُ كُلَّهُ وَالْعِبْرَةُ بِالسَّبْقِ عِنْدَ الْغَايَةِ لَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُهُ الْآخَرُ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرَدَّهُ مِمَّنْ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ دَفَعَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَعِبَارَةُ ق ل.
قَوْلُهُ: اسْتَرَدَّهُ أَيْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَتَعْبِيرُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ لَيْسَ قَيْدًا وَإِنَّمَا هُوَ لِمُرَاعَاةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اسْتَرَدَّهُ.
قَوْلُهُ: (مُحَلِّلًا) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ بِسَبَبِهِ حَلَّ الْعَقْدُ وَأَخْذُ الْمَالِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَيَكْفِي وَاحِدٌ وَلَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (كُفُؤًا) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ أَيْ مُسَاوِيًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ) بِكَسْرِ الْقَافِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْقَامُوسِ وَهُوَ مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ قَامَرْته قِمَارًا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَقَمَرْتُهُ قَمْرًا غَلَبْته.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا عِنْدَ شَرْطِهِ مِنْهُمَا مُحَلِّلٌ كُفْءٌ، هُوَ لَهُمَا فِي الرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ وَكُفْءُ مَرْكُوبِهِ الْمُعَيَّنِ لِمَرْكُوبَيْهِمَا يَغْنَمُ إنْ سَبَقَ وَلَمْ يَغْرَمْ أَيْ إنْ لَمْ يَسْبِقْ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَغْنَمُ وَلَمْ يَغْرَمْ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَمَا فِي ح ل وق ل. قَوْلُهُ: (فَمَا هَذَا) أَيْ الَّذِي جَاءَ مَعَ الْمُحَلِّلِ. قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةٌ) وَحُكْمُ الْأَوَّلَيْنِ يَأْخُذُ الْمُحَلِّلُ الْجَمِيعَ. وَالثَّالِثَةُ
стр. 1823
خَاتِمَةٌ: لَوْ تَرَاهَنَ رَجُلَانِ عَلَى اخْتِبَارِ قُوَّتِهِمَا بِصُعُودِ جَبَلٍ أَوْ إقْلَالِ صَخْرَةٍ، أَوْ أَكْلِ كَذَا فَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَكُلُّهُ حَرَامٌ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ مَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الرِّهَانِ عَلَى حَمْلِ كَذَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا إلَى مَكَانِ كَذَا أَوْ إجْرَاءِ السَّاعِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْغُرُوبِ وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلَالَةٌ وَجَهَالَةٌ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الصَّلَوَاتِ وَفِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ اهـ. وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْغَرَضِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ إصَابَةٍ أَوْ خَطَأٍ وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَمْدَحَا الْمُصِيبَ وَلَا أَنْ يَذُمَّا الْمُخْطِئَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالنَّشَاطِ وَيُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ أَذِيَّةِ صَاحِبِهِ بِالتَّبَجُّحِ وَالْفَخْرِ عَلَيْهِ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَثُّ الْفَرَسِ فِي السِّبَاقِ بِالسَّوْطِ. وَتَحْرِيمُ اللِّجَامِ وَلَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ بِالصِّيَاحِ. لِيَزِيدَ عَدْوَهُ لِخَبَرِ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَذُكِرَ فِي مَعْنَى الْجَنَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْنُبُونَ الْفَرَسَ حَتَّى إذَا قَارَبُوا الْأَمَدَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْمَرْكُوبِ الَّذِي كُرِهَ بِالرُّكُوبِ إلَى الْجَنِيبَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَا شَيْءَ وَالرَّابِعَةُ لِلْأُولَى وَالْخَامِسَةُ كَذَلِكَ وَالسَّادِسَةُ لِلْأَوَّلِ وَلِلْمُحَلِّلِ وَالسَّابِعَةُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّامِنَةُ لَا شَيْءَ لَهُ. اهـ. عَمِيرَةُ ز ي.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) وَيَكُونُ مِنْ سَهْمِ
الْمَصَالِحِ
قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى اخْتِبَارِ قُوَّتِهِمَا) أَيْ وَكَانَ بِعِوَضٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَكَلَ كَذَا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ أَوْ أَكَلَ كَذَا بِكَذَا وَهُوَ رَاجِحٌ لِلْجَمِيعِ ثُمَّ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَخْرُ عَلَيْهِ) تَفْسِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَا جَلَبَ) أَيْ لَا صِيَاحَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْجِيمِ أَوَّلُهُ وَالْمُوَحَّدَةُ آخِرُهُ وَوَسَطُ الْأَوَّلِ لَامٌ مَفْتُوحَةٌ وَوَسَط الثَّانِي نُونٌ كَذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُمَا فِي كَلَامِهِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (يَجْنُبُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَهَا جَنِيبَةً مَعَهُمْ تُقَادُ بِلَا رُكُوبٍ قَالَ اج أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَنْ يَجْلِبَ عَلَى مَرْكُوبِهِ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ جَنِيبَةً أَيْ فَرَسًا أُخْرَى لِيَرْبَحَ الْأُولَى بِهَا وَقَوْلُهُ: الْأَمَدُ أَيْ الْغَايَةُ وَقَوْلُهُ: كَدَّهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَتْعَبَهُ وَفِي نُسْخَةٍ كُرِهَ بِالرَّاءِ فَتَأَمَّلْ اهـ. شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (الَّذِي كُرِهَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ أَقْبَلَ بِهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ فَالْكَرُّ مُقَابِلُ الْفَرِّ.
стр. 1824
كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيُمْنَى وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ تَحْقِيقُ أَمْرٍ غَيْرِ ثَابِتٍ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا مُمْكِنًا كَحَلِفِهِ لَيَدْخُلَن الدَّارَ أَوْ مُمْتَنِعًا كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ صَادِقَةً كَانَتْ أَوْ كَاذِبَةً مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ الْجَهْلِ بِهِ وَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ يَمِينًا وَبِغَيْرِ ثَابِتٍ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمُوتَن لِتَحَقُّقِهِ فِي نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ وَفَارَقَ انْعِقَادُهَا بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبِرُّ كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ فَإِنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ]
ِ قَدَّمَهُمَا عَلَى الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ مِنْ الْخُصُومِ وَجَمَعَ النُّذُورَ مَعَهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ يَعْقِدُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلِأَنَّ بَعْضَ أَقْسَامِ النَّذْرِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ. وَلَا يُقَالُ: كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ الْأَيْمَانِ عَقِبَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الدَّعْوَى. لِأَنَّا نَقُولُ: ذَكَرَهَا هُنَا لِتَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ فَيَصِحُّ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى مَنْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الْأَيْمَانُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمِنْ الْحِكَمِ إيمَانُ الْمَرْءِ يُعْرَفُ بِأَيْمَانِهِ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَلِفِ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ، فِي يُونُسَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وَفِي سَبَأٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وَفِي التَّغَابُنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
قَوْلُهُ: (جَمْعُ يَمِينٍ) وَأَرْكَانُ الْيَمِينِ ثَلَاثَةٌ: حَالِفٌ وَمَحْلُوفٌ عَلَيْهِ وَمَحْلُوفٌ بِهِ. فَيُشْتَرَطُ فِي الْحَالِفِ التَّكْلِيفُ وَالِاخْتِيَارُ وَالْقَصْدُ وَفِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ بِأَنْ كَانَ مُحْتَمَلًا أَوْ مُسْتَحِيلًا، وَفِي الْمَحْلُوفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ) أَيْ فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ أَنَّهُ مَجَازٌ بِالِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ شَبَهَ الْيَمِينِ بِالْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يَحْفَظُ الشَّيْءَ فَالْيَمِينُ تَحْفَظُ الشَّيْءَ الْمَحْلُوفَ بِهِ عَلَى الْحَالِفِ وَالْيَدُ تَحْفَظُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِيمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (يَأْخُذُ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا مَجَازًا قَالَ سم: وَسُمِّيَ الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ. وَمِنْهُ: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَيْ بِالْقُوَّةِ. قَوْلُهُ: (تَحْقِيقُ أَمْرٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ، لَا التَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ وَالْمُرَادُ جَعْلُهُ مُحَقَّقًا أَيْ الْتِزَامُ تَحْقِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ تَحْقِيقُهُ مُسْتَحِيلًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحِيلَ كَمَا فِي سم. وَقَوْلُهُ: تَحْقِيقُ أَمْرٍ أَيْ أَوْ تَوْكِيدُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَيَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: تَحْقِيقُ أَمْرٍ أَيْ بِاسْمٍ مَخْصُوصٍ.
قَوْلُهُ: (مَاضِيًا) كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ مَا دَخَلْت الدَّارَ قَوْلُهُ: (نَفْيًا) تَمْيِيزٌ مِنْ قَوْلِهِ: مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا.
قَوْلُهُ: (مُمْكِنًا) حَالٌ مِنْ أَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ) أَوْ لَيَصْعَدَن السَّمَاءَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ حَالًا وَإِنْ صَعِدَ السَّمَاءَ. لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ الِاسْمِ وَحُرْمَتِهِ، شَوْبَرِيٌّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا صَعِدَ السَّمَاءَ كَمَا قَالَهُ ع ش.
стр. 1825
وَامْتِنَاعُ الْبِرِّ يُخِلُّ بِهِ فَيُحْوِجُ إلَى التَّكْفِيرِ وَتَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] الْآيَةَ وَأَخْبَارٌ كَقَوْلِهِ ﷺ : «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَن قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَابِطُ الْحَالِفِ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلَا الْمُكْرَهِ وَلَا يَمِينُ اللَّغْوِ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ فَقَالَ: (وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَاتُ الْبَارِي الْمُرَادُ بِهَا الْحَقِيقَةُ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ. أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَلَوْ مُشْتَقًّا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى. سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ: " رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " أَوْ لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُنْحَصِرٌ فِي شَيْئَيْنِ الْمُحْتَمَلُ كَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَن زَيْدًا وَالْمُسْتَحِيلُ كَوَاللَّهِ لَأَقْتُلَن الْمَيِّتَ. أَمَّا الْوَاجِبُ فَلَا يَكُونُ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ كَوَاللَّهِ لَأَمُوتَن لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا الْبِرُّ وَهُوَ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْمُسْتَحِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا الْحِنْثُ وَهُوَ يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ أَحْيَا اللَّهُ الْمَيِّتَ وَقَتَلَهُ أَوْ صَعِدَ السَّمَاءَ. سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ فَيَسْتَرِدُّهَا إنْ كَانَ دَفَعَهَا. قَوْلُهُ: (وَفَارَقَ) أَيْ عَدَمُ انْعِقَادِهَا فِي الْوَاجِبِ. قَوْلُهُ: (وَضَابِطُ الْحَالِفِ) سَكَتَ عَنْ اشْتِرَاطِ النُّطْقِ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ. بِأَنْ حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ أَوْ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ مَثَلًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مُعْتَدٌّ بِهَا فِي جَمِيعِ الْأَبْوَابِ إلَّا ثَلَاثَةً لَا يُعْتَدُّ بِإِشَارَتِهِ فِيهَا وَلَيْسَ الْحَلِفُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْهَا. نَعَمْ إنْ حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ فَتَكَلَّمَ بِالْإِشَارَةِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ يَمِينُهُ مُنْعَقِدَةً سَوَاءٌ حَلَفَ وَهُوَ نَاطِقٌ ثُمَّ خَرِسَ أَوْ حَلَفَ بَعْدَ الْخَرَسِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِاَللَّهِ أَوْ مَا هُوَ فِيهِ أَغْلَبُ إنْ أَرَادَهُ أَوْ أَطْلَقَ أَوْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ. وَعَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ وَقَصَدَ هُوَ بِهِ وَقَوْلُهُ: هُوَ أَيْ اللَّهُ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِالْيَمِينِ أَوْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ. قَوْلُهُ: (إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ) فِي نُسْخَةٍ سم الْعَبَّادِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ: أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدَّالِّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ بِاسْمٍ إلَخْ قَالَ كَالرَّحْمَنِ أَوْ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْإِلَهِ وَقَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] اهـ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ حَلَفَ بِعِنْوَانِ الذَّاتِ. بِأَنْ قَالَ: بِذَاتِ اللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَطْفُ بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَاتِ اللَّهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ وَهُوَ لَفْظُ اللَّهِ وَيَكُونُ الْمَتْنُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِهَذَا الِاسْمِ الْكَرِيمِ وَيَكُونُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِمَا يُفْهَمُ) أَيْ بِاسْمٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَصَانِعِ الْمَوْجُودَاتِ قَالَ شَيْخُنَا م ر. وَمِنْهُ الْجَنَابُ الرَّفِيعُ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَمُقْسِمُ الْأَدْيَانِ، وَفِي شَرْحِهِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَأَنَّهُ لَيْسَ كِنَايَةً ق ل. وَنَصُّهُ: وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَوَامّ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا مِنْ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ إذْ جَنَابُ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ اهـ. قَالَ ع ش: وَيَحْرُمُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَكِنَّهُ إذَا صَدَرَ مِنْهُ يُعْرَفُ فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا عُزِّرَ، وَمِثْلُهُ فِي امْتِنَاعِ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ قَوْلِ الْعَوَامّ اتَّكَلْت عَلَى جَانِبِ اللَّهِ أَوْ الْحَمْلَةُ عَلَى اللَّهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ بِهَا الْحَقِيقَةُ) صِفَةٌ لِلذَّاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُشْتَقًّا) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ أَنَّ سَائِرَ أَسْمَائِهِ مُشْتَقَّةٌ وَتَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَا لَفْظَ الْجَلَالَةِ غَيْرَ مُشْتَقٍّ.
قَوْلُهُ: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَلَوْ قَالَ: وَرَبِّ الْعَالَمِ وَقَالَ أَرَدْت بِالْعَالَمِ كَذَا مِنْ الْمَالِ وَبِرَبِّهِ مَالِكَهُ قُبِلَ لِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَكُنْ) مُرَادُهُ بِهِ الْمَوْصُولَ أَوْ الْمَوْصُوفَ كَمَا مَثَّلَ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُفْرَدًا اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَسْمَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا لَا الْمَوْصُولُ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ الصِّلَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَيَّ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مَعَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَيَاةِ تَأَمَّلْ.
следующие страницы →