Полный текст (1 974 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ فِي مُسْلِمٍ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ» . تَنْبِيهٌ: لِلْعَصْرِ سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ، وَوَقْتُ عُذْرٍ، وَقْتُ الظُّهْرِ لِمَنْ يَجْمَعُ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ، وَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا بِحَيْثُ لَا يَسَعُهَا. وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا أَدَاءٌ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ ثَامِنًا وَهُوَ وَقْتُ الْقَضَاءِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا عَمْدًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ قَضَاءً كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَلَكِنَّ هَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ.
(وَالْمَغْرِبُ) أَيْ صَلَاتُهَا (وَوَقْتُهَا وَاحِدٌ) أَيْ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ (وَهُوَ) أَيْ أَوَّلُهُ يَدْخُلُ بَعْدَ (غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِفِعْلِهَا عَقِبَ الْغُرُوبِ، وَأَصْلُ الْغُرُوبِ الْبُعْدُ يُقَالُ: غَرَبَ بِفَتْحِ الرَّاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ تَسَمُّحٌ حَيْثُ أَدْخَلَ وَقْتَ الْحُرْمَةِ وَالضَّرُورَةِ فِي وَقْتِ الْجَوَازِ قَوْلُهُ: (فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ) أَيْ مُؤَدَّاةً.
قَوْلُهُ: (رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَهُ أَدْرَكَ الْعَصْرَ اسْتِمْرَارُ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ، أَوْ دَفَعَ تَوَهُّمَ أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ خَرَجَ الْوَقْتُ فَنَصَّ عَلَى بَقَائِهِ إلَى الْغُرُوبِ شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِلَا كَرَاهَةٍ) أَيْ إلَى الِاصْفِرَارِ وَبِهَا إلَى الْغُرُوبِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ) أَيْ إلَى الْغُرُوبِ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا أَدَاءٌ) أَيْ بِأَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فِي الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ بَعْضُهُمْ ثَامِنًا إلَخْ) وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا وَقْتًا تَاسِعًا يَجْرِي فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ يُسَمَّى وَقْتَ إدْرَاكٍ، وَهُوَ مَا لَوْ طَرَأَ الْمَانِعُ كَالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ بَعْدَ إدْرَاكِ زَمَنٍ مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ اج.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ هَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَدَاءٌ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا. اهـ. م ر.
[وَقْتُ الْمَغْرِب]
قَوْلُهُ: (وَالْمَغْرِبُ) هُوَ لُغَةً زَمَانُ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ زَمَانٍ، وَاصْطِلَاحًا الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ الَّتِي تُفْعَلُ عَقِبَهُ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَيْ صَلَاتُهَا) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَغْرِبَ اسْمٌ لِزَمَنِ الْغُرُوبِ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ. وَقَوْلُهُ بَعْدُ: قَوْلُهُ: (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ) إلَخْ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَغْرِبَ اسْمٌ لِلصَّلَاةِ فَفِيهِ تَنَاقُضٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَغْرِبُ لُغَةً زَمَنَ الْغُرُوبِ فَسَّرَهُ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ هُنَا وَهُوَ الصَّلَاةُ بِقَوْلِهِ أَيْ: صَلَاتُهَا. وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً فِي قَوْلِهِ صَلَاتُهَا. وَقَوْلُهُ: بَعْدُ: سُمِّيَتْ إلَخْ. بَيَانٌ لِوَجْهِ التَّسْمِيَةِ فَلَا مُنَافَاةَ تَأَمَّلْ، وَكَذَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَأْتِي مِنْ الْأَوْقَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ) أَيْ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ زَائِدٌ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ بِقَدْرِ الِاخْتِيَارِ فَهُوَ مُرَادِفٌ لَهُ هُنَا كَمَا يَأْتِي، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا وَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي الْحَوَاشِي كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ غُرُوبِ إلَخْ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ مَعَ أَنَّهُ بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ الْغُرُوبُ الْكَامِلُ الَّذِي لَا عَوْدَ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (غُرُوبُ الشَّمْسِ) وَلَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ كَرَامَةً لِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَوْ عَادَتْ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَادَ الْوَقْتُ وَوَجَبَ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ إنْ كَانَ صَلَّاهَا، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي الصَّوْمِ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ أَفْطَرَ نَهَارًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعَصْرَ يُصَلِّيهَا أَدَاءً وَهَلْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْغُرُوبِ الْأَوَّلِ أَوْ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ إثْمِهِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي وَيَشْهَدُ لَهُ قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهِيَ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ: «أَنَّهُ عَلَيْهِ ﷺ نَامَ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، فَكَرِهَ أَنْ يُوقِظَهُ فَفَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك فَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَرَجَعَتْ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ الْعَصْرَ» . وَعَلَى ذَلِكَ يُقَالُ رَجُلٌ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ قَضَاءً عَالِمًا بِفَوَاتِ الْوَقْتِ فَوَقَعَتْ أَدَاءً. وَصُورَتُهُ: أَحْرَمَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ طَلَعَتْ. قَالَ ح ل: وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِي بَلَدٍ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ ثُمَّ سَافَرَ إلَى بَلَدٍ فَوَجَدَ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُ شَيْخِنَا.
стр. 387
أَيْ بَعُدَ، وَالْمُرَادُ تَكَامُلُ الْغُرُوبِ وَيُعْرَفُ فِي الْعُمْرَانِ بِزَوَالِ الشُّعَاعِ عَنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَإِقْبَالِ الظَّلَّامِ مِنْ الْمَشْرِقِ. (وَ) يَمْتَدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ (بِمِقْدَارِ مَا يُؤَذِّنُ) لِوَقْتِهَا (وَيَتَوَضَّأَ وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ) وَبِمِقْدَارِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَرُدَّ بِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ إنَّمَا بَيَّنَ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَأَمَّا الْوَقْتُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى قَدْرَ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَمْسِ الْمَغْرِبُ وَسُنَّتُهَا الْبَعْدِيَّةُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ سَبْعَ رَكَعَاتٍ فَزَادَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ كَذَا أَطْلَقَهُ الرَّاهِنُ وَقَالَ الْقَفَّالُ: يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ الْوَسَطُ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا قَدْرُ أَكْلِ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَةَ الْجُوعِ كَمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ.
لَكِنْ صَوَّبَ فِي التَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِ اعْتِبَارَ الشِّبَعِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَلَى عِشَائِكُمْ» . وَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الشِّبَعِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، وَالْعَشَاءُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا أَيْضًا. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَتَحْسَبُونَهُ عَشَاءَكُمْ الْخَبِيثَ إنَّمَا كَانَ أَكْلُهُمْ لُقَيْمَاتٍ. تَنْبِيهٌ: لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالطُّهْرِ بَدَلَ الْوُضُوءِ لِيَشْمَلَ الْغُسْلَ وَالتَّيَمُّمَ وَإِزَالَةَ الْخَبَثِ لَكَانَ أَوْلَى وَعَبَّرَ جَمَاعَةٌ بِلُبْسِ الثِّيَابِ بَدَلَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِتَنَاوُلِهِ التَّعَمُّمَ وَالتَّقَمُّصَ وَالِارْتِدَاءَ وَنَحْوَهَا، فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلصَّلَاةِ وَيَمْتَدُّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِفِعْلِهَا عَقِبَ الْغُرُوبِ) هَذَا تَوْجِيهٌ لِلتَّسْمِيَةِ. قَوْلُهُ: (بِزَوَالِ الشُّعَاعِ) هَذَا فِيمَا فِيهِ جِبَالٌ أَوْ فِيهِ بِنَاءٌ فَعَلَامَتُهُ زَوَالُ الشُّعَاعِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَأَعَالِي الْحِيطَانِ، وَأَمَّا الصَّحَارِي فَيَكْفِي فِيهَا تَكَامُلُ سُقُوطِ الْقُرْصِ وَإِنْ بَقِيَ الشُّعَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَيَمْتَدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ إلَخْ) . لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى الْجَدِيدِ امْتِنَاعُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَيْ تَقْدِيمِ الْعِشَاءِ مَعَهَا، إذْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ وُقُوعُ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْمَتْبُوعَةِ وَقَدْ حَضَرَ وَقْتُهَا فِيمَا ذَكَرَ.؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِعَدَمِ لُزُومِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يَسَعُ الصَّلَاتَيْنِ، لَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ تَقَدُّمِ الشَّرَائِطِ عَلَى الْوَقْتِ وَاسْتِجْمَاعِهَا، فَإِنْ فُرِضَ ضِيقُهُ عَنْهُمَا لِاشْتِغَالِهِ بِالْأَسْبَابِ امْتَنَعَ الْجَمْعُ. اهـ. م ر مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِمِقْدَارِ مَا يُؤَذِّنُ) لَوْ قَالَ بِمِقْدَارِ الْأَذَانِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْأُنْثَى كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ. قُلْت: لَا أَوْلَوِيَّةَ إذْ قِرَاءَةُ الْمَتْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ تُفِيدُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُنَاسِبُ قَوْلُهُ بَعْدُ وَيُقِيمُ إذْ الْمُنَاسِبُ لَهُ أَنْ يُقَالَ وَيُقَامُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُسَمَّى بِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَغْرِبِ خَاصَّةً لِاتِّحَادِهِمَا كَمَا مَرَّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ جِبْرِيلَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لَا يَصِحُّ فِيهَا ق ل. وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ) أَيْ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي خَبَرِ جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ) أَيْ بِغَالِبِ النَّاسِ وَهُوَ الرَّاجِحُ ق ل. قَوْلُهُ: (كَذَا أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ) أَيْ كَالْجُمْهُورِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ نَفْسِهِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ اخْتِلَافِ وَقْتِهِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ. اهـ. م ر اهـ مَرْحُومِيٌّ. إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ خُرُوجُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ آخَرَ وَهَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ.
قَوْلُهُ (وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ إلَخْ) تَبِعَ فِيهِ الْإِسْنَوِيَّ وَقَدْ تَعَجَّبَ مِنْهُ الزَّرْكَشِيّ بِأَنَّهُ وَجْهٌ آخَرَ مُغَايِرٌ لَهُ فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ. اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ. وَلَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْحَمْلَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ وَرَدَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْجَلُوا عَلَى عِشَائِكُمْ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا أَيْ بِأَنْ تُقَدِّمُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ أَوْ الْمَعْنَى: لَا تَسْتَعْجِلُوا فِي عَشَائِكُمْ بَلْ اشْبَعُوا الشِّبَعَ الشَّرْعِيَّ، وَهَذَا أَقْرَبُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشِّبَعُ الشَّرْعِيُّ اهـ م د. فَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ عَلَى كَسْرِهَا وَالتَّفْسِيرُ الثَّانِي عَلَى فَتْحِهَا. قَوْلُهُ: (وَإِزَالَةُ الْخَبَثِ) أَيْ مِنْ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ وَالْمُعْتَبَرُ مَا تَتَّفِقُ إصَابَتُهُ مِنْ النَّجَسِ غَالِبًا، وَإِلَّا وَرَدَ أَنَّ النَّجَسَ الْمُغَلَّظَ قَدْ لَا يَزُولُ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ إلَّا بِحَتٍّ وَقَرْصٍ وَاسْتِعَانَةٍ بِنَحْوِ أُشْنَانٍ، وَرُبَّمَا يَسْتَغْرِقُ ذَلِكَ وَقْتَ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَدِيمِ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِتَنَاوُلِهِ التَّعَمُّمَ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّيَابِ الْمَلْبُوسُ فَيَشْمَلُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ) أَيْ بِالْقَدِيمِ.
قَوْلُهُ:
стр. 388
وَقْتُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: بَلْ هُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَهُوَ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ أَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ مِنْهَا: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» . وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ جِبْرِيلَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ كَمَا مَرَّ، وَأَيْضًا أَحَادِيثُ مُسْلِمٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ بِمَكَّةَ؛ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ رُوَاةً وَأَصَحُّ إسْنَادًا مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا لِلْمَغْرِبِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَوَقْتُ جَوَازٍ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ عُذْرٍ وَ وَقْتُ الْعِشَاءِ لِمَنْ يَجْمَعُ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ نَقْلًا عَنْ التِّرْمِذِيِّ: وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ وَهُوَ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْجَدِيدِ اهـ. وَمَعْنَاهُ وَاضِحٌ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَهَا أَيْضًا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَوَقْتُ حُرْمَةٍ.
(وَالْعِشَاءُ وَ) يَدْخُلُ أَوَّلُ (وَقْتِهَا إذَا غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ) لِمَا سَبَقَ وَخَرَجَ بِالْأَحْمَرِ الْأَصْفَرِ وَالْأَبْيَضِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي الْمُحَرَّرِ بِالْأَحْمَرِ لِانْصِرَافِ الِاسْمِ إلَيْهِ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الشَّفَقَ هُوَ الْأَحْمَرُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ التَّعَرُّضُ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ. تَنْبِيهٌ: مَنْ لَا عِشَاءَ لَهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا بِنَوَاحٍ لَا يَغِيبُ فِيهَا شَفَقُهُمْ يُقَدِّرُونَ قَدْرَ مَا يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ) أَيْ فِي الْقَدِيمِ.
قَوْلُهُ: (رُوَاةً) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ اسْمِ أَنَّ أَيْ؛ وَلِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ وَإِسْنَادَهَا أَصَحُّ.
قَوْلُهُ: (وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ) وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا وَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ، فَالثَّلَاثَةُ مُشْتَرَكَةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَسَيَأْتِي لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ فَالْمَجْمُوعُ سَبْعَةٌ قَالَ حَجّ فِي التُّحْفَةِ: تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ مَا يَزِيدُ بِهِ الثَّوَابُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ وَبِوَقْتِ الِاخْتِيَارِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ دُونَ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَ تَغَايُرُهُمَا وَقَدْ صَرَّحُوا بِاتِّحَادِهِمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَفِي قَوْلِهِمْ فِي نَحْوِ الْعَصْرِ وَقْتُ اخْتِيَارِهَا مِنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَهُ إلَى الْمِثْلَيْنِ وَفَضِيلَتُهَا أَوَّلُ الْوَقْتِ. قُلْت: الِاخْتِيَارُ لَهُ إطْلَاقَانِ: إطْلَاقٌ يُرَادِفُ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ، وَإِطْلَاقٌ يُخَالِفُهُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ الْمُتَبَادِرُ فَلَا تَنَافِي. قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ) فِيهِ تَسَاهُلٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِيهِ وَقْتَ الْحُرْمَةِ وَالضَّرُورَةِ وَالْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَهَا أَيْضًا وَقْتُ ضَرُورَةٍ) فَيَكُونُ لَهَا سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ.
[وَقْتُ الْعِشَاء]
قَوْلُهُ: (لِمَا سَبَقَ) أَيْ فِي حَدِيثِ أَمَّنِي جِبْرِيلُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ «وَالْعِشَاءُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» .
قَوْلُهُ: (الْأَصْفَرُ وَالْأَبْيَضُ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ دُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى غَيْبُوبَتِهِمَا، لَكِنْ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهَا لِزَوَالِهِمَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. تَنْبِيهٌ: قَدْ يُشَاهَدُ غُرُوبُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ الْمُؤَقِّتُونَ فِيهَا وَهُوَ عِشْرُونَ دَرَجَةً، فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِمَا قَدَّرُوهُ أَوْ بِالْمُشَاهَدِ؟ وَقَاعِدَةُ الْبَابِ وَكَذَا الْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ الثَّانِي وَالْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ مَضَى مَا قَدَّرُوهُ وَلَمْ يَغِبْ الْأَحْمَرُ. اهـ. فَتْحُ الْجَوَادِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالشَّفَقِ لَا بِالدَّرَجِ وَلَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوَاقِيتَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ارْتِفَاعًا، فَقَدْ يَكُونُ زَوَالُ الشَّمْسِ فِي بَلَدٍ طُلُوعَهَا بِبَلَدٍ آخَرَ وَعَصْرًا بِآخَرَ وَمَغْرِبًا بِآخَرَ وَعِشَاءً بِآخَرَ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ التَّعَرُّضُ لَهُ) أَيْ لِلْأَحْمَرِ. قَوْلُهُ: (لَا يَغِيبُ فِيهَا شَفَقُهُمْ) أَيْ أَوْ لَا شَفَقَ لَهُمْ اج.
قَوْلُهُ: (يُقَدِّرُونَ) أَيْ يُقَدِّرُونَ وَقْتَ مَغْرِبِهِمْ وَدُخُولَ وَقْتِ عِشَائِهِمْ فَمَفْعُولُ يُقَدِّرُونَ مَحْذُوفٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ مَا يَغِيبُ) أَيْ بِقَدْرِ مَا يَغِيبُ وَظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ مُضِيِّ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ طُلُوعِ شَمْسِهِمْ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ وَقْتَ صُبْحِهِمْ يَحْصُلُ بِمُضِيِّ زَمَنٍ يَطْلُعُ فِيهِ فَجْرُ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ. اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (بِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ) بَقِيَ مَا لَوْ اسْتَوَى فِي
стр. 389
كَعَادِمِ الْقُوتِ الْمُجَزِّئِ فِي الْفِطْرَةِ بِبَلَدِهِ أَيْ: فَإِنْ كَانَ شَفَقُهُمْ يَغِيبُ عِنْدَ رُيْعِ لَيْلِهِمْ مَثَلًا اُعْتُبِرَ مِنْ لَيْلِ هَؤُلَاءِ بِالنِّسْبَةِ لَا أَنَّهُمْ يَصْبِرُونَ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي مِنْ لَيْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَغْرَقَ لَيْلَهُمْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْخَادِمِ. (وَآخِرُهُ فِي) وَقْتِ (الِاخْتِيَارِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِخَبَرِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِ الِاخْتِيَارِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ لِخَبَرِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَلَامُهُ فِي الْمَجْمُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، (وَ) آخِرُهُ (فِي) وَقْتِ (الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) أَيْ الصَّادِقِ لِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقُرْبِ إلَيْهِمْ بَلَدَانِ ثُمَّ كَانَ الشَّفَقُ يَغِيبُ فِي إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى، فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِئَلَّا. يُؤَدِّيَ إلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا عَلَى احْتِمَالٍ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (اُعْتُبِرَ مِنْ لَيْلِ هَؤُلَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَخْ) مِثَالُهُ إذَا كَانَ مَنْ يَغِيبُ شَفَقُهُمْ أَوْ مَنْ لَا شَفَقَ لَهُمْ لَيْلُهُمْ عِشْرُونَ دَرَجَةً مَثَلًا وَلَيْلُ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ الَّذِينَ لَهُمْ شَفَقٌ يَغِيبُ ثَمَانُونَ دَرَجَةً مَثَلًا وَشَفَقُهُمْ يَغِيبُ بَعْدَ مُضِيِّ عِشْرِينَ، فَإِذَا نُسِبَ عِشْرُونَ إلَى ثَمَانِينَ. كَانَتْ رُبْعًا فَيُعْتَبَرُ لِمَنْ لَا يَغِيبُ شَفَقُهُمْ مُضِيُّ رُبْعِ لَيْلِهِمْ، وَهُوَ فِي مِثَالِنَا خَمْسُ دَرَجٍ فَنَقُولُ لَهُمْ: إذَا مَضَى مِنْ لَيْلِكُمْ خَمْسُ دَرَجٍ دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ ذَكَرَهُ اج. قَالَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ: مَحَلُّ اعْتِبَارِ النِّسْبَةِ إذَا كَانَ اعْتِبَارُ مَغِيبِ شَفَقِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ يُؤَدِّي إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ عِنْدَهُمْ، وَإِلَّا فَلَا تُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ بَلْ يَصْبِرُونَ بِقَدْرِ مَغِيبِ شَفَقِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا أَنَّهُمْ يَصْبِرُونَ بِقَدْرِ مَا يَمْضِي لَيْسَ مُسَلَّمًا عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَوْ عُدِمَ وَقْتُ الْعِشَاءِ كَأَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ لَمَّا غَرَبَتْ وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ اخْتِلَافٍ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ز ي: وَلَوْ لَمْ يَسَعْ أَيْ اللَّيْلُ عِنْدَهُمْ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَأَكْلَ الصَّائِمِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ الْغُرُوبِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَا يَسَعُ إلَّا قَدْرَ الْمَغْرِبِ، أَوْ أَكْلَ الصَّائِمِ قُدِّمَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ عَلَيْهِ وَاجِبَانِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ وَاجِبٌ فِرَارًا مِنْ الْوِصَالِ فَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. فَإِنْ انْعَدَمَ اللَّيْلُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِأَنْ كَانَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ عَقِبَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَجَبَ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ قَالَ حَجّ: وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا صَوْمَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَالْأَخْذُ بِالنِّسْبَةِ لَا يَكُونُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَضَاءً. اهـ. ح ل. وَكَوْنُ أَكْلِ الصَّائِمِ وَاجِبًا تَحَرُّزٌ مِنْ الْوِصَالِ الْمُحَرَّمِ.
قَوْلُهُ: (يَصْبِرُونَ) أَيْ عَنْ فِعْلِ الْعِشَاءِ. قَوْلُهُ: (إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) أَيْ إلَى تَمَامِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ سم.
قَوْلُهُ: (أَيْ الصَّادِقُ) وَسُمِّيَ صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَنْ الصُّبْحِ وَيُبَيِّنُهُ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: سُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهُ يَكْذِبُ عَنْ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ يُضِيءُ ثُمَّ يَسْوَدُّ وَيَذْهَبُ، وَالثَّانِي صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَنْ الصُّبْحِ وَيُبَيِّنُهُ اهـ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ إطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ وَهُوَ: «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» لِمَا أَوْهَمَهُ مِنْ عَدَمِ وُصُولِ الشِّفَاءِ بِشُرْبِ الْعَسَلِ م ر أَيْ حِينَ سَأَلَهُ «وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَطْنَ أَخِي وَجِعَةٌ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَشْرَبَ الْعَسَلَ فَشَرِبَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شِفَاءٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شِفَاءٌ» ، فَقَالَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ. فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ : «وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ. يُقَالُ كَذَبَ سَمْعُك أَيْ زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ، فَمَعْنَى كَذَبَ بَطْنُهُ أَيْ لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ بَلْ زَلَّ عَنْهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ: لَعَلَّهُ ﷺ عَلِمَ بِنُورِ الْوَحْيِ أَنَّ ذَلِكَ الْعَسَلَ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ نَفْعُهُ فِي الْحَالِ مَعَ كَوْنِهِ ﵇ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ سَيَظْهَرُ نَفْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ جَارِيًا مَجْرَى الْكَذِبِ، فَلِذَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظَ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَوَاهِبِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ) فِي لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ لَيْسَ بِسَبَبِ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ أَيْ: إنْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ وَلَوْ جُمُعَةً قَبْلَ الزَّوَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ ق ل وع ش. وَكَذَا إنْ نَامَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ إنْ وَثِقَ بِيَقَظَتِهِ، وَالصَّلَاةُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ حَرُمَ أَيْ: يَأْثَمُ إثْمَيْنِ إثْمَ تَرْكِ
стр. 390
يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ خَرَجَتْ الصُّبْحُ بِدَلِيلِ فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي غَيْرِهَا وَخَرَجَ بِالصَّادِقِ الْكَاذِبُ. وَالصَّادِقُ هُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِنَوَاحِي السَّمَاءِ، بِخِلَافِ الْكَاذِبِ فَإِنَّهُ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا يَعْلُوهُ ضَوْءٌ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ الذِّئْبُ، ثُمَّ تَعْقُبُهُ ظُلْمَةٌ وَشُبِّهَ بِذَنَبِ السِّرْحَانِ لِطُولِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الصَّلَاةِ وَإِثْمَ النَّوْمِ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ يَحْصُلْ إثْمُ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْإِثْمُ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ النَّوْمِ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ، وَيَجِبُ إيقَاظُ مَنْ نَامَ بَعْدَ الْوُجُوبِ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَيُسَنُّ إيقَاظُ مَنْ نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا لِيَنَالَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَلَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَعَزْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ وَأَزَالَ تَمْيِيزَهُ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ مُطْلَقًا وَلَا كَرَاهَةَ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ إلَخْ) عَدَّاهُ بِعَلَى مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِفِي؛ لِأَنَّ فِي تَتْمِيمِ الْكَلَامِ حَذْفًا أَيْ: إثْمُ التَّفْرِيطِ اهـ اط ف. قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: «وَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» قَوْلُهُ: (فَبَقِيَ) أَيْ وَقْتُ الْعِشَاءِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مُقْتَضَاهُ) وَهُوَ اسْتِمْرَارُ وَقْتِهَا إلَى وَقْتِ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (هُوَ الْمُنْتَشِرُ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَرِضًا) أَيْ بِعَرْضِ الْأُفُقِ وَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنْتَشِرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ. قَوْلُهُ: (بِعُلُوِّهِ) بِالْوَاوِ مِنْ بَابِ سَمَا يَسْمُو سُمُوًّا، وَأَمَّا عَلَى يَعْلَى مِنْ بَابِ رَضِيَ يَرْضَى فَهُوَ فِي الشَّرَفِ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا قَوْلُهُ: (كَذَنَبِ السِّرْحَانِ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ مُسْتَطِيلًا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَعَقَّبَهُ) أَيْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ يَتَّصِلُ بِالصَّادِقِ قَالَ: وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ الرُّومِيِّ:
وَكَاذِبُ الْفَجْرِ يَبْدُو قَبْلَ صَادِقِهِ ... وَأَوَّلُ الْغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ
وَمِثْلُ ذَلِكَ وَجْدُ الْعَاشِقِينَ هَوًى ... بِالْمَزْحِ يَبْدُو وَبِالْإِدْمَانِ يَلْتَهِبُ
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ إمَامُ الْفَاضِلِيَّةِ: وَهُوَ يَطْلُعُ إذَا بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ السُّبْعُ اهـ عَنَانِيٌّ. ثُمَّ قَالَ: وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إذَا غَرَبَا هَلْ يَسِيرَانِ تَحْتَ الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ أَمْ لَا؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمَا إذْ غَرَبَا يَسِيرَانِ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَهَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِمَّا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَهَذَا أَوْلَى فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ مَعَ زِيَادَةٍ. ثُمَّ رَأَيْت فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ لِابْنِ الْعِمَادِ مَا نَصُّهُ: سُؤَالٌ، الشَّمْسُ إذَا غَرَبَتْ أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ يَبْتَلِعُهَا حُوتٌ، وَقِيلَ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَالْحَمِئَةُ بِالْهَمْزِ ذَاتُ حَمْأَةٍ وَطِينٍ وَقُرِئَ حَامِيَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ حَارَّةٍ سَاخِنَةٍ. قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ وَقِيلَ إنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ أَقْوَامًا يَعْصُونَك. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: لَا خِلَافَ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ عِنْدَ قَوْمٍ وَتَطْلُعُ عَلَى آخَرِينَ، وَاللَّيْلُ يَطُولُ عِنْدَ قَوْمٍ وَيَقْصُرُ عِنْدَ آخَرِينَ، وَعِنْدَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ يَكُونُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مُسْتَوِيَيْنِ أَبَدًا. وَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ بِلَادِ بُلْغَارَ كَيْفَ يُصَلُّونَ فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَغْرُبُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ تَطْلُعُ فَقَالَ: يُعْتَبَرُ صَوْمُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ بِأَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ، وَالْأَحْسَنُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، كَمَا قَالَ ﷺ فِي يَوْمِ الدَّجَّالِ الَّذِي كَسَنَةٍ وَكَشَهْرٍ: «اُقْدُرُوا لَهُ» حِينَ سَأَلَهُ الصَّحَابِيُّ عَنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَبُلْغَارُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي آخِرِهِ: أَقْصَى بِلَادِ التَّرْكِ، وَذَكَرَ لِي بَعْضُهُمْ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا غَرَبَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ هَهُنَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَصَارَ يَمْشِي قَلِيلًا، ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ تَرَدُّدٍ أَبْدَاهُ
стр. 391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقَرَافِيُّ فِي قَوْمٍ لَا تَغِيبُ الشَّمْسُ عِنْدَهُمْ إلَّا مِقْدَارَ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يَشْتَغِلُونَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَوْ يَشْتَغِلُونَ بِالْأَكْلِ حَتَّى يَقْوَوْنَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ إذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ. وَإِذَا عَلِمْت مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ اللَّيْلَ يَقْصُرُ عِنْدَ قَوْمٍ وَيَطُولُ عِنْدَ آخَرِينَ ظَهَرَ لَك وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ ﵊ فِي قَوْلِهِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَذْهَبُ ثُلُثُ اللَّيْلِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «حِينَ يَذْهَبُ نِصْفُ اللَّيْلِ وَيَقُولُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ» الْحَدِيثَ وَكَذَا أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْجَوَابِ، وَهُوَ أَنَّ نُزُولَ الْمَلَكِ يَكُونُ دَائِمًا نِصْفَ اللَّيْلِ. قَالَ: وَنِصْفُ اللَّيْلِ يَكُونُ نِصْفًا عَنْ قَوْمٍ وَثُلُثًا عِنْدَ آخَرِينَ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَحْدَثَتْ فِي الْعَالَمِ حَرَكَةً بِطَبْعِهَا وَحَرَارَتِهَا فَلَا يَبْقَى حَيَوَانٌ نَائِمٌ إلَّا وَتَحَرَّكَ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَقْرُبُ مِنْ الْأَرْضِ فَإِذَا تَحَرَّكَ اسْتَيْقَظَ فِي الْغَالِبِ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ يَلْقَاهُ الْمُنَادِي وَنَشَّطَهُ إلَى الْقِيَامِ لِلطَّاعَةِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ طَالِبِ حَاجَةٍ؟ وَفِي هَذِهِ أَسْرَارٌ غَرِيبَةٌ وَمَعَانٍ لَطِيفَةٌ فَسُبْحَانَ مَنْ هَذَا عَطَاؤُهُ وَجَلَّ مَنْ هَذَا قَضَاؤُهُ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَذَكَر الْكِسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ " عَجَائِبُ الْمَلَكُوتِ فِي قُدْرَةِ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ". قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ وَخَلَقَ الْقَمَرَ مِنْ نُورِ حِجَابِهِ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَانَ كَعْبٌ يَقُولُ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُؤْتَى بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقْذَفَانِ فِي النَّارِ فَقِيلَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: كَذَبَ كَعْبٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] فَكَيْفَ يَقْذِفُهُمَا؟ قَالَ وَهْبٌ: وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِمَا جَمِيعًا مَلَائِكَةً يُرْسِلُونَهُمَا بِمِقْدَارٍ وَيَقْبِضُونَهُمَا بِمِقْدَارٍ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] فَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا زَادَ فِي الْآخَرِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ أَحَدُهُمَا أَصْغَرُ مِنْ الْآخَرِ وَطَمَسَ أَصْغَرَهُمَا؛ وَلَوْ كَانَ تَرَكَهُمَا عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُعْرَفْ اللَّيْلُ مِنْ النَّهَارِ وَلَا الْأَزْمِنَةُ، فَأَمَرَ جِبْرِيلَ فَمَرَّ بِجَنَاحِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فَالسَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ شَبَهُ الْخُطُوطِ آثَارَ الْمَمْحُوِّ مِنْهُ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ لِلشَّمْسِ عَجَلَةً لَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عُرْوَةً وَوَكَّلَ بِالشَّمْسِ وَالْعَجَلَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَلَكًا قَدْ تَعَلَّقَ كُلُّ مَلَكٍ بِعُرْوَةٍ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى، خَلَقَ لِلْقَمَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَخَلَقَ لَهُمَا مَشَارِقَ وَمَغَارِبَ فِي قُطْرِ الْأَرْضِ وَلِلسَّمَاءِ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ عَيْنًا فِي الْمَغْرِبِ مِنْ طِينَةٍ سَوْدَاءَ تَفُورُ غَلْيًا كَغَلْيِ الْقِدْرِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَشْرِقِ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ مِنْ مَطْلَعٍ جَدِيدٍ وَتَغْرُبُ فِي مَغْرِبٍ جَدِيدٍ، وَخَلَقَ بَحْرًا دُونَ سَمَاءِ الدُّنْيَا لَهُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ فَتَجْرِي فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ فِي لُجَّةِ ذَلِكَ، وَلَوْ بَدَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَأَحْرَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَوْ بَدَا الْقَمَرُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ لَافْتُتِنَ الْعَالَمُونَ بِحُسْنِهِ حَتَّى يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ طَلَعَتْ وَمَعَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَلَكًا نَاشِرُو أَجْنِحَتِهِمْ يَجُرُّونَهَا بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيلِ عَلَى قَدْرِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ رُفِعَ بِهَا مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَبْلُغَ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ حَتَّى تَكُونَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَتَسْجُدُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهَا، ثُمَّ يَتَحَدَّرُونَ بِهَا مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَبْلُغَ بِهَا إلَى فَلَكِهَا، وَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ فَلَا تَزَالُ تُضِيءُ حَتَّى تَغْرُبَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْغُرُوبِ أَقْبَلَ مَلَكٌ قَدْ وُكِّلَ بِاللَّيْلِ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ ظُلْمَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، وَلَا يُزَالُ يُرْسِلُ تِلْكَ الظُّلْمَةَ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَنْشُرَ جَنَاحَيْهِ فَيَبْلُغَانِ قُطْرَ الْأَرْضِ وَكَنَفَيْ السَّمَاءِ فَلَا يَزَالُ يَسُوقُ الظُّلْمَةَ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَغْرِبَ، فَإِذَا بَلَغَ الْمَغْرِبَ انْفَجَرَ الصُّبْحُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَلَا يُزَالُ يَقْبِضُ الظُّلْمَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ حَتَّى يُضِيءَ النَّهَارُ فَذَلِكَ مَسِيرُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ» اهـ.
стр. 392
فَلَهَا سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ، وَوَقْتُ جَوَازٍ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ، وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَوَقْتُ عُذْرٍ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ لِمَنْ يَجْمَعُ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ.
(وَالصُّبْحُ) أَيْ صَلَاتُهُ وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَةً أَوَّلَ النَّهَارِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ هَذِهِ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ بَعْدَ الْفَجْرِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ لِمَا فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ. (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَإِنْ قِيلَ: مَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الْقَمَرِ؟ قِيلَ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ أَثَرُ مَسْحِ جَنَاحِ جِبْرِيلَ ﵇، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ الْقَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا وَكَذَلِكَ نُورُ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى جِبْرِيلُ فَمَسَحَهُ بِجَنَاحِهِ فَمَحَا مِنْ الْقَمَرِ تِسْعَةً وَسِتِّينَ جُزْءًا فَحَوَّلَهَا إلَى الشَّمْسِ، فَأَذْهَبَ عَنْهُ الضَّوْءَ وَأَبْقَى فِيهِ النُّورَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ وَجَدْته حُرُوفًا أَوَّلُهَا الْجِيمُ وَثَانِيهَا الْمِيمُ وَثَالِثُهَا الْيَاءُ، وَاللَّامُ أَلِفٍ آخِرَ الْكُلِّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ جَمِيلًا، وَقَدْ شَاهَدْت ذَلِكَ وَقَرَأْته مَرَّاتٍ فَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَهُ جَمِيلًا. فَإِنْ قِيلَ: إذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَذْهَبُ النَّهَارُ، وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ يَذْهَبُ اللَّيْلُ؟ قِيلَ: إنَّهُمَا فِي كَفَّيْ مَلَكٍ فِي إحْدَى يَدَيْهِ نُورٌ وَفِي الْأُخْرَى ظُلْمَةٌ، فَالظُّلْمَةُ دَائِمَةٌ وَالنُّورُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ. وَفِي سِيرَةِ الْحَلَبِيِّ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] إنَّ اللَّيْلَ ذَكَرٌ وَالنَّهَارَ أُنْثَى فَاللَّيْلُ كَآدَمَ وَالنَّهَارُ كَحَوَّاءَ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّيْلَ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّهَارَ مِنْ النَّارِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأُنْسُ بِاللَّيْلِ أَكْثَرَ اهـ.
قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الدُّرَرِ قُلْت لِشَيْخِنَا ﵁: رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ اللَّيْلَ ذَكَرٌ وَالنَّهَارَ أُنْثَى هَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ؟ قَالَ ﵁: نَعَمْ. فَلَمَّا تَغَشَّى اللَّيْلُ النَّهَارَ تَوَالَدَا فَظَهَرَتْ الْكَائِنَاتُ مِنْ غَشَيَانِ الزَّمَانِ فَالْمُوَلَّدَاتُ كُلُّهَا أَوْلَادُ الزَّمَانِ، فَقُلْت لَهُ: فَإِذًا اسْتِخْرَاجُ النَّهَارِ الَّذِي هُوَ أُنْثَى كَاسْتِخْرَاجِ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ فَقَالَ نَعَمْ. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] كَمَا أَنَّ اسْتِخْرَاجَ اللَّيْلِ الَّذِي هُوَ ذَكَرٌ كَاسْتِخْرَاجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَهُنَا أَسْرَارٌ لَا تُذْكَرُ إلَّا مُشَافَهَةً فَإِذَا خَاطَبَ أَبْنَاءَ اللَّيْلِ قَالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١] وَإِذَا خَاطَبَ أَبْنَاءَ النَّهَارِ قَالَ: ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠] فَنَزِّلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَجِدْهُمَا سَوَاءً بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
فَإِنْ قِيلَ: اللَّيْلُ أَفْضَلُ أَمْ النَّهَارُ؟ قِيلَ، قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: اللَّيْلُ أَفْضَلُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّيْلَ رَاحَةٌ وَالرَّاحَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّهَارَ تَعَبٌ وَالتَّعَبُ مِنْ النَّارِ، وَأَيْضًا اللَّيْلُ حَظُّ الْفِرَاشِ وَالنَّهَارُ حَظُّ اللِّبَاسِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى لَيْلَةً خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَلَيْسَ فِي الْأَيَّامِ مِثْلُهَا؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي كَانَتْ مَفْرُوضَةً أَيْ فَهُوَ وَقْتٌ فَاضِلٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ صَلَاةِ اللَّيْلِ نُسِخَ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ عَلَى مِعْرَاجِ الْغَيْطِيِّ. وَقِيلَ: النَّهَارُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ نُورٌ، وَأَيْضًا لَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ، وَأَيْضًا النَّهَارُ لِلْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ؟ قِيلَ: هُمَا يَخْرُجَانِ مِنْ كَفَّيْ مَلَكٍ فِي إحْدَى يَدَيْهِ نُورٌ، وَفِي الْأُخْرَى ظُلْمَةٌ فَيُقَالُ الظُّلْمَةُ دَائِمَةٌ وَالنَّهَارُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ. قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ نُورَ الْفَجْرِ لَيْسَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ.
قَوْلُهُ: (فَلَهَا سَبْعَةُ أَوْقَاتٍ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَّا ثَلَاثَةٌ فَكَانَ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ لِإِبْقَاءِ التَّفْرِيعِ.
[وَقْتُ الْفَجْرِ]
قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ اللُّغَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْكَسْرَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ وَحُكِيَ كَسْرُهَا.
قَوْلُهُ: (سُمِّيَتْ بِهِ) فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ وَهُوَ الصَّلَاةُ مَجَازًا وَلَهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ الصُّبْحُ وَالْفَجْرُ وَالْبَرْدُ وَالْوُسْطَى عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ
стр. 393
الثَّانِي) أَيْ الصَّادِقُ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، وَيَحْرُمَانِ بِالصَّادِقِ (وَآخِرُهُ فِي) وَقْتِ (الِاخْتِيَارِ إلَى الْإِسْفَارِ) وَهُوَ الْإِضَاءَةُ لِخَبَرِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ وَقَوْلُهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ (وَ) آخِرُهُ (فِي) وَقْتِ (الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» وَالْمُرَادُ بِطُلُوعِهَا هُنَا طُلُوعُ بَعْضِهَا بِخِلَافِ غُرُوبِهَا فِيمَا مَرَّ إلْحَاقًا لِمَا لَمْ يَظْهَرْ بِمَا ظَهَرَ فِيهِمَا؛ وَلِأَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ يُشْمَلُ بِطُلُوعِ بَعْضِ الْفَجْرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَخْرُجَ بِطُلُوعِ بَعْضِ الشَّمْسِ فَلَهَا سِتَّةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى الْأَحْمَرِ، ثُمَّ وَقْتُ كَرَاهَةٍ وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ، وَهِيَ نَهَارِيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ. وَلِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الْآيَةَ إذْ لَا قُنُوتَ إلَّا فِي الصُّبْحِ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِمَنْ يَكْتُبُ مُصْحَفًا: اُكْتُبْ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » إذْ الْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْحَاوِي الْكَبِيرِ: صَحَّتْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْغَدَاةُ.
قَوْلُهُ: (يَجْمَعُ بَيَاضًا وَحُمْرَةً) أَمَّا الْبَيَاضُ فَهُوَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ، وَأَمَّا الْحُمْرَةُ فَمِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ قَبْلَ طُلُوعِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَجْرَ يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَصَحَّ قَوْلُهُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيَاضًا وَحُمْرَةً م د. قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ يَجْمَعُ بَيَاضًا وَحُمْرَةً فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ إنَّمَا يَجْمَعُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ كَثِيرٍ مِنْ وَقْتِهَا فَيَقْتَضِي أَنَّهَا تُؤَخَّرُ لِذَلِكَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْفَجْرُ حِينَئِذٍ بَيَاضٌ لَا حُمْرَةَ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ عَقِبَ الْفَجْرِ وَالْفَجْرُ فِيهِ بَيَاضٌ حِينَئِذٍ وَالشَّيْءُ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ يُقَالُ لَهُ صُبْحٌ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (عَلَّقَهُ عَلَى الْوَقْتِ) أَيْ قَيَّدَهُ بِالْوَقْتِ إلَخْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِطُلُوعِهَا هُنَا) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بَعْضُهَا صَلَّى لِلْبَاقِي فَلَمْ يُلْحِقُوا مَا لَمْ يَظْهَرْ بِمَا ظَهَرَ ح ل.
قَوْلُهُ: (إلْحَاقًا لِمَا لَمْ يَظْهَرْ بِمَا ظَهَرَ) فَكَأَنَّهَا كُلَّهَا طَلَعَتْ بِخِلَافِ غُرُوبِهَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ جَمِيعِ الْقُرْصِ، فَإِذَا غَابَ الْبَعْضُ أُلْحِقَ مَا لَمْ يَظْهَرْ بِمَا ظَهَرَ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (فَلَهَا سِتَّةُ أَوْقَاتٍ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ، وَلَيْسَ لَهَا وَقْتُ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْمَعُ مَعَ مَا قَبْلَهَا وَلَا مَعَ مَا بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: (وَهِيَ نَهَارِيَّةٌ) أَيْ شَرْعًا وَلَيْلِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَوَّلَ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلِذَلِكَ طُلِبَ فِيهَا الْجَهْرُ اهـ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ دَلِيلٌ لِمَا ادَّعَاهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا قُنُوتَ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَانِتِينَ فِي الْآيَةِ مَنْ يَأْتِي بِقُنُوتِ الصُّبْحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ مُطْلَقًا فَرَاجِعْهُ ق ل. أَيْ وَقُومُوا لِلَّهِ مُطِيعِينَ شَرْحُ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) بِالْجَرِّ أَيْ: اُكْتُبْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] بِالْجَرِّ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ بِالْجَرِّ أَيْضًا، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قُرْآنٌ عِنْدَ عَائِشَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، إلَّا أَنَّهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ عِنْدَ غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقْرَأْ عِنْدَ غَيْرِ عَائِشَةَ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِالْعَطْفِ كَالْبَيْضَاوِيِّ. وَصَرِيحُ كَلَامِ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ عَدَمُ الْعَطْفِ وَنَصُّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمَقْصِدُ مِنْ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ تَفْسِيرُ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَتَبْيِينُ مَعَانِيهَا كَقِرَاءَةِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ اهـ وَلَعَلَّهَا رِوَايَتَانِ، لَكِنْ عَلَى حَذْفِ الْوَاوِ تَكُونُ نَصًّا فِي أَنَّ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ اهـ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ قَوْلَهُ: وَالصَّلَاةَ الْوُسْطَى يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ حَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ وَاحْفَظُوا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى. قَوْلُهُ: (سَمِعْتهَا) أَيْ هَذِهِ الْآيَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَهَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيرِ الْمَصَاحِفِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (إذْ
стр. 394
الْأَحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ كَخَبَرِ: «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَصَارَ هَذَا مَذْهَبَهُ وَلَا يُقَالُ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْأَصَحُّ أَنَّهَا الْعَصْرُ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الصُّبْحِ غَدَاةً كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَالْأَوْلَى عَدَمُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ وَتُسَمَّى صُبْحًا وَفَجْرًا؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَهُ بِالثَّانِيَةِ، وَالسُّنَّةَ بِهِمَا مَعًا.
وَيُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً، وَتَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً. هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمِنْهَاجِ وَزَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ يُكْرَهُ اهـ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي خَيْرٍ، كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ وَمُذَاكَرَةِ فِقْهٍ وَإِينَاسِ ضَيْفٍ وَزَوْجَةٍ عِنْدَ زِفَافِهَا، وَتَكَلُّمٍ بِمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَحِسَابٍ وَمُحَادَثَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ) أَيْ فَيُفِيدُ أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ مُغَايِرَةٌ لِلْوُسْطَى، لَكِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى هِيَ الصُّبْحُ، وَالشَّارِحُ ذَكَرَهُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهَا الصُّبْحَ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ الْعَصْرَ، وَأَمَّا كَوْنُهَا الصُّبْحَ فَلَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا غَيْرُهَا اهـ وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: إذْ الْعَطْفُ إلَخْ وَقَدْ يُرَدُّ بِجَعْلِهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ فَلَا يُخَالِفُ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَالُ فِيهِ قَوْلَانِ) عِبَارَةٌ م ر. وَلَا يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَقَوْلُهُ هُنَا فِيهِ أَيْ فِي مَذْهَبِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حُكِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً) وَإِنْ قُيِّدَتْ بِالْأُولَى إلَّا مَعَ التَّغْلِيبِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ق ل. قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا عِشَاءَانِ اهـ وَهَذَا هُوَ التَّغْلِيبُ وَمَا وَرَدَ مِنْ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ أَوْ خِطَابٌ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِهِ كَمَا قَالَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَتَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً) لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَشَاعَةِ وَالِاسْتِهْجَانِ مِنْ حَيْثُ إضَافَةُ الصَّلَاةِ لِلْعَتَمَةِ الَّتِي هِيَ ذَهَابُهُمْ لِحِلَابِ الْإِبِلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَرُبَّمَا تُوُهِّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ لِهَذَا الْمَعْنَى. قَوْلُهُ: (نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ) أَيْ فَالتَّسْمِيَةُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ الْكَرَاهَةُ هُوَ الظَّاهِرُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ النَّوْمُ إلَخْ) مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِيَقِظَتِهِ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا حَرُمَ وَغَيْرُ الْعِشَاءِ مِثْلُهَا، وَلَا يَحْرُمُ النَّوْمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ اسْتِيقَاظِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، بَلْ وَإِنْ قَصَدَ عَدَمَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا كَمَا إذَا نَامَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ قَاصِدًا تَرْكَهَا فَلَا يَحْرُمُ أَيْ: وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَعِيدَ الدَّارِ لَا يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إلَى الْجُمُعَةِ إلَّا بِالسَّعْيِ قَبْلَهَا نُزِّلَ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّعْيُ مَنْزِلَةَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ طَلَبِهَا مِنْهُ، وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِتَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ اُعْتُبِرَ لِحُرْمَتِهِ أَيْ النَّوْمِ خِطَابُهُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ لَا يُخَاطَبُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ أَنَّ حُرْمَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ هُوَ قِيَاسُ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعِيدَ الدَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ النَّوْمُ الْمُفَوِّتُ، لِذَلِكَ السَّعْيِ الْوَاجِبِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) وَمِثْلُهَا بَقِيَّةُ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النَّوْمِ. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ فِعْلِهَا) إلَّا إذَا جَمَعَهَا تَقْدِيمًا مَعَ الْمَغْرِبِ فَلَا يُكْرَهُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ وَمُضِيِّ وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنْهَا غَالِبًا شَوْبَرِيٌّ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ، وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا ح ف قَالَ سم: وَفَارَقَ الْكَرَاهَةَ فِيمَا إذَا جَمَعَ الْعَصْرَ مَعَ الظُّهْرِ تَقْدِيمًا حَيْثُ كُرِهَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كُرِهَ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا مَفْقُودٌ وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَنُوطَةٌ بِفِعْلِهَا وَقَدْ وُجِدَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ اهـ. إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ الْحَدِيثُ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاعِثٌ عَلَى تَرْكِهِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ فِيهِ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ. وَأُلْحِقَ بِالْحَدِيثِ نَحْوُ الْخِيَاطَةِ، وَلَعَلَّهُ لِغَيْرِ سَاتِرِ الْعَوْرَةِ وَمِثْلُ الْخِيَاطَةِ الْكِتَابَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونَ لِلْقُرْآنِ أَوْ لِعِلْمٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ح ل. وَالْمُرَادُ الْحَدِيثُ الْمُبَاحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ أَمَّا الْمَكْرُوهُ ثَمَّ فَهُوَ هُنَا أَشَدُّ كَرَاهَةً وَكَذَا الْمُحَرَّمُ. قَوْلُهُ: (إلَّا فِي خَيْرٍ) أَيْ وَإِلَّا الْمُسَافِرُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَمْ لَا. وَسَوَاءً كَانَ فِي خَيْرٍ أَمْ لِحَاجَةِ السَّفَرِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِينَاسُ ضَيْفٍ) أَيْ غَيْرِ فَاسِقٍ أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ إينَاسُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْجُلُوسُ
стр. 395
لِمُلَاطَفَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ نَاجِزٌ. فَلَا يُتْرَكُ لِمُفْسِدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ» .
فَائِدَةٌ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ وَلُبْثَهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَعَ الْفُسَّاقِ ز ي. وَذَكَرَ حَجّ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَبِوَجْهِ قَوْلِهِمْ بِحُرْمَةِ إينَاسِهِمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» يَشْمَلُ الْفَاسِقَ. وَيَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ رَدْعًا وَزَجْرًا. وَقَدْ قَيَّدَ ح ل وَع ش عَلَى م ر: سُنَّ إينَاسُ الضَّيْفِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِقٍ، أَمَّا هُوَ فَلَا يُسَنُّ إينَاسُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَانْظُرْ هَلْ إينَاسُهُ حَرَامٌ رَدْعًا وَزَجْرًا أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَمَ سَنِّ إينَاسِهِ صَادِقٌ بِذَلِكَ حَرِّرْ. وَفِي ع ش عَلَى م ر أَنَّ إينَاسَهُ لِكَوْنِهِ فَاسِقًا حَرَامٌ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُلَاحِظْ فِي إينَاسِهِ شَيْئًا، وَأَمَّا إينَاسُهُ لِكَوْنِهِ شَيْخَهُ أَوْ مُعَلِّمَهُ فَيَجُوزُ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ زِفَافِهَا) لَيْسَ قَيْدًا، وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَمُحَادَثَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ لِمُلَاطَفَةٍ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ فَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ وَزَوْجَةٍ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ. وَعِبَارَةُ اط ف قَوْلُهُ: وَمُحَادَثَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ لِمُلَاطِفَةٍ أَيْ وَلَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً وَأَطْلَقَ فِي مُحَادِثَةِ الْأَهْلِ فَيَشْمَلُ وَقْتَ الزِّفَافِ وَغَيْرَهُ، إذْ مُلَاطَفَةُ الزَّوْجَةِ مَطْلُوبَةٌ مُطْلَقًا زُفَّتْ أَوْ لَا. خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهُ بِوَقْتِ الزِّفَافِ.
قَوْلُهُ: (لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ) وَهِيَ خَوْفُ فَوْتِ الصُّبْحِ. لَا يُقَالُ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا فِي خَيْرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ مُحَقَّقَةً.
قَوْلُهُ: (عَامَّةَ لَيْلِهِ) أَيْ أَكْثَرَهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ) أَيْ عَنْ عُبَّادِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ لِيَحْمِلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةَ عَلَى التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ) فَعَّالٌ بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ مِنْ الدَّجْلِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ أَوْ الْخَلْطُ لِكَثْرَةِ خَلْطِهِ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ، وَهُوَ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمَوْجُودٌ الْآنَ وَاسْمُهُ صَافٍ بْنُ صَيَّادٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ يَهُودِيٌّ كَمَا نَقَلَهُ ع ش عَلَى م ر عَنْ الْمُنَاوِيِّ. وَفِي اط ف: أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ يَخْرُجُ آخِرَ الزَّمَانِ يَبْتَلِي اللَّهُ عِبَادَهُ بِهِ وَيُقْدِرُهُ عَلَى أَشْيَاءَ تُدْهِشُ الْعُقُولَ وَتُحَيِّرُ الْأَلْبَابَ يَعْثُرُ بِهَا بَعْضُ الْعِبَادِ، وَيُثَبِّتُ اللَّهُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ.
قَالَ الْبِسْطَامِيُّ: وَالدَّجَّالُ رَجُلٌ قَصِيرٌ كَهْلٌ بَرَّاقُ الثَّنَايَا مَهْدِيُّ الْيَهُودِ وَيَنْتَظِرُونَهُ كَمَا يَنْتَظِرُ الْمُؤْمِنُونَ الْمَهْدِيَّ. وَنُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ رَجُلٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ مَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَجَبَلٌ مِنْ أَجْنَاسِ الْفَوَاكِهِ.
وَأَرْبَابُ الْمَلَاهِي جَمِيعًا يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالطُّبُولِ وَالْعِيدَانِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا تَبِعَهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: وَمِنْ أَمَارَاتِ خُرُوجِهِ يَهُبُّ رِيحٌ كَرِيحِ قَوْمِ عَادٍ وَيَسْمَعُونَ صَيْحَةً عَظِيمَةً وَذَلِكَ عِنْدَ تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَثْرَةِ الزِّنَا وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَرُكُونِ الْعُلَمَاءِ إلَى الظَّلَمَةِ، وَالتَّرَدُّدِ إلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَيَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ قَرْيَةٍ تُسَمَّى وسرابادين وَمَدِينَةِ الْعَوَازَانِ وَمَدِينَةِ أَصْبَهَانَ، وَيَكُونُ خُرُوجُهُ إذَا غَلَا السُّعُورُ، وَيَخْرُجُ عَلَى حِمَارٍ وَيَتَنَاوَلُ السَّحَابَ بِيَدِهِ وَيَخُوضُ الْبَحْرَ إلَى كَعْبَيْهِ وَيَسْتَظِلُّ فِي أُذُنِ حِمَارِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ يَوْمًا حَمْرَاءَ وَيَوْمًا صَفْرَاءَ. ثُمَّ يَصِلُ الْمَهْدِيُّ بِعَسْكَرِهِ إلَيْهِ فَيَلْقَاهُ وَيَقْتُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَيَنْهَزِمُ الدَّجَّالُ، ثُمَّ يَهْبِطُ عِيسَى إلَى الْأَرْضِ وَهُوَ مُتَعَمِّمٌ بِعِمَامَةٍ خَضْرَاءَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفٍ رَاكِبٌ عَلَى فَرَسٍ وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ، فَيَأْتِي إلَيْهِ فَيَطْعَنُهُ بِهَا فَيَقْتُلُهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَّا خُرُوجُ الدَّجَّالِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَجَزْمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ. وَأَمَّا الَّذِي يَدَّعِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَيَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ ثُمَّ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.
فَإِنْ قُلْت: يُنَافِي خُرُوجَهُ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ أَصْبَهَانَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: " أَنَّ الدَّجَّالَ تَلِدُهُ أُمُّهُ بِقُوصٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ". قُلْت: لَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُولَدَ فِيهَا ثُمَّ يَرْحَلَ إلَى الْمَشْرِقِ وَيَنْشَأَ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجَ، وَقَالَ الْبِسْطَامِيِّ فِي كِتَابِ الْجَفْرِ الْأَكْبَرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِيمَا بَيْنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ يَخْرُجُ مَعَهُ أَصْحَابُ الْعَقْدِ وَيَتَّبِعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ نِسَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَحْدَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا، وَيَمُرُّ الدَّجَّالُ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَك
стр. 396
يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ، فَجَنَّتُهُ خَضِرَةٌ وَنَارُهُ دُخَانٌ، وَمَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَهُوَ جَبَلُ الْبَصْرَةِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَنَامٌ، وَمَعَهُ مُهْلٌ مِنْ مَاءٍ فَمَنْ آمَنَ بِهِ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ وَإِلَّا قَتَلَهُ وَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ اهـ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي صِحَّةِ وُجُودِ الدَّجَّالِ، وَأَنَّهُ رَجُلٌ مُعَيَّنٌ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَيُقْدِرُهُ عَلَى أَشْيَاءَ كَإِحْيَاءِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَقْتُلُهُ، وَظُهُورُ الْخِصْبِ وَالْأَنْهَارِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِتْبَاعِ كُنُوزِ الْأَرْضِ، وَأَمْرِهِ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، ثُمَّ يُبْطِلُ أَمْرَهُ وَيَقْتُلُهُ عِيسَى، وَقَدْ خَالَفَ فِي خُرُوجِهِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، فَأَنْكَرُوا وُجُودَهُ وَرَدُّوا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَمَا زَعَمُوهُ يَرُدُّهُ الْأَخْبَارُ الْمُفِيدَةُ لِلْقَطْعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: شَأْنُ الدَّجَّالِ فِي ذَاتِهِ عَظِيمٌ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ أَعْظَمُ، وَقَدْ انْتَهَى الْخِذْلَانُ بِمَنْ لَا تَوْفِيقَ عِنْدَهُ إلَى أَنْ قَالَ: إنَّهُ بَاطِلٌ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَيُرْوَى: " أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تَخْرُجُ امْرَأَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَتَدْعُو الْخَلَائِقَ إلَى نَفْسِهَا فَلَا يَأْتِيهَا أَحَدٌ إلَّا كَفَرَ، فَيَمْكُثُ النَّاسُ أَعْوَامًا بَعْدَ ذَلِكَ فَيُمْسِكُ اللَّهُ عَنْهُمْ الْغَيْثَ، وَيَتَوَالَى الْقَحْطُ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ السَّمَاءِ دُخَانٌ عَظِيمٌ يَغْشَى أَهْلَ الْأَرْضِ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ كَذَلِكَ فِي الْجَهْدِ الْعَظِيمِ إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ الدَّجَّالُ لَعَنْهُ اللَّهُ جَعْدٌ قَطِطٌ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَأُ ذَلِكَ كُلُّ مُؤْمِنٍ ". وَيُرْوَى: " أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْخَالِي كَانَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ قَوْمٍ قَامَتْ بِهِمْ إلَى جَزِيرَةٍ فَوَجَدَ فِيهَا الدَّجَّالَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي دَيْرٍ عَظِيمٍ، قَدْ أُدْخِلَ فِي مَوْضِعٍ تَحْتَ الْأَرْضِ وَهُوَ مُغَلْغَلٌ مُسَلْسَلٌ مُقَيَّدٌ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ رَجُلٌ عَظِيمُ الْخَلْقِ بِيَدِهِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّكَ ضَرَبَهُ فَسَكَنَ، وَجُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُعْبَانٌ عَظِيمٌ يَهُمُّ بِأَكْلِهِ كُلَّمَا تَنَفَّسَ، فَلَمَّا دَخَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَرَآهُ فَزِعَ مِنْهُ فَصَاحَهُ الدَّجَّالُ وَسَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَسَأَلَهُ عَنْ الزَّمَنِ وَمَا حَالُهُ وَمَا حَالُ أَهْلِهِ؟ فَوَصَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ تَنَفَّسَ وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ، وَكَانَ قَدْ تَعَاظَمَ طُولُ مَا وَصَفَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَجَاءَهُ الْمُوَكَّلُ بِهِ فَضَرَبَهُ بِذَلِكَ الْعَمُودِ وَقَالَ لَهُ: اهْدَأْ فَلَيْسَ هَذَا أَوَانُك إذَا أَرَادَ اللَّهُ إنْجَازَ وَعْدِهِ وَإِنْفَاذَ حُكْمِهِ، وَتَمَّ انْقِضَاءُ الدُّنْيَا أَذِنَ لَهُ بِالْخُرُوجِ فَيَخْرُجُ عِنْدَ شِدَّةِ الْجُوعِ وَمَعَهُ قَصْعَةٌ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ فِيهَا طَعَامًا لِشِدَّةِ مَا بِهِمْ مِنْ الْجَهْدِ وَالْبَلَاءِ، وَيَتَّبِعُهُ يَوْمَئِذٍ الْيَهُودُ، وَيَقُودُ وَرَاءَهُ نَهْرَيْنِ مِنْ مَاءٍ وَيَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، وَيَقْتُلُ رَجُلًا ثُمَّ يُحْيِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى
فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقْتُلُ الْخَضِرَ بِالسَّيْفِ نِصْفَيْنِ وَيَمْشِي بِالْحِمَارِ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُحْيِيهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ تَزْدَدْ بِي إيمَانًا: فَيَقُولُ لَهُ: مَا ازْدَدْت إلَّا تَكْذِيبًا لَك وَتَصْدِيقًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ، وَيَفْعَلُ مَعَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَيْ يُحْيِيهِ وَيَقْتُلُهُ وَيُحْيِيهِ وَيَقْتُلُهُ زِيَادَةً عَلَى الْمَرَّةِ الْأُولَى، كُلُّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ وَبَلَاءٌ مُبِينٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفْتَتَنُ بِهِ النَّاسُ وَيَرْتَدُّونَ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى دَيْنِهِ دَيْنِ الْيَهُودِيَّةِ. وَيُرْوَى: أَنَّ الدَّجَّالَ لَعَنْهُ اللَّهُ يَخْتَرِقُ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَهْلَهَا وَوَعْرَهَا وَقَفْرَهَا وَعُمْرَانَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا حَرَمَ مَكَّةَ وَحَرَمَ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُمَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَهُ وَهَلَاكَ مَنْ مَعَهُ دَفَعَ إلَى نَاحِيَةِ دِمَشْقَ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَمْرُجُونَ خَوْفًا مِنْ قُدُومِهِ، إذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُقِيمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهَا الْأَعْظَمِ فَيُصَلِّيهَا فَإِذَا هَمَّ الدَّجَّالُ بِدُخُولِهَا عَرَفَ النَّاسُ عِيسَى ﵇ وَيَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ فَيَخْرُجُ بِهِمْ إلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَأَى الدَّجَّالُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ وَيَتَصَاغَرُ لِعَظَمَتِهِ، فَيَرْمِيهِ عِيسَى ﵇ بِالْحَرْبَةِ فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْيَهُودِ وَيُقْتَلُونَ قَتْلًا عَظِيمًا. وَيُرْوَى: " أَنَّ الْمُسْلِمَ يَطْلُبُ الْيَهُودِيَّ فَيَسْتَتِرُ بِحَجَرٍ أَوْ شَجَرَةٍ فَيُنَادِيهِ الْحَجَرُ وَالشَّجَرَةُ يَا وَلِيَّ اللَّهِ هَلُمَّ هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ مُسْتَتِرٌ بِي فَاقْتُلْهُ، فَإِذَا هَلَكَ الدَّجَّالُ يَحْكُمُ عِيسَى ﵇ فِي الْأَرْضِ وَيَتَزَوَّجُ وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ، وَيَحُجُّ الْبَيْتَ، وَتَغْرِسُ النَّاسُ الْأَشْجَارَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا، وَتَطِيبُ الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا، وَتَكْثُرُ الْأَرْزَاقُ، وَيَصْحَبُهُمْ الْأَمْنُ، وَيُقِيمُونَ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُوَ مُقَامُ عِيسَى ﵇ فِي الْأَرْضِ ".
стр. 397
قُلْنَا: فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ يَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ لَا اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيُسْتَثْنَى هَذَا الْيَوْمُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْمَوَاقِيتِ وَيُقَاسُ بِهِ الْيَوْمَانِ التَّالِيَانِ لَهُ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ سَيُحْتَاجُ إلَيْهَا نَصَّ عَلَى حُكْمِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ مُوَسَّعٌ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا وَإِذَا أَرَادَ الْمُصَلِّي تَأْخِيرَهَا إلَى أَثْنَاءِ وَقْتِهَا لَزِمَهُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا لَمْ يَعْصِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَلَمْ يُقَصِّرْ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ قَصَّرَ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ وَقْتِهِ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا إذَا تَيَقَّنَهُ وَلَوْ عِشَاءً لِقَوْلِهِ ﷺ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، وَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى مِنْ قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . وَيُقَالُ: إنَّهُ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ الْعَرَبِ بَعْدَمَا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَتَلِدُ لَهُ بِنْتًا فَتَمُوتُ، ثُمَّ يَمُوتُ ﷺ بَعْدَمَا يَعِيشُ سِنِينَ، ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَخَالَفَهُ كَعْبٌ فِي هَذَا وَأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ وَلَدَانِ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا أَحْمَدَ وَالْآخَرُ مُوسَى، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي تَسْمِيَتِهِمَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ بُعِثَ بَيْنَهُمَا يَعْنِي بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ . وَيُقَالُ: إنَّ مِنْ صَلَاحِ الدُّنْيَا فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ أَنَّ الصِّبْيَانَ يَلْعَبُونَ بِالْحَيَّاتِ فِي الْأَزِقَّةِ وَلَا تَضُرُّهُمْ وَأَنَّ الذِّئْبَ يَرْعَى مَعَ الْغَنَم فَلَا يَعْدُو، فَإِذَا تُوُفِّيَ عِيسَى ﵇ يَرْجِعُ النَّاسُ إلَى كُفْرِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَلَا تُقْبَلُ لِأَحَدٍ عِنْدَ ذَلِكَ تَوْبَةٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (اُقْدُرُوا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ. وَقَوْلُهُ: (قَدْرَهُ) أَيْ مِنْ أَيَّامِكُمْ.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ إلَخْ) هَذَا التَّنْبِيهُ يَشْتَمِلُ عَلَى فُرُوعٍ سِتَّةٍ: الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ. وَالثَّانِي: فِي نَدْبِ الْإِبْرَادِ بِشُرُوطِهِ. وَالثَّالِثُ: فِي ضَابِطِ وُقُوعِ الصَّلَاةِ أَدَاءً وَوُقُوعِهَا قَضَاءً. وَالرَّابِعُ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ. وَالْخَامِسُ: فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ هَلْ هُوَ فَوْرِيٌّ أَوْ لَا؟ وَالسَّادِسُ: فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَهَذَا السَّادِسُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فَذِكْرُهُ هُنَا مَحْضُ تَكْرَارٍ اهـ. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا) أَيْ وَلَوْ سُنَّ الْإِبْرَادُ؛ لِأَنَّ سَنَّ التَّأْخِيرِ حِينَئِذٍ عَارِضٌ فَلَمْ يَرْفَعْ حُكْمَ الْوُجُوبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ تَوَقُّفُ جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَلَى الْعَزْمِ. اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ وَمَاتَ إلَخْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ مَوْتَهُ فِيهِ بِهَذَا الْقَيْدِ وَإِلَّا وَجَبَ الْفِعْلُ حَالًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الصَّلَاةَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ يُوجَدُ فِيهَا الْإِثْمُ فِي الْحَيَاةِ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا وَلَا كَذَلِكَ الْحَجُّ، فَلَوْ لَمْ يَأْثَمْ فِيهِ بِالْمَوْتِ لَزِمَ عَدَمُ الْإِثْمِ أَصْلًا فَتَأَمَّلْ ق ل. أَيْ: فَيَفُوتُ مَعْنَى الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ قَصَّرَ بِإِخْرَاجِهِ) أَيْ فَيَمُوتُ عَاصِيًا وَالْعِصْيَانُ مِنْ السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا لَا مِنْ وَقْتِ اسْتِطَاعَتِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَسَادُ الْعَقْدِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِ الْعَدَالَةُ إذَا فَعَلَهُ حَالَ عِصْيَانِهِ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا) وَلَا يُمْنَعُ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ لَوْ اشْتَغَلَ أَوَّلَهُ بِأَسْبَابِهَا مِنْ طَهَارَةٍ وَأَذَانٍ وَسَتْرٍ وَأَكْلِ لُقَمٍ وَتَقْدِيمِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ، بَلْ لَوْ أَخَّرَ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا حَصَلَ فَضِيلَةُ أَوَّلِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ السُّرْعَةَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَلَوْ فَعَلَ مَعَ ذَلِكَ شَغْلًا خَفِيفًا أَوْ أَتَى بِكَلَامٍ قَصِيرٍ أَوْ أَخْرَجَ حَدَثًا يُدَافِعُهُ أَوْ حَصَلَ مَاءٌ وَنَحْوُهُ لَمْ يَمْنَعْهَا أَيْضًا شَرْحُ م ر، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ اشْتَغَلَ لَوْ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرِ فَاعِلٍ قَوْلُهُ يُمْنَعُ وَمِثْلُهَا فِي أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ قَوْله تَعَالَى: [ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩]] .
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عِشَاءً) لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ» . فَجَوَابُهُ أَنَّ تَعْجِيلَهَا هُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَرِدُ أَيْضًا
стр. 398
جَوَابِ: «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، نَعَمْ يُسَنُّ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً
ــ
[حاشية البجيرمي]
خَبَرُ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ ظُهُورُ الْفَجْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ طُلُوعُهُ فَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ تَعْجِيلِهِ عِنْدَ ظَنِّ طُلُوعِهِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَفِي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ يَكُونُ لِلْمُحْسِنَيْنِ وَعَفْوَهُ يَكُونُ لِلْمُقَصِّرِينَ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُقَصِّرِ.
وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ الْحِرْصُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، لَكِنْ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَفِعْلِهِمْ لِأَسْبَابِهَا عَادَةً وَبَعْدَهُ يُصَلِّي بِمَنْ حَضَرَ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْقَلِيلَةَ أَوَّلَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ آخِرَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ وَلَوْ نَحْوَ شَرِيفٍ وَعَالِمٍ فَإِنْ انْتَظَرَهُ كُرِهَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُسَنُّ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْإِبْرَادِ أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، فَإِنْ عَارَضَهُ كَإِبْرَادٍ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ. قَالَ م ر: وَذَلِكَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ صُورَةً مِنْهَا التَّأْخِيرُ لِمَنْ يَرْمِي الْجِمَارَ وَلِمُسَافِرٍ سَائِرُ وَقْتِ الْأُولَى وَلِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، وَإِنْ كَانَ نَازِلًا وَقْتَهَا لِيَجْمَعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِمَنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ أَوْ السُّتْرَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ، نَعَمْ الْأَفْضَلُ كَمَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ فِي الْجَمَاعَةِ. وَالضَّابِطُ: أَنَّ كُلَّ مَا تَرَجَّحَتْ مَصْلَحَةُ فِعْلِهِ وَلَوْ أُخِّرَ فَاتَتْ يُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ كَالْجَمَاعَةِ اُقْتُرِنَ بِالتَّأْخِيرِ وَخَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ يَكُونُ التَّأْخِيرُ مَعَهُ أَفْضَلُ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الصُّوَرَ الْمَطْلُوبَ فِيهَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فَقَالَ:
يُؤَخَّرُ الظُّهْرُ لِحَرٍّ عِنْدَنَا ... أَعْنِي إذَا اشْتَدَّ وَرَمْيٍ بِمِنَى
وَأُخِّرَ الْمَغْرِبُ لِلْمُزْدَلِفَهْ ... لِجَمْعِهَا لِنَفَرِهِ مِنْ عَرَفَهْ
وَإِنْ يَكُنْ مُسَافِرًا فِي الْأُولَى ... أَخَّرَهَا لِلْجَمْعِ وَهُوَ أَوْلَى
وَأَخَّرَ الَّذِي يُدَافِعُ الْحَدَثْ ... وَلِطَعَامٍ قَبْلَ فِعْلِهَا حَدَثْ
إنْ يَأْتِ تَائِقًا كَذَاك مَنْ عَلِمْ ... قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ مَائِيًا فُهِمْ
أَوْ سُتْرَةٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ تُرَى ... أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى الْقِيَامِ آخِرًا
بِحَيْثُ كُلُّ الْفَرْضِ فِي الْوَقْتِ يَقَعْ ... وَذَاتِ تَقْطِيعٍ تُرَجِّيهِ انْقَطَعْ
فِي آخَرِ الْوَقْتِ وَيَوْمِ الْغَيْمِ ... إلَى الْيَقِينِ مِثْلُ مَا فِي الصَّوْمِ
وَلِاشْتِغَالِهِ بِنَحْوِ غَرَقٍ ... يُنْقِذُهُ وَدَفْعِ مَائِلٍ بِحَقٍّ
عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَمَيِّتِ ... خِيفَ انْفِجَارَهُ لَدَى ذِي الْفَطِنَةِ
لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ هَيَجَانِهَا بِسَبَبِ تَنَفُّسِهَا. فَإِنْ قُلْت: لِمَ يُسَنُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِّ دُونَ الْبَرْدِ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ جَهَنَّمَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْبَرْدَ إنَّمَا يَكُونُ سُلْطَانُهُ غَالِبًا بَعْدَ الصُّبْحِ فِي الْحَرِّ وَلَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَوْ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ إلَى ذَلِكَ لَزِمَ خُرُوجُهَا عَنْ وَقْتِهَا.
بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْحَرِّ. اهـ. ح ف. وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ نَعَمْ إلَخْ. إلَى أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، فَإِنْ عَارَضَهُ كَإِبْرَادٍ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الْوَقْتِ. وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: فَرْعٌ سَأَلَ سَائِلٌ: هَلْ يُسَنُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ إلَى أَنْ يَخِفَّ الْبَرْدُ السَّالِبُ لِلْخُشُوعِ قِيَاسًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَرِّ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ م ر: بِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَادَ فِي الْحَرِّ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِالظُّهْرِ أَذَانُهَا وَالْجُمُعَةُ كَمَا قَالَهُ ق ل، فَالظُّهْرُ قَيْدٌ أَوَّلُ وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ قَيْدٌ ثَانٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ إلَخْ) لَوْ لَمْ يُوجَدْ ظِلٌّ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمَحَلُّ فِيهِ شَيْءٌ لَهُ ظِلٌّ، فَهَلْ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 399
بِمُصَلًّى يَأْتُونَهُ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ بِمَشَقَّةٍ فِي طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ
وَمَنْ وَقَعَ مِنْ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ، فَالْكُلُّ أَدَاءٌ.
وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ لِنَحْوِ غَيْمٍ اجْتَهَدَ جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِلَّا فَوُجُوبًا بِنَحْوِ وِرْدٍ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ صَلَاتَهُ بِالِاجْتِهَادِ وَقَعَتْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَنْكَسِرُ فِيهِ شِدَّةُ الْحَرِّ أَوْ لَا يُسَنُّ لِعَدَمِ الظِّلِّ. قَالَ سم يُسَنُّ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ اج؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ تَنْكَسِرُ شِدَّةُ الْحَرِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِبَلَدٍ حَارٍّ) قَيْدٌ ثَالِثٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْحِجَازِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْبَلَدَ لَوْ خَالَفَتْ قُطْرَهَا فِي أَصْلِ وَضْعِهَا بِأَنْ كَانَ شَأْنُهُ الْحَرَارَةَ دَائِمًا أَوْ شَأْنُهَا أَيْ الْبَلَدُ الْبُرُودَةُ، كَذَلِكَ كَالطَّائِفِ بِالنِّسْبَةِ لِقُطْرِ الْحِجَازِ أَوْ عَكْسِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ الْقُطْرُ هُنَا، بَلْ تِلْكَ الْبَلَدُ الَّذِي هُوَ فِيهَا. وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَنْ عَبَّرَ بِبَلَدٍ وَمَنْ عَبَّرَ بِقُطْرٍ، فَالْأَوَّلُ فِي بَلَدٍ خَالَفَتْ وَضْعَ الْقُطْرِ، وَالثَّانِي فِي بَلَدٍ لَمْ تُخَالِفْهُ اهـ بِحُرُوفِهِ. وَعِبَارَةُ ق ل بِبَلَدٍ حَارٍّ لَا مُعْتَدِلٍ كَمِصْرِ وَلَا بَارِدٍ كَالشَّامِ، وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ الْبَلَدِ إنْ خَالَفَتْ وَضْعَ الْقُطْرِ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْقُطْرِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا حَرَارَةُ الزَّمَنِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً) أَيْ مُطْلَقًا. وَكَذَا فُرَادَى بِمَسْجِدٍ فَالْجَمَاعَةُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ لِمُنْفَرِدٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (بِمَشَقَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا مَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ لِتَأَثُّرِهِ بِالشَّمْسِ اج. وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَلَاتُهُمْ مَعَ هَذَا التَّأْخِيرِ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ جَمَاعَةً فِي بَيْتِهِ ح ل. وَهَلْ يُعْتَبَرُ خُصُوصُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ مِنْ الْمُصَلِّينَ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا يَزُولُ خُشُوعُهُ بِمَجِيئِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَلَوْ مِنْ قُرْبٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِبْرَادُ وَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ النَّاسِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنْ ذُكِرَ. فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِهِ ع ش عَلَى م ر. وَعِبَارَةُ ق ل بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُمْ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ غَالِبًا لِغَالِبِ النَّاسِ، وَقِيلَ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ اهـ.
وَإِمَامُ مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ الْمُقِيمِ يُسَنُّ لَهُ تَبَعًا لَهُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقُيُودَ سِتَّةٌ فَالظُّهْرُ قَيْدٌ أَوَّلُ، وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ قَيْدٌ ثَانٍ، وَبِبَلَدٍ حَارٍّ قَيْدٌ ثَالِثٌ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً رَابِعٌ بِمُصَلًّى خَامِسٌ يَأْتُونَهُ سَادِسٌ، وَمَحَلُّ سَنِّ الْإِبْرَادِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الدَّجَّالِ، أَمَّا هِيَ فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى فِيهَا زَوَالُ الْحَرِّ فِي وَقْتٍ يَذْهَبُ فِيهِ لِمَحَلِّ الْجَمَاعَةِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ مُعَلِّلًا لَهُ بِانْتِفَاءِ الظِّلِّ، وَقَدْ يَجِبُ إخْرَاجُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا كَمَا نَبَّهَ إذَا خِيفَ انْفِجَارُ الْمَيِّتِ أَوْ فَوْتُ الْحَجِّ أَوْ فَوْتُ إنْقَاذِ الْأَسِيرِ أَوْ الْغَرِيقِ لَوْ شَرَعَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَقَعَ إلَخْ) أَصْلُهُ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا بِقَدْرٍ يَسَعُ جَمِيعَهَا فَأَكْثَرَ فَلَهُ الْإِتْيَانُ بِمَنْدُوبَاتِهَا، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَدِّ الْجَائِزِ وَيَنْوِي فِيهَا الْأَدَاءَ، ثُمَّ إنْ أَوْقَعَ مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ فَهِيَ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ مَعَ عَدَمِ الْإِثْمِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ لَا يَسَعُ جَمِيعَ فَرَائِضِهَا وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاجِبَاتِهَا، ثُمَّ إنْ وَقَعَ مِنْهَا رَكْعَةٌ فِي الْوَقْتِ فَهِيَ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ مَعَ الْإِثْمِ فِيهِمَا وَيَنْوِي الْأَدَاءَ إنْ كَانَ الْوَقْتُ يَسَعُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَدْرَكَ آخِرَ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ بِسُنَّتِهَا يَفُوتُ الْوَقْتُ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَرْكَانِ أَدْرَكَهَا فِي الْوَقْتِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُتِمَّ السُّنَنَ وَالنَّفْسُ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ أَمْيَلُ؛ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَهَذَا غَيْرُ الْمَدِّ الْجَائِزِ؛ لِأَنَّ الْمَدَّ فِيهَا إذَا أَحْرَمَ وَبَقِيَ مَا يَسَعُهَا بِسُنَنِهَا فَالْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ تَارَةً يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا بِسُنَنِهَا، وَتَارَةً يَبْقَى مَا يَسَعُ وَاجِبَاتِهَا فَقَطْ وَتَارَةً يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ وَاجِبَاتِهَا فَتَأَمَّلْ م د. بِبَعْضِ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (رَكْعَةٌ) بِأَنْ يُحَصِّلَهَا جَمِيعَهَا بِسَجْدَتَيْهَا بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدٍّ تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَوْ قَارَنَ الرَّفْعُ خُرُوجَ الْوَقْتِ كَانَ قَضَاءً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ فِي الْجُمُعَةِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا قَضَاءً أَوْ أَدَاءً اج وع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَالْكُلُّ أَدَاءٌ) نَعَمْ الْجُمُعَةُ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِهَا جَمِيعِهَا فِيهِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ إلَخْ) كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ مُنَاسِبَةٌ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا إذَا تَيَقَّنَهُ نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لِنَحْوِ غَيْمٍ) أَيْ لِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ كَحَبْسٍ فِي مَكَان مُظْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (اجْتَهَدَ) أَيْ إنْ لَمْ يُخْبِرْهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ، وَإِلَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَأَذَانُ عَدْلٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ غَيْرُ الْفَاسِقِ عَارِفٌ بِالْمَوَاقِيتِ فِي صَحْوٍ كَالْإِخْبَارِ عَنْ عِلْمٍ وَلَهُ تَقْلِيدُهُ فِي غَيْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ
стр. 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَادَةً إلَّا فِي الْوَقْتِ م ر. مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَذَانَهُ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَإِلَّا فَلَا يُقَلِّدُهُ لَا فِي الصَّحْوِ وَلَا فِي الْغَيْمِ كَغَالِبِ مُؤَذِّنِي مِصْرَ فَإِنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ، وَالْمَزَاوِلُ وَالْمَنَاكِيبُ الْمُعْتَمَدَةُ بِأَنْ كَانَتْ بِبَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ مَكَان يَكْثُرُ طَارِقُوهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ فَيَمْتَنِعُ مَعَهَا الِاجْتِهَادُ فَلَوْ وَضَعَ الْمِزْوَلَةَ فَاسِقٌ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ سم. وَمَحَلُّ عَدَمِ التَّعْوِيلِ مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا غَيْرُ الْفَاسِقِ وَيُقِرَّهَا، وَإِلَّا فَيُعَوَّلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حِينَئِذٍ بِتَقْرِيرِ غَيْرِ الْفَاسِقِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَرَاتِبَ الْوَقْتِ ثَلَاثَةٌ. الْأَوَّلُ: الْعَمَلُ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ أَوْ خَبَرِ ثِقَةٍ. الثَّانِي: الِاجْتِهَادُ. الثَّالِثُ: التَّقْلِيدُ. وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
قَدِّمْ لِنَفْسِك عِلْمَ الْوَقْتِ وَاجْتَهِدَا ... مِنْ بَعْدِ ذَا ثُمَّ قَلِّدْ فِيهِ مُجْتَهِدَا
وَالْمِزْوَلَاتُ وَبَيْتُ الْإِبْرَةِ إنْ صَدَقَا ... إخْبَارُ عَدْلٍ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَاعْتَقِدَا
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ وِرْدٍ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى اجْتَهِدْ بِسَبَبٍ نَحْوِ وِرْدٍ وَحِينَئِذٍ فَتُجْعَلُ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ دَلَائِلَ كَالرَّشَاشِ فِي الْأَوَانِي بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ اجْتَهَدَ هَلْ دَخَلَ الْوَقْتُ أَوْ لَا؟ . وَهَلْ اسْتَعْجَلَ فِي قِرَاءَتِهِ أَوْ لَا؟ وَتَعْبِيرُهُ بِاجْتَهِدْ يُسَاعِدُهُ. وَقِيلَ لِلْآلَةِ أَيْ فَنَحْوُ الْوَرْدِ آلَةٌ لِلِاجْتِهَادِ فَيُصَلِّي بِمُجَرَّدِ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ وَالْوِرْدُ مَا كَانَ بِنَحْوِ قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرْمَاوِيٌّ. وَقَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: لَفْظُ نَحْوٍ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَهُ مِنْ الْوَرْدِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُشِيرُ إلَى رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْوِرْدَ مَا كَانَ بِنَحْوِ ذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ، وَنَحْوِهِ مَا كَانَ بِنَحْوِ صِنَاعَةٍ وَمِنْهُ سَمَاعُ صَوْتِ دِيكٍ مُجَرَّبٍ وَسَمَاعُ مَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ، وَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَذَانَهُ أَوْ خَبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ وَسَمَاعُ أَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ فِي الْغَيْمِ، لَكِنْ لَهُ فِي هَذِهِ تَقْلِيدُهُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ» وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ تُسَافِرُ وَمَعَهُمْ الدِّيَكَةُ لِتُعَرِّفَهُمْ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ صَوْتِ الدِّيكِ وَنَحْوِهِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ عَلَامَةً يَجْتَهِدُ بِهَا كَأَنْ يَتَأَمَّلَ فِي الْخِيَاطَةِ الَّتِي فَعَلَهَا مَنْ أَسْرَعَ فِيهَا عَنْ عَادَتِهِ أَوَّلًا. وَهَلْ أَذَّنَ الدِّيكُ قَبْلَ عَادَتِهِ بِأَنْ كَانَ ثَمَّ عَلَامَةٌ يَعْرِفُ بِهَا وَقْتَ أَذَانِهِ الْمُعْتَادِ ح ل وع ش. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ آدَمَ قَدْ اشْتَغَلَ بِأَمْرِ مَعِيشَتِهِ عَنْ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ دِيكًا وَدَجَاجَةً مِنْ الْجَنَّةِ، أَمَّا الدِّيكُ فَكَانَ أَبْيَضَ أَفْرَقَ أَصْفَرَ الرِّجْلَيْنِ، وَكَانَ قَدْرُهُ كَالثَّوْرِ الْعَظِيمِ فَكَانَ يَضْرِبُ بِجَنَاحَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، يَا آدَم الصَّلَاةَ يَرْحَمُك اللَّهُ، فَكَانَ آدَم يَقُومُ إلَى وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَبُّ الطُّيُورِ إلَى اللَّهِ الدِّيكُ، وَأَحَبُّ الطُّيُورِ إلَى إبْلِيسَ الطَّاوُوسُ، فَأَكْثِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ الدِّيَكَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ دِيكٌ أَبْيَضُ.
قَالَ وَهْبٌ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دِيكًا إذَا سَبَّحَ فِي السَّمَاءِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ قِبَلِ الْجَبَّارِ أَيْنَ السَّامِعُونَ أَيْنَ الرَّاكِعُونَ أَيْنَ السَّاجِدُونَ أَيْنَ الْمُسْتَغْفِرُونَ أَيْنَ الْمُوَحِّدُونَ؟ قَالَ: فَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُ ذَلِكَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ عَلَى صُورَةِ الدِّيكِ لَهُ رِيشٌ وَزَغَبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ تَحْتَ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِينَ السُّفْلَى وَجَنَاحَاهُ مَنْشُورَانِ، فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَضْرِبُ بِجَنَاحَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ فِي صَوْتِهِ: سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الرَّحْمَةَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ: فَإِذَا سَمِعَتْ دُيُوكُ الْأَرْضِ تَسْبِيحَ هَذَا الْمَلَكِ سَبَّحَتْ فِي الْأَرْضِ وَهَرَبَتْ الشَّيَاطِينُ وَبَطَلَ كَيْدُهُمْ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَشْتُمُ الدِّيكَ. قَالَ وَهْبٌ: فَاخْتَارَ آدَم مِنْ الطُّيُورِ الدِّيكَ وَالْحَمَامَةَ، وَمِنْ الْمَوَاشِي النَّعْجَةَ وَالنَّاقَةَ. قَالَ: وَأَخَذَ آدَم فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ حَتَّى غَرَسَ جَمِيعَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ، وَكَانَ آدَم يَأْكُلُ مِنْ بِقَوْلِ الْأَرْضِ وَنَبَاتِهَا، وَأَوَّلُ بَقْلَةٍ زَرَعَهَا الْهِنْدَبَا، وَمِنْ الرَّيَاحِينِ الْحِنَّاءُ وَالْآسُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْكَفُورِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
وَرُوِيَ: " إنَّ لِلَّهِ دِيكًا أَبْيَضَ جَنَاحَاهُ مُوَشَّيَانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ، رَأْسُهُ وَفِي لَفْظٍ عُنُقُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَوَائِمُهُ فِي الْهَوَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ سَحَرٍ فَيَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُجِيبُهُ دُيُوكُ الْأَرْضِ، فَإِذَا دَنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ: ضُمَّ جَنَاحَيْك وَغُضَّ صَوْتَك فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدْ اقْتَرَبَتْ ". وَفِي رِوَايَةٍ " إذَا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ
стр. 401
قَبْلَ وَقْتِهَا أَعَادَهَا وُجُوبًا.
وَيُبَادَرُ بِفَائِتٍ وُجُوبًا إنْ فَاتَ بِلَا عُذْرٍ. وَنَدْبًا إنْ فَاتَ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ. وَيُسَنُّ تَرْتِيبُ الْفَائِتِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يُخَافُ فَوْتُهَا.
وَكُرِهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
صَاحَ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " وَرُوِيَ: " يَقُولُ فِي تَسْبِيحِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ لَا إلَه غَيْرُهُ، اهـ. وَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ الدِّيكَ يُؤَذِّنُ عِنْدَ أَذَانِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ يَقُولُ فِي صِيَاحِهِ: يَا غَافِلُونَ اُذْكُرُوا اللَّهَ.
وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِ الْحَبَائِكُ فِي أَخْبَارِ الْمَلَائِكِ: إنَّ لِلَّهِ مَلَكًا فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ يُقَالُ لَهُ الدِّيكُ فَإِذَا سَبَّحَ فِي السَّمَاءِ سَبَّحَتْ الدُّيُوكُ يَقُولُ: سُبْحَانَ السُّبُوحِ الْقُدُّوسِ الرَّحْمَنِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ، فَمَا قَالَهَا مَكْرُوبٌ أَوْ مَرِيضٌ إلَّا كَشَفَ اللَّهُ هَمَّهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَلِمَ) وَلَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلٍ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ م ر. قَوْلُهُ: (وَقَعَتْ قَبْلَ وَقْتِهَا) أَيْ أَوْ بَعْضُهَا وَلَوْ بِتَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ وَمَا فَعَلَهُ يَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ جِنْسِهَا، وَإِلَّا وَقَعَ عَنْهُ اج. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ أَوْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا إعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (أَعَادَهَا) أَيْ إنْ كَانَ الْعِلْمُ فِي وَقْتِهَا أَوْ قَبْلَ دُخُولِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَضَاهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يُعِيدُ اعْتِبَارًا بِمَا فِي ظَنِّهِ وَالْوَاقِعَةُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءٌ لَا إثْمَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَادَرُ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا بِفَائِتٍ إنْ فَاتَ بِلَا عُذْرٍ تَعْجِيلًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. قَوْلُهُ: (إنْ فَاتَ بِلَا عُذْرٍ) مَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ فَوَاتُ التَّرْتِيبِ كَأَنْ فَاتَهُ الظُّهْرُ بِعُذْرٍ وَالْعَصْرُ بِلَا عُذْرٍ، فَيَبْدَأُ بِالظُّهْرِ نَدْبًا لَا بِالْعَصْرِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَوْرًا أَنْ تَجِبَ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَإِنْ فَاتَ التَّرْتِيبُ الْمَحْبُوبُ. وَعُورِضَ بِأَنَّ خِلَافَ التَّرْتِيبِ خِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ وَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْكَمَالَاتِ الَّتِي تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ ح ل وَشَرْحُ م ر وَمِنْ غَيْرِ الْعُذْرِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ فِي مَرَضِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فَوْرًا بِأَنْ يَشْتَغِلَ جَمِيعَ الزَّمَنِ بِقَضَائِهَا مَا عَدَا مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُؤَنِ مَمُونِهِ، بَلْ يَحْرُمُ فِعْلُ التَّطَوُّعِ مَا دَامَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ وَلَوْ عَلَى حَاضِرَةٍ إنْ اتَّسَعَ وَقْتُهَا، بَلْ لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْ يَصْرِفَ زَمَنًا لِغَيْرِ قَضَائِهَا كَالتَّطَوُّعِ إلَّا مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ لِنَحْوِ نَوْمٍ أَوْ مَئُونَةٍ أَوْ لِفِعْلِ وَاجِبٍ مَضِيقٍ يَخْشَى فَوْتَهُ اهـ تُحْفَةٌ قَالَ ع ش. وَمِثْلُهُ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ نِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لِفِسْقِهِ بِهِ اهـ. فَيُصْرَفُ الزَّمَنُ الْمُتَقَدِّمُ فِي حِفْظِهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ الْعَزْمُ عَلَى الْحِفْظِ مَعَ الشُّرُوعِ فِيهِ اهـ اط ف.
قَوْلُهُ: (بِعُذْرٍ) مِنْ الْعُذْرِ مَا لَوْ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْفَرْضِ مَا لَا يَسَعُ إلَّا الْوُضُوءَ أَوْ بَعْضَهُ فَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر ز ي.
قَوْلُهُ: (كَنَوْمٍ) وَنِسْيَانٍ أَيْ عُذِرَ فِيهِ أَمَّا إذَا لَمْ يُعْذَرْ فِيهِ، كَأَنْ نَشَأَ عَنْ لَعِبِ نَحْوِ شِطْرَنْجٍ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ لِلْقَضَاءِ شَوْبَرِيٌّ. أَيْ: لِأَنَّ لَعِبَ الشِّطْرَنْجِ مَكْرُوهٌ وَبَقِيَ مَا لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ تَشَاغَلَ فِي مُطَالَعَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ غَافِلٌ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذَا نِسْيَانٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ تَقْصِيرٍ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَرْتِيبُ الْفَائِتِ) أَيْ فَيَقْضِي الصُّبْحَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَهَكَذَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَفُوتَ كُلُّهَا بِعُذْرٍ أَوْ عَمْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ح ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يُخَافُ فَوْتُهَا) أَيْ فَوْتُ جَمِيعِهَا بِأَنْ تَصِيرَ قَضَاءً، فَإِنْ خَافَ فَوْتَهَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ تَعَيَّنَ لَهَا، وَلِئَلَّا تَصِيرَ الْأُخْرَى قَضَاءً وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ إنْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الْحَاضِرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَفُتْ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْكِفَايَةِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحَرَّرِ وَالتَّحْقِيقُ وَالرَّوْضُ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ، إذْ هُوَ خِلَافٌ فِي الصِّحَّةِ كَمَا مَرَّ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ فِيهِ نَظَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّ تَحْرِيمِ إخْرَاجِ بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَوْ شَرَعَ فِي الْحَاضِرَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ الْفَائِتَةَ وَهُوَ فِيهَا وَجَبَ إتْمَامُ الْحَاضِرَةِ ضَاقَ وَقْتُهَا أَوْ اتَّسَعَ، ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ وَيُسَنُّ لَهُ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ، وَلَوْ دَخَلَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا سَعَةَ الْوَقْتِ فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُ الْفَائِتَةِ أَيْ: أَوْ قَلْبُهَا نَفْلًا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ، وَمَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ لَا يَقْضِي الْوِتْرَ حَتَّى يَقْضِيَهَا عَلَى
стр. 402
كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ صَلَاةٌ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعِنْدَ طُلُوعِهَا وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَدَاءً وَلَوْ مَجْمُوعَةً فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَعِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ حَتَّى تَغْرُبَ إلَّا صَلَاةً لِسَبَبٍ غَيْرِ مُتَأَخِّرٍ عَنْهَا كَفَائِتَةٍ لَمْ يَقْصِدْ تَأْخِيرَهَا إلَيْهَا وَصَلَاةَ كُسُوفٍ وَتَحِيَّةٍ لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ بِنِيَّتِهَا فَقَطْ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ فَلَا تُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَخَرَجَ بِحَرَمِ مَكَّةَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ كَغَيْرِهِ.
فَصْلٌ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَفِي بَيَانِ النَّوَافِلِ وَقَدْ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَ شَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْأَوْجَهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يَعْرِفُ عَدَدَهَا. قَالَ الْقَفَّالُ: يَقْضِي مَا تَحَقَّقَ تَرْكُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَقْضِي مَا زَادَ عَلَى مَا تَحَقَّقَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ هَلْ فَعَلَهَا أَوْ لَا؟ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا كَمَا لَوْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ وَقْتِهَا هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ شَرْحِ م ر. وَفَرَّقَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا بِأَنَّ الشَّكَّ فِي اللُّزُومِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْفِعْلِ شَكٌّ فِي اسْتِجْمَاعِ شُرُوطِ اللُّزُومِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ بِخِلَافِهِ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَيَقُّنِ اللُّزُومِ، وَالشَّكُّ فِي الْمُسْقِطِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ اهـ. وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ إذَا تَبَرَّعَ بِصَلَاتِهَا هَلْ تَصِحُّ؟ نَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ سم أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ قَالَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ اهـ اج. قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا يُخَافُ فَوْتُهَا) بِأَنْ يُدْرِكَ مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ إلَخْ) سَيَأْتِي هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَذِكْرُهُ هُنَا تَكْرَارٌ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ) وَلَا تَنْعَقِدُ لَوْ نَذَرَ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يَكْفُرُ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ أَشْبَهَتْ مُرَاغَمَةَ الشَّرْحِ وَمُعَانَدَتَهُ لَمْ تُوجَدْ فِيهَا حَقِيقَتُهُمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ لَهُ قُصَّ أَظْفَارَك فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ حَيْثُ كَفَّرُوهُ لِوُجُودِ مُرَاغَمَةِ الشَّرْعِ وَمُعَانَدَتِهِ بِذَلِكَ حَقِيقَةً، فَانْدَفَعَ بِهَذَا الْفَرْقِ الْإِشْكَالُ كَمَا حَقَّقَهُ حَجّ فِي شَرْحِهِ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَبَيْنَ الْحَرَامِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفِيدُ الْإِثْمَ؟ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَالْحَرَامُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْلَوِيٍّ أَوْ مُسَاوٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْعَقِدْ الصَّلَاةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالزَّمَانِ بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَكَانِ كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الصَّلَاةِ بِالزَّمَانِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَانِ لِأَخْذِهَا جُزْءًا مِنْ الزَّمَانِ وَهُوَ الْوَاقِعَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ) أَمَّا هُوَ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمُرَادُ بِحَرَمِ مَكَّةَ الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهُ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ الْأَوْلَى تَرْكُ الْفِعْلِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَالشَّيْخُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَلَوْ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ طُلُوعِهَا) أَيْ سَوَاءً صَلَّى الصُّبْحَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ أَدَاءً مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَدَاءً) وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ التَّنَفُّلُ. وَعِبَارَةُ خ ض عَلَى التَّحْرِيرِ وَالْمُتَّجِهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ الْفِعْلُ الْمُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ لَا مُطْلَقُ الْفِعْلِ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ صَلَاةُ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَصَلَاةُ الْمُتَيَمِّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْقُطُ فِيهِ الْفَرْضُ بِالتَّيَمُّمِ أَيْ: فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُمَا النَّافِلَةَ الْمُطْلَقَةَ هَلْ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَالْمُعْتَمَدُ لَا. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بِأَنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا كَالْفَائِتَةِ أَوْ مُقَارِنًا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ فَهِيَ مُقَارِنَةٌ بِالنَّظَرِ لِلدَّوَامِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهَا غَيْرَ مُقَارَنٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَخَّرَ السَّبَبُ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَالْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (كَفَائِتَةٍ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (وَسَجْدَةِ شُكْرٍ) فِي التَّمْثِيلِ بِهَا مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَلَاةً، لَكِنْ يُسَوِّغُ ذَلِكَ كَوْنُهَا مُلْحَقَةً بِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا
[فَصْلٌ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَفِي بَيَانِ النَّوَافِلِ]
[شَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ: فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ. . . إلَخْ قَوْلِهِ (فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ فِي شُرُوطِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا تَجِبُ الْأَوَّلُ بِالْمَنْطُوقِ وَالثَّانِي بِالْمَفْهُومِ. قَوْلُهُ
стр. 403
أَصْلِيٍّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ بِهَا فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ صِحَّتهَا مِنْهُ، لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ عِقَابٍ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا بِالْإِسْلَامِ.
(وَ) الثَّانِي: (الْبُلُوغُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى صَغِيرٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ.
(وَ) الثَّالِثُ: (الْعَقْلُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ لِمَا ذُكِرَ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الرَّابِعِ وَهُوَ: النَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَلَا تَجِبُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْإِسْلَامُ) وَلَوْ فِيمَا مَضَى فَيَدْخُلُ الْمُرْتَدُّ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ عَبَّرَ بِمُسْلِمٍ كَمَا عَبَّرَ الْمَنْهَجُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَلَبِّسِ بِالْإِسْلَامِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، بِخِلَافِ لَفْظِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ أَيْ الْإِسْلَامَ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَيُوجَدُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَتْنِ عَقِبَ قَوْلِهِ وَالْعَقْلُ وَهُوَ حَدُّ التَّكْلِيفِ. قَالَ سم: وَهُوَ أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ مَجْمُوعِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ الْأَخِيرَانِ مِنْهَا. وَلَا يُرَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الصَّحِيحَ مُخَاطَبَةُ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التَّكْلِيفُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الدُّنْيَا بِثُبُوتِ الْمُطَالَبَةِ فِيهَا مِنَّا. وَقَوْلُهُ: (حَدُّ التَّكْلِيفِ) أَيْ ضَابِطُهُ وَمَدَارُهُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ جُعِلَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ وَلَمْ يُجْعَلْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ الصِّحَّةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ الْوُجُوبُ مُتَقَدِّمًا جُعِلَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا لَهُ. فَرْعٌ: لَنَا شَخْصٌ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَبِهَ صَغِيرَانِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ثُمَّ يَبْلُغَا وَيَسْتَمِرَّ الِاشْتِبَاهُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ لَا يُؤْمَرُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ. اهـ. م ر سم. أَيْ: إذَا اخْتَلَطَ ابْنُ الْمُسْلِمِ بِابْنِ الْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِ أَبَوَيْهِمَا فَلَا يُؤْمَرَانِ وُجُوبًا وَلَا يُنْهَيَانِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَيُسْتَحَبُّ أَمْرُهُمَا وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا، فَلَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْبُلُوغِ إلَى الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ إسْلَامِهِ قَبْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ لَهُمَا الْقَضَاءُ وَلَوْ مَاتَا صَلَّى عَلَيْهِمَا بِتَعْلِيقِ النِّيَّةِ سَوَاءٌ مَاتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَيْ، فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ صِغَارِ الْمَمَالِيكِ حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّابِي لَهُمْ كَافِرًا بِتَحَقُّقِ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ مَيِّتٌ بِكَافِرٍ مَيِّتٍ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ) مِنْ إضَافَةِ السَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ أَيْ وُجُوبًا يَنْشَأُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ أَيْ مِنَّا إذْ لَوْ طَالَبْنَاهُ لَزِمَ نَقْضُ عَهْدِهِ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا وَإِبْطَالُ الْجِزْيَةِ إنْ كَانَ مُلْتَزِمًا لَهَا. وَإِنَّمَا الطَّلَبُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ إذْ لَوْ لَمْ يُطَالَبْ كَذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِلْعِقَابِ عَلَيْهَا اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ) يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الْمُتَعَدِّيَانِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُمَا مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، لَكِنَّ الْحَرْبِيَّ مُطَالَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَيَلْزَمُهُ كَوْنُهُ مُطَالَبًا بِفُرُوعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مُخَاطَبٌ بِهَا خِطَابَ مُطَالَبَةٍ بِاعْتِبَارِ اللُّزُومِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ عَلَى كُفْرِهِ لَا يُطَالَبُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ. اهـ. حَجّ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ كَالذِّمِّيِّ يُطَالَبُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالْجِزْيَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَقَالَ أَيْضًا قَوْلُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ أَيْ مَعَ تَلَبُّسِهِ بِمَانِعٍ لَا يُطَالَبُ مِنْهُ رَفْعُهُ، بِخُصُوصِهِ، وَمَعَ عَدَمِ قَصْدِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ لَا يُطَالَبُ بِرَفْعِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْكُفْرُ بِخُصُوصِهِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا فَلَا يَرِدُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمُرْتَدُّ وَالْمُحْدِثُ؛ لِأَنَّهُمَا يُطَالَبَانِ بِرَفْعِ الْمَانِعِ بِخُصُوصِهِ، فَيُطَالَبُ الْأَوَّلُ بِالْإِسْلَامِ بِخُصُوصِهِ، وَالثَّانِي بِالطَّهَارَةِ، وَكَذَا لَا يَرِدُ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَجْنُونُ الْمُتَعَدِّي وَالسَّكْرَانُ لِقَصْدِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَقْصِدُ حِينَئِذٍ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: (لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَتَجِبُ بِالْوَاوِ إذْ لَا وَجْهَ لِلِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ قَوْلِهِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ (لَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ عِقَابٍ) أَيْ وُجُوبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِقَابُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ الْأَدَاءُ لِلصَّلَاةِ وَالْمُطَالَبَةُ مِنَّا وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى
стр. 404
عَلَى حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُمَا، فَمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِالْإِجْمَاعِ
وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] نَعَمْ الْمُرْتَدُّ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ الرِّدَّةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْجُحُودِ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
تَرْكِهَا، فَإِذَا انْتَفَى الْإِسْلَامُ أَصَالَةً انْتَفَى الْأَوَّلَانِ وَبَقِيَ الثَّالِثُ
قَوْلُهُ: (فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ) مَا لَمْ يَتَعَدَّ بِجُنُونِهِ سم. وَالْأَوْلَى إبْقَاءُ الْمَجْنُونِ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ مُتَعَدِّيًا وَأَمَّا وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ قَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ) أَيْ وَهُوَ عَدَمُ تَكْلِيفِهِ وَلَوْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمُّ أَخْرَسُ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ شَرَحَ م ر وَمِثْلُهُ مَنْ خُلِقَ أَصَمُّ أَعْمَى نَاطِقًا؛ لِأَنَّ النُّطْقَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِخِلَافِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ ع ش. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ، وَهُمَا أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْحَوَاسِّ وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَلَوْ وُجِدَتْ حَوَاسُّهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إذَا بَلَغَتْهُ؟ قَالَ سم: تَجِبُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ اهـ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَالْفَرْقُ فِيهِ وُجُودُ الْأَهْلِيَّةِ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ دُونَ الْآخَرُ اهـ. قُلْت: هَذَا الْفَرْقُ فِيهِ شَيْءٌ إذْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ كَافِرٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ، فَكَيْفَ يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُسْلِمِ دُونَ الْمُسْلِمِ اهـ اج. وَقَدْ يُقَالُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ لَيْسَ كَافِرًا وَلَا فِي حُكْمِهِ بَلْ فِي حُكْمِ مُسْلِمٍ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، فَهُوَ أَهْلٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَالْكَلَامُ فِي الْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ. أَمَّا الطَّارِئُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ فَكَالْأَصْلِيِّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَلَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَعَرَفَ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ لَا سُكُوتَ لِذِكْرِهِ لَهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ. بِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ بِالْحَيْضِ الصَّلَاةُ، وَذَكَرَ فِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إنَّ النَّقَاءَ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، وَكَأَنَّ حِكْمَةَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِهِ هُنَا مُرَاعَاةُ قَوْلِهِ: وَهُوَ حَدُّ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَاتِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَقَوْلُ الْمُحَشِّي قَدْ يُقَالُ إلَخْ. رُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا مِمَّا سَيَأْتِي إلَّا الْحُرْمَةُ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) أَيْ لَا تُطْلَبُ مِنْهُ فَلَوْ قَضَاهَا لَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ وسم مِنْ نَدْبِ الْقَضَاءِ لَهُ م د. وَعِبَارَةُ ز ي وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ أَيْ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، فَلَوْ خَالَفَ وَقَضَى فَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُمَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي أَيَّامِ الصِّبَا الْكَائِنِ بَعْدَ التَّمْيِيزِ وَالْجُنُونِ، بَلْ يُنْدَبُ لَهُمَا الْقَضَاءُ اهـ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْخَصَائِصِ: وَهَلْ يُثَابُ الْكَافِرُ عَلَى الْحَسَنَاتِ الَّتِي قَبْلَ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ بَلْ حُكِيَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ قُرْبَةً كَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أُثِيبَ عَلَيْهَا. وَقَالَ حَجّ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَبُولَ مُعَلَّقٌ عَلَى إسْلَامِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ أُثِيبَ وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ م ر: هَلْ يُثَابُ الْكَافِرُ عَلَى الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ؟ فَأَجَابَ: بِنَعَمْ يُخَفِّفُ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ أَيْ عَذَابَ غَيْرِ الْكُفْرِ كَمَا خَفَّفَ عَنْ أَبِي لَهَبٍ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِوِلَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِعْتَاقِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِوِلَادَتِهِ ﵊ اهـ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ الْمُرْتَدُّ) لَا حَاجَةَ لَهُ بَعْدَ تَقْيِيدِ الْكَافِرِ بِالْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَيْ؛ لِأَنَّ أَلْ فِي الْكَافِرِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَالْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (كَحَقِّ الْآدَمِيِّ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْجُحُودِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (قَضَى أَيَّامَ الْجُنُونِ) مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُسْلِمْ أَحَدُ أُصُولِهِ حَالَ جُنُونِهِ، وَإِلَّا فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ حِينَئِذٍ وَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ لِزَمَنِ الْجُنُونِ مِنْ وَقْتِ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيظًا عَلَيْهِ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ كَسَرَ رِجْلَيْهِ تَعَدَّيَا وَصَلَّى قَاعِدًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاءِ
стр. 405
أَيَّامَ الْجُنُونِ مَعَ مَا قَبْلَهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
وَلَوْ سَكِرَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ جُنَّ قَضَى الْمُدَّةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا سُكْرُهُ لَا مُدَّةَ جُنُونِهِ بَعْدَهَا، بِخِلَافِ مُدَّةِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا، وَمَنْ جُنَّ فِي سُكْرِهِ لَيْسَ بِسَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ قَطْعًا، وَلَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ لَمْ تَقْضِ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَفَارَقَتْ الْمَجْنُونَ بِأَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ عَنْهَا عَزِيمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِالتَّرْكِ، وَعَنْهُ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ وَالسَّكْرَانُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الْمُرْتَدَّةِ زَمَنَ الْجُنُونِ نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ.
وَلَا قَضَاءَ عَلَى الطِّفْلِ إذَا بَلَغَ وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ بِهَا إذَا مَيَّزَ وَلَوْ قَضَاءً لِمَا فَاتَهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ، وَالتَّمْيِيزُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ سَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشَرِ سِنِينَ لِخَبَرِ: «مُرُوا الصَّبِيَّ أَيْ وَالصَّبِيَّةَ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» أَيْ عَلَى تَرْكِهَا كَمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. تَنْبِيهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلضَّرْبِ تَمَامُ الْعَاشِرَةِ، لَكِنْ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: إنَّهُ يُضْرَبُ فِي أَثْنَائِهَا، وَصَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْبُلُوغِ، وَمُقْتَضَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ التَّمْيِيزَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي فِي الْأَمْرِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ السَّبْعِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَعْصِيَتِهِ بِانْتِهَاءِ كَسْرِهِ وَلِإِتْيَانِهِ بِالْبَدَلِ حَالَةَ الْعَجْزِ شَرْحُ الرَّوْضِ أَيْ لَا يَقْضِي بَعْدَ شِفَاءِ الْكَسْرِ.
قَوْله: (ثُمَّ جُنَّ) أَيْ بِلَا تَعَدٍّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِسْمَةَ الْعَقْلِيَّةَ تَقْتَضِي سِتًّا وَثَلَاثِينَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي نَفْسِهَا وَضَرْبِ التِّسْعَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْوُقُوعِ فِي الرِّدَّةِ، وَالْوُقُوعِ فِي غَيْرِهَا، وَضَرْبِ الثَّمَانِيَةِ عَشَرَ الْحَاصِلَةِ فِي اثْنَيْنِ التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ، فَالْجُمْلَةُ مَا ذُكِرَ فَالْوَاقِعُ فِي الرِّدَّةِ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، وَالْوَاقِعُ فِي غَيْرِهَا يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مَعَ التَّعَدِّي، وَلَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي بِهِ الْوَاقِعُ فِي الْمُتَعَدِّي بِهِ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ مُدَّةَ الْمُتَعَدِّي بِهِ فَقَطْ اهـ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: (مِنْ ضَرْبِ الْجُنُونِ) إلَخْ أَيْ بِأَنْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَلَى سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ أَوْ طَرَأَ سُكْرٌ عَلَى سُكْرٍ أَوْ عَلَى إغْمَاءٍ أَوْ عَلَى جُنُونٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ أَوْ طَرَأَ إغْمَاءٌ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَلَى سُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ. قَوْلُهُ: (أَوْ سَكِرَتْ) أَيْ تَعَدِّيًا؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَقْضِ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) وَإِنْ طَرَأَ فِيهِمَا جُنُونٌ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ وَمَا وَقَعَ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْسُنُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِهَذَا التَّعْمِيمِ قَالَ م د قَوْلُهُ: لَمْ تَقْضِ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَقْضِي زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَلَوْ وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ. وَبِهَذَا يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا مُرْتَدٌّ لَا يَقْضِي الصَّلَاةَ زَمَنَ الرِّدَّةِ مَعَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ. قَوْلُهُ: (عَزِيمَةٌ) وَالْعَزِيمَةُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْعَاصِي وَالطَّائِعِ.
قَوْلُهُ: (رُخْصَةٌ) أَيْ وَالرُّخْصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي؛ لِأَنَّ الْعَاصِيَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. قَوْلُهُ: (نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ) أَيْ؛ لِأَنَّ انْسِحَابَ حُكْمِ الرِّدَّةِ عَلَى زَمَنِ الْجُنُونِ عَارَضَهُ كَوْنُ الْحَائِضِ مُكَلَّفَةً بِالتَّرْكِ فَالتَّغْلِيظُ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ فَالْحَيْضُ مَانِعٌ وَالرِّدَّةُ مُقْتَضٍ فَيَغْلِبُ الْمَانِعُ. وَأَجَابَ م ر: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ لَا مَنْ نَزَلَ عَلَيْهَا الْحَيْضُ. وَرُدَّ بِأَنَّ حَائِضًا اسْمُ فَاعِلٍ حَقِيقَةً فِي الْمُتَلَبِّسِ بِالْفِعْلِ اج.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الطِّفْلِ إلَخْ) نَعَمْ يُنْدَبُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ التَّمْيِيزِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهُ فَلَا يَنْعَقِدُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ قَضَاءً لِمَا فَاتَهُ بَعْدَ التَّمْيِيزِ، فَلَوْ فَعَلَهُ كَانَ حَرَامًا وَلَا يَنْعَقِدُ خِلَافًا لِجَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَلَا قَضَاءَ أَيْ: وُجُوبًا وَحُكْمُ قَضَائِهِ كَأَدَائِهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْقِيَامِ فِيهِ وَعَدَمِ جَمْعِهِ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَعَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عِنْدَ م ر.
قَوْلُهُ: (وَيَأْمُرُهُ) أَيْ لِيَعْتَادَهَا إذَا بَلَغَ قَوْلُهُ: (بَعْدَ اسْتِكْمَالِ سَبْعِ سِنِينَ) أَيْ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَالصَّبِيَّةَ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَشْمَلُ الصَّبِيَّةَ كَمَا قَالَهُ اج وَجَعَلَهُ مِنْ غَرَائِبِ اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: «وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» ) أَخَّرَ الضَّرْبَ لِلْعَشْرِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَالْعَشْرُ زَمَنُ احْتِمَالِ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ مَعَ كَوْنِهِ حِينَئِذٍ يَقْوَى وَيَحْتَمِلُهُ حِينَئِذٍ. اهـ. حَجّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الصَّيْمَرِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا نِسْبَةً إلَى صَيْمَرَةَ بَلَدٌ صَغِيرٌ بِعِرَاقِ الْعَجَمِ. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: وَضَمُّ الْمِيمِ خَطَأٌ ذَكَرَهُ فِي الْمِصْبَاحِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَائِهَا) الْمُرَادُ بِالْأَثْنَاءِ مَا بَعْدَ التَّاسِعَةِ فَيَصْدُقُ بِأَوَّلِ الْعَاشِرَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَتَى مَضَى
стр. 406
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي حَدِّ التَّمْيِيزِ أَنَّهُ يَصِيرُ الطِّفْلُ بِحَيْثُ يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ مَتَى يُصَلِّي الصَّبِيُّ؟ قَالَ: إذَا عَرَفَ شِمَالَهُ مِنْ يَمِينِهِ» قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَالْمُرَادُ إذَا عَرَفَ مَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبَانِ عَلَى الْوَلِيِّ أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي. وَفِي الْمُهِمَّاتِ: وَالْمُلْتَقِطُ وَمَالِكُ الرَّقِيقِ فِي مَعْنَى مَنْ ذُكِرَ، وَكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَنَحْوُهُمَا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ صِيغَتِهِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّهْدِيدِ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالشَّرَائِعَ.
وَلَا قَضَاء عَلَى الْحَائِضِ أَوْ النُّفَسَاءِ إذَا طَهُرَتَا وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ. أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي
وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
جُزْءٌ مِنْهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي أَثْنَائِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَعْلِيمِهِ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْجَاءِ وَإِلَّا فَقَبْلَ تَعْلِيمِهِ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُهُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبَانِ) أَيْ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَى الْوَلِيِّ أَيْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمِثْلُهُ الْأُمُّ كَمَا فِي الرَّوْضِ وحج وَقَدْرُهُ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ كَفَى، وَفِي الْبِرْمَاوِيِّ وَالْآمِرُ وَالضَّارِبُ أُصُولُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ عَلَى سَبِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلِلْمُعَلِّمِ أَيْضًا الْأَمْرُ لَا الضَّرْبُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَمِثْلُهُ الزَّوْجُ فِي زَوْجَتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَشَرَائِعُ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّوْمِ لِمَنْ أَطَاقَهُ وَنَحْوِ السِّوَاكِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَمْرِ وَالضَّرْبِ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ التَّمْرِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتْرُكُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُجَاوِزُ الضَّارِبُ ثَلَاثًا، وَكَذَا الْمُعَلِّمُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ الثَّلَاثَ لِقَوْلِهِ ﷺ لِمِرْدَاسٍ الْمُعَلِّمِ: «إيَّاكَ وَأَنْ تَضْرِبَ فَوْقَ الثَّلَاثِ فَإِنَّك إنْ تَضْرِبَ فَوْقَهَا أَقْتَصُّ مِنْك» . تَنْبِيهٌ: فَقِيهُ الْأَوْلَادِ إذَا ضَرَبَهُمْ الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً وَضَرَبَهَا الضَّرْبَ الْمُعْتَادَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنْ الْأُولَى يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ فِيهَا بِالْكَلَامِ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَيْضًا الْأُولَى مَشْرُوطٌ فِيهَا سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُمَا) كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَكَالْأَمِينِ الَّذِي رَأَى مَنْ لَا يَهْتَدِي إلَى مَنْزِلِ أَهْلِهِ أَوْ سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ كَالْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الطَّهَارَةِ وَالشَّرَائِعِ سَابِقٌ عَلَى الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ) أَيْ وَإِنْ عَلَوْا وَظَاهِرُهُ ثُبُوتُ مَا ذُكِرَ لِلْأُمَّهَاتِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَلَا يَبْعُدُ ثُبُوتُ هَذِهِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ لِلْأُمَّهَاتِ مَعَ وُجُودِ الْآبَاءِ أَيْ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَتَكْفِي الْجَدَّةُ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ وَيُقَدَّمُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ حَيْثُ النَّدْبُ عَلَى غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ وَلَا يَضْرِبُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَمُؤْنَةُ تَعْلِيمِهِمْ لَفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ فِي مَالِهِمْ ثُمَّ آبَائِهِمْ ثُمَّ أُمَّهَاتِهِمْ ثُمَّ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّغِيرَةُ ذَاتُ الزَّوْجِ وَالْأَبَوَيْنِ تَعْلِيمُهَا عَلَى أَبَوَيْهَا فَإِنْ عُدِمَا، فَالزَّوْجُ أَحَقُّ أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ وَزَوْجَةُ الصَّغِيرِ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا فَرْضُ تَعْلِيمِهِ كَمَا قَالَهُ سم. وَقَوْلُهُ: وَالْأُمَّهَاتِ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةُ تَأْدِيبٍ لَا وِلَايَةُ مَالٍ ح ل قَوْلُهُ: (تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ سَبْعٍ وَضَرْبِهِمْ عَلَيْهَا بَعْدَ عَشْرٍ وَيُؤْمَرُ بِالصَّوْمِ إنْ أَطَاقَهُ كَمَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ اج قَوْلُهُ: (وَالشَّرَائِعَ) أَيْ الْأَحْكَامَ الْمَشْرُوعَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا كَالسِّوَاكِ وَالْبُدَاءَةِ بِالْيُمْنَى فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا فَهُوَ عَطْفٌ عَامٌّ عَلَى خَاصٍّ. قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: يَجِبُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ كِفَايَةُ تَعْلِيمِ الصَّبِيِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ بِمَكَّةَ وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ مِنْ أَوْصَافِهِ ﷺ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَا يُمَيِّزُهُ وَلَوْ بِوَجْهٍ فَيَجِبُ بَيَانُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي هُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَاسْمُ أَبِيهِ كَذَا وَأُمِّهِ كَذَا وَبُعِثَ بِكَذَا وَدُفِنَ بِكَذَا نَبِيُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَيَتَعَيَّنُ أَيْضًا ذِكْرُ لَوْنِهِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَنْ زَعَمَ كَوْنَهُ أَسْوَدَ كَفَرَ، وَالْمُرَادُ بِتَعْلِيمِ اللَّوْنِ أَنْ لَا يَزْعُمَ أَنَّهُ أَسْوَدُ فَيُكْرَه لَا أَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ خُصُوصُ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ مَا إنْكَارُهُ كُفْرٌ فَتَأَمَّلْهُ اهـ كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْجُهُهُمَا الثَّانِي) مُعْتَمَدٌ أَيْ وَتَنْعَقِدُ نَفْلًا عِنْدَ م ر خِلَافًا لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا بَلْ يُسْتَحَبُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
стр. 407
حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ» فَوَرَدَ النَّصُّ فِي الْمَجْنُونِ وَقِيسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ.
وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيجَابُ يَسْتَوِي فِيهِ قَدْرُ الرَّكْعَةِ وَدُونِهَا، وَيَجِبُ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ زَمَنِ تَكْبِيرَةِ آخَرِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَتَجِبُ الْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ آخَرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ لِاتِّحَادِ وَقْتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَوَقْتَيْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْعُذْرِ، فَفِي الضَّرُورَةِ أَوْلَى، وَيُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ أَنْ يَخْلُوَ الشَّخْصُ عَنْ الْمَوَانِعِ قَدْرَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ أَخَفَّ مَا يُجْزِئُ كَرَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ بَلَغَ الشَّخْصُ فِي الصَّلَاةِ بِالسِّنِّ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُجُوبَ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا كَمَا لَوْ بَلَغَ بِالنَّهَارِ وَهُوَ صَائِمٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَأَجْزَأَتْهُ وَلَوْ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى الْوَاجِبَ بِشَرْطِهِ، وَوُقُوعُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْأَسْبَابُ) أَيْ الصِّبَا وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَفِي إطْلَاقِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمَوَانِعِ تَجُوزُ، وَلَعَلَّ عَلَاقَةَ الْمَجَازِ الضِّدْيَةُ فَإِنَّ الْمَانِعَ مُضَادُّ لِلسَّبَبِ ع ش، وَكَوْنُ الصِّبَا مَانِعًا مِنْ الْفِعْلِ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ زَالَتْ الْأُمُورُ أَوْ الْأَشْيَاءُ الْمَانِعَةُ إلَخْ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ زَالَتْ الْمَوَانِعُ وَبَقِيَ قَدْرُ تَحَرُّمٍ وَخَلَا مِنْهَا قَدْرُ الطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ لَزِمَتْ مَعَ فَرْضٍ قَبْلَهَا إنْ صَلَحَ لِجَمْعِهِ مَعَهَا وَخَلَا قَدْرُهُ أَيْضًا اهـ قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا إنْ خَلَا مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ قَدْرُ الْمُؤَدَّاةِ فَإِنْ خَلَا قَدْرُهَا وَقَدْرُ الطُّهْرِ فَقَطْ تَعَيَّنَتْ أَوْ مَعَ ذَلِكَ قَدْرُ مَا يَسَعُ الَّتِي قَبْلَهَا تَعَيَّنَتَا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ) وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ. قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ صَاحِبَةُ الْوَقْتِ.
وَالْحَاصِلُ: إنْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ قَدْرَ مَا يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَاسْتَمَرَّ النَّقَاءُ زَمَنَ الْمَغْرِبِ بِقَدْرٍ يَسَعُ الْمَغْرِبَ وَطُهْرَهَا وَجَبَتْ وَتَجِبُ الْعَصْرُ إذَا خَلَا بِقَدْرِهِ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً آخِرَ الْعَصْرِ مَثَلًا فَعَادَ الْمَانِعُ بَعْدَمَا يَسَعُ الْمَغْرِبَ وَجَبَتْ فَقَطْ لِتَقَدُّمِهَا لِكَوْنِهَا صَاحِبَةَ الْوَقْتِ وَمَا فَضَلَ لِلْعَصْرِ لَا يَكْفِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، سَوَاءٌ شَرَعَ فِي الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَمْ لَا خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ وَمِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا وَجَبَتْ الْعَصْرُ فَقَطْ، وَلَوْ وَسِعَ الْمَغْرِبُ قَدْرَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْمُقِيمِ بَعْدَ قَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَغْرِبَ وَالظُّهْرَ أَوْ رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ، فَيَتَعَيَّنُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا الْمَتْبُوعَةُ لَا الظُّهْرُ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ، وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي إدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، ثُمَّ خَلَا مِنْ الْمَوَانِعِ قَدْرًا يَسَعُ تِسْعَ رَكَعَاتٍ لِلْمُقِيمِ أَوْ سَبْعًا لِلْمُسَافِرِ فَتَجِبُ الصَّلَوَاتُ الثَّلَاثُ وَهِيَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ أَوْ سِتًّا لَزِمَ الْمُقِيمَ الصُّبْحُ وَالْعِشَاءُ فَقَطْ، أَوْ خَمْسًا فَأَقَلَّ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى الصُّبْحِ، وَلَوْ أَدْرَكَ ثَلَاثًا مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ لَمْ تَجِبْ هِيَ وَلَا الْمَغْرِبُ عَلَى الْأَوْجَهِ. اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (فَفِي الضَّرُورَةِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ الْعُذْرِ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ الطَّهَارَةِ) أَيْ طَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ السَّلِيمِ وَبِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ وَالْمُتَيَمِّمِ. تَنْبِيهٌ: قَدْ اعْتَبَرُوا وَقْتَ الطَّهَارَةِ وَسَكَتُوا عَنْ وَقْتِ السَّتْرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الصَّلَاةِ إلَى الطَّهَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالسَّتْرُ وَالِاجْتِهَادُ ابْنُ شَرَفٍ. وَقَالَ ق ل قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةِ أَيْ لِصَاحِبَةِ الْوَقْتِ وَمَا يَجْمَعُ قَبْلَهَا وَالْمُؤَدَّاةُ وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً آخِرَ الْعَصْرِ مَثَلًا، وَخَلَا مِنْ الْمَوَانِعِ مَا يَسَعُهَا وَطُهْرَهَا فَعَادَ الْمَانِعُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ مَا يَسَعُهَا أَيْ الْمَغْرِبَ، فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى الْمَغْرِبِ وَمَا فَضَلَ لَا يَكْفِي لِلْعَصْرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَصْرِ أَوْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. م ر. فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَصْرَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَرَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ) هَذَا مِثَالٌ لِقَوْلِهِ أَخَفُّ مَا يُجْزِئُ لَا تَقْيِيدٌ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَةَ لَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهَا تَامَّةً بِأَخَفَّ مَا يُجْزِئُ بِحَيْثُ لَا يَطُولُ سُنَنُهَا شَيْخُنَا
قَوْلُهُ: (بِالسِّنِّ) هُوَ قَيْدٌ لِلْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَلَوْ أَحَسَّ بِنُزُولِ الْمَنِيِّ مِنْ قَصَبَةِ الذَّكَرِ فَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ ق ل. وَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ عِنْدَ م ر حِينَئِذٍ. وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ بُرُوزِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى الْفَرِيضَةَ
стр. 408
أَوَّلِهَا نَفْلًا لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ آخِرِهَا وَاجِبًا كَصَوْمِ مَرِيضٍ شُفِيَ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ فِعْلِهَا بِالسِّنِّ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ إذَا بَلَغَ بَعْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ فَاشْتَرَطَ وُقُوعُهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَجَبَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ قَدْرَ الْفَرْضِ أَخَفَّ مَا يُمْكِنُ، وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ فِي ذِمَّتِهِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي فَقَالَ: (وَ الصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ) وَالْمَسْنُونُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالنَّفَلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرَائِضِ.
وَأَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: " أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا " وَقِيلَ:
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى طَرِيقَةِ شَيْخِنَا م ر. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْهَا قَبْلَ بُلُوغِهِ ثَوَابَ النَّفْلِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (كَصَوْمِ مَرِيضٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْإِتْمَامِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ كُلَّهُ فَرْضٌ إذْ شَرَعَ فِيهِ وَهُوَ كَامِلٌ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ أَوَّلَهَا نَفْلٌ إذْ شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ غَيْرُ كَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَاضَتْ إلَخْ) هَذَا شُرُوعٌ فِي وَقْتٍ يُسَمَّى وَقْتَ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ مَا إذَا طَرَأَتْ الْمَوَانِعُ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ دُخُولِهِ فَإِنْ كَانَ طُرُوُّهَا بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الصَّلَاةِ لَزِمَتْ وَإِلَّا فَلَا. وَالْمَوَانِعُ الَّتِي يُمْكِنُ طُرُوُّهَا خَمْسَةٌ مَا عَدَا الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَالصِّبَا. وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ حَاضَتْ إلَخْ عَكْسُ مَا قَبْلَهُ وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا طَرَيَانُ بَقِيَّةِ الْمَوَانِعِ كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ كَمَا عَلِمْت.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَوَانِعَ الْوُجُوبِ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ وَالصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالسُّكْرُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَلَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ، وَهَذِهِ الْمَوَانِعُ كَمَا تَمْنَعُ الْوُجُوبَ تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إلَّا الصِّبَا، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْوَقْتِ) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُ الصَّلَاةَ وَالطُّهْرَ الَّذِي لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ قَدْرَ الْفَرْضِ إلَخْ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَدْرَكَ مَنْ ذُكِرَ) أَيْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ الْفَرْضِ) أَيْ قَبْلَ عُرُوضِ الْمَوَانِعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ زَمَنِ طَهَارَةٍ يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا كَوُضُوءِ السَّلِيمِ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ طَرَأَ مَانِعٌ فِي الْوَقْتِ وَأَدْرَكَ قَدْرَ صَلَاةٍ وَطُهْرٍ لَا يُقَدَّمُ لَزِمَتْ مَعَ فَرْضٍ قَبْلَهَا إنْ صَلَحَ لِجَمْعِهِ مَعَهَا، وَأَدْرَكَ قَدْرَهُ. فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْفَرْضَ طُرُوُّ الْمَانِعِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَثَلًا فَيَكُونُ سَالِمًا مِنْ الْمَوَانِعِ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَا حَاجَةَ لِإِدْرَاكِ قَدْرِهِ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ. قُلْت: يُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا وُجِدَ مَانِعٌ وَقْتَ الظُّهْرِ كَجُنُونٍ ثُمَّ زَالَ وَقْتَ الْعَصْرِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَا ذُكِرَ بِأَنْ اسْتَغْرَقَ الْمَانِعُ جَمِيعَ الْوَقْتِ اج.
[الصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ]
قَوْلُهُ: (الْمَسْنُونَةُ) أَيْ الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ لِإِخْبَارِهِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ خَمْسٌ بِدَلِيلِ إفْرَادِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ بِقَوْلِهِ الْآتِي: وَالسُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ سَبْعَةُ عَشَرَ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ ثَلَاثَةٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَالتَّرَاوِيحُ. وَقَوْلُهُ: الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الصَّلَوَاتُ الْمَسْنُونَةُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسٍ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ مُرَادَهُ الصَّلَاةُ الْمَسْنُونُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، فَلِذَا صَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا بِخَمْسٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مُطْلَقَ الصَّلَوَاتِ الْمَسْنُونَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَا تُطْلَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَالتَّابِعُ لِلْفَرَائِضِ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسْنُونُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالنَّفَلُ إلَخْ) . وَقِيلَ إنَّ الْمَسْنُونَ مَا فَعَلَهُ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ مَا فَعَلَهُ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ وَالنَّفَلُ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَسَكَتَ عَنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ لِشُمُولِهِ لِكُلِّهَا هَذَا حَاصِلُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرَائِضِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ رَاجِعًا لِهَذَا الْمُقَدَّرِ وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمَعْنَى وَهُوَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. قَوْلُهُ: (عِبَادَاتِ الْبَدَنِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِيُخْرِجَ عِبَادَاتِ
стр. 409
الصَّوْمُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ فَفَرْضُهَا أَفْضَلُ الْفُرُوضِ وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ وَهُوَ: (خَمْسٌ الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ) وَرَتَّبْتهَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى حُكْمِ تَرْتِيبِهَا الْمَذْكُورِ وَلَهَا أَبْوَابٌ تُذْكَرُ فِيهَا وَقِسْمٌ لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ.
(وَ) مِنْهُ (السُّنَنُ) الرَّوَاتِبُ وَهِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ وَقِيلَ هِيَ مَا لَهُ وَقْتٌ. وَالْحِكْمَةُ فِيهَا تَكْمِيلُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقَلْبِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ. قَالَ سم: ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ كَتَفَكُّرِ سَاعَةٍ مَعَ صَلَاةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ وَعِبَادَاتُ الْقَلْبِ كَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَالتَّوْبَةِ وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ اهـ شَرَحَ م ر.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ قَلْبٍ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْبَدَنِ وَأَمَّا نُسْخَةُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَفِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ جَعَلَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي الْفَضْلِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّيْءِ بَعْدَ نَفْسِهِ وَقَبْلَهَا.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِيمَانُ فَرَجَعَ لِلْأُولَى. وَيُجَابُ أَيْضًا: بِأَنْ يُرَادَ بِالْإِسْلَامِ خُصُوصُ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ. وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ النُّطْقُ بِهِمَا مِنْ الْكَافِرِ لَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّجَاةُ مِنْ الْخُلُودِ فِي النَّارِ فَنَفْعُهُ مُحَقَّقٌ وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَفْعِهَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ قَبُولِهَا. قَوْلُهُ: «إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» ) فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا لِلَّهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ غَيْرَ الصَّوْمِ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الشَّخْصُ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَعَدَمِهِ، فَنُسِبَ لِابْنِ آدَمَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ خَفِيٌّ فَأُضِيفَ لِلَّهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ تُمْكِنُ الْمُرَاءَاةُ بِالصَّوْمِ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا صَائِمٌ وَيَقْصِدُ الشُّهْرَةَ مَثَلًا. وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ رِيَاءٌ بِالْقَوْلِ وَالْإِخْبَارُ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. قَوْلُهُ: «أَجْزِي» ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَزَى يَجْزِي قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] قَوْلُهُ: (وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ) لَا يَرِدُ عَلَيْهِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَحِفْظُ الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. اهـ. سم. أَيْ: لِأَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. اهـ. ز ي. وَقَوْلُهُ: وَحِفْظُ الْقُرْآنِ الْمُرَادُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِحِفْظِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ تَعَلُّمُ وَاحِدٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ ذَلِكَ، أَوْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ ذَلِكَ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (الْعِيدَانِ) أَيْ صَلَاتُهُمَا فَفِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْعِيدَ فِي صَلَاتِهِ كَمَا فِي ش قَوْلُهُ: (وَرُتْبَتُهَا إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَرْتَبَةَ الْعِيدَيْنِ وَاحِدَةٌ وَكَذَا الْكُسُوفَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ صَلَاةُ الْأَضْحَى أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ وَصَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ ق ل. وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَرُتْبَتُهَا أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْعِيدَانِ ثُمَّ الْكُسُوفَانِ ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، أَمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَالْمَرَاتِبُ خَمْسٌ، فَالْأَفْضَلُ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى لِثُبُوتِهَا بِالنَّصِّ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ صَنِيعُهُ أَنَّهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ، ثُمَّ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ، ثُمَّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ) أَيْ بَلْ تُسَنُّ فُرَادَى فَلَوْ قَالَ: وَقِسْمٌ يُسَنُّ فُرَادَى لَكَانَ أَحْسَنَ لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ مِنْ إبَاحَةِ صَلَاتِهَا فُرَادَى اهـ اج.
قَوْلُهُ: (التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ) أَيْ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ فَيَشْمَلُ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةَ وَهِيَ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِتَقْيِيدِ الشَّارِحِ السُّنَنَ بِالرَّوَاتِبِ وَبِالنَّظَرِ لِلْمَتْنِ وَحْدَهُ تَكُونُ صِفَةً مُخَصِّصَةً. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَمَشْرُوعِيَّةُ النَّفْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْفَرْضِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَعِبَارَةُ خ ض وَهَلْ شُرِعَتْ رَوَاتِبُ الْفَرَائِضِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ تَرَاخَى ذَلِكَ عَنْهَا أَفَادَ شَيْخُنَا م ر الثَّانِي اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِيهَا إلَخْ) أَيْ فِي حَقِّنَا أَمَّا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَا تَقُومُ
стр. 410
مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ بِنَقْصٍ نَحْوُ خُشُوعٍ كَتَرْكِ تَدَبُّرِ قِرَاءَةٍ. (وَهِيَ سَبْعَةُ عَشَرَ رَكْعَةٍ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ) قَبْلَ الصُّبْحِ (وَأَرْبَعٌ) أَيْ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ (قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَثَلَاثٌ بَعْدَ سَنَةِ الْعِشَاءِ يُوتَرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُؤَكَّدَ مِنْ غَيْرِهِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ مِنْ الرَّوَاتِبِ عَشَرُ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ» . وَغَيْرُ الْمُؤَكَّدِ أَنْ يَزِيدَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَزِيدُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا لِحَدِيثِ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُقَامَ الْفَرْضِ. وَفِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ كُلَّ سَبْعِينَ رَكْعَةٍ مِنْ النَّفْلِ تَقُومُ مُقَامَ رَكْعَةٍ مِنْ الْفَرْضِ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ شُرِعَ النَّفَلُ لِتَكْمِيلِ الْفَرْضِ اهـ بِحُرُوفِهِ وَجَمِيعُ نَوَافِلِهِ ﷺ كَانَتْ فَرْضًا بِمَعْنَى أَنَّهَا تَقَعُ كَذَلِكَ فَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْفَرْضِ لَا أَنَّهَا فَرْضٌ أَصَالَةً؛ لِأَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا هُوَ لِلْجَبْرِ وَلَا نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تُجْبَرَ بِالنَّوَافِلِ، فَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَى الْأُمَّةِ لَا الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ عَشَرَ رَكْعَةً) وَفِي نُسْخَةٍ تِسْعَةَ عَشَرَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ أَقْرَبُ إلَى جَعْلِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ مِنْهَا، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمُؤَكَّدِ وَهُوَ عَشْرَةٌ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْمُؤَكَّدَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً غَيْرُ الْوِتْرِ ق ل. وَقَوْلُهُ: سَبْعَةَ عَشَرَ بِعَدِّ سُنَّةِ الْعِشَاءِ الْبَعْدِيَّةِ وَرَكْعَةِ وِتْرٍ وَعَلَى كَوْنِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ بِعَدِّ ثَلَاثَةٍ وِتْرًا بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ، هَذَا وَكَانَ الْأَوْلَى سَبْعَ عَشْرَةَ لِإِجْرَاءِ السَّبْعَةِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَالْعَشَرَةُ عَلَيْهِ. وَقَدْ تُؤَوَّلُ الرَّكْعَةُ بِالْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ. قَوْلُهُ: (رَكْعَتَا الْفَجْرِ) وَلَهُ فِي نِيَّتِهَا عَشَرُ كَيْفِيَّاتٍ: سُنَّةُ الصُّبْحِ سُنَّةُ الْفَجْرِ سُنَّةُ الْبَرَدِ سَنَةُ الْوُسْطَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا الْوُسْطَى سُنَّةُ الْغَدَاةِ وَلَهُ أَنْ يَحْذِفَ السُّنَّةَ وَيُضِيفَ فَيَقُولُ: رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْ الْبَرَدِ رَكْعَتَيْ الْوُسْطَى رَكْعَتَيْ الْغَدَاةِ اهـ خ ض. وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلَى آخِرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ. وَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٨٤] إلَى آخِرِهَا و ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ [الفيل: ١] وَ ﴿الْإِخْلَاصِ﴾ وَلَا يُنَافِي هَذَا طَلَبُ التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَارِدٌ وَالتَّطْوِيلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَسَنَّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ بِضَجْعَةٍ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبِحَدِيثٍ غَيْرِ دُنْيَوِيٍّ، أَمَّا بِالدُّنْيَوِيِّ فَيُكْرَهُ أَوْ يَتَحَوَّلُ. قَالَ م ر: وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَقْضِيَّةِ وَفِيمَا لَوْ أَخَّرَ سُنَّةَ الصُّبْحِ عَنْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى إفْرَادِهَا بِالْإِحْرَامِ لَا أَنَّ مَا قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَإِلَّا فَالثَّلَاثُ وِتْرٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى وُجُوبِ تَأَخُّرِ الْوَاحِدَةِ إذَا فَصَلَ أَوْ إلَى فَصْلِهَا عَنْ الثِّنْتَيْنِ احْتِرَازًا عَنْ وَصْلِ الثَّلَاثِ لِبُطْلَانِهِ عِنْدَ الْقَفَّالِ وَمَفْضُولِيَّتِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ سم. وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ قَوْلُهُ: وَثَلَاثٌ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ يُوتِرُ إلَخْ. يَقْتَضِي أَنَّ الثِّنْتَيْنِ قَبْلَ الْوَاحِدَةِ لَيْسَتَا مِنْ الْوِتْرِ وَلَا سُنَّةَ الْعِشَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَلَاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَعَلَيْهَا لَا إشْكَالَ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ) لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأَكُّدِ الْمُدَّعَى وَلَوْ قَالَ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ لَكَانَ أَوْلَى. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ فَعَلْت مِثْلَ فِعْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ ﷺ لَمْ يُصَلِّ هَذِهِ الرَّوَاتِبَ جَمَاعَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتِدَاءٌ بِهِ ﷺ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ م د.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ) وَانْظُرْ هَلْ الْقَبْلِيَّةُ أَفْضَلُ أَمْ الْبَعْدِيَّةُ؟ أَفْتَى م ر بِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ كَالْمُقَدِّمَةِ وَتِلْكَ تَابِعَةٌ لِلْفُرَصِ حَقِيقَةً وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ أَيْضًا، فَاعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِهَا أَكْثَرُ وَلَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ فِعْلِ الْفَرْضِ، فَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ لَهَا وَقْتًا شَرْعِيًّا يَخُصُّهَا، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَبِهِ صَرَّحَ سم عَلَى الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَيَزِيدُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُلَاحَظَةُ التَّأْكِيدِ فَتَنْصَرِفُ إلَيْهِ النِّيَّةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْإِحْرَامِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَتَجُوزُ الْأَرْبَعَةُ
стр. 411
النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ لِخَبَرِ عُمَرَ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» . رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ لَهُمَا أَيْ لِلرَّكْعَتَيْنِ إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ ". وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِخَبَرِ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ. وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِيمَا مَرَّ فَيُصَلِّي قَبْلهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلِيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» ، وَخَبَرُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ الْوِتْرُ وَأَنَّ أَقَلَّهُ رَكْعَةٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ» . وَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا خِلَافًا لِمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقَبْلِيَّةُ مَثَلًا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ بَلْ لَوْ أَخَّرَ الْقَبْلِيَّةَ عَنْ الْفَرْضِ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ بِالثَّمَانِيَةِ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ اهـ ق ل. وَيَكْفِي فِي تَصْحِيحِ نِيَّةِ قَبْلِيَّةِ الْجُمُعَةِ غَلَبَةُ ظَنِّ وُقُوعِهَا وَمَعَ الشَّكِّ يَمْتَنِعُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ، وَتَرَدَّدَ " سم " فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ كَالْجُمُعَةِ شَرْطُهَا الْوَقْتُ فَلَا تَصِحُّ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَلَا تُقْضَى أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُقْضَى كَالْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَافَظَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدَارَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَقَوْلُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَيْ مَنَعَهُ مِنْ دُخُولِهَا ع ش.
قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) بِرَفْعِ أَرْبَعٌ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَزِيدَ أَيْ: وَغَيْرُ الْمُؤَكَّدِ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً» إلَخْ) هَذَا دُعَاءٌ لِلْمُصَلِّي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا وَهُوَ لَا يَتَخَلَّفُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْمَغْرِبِ) وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِمَا إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ وَيُؤَخِّرُهُمَا إنْ أُقِيمَتْ الْمَغْرِبُ. اهـ. ق ل. أَيْ: إذَا أَسْرَعَ الْإِمَامُ بِالْفَرْضِ عَقِبَ الْأَذَانِ وَمِثْلُ رَاتِبَةِ الْمَغْرِبِ غَيْرُهَا، فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ عِنْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ الْمُفَوِّتِ لِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَلِفِعْلِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرْضِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.
قَوْلُهُ: (يَبْتَدِرُونَ) أَيْ يُسْرِعُونَ إلَى السَّوَارِي أَيْ الْأَعْمِدَةِ لِيَجْعَلُوهَا سُتْرَةً.
قَوْلُهُ: (إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ) أَيْ مُؤَذِّنُ الْمَغْرِبِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ) فَيُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا أَيْ: إذَا كَانَتْ تُغْنِي عَنْ الظُّهْرِ، وَإِلَّا فَيَنْوِي سُنَّةَ الظُّهْرِ الْبَعْدِيَّةِ بَعْدَ فِعْلِ الظُّهْرِ وَلَا بَعْدِيَّةَ لِلْجُمُعَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر. أَيْ: وَيُصَلِّي حِينَئِذٍ سُنَّةَ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا أَرْبَعًا وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَقَدْ أَمَرَ بِهَا ﷺ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الشَّارِحِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي لَا تُسَنُّ لَهُ جَمَاعَةٌ الْوِتْرُ) أَيْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ أَقَلَّهُ رَكْعَةٌ) أَيْ حَيْثُ قَالَ وَثَلَاثٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَجَعَلَ اثْنَيْنِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ وَوَاحِدَةً لِلْوِتْرِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَأَمَّا نُسْخَةُ وَثَلَاثٌ بَعْدَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ فَلَا يَظْهَرُ وَيَكُونُ مَعْنَى يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَيْهَا يُفْرِدُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَيَكُونُ الْوِتْرُ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْإِفْرَادُ كَحَدِيثِ؛ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» أَيْ وَإِلَّا فَالثَّلَاثَةُ وِتْرٌ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَوَصَلَ نَوَى الْوِتْرَ وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا بَيْنَ نِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَمُقَدَّمَةِ الْوِتْرِ وَسُنَّتِهِ هِيَ أَوْلَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَفِي الْفَصْلِ أَرْبَعُ نِيَّاتٍ، وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ يَنْوِي لِكُلِّ اثْنَتَيْنِ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَوْ مُقَدِّمَةَ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّتَهُ وَهُوَ أَوْلَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُ وَيَقُولُ فِي نِيَّةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهُ حَقِيقَةً وَإِضَافَةُ سُنَّةِ لِلْوِتْرِ بَيَانِيَّةٌ اهـ. وَلَوْ صَلَّى مَا عَدَا الْأَخِيرَةِ وَتَرَكَ الْأَخِيرَةَ مِنْ الْوِتْرِ أُثِيبَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ ثَوَابَ كَوْنِهِ مِنْ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَحَدِ عَشَرَ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَتَى بِبَعْضِ التَّرَاوِيحِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (وَلَا كَرَاهَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا) بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَوْ نَوَى وَأَطْلَقَ تَخَيَّرَ عِنْدَ الشَّارِحِ بَيْنَ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ، وَهَكَذَا. وَاعْتَمَدَ م ر الِاقْتِصَارَ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْكَمَالِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْكُسُوفِ بِأَنَّ مَا هُنَا اخْتِلَافٌ فِي الذَّاتِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ، وَمَا فِي الْكُسُوفِ اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَةِ فَسُومِحَ فِيهِ حَتَّى يَتَخَيَّرَ بَيْنَ أَقَلِّهِ وَأَدْنَى
стр. 412
وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ، وَهِيَ أَكْثَرُهُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مِنْهَا خَبَرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٍ» .
فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الرَّوَاتِبِ، وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ بِالسَّلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ بِتَشَهُّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ أَوْ بِتَشَهُّدَيْنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْوَصْلِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْكَمَالِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِرُكُوعَيْنِ قَصِيرَيْنِ وَبَيْنَ أَعْلَى الْكَمَالِ، وَلَوْ صَلَّى ثَلَاثًا ثُمَّ أَرَادَ تَكْمِيلَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ جَعْلَهُ خَمْسًا مَثَلًا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى رَكْعَةَ الْوِتْرِ، فَالْوَاقِعُ بَعْدَهَا لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، وَتَعْلِيلُ الثَّانِي مَمْنُوعٌ. اهـ. حَجّ. وَقَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ الَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافُهُ وَعَلَّلَهُ بِالْحَدِيثِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ح ف.
قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِمَا فِي الْكِفَايَةِ) حَمَلَ م ر مَا فِي الْكِفَايَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى فَلَا تَضْعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) فَيَبْطُلُ الْإِحْرَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، فَإِذَا أَحْرَمَ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ وَكَانَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَ الْجَمِيعُ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَإِنْ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْنِ زِيَادَةً عَلَى الْأَحَدَ عَشَرَ بَطَلَا إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا وَقَعَا نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ بِتَشَهُّدٍ) أَيْ لِزِيَادَةِ الْأَفْعَالِ فِيهِ وَعِبَارَةُ م ر. وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِتَشَهُّدَيْنِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَشِبِّيهِ الْوِتْرِ بِالْمَغْرِبِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا صَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ مَثَلًا انْتَفَى التَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ. قُلْت: الْمُرَادُ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُصَلِّيهِ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا مَثَلًا اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. ثُمَّ مَحَلُّ أَفَصْلِيَّةِ الْفَصْلِ عَلَى الْوَصْلِ إنْ سَاوَاهُ عَدَدًا بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ الْوَصْلُ عَلَى الْفَصْلِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اهـ قَالَ فِي الْإِيعَابِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ إلَّا ثَلَاثَةً مَوْصُولَةً كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مَفْصُولَةٍ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ خِلَافًا وَبِأَنَّ ثَوَابَ الْأَدَاءِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْقَضَاءِ اهـ قَالَ سم وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَلَاةً وَاحِدَةً. اهـ. م ر. وَلَا يُقَالُ: بَلْ الْوَصْلُ أَفْضَلُ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَة؛ لِأَنَّا نَقُولُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ لَا تَقَعَ مُرَاعَاتُهُ فِي خِلَافٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ مِنْ لَا يُجِيزُ الْوَصْلَ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَقَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْ حَيْثُ أَوْجَبَ الْوَصْلَ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ فِي الْوَصْلِ غَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ إذَا أَحْرَمَ بِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدَ عَشَرَ مَثَلًا وَأَرَادَ تَأْخِيرَ ثَلَاثَةٍ يُحْرِمُ بِهِنَّ دَفْعَةً وَأَحْرَمَ بِالثَّمَانِيَةِ قَبْلَهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ جَازَ لَهُ التَّشَهُّدُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَقَدْ زَادَ فِي الْوَصْلِ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً اهـ ز ي. قَوْلُهُ: «أَمَدَّكُمْ» ) أَيْ زَادَكُمْ عَلَى مَا اسْتَعْمَلَكُمْ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ أَتْحَفَكُمْ قَوْلُهُ: ( «مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» ) بِسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعِ أَحْمَرَ أَيْ الْإِبِلِ الْحُمْرِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ عِنْدَهُمْ وَالْمُرَادُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ فَهُوَ جَمْعُ حِمَارٍ ق ل. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ تَشْبِيهَ أُمُورِ الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّقْرِيبِ إلَى الْأَفْهَامِ، وَإِلَّا فَذَرَّةٌ مِنْ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهَا لَوْ تُصُوِّرَتْ ح ف.
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ الْعِشَاءِ) أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ وَكَمَا يُعْتَبَرُ دُخُولُ الْعِشَاءِ يُعْتَبَرُ صَلَاتُهَا أَيْضًا فَحَمَلَ الْعِشَاءَ عَلَى الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَأَرَادَ فِعْلَهُ قَضَاءً قَبْلَ فِعْلِهَا كَانَ مُمْتَنِعًا كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ اهـ ر. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: مِنْ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ أَيْ بَيْنَهُمَا وَلَوْ جَمَعَهَا أَعْنِي الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُنَّتَهَا، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهُ عَنْ سُنَّةِ الْعِشَاءِ اهـ سم. وَقَوْلُهُ أَيْ م د وَلَوْ جَمَعَهَا إلَخْ. فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَقَبْلَ فِعْلِ الْوِتْرِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ حِينَئِذٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِهِ
стр. 413
الْفَجْرِ» ، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ أَخَّرَ الْوِتْرَ إلَى أَنْ يَتَهَجَّدَ وَإِلَّا أَوْتَرَ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَرَاتِبَتِهَا هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا إذَا لَمْ يَثِقْ بِيَقِظَتِهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَإِلَّا فَتَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ آخِرَ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُهُ أَيْضًا: «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ» فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ تُنْدَبْ لَهُ إعَادَتُهُ لِخَبَرِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ فِي لَفْظِهِ، وَمَحَلِّهِ وَالْجَهْرِ بِهِ وَيُسَنُّ جَمَاعَةً فِي وِتْرِ رَمَضَانَ.
(وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ) بَعْدَ الرَّوَاتِبِ (ثَلَاثَةٌ) الْأُولَى: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) وَهُوَ التَّهَجُّدُ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] وَهُوَ لُغَةً رَفْعُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْحَقِيقِيِّ؟ الَّذِي فِي شَرْحِ الْعُبَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ، وَإِنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَأَوْتَرَ فَبَانَ بُطْلَانُ عِشَائِهِ بِأَنْ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْهَا بَعْدَ فِعْلِهِ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ وَكَانَ نَافِلَةً. اهـ. رَوْضٌ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: اجْعَلُوا آخِرِ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَا يَفْعَلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ أَقَلَّ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَوَّلَهُ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي جَمَاعَةٍ دُونَ آخِرِ اللَّيْلِ وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى الشَّيْخُ سُلْطَانُ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ ع ش، لَكِنْ ظَاهِرُ السُّنَّةِ مَعَ الشَّيْخِ سُلْطَانَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ إلَخْ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا فِيهِ؛ لِأَنَّ جَعَلَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولٍ أَيْ: عَلَى تَأْوِيلِ اجْعَلُوا بِافْعَلُوا وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ بِتَأْوِيلِهِ بِصَيِّرُوا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى كَوْنِهِ مَفْعُولًا فِيهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ هُوَ آخِرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْله: (مَشْهُودَةٌ) أَيْ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ أَيْ تَحْضُرُهَا أَيْ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ تَشْهَدُهَا الْمَلَائِكَةُ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَفْضَلُ) أَيْ تَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ أَيْ جَمِيعُهُ، فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهُ كُلُّهُ، وَإِنْ صَلَّى بَعْضَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ لَا يُدْرِكُهَا آخِرَ اللَّيْلِ، وَلِهَذَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ يُصَلِّي بَعْدَ وِتْرِ رَمَضَانَ جَمَاعَةً وَيُكْمِلُهُ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ كُلِّهِ، فَقَدْ قَالُوا: إنَّ مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ لَمْ يُوتِرْ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَلْ يُؤَخِّرُهُ إلَى اللَّيْلِ، فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ صَلَّى نَافِلَةً مُطْلَقَةً وَأَوْتَرَ آخِرَ اللَّيْلِ شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَذَلِكَ أَيْ الْمَشْهُودُ أَفْضَلُ وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُنْدَبْ لَهُ إعَادَتُهُ) أَيْ لَمْ تُشْرَعْ الْإِعَادَةُ فَلَا تَجُوزُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَقَالَ اج: قَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْإِعَادَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ لَمْ تُطْلَبْ إعَادَتُهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُطْلَبْ لَمْ تَصِحَّ قَالَ م ر: فَإِنَّ أَعَادَهُ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ عَامِدًا عَالِمًا حُرِّمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِخَبَرِ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إنْ رَجَعَ إلَى عَيْنِهِ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ لَازِمِهِ وَالنَّهْيُ هُنَا رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِ وِتْرًا، وَلِلْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ زَادَ فِي الْوِتْرِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ، نَعَمْ إنْ أَعَادَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجُّدُ بَعْدَ الْوِتْرِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ قَلِيلًا اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَسُنَّ تَأْخِيرُهُ عَنْ صَلَاةِ لَيْلٍ وَلَا يُعَادُ وَلَوْ وِتْرَ رَمَضَانَ وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّاهُ أَوَّلًا فُرَادَى فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَنَّ النَّفَلَ الَّذِي تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ تُسَنُّ إعَادَتُهُ جَمَاعَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» ) أَيْ أَدَاءً أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَدَاءً وَالْآخَرُ قَضَاءً فَلَا يُمْتَنَعُ بَلْ يُنْدَبُ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ لَا وِتْرَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُلْزِمُ الْمَثْنَى الْأَلِفَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى فَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الْأَلِفِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ كَالْمَقْصُورِ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِهَا عَامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ لَا الْعَامِلَةِ عَمَلَ إنْ وَالْعَامِلَةِ عَمَلَ لَيْسَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا فِي الْمَثْنَى وَالْجَمْعِ.
стр. 414
النَّوْمِ بِالتَّكَلُّفِ وَاصْطِلَاحًا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ، وَيُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ الْقَيْلُولَةُ، وَهِيَ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ لِلصَّائِمِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَائِدَةٌ: ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرُوِيَ أَنْ الْجُنَيْدَ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ، وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلُومُ وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ، وَمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَلَاثُ نَوَافِلِ مُؤَكَّدَاتٍ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الرَّوَاتِبِ) أَيْ غَيْرِ الرَّوَاتِبِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي أَيْ صَلَاةٌ فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (لَكَانَ أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ صَلَاةً اللَّيْلِ شَامِلَةٌ لِلتَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنْ الْمُؤَكَّدَ إنَّمَا هُوَ التَّهَجُّدُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ دَلِيلًا عَلَى التَّأَكُّدِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الطَّلَبِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ فَتَهَجَّدْ أَيْ صَلِّ بِهِ أَيْ بِالْقُرْآنِ أَيْ اقْرَأْهُ فِي صَلَاتِك فَرِيضَةً نَافِلَةً لَك أَيْ: زَائِدَةً عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا فِي الْجَلَالِ، فَنَافِلَةً صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَاقِعٌ مَفْعُولًا لَتَهَجَّدَ، وَهُوَ فَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتُصَّ بِوُجُوبِ التَّهَجُّدِ أَيْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ قُلْت؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ سُنَّةٌ الْوِتْرُ وَالسِّوَاكُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ» هَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ نَصَّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ بِمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَعَنْ أُمَّتِهِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْرِي فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ هَذَا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أَيْ عِبَادَةً زَائِدَةً عَلَى فَرَائِضِك؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَفِي مَعْنَاهُ زِيَادَةٌ خَالِصَةٌ لَك؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ غَيْرِهِ يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ وَتَطَوُّعَهُ خَالِصٌ لَهُ لِكَوْنِهِ لَا ذَنْبَ لَهُ، فَجَمِيعُ تَطَوُّعِهِ لِمَحْضِ زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ وَالْقُرْبِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» فَتَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: ١٧] أَيْ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ وَمَا زَائِدَةٌ، وَيَهْجَعُونَ: يَنَامُونَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ أَيْ كَانُوا يَنَامُونَ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ كَمَا فِي الْجَلَالِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ لُغَةً رَفْعُ النَّوْمِ) أَيْ إزَالَتُهُ. وَقَوْلُهُ: بِالتَّكَلُّفِ أَيْ بِالْمَشَقَّةِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّطَوُّعِ) هَذَا بَيَانُ أَصْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَحْصُلُ بِفَرْضٍ وَلَوْ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا وَنَفْلٍ مُؤَقَّتٍ كَذَلِكَ وَلَوْ سُنَّةَ الْعِشَاءِ أَوْ الْوِتْرِ، حَيْثُ كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ نَوْمٍ، وَلَوْ كَانَ النَّوْمُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَالتَّطَوُّعُ لَيْسَ بِقَيْدٍ ق ل. وَيَتَلَخَّصُ أَنَّ بَيْنَ الْوِتْرِ وَالتَّهَجُّدِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهَيْنِ: يَجْتَمِعَانِ فِيمَا لَوْ فَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالنَّوْمِ، وَيَنْفَرِدُ الْوِتْرُ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ النَّوْمِ وَيَنْفَرِدُ التَّهَجُّدُ فِيمَا لَوْ صَلَّى نَفْلًا غَيْرَ الْوِتْرِ بَعْدَ نَوْمٍ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ السَّحُورَ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ كَذَلِكَ نَوْمُ الْقَيْلُولَةِ يُعِينُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ (اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) تَتِمَّتُهُ: «وَبِالسَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ عَلَى بَرْدِ الشِّتَاءِ» اهـ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: «يَقُولُ اللَّهُ يَا عَبْدِي جَعَلْتُ النَّهَارَ لِمَعَاشِك وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلسَّمَرِ مَعِي فَاشْتَغَلْتَ عَنِّي بِالنَّهَارِ وَنِمْتَ عَنِّي بِاللَّيْلِ فَمَاذَا حَصَّلْتَ» اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْجُنَيْدَ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ شَيْخُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ وَالطَّرِيقَةِ، وَكَانَ شَيْخُهُ وَأُسْتَاذُهُ فِيهَا خَالَهُ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ. تُوُفِّيَ الْجُنَيْدُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ خَالُهُ السَّرِيُّ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالسَّرِيُّ لُغَةُ الْخِيَارِ وَكَانَ السَّرِيُّ تِلْمِيذًا لِمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ نَفَّعْنَا اللَّهُ بِهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُهُ: (طَاحَتْ إلَخْ) طَاحَتْ وَغَابَتْ وَفَنِيَتْ وَنَفِدَتْ الْمُرَادُ
стр. 415
نَفَعَنَا إلَّا رَكَعَاتٍ كُنَّا نَرْكَعُهَا عِنْدَ السَّحَرِ. وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّهَجُّدِ لِمُعْتَادِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ. قَالَ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْت: بَلَى. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأُفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا» إلَى آخِرِهِ. أَمَّا قِيَامٌ لَا يَضُرُّ وَلَوْ فِي لَيَالٍ كَامِلَةٍ فَلَا يُكْرَهُ، فَقَدْ «كَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ» ، وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِيِ» أَمَّا إحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يُكْرَهُ خُصُوصًا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا.
(وَ) الثَّانِيَةُ: (صَلَاةُ الضُّحَى) وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِهَا ذَهَبَتْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ النَّفْعِ بِهَا. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَفِدَ يَنْفَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ يَتْعَبُ نَفَادًا فَنِيَ، وَانْقَطَعَ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَاتِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ مِنْ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُشِيرُ بِهَا فِي الْجَوَابِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ قَائِلٌ: يَا سَيِّدِي مَا شِفَاءُ النَّفْسِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ أَنْ يَصِيرَ دَاؤُهَا دَوَاءَهَا وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ دَوَاءَهَا إلَى الصَّبْرِ.
قَوْلُهُ: (الْعِبَارَاتُ) الْمُرَادُ بِهَا الْأَلْفَاظُ الَّتِي كَانَ يَعِظُ بِهَا النَّاسَ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (الْعُلُومُ) أَيْ عُلُومُ التَّصَوُّفِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: الَّتِي كَانَ يُفِيدُهَا لِأَتْبَاعِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَظْمًا بَعْدً كَلَامٍ:
بَلْ التَّصَوُّفُ أَنْ تَصْفُوَ بِلَا كَدَرٍ ... وَتَتَّبِعَ الْحَقَّ وَالْقُرْآنَ وَالدِّينَا
وَأَنْ تُرَى خَاشِعًا لِلَّهِ مُكْتَئِبًا ... عَلَى ذُنُوبِك طُولَ الدَّهْرِ مَحْزُونَا
قَوْلُهُ: (وَنَفِدَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ قَوْلُهُ: (تِلْكَ الرُّسُومُ) الْمُرَادُ بِهَا الْكُتُبُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ) أَيْ سَهَرٌ شَوْبَرِيٌّ وَلَوْ بِعِبَادَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَبِهِ صَرَّحَ م ر وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَضُرُّ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَهُ ح ف أَيْ إنْ كَانَ كُلُّ اللَّيْلِ، وَبِالْفِعْلِ إنْ كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قِيَامِ الْكُلِّ فَيُكْرَهُ مُطْلَقًا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الضَّرَرُ فَرُبَّمَا يَفُوتُ بِهِ مَصَالِحُ النَّهَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْرَاكٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ عَدَمَ كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ بِاللَّيْلِ مَا فَاتَهُ بِالنَّهَارِ وَقِيَامُ الْبَعْضِ، فَيُكْرَهُ إنْ ضَرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ح ل وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ) اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْطِرْ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) تَتِمَّتُهُ: «وَلِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا وَلِزُوَّارِك عَلَيْك حَقًّا» . وَالْمُرَادُ بِالزُّوَّارِ الزَّائِرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الضَّيْفِ مَطْلُوبٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَحْيَا اللَّيْلَ) أَيْ بِصَلَاةٍ، وَالْمُرَادُ أَحْيَاهُ كُلَّهُ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ إلَخْ) أَفْهَمَ لَفْظُ تَخْصِيصِ عَدَمَ كَرَاهَةِ إحْيَائِهَا مَضْمُومَةً لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا نَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صَوْمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَقْفَةٌ ق ل. وَالنَّهْيُ عَنْهَا تَعَبُّدِيٌّ، وَقِيلَ لَهُ حِكْمَةٌ هِيَ أَنَّ فِي نَهَارَهَا وَظَائِفُ كَالتَّبْكِيرِ وَالْغُسْلِ وَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فَبِالسَّهَرِ رُبَّمَا يَضْعُفُ عَنْهَا، لَكِنَّ هَذِهِ لَا تُنَاسِبُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ضَمَّ فِيهَا لَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ. قَوْلُهُ: (بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ) أَيْ لَا بِذِكْرٍ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَهَا لِمَا وَرَدَ: أَنَّهُ ﷺ يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِأُذُنِهِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا وَيُبَلِّغُهُ الْمَلَكُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سَمَاعَ الْعِبَادِ ق ل وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا اهـ طُوخِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ صَلَاةُ الضُّحَى) بِضَمِّ الضَّادِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْر أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الضُّحَى وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالضُّحَى اسْمٌ لِأَوَّلِ النَّهَارِ، فَأُضِيفَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُهَا فَوَقْتُ صَلَاةِ الضُّحَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ
стр. 416
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ وَالِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَعَلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مِنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ: إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا أَفْضَلِيَّتَهُ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَقْتَهَا يَخْرُجُ بِالزَّوَالِ. قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ إضَافَةَ الصَّلَاةِ إلَى الضُّحَى بِمَعْنًى فِي كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الشَّمَائِلِ. قَالَ م ر: سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِ فِعْلِهَا وَهِيَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقِيلَ غَيْرُهَا. وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَدَدِ الَّذِي لِصَلَاةِ الضُّحَى، وَأَيْضًا تَفُوتُ بِمُضِيِّ وَقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا وَلَا تَمْتَدُّ لِلزَّوَالِ، وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي مُقَدِّمَةٍ لَهُ بِخُصُوصِ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِنْسَانُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةَ وَالشَّمْسِ بِتَمَامِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ وَالضُّحَى لِلْمُنَاسَبَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ م ر، وَاعْتَمَدَهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْكَافِرُونَ وَالثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا قَالَ: لِفَضْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ السُّورَةَ الْأُولَى تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ وَالثَّانِيَةَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى سُورَةَ وَالشَّمْسِ وَالْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالضُّحَى وَالْإِخْلَاصَ، ثُمَّ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ اهـ.
قَوْلُهُ: (هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) فَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِحْرَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا ح ل.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الثَّمَانِيَ أَفْضَلُ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَة لَا يُنَافِي قَاعِدَةَ أَنَّ الْعَمَلَ كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبِيَّةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ يَفْضُلُ الْكَثِيرَ فِي صُوَرٍ كَالْقَصْرِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ إنْ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قَصْرِهِ، وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْجِنَّ يُؤْذُونَ أَوْلَادَ مُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ هِيَ تُحَرِّقُ أَوْلَادَ الشَّيَاطِينِ، وَصَلَاةُ الضُّحَى وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ ﷺ . قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: اُخْتُصَّ الْمُصْطَفَى ﷺ بِوُجُوبِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ) لِيَصِيرَ فِي كُلِّ رُبْعٍ مِنْهُ صَلَاةً وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «صَلَاةُ الضُّحَى حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلْ سَنَةً بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي خِفَافِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الطُّلُوعِ، وَيُسَنُّ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى الِارْتِفَاعِ كَالْعِيدِ وَهَذَا زَعْمٌ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ. اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ الطُّلُوعِ وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى الِارْتِفَاعِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) سُمِّيَتْ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل. قَوْلُهُ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ مَنْ صَلَّى تَرَاوِيحَهُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُمَرَ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تُقَمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ق ل قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ فِي حَقِّ عُمَرَ: نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَنَا. وَوَرَدَ: «أَنَّهُ ﵊ خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَلَّاهَا وَصَلَّوْهَا مَعَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ بَاقِي الشَّهْرِ وَقَالَ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا» . شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: لَيَالِيَ أَيْ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالسَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج. وَقَوْلُهُ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ لَا يُنَافِيهِ مَا فِي قِصَّةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الْخَمْسِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْقِصَّةِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي السُّنَّةِ غَيْرُ الْخَمْسِ. وَقَالَ ق ل: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ جَمَاعَتُهَا كَمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ تَقَرُّرِ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ وَرُبَّمَا يَحْدُثُ فَرْضٌ آخَرُ أَوْ جَمَاعَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا إيرَادَ وَلَا إشْكَالَ اهـ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَوْضِعًا حَوْلَ الْعَرْشِ يُسَمَّى حَظِيرَةَ
стр. 417
وَاحْتِسَابًا أَيْ إخْلَاصًا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُخْتَصٌّ بِالصَّغَائِرِ، وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ أَرْبَعٍ مِنْهَا تَرْوِيحَةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّحُونَ عَقِبَهَا أَيْ يَسْتَرِيحُونَ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ أَيْ: الْمُؤَكَّدَاتِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ اهـ.
وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَجَعَلَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَدَلَ كُلِّ أُسْبُوعٍ تَرْوِيحَةً لِيُسَاوُوهُمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقُدْسِ وَهُوَ مِنْ النُّورِ وَفِيهِ مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى عِبَادَةً لَا يَفْتَرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِيَ رَمَضَان اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا إلَى الْأَرْضِ وَيَحْضُرُوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ، فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ ﵁ هَذَا قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَقُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ حِينِ شُرِعَتْ إلَّا مَرَّةً وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ لِمُضِيِّ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، «فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى قُرْبِ الْفَجْرِ، ثُمَّ انْتَظَرُوا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ صَبِيحَتُهَا: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا» ، وَإِنَّمَا لَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ مُتَوَالِيًا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ قُلْت: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَالْوَارِدُ مِنْ فِعْله ﷺ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُتَمَّمُونَ الْعِشْرِينَ فِي بُيُوتِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا انْطَلَقُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ يُسْمَعُ لَهُمْ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الدَّبَابِيرِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ ﷺ عَلَى الثَّمَانِ فِي صَلَاتِهِ بِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِمْ الْعِشْرِينَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (الرِّجَالَ) بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ قَوْلُهُ: (ابْنِ أَبِي حَثْمَهْ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ كَذَا ضَبَطَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ مِثْلُ مَنْدَهْ وَمَاجَهْ وَسِيدَهْ وَبَرْدَزَيْهْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ. قَوْلُهُ: (أَيْ يَسْتَرِيحُونَ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ إلَخْ) أَيْ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا كَالرَّوَاتِبِ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُهَا أَيْ التَّرَاوِيحُ، وَقَوْلُهُ: عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالرَّوَاتِبُ الْبَعْدِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ حَذْفُ اللَّامِ مِنْ لِأَنَّ كَمَا فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَضُوعِفَتْ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ التَّضْعِيفَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلُهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاوِيحَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا زِيدَ عَلَى الْعَشْرِ رَكَعَاتٍ الْمُؤَكَّدَاتِ مِثْلُهَا صَارَتْ عِشْرِينَ عَشَرَةً مِنْهَا هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَالْعَشَرَةُ الْأُخْرَى هِيَ التَّرَاوِيحُ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّضْعِيفِ هُنَا أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلَاهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. فَقَوْلُهُ: فَضُوعِفَتْ أَيْ زِيدَ عَلَيْهَا مِثْلَاهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ بِاجْتِهَادٍ مِمَّنْ كَانَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ كِبَارِهَا وَعُلَمَائِهَا وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَّوْهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ فِي آخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لَا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ كَمَا قَالَهُ حَجّ اهـ.
قَوْلُهُ: (فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ) وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى عِشْرِينَ وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَإِذَا فَعَلُوهَا كَذَلِكَ فَهَلْ يُثَابُونَ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْعِشْرِينَ كَغَيْرِهِمْ أَوْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةَ عَشْرَ ثَوَابَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةِ عَشَرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهَا أَرْقَى مِنْهُ اهـ. قَوْلُهُ (يَطُوفُونَ) وَإِنَّمَا لَمْ تَطُفْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْقَبْرِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بِهَا حِينَ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا وَلَا مُقِيمًا وَمَنْ فَعَلَهَا خَارِجَهَا بِحَيْثُ
стр. 418
الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِهَا شَرَفًا بِهِجْرَتِهِ وَدَفْنِهِ ﷺ وَفِعْلُهَا بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَوَقْتُهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ تَقْدِيمًا، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطَلَّقَةٍ، بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ فَلَا تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَتْ.
تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَاَلَّتِي بَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لَهُ، وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ.
وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُنْدَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ إنْ كَانَ مِنْ مُتَوَطِّنِيهَا أَوْ الْمُقِيمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، هَذَا مَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ سم يَعْنِي: أَنَّ الْمُتَوَطِّنَ أَوْ الْمُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ إذَا خَرَجَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِمَحَلِّ الْأَدَاءِ فَلَوْ فَاتَتْهُ فِي الْمَدِينَةِ قَضَاهَا وَلَوْ فِي غَيْرِهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا عِشْرِينَ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا النُّورِ الزِّيَادِيِّ وَأَقَرَّهُ مَشَايِخُنَا اهـ اج.
قَوْلُهُ: (أُسْبُوعٍ) أَيْ طَوَافٍ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ أُسْبُوعٌ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ يُكَرِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ) بِأَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ حِزْبَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عُشْرُ حِزْبٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَكْرِيرِ إلَخْ) وَمِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ أَوْ نَحْوِهَا. قَوْلُهُ: (بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) أَيْ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا أَنَّ الْوِتْرَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَقْدِيمًا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ م ر كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَحَصَلَتْ إقَامَةٌ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، لَكِنْ نَقَلَ السُّيُوطِيّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إقَامَةٌ فَإِنْ حَصَلَتْ إقَامَةٌ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَجَبَ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ لِزَوَالِ الْوَقْتِ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرَّاتِبَةُ وَالْوِتْرُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَلَهُ فِعْلُهَا عَقِبَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ اهـ اج. وَلَوْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعِشَاءِ وَقَعَ مَا صَلَّاهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ) أَوْ يَنْوِي سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ بِإِضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ أَوْ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ) وَتَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا نَسِيَ أَوْ جَهِلَ كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورَةِ
قَوْلُهُ: (الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمُتَأَخِّرَةِ يَدْخُلُ كَذَلِكَ، وَفِعْلُ الْفَرْضِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ فِعْلِهَا، وَإِنَّمَا اُمْتُنِعَ فِعْلُهَا قَبْلَ الْفَرْضِ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ فِعْلُ الْفَرْضِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ، وَلَوْ أُرِيدَ فِي كَلَامِهِ بِالْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَقْتُ الْفِعْلِ، وَبِالثَّانِي الْوَقْتُ الزَّمَّانِيُّ لَكَانَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ عَنْ الْوَقْتِ الزَّمَانِيِّ فِي الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ ق ل. فَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الْفَرْضَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ فَإِنَّ سُنَّتَهُ الْبَعْدِيَّةَ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ أَيْ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ. وَلِهَذَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا صَلَاةٌ فَيَخْرُجُ وَقْتُهَا وَلَمْ يَدْخُلْ اج. أَيْ خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ فِعْلِهَا.
قَوْلُهُ: (الْمُؤَقَّتُ) أَيْ سَوَاءٌ طُلِبَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَمْ لَا، قَالَ شَيْخُنَا: وَيُلْحَقُ بِهِ التَّهَجُّدُ لِمَنْ اعْتَادَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ كَابْنِ الْعِمَادِ: وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، إذْ الْمُرَادُ تَحِيَّةٌ لِرَبِّ الْمَسْجِدِ تَعَظُّمًا لَهُ لَا لِلْبُقْعَةِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ تَحِيَّةُ رَبِّ الْمَسْجِدِ، فَلَوْ قَصَدَ سُنَّةَ الْبُقْعَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ بُقْعَةٌ لَا تُقْصَدُ بِالْعِبَادَةِ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ. إيعَابٌ. بَلْ لَوْ قَصَدَ اسْتِحْقَاقَهَا لِذَلِكَ لِذَاتِهَا كَفَرَ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ فَتُطْلَبُ التَّحِيَّةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا لِأَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَشَمِلَ الْمُشَاعَ أَيْ مَا بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَلَّ الْبَعْضُ الَّذِي جُعِلَ مَسْجِدًا بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنْسَ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسْجِدٍ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ.
стр. 419
وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْجُلُوسِ لِكُلِّ دَاخِلٍ وَتَحْصُلُ لِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ وَتَفُوتُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي طَلَبِ التَّحِيَّةِ تَحَقُّقُ الْمَسْجِدِيَّةِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَتُطْلَبُ لِمَا هُوَ كَصُورَتِهِ كَالزَّوَايَا فِي الْقُرَى اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الرِّبَاطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ بَانِيهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَشَمِلَ الْمَسْجِدُ الْمُتَيَقَّنَ وَالْمَظْنُونَ وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ مِنْ عَلَامَاتِهِ الْمَنَارَةُ وَلَا الشُّرُفَاتُ وَلَا الْمِنْبَرُ وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِهِ الْمَدَارِسُ وَالرِّبَاطَاتُ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمُحْتَكَرَةِ وَمَا فِي سَوَاحِلِ الْأَنْهَارِ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ الْمُسَبَّلَةِ كَمَسَاجِدِ الْقَرَافَةِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى مَثَلًا. نَعَمْ إنْ فَرَشَ نَحْوَ بَلَاطٍ وَآجُرٍّ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُ وَوَقَفَهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَقْفُهُ وَطُلِبَتْ فِيهِ التَّحِيَّةُ، والسُّنَانِيَّةُ الْمَعْلُومَةُ مَسْجِدٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ وَتُعْطَى أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ مِنْ صِحَّةِ التَّحِيَّةِ فِيهَا وَغَيْرِهَا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنَامِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِصِحَّةِ الْوَقْتِ وَلُزُومِهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَحِينَئِذٍ فَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لَهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا شَابَهَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى حُدُوثِهَا وَأَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ إلَّا بِحَقٍّ وَأَنَّ مَسْجِدِيَّتَهَا صَارَتْ مُحَقَّقَةً لَا نِزَاعَ فِيهَا وَقَدْ رَجَعْتُ عَمَّا كُنْتُ أُقَرِّرُهُ فِيهَا مِنْ كَوْنِهَا لَا تُعْطَى حُكْمَ الْمَسَاجِدِ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَايِخِي وَهُوَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ الطُّوخِيُّ
وَأَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى صُورَةِ وَقُفْيَةِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ لَرَجَعَ عَمَّا قَالَهُ وَوَافَقَ عَلَى مَا قُلْنَا اهـ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الدَّيْرَبِيُّ فِي رِسَالَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ وَذَكَرَ فِيهَا صُورَةَ الْوَقْفِيَّةِ فَانْظُرْهَا إنْ شِئْت وَشَمِلَ دَاخِلَهُ مَنْ هُوَ فِي هَوَائِهِ مِمَّنْ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ وَلَوْ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا اهـ بِالْحَرْفِ. وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ مُلَاحَظَةُ كَوْنِهَا لِرَبِّ الْمَسْجِدِ أَوْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ؟ وَاَلَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ شَيْخُنَا الثَّانِي فَلْيُحَرَّرْ. وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ فِيهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، فَلَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَنَوَى التَّحِيَّةَ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا فَلَا تَصِحُّ، أَوْ كَانَتْ خَارِجَهُ ثُمَّ نَوَى رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَا يَصِحُّ. اهـ. م ر عَلَى التَّحْرِيرِ. قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَمَّا هُوَ فَيُبْتَدَأُ فِيهِ بِالطَّوَافِ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَنَا مَسْجِدٌ يُسْتَحَبُّ لِدَاخِلِهِ تَرْكُ تَحِيَّتِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، فَإِنْ كَانَ دَاخِلُهُ يُرِيدُ الطَّوَافَ فَالسُّنَّةُ لَهُ الطَّوَافُ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الطَّوَافِ حَصَلَتْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ صَلَّاهُمَا دَاخِلَ الْبَيْتِ فَتُوُقِّفَ فِيهِ بِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ لِتَقَدُّمِ بِنَائِهِ عَلَى وَقْفِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ فَتَحِيَّةُ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، فَلَوْ صَلَّى مَرِيدُ الطَّوَافِ التَّحِيَّةَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ دَاخِلَهُ الطَّوَافَ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ اهـ. وَقَوْلُهُ: لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ وُقُوعِ السُّؤَالِ عَنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هَلْ وَقَفَ بِصِيغَةٍ أَوْ هُوَ وَقْفٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَقْفِيَّةِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِبِنَائِهِ الْمَلَائِكَةَ فَالْأَنْبِيَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) أَيْ أَقَلُّهَا ذَلِكَ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ ق ل. وَاقْتِصَارُهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ فَإِنْ سَلَّمَ ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ فَتَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ دَاخِلٍ) أَيْ وَلَوْ مُعْتَكِفًا بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ، سَوَاءٌ قُلْنَا اعْتِكَافُهُ بَاقٍ أَمْ لَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهُ فَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ شَوْبَرِيٌّ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ لَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. فَرْعٌ: لَوْ صَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ كَرَاهَةَ التَّحِيَّةِ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَإِلَّا فَلَا. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ) أَيْ يَحْصُلُ فَضْلُهَا سَوَاءٌ نُوِيَتْ مَعَ ذَلِكَ أَمْ لَا. نَعَمْ إنْ نَفَاهَا فَاتَ فَضْلُهَا، وَإِنْ سَقَطَ الطَّلَبُ ق ل. وَعَلَى حُصُولِ فَضْلِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْوِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَابِعَةٌ وَدَاخِلَةٌ فِيهِ فَكَأَنَّهَا نُوِيَتْ حُكْمًا ز ي بِإِيضَاحٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا نَوَاهَا حَصَلَ الثَّوَابُ اتِّفَاقًا، وَإِذَا نَفَاهَا فَلَا يَحْصُلُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَطْلَقَ حَصَلَ الثَّوَابُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قُرْبٍ) عِبَارَةُ التَّحْرِيرِ
стр. 420
بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا وَقَصُرَ الْفَصْلُ، وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَالْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ وَمِنًى بِالرَّمْيِ، وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ
وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ عَلَى قُرْبٍ فَهِيَ غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا لَا تُسَنُّ لِلدُّخُولِ عَنْ قُرْبٍ لِلْمَشَقَّةِ. قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ لِلشُّرْبِ عَمْدًا كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَكِنْ قَيَّدَ الْفَوَاتَ فِي الْفَتَاوَى لَهُ بِمَا إذَا أَلْصَقَ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ، أَمَّا إذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ عَلَى سَاقَيْهِ وَلَمْ يُلْصِقْ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَلَهُ فِعْلُهَا. تَنْبِيهٌ: إذَا نَذَرَ سُنَّةَ الْوُضُوءِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَكْفِيهِ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا النَّذْرَيْنِ؟ وَالظَّاهِرُ لَا يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ صَارَتْ نَذْرًا وَحْدَهُ. فَرْعٌ: إذَا اغْتَسَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثَانِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ هَلْ لَهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ سُنَّةِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا لِعَدَمِ فِعْلِهِ وَهَلْ يُثَابُ عَلَى الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَنْفِهِ كَالتَّحِيَّةِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. وَقَوْلُهُ بِجُلُوسِهِ أَيْ مُتَمَكِّنًا لَا مُسْتَوْفِزًا اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ جَلَسَ) سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ) وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصُرَ الْوُقُوفُ فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَمْدًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ بِهِ عَمْدًا وَلَوْ قَصُرَ، وَالْمُرَادُ بِالطُّولِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ع ش عَلَى م ر. وَيُكْرَهُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِلَا طَهَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّحِيَّةِ لِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ لَمْ يُرْدِهَا وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَوْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ فَتَنْدَفِعُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ اهـ. قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا تَحْصُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ تَيَسُّرِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ خ ض: وَفِي فَوَاتِهَا لِلْمُقْعَدِ وَالْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَلْقِي كَلَامٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْإِعْرَاضَ فَاتَتْ، وَإِلَّا فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَاتَتْ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعْرَاضَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِذَلِكَ فَلَا تَفُوتُ بِذَلِكَ ز ي.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ الشِّهَابُ م ر خِلَافًا لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا، فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا جَالِسًا، فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ الْجَوَازُ حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا، إذْ لَيْسَ لَنَا نَافِلَةٌ يَجِبُ التَّحَرُّمُ بِهَا قَائِمًا وَحَدِيثُهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَا تَفُوتُ بِجُلُوسٍ قَصِيرٍ نَسِيَانَا أَوْ جَهْلًا، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ شَرْحُ م ر. وَلَا تَفُوتُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالتَّحِيَّةِ قُدِّمَ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ الطَّوِيلِ وَبِالْوُقُوفِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا فِيهِمَا وَبِالْجُلُوسِ الْقَصِيرِ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعُ) الْمُرَادُ بِتَحِيَّةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَعْظِيمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ) وَيَحْرُمُ بَدْءُ ذِمِّيٍّ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ بَانَ ذِمِّيًّا اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِرْدَادُ سَلَامِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي أَوْ رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي وُجُوبُ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ تَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَإِنْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ لَهُ وُجُوبًا: وَعَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مُجَرَّدُ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا السَّلَامُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ خَبَرَ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَالسَّامُ الْمَوْتُ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ سُفْيَانُ يَرْوِي عَلَيْكُمْ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَذَفَهَا صَارَ قَوْلُهُمْ
стр. 421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَإِذَا ذَكَرَهَا وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَعْنَى وَنَحْنُ نَدْعُو عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا فَسَّرْنَا السَّامَّ بِالْمَوْتِ فَلَا إشْكَالَ لَاشْتَرَاك الْخَلْقِ فِيهِ، وَيَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَوْ بِقَلْبِهِ لَوْ كَانَ مَعَ مُسْلِمٍ وَيَحْرُمُ بَدْؤُهُ بِتَحِيَّةٍ غَيْرِ السَّلَامِ بَلْ يَحْرُمُ بِكُلِّ كَلَامٍ أَشْعَرَ بِتَعْظِيمِهِ لِآيَةِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ، وَمِنْ التَّعْظِيمِ خِطَابُهُ بِلَفْظِ يَا مُعَلِّمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ، وَلَوْ قَامَ عَنْ جَلِيسٍ لَهُ فَسَلَّمَ وَجَبَ الرَّدُّ وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ سَلَّمَ نَدْبًا عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَوْضِعًا خَالِيًا فَلِيَقُلْ نَدْبًا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيُسَمِّي اللَّهَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَشَرْطُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا سَمَاعُهُ لَهُ، وَاتِّصَالُ الرَّدِّ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ زَادَ فِي الرَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ لَا يُوقِظُهُمْ، وَالْقَارِئُ كَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ وَوُجُوبِ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ وَتُجْزِئُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مِنْ ابْتِدَاءٍ وَرَدٍّ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ أَوْ سَتْرٍ أَوْ فِي كِتَابٍ أَوْ مَعَ رَسُولٍ، وَبَلَغَهُ لَزِمَهُ الرَّدُّ. وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ مِنْ النَّاطِقِ بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا يَجِبُ لَهَا رَدٌّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ أَوْلَى، وَصِيغَتُهُ رَدًّا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ أَيْضًا كَالْجَمْعِ، فَإِنْ عَكَسَ جَازَ وَإِنَّ سَلَّمَ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ مَعًا لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا الرَّدُّ أَوْ مُرَتَّبًا كَفَى الثَّانِي سَلَامُهُ رَدًّا، وَيُنْدَبُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْوَاقِفِ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي حَالِ التَّلَاقِي فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُكْرَهْ، وَيُسَلِّمْ الْوَارِدُ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الزُّبْدِ لِلرَّمْلِيِّ، وَإِذَا لَقِيَ شَخْصٌ رَجُلَيْنِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَالِابْتِدَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ كَفَى، وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَجْزَأَ إنْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَتْ عَجُوزًا أَوْ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمِ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ لَمْ يَسْقُطْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءَ وَهُوَ مِنْهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانُ، وَلَا أَمَانَ مِنْ الصَّبِيِّ، وَلَوْ سَلَّمَ جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ فَلَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَكْفِي أَوْ لَا؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ ذَلِكَ وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ رَدِّ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَهُوَ مَا لَوْ أَرْسَلَ إلَى غَائِبٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إنْ أَتَى الْمُسَلِّمُ أَوْ الرَّسُولُ بِصِيغَةِ سَلَامٍ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ يَقُولُ لَك السَّلَامُ عَلَيْك أَيْ: وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِأَنْ نَسِيَ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الرَّدُّ حِينَئِذٍ، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ وَلَا عَلَى عَجُوزٍ لِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ، بَلْ يُنْدَبُ الِابْتِدَاءُ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ وَعَكْسُهُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ كَذَلِكَ وَيَحْرُمُ مِنْ الشَّابَّةِ ابْتِدَاءً وَيُكْرَهَانِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى يَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَرَدًّا احْتِيَاطًا وَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي، فَاَلَّذِي قَالَهُ الْجَوْجَرِيُّ وُجُوبُ الرَّدِّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةً شَرْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّيَغِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُرَاسِلَاتِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ. فَرْعٌ: لَوْ أَرْسَلَ السَّلَامَ مَعَ غَيْرِهِ إلَى آخَرَ فَإِنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ فُلَانٌ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانٍ وَجَبَ الرَّدُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَبَلِّغْهُ عَنِّي فَقَالَ الرَّسُولُ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَجَبَ الرَّدُّ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَوُجُوبُ الرَّدِّ مِنْ صِيغَةٍ مِنْ الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّسُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْ وَاحِدٍ، كَأَنْ قَالَ الْمُرْسِلُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ لِفُلَانٍ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك فَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ كَذَا نَقَلَهُ م ر عَنْ وَالِدِهِ وَاعْتَمَدَهُ. اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَإِذَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إمَّا لِتَكَبُّرِ
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِإِهْمَالِهِ الْمَارَّ أَوْ السَّلَامَ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَتْرُكَهُ لِهَذَا الظَّنِّ، فَإِنَّ السَّلَامَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَاَلَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمَارُّ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يُحَصِّلَ الرَّدَّ مَعَ أَنَّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ قَدْ يُخْطِئُ الظَّنَّ فِيهِ وَيَرُدُّ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ إنَّ سَلَامَ الْمَارِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْإِثْمِ فِي حَقِّ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ ظَاهِرَةٌ وَغَبَاوَةٌ بَيِّنَةٌ، فَإِنَّ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَبَالَاتِ، وَلَوْ نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْخَبَالِ الْفَاسِدِ لَتَرَكْنَا إنْكَارَ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا كَوْنَهُ مُنْكَرًا أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِقَوْلِنَا، فَإِنَّ إنْكَارَنَا عَلَيْهِ وَتَعْرِيفَنَا لَهُ قُبْحَهُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثْمِهِ إذَا لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّا لَا نَتْرُكُ الْإِنْكَارَ بِمِثْلِ هَذَا وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ وَأَسْمَعَهُ سَلَامَهُ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَبْرَأْتُهُ مِنْ حَقِّي فِي رَدِّ السَّلَامِ أَوْ جَعَلْته فِي حِلٍّ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَيَتَلَفَّظُ بِهَذَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ هَذَا الْآدَمِيِّ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ: رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ لِيَسْقُطَ عَنْك الْفَرْضُ. وَقَدْ أَطَالَ النَّوَوِيُّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ بِمَا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي لَا يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ فِيهَا عِشْرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ نَظْمًا حَيْثُ قَالَ:
رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ ... إلَّا عَلَى مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ بِأَكْلٍ شُغِلَا
أَوْ فِي قِرَاءَةٍ كَذَاك الْأَدْعِيَهْ ... أَوْ ذِكْرٍ أَوْ فِي خُطْبَةٍ أَوْ تَلْبِيَهْ
أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ... أَوْ فِي إقَامَةٍ أَوْ الْأَذَانِ
أَوْ حَاجِمٍ أَوْ نَاعِسٍ أَوْ نَائِمٍ ... وَحَالَةِ الْجِمَاعِ وَالتَّحَاكُمِ
أَوْ سَلَّمَ الطِّفْلُ أَوْ السَّكْرَانُ ... أَوْ شَابَّةٌ يُخْشَى بِهَا افْتِتَانُ
أَوْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ أَوْ مَجْنُونًا ... فَهَذِهِ مَجْمُوعُهَا عِشْرُونَا
فَائِدَةٌ: الْأَذْكَارُ الْمَطْلُوبَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ قَبْل التَّكَلُّمِ هَلْ يُسَنُّ لَهَا السَّلَامُ وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالثَّانِي غَيْرُ بَعِيدٍ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِتَفْوِيتِهِ الثَّوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يَفُوتَ لِعُذْرِهِ بِالرَّدِّ يُعَارِضُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِالرَّدِّ فِي الْوَاقِعِ. اهـ. سم عَلَى حَجّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ التَّلَاقِي سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاس مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْيَنَابِيعِ. وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِ التَّحِيَّاتِ: أَنَّ سَلَامَ الْيَهُودِ كَانَ بِالْأَكُفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْأَكَاسِرَةِ بِالسُّجُودِ لِلْمَلَكِ وَتَقْبِيلِ الْأَرْضِ، وَالْفُرْسِ طَرْحُ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ الْمَلِكِ، وَالْحَبَشَةِ عَقْدُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ مَعَ السَّكِينَةِ، وَالرُّومِ بِكَشْفِ الرَّأْسِ وَتَنْكِيسِهَا وَالنُّوبَةِ الْإِيمَاءُ بِفَمِهِ مَعَ جَعْلِ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَحِمْيَرَ بِالْإِيمَاءِ بِالدُّعَاءِ بِالْأَصَابِعِ، وَتَحِيَّةُ مَلِكِ الْيَمَامَةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى كَتِفِ الْمُحَيَّا فَإِنْ بَالَغَ رَفْعَهَا وَوَضَعَهَا مِرَارًا، وَتَحِيَّةُ الْعَرَبِ بِالسَّلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتِ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَهُمْ، وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أَيْ يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا قُلْت: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَوْ سَلَّمْت عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ فَقُلْت: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَأَحْضِرْ فِي قَلْبِك كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَمَيِّتٍ وَحَيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ يَرُدُّ عَلَيْك فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ يَبْلُغُهُ سَلَامُك إلَّا وَيَرُدُّ عَلَيْك
стр. 423
تَتِمَّةٌ: مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ مَرَّةٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَفِي الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَكَذَلِكَ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ الثَّانِي، فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي أَرْبَعٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ.
وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْغَفْلَةِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهَا بِسَبَبِ عَشَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَتَبَ اللَّهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهُوَ دُعَاءٌ، فَيُسْتَجَابُ فِيك فَتُفْلِحُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ سَلَامُك مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ فِي جَلَالِهِ الْمُشْتَغَلِ بِهِ، فَإِنَّك قَدْ سَلَّمْت عَلَيْهِ بِهَذَا الشُّمُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْك وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) هَذِهِ التَّتِمَّةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنْ النَّوَافِلِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّسْبِيحِ) أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَلَا شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ اَ هـ. وَتُسَنُّ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ وَإِلَّا فَجُمُعَةً وَإِلَّا فَشَهْرًا وَإِلَّا فَسَنَةً وَإِلَّا فَمَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ سُنِّيَّتِهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ، وَكَذَا النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اج.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) بِنِيَّةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يَظْهَرُ حَجّ شَوْبَرِيٌّ وخ ض. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ تَسَابِيحَ أَيْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ اهـ. وَتَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ وَهُوَ الْأَحْسَنُ نَهَارًا، وَبِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لَيْلًا كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَرَاوِيَةُ النَّهَارِ لَمْ تَصِحَّ. قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ إلَخْ) زَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ) هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ السُّجُودِ الثَّانِي قَبْلَ الْقِيَامِ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ قَالَهُ ق ل. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ السُّجُودِ خَبَرُ أَنَّ قَالَ حَجّ فَلَوْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، وَلَا يَقُولُهُ فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ يَطُولُ وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ وَإِنَّمَا يَقُولُهُ فِي السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ) أَيْ لِلْفَاتِحَةِ وَكَذَا لِلسُّورَةِ إنْ قَرَأَهَا، وَالْأَوْلَى فِيهَا أَوَائِلُ سُوَرِ التَّسْبِيحِ لِلْمُنَاسَبَةِ فَيَقْرَأُ: الْحَدِيدَ وَالْحَشْرَ وَالصَّفَّ وَالْجُمُعَةَ أَوْ التَّغَابُنَ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا فِي الِاسْمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسُورَةُ الزَّلْزَلَةِ وَالْعَادِيَاتِ وَأَلْهَاكُمْ وَالْإِخْلَاصِ ق ل وم د. عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) . تَنْبِيهٌ: لَوْ سَهَا بِمَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ وَلَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَوْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَدَارَكْهُ وَلَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَفَاتَ كَوْنُهَا صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ، وَيُقَدِّمُ ذِكْرَ كُلِّ رُكْنٍ عَلَى تَسْبِيحِهِ ق ل. وَقَوْلُهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَيْ تَسْبِيحَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَدَارَكْهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَدَارُكُهُ فِيمَا بَعْدَهُ رَحْمَانِيٌّ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَكَ عَشْرَةَ الرُّكُوعِ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهَا وَفَعَلَهَا فِي الِاعْتِدَالِ، بَلْ فِي السُّجُودِ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا وَمَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ رُكْنٍ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهُ وَتَدَارَكَهُ فِيمَا بَعْدَهُ فَتَسْبِيحُ الرُّكُوعِ يَتَدَارَكُ بَعْضَهُ فِي الِاعْتِدَالِ وَبَعْضَهُ فِي السُّجُودِ. وَعِبَارَةُ خ ض: وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الِاعْتِدَالِ تَرَكَ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ حَرُمَ عَلَيْهِ عَوْدُهُ لَهَا وَقَضَاؤُهَا فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَلَا يَطُولُ عَلَى مَا وَرَدَ وَيَقْضِيهَا فِي السُّجُودِ لِاسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِهِ انْتَهَتْ. قَالَ حَجّ: وَيُكَبِّرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ دُونَ الْقِيَامِ مِنْهَا. اهـ. رَحْمَانِيٌّ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) أَيْ التَّوَّابِينَ مِنْ آبَ بِالْمَدِّ إذَا رَجَعَ عَنْ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ أَوْ إلَى التَّوْبَةِ مِنْ الذَّنْبِ ق ل. فَالْمَعْنَى شَدِيدُ الْحِرْصِ عَلَى التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ اهـ.
قَوْلُهُ: (عِشْرُونَ رَكْعَةً) أَيْ غَايَتُهَا ذَلِكَ وَقِيلَ: سِتُّ رَكَعَاتٍ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآتِي فَهُوَ دَلِيلٌ لَهَا عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ وَلَوْ جَمَعَهَا تَأْخِيرًا، وَيَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ إذَا جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. وَتَفُوتُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَتُقْضَى حِينَئِذٍ نَدْبًا اج.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ) هَذَا لَا يُنْتِجُ
стр. 424
لَهُ عِبَادَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» .
وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ.
وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ.
وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ.
وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ.
وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ
وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ.
وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ وَعِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَ مُرُورِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمُدَّعَى.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً وَعِبَارَةُ م ر: وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ عِشْرُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَرُوِيَتْ سِتًّا وَأَرْبَعًا وَرَكْعَتَيْنِ، فَهُمَا أَقَلُّهَا انْتَهَتْ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ هُنَا لِتَصْرِيحِهَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ أَقَلِّهَا وَأَكْثَرِهَا وَأَوْسَطِهَا ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَأْتِيَ بِرِوَايَةِ الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ) أَيْ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ جَازَ، لَكِنْ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ إحْرَامٍ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا بَعْدَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ سُنَّةُ الْوُضُوءِ وَالتَّحِيَّةُ وَالِاسْتِخَارَةُ. وَقَوْلُهُ: (الْإِحْرَامِ) أَيْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ تُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا وَتَكُونُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَقَوْلُهُ: (الطَّوَافِ) أَيْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ) أَيْ عَقِبِ فَرَاغِهِ وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْإِعْرَاضِ وَهَذَا أَقَلُّهَا، وَإِلَّا فَتَحْصُلُ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ التَّحِيَّةُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَمَعَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، سَوَاءٌ نُوِيَتْ أَمْ لَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ بِلَالًا فِيهَا فَقُلْت لَهُ بِمَ سَبَقَتْنِي إلَى الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا إلَّا أَنِّي مَا أَحْدَثْتُ وُضُوءًا إلَّا صَلَّيْتُ عَقِبَهُ رَكْعَتَيْنِ» اهـ خ ض م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَفِيهِ أَيْضًا: وَسُنَّةُ وُضُوءٍ أَيْ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَلَوْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَهُ فِي الْحَالِ فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْ التَّحِيَّةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ الْأُخْرَى وَلَا تَفُوتُ الْمُؤَخَّرَةُ بِالْمُتَقَدِّمَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ قِصَرِ الْفَصْلِ أَوْ لَا يُطْلَبُ الْإِفْرَادُ، بَلْ الْمَطْلُوبُ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ سم وَالْأَخِيرُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا كَانَ مُعْرِضًا عَنْ الْآخَرِ فَيَفُوتُ تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ) سُمِّيَتْ بِمَا يُطْلَبُ بَعْدَهَا مِنْ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مَثَلًا فَيُحْرِمُ بِهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ؛ لِأَنَّهَا لِسَبَبٍ. اهـ. ق ل وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ وَفِي التِّرْمِذِيِّ خَبَرُ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُخْطِهِ بِمَا قَضَى اللَّهُ» وَالِاسْتِخَارَةُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي فِعْلِهِمَا، وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي تَرْكِهِمَا فَانْحَصَرَتْ فِي الْمُبَاحِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ إذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْصُرُ عَلَيْهِ؟ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَتَكُونُ فِي الْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ. وَتَحْرُمُ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ إذَا لَمْ تَطْلُبْ بُطْلَانَهَا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ) أَيْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ عِنْدَ مَخْلُوقٍ وَهِيَ قَبْلَهَا وَتَحْصُلُ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ) أَيْ مِنْ الذَّنْبِ وَلَوْ صَغِيرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَقِبَهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ أَيْ مَنْ يُرِيدُهَا فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ كَمَا قَالَهُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ هَذِهِ تَكُونُ قَبْلَ التَّوْبَةِ؟ وَيُسَنُّ أَيْضًا رَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَتَابَ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ تَوْبَتِهِ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا عَلَى حُصُولِهَا وَطَلَبًا لِقَبُولِهَا وَدَوَامِهَا نَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ. وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: الصَّلَاةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَسِيلَةٌ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالْوَسِيلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَقْصِدِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى التَّوْبَةِ وَاجِبَةٌ فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ وَسِيلَةً كَانَ الْمُصَلِّي شَارِعًا فِيهَا اهـ. قُلْت: فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ التَّوْبَةِ رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا أَمَّا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَهَا وَإِنْ سُنَّتْ، فَلَا يُقَالُ لَهَا صَلَاةُ التَّوْبَةِ. وَفَائِدَةُ التَّوْبَةِ: أَنَّهَا حَيْثُ صَحَّتْ كَفَّرَتْ الذَّنْبَ قَطْعًا فِي الْكُفْرِ وَظَنًّا فِي غَيْرِهِ وَلَوْ كَبِيرَةً، نَعَمْ الصَّغِيرَةُ يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلٍ نَحْوَ وُضُوءٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَمِنْ
стр. 425
بِأَرْضٍ لَمْ يَمُرَّ بِهَا قَطُّ.
وَرَكْعَتَانِ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ.
وَرَكْعَتَانِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ.
وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْقَتْلِ إنْ أَمْكَنَهُ.
وَرَكْعَتَانِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَزُفَّتْ إلَيْهِ، إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ الْوِقَاعِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ السُّنَنِ مَشْهُورَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا شَرْحُ هَذَا الْكِتَابِ
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ مِائَة رَكْعَةٍ وَلَا يُغْتَرُّ بِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ ثُمَّ الضُّحَى ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ غَيْرِ سُنَّةِ الْوُضُوءِ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ وَالتَّحِيَّةِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَوَاءٌ؛ وَالْقِسْمُ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ، نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةُ الْفَرَائِضِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تُسَاوِي الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ قَالَ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
تَأْخِيرِهَا أَيْ التَّوْبَةِ فَتَأْخِيرُ التَّوْبَةِ يَجِبُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا عِنْدَ تَذَكُّرِ الذَّنْبِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَوُجُودُ أَرْكَانِهَا مِنْ النَّدَمِ وَالتَّرْكِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ كَمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ أَوْ لِسَانُهُ وَيُزَادُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ:
بَادِرْ إلَى التَّوْبَةِ فِي وَقْتِهَا ... فَالْمَرْءُ مَرْهُونٌ بِمَا قَدْ جَنَاهُ
وَانْتَهِزْ الْفُرْصَةَ إنْ أَمْكَنَتْ ... مَا فَازَ بِالْكَرْمِ سِوَى مَنْ جَنَاهُ
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ مُرُورِهِ بِأَرْضٍ) عِبَارَةُ م ر وَلِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا. وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَشْمَلُهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ) أَيْ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي أَيْ مَكَان كَانَ لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ لَا لِلتَّخْصِيصِ، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَنْ رَكْعَتَيْ دُخُولِهِ اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَفَرِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصِيرًا فَرَاجِعْهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْقَتْلِ) بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) هَذَا أَعَمُّ مِنْ الْمُدَّعَى وَهُوَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ) أَيْ بِأَنْ قَصَدَ خُصُوصَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَوَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مُطْلَقًا ق ل. وَهِيَ تَنْعَقِدُ إذَا لَا مَانِعَ مِنْ انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الرَّغَائِبِ) جَمْعُ رَغِيبَةٍ كَصَحَائِفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ أَيْ مَرْغُوبٌ فِيهَا أَيْ مَحْبُوبَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ) أَيْ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ رَكْعَةَ وِتْرٍ خَيْرٌ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ الْقَلِيلِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
وَقَوْلُهُ: (لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَهَبُوا إلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَحَمَلُوا قَوْلَهُ حَقٌّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَجِيءُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالْوُجُوبِ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الثُّبُوتِ أَيْ هُوَ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ وَالشَّرْعِ. قَوْلُهُ: (وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) أَيْ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَيْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ. قَالَ م ر: وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ تَفْضِيلُ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفَضِّلُ عَدَدًا قَلِيلًا عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ سُنَّةُ الظُّهْرِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ الْكَثِيرَةِ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَحَاصِلُ التَّفْضِيلِ أَنْ تَقُولَ أَفْضَلُ النَّفْلِ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى، ثُمَّ الْفِطْرُ، ثُمَّ كُسُوفُ الشَّمْسِ، ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، ثُمَّ الْوِتْرُ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الرَّوَاتِبِ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، ثُمَّ الضُّحَى، ثُمَّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ، ثُمَّ التَّحِيَّةُ، ثُمَّ الْإِحْرَامُ، وَقِيلَ: الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، ثُمَّ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ فِي النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سم لَكِنْ فِي فَتَاوَى م ر يَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْبَعْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ كَالْمُقَدِّمَةِ وَتِلْكَ تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ حَقِيقَةً وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ اهـ اج. قَوْلُهُ: (نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةَ الْفَرَائِضِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا أَيْ: عَلَى جِنْسِهَا الصَّادِقِ بِالْمُؤَكَّدِ مِنْهَا
следующие страницы →