Полный текст (1 974 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
تَكُونَ الْخُطْبَةُ فَصِيحَةً جَزْلَةً لَا مُبْتَذَلَةً رَكِيكَةً قَرِيبَةً لِلْفَهْمِ لَا غَرِيبَةً وَحْشِيَّةً إذْ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمُتَوَسِّطَةً لِأَنَّ الطَّوِيلَ يُمِلُّ وَالْقَصِيرَ يُخِلُّ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ: «أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ» فَقَصْرُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْ لَا يَلْتَفِتَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بَلْ يَسْتَمِرَّ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ إلَى فَرَاغِهَا، وَيُسَنُّ لَهُمْ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ مُسْتَمِعِينَ لَهُ، وَأَنْ يَشْغَلَ يُسْرَاهُ بِنَحْوِ سَيْفٍ وَيُمْنَاهُ بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنْ يُقِيمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ مُؤَذِّنٌ وَيُبَادِرَ هُوَ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ فَيَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْقِيقِ الْوَلَاءِ الَّذِي مَرَّ وُجُوبُهُ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الْجُمُعَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ جَهْرًا لِلِاتِّبَاعِ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: كَانَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَهَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ فَهُمَا سُنَّتَانِ.
(وَ) الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الشَّرْطُ السَّابِعُ (أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) بِالْإِجْمَاعِ، وَمَرَّ أَنَّهَا صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ ظُهْرًا
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي خِطْبَتِهِ؛ وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ اهـ م ر.
قَوْلُهُ: (فَصِيحَةً) الْفَصِيحُ الْخَالِصُ مِنْ تَنَافُرِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَالتَّعْقِيدِ وَالْغَرَابَةِ وَالْجَزْلُ الْحَسَنُ أَيْ حُلْوَةَ الْأَلْفَاظِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُبْتَذَلَ يَعْنِي الْكَثِيرَ الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ النَّاسِ لَا يُقَابِلُ الْفَصِيحَ؛ وَأَمَّا الرَّكِيكُ فَتُمْكِنُ مُقَابَلَتُهُ لِلْجَزْلِ لِأَنَّهُ لَا حُسْنَ فِيهِ. اهـ. م د. قَالَ فِي التُّحْفَةِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ نَدْبِ الْبَلَاغَةِ فِيهَا حُسْنُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ مِنْ تَضَمُّنِهَا آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ مُنَاسَبَةٍ لِمَا هُوَ فِيهِ قَوْلُهُ: (قَرِيبَةً لِلْفَهْمِ) أَيْ لِأَكْثَرِ الْحَاضِرِينَ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَمُتَوَسِّطَةً) وَمَنْ عَبَّرَ بِقَصِيرَةٍ كَالْمِنْهَاجِ أَرَادَ التَّوَسُّطَ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَاقْصُرُوا) بِضَمِّ الصَّادِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ اهـ قَوْلُهُ: (مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ) أَيْ إلَى جِهَتِهِمْ، فَلَا يُقَالُ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي فِيمَنْ فِي مُقَابَلَتِهِ لَا مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. وَقَوْلُهُ " وَيُسَنُّ لَهُمْ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَيْهِ " أَيْ عَلَى جِهَتِهِ، فَلَا يَطْلُبُ مِمَّنْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَنْ يَنْحَرِفَ إلَيْهِ ح ل قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَشْغَلَ يُسْرَاهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ شَغَلَ الثُّلَاثِيِّ؛ قَالَ تَعَالَى ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ [الفتح: ١١] أَيْ لَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ مِنْ الْمَزِيدِ، إذْ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَشْغَلُ يُسْرَاهُ بِالسَّيْفِ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُمَرِّقِ بِالْيَمِينِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ يُنَاوِلُهُ لَهُ بِالْيَمِينِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ق ل. وَحِكْمَةُ الِاعْتِمَادِ عَلَى السَّيْفِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِالسِّلَاحِ؛ وَلِهَذَا يُسَنُّ قَبْضُهُ بِالْيُسْرَى عَلَى عَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا تَنَاوُلًا حَتَّى يَكُونَ بِالْيَمِينِ بَلْ هُوَ اسْتِعْمَالٌ وَامْتِهَانٌ بِالِاتِّكَاءِ فَكَانَتْ الْيَسَارُ بِهِ أَلْيَقُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْإِشَارَةِ إلَى الْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ عَبْدُ الْبَرِّ قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: وَيُكْرَهُ الدَّقُّ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ فِي صُعُودِهِ، لَكِنْ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ بِاسْتِحْبَابِ الدَّقِّ لِتَنْبِيهِ الْحَاضِرِينَ قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ سَيْفٍ) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جَعَلَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ أَرْسَلَهُمَا وَالْغَرَضُ أَنْ يَخْشَعَ وَلَا يَعْبَثَ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ) وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُطَوِّلَهُ بِحَيْثُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، فَلَوْ طَالَ بِحَيْثُ انْقَطَعَتْ الْمُوَالَاةُ بَطَلَتْ خُطْبَتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَالَ بَعْضُ الْأَرْكَانِ بِمُنَاسِبٍ لَهُ. اهـ. تُحْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ) وَأَنْ يَقْرَأَهَا أَيْضًا سَوَاءٌ إمَامَ مَحْصُورِينَ وَغَيْرِهِمْ ق ل. وَلَوْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ فِي الْأُولَى قَرَأَهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ قَرَأَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأُولَى قَرَأَ الْجُمُعَةَ فِي الثَّانِيَةِ، كَيْ لَا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْهُمَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، وَقِرَاءَةُ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا إلَّا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَحُكْمُ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ. اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (وَالرُّكْنُ الثَّانِي) الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ أَنْ يَقُولَ: وَالْفَرْضُ الثَّانِي، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ رِعَايَةً لِعِبَارَةِ الْمَتْنِ السَّابِقَةِ قَوْلُهُ: (أَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فِي عَدِّ هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعَدَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي
стр. 667
مَقْصُورَةً.
وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ (أَنْ تَقَعَ فِي الْجَمَاعَةِ) وَلَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إلَّا كَذَلِكَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ إحْرَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِتَصِحَّ لِغَيْرِهِمْ أَوْ لَا؟ اشْتَرَطَ الْبَغَوِيّ ذَلِكَ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي، وَرَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: إنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ مَنْ ذُكِرَ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَعَلَّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَيْ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْمُسَافِرِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْآدَابُ، وَتُسَمَّى هَيْئَاتٌ فَقَالَ: (وَهَيْئَاتُهَا) أَيْ الْحَالَةُ الَّتِي تُطْلَبُ لَهَا وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (أَرْبَعٌ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَكَيْفَ يُعَدُّ شَرْطًا فِي الْجُمُعَةِ؟ وَرَوَى الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُثْنِيَ رِجْلَهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا سَبْعًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَاذَهُ اللَّهُ بِهَا مِنْ السُّوءِ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» . قَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَقُولَ " يَا غَنِيُّ يَا حَمِيدُ يَا مُبْدِئُ يَا مُعِيدُ يَا رَحِيمُ يَا وَدُودُ، أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَبِطَاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ " أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ دَمِيرِيٌّ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى) فَلَوْ نَوَوْا كُلُّهُمْ الْمُفَارَقَةَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ فُرَادَى صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَجُمُعَةُ الْإِمَامِ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ فِيهِ وَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُ صَلَاتِهِمْ عَلَى الصِّحَّةِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَيْ بِتَمَامِهَا بِأَنْ يَسْتَمِرَّ مَعَهُ إلَى السُّجُودِ الثَّانِي، فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً ثُمَّ أَحْدَثَ فَأَتَمَّ كُلٌّ مِنْهُمْ وَحْدَهُ أَجْزَأَتْهُمْ الْجُمُعَةُ؛ نَعَمْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْعَدَدِ إلَى سَلَامِ الْجَمِيعِ، فَمَتَى أَحْدَثَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ لَمْ تَصِحَّ جُمُعَةُ الْبَاقِينَ أَيْ إنْ أَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ اهـ. وَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا صَحَّتْ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ، وَمِثْلُهُ تَرْكُ بَعْضِهِمْ الْقِرَاءَةَ أَوْ الْبَسْمَلَةَ كَمَا يَقَعُ فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ الْمَالِكِيَّةِ؛ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ. وَيُشْكِلُ بِمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُتَطَهِّرًا دُونَ الْمَأْمُومِينَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لَهُ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَحَّتْ لَهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْمَأْمُومَيْنِ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ أُخْرَى؟ فِيهِ نَظَرٌ، قَالَهُ عَمِيرَةُ، وَنَقَلَهُ الرَّحْمَانِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَفِي ق ل عَلَيْهِ: أَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْمُفَارَقَةَ وَيُتِمَّهَا لِنَفْسِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ قَبْلَ سَلَامِ نَفْسِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْآخَرُ وَإِنْ ذَهَبَ الْأَوَّلُونَ إلَى أَمَاكِنِهِمْ وَيَلْزَمُهُمْ إعَادَتُهَا جُمُعَةً إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَظُهْرًا. وَيُلْغِزُ، فَيُقَالُ: شَخْصٌ أَحْدَثَ فِي الْمَسْجِدِ فَبَطَلَتْ صَلَاةُ مَنْ فِي بَيْتِهِ؛ فَتَأَمَّلْ. فَرْعٌ: لَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَأَخَّرَ الْقَضَاءَ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَصَلَّى الْحَاضِرَةَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ أَدْرَكَ جُمُعَةً ثَانِيَةً فِي الْبَلَدِ فَأَرَادَ قَضَاءَ الثَّانِيَةِ مَعَهُمْ فَالظَّاهِرُ امْتِنَاعُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْفَائِتَةَ لَا تَقْضِي جُمُعَةً وَإِنَّمَا يُصَلَّى ظُهْرٌ بَدَلَهَا، وَأَمَّا إعَادَتُهَا فَتُتَصَوَّرُ إذَا تَعَدَّدَتْ لِحَاجَةٍ فِي الْبَلَدِ أَوْ انْتَقَلَ فَاعِلُهَا إلَى بَلَدٍ أُخْرَى عَلَى الْأَوْجَهِ أَيْ فَإِنَّهَا تُعَادُ جُمُعَةً فِي هَذَيْنِ الصُّورَتَيْنِ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِي) مُعْتَمَدُ قَوْلِهِ: (قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ إحْرَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِتَصِحَّ لِغَيْرِهِمْ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ وَهُوَ هَلْ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا تَصِحُّ قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا تَصِحُّ قُلْنَا يُشْتَرَطُ؛ وَهَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، لِأَنَّ تَقَدُّمَ إحْرَامِ الْإِمَامِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ جَوَازُ تَقَدُّمِ إحْرَامِ غَيْرِ الْكَامِلِينَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ عَدَمُ جَوَازِ تَقَدُّمِ إحْرَامِ غَيْرِ الْكَامِلِينَ قَوْلُهُ: (لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الصَّبِيِّ إلَخْ) لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ وَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا خَلْفَهُمْ تَقَدُّمُ إحْرَامِ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ.
[آدَابُ الْجُمُعَةُ]
قَوْلُهُ: (وَهَيْئَاتُهَا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهَا " أَرْبَعٌ " فِي كَلَامِ الْمَتْنِ، وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ خُلُوُّ الْمُبْتَدَإِ
стр. 668
الْأَوَّلُ: (الْغُسْلُ) لِمَرِيدِ حُضُورِهَا وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لِحَدِيثِ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَتُفَارِقُ الْجُمُعَةُ الْعِيدَ حَيْثُ لَمْ يَخْتَصَّ بِمَنْ يَحْضُرُ بِأَنَّ غُسْلَهُ لِلزِّينَةِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، وَهَذَا لِلتَّنْظِيفِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْ النَّاسِ، وَمِثْلُهُ يَأْتِي فِي التَّزْيِينِ وَرُوِيَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَيْ مُتَأَكِّدٌ.
وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ إلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَلَوْ تَعَارَضَ الْغُسْلُ وَالتَّبْكِيرُ فَمُرَاعَاةُ الْغُسْلِ أَوْلَى، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ كَأَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ عَدِمَهُ أَوْ كَانَ جَرِيحًا فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ بِأَنْ يَنْوِيَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَنْ الْخَبَرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا تَقْدِيرُهُ كَثِيرَةٌ قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَالَةُ إلَخْ) دُفِعَ بِهِ مَا قَدْ يُقَالُ إنَّ هَيْئَةَ الشَّيْءِ مَا كَانَتْ مِنْهُ كَهَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا مِنْهَا، وَالْغُسْلُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، بَلْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا؛ فَلِذَا يُفَسِّرُهُ بِقَوْلِهِ " أَيْ الْحَالَةُ إلَخْ " وَاللَّامُ فِيهَا لِلْجِنْسِ فَشَمِلَ الْأَرْبَعَةَ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَيْ الْحَالَاتُ، كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. فَالْمُرَادُ بِالْهَيْئَاتِ هُنَا الْأَحْوَالُ الَّتِي تُطْلَبُ لِأَجْلِهَا فِي يَوْمِهَا أَوْ لَيْلَتِهَا قَوْلُهُ: (لِمُرِيدِ حُضُورِهَا) أَيْ إذَا جَازَ لَهُ الْحُضُورُ فَخَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ الْمَجِيءَ بِغَيْرِ إذْنِ حَلِيلِهَا فَلَا يُنْدَبُ لَهَا الْغُسْلُ، هَكَذَا يُؤْخَذُ مِنْ ح ل. لَكِنْ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّهُ يُسَنُّ الْغُسْلُ مُطْلَقًا حَرُمَ الْحُضُورُ أَوْ لَا. وَعِبَارَةُ أج: قَوْلُهُ (" وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ") ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ الْحُضُورِ كَامْرَأَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ حَلِيلٍ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ. وَأَمَّا الْغُسْلُ فَطَلَبٌ لِلْجَمَاعَةِ اهـ قَوْلُهُ: (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ) أَيْ أَرَادَ مَجِيئَهَا؛ وَقَالَ ﷺ : «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ كَفَّارَةٌ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» . إنْ قُلْتَ: إذَا كَانَ شَخْصٌ مُلَازِمًا لِلْغُسْلِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَأَيْنَ الثَّلَاثَةُ الزَّائِدَةُ؟ قُلْتُ: أُجِيبَ بِأَنَّهُ رُبَّمَا طَرَأَ لَهُ سَفَرٌ أَوْ مَرَضٌ، فَإِنْ لَمْ يَطْرَأْ لَهُ ذَلِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوَابًا جَزِيلًا فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ اهـ، قَرَّرَهُ ح ف. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: حِكْمَةُ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَهِيَ أَيَّامُ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ جُمُعَةٌ دَارَتْ الْأَيَّامُ فَلَا تَنْصَرِفُ عَنْك دَوْرَةُ إلَّا عَنْ طَهَارَةٍ تُحْدِثُهَا فِيهَا إكْرَامًا لِذَلِكَ وَتَقْدِيسًا. وَاخْتُلِفَ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ، فَذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ إلَى وُجُوبِهِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى نَدْبِهِ لِحَدِيثِ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» إلَخْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتُفَارِقُ الْجُمُعَةُ الْعِيدَ) أَيْ غُسْلَ الْعِيدِ اهـ قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ يَأْتِي فِي التَّزْيِينِ) أَيْ فَيُسْتَحَبُّ لِحَاضِرِ الْجُمُعَةِ دُونَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَيُسْتَحَبُّ يَوْمُ الْعِيدِ لِمَنْ يَحْضُرُ صَلَاتَهُ وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ: (أَيْ مُتَأَكِّدٌ) وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ) إلَى صُعُودِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ أَوْ فَرَاغِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: (وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ أَفْضَى إلَى الْغَرَضِ مِنْ التَّنْظِيفِ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِجَسَدِهِ عَرَقٌ كَثِيرٌ وَرِيحٌ كَرِيهٌ أَخَّرَ وَإِلَّا بَكَّرَ قَوْلُهُ: (فَمُرَاعَاةُ الْغُسْلِ أَوْلَى) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ وَلِتَعَدِّي نَفْعِهِ لِلْغَيْرِ، بِخِلَافِ التَّبْكِيرِ؛ وَلَا يُبْطِلُهُ حَدَثٌ وَلَا جَنَابَةٌ سم قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ) أَيْ مَاءِ الْغُسْلِ أَخْذًا مِنْ تَصْوِيرِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هَذَا إنْ وَجَدَ مَاءً لِوُضُوئِهِ، فَإِنْ فَقَدْ الْمَاءَ بِالْكُلِّيَّةِ سُنَّ لَهُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ عَنْ حَدَثِهِ تَيَمُّمٌ عَنْ الْغُسْلِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ عَدِمَهُ) صَوَّرَهُ بِمَا ذَكَرَ لِيَكُونَ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ فَقَطْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " أَوْ كَانَ جَرِيحًا فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ " فَيَكُونُ الْعَجْزُ عَنْ الْمَاءِ حِسًّا أَوْ شَرْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْغُسْلِ فَقَطْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ، وَإِنَّمَا صَوَّرَهُ بِمَا ذَكَرَ لِيَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَيَمُّمًا وَاحِدًا عَنْ الْغُسْلِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً لِوُضُوئِهِ أَيْضًا وَأَرَادَ التَّيَمُّمَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ وَأَرَادَ غُسْلًا مَسْنُونًا فَإِنَّهُ يَكْفِيه تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ بِنِيَّتِهِمَا. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا بِأَنَّ التَّيَمُّمَ فِي هَذِهِ بَدَلٌ عَنْ غُسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَيَدُلُّ عَنْ غُسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَافْتَرَقَا. وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمَيْنِ اسْتَظْهَرَهُ أج وَنَقَلَهُ عَنْ إفْتَاءِ م ر.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ) أَيْ لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْوُضُوءِ قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الْغُسْلِ) أَيْ بَدَلًا عَنْهُ قَوْلُهُ: (عَنْ غُسْلِ
стр. 669
التَّيَمُّمَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ إحْرَازًا لِلْفَضِيلَةِ كَسَائِرِ الْأَغْسَالِ.
(وَ) الثَّانِي (تَنْظِيفُ الْجَسَدِ) مِنْ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ كَالصُّنَانِ لِأَنَّهُ يَتَأَذَّى بِهِ فَيُزَالُ بِالْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ، وَمَنْ طَابَ رِيحُهُ زَادَ عَقْلُهُ
وَيُسَنُّ السِّوَاكُ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تَخْتَصُّ بِالْجُمُعَةِ بَلْ تُسَنُّ لِكُلِّ حَاضِرٍ بِمَجْمَعٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ لَكِنَّهَا فِي الْجُمُعَةِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا.
(وَ) الثَّالِثُ (أَخْذُ الظُّفْرِ) إنْ طَالَ وَالشَّعْرُ كَذَلِكَ فَيَنْتِفُ إبْطَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْحَلْقِ الْقَصُّ وَالنَّتْفُ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَنْتِفُ عَانَتَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ عِنْدَ أَمْرِ الزَّوْجِ لَهَا بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ تَفَاحَشَ وَجَبَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْجُمُعَةِ) أَيْ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ
قَوْلُهُ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مَطْلُوبٌ إرْشَادًا. وَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ " وَمَنْ طَابَ رِيحُهُ إلَخْ " أَوْ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَظَافَةَ الثَّوْبِ تَقْتَضِي نَظَافَةَ الْبَدَنِ غَالِبًا قَوْلُهُ: (قَلَّ هَمُّهُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْهَمَّ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّوْمُ وَالْغَمُّ يَنْشَأُ عَنْهُ عَدَمُهُ قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ السِّوَاكُ) هُوَ مِثْلُ تَنْظِيفِ الْجَسَدِ فَلِذَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَقَوْلُهُ (" وَهَذِهِ الْأُمُورُ ") أَيْ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَخْذُ الظُّفْرِ) أَيْ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَمَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ. وَكَيْفِيَّةُ إزَالَةِ الظُّفْرِ فِي الرِّجْلَيْنِ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى كَالتَّخْلِيلِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي الْيَدَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ أَنْ يَبْدَأَ بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِسَبَّابَةِ الْيُسْرَى وَيَجْعَلَ إبْهَامَ كُلِّ يَدٍ مُتَّصِلًا بِهَا أَيْ بِالسَّبَّابَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَبْدَأُ فِي الْيُمْنَى بِالْخِنْصَرِ ثُمَّ فِي الْيُسْرَى بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْإِبْهَامِ ثُمَّ بِالْبِنْصِرِ ثُمَّ بِالسَّبَّابَةِ عَلَى تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ يَمِينُهَا خَوَابِسُ وَيَسَارُهَا أوخسب. قَالُوا: وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ تَمْنَعُ مُلَازَمَتُهَا مِنْ الرَّمَدِ، وَقَدْ جُرِّبَ. وَلَيْسَ لِأَخْذِهِ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَكَذَا أَخْذُ الشَّعْرِ الْمَذْكُورِ. «وَكَانَ ﷺ يَقُصُّ أَظْفَارَهُ كُلَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» . وَقَدْ نَظَّمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ يَوْمَ السَّبْتِ آكِلَةٌ ... تَبْدُو وَفِيمَا يَلِيهِ تَذْهَبُ الْبَرَكَهْ
وَعَالِمٌ فَاضِلٌ يَبْدُو بِتِلْوِهِمَا ... وَإِنْ يَكُنْ بِالثَّلَاثِ فَاحْذَرْ الْهَلَكَهْ
وَيُورِثُ السَّوْءَ فِي الْأَخْلَاقِ رَابِعُهَا ... وَفِي الْخَمِيسِ الْغِنَى يَأْتِي لِمَنْ سَلَكَهْ
وَالْعِلْمُ وَالْحِلْمُ زِيدَا فِي عُرُوبَتِهَا ... عَنْ النَّبِيِّ رَوَيْنَا فَاقْتَفُوا نُسُكَهْ
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ يُسْتَحَبُّ دَفْنُ الْأَظْفَارِ. وَرُوِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَأْمُرُ بِدَفْنِ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ» ، وَذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْعَلْقَمِيُّ. قَالَ فِي التُّحْفَةِ: وَيَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ بِغَسْلِ مَحَلِّ الْقَلْمِ لِأَنَّ الْحَكَّ بِهِ قَبْلَهُ يُخْشَى مِنْهُ الْبَرَصُ وَيُسَنُّ فِعْلُ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ بُكْرَةَ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْتِفُ إبْطَهُ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ» . قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: يُسْتَحَبُّ قَلْمُ الْأَظْفَارِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَحَلْقُ الْعَانَةِ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ م ر: وَهَذَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مُوَقَّتٌ بِطُولِهَا عَادَةً وَيَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَيَقُصُّ شَارِبَهُ) أَيْ حَتَّى تَبْدُوَ حُمْرَةُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْإِحْفَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ، وَيُكْرَهُ اسْتِئْصَالُهُ وَحَلْقُهُ وَنُوزِعَ فِي الْحَلْقِ لِصِحَّةِ وُرُودِهِ؛ وَلِذَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى مَا قِيلَ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا جَوَابُنَا عَنْ خَبَرِ الْحَلْقِ؟ قُلْتُ: هِيَ وَاقِعَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُصُّ مَا يُمْكِنُهُ قَصُّهُ وَيَحْلِقُ مَا لَا يَتَيَسَّرُ قَصُّهُ مِنْ مَعَاطِفِهِ الَّتِي يَعْسُرُ قَصُّهَا. وَأَشَارَ إلَى هَذَا الْجَمْعِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ إذْ بِهِ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ عَلَى قَوَاعِدِنَا فَلْيَتَعَيَّنْ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ وَاجِبٌ. وَكَرِهَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ نَتْفَ الْأَنْفِ، قَالَ: بَلْ نَقُصُّهُ لِحَدِيثٍ فِيهِ. قِيلَ: فِي حَدِيثٍ: «إنَّ فِي إبْقَائِهِ أَمَانًا مِنْ الْجُذَامِ» اهـ أج قَوْلُهُ: (وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ) أَيْ أَوْ يَنْتِفُهَا؛ لَكِنَّ الْحَلْقَ أَوْلَى لِلرَّجُلِ وَالنَّتْفَ أَوْلَى لِلْمَرْأَةِ لِمَا قِيلَ إنَّ الْحَلْقَ يُقَوِّي الشَّهْوَةَ، فَالرَّجُلُ أَوْلَى
стр. 670
قَطْعًا، وَالْعَانَةُ الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوَالَيْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا حَلْقُ الرَّأْسِ فَلَا يُنْدَبُ إلَّا فِي النُّسُكِ، وَفِي الْمَوْلُودِ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ، وَفِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مُبَاحٌ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَتَزَيَّنُ الذَّكَرُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ إنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ يُكْرَهُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى (وَ) رَابِعُهَا (الطِّيبُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ وَالتَّزَيُّنُ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ لِحَدِيثِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إذَا كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ثُمَّ صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا» وَأَفْضَلُ ثِيَابِهِ الْبِيضُ لِخَبَرِ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِهِ وَالنَّتْفَ يُضْعِفُهَا فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى بِهِ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ قَطْعًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عِنْدَ أَمْرِ الزَّوْجِ لَهَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (وَالْعَانَةُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مَا حَوَالَيْ الدُّبُرِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَانَةً فَرَاجِعْهُ ق ل قَوْلُهُ: (أَمَّا حَلْقُ الرَّأْسِ إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ تَارَةً يُسَنُّ، وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي النُّسُكِ، وَسَابِعِ الْوِلَادَةِ، وَكَافِرٍ أَسْلَمَ، وَتَارَةً يُكْرَهُ وَذَلِكَ لِلْمُضَحِّي فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَتَارَةً يُبَاحُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ فَاحْفَظْهُ. وَخَرَجَ بِالْحَلْقِ الْقَزَعُ بِقَافٍ ثُمَّ زَايٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَلَوْ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (فَلَا يُنْدَبُ إلَّا فِي النُّسُكِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي النُّسُكِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ سُنَّةً. وَيُجَابُ بِأَنَّ السُّنَّةَ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ وَأَمَّا الرُّكْنُ فَهُوَ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مُبَاحٌ) أَيْ إلَّا إنْ تَأَذَّى بِبَقَاءِ شَعْرِهِ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ تَعَهُّدُهُ فَيُنْدَبُ، وَخَبَرُ: «مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ أَرْبِعَاءَ صَارَ فَقِيهًا» ، لَا أَصْلَ لَهُ،. اهـ. ابْنُ حَجَرٍ. قَالَ م ر: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ دَفْنُ مَا يُزِيلُهُ مِنْ ظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَدَمٍ اهـ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِغَيْرِ ظُفْرِ عَوْرَةٍ وَشَعْرِهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْهَا كَعَانَةِ الرَّجُلِ وَظُفْرٍ وَشَعْرِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى فَيَنْبَغِي وُجُوبُ السِّتْرِ لِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ؛ لَكِنْ هَلْ يُكْتَفَى بِإِلْقَائِهَا فِي الْأَخْلِيَةِ لِوُجُودِ السِّتْرِ أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ: (فَهُوَ مُبَاحٌ) وَهُوَ بِدْعَةٌ وَقَدْ يُنْدَبُ وَقَدْ يَجِبُ لِنَحْوِ تَأَذٍّ بِبَقَائِهِ؛. اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) هَذَا صَرِيحٌ فِي اسْتِثْنَاءِ الْجُمُعَةِ الْوَاقِعَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ إذْ لَا تَخْلُو عَنْهَا ضَرُورَةً. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قَدَّمَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ الطَّلَبِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: أَجَابَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ: مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْمُخَصِّصِ لِمَا وَرَدَ مِنْ الطَّلَبِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا مَا وَرَدَ مِنْ عُمُومِ الطَّلَبِ كُلَّ جُمُعَةٍ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ تَقَعُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. عَلَى أَنَّ الْعَشْرَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْعَامِ حَتَّى يُضَحِّيَ، اهـ أج. قَوْلُهُ: (وَالطِّيبُ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا أَوْ مُحْرِمًا وَإِلَّا فَيُكْرَهُ لِلْأَوَّلِ وَيَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي، وَهَذَا فِي حَقِّ الذَّكَرِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى فَيُكْرَهُ لَهُمَا الطِّيبُ وَالزِّينَةُ وَمَفَاخِرُ الثِّيَابِ عِنْدَ إرَادَتِهِمَا حُضُورَهَا، نَعَمْ يُسَنُّ لَهُمَا قَطْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ. اهـ. ز ي. وَأَفْضَلُ الطِّيبِ الْمِسْكُ قَوْلُهُ: (الْبَسُوا) مِنْ لَبِسَ مِنْ بَابِ عَلِمَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا﴾ [الكهف: ٣١] إلَخْ وَأَمَّا فِي الْمَعَانِي فَمِنْ بَابِ ضَرَبَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: ٩] إلَخْ. وَقَوْلُهُ (" الْبَيَاضَ ") أَيْ ذَا الْبَيَاضِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْنًى وَالْمَعْنَى لَا يُلْبَسُ. قَالَ أج: وَأَنْ تَكُونَ جَدِيدَةً. وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَحْثًا بِغَيْرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَالْوَحْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ خُشِيَ تَلْوِيثُهُمَا وَفِي الْمَجْمُوعِ: الْأَوْلَى تَرْكُ لُبْسِ السَّوَادِ مَا لَمْ يَخْشَ مُفْسِدَةً بَلْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى لُبْسِهِ بِدْعَةٌ. فَإِنْ قُلْتُ: صَحَّ «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ، «وَأَنَّهُ خَطَبَ بِالنَّاسِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» ، «وَأَنَّهُ ﷺ عَمَّمَ عَلِيًّا بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْسَلَهُ إلَى خَيْبَرَ؛ وَنُقِلَ لُبْسُ السَّوَادِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ» وَالتَّابِعِينَ؟ قُلْتُ: هَذِهِ كُلُّهَا وَقَائِعُ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ، فَقُدِّمَ الْقَوْلُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِلُبْسِ الْبَيَاضِ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لُبْسُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَلْ فِي نَحْوِ الْحَرْبِ، لِأَنَّهُ أَرْهَبُ، وَفِي لُبْسِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ مِلَّتَهُ لَا تَتَغَيَّرُ إذْ كُلُّ لَوْنٍ غَيْرُهُ يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ اهـ.
стр. 671
ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» ، وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَالْعِمَّةِ وَالِارْتِدَاءِ لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِكُلِّ سَامِعٍ لِلْخُطْبَةِ (الْإِنْصَاتُ) إلَى الْإِمَامِ (فِي وَقْتِ) قِرَاءَةِ (الْخُطْبَةِ) الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَقَدْ مَرَّ دَلِيلُ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، لِأَنَّهُ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» أَيْ تَأَخَّرْت وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ مِنْهَا: الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمِنْبَرَ أَوْ الْمِحْرَابَ إلَّا بِالتَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ لَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا إذَا وَجَدَ فِي الصُّفُوفِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً لَمْ يَبْلُغْهَا إلَّا بِتَخَطِّي رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ إلَخْ) وَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ بَلْ يَجُوزُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتِ الْخُطْبَةِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّبْكِيرُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ قِرَاءَةِ الْخُطْبَةِ) خَرَجَ بِهِ حَالَ صُعُودِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَوْلُهُ: (وَقَدْ مَرَّ دَلِيلُ ذَلِكَ) هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] إلَخْ قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ) أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَوْلُهُ: (رِقَابَ النَّاسِ) أَيْ قَرِيبًا مِنْهَا وَهُوَ الْمَنَاكِبُ. وَالْمُرَادُ بِالرِّقَابِ الْجِنْسُ فَيُكْرَهُ تَخَطِّي رَقَبَةٍ أَوْ رَقَبَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ ح ل. وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالرِّقَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّخَطِّي أَنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ بِحَيْثُ يُحَاذِي فِي تَخَطِّيهِ أَعْلَى مَنْكِبَ الْجَالِسِ، وَعَلَيْهِ فَمَا يَقَعُ مِنْ الْمُرُورِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَصِلَ إلَى نَحْوِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَثَلًا لَيْسَ مِنْ التَّخَطِّي بَلْ مِنْ خَرْقِ الصُّفُوفِ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فُرَجٌ فِي الصُّفُوفِ يَمْشِي فِيهَا. وَمِنْ التَّخَطِّي الْمَكْرُوهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّخَطِّي لِتَفْرِقَةِ الْأَجْزَاءِ أَوْ تَبْخِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ سَقْيِ الْمَاءِ أَوْ السُّؤَالِ لِمَنْ يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْكَرَاهَةُ مِنْ حَيْثُ التَّخَطِّي كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُولُ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فَلَا كَرَاهَةَ فِي جُلُوسِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَكَان أَقْرَبَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] فَالْمُرَادُ الْإِيثَارُ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ اهـ، مَرْحُومِيٌّ. نَعَمْ إنْ آثَرَ قَارِئًا أَوْ عَالِمًا لِيُعَلِّمَ الْإِمَامَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إذَا غَلِطَ فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لِكَوْنِهِ
مُصْلِحَةً
عَامَّةً اهـ شَرْحُ م ر قَوْلُهُ: «فَقَدْ آذَيْتَ» أَيْ النَّاسَ بِتَخَطِّيكَ. وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْحُرْمَةِ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ هُنَا لِغَرَضٍ.
قَوْلُهُ: (وَآنَيْتَ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ أَيْ أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ وَأَبْطَأْتَ قَوْلُهُ: (الْإِمَامُ) وَكَالْإِمَامِ الرَّجُلُ الْمُعَظَّمُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ لِصَلَاحٍ أَوْ وِلَايَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَيُسَرُّونَ بِتَخَطِّيهِ سَوَاءٌ أَلِفَ مَوْضِعًا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظَّمًا لَمْ يَتَخَطَّ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَحَلٌّ مَأْلُوفٌ وَكَالْإِمَامِ مَنْ جَلَسَ فِي مَمَرِّ النَّاسِ فَلَا يُكْرَهُ تَخَطِّيهِ، وَكَذَا لَوْ سَبَقَ مِنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ كَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ إلَى الْجَامِعِ؛ وَتَوَقَّفَ سَمَاعُ أَرْكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ عَلَى تَخَطِّي الْكَامِلِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ التَّخَطِّي بَلْ قَدْ يَجِبُ إقَامَتُهُمْ مِنْ مَحَلِّهِمْ إذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَبِهِ يُقَيَّدُ قَوْلُهُمْ " إذَا سَبَقَ الصَّبِيُّ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا يُقَامُ مِنْ مَحَلِّهِ ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّخَطِّي يُوجَدُ فِيهِ سِتَّةُ أَحْكَامٍ، فَيَجِبُ إنْ تَوَقَّفَ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ مَعَ التَّأَذِّي، وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِ الْفُرْجَةِ أَمَامَهُ، وَيُنْدَبُ فِي الْفُرْجَةِ الْقَرِيبَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا وَفِي الْبَعِيدَةِ لِمَنْ لَا يَرْجُو سَدَّهَا وَلَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا؛ وَخِلَافُ الْأَوْلَى فِي الْقَرِيبَةِ لِمَنْ وَجَدَ مَوْضِعًا وَفِي الْبَعِيدَةِ لِمَنْ رَجَا سَدَّهَا وَوَجَدَ مَوْضِعًا، وَيُبَاحُ فِي هَذِهِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا كَمَا ذَكَرَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: (فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ وَكَسْرِهَا وَهِيَ الْخَلَاءُ الظَّاهِرُ؛ وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: وَهِيَ خَلَاءٌ ظَاهِرٌ أَقَلُّهُ مَا يَسَعُ وَاقِفًا؛ وَخَرَجَ بِهَا السَّعَةُ فَلَا يَتَخَطَّى إلَيْهَا مُطْلَقًا اهـ. وَحَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ فُرْجَةً لَا يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً رَجَا تَقَدُّمَ أَحَدٍ إلَيْهَا أَمْ لَا. وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ تَرْكِهِ فَإِذَا وَجَدَ مَوْضِعًا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ رَجَا انْسِدَادَهَا فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا اهـ قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ. وَقَوْلُهُ: " وَإِلَّا فَإِنْ رَجَا انْسِدَادَهَا " فَكَذَلِكَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا يَكُونُ مَعْذُورًا وَلَا بُدَّ فَمَاذَا يَفْعَلُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِتَخَطِّي رَجُلٍ) أَيْ صَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ كَمَا صَوَّبَهُ ق ل، وَعِبَارَتُهُ: صَوَابُهُ صَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَخَطِّي رَجُلٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَحَدِ جَانِبَيْهِ فُرْجَةٌ فَالْمُرُورُ مِنْهَا لَيْسَ مِنْ
стр. 672
ذَلِكَ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا لِتَقْصِيرِ الْقَوْمِ بِإِخْلَاءِ فُرْجَةٍ، لَكِنْ يُسَنُّ إذَا وَجَدَ غَيْرَهَا أَنْ لَا يَتَخَطَّى، فَإِنْ زَادَ فِي التَّخَطِّي عَلَيْهِمَا وَلَوْ مِنْ صَفٍّ وَاحِدٍ وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا إلَى الْفُرْجَةِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ كُرِهَ لِكَثْرَةِ الْأَذَى وَمِنْهَا إذَا سَبَقَ الصِّبْيَانُ أَوْ الْعَبِيدُ أَوْ غَيْرُ الْمُسْتَوْطِنِينَ إلَى الْجَامِعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكَامِلِينَ إذَا حَضَرُوا التَّخَطِّي لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ إذَا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَهَا مَعَ الْبُعْدِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: «مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، أَمَّا يَوْمُهَا فَلِرَجَاءِ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ» قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ سَاعَةَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
التَّخَطِّي ق ل. وَلَيْسَ كَمَا ذُكِرَ، بَلْ الْمُرَادُ الرَّجُلُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ صَفٍّ أَوْ الرَّجُلَانِ وَلَوْ مِنْ صَفَّيْنِ كَمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ. وَمِثَالُ تَخَطِّي الرَّجُلِ فَقَطْ مَا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الصَّفِّ بِجَنْبِ الْحَائِطِ قَوْلُهُ: (بِإِخْلَاءِ فُرْجَةٍ) لَوْ قَالَ بِإِخْلَائِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَقَامَ لِلْإِضْمَارِ قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُسَنُّ) فَالتَّخَطِّي خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَادَ فِي التَّخَطِّي إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَتُفَارِقُ إبَاحَةَ التَّخَطِّي حَيْثُ قُيِّدَتْ بِمَا ذُكِرَ إبَاحَةُ خَرْقِ الصُّفُوفِ حَيْثُ لَمْ تَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ بِأَنَّ فِي تَرْكِ خَرْقِهَا إدْخَالًا لِلنَّقْصِ عَلَى صَلَاتِهِ وَصَلَاتِهِمْ، بِخِلَافِ تَخَطِّي الرِّقَابِ فَإِنَّهُ إذَا صَبَرَ تَقَدَّمُوا عِنْدَ إقَامَةِ الصُّفُوفِ وَتَسْوِيَتِهَا لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِتَسْوِيَتِهَا كَمَا فَعَلَ ﷺ . اهـ. مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ صَفٍّ) ذِكْرُ الْغَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ السَّابِقِ، وَقَدْ عَلِمْتَ رَدَّهُ. وَيُتَصَوَّرُ قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ صَفِّ وَاحِدٍ، بِمَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَاسْتَدَارُوا حَوْلَهَا فَإِنَّ الدَّائِرَةَ بِتَمَامِهَا صَفٌّ وَاحِدٌ وَحِينَئِذٍ فَيُتَصَوَّرُ التَّخَطِّي أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ صَفٍّ وَاحِدٍ، فَتَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَا أَنْ يَتَقَدَّمُوا) فَإِنْ لَمْ يَرْجُ سَدَّهَا فَلَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي وَلَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ قَوْلُهُ: (كُرِهَ) أَيْ إنْ وَجَدَ غَيْرَهَا أَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً ق ل قَوْلُهُ: (إذَا كَانُوا لَا يَسْمَعُونَهَا) أَيْ أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي مَكَانِهِ لِيَقُومَ عَنْهُ إذَا قَدِمَ هُوَ وَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَةُ فُرُشِ مَنْ بَعَثَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ وَالْجُلُوسُ فِي مَحَلِّهِ، لَكِنَّهُ إنْ رَفَعَهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ. نَعَمْ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ فَرْشِ السَّجَّادَاتِ بِالرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْفَجْرِ أَوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ حُضُورِ أَصْحَابِهَا مَعَ تَأَخُّرِهِمْ إلَى الْخُطْبَةِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا لَا بُعْدَ فِي كَرَاهَتِهِ بَلْ يُقَالُ بِتَحْرِيمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْجِيرِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِحُصُولِ ضَرَرٍ لِمَنْ نَحَّاهَا وَجَلَسَ فِي مَكَانِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حُرْمَةُ صَوْمِ الْمَرْأَةِ مَعَ حُضُورِ حَلِيلِهَا وَإِنْ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهُ يَهَابُ قَطْعَ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ مَنْ بَعَثَ مَنْ يَقْعُدُ لَهُ لِأَنَّ الْجَالِسَ بِهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ إحْيَاءُ الْبُقْعَةِ اهـ شَرْحُ م ر أج.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ شَذَّ فَكَرِهَ ذِكْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ، وَحِكْمَةُ تَخْصِيصِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يُشْبِهُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْلَتُهَا) وَقِرَاءَتُهَا فِي الْيَوْمِ أَفْضَلُ مِنْ اللَّيْلِ وَفِي أَوَّلِهِ أَفْضَلُ مِنْ آخِرِهِ مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ مَا أَمْكَنَ. وَسُئِلَ الشَّمْسُ م ر عَمَّنْ قَرَأَ نِصْفَ الْكَهْفِ لَيْلًا وَنِصْفَهَا نَهَارًا: هَلْ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ أَوْ لَا؟ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ الثَّوَابِ اهـ مِنْ الْفَتَاوَى. وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَتِهَا، وَأَقَلُّ الْإِكْثَارِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ؛ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْعَشْرِ آيَاتِ أَوَّلَهَا أَمِنَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» قَوْلُهُ: «أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ» إلَخْ كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ أَوْ حُصُولِ الثَّوَابِ مَجَازًا ق ل قَوْلُهُ: (الْبَيْتُ الْعَتِيقُ) إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَعْبَةُ لَزِمَ زِيَادَةُ النُّورِ مَعَ زِيَادَةِ الْبُعْدِ عَنْهُ. قِيلَ: وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. وَقِيلَ: الْأَقْرَبُ أَعْظَمُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَرَاجِعْهُ ق ل. وَقَوْلُهُ: " الْبَيْتُ الْعَتِيقُ أَيْ الْكَعْبَةُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ عَتِيقًا لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهَا مِنْ الْجَبَابِرَةِ أَوْ مَعْنَاهُ الْقَدِيمُ أَوْ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهَا مِنْ الْغَرَقِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ إلَخْ) أَيْ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ فِي
стр. 673
الْإِجَابَةِ مُسْتَغْرِقَةٌ لِمَا بَيْنَ الْجُلُوسِ وَآخِرِ الصَّلَاةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ فَإِنَّهَا لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِهِ إيَّاهَا «وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» وَأَمَّا لَيْلَتُهَا فَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: بَلَغَنِي أَنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَلِلْقِيَاسِ عَلَى يَوْمِهَا.
وَيُسَنُّ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ وَفِعْلُ الْخَيْرِ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا، وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا لِخَبَرِ: «إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» وَخَبَرِ «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
ابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ، وَلَا يُعَارِضُ خَبَرَ: «الْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ» فَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُنْتَقِلَةٌ تَكُونُ يَوْمًا فِي وَقْتٍ وَيَوْمًا فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ الْخُطْبَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْبُلْدَانِ بَلْ الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُبْهَمَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَقَدْ يُصَادِفُهَا أَهْلُ مَحَلٍّ دُونَ غَيْرِهِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ سم: لَا يَخْفَى أَنَّ وَقْتَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْخُطَبَاءِ لِاخْتِلَافِ وَقْتِ الْخُطْبَةِ بِاخْتِلَافِ الْخُطَبَاءِ، بَلْ يَخْتَلِفُ فِي حَقِّ الْخَطِيبِ الْوَاحِدِ إذْ قَدْ يَتَقَدَّمُ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ وَيَتَأَخَّرُ فِي بَعْضٍ، فَهَلْ تِلْكَ السَّاعَةُ مُتَعَدِّدَةٌ فَهِيَ فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ مَا بَيْنَ جُلُوسِهِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ وَتَخْتَلِفُ فِي حَقِّ الْخَطِيبِ الْوَاحِدِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ التَّعَدُّدُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا ابْنَ حَجَرٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي ذَلِكَ مُنْذُ سِنِينَ حَتَّى رَأَيْتُ النَّاشِرِيَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ جَمَاعَةٍ غَيْرِهَا فِي حَقِّ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ. وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي حَقِّ كُلِّ خَطِيبٍ وَسَامِعِيهِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ كَمَا صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ، فَلَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِيهِ. وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ تَنْتَقِلُ، فَقَدْ يُصَادِفُهَا أَهْلُ مَحَلٍّ وَلَا يُصَادِفُهَا أَهْلُ مَحَلٍّ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَدْعُو حَالَ التَّلَبُّسِ بِالْخُطْبَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُهُ بِالْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ. وَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الدُّعَاءِ التَّلَفُّظُ بَلْ اسْتِحْضَارُ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ كَافٍ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الْخُطْبَةَ أَوْ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَالصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ؛ وَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ أَظْهَرُ اهـ أج قَوْلُهُ: (بَلَغَنِي) أَيْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ
قَوْلُهُ: (وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وَأَقَلُّ الْإِكْثَارِ مِنْهَا ثَلَثُمِائَةِ مَرَّةٍ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي خُصُوصِيَّةِ الْإِكْثَارِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا؟ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيِّدُ الْأَنَامِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ فَلِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، مَعَ حِكْمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ نَالَتْهُ أُمَّتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّمَا نَالَتْهُ عَلَى يَدِهِ ﷺ ، فَجَمَعَ اللَّهُ لِأُمَّتِهِ بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعْظَمُ كَرَامَةٍ تَحْصُلُ لَهُمْ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ لَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ فِيهِ بَعْثَهُمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَقُصُورِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْمَزِيدِ لَهُمْ إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ وَهُوَ عِيدٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمٌ يُسْعِفُهُمْ اللَّهُ فِيهِ بِطَلَبَاتِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ وَلَا يَرُدُّ سَائِلَهُمْ؛ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا عَرَفُوهُ وَحَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ وَعَلَى يَدِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَيْلَتِهِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا أَمَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا فَيَسْمَعُهَا أَيْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ اهـ. قُلْتُ: وَكَوْنُهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، أَيْ فَيَسْمَعُهَا وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ: إنَّهُ ﷺ يَحْضُرُ مَجَالِسَ الذِّكْرِ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ اجْتَمَعَ بِهِ، فَهُوَ ﷺ رُوحُ جَسَدِ الْكَوْنَيْنِ اهـ أج. وَقَالَ السِّمِلَّاوِيُّ فِي شَرْحِ الْفَضَائِلِ: وَقَدْ يَسْمَعُ ﷺ صَلَاةَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأُذُنَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي أَقْصَى الْأَرْضِ، وَفِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ يَسْمَعُ صَلَاةَ مَنْ أَخْلَصَ فِي مَحَبَّتِهِ وَتُبَلِّغُهُ الْمَلَائِكَةُ صَلَاةَ غَيْرِهِ؛ قَالَهُ ق ل اهـ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ نَقْلًا عَنْ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْمَعُ صَلَاةَ الْقَرِيبِ مِنْهُ قُرْبًا عَادِيًا بِأَنْ كَانَ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ
стр. 674
صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُ ثَمَانِينَ سَنَةً» وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْآذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ حَالَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَوَرَدَ النَّصُّ فِي الْبَيْعِ وَقِيسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنْ بَاعَ صَحَّ بَيْعُهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ الْعَقْدِ وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْأَذَانِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِدُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ
(وَمَنْ دَخَلَ) لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَالْإِمَامُ) يَقْرَأُ (فِي الْخُطْبَةِ) الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ أَوْ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَهُمَا (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِحَيْثُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَسَمِعَ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُبَلِّغُهُ الْمَلَكُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا أَخْلَصَ فِي مَحَبَّتِهِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قَالَ الْحُفَّاظُ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ ق ل وَمَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ) وَحُرْمَةُ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ، أَمَّا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَامَ قَاصِدًا الْجُمُعَةَ فَبَاعَ فِي طَرِيقِهِ أَوْ قَعَدَ فِي الْجَامِعِ وَبَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَاعَ صَحَّ بَيْعُهُ) وَلَوْ تَبَايَعَ اثْنَانِ مَنْ تَلْزَمُهُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ أَثِمَا، كَمَا لَوْ لَعِبَ شَافِعِيٌّ مَعَ حَنَفِيٍّ الشِّطْرَنْجَ وَمَحَلُّهُ فِي شِرَاءِ مَا لَا يَحْتَاجُهُ لِعِبَادَتِهِ، أَمَّا مَا يَحْتَاجُهُ كَشِرَاءِ مَاءِ طُهْرِهِ وَسُتْرَتِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَمَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةُ الطِّفْلِ وَالْمَرِيضِ مِنْ شِرَاءِ دَوَاءٍ أَوْ طَعَامٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَعْصِي الْوَلِيُّ وَالْبَائِعُ إذَا كَانَا يُدْرِكَانِ الْجُمُعَةَ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلَوْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ كَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَبَيْعِهِ مَا يَأْكُلُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالْأَقْرَبُ حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ مَنْزِلُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَكَالِاشْتِغَالِ بِالْبَيْعِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِيَادَةِ وَالْكِتَابَةِ. وَالْأَوْجَهُ أَنَّ وَلِيَّ الطِّفْلِ إذَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَهُنَاكَ مُشْتَرِيَانِ مَنْ تَلْزَمُهُ يَشْتَرِي بِدِينَارٍ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ فَإِنَّهُ يَبِيعُ لِلثَّانِي لِئَلَّا يُوقِعَ الْأَوَّلَ فِي مَعْصِيَةٍ شَرْحُ م ر مُلَخَّصًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ الْعَقْدِ) وَهُوَ التَّشَاغُلُ عَنْ صَلَاتِهَا قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْأَذَانِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ الزَّوَالِ) وَاسْتَثْنَى الْإِسْنَوِيُّ مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ مَكَّةَ مِمَّا يَفْحُشُ فِيهِ التَّأْخِيرُ فَلَا كَرَاهَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ قَوْلُهُ: (لِدُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ) قَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَنْ لَا يَلْزَمُهُ السَّعْيُ حِينَئِذٍ وَإِلَّا حَرُمَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ السَّعْيِ وَلَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ دَخَلَ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ جَالِسًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُومَ يُصَلِّيَ إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَوْ حَالَ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ، كَمَا قَالَهُ حَجّ، وَقَالَ م ر فِي الْفَتَاوَى: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ صَلَاةً مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ تَوَابِعِ الْخُطْبَةِ اهـ أج. وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: إذَا شَرَعَ فِي الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُومَ لِيُصَلِّيَ اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ سم عَلَى مَا إذَا تَمَّتْ الْأَرْكَانُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْأَمْرُ الْجَائِزُ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَلْيُتَأَمَّلْ أج. وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّ التَّوَابِعَ مُلْحَقَةٌ بِالْأَرْكَانِ اهـ أج. وَنَقَلَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ عَنْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَنْتَهِي التَّحْرِيمُ بِانْتِهَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ بِفَرَاغِ أَرْكَانِهِمَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِغَيْرِ الْأَرْكَانِ كَالتَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ وَالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ، وَلِلْحَاضِرِ الصَّلَاةُ حَالَ اشْتِغَالِهِ بِمَا ذُكِرَ وَلَا يَحْرُمُ؛ نَعَمْ يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا بِقُرْبِ الْإِقَامَةِ اهـ قَوْلُهُ: (لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قَيْدٌ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مَعَ الصِّحَّةِ كَمَا فِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ. وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ: وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ فِي الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ إلَخْ، لَكَانَ أَوْضَحَ.
قَوْلُهُ: (يَقْرَأُ فِي الْخُطْبَةِ) أَيْ فِي أَوَّلِهَا أَوْ أَثْنَائِهَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي " أَمَّا الدَّاخِلُ إلَخْ " قَوْلُهُ: (أَوْ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَهُمَا) وَمِثْلُهُ جُلُوسُهُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ: وَيَلْزَمُ مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ تَخْفِيفَهَا عِنْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ اهـ قَوْلُهُ: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) أَيْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي " هَذَا إنْ صَلَّى إلَخْ " وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ شَامِلًا لَهَا وَلِسُنَّةِ الْجُمُعَةِ؛
стр. 675
خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْكُ قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ: إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» هَذَا إنْ صَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا صَلَّاهَا مُخَفَّفَةً وَحَصَلَتْ التَّحِيَّةُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ، فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ كَأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا فَإِطْلَاقُهُمْ وَمَنْعُهُمْ فِي الرَّاتِبَةِ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَرْضًا لَا يَأْتِي بِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَمَّا الدَّاخِلُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَلَّاهُمَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ بَلْ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ، وَلَا يَقْعُدْ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَوْ صَلَّاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي كَلَامِ الْخُطْبَةِ بِقَدْرِ مَا يُكْمِلُهَا، وَمَا قَالَهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ فِيمَا ذُكِرَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ لَا الْإِسْرَاعُ قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَرَادَ الْوُضُوءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، وَيَجِبُ أَيْضًا تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهَا عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ، وَلَا تُبَاحُ لِغَيْرِ الْخَطِيبِ مِنْ الْحَاضِرِينَ نَافِلَةٌ بَعْدَ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخَطِيبَ لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَالْفَرْقُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَكِنَّ الْحَامِلَ لِلشَّارِحِ عَلَى حَمْلِهَا عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ قَوْلُهُ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ خَفِيفَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قُمْ) فِيهِ أَنَّ التَّحِيَّةَ تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْجَالِسَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَا تَفُوتُهُ التَّحِيَّةُ إلَّا إنْ طَالَ الْفَصْلُ قَوْلُهُ: (وَتَجُوزْ) أَيْ خَفِّفْ فِيهِمَا قَوْلُهُ: (إنْ صَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ) أَيْ صَلَّاهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ، أَيْ مَحَلُّ كَوْنِهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ التَّقْيِيدُ بِالتَّحِيَّةِ فِي كَلَامِهِ لِأَنَّهُ مُلَاحِظٌ لَهُ كَمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (وَحَصَلَتْ التَّحِيَّةُ) أَيْ سَوَاءٌ نَوَاهَا أَمْ لَا لِحُصُولِهَا بِدُونِ نِيَّةٍ مَا لَمْ يَنْفِهَا، فَإِذَا نَفَاهَا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ وَلَمْ تَنْعَقِدْ سم عَلَى الْمَتْنِ قَوْلُهُ: (فَإِطْلَاقُهُمْ إلَخْ) أَيْ إطْلَاقُهُمْ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ سَبَبٍ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُفَصِّلُوا كَمَا فَصَّلُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ بَيْنَ ذِي السَّبَبِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: وَمَنَعَهُمْ هَذَا مِنْ إفْرَادِ مَا دَخَلَ تَحْتَ إطْلَاقِهِمْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ " فَإِطْلَاقُهُمْ " مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يُصَلِّي شَيْئًا وَيَكُونُ مَفْرُوضًا فِي دَاخِلٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَانَ الْمَكَانُ غَيْرُ مَسْجِدٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُفْرَضَ فِي الْجَالِسِ إذَا قَامَ يُنْشِئُ صَلَاةً وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَنْعِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي هَذَا الْوَقْتِ إجْمَاعًا؛ نَعَمْ إنْ حَصَلَ مَعَهُ التَّحِيَّةُ لَمْ يَمْتَنِعْ كَمَا مَرَّ ق ل قَوْلُهُ: (لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ) أَيْ لَمْ تُنْدَبْ لَهُ التَّحِيَّةُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ: (الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ) قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَاضِحٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَرْكُ التَّطْوِيلِ عُرْفًا اهـ بِحُرُوفِهِ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْفِيفُ عُرْفًا فَإِنْ طَوَّلَ عُرْفًا بَطَلَتْ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ أَيْضًا تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ إلَخْ) فَإِنْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِإِعْرَاضِهِ قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ الْخَطِيبِ) لَوْ سَكَتَ عَنْ هَذِهِ لَكَانَ أَقْوَمَ ق ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَمَّا الْخَطِيبُ فَلَهُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إذَا قَرَأَ آيَتَهَا بِخِلَافِ الْحَاضِرِينَ قَوْلُهُ: (نَافِلَةٌ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الْفَرْضُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا وَلَوْ مَقْضِيَّةً فَوْرِيَّةً.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ وَجُلُوسِهِ) عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي التَّحْرِيرِ: وَبَعْدَ جُلُوسِ خَطِيبٍ. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: اُنْظُرْ قَبْلَهُ وَبَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصُّعُودِ نَظَرْنَا فَرَأَيْنَاهَا لَا تَحْرُمُ، وَكَتَبَ أَيْضًا: اُنْظُرْ قُبَيْلَ الصُّعُودِ بِزَمَنٍ لَا يَسَعُ فَرَاغَ الصَّلَاةِ قَبْلَ جُلُوسِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَلِّي وَيُخَفِّفُ قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخَطِيبَ لِإِعْرَاضِهِ) وَالْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَ الْمُصَلِّي الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَى صَلَاتِهِ وَمِنْ ثَمَّ بَحَثَ أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ مِثْلَهَا وَكَذَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ اهـ مُنَاوِيٌّ. وَتَقَدَّمَ عَنْ الرَّحْمَانِيِّ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ كَالصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ، وَلَوْ سَجَدَهَا الْخَطِيبُ، فَحَرَّرَ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ اهـ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ. وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَسْجُدُ وَإِنْ سَجَدَ الْخَطِيبُ قَوْلُهُ: (وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ) أَيْ إجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ
стр. 676
بَيْنَ الْكَلَامِ حَيْثُ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ مَا لَمْ يَبْتَدِئْ الْخُطْبَةَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَيْثُ تَحْرُمُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَطْعَ الْكَلَامِ هَيِّنٌ مَتَى ابْتَدَأَ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفُوتُهُ بِهَا سَمَاعُ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، وَإِذَا حُرِّمَتْ لَمْ تَنْعَقِدْ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ لَهَا تَتِمَّةٌ: مَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً وَلَوْ مُلَفَّقَةً لَمْ تَفُتْهُ الْجُمُعَةُ فَيُصَلِّي بَعْدَ زَوَالِ قُدْوَتِهِ بِمُفَارَقَتِهِ أَوْ سَلَامِهِ رَكْعَةً وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا قَالَ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ظُهْرًا، وَيَنْوِي وُجُوبًا فِي اقْتِدَائِهِ جُمُعَةً مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ، وَلِأَنَّ الْيَأْسَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا إلَّا بِالسَّلَامِ.
وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ إمَامِ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَخَلَفَهُ عَنْ قُرْبٍ مُقْتَدٍ بِهِ قَبْلَ بُطْلَانِهَا جَازَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْأَرْبَعَةِ قَوْلُهُ: (لَمْ تَنْعَقِدْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِذَاتِ الصَّلَاةِ وَهُنَاكَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ شَغْلُ مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) أَيْ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَمَا لَا تُدْرَكُ بِهِ وَجَوَازُ الِاسْتِخْلَافِ وَعَدَمِهِ وَمَا يَجُوزُ لِلْمَزْحُومِ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مَعَ إمَامِ الْجُمُعَةِ) مُرَادُهُ بِهِ الْجِنْسُ لِيَشْمَلَ الْإِمَامَ الْأَصْلِيَّ وَخَلِيفَتَهُ. وَخَرَجَ بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ غَيْرُهُ، كَأَنْ اقْتَدَى بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ مَسْبُوقٌ ثُمَّ لَمَّا سَلَّمَ إمَامُ الْجُمُعَةِ وَقَامَ الْمَسْبُوقُ لِيَأْتِيَ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي عَلَيْهِ اقْتَدَى بِهِ آخَرُ وَنَوَى الْجُمُعَةَ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً فَلَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِذَلِكَ بَلْ لَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إنْشَاءِ جُمُعَةٍ فَأَكْثَرَ بَعْدَ أُخْرَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: قَوْلُهُ " مَعَ إمَامِ الْجُمُعَةِ " احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ أَدْرَكَهَا مَعَ مَسْبُوقٍ فَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا، وَخَالَفَهُ حَجّ فَأَفْتَى بِإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ مَسْبُوقٍ قَامَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ قَوْلُهُ: (رَكْعَةً) بِأَنْ يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ رُكُوعَهَا وَسَجْدَتَيْهَا شَرْحُ م ر. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعٍ مَحْسُوبٍ لَهُ لَا كَمُحْدِثٍ وَأَتَمَّ مَعَهُ الرَّكْعَةَ اهـ قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُلَفَّقَةً) أَيْ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ كَمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الزَّحْمَةِ وَالْغَايَةِ لِلرَّدِّ قَوْلُهُ: (لَمْ تَفُتْهُ الْجُمُعَةُ) أَيْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْجَمَاعَةِ وَالْعَدَدِ إلَى تَمَامِ الرَّكْعَةِ، فَلَوْ فَارَقَهُ الْقَوْمُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ شَخْصٌ وَصَلَّى رَكْعَةً لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْجُمُعَةُ لِفَقْدِ شَرْطِ وُجُودِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمَهُ فِي الشُّرُوطِ ع ش عَلَى م ر قَوْلِهِ: (بِمُفَارَقَتِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ إمَّا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ الْأَعَمُّ، وَقَوْلُهُ (" أَوْ بِسَلَامِهِ ") أَيْ الْإِمَامِ. وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِظْهَارُ بِأَنْ تَقُولَ: " أَوْ بِسَلَامِ الْإِمَامِ " لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَشْتِيتَ الضَّمَائِرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا) وَيُلْغِزَ بِهَا وَيُقَالُ: لَنَا مُنْفَرِدٌ يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ يَجْهَرُ فِيهَا قَوْلُهُ: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ) أَيْ الْجُمُعَةَ أَيْ أَدْرَكَهَا حُكْمًا لَا ثَوَابًا كَامِلًا شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ظُهْرًا) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَوْ مُفَارَقَتِهِ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُفَارَقَةُ إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْإِمَامَ يَتَذَكَّرُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِي بِهِ فَيُدْرِكُ مَعَهُ رَكْعَةً اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يُتَابِعُهُ فِي الزَّائِدِ. وَيُعَارِضُهُ قَوْلُهُمْ: لَا يُتَابِعُ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الزَّائِدِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ سَهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ رُكْنًا بِأَنْ أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ بِذَلِكَ أَوْ كَتَبَ لَهُ الْإِمَامُ بِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ ح ل وز ي.
قَوْلُهُ: (وَيَنْوِي وُجُوبًا) أَيْ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ نَحْوَهُمَا مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، فَيَنْوِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الرَّوْضِ وَالْأَنْوَارِ حَيْثُ عَبَّرَ الْأَوَّلُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَالثَّانِي بِالْوُجُوبِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَنْوِ الْجُمُعَةَ كَأَنْ نَوَى الظُّهْرَ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْجُمُعَةِ حِينَئِذٍ عَلَى مَنْ ذُكِرَ ح ل، أَيْ لِأَنَّهُ لَا مُوَافَقَةَ هُنَا؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَنْوِي الْجُمُعَةَ مُطْلَقًا أَيْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ الثَّانِي ح ف.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْيَأْسَ) لَا يُقَالُ السَّلَامُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَأْسُ بِمُجَرَّدِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَعُودُ إلَيْهِ فَيَضُمُّ إلَى مَا قَبْلَ السَّلَامِ مَا بَعْدَهُ عِنْدَ قُرْبِ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِالسَّلَامِ زَالَتْ الْقُدْوَةُ وَالْأَصْلُ التَّمَامُ. وَإِنَّمَا نَظَرَ لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ مَعَ قِيَامِ الصَّلَاةِ لِتَقَوِّيهِ بِقِيَامِهَا وَقَدْ ضَعُفَ بِالسَّلَامِ، وَلَوْ نَظَرَ لِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ بِقُرْبِ الْفَصْلِ لِاحْتِمَالِ التَّذَكُّرِ مَعَ الطُّولِ فَيَسْتَأْنِفُ فَلْيُتَأَمَّلْ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِالسَّلَامِ) إذْ قَدْ يَتَدَارَكُ إمَامُهُ تَرْكَ رُكْنٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ.
стр. 677
بِإِمَامَيْنِ بِالتَّعَاقُبِ جَائِزَةٌ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ، وَكَذَا لَوْ خَلَفَهُ غَيْرُ مُقْتَدٍ بِهِ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ إنْ لَمْ يُخَالِفْ إمَامَهُ فِي نَظْمِ صَلَاتِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ فِي الْجُمُعَةِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَةُ الْخَلِيفَةِ وَالْمُقْتَدِينَ وَإِلَّا
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهَذَا، أَيْ قَوْلُهُ " إلَّا بِالسَّلَامِ " يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، فَلَا يُشْكِلُ بِمَا مَرَّ فِيمَنْ لَهُ عُذْرٌ وَأَمْكَنَ زَوَالُهُ مِنْ أَنَّ الْيَأْسَ يَحْصُلُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ؛ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ لِمَنْ مَرَّ ثَمَّ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ إدْرَاكِهَا فَضِيلَةَ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ؛ بِخِلَافِ مَنْ هُنَا فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَازِمَةٌ لَهُ فَلَا يَبْتَدِئُ غَيْرَهَا مَعَ قِيَامِ احْتِمَالِ إدْرَاكِهَا شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
(قَوْلُهُ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) خَلَفَهُ عَنْ قُرْبٍ أَوْ لَا، هَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَ مُقْتَدِيًا بِهِ أَوْ لَا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي الْأَرْبَعَةِ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِنَظْمِ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ لَا؛ وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي ثَمَانِيَةٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ، وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِخْلَافِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ جَازَ مُطْلَقًا، يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْخَلِيفَةُ مُقْتَدِيًا بِالْإِمَامِ قَبْلَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ أَمْ لَا خَلَفَهُ عَنْ قُرْبٍ أَمْ لَا، لَكِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ لِتَجْدِيدِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ فِي هَذِهِ وَفِيمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ وَخَالَفَ نَظْمُ صَلَاتِهِ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يُخَالِفْ نَظْمُ صَلَاتِهِ صَلَاةَ الْإِمَامِ فَلَا يَحْتَاجُونَ لِتَجْدِيدِ نِيَّةِ اقْتِدَاءٍ؛ أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ وَأَنْ يَكُونَ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ امْتَنَعَ اسْتِخْلَافٌ فِي الْجُمُعَةِ لِاحْتِيَاجِ الْمُقْتَدِينَ فِيهِمَا إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ الْمُؤَدِّي لِإِنْشَاءِ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى أَوْ لِفِعْلِ الظُّهْرِ، أَيْ مِنْ الْخَلِيفَةِ، مَعَ إمْكَانِ الْجُمُعَةِ؛ وَكُلُّ مُمْتَنِعٍ. هَذَا كُلُّهُ بِالنَّظَرِ لِجَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ قُرْبٍ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ انْفَرَدُوا بِرُكْنٍ، فَإِنَّ الِاسْتِخْلَافَ يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ اقْتِدَاءً مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَفِيهَا مُطْلَقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَقَالَ ع ش: قَوْلُهُ: " عَنْ قُرْبٍ " بِأَنْ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِرُكْنٍ قَوْلِيٍّ أَوْ فِعْلِيٍّ أَوْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ وُقُوعُ رُكْنٍ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ بُطْلَانِهَا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " مُقْتَدٍ ". قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ الِاسْتِخْلَافُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي أُولَى الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَسَوَاءٌ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ أَمْ الْقَوْمُ أَمْ بَعْضُهُمْ، وَلَوْ اسْتَخْلَفُوا وَاحِدًا وَالْإِمَامُ آخَرَ فَمُقَدَّمُهُمْ أَوْلَى مَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ رَاتِبًا اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَكَذَا لَوْ خَلَفَهُ غَيْرُ مُقْتَدٍ بِهِ " أَيْ عَنْ قُرْبٍ.
قَوْلُهُ: فِي «قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَيْ حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي إمَامًا بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَحَسَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْخِفَّةِ يَوْمًا فَدَخَلَ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ مُحْرِمٌ بِالنَّاسِ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدَّمَهُ وَاقْتَدَى بِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ» . لَكِنْ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بَلْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ ﷺ وَاقْتَدَى بِهِ، وَالْمُدَّعَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَطَلَتْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ مَعَ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ فَمَعَ بُطْلَانِهَا بِالْأَوْلَى ح ل بِاخْتِصَارٍ. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِلتَّعْلِيلِ لَا لِلْمَتْنِ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ خَلَفَهُ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ مُقْتَدٍ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدَيْنِ، الْأَوَّلُ: لِصِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ، وَالثَّانِي: لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يُخَالِفْ إمَامَهُ) أَيْ إمَامَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْخَلِيفَةِ. وَسُمِّيَ إمَامُهُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ مُتِمٌّ مَا فَعَلَهُ فَكَأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مُقْتَدٍ بِهِ. وَكَتَبَ ق ل عَلَى قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يُخَالِفْ إلَخْ ": أَيْ وَاسْتَخْلَفَهُ عَنْ قُرْبٍ. وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ لِصَيْرُورَةِ الْخَلِيفَةِ إمَامًا لَهُمْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مِنْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا يَصِيرُ إمَامًا لَهُمْ إلَّا بِنِيَّتِهِمْ الِاقْتِدَاءَ بِهِ. وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ: إنْ لَمْ يُخَالِفْ إمَامَهُ فِي نَظْمِ صَلَاتِهِ بِأَنْ اسْتَخْلَفَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي ثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الْأَخِيرَةِ لَمْ يَجُزْ بِلَا تَجْدِيدِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ، أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّ فِيهِ إنْشَاءُ جُمُعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى إنْ نَوَى الْخَلِيفَةُ الْجُمُعَةَ أَوْ فَعَلَ الظُّهْرَ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، أَيْ إنْ نَوَى الظُّهْرَ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ لُزُومِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَرِدُ الْمَسْبُوقُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَا مُنْشِئٌ. اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَإِذَا اُسْتُخْلِفَ رَاعَى نَظْمَ صَلَاتِهِمْ فَيَتَشَهَّدُ فِي ثَانِيَتِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ أُولَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ " وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ إمَامٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمُعَةِ " فَهُوَ مُفَرِّعٌ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَعِبَارَةُ م ر: ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ إلَخْ. قَوْلُهُ: (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى) بِأَنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الرُّكُوعِ
стр. 678
فَتَتِمُّ لَهُمْ لَا لَهُ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا رَكْعَةً كَامِلَةً مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ لَمْ يُدْرِكْهَا مَعَهُ فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُتِمُّهَا ظُهْرًا وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ وَسُجُودَهَا لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيّ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِذَا تَشَهَّدَ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا يُفْهِمُهُمْ فَرَاغَ صَلَاتِهِمْ وَانْتِظَارَهُمْ لَهُ لِيُسَلِّمُوا مَعَهُ أَفْضَلُ.
وَمَنْ تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ عَنْ سُجُودٍ فَأَمْكَنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ السُّجُودُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلْيَنْتَظِرْ تَمَكُّنَهُ مِنْهُ نَدْبًا وَلَوْ فِي جُمُعَةٍ، وَوُجُوبًا فِي أُولَى جُمُعَةٍ عَلَى مَا بَحَثَهُ الْإِمَامُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ سَجَدَ، فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ سُجُودِهِ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا فَكَمَسْبُوقٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ فَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ سَلَّمَ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَإِنْ تَمَكَّنَ فِي رُكُوعِ إمَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
شَرْحِ م ر؛ أَيْ أَدْرَكَ مَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِأَنْ أَدْرَكَهُ فِي قِيَامِهَا أَوْ رُكُوعِهَا، فَفِي قَوْلِهِ " أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى " مُسَامَحَةٌ، وَالْمُرَادُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى بِأَنْ لَمْ تَكُنْ تَمَّتْ، كَأَنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي اعْتِدَالِهَا فَمَا بَعْدَهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَتَتِمُّ لَهُمْ لَا لَهُ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ م ر.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْإِمَامِ) أَيْ جِنْسِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ بِالْأَصْلِيِّ وَالْخَلِيفَةِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَمْ يُدْرِكْهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ وَلَوْ أُرِيدَ رَكْعَةٌ مُطْلَقًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَإِلَّا فَتَتِمُّ لَهُمْ لَا لَهُ ".
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ حَيْثُ قَالَا: إنْ أَدْرَكَ الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَجُمُعَتُهُ وَإِلَّا فَتَتِمُّ لَهُمْ لَا لَهُ، ز ي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ) بِأَنْ اقْتَدَى بِهِ فِي اعْتِدَالِ الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَاسْتَخْلَفَ فِي التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ) أَيْ الْخَلِيفَةُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ كَمَا قَالَهُ ز ي؛ أَيْ فَيَقْنُتُ لَهُمْ فِي الصُّبْحِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ مَثَلًا وَيَتْرُكُ الْقُنُوتَ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا وَإِنْ كَانَ هُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَإِذَا اسْتَخْلَفَ فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ وَكَانَ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيهَا تَشَهَّدَ عَقِبَهَا وُجُوبًا. وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ " وَيُرَاعِي الْخَلِيفَةُ " لَكَانَ صَوَابًا كَمَا قَالَهُ ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا نَظْمَ صَلَاتِهِ هُوَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ؛ فَإِذَا كَانَ مَسْبُوقًا كَأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ عَقِبَهَا فَإِذَا تَشَهَّدَ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا يُفْهِمُهُمْ فَرَاغَ صَلَاتِهِمْ لِيَنْوُوا مُفَارَقَتَهُ وَانْتِظَارَهُمْ لَهُ لِيُسَلِّمُوا مَعَهُ أَفْضَلُ مَعَ أَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِلَّا حَرُمَ الِانْتِظَارُ. اهـ. حَجّ. وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " وَيُرَاعِي إلَخْ " رُبَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَخَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَاسْتَخْلَفَهُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَرْكَعُ بِالْقَوْمِ وَيَتْرُكُ الْفَاتِحَةَ وَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ حَجّ وسم. إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْمُرَاعَاةُ فِيمَا يُخِلُّ تَرْكُهُ بِنَظْمِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: (أَشَارَ إلَيْهِمْ) أَيْ لِيَنْوَوْا مُفَارَقَتَهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَشَارَ إلَيْهِمْ " أَيْ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (فَأَمْكَنَهُ إلَخْ) وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُرْتَفِعٍ وَالْإِنْسَانُ فِي مُنْخَفِضٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَضَرَّرَ، لِقَوْلِ عُمَرَ: " إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ ". وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ السَّاجِدُ عَلَى شَاخِصٍ أَيْ مُرْتَفِعٍ وَالْمَسْجُودُ عَلَيْهِ فِي وَهْدَةٍ شَرْحِ م ر. وَلَا يَضْمَنُهُ لَوْ تَلِفَ وَلَوْ قِنًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا ل ق ل؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَى مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَّ رَقِيقًا مِنْ الصَّفِّ وَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِوُجُودِ الِاسْتِيلَاءِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَنْتَظِرْ تَمَكُّنَهُ مِنْهُ نَدْبًا) أَيْ وَلَهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي جُمُعَةٍ) أَيْ فِي ثَانِيَتِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَوُجُوبًا فِي أُولَى جُمُعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَمَكَّنَ إلَخْ) مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ " فَلْيَنْتَظِرْ " أَيْ فَإِذَا انْتَظَرَ يَكُونُ لَهُ حَالَتَانِ: إمَّا أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ، أَوْ فِيهِ. وَفِي الْأُولَى أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ مُرَتَّبَةٍ عَلَى قَوْلِهِ " سَجَدَ " أَيْ ثُمَّ بَعْدَ السُّجُودِ: إمَّا أَنْ يَجِدَهُ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ فَرَغَ مِنْ رُكُوعِهِ، أَوْ يَجِدُهُ سَلَّمَ؛ وَكُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ) عِبَارَةُ م ر: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي رُكُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (فَكَمَسْبُوقٍ) أَيْ يَرْكَعُ مَعَهُ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا.
قَوْلُهُ: (فِيمَا هُوَ فِيهِ) شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ فِي الِاعْتِدَالِ فَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِيَهْوَى مَعَهُ لِلسُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ سَلَّمَ) أَيْ قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ الثَّانِي، بِخِلَافِ مَا إذَا رَفَعَ
стр. 679
وَيُحْسَبُ لَهُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ لِعُذْرِهِ وَلَكِنْ لَا يُحْسَبُ لَهُ سُجُودُهُ الْمَذْكُورُ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَامَ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا وَلَوْ مُنْفَرِدًا حُسِبَ هَذَا السُّجُودُ، فَإِنْ كَمَّلَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ عَامٍ، وَقِيلَ لِكَثْرَةِ عَوَائِدِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقِيلَ لِعَوْدِ السُّرُورِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
رَأْسَهُ مِنْهُ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ أَيْ قِيَامَهَا وَقِرَاءَتَهَا وَاعْتِدَالَهَا. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ تَمَكَّنَ) أَيْ مِنْ السُّجُودِ. قَوْلُهُ: (رُكُوعُهُ الْأَوَّلَ) لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ وَقْتَ الِاعْتِدَالِ بِالرُّكُوعِ وَالثَّانِي أَتَى بِهِ لِلْمُتَابَعَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ) أَيْ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى أَيْ وَقِيَامِهَا وَقِرَاءَتِهَا وَاعْتِدَالِهَا وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، أَيْ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالسُّجُودُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَجَدَ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ بَلْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَامِدًا عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الرُّكُوعُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا بِأَنْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ نَاسِيًا لِذَلِكَ أَوْ جَاهِلًا بِهِ فَلَا تَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: (عَالِمًا) أَيْ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةُ لِإِمَامِهِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) وَيَلْزَمُهُ التَّحَرُّمُ بِالْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِعُذْرِهِ) وَلَوْ عَامِّيًّا مُخَالِطًا لِلْعُلَمَاءِ لِخَفَائِهِ عَلَى الْعَوَامّ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا) بِأَنْ فَرَغَ مِنْ سَجْدَتَيْهِ وَقَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ وَهُوَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْ جَهْلِهِ. وَقَوْلُهُ: (" وَلَوْ مُنْفَرِدًا ") أَيْ فِي الْحِسِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مَوْضِعِ رَكْعَتِهِ مُتَابَعَةً حِسِّيَّةً حَيْثُ جَرَى عَلَى غَيْرِ تَبَعِيَّةِ الْإِمَامِ، غَيْرَ أَنَّا أَلْحَقْنَاهُ فِي الْحُكْمِ بِالِاقْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ لِعُذْرِهِ اهـ أج. وَعِبَارَةُ شَيْخِهِ ق ل: بِأَنْ اسْتَمَرَّ سَهْوُهُ فَقَامَ لِنَفْسِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا. اهـ. م د. وَقَوْلُ ق ل: " وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إلَخْ " لَا يُنَاسَبُ قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ " فَإِنْ كَمَّلَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ " فَالْأَوْلَى كَلَامُ أج، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ م ر شَيْخُنَا. وَقَوْلُهُ " وَقَامَ وَقَرَأَ إلَخْ " فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ بِلَا قِرَاءَةٍ وَقِيَامٍ اهـ. فَيُحْسَبُ لَهُ السُّجُودُ الثَّانِي وَتَكُونُ الرَّكْعَةُ مُلَفَّقَةً أَيْضًا مِنْ هَذَا السُّجُودِ الثَّانِي مَعَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَالِاعْتِدَالِ. وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُنْفَرِدِ وَهُوَ الْمُقْتَدِي حِسًّا أَنْ يَتَذَكَّرَ الْحَالَ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ السُّجُودَ الْأَوَّلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدَ مَعَهُ عَامِدًا فَيُحْسَبُ لَهُ هَذَا السُّجُودُ الثَّانِي وَيُضَمُّ لِلرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ رَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةً أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) أَيْ عَنْ مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَإِنْ كَمَّلَ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَمَّلَ) أَيْ هَذَا السُّجُودَ، وَقَوْلُهُ (قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) أَيْ إتْمَامِهِ. اهـ.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
ِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ؛ قَالَ السُّيُوطِيّ: الْعِيدَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْخُسُوفُ وَالْكُسُوفُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ صَلَاةَ الْأَضْحَى أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ لِثُبُوتِهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْأَصَحُّ تَفْضِيلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْعَوْدِ) فَأَصْلُهُ " عَوْدٌ " قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا سَاكِنَةً بَعْدَ كَسْرَةٍ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لِكَثْرَةِ عَوَائِدِ اللَّهِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَائِدَةُ الْعَطْفُ وَالْمَنْفَعَةُ يُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ أَعْوَدُ عَلَيْك مِنْ كَذَا أَيْ أَنْفَعُ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. وَالْأَوْلَى أَنْ تُفَسَّرَ
стр. 680
بِعَوْدِهِ وَجَمْعُهُ أَعْيَادٌ، وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْيَاءِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْوَاوَ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ وَالْأَصْلُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَعَ الْأَخْبَارِ الْآتِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الْأَضْحَى وَالذَّبْحَ «وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ» فَهِيَ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ (وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ) «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلسَّائِلِ عَنْ الصَّلَاةِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، قَالَ لَهُ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (مُؤَكَّدَةٌ) لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَيْهَا وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً وَهِيَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ بِمِنًى، أَمَّا هُوَ فَلَا تُسَنُّ لَهُ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً وَتُسَنُّ لَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْأَعْوَادُ بِالنِّعَمِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا جُمِعَ بِالْيَاءِ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي سُؤَالٍ أَجَابَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ. قَوْلُهُ: (لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ) فِي هَذَا نَظَرٌ لِانْتِقَاضِهِ بِنَحْوِ مِيزَانٍ، فَإِنَّ الْيَاءَ لَازِمَةٌ فِي الْوَاحِدِ وَجَمْعُهُ بِالْوَاوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] فَالظَّاهِرُ فِي التَّعْلِيلِ هُوَ مَا حَكَاهُ بِقِيلِ؛ وَلِهَذَا عَكَسَ فِي الْمِصْبَاحِ فَقَدَّمَ التَّعْلِيلَ الثَّانِيَ وَحَكَى الْأَوَّلَ بِقِيلِ، فَقَالَ: جَمْعُ الْعِيدِ عَلَى أَعْيَادٍ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ، وَقِيلَ: لِلُزُومِ الْيَاءِ فِي وَاحِدِهِ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَا الْعِيدَيْنِ لِلْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَيْ لَعِبٍ فَأُمِرْنَا بِإِظْهَارِ الذِّكْرِ فِيهِمَا إغَاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ وَشُكْرًا عَلَى مَا أَوْلَيْنَا قَبْلَهُمَا مِنْ تَتْمِيمِ رَمَضَانَ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ لَا سِيَّمَا الْحَجُّ. قَالَ فِي الْإِتْحَافِ: وَإِنَّمَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عِيدًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إشَارَةً لِكَثْرَةِ الْعِتْقِ قَبْلَهُ كَمَا أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ هُوَ الْعِيدُ الْأَكْبَرُ لِكَثْرَةِ الْعِتْقِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَبْلَهُ، إذْ لَا يَوْمَ يُرَى أَكْثَرَ عِتْقًا مِنْهُ، فَمَنْ أُعْتِقَ قَبْلَهُ فَهُوَ الَّذِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عِيدٌ وَمَنْ لَا فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِبْعَادِ وَالْوَعِيدِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الْأَضْحَى) وَقِيلَ: الْمُرَادُ صَلِّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَانْحَرْ الْبُدْنَ بِمِنًى، وَقِيلَ: إنَّ نَاسًا كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَنْحَرُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُ وَيَنْحَرَ لَهُ تَقَرُّبًا. وَالْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ أَوْ الْقُرْآنُ أَوْ النُّبُوَّةُ أَوْ كَثْرَةُ الْأَتْبَاعِ وَالْأُمَّةِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ. فَائِدَةٌ: جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: عِيدَ الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَكُلُّهَا بَعْدَ إكْمَالِ الْعِبَادَةِ وَطَاعَتِهِمْ. وَلَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ بَلْ هُوَ لِمَنْ طَاعَتُهُ تَزِيدُ، وَلَا لِمَنْ تَجَمَّلَ بِاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ بَلْ لِمَنْ غُفِرَتْ لَهُ الذُّنُوبُ. وَأَمَّا عِيدُهُمْ فِي الْجَنَّةِ فَهُوَ وَقْتُ اجْتِمَاعِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَرُؤْيَتِهِ فِي حَضْرَةِ الْقُدُسِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ أَلَذَّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالذَّبْحَ) أَيْ ذَبْحَ الْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: «وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ» وَكَانَ فِي الْمَكَانِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ فِي الْمَدِينَةِ بِمُصَلَّى الْعِيدِ خَارِجَ سُورِهَا فِي مَنْزِلِ الْحَاجِّ الْمِصْرِيِّ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ سُنَّةٌ) الظَّاهِرُ تَفْرِيعُهُ عَلَى الدَّلِيلَيْنِ قَبْلَهُ، لَكِنْ بِوَاسِطَةِ حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْمَرَاتِبِ وَحُمِلَ فِعْلُهُ أَيْ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَيْنًا وَعِنْدَ أَحْمَدَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَعِنْدَنَا كَمَالِكٍ سُنَّةٌ. وَدَلِيلُنَا حَدِيثٌ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» . قُلْت: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ: إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ فَعَلَيْك الْإِتْمَامُ؛ وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى لُزُومِ إتْمَامِ كُلِّ نَفْلٍ شُرِعَ فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلَانِ بِآيَةِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ صَلِّ الْعِيدَ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ لَاقْتَضَى وُجُوبَ النَّحْرِ عَلَيْنَا وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ كَمَا اخْتَصَّ بِهِ النَّحْرُ، فَإِذَا أَدْخَلْتُمْ مَعَهُ الْأُمَّةَ وَجَبَ إدْخَالُ الْجَمِيعِ، فَلَمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِهِمْ كَمَا زَعَمْتُمْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْقِيَاسِ. اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الصَّلَاةِ) أَيْ عَنْ عَدَدِ الْوَاجِبِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) مَقُولُ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَوْ الْمُرَادُ تَطَوُّعُهُ بِإِيجَابِ صَلَاةٍ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِمُوَاظَبَتِهِ) وَتَرْكُهُ ﷺ لِصَلَاةِ عِيدِ النَّحْرِ فِي مِنًى لَا يُنَافِي الْمُوَاظَبَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَرْكِهَا مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فُرَادَى سم. قَوْلُهُ: (بِمِنًى) لَيْسَ بِقَيْدٍ، حَتَّى لَوْ نَزَلُوا
стр. 681
مُنْفَرِدًا، وَتُشْرَعُ أَيْضًا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَالْمُسَافِرِ، فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالُهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ لِلِاتِّبَاعِ (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) بِالْإِجْمَاعِ وَحُكْمُهَا فِي الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، يُحْرَمُ بِهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى هَذَا أَقَلُّهَا، وَبَيَانُ أَكْمَلِهَا مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: (يُكَبِّرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَبْعًا) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ (سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) بَعْدَ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» .
وَعُلِمَ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَيْسَتْ مِنْ السَّبْعِ، وَجَعَلَهَا مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنْهَا، يَقِفُ نَدْبًا بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْهَا كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ وَيَحْسُنُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، ثُمَّ يَتَعَوَّذَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (وَ) يُكَبِّرَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ) بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ قَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِمَكَّةَ لَمْ تُسَنَّ لَهُمْ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا، فَإِنْ صَلَّوْهَا جَمَاعَةً كَانَ خِلَافَ السُّنَّةِ. وَحِكْمَتُهُ التَّخْفِيفُ عَلَيْهِمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَعْمَالِ التَّحَلُّلِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى مَكَّةَ عَنْ إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى شُرُوطِ الْجُمُعَةِ) أَيْ مِنْ اعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ وَالْعَدَدِ وَغَيْرِهِمَا شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ ابْتِدَاءِ طُلُوعِهَا وَلَوْ لِلْبَعْضِ ز ي. وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَامُ الطُّلُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ تَابِعٌ لِمَا ظَهَرَ طُلُوعًا وَغُرُوبًا ق ل.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْعِيدِ) الْمُرَادُ بِهِ يَوْمَ يُعَيِّدُ النَّاسُ وَلَوْ ثَانِيَ شَوَّالٍ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ " أَمَّا شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ بِأَنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَخْ) فَهَذِهِ صَلَاةٌ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مَفْضُولٌ. اهـ. ق ل. وَلَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (لِتَرْتَفِعَ) أَيْ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ فَلَوْ فَعَلَهَا قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ م ر. وَالرُّمْحُ قَدْرُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ. وَفِي الْبِرْمَاوِيِّ مَا نَصُّهُ: وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهَا لِلِارْتِفَاعِ كَرُمْحٍ كَمَا فَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ لَنَا وَجْهًا أَنَّ وَقْتَهَا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِالِارْتِفَاعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى) فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ عِيدَ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى فِي نِيَّتِهِ، وَلَا يُقَالُ: الْوَقْتُ يُعَيَّنُ لِأَنَّهُ لَا يُعَيَّنُ عِنْدَنَا عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (يُكَبِّرُ) أَيْ مَعَ رَفْعِ يَدَيْهِ كَمَا فِي التَّحَرُّمِ وَلَا يَضُرُّ الرَّفْعُ لَوْ وَالَاهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (سَبْعًا) أَيْ يَقِينًا فَعِنْدَ الشَّكِّ يَأْخُذُ بِالْأَقَلِّ كَمَا يَأْتِي، وَمِنْهُ مَا لَوْ شَكَّ فِي أَيُّهَا أَحْرَمَ بِهِ فَيَجْعَلُهَا الْأَخِيرَةَ وَيُعِيدُهُنَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَيُعِيدُهَا. اهـ. حَجّ ز ي.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ دُعَاءِ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " يُكَبِّرُ ".
قَوْلُهُ: (كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ) وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
قَوْلُهُ: (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ بِتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيَحْسُنُ) أَيْ يُسْتَحَبُّ؛ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَوَالِي التَّكْبِيرَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَوَالِي الرَّفْعِ كَمَا فِي الزِّيَادِيِّ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَهُ تَوَالِيهَا وَلَوْ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ الْمُبْطِلِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ لَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ وَالَاهَا فَارَقَهُ مَمْنُوعٌ وَإِنْ وَجَّهَهُ سم بِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَنَا وَهُوَ مُبْطِلٌ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَهُمْ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَتَوْجِيهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ فَاغْتُفِرَ فِيهِ التَّوَالِي وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ الْمَطْلُوبِ. وَحِكْمَةُ طَلَبِ الْفَصْلِ فِي تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ عَدَمُ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ فِيهَا الْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ بِحَسْبِ الْأَصَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ الْبَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ " بَيْنَ كُلِّ إلَخْ " شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ) أَيْ سِرًّا سم.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ) هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هِيَ أَعْمَالُ الْخَيْرِ الَّتِي تَبْقَى لِلشَّخْصِ ثَمَرَتُهَا، وَقِيلَ: هِيَ الصَّلَوَاتُ وَأَعْمَالُ الْحَجِّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَوْلُهُ: (خَمْسًا) أَيْ يَقِينًا. وَلَوْ اقْتَدَى بِمُخَالِفٍ وَافَقَهُ نَدْبًا فِي الْعَدَدِ وَفِي مَحَلِّهِ، فَلَوْ خَالَفَهُ كُرِهَ وَلَوْ قَضَى الْعِيدَ كَبَّرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ رَحْمَانِيٌّ. فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ إذَا زَادَ فِي تَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ. قُلْت: لِأَنَّهَا ثَمَّ أَرْكَانٌ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي زِيَادَةِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ بِخِلَافِ مَا هُنَا، فَإِذَا زَادَ وَلَوْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ تَابَعَهُ اهـ.
стр. 682
وَيَجْهَرَ وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ نَدْبًا فِي الْجَمِيعِ كَغَيْرِهَا مِنْ تَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ وَيُسَنُّ أَنْ يَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ تَحْتَ صَدْرِهِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ كَمَا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَهَذِهِ التَّكْبِيرَاتُ مِنْ الْهَيْئَاتِ كَالتَّعَوُّذِ وَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ فَلَيْسَتْ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا فَلَا يَسْجُدُ لِتَرْكِهِنَّ وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ لِكُلِّهِنَّ أَوْ بَعْضِهِنَّ مَكْرُوهًا، وَيُكَبِّرَ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مِنْ هَيْئَاتِهَا كَمَا مَرَّ وَلَوْ نَسِيَ التَّكْبِيرَاتِ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ لَمْ يَتَدَارَكْهَا، وَلَوْ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ وَلَمْ يَقْرَأْ كَبَّرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَوَّذَ قَبْلَ الِافْتِتَاحِ لَا يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ لَا يَكُونُ مُسْتَفْتِحًا، وَيَنْدُبُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ﴿ق﴾ [ق: ١] ، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] أَوْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي الْأُولَى، وَالْغَاشِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ جَهْرًا لِلِاتِّبَاعِ.
(وَيَخْطُبَ بَعْدَهُمَا) أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ (خُطْبَتَيْنِ) لِجَمَاعَةٍ لَا لِمُنْفَرِدٍ كَخُطْبَتَيْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَوْ نَقَصَ إمَامُهُ عَنْ السَّبْعِ أَوْ الْخَمْسِ تَابَعَهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ نَقَصَ بِاعْتِقَادٍ أَوْ لَا وَلَا يُتَابِعُهُ لَوْ زَادَ. وَفِي حَاشِيَةِ الشَّوْبَرِيِّ: فَرْعٌ لَوْ اقْتَدَى بِحَنَفِيٍّ كَبَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَالِكِيٍّ كَبَّرَ سِتًّا تَابَعَهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَ فِي الْإِتْيَانِ بِهَا مُخَالَفَةٌ فَاحِشَةٌ، بِخِلَافِ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا. وَعَلَّلُوهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ الْفَاحِشَةِ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا فَكَانَتْ آكَدَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّكْبِيرَاتِ هُنَا قَدْ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ الِانْتِقَالِ، وَأَمَّا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَلِثُبُوتِ حَدِيثِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ هُنَا جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ لَمْ يَأْتِ بِهَا. اهـ. شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ) أَيْ قَوْلُهُ يَقِفُ نَدْبًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ التَّعَوُّذِ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " يُكَبِّرُ ".
قَوْلُهُ: (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ التَّكْبِيرِ وَالْجَهْرِ وَالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهَا مِنْ تَكْبِيرِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " نَدْبًا " وَهُوَ أَوْلَى مِنْ رُجُوعِهِ إلَى " وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ " لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ بَلْ فِي بَعْضِهَا، وَمِنْ رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِ " وَيَجْهَرُ " لِأَنَّهُ لَا يَجْهَرُ فِي التَّكْبِيرَاتِ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: كَغَيْرِهَا مِنْ مُعْظَمِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَوَاتِ اهـ. فَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلرَّفْعِ. اهـ. شَيْخُنَا خَلِيفِيٌّ اهـ مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَضَاهَا يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ بَعْدَهُ مَرْحُومِيٌّ، وَسَوَاءٌ قَضَاهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ هَيْئَاتِهَا) وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِ السِّرِّ اهـ ز ي. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ نَهَارِيَّةٌ وَشُرِعَ الْجَهْرُ فِيهَا فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِهَا فَفَارَقَتْ غَيْرَهَا مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَدَارَكْهَا) أَيْ لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي رُكُوعِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ لِلْقِيَامِ لِيُكَبِّرَ وَهُوَ عَامِدٌ عَالِمٌ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ شَرْحُ م ر. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَتَدَارَكْهَا أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أج. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَتَدَارَكْهَا " أَيْ لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ الْفَائِتُ مِنْ الْأُولَى، وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ كَبَّرَ مَعَهُ خَمْسًا ثُمَّ فِي ثَانِيَتِهِ لَا يُكَبِّرُ إلَّا خَمْسًا، إذْ لَوْ زَادَ خَالَفَ سُنَّةَ الِاقْتِصَارِ عَلَى خَمْسٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَقْرَؤُهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يُسَنُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ) تَدَارَكَهَا فَلَا تَفُوتُ بِهِ وَلَا يَفُوتُ الِافْتِتَاحُ بِهَا، وَيَفُوتُ بِالتَّعَوُّذِ وَيَفُوتُ الْكُلُّ بِالْقِرَاءَةِ وَلَوْ نَاسِيًا، وَهُوَ يَجْرِي فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (لَا يَكُونُ مُسْتَفْتِحًا) بَلْ قَارِئًا. قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ يَقْرَؤُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ بِالتَّطْوِيلِ شَرْحُ م ر. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ شَبِيهٌ بِيَوْمِ الْمَحْشَرِ وَالسُّورَتَانِ فِيهِمَا أَهْوَالُ الْمَحْشَرِ؛ وَ ﴿قَ﴾ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيَا مِنْ زَبَرْجَدٍ وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ الَّذِي تَغِيبُ الشَّمْسُ مِنْ وَرَائِهِ بِمَسِيرَةِ سَنَةٍ وَمَا بَيْنَهُمَا ظُلْمَةٌ؛ كَذَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ فَاتِحَةُ السُّورَةِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْطُبُ بَعْدَهُمَا) وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَلَوْ قُدِّمَتْ الْخُطْبَةُ عَلَى الصَّلَاةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا
стр. 683
الْجُمُعَةِ فِي أَرْكَانٍ وَسُنَنٍ لَا فِي شُرُوطٍ، خِلَافًا لِلْجُرْجَانِيِّ وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ آيَةً فِي إحْدَاهُمَا لَيْسَ لِكَوْنِهَا رُكْنًا فِيهَا، بَلْ لِكَوْنِ الْآيَةِ قُرْآنًا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ، وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً، وَيُسَنُّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ فِي عِيدِ فِطْرٍ الْفِطْرَةَ وَفِي عِيدِ أَضْحًى الْأُضْحِيَّةَ
فَرْعٌ: قَالَ أَئِمَّتُنَا: الْخُطَبُ الْمَشْرُوعَةُ عَشْرٌ: خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَأَرْبَعٌ فِي الْحَجِّ، وَكُلُّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ إلَّا خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ وَعَرَفَةَ فَقَبْلَهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا اثْنَتَانِ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْحَجِّ فَفُرَادَى (وَيُكَبِّرُ) نَدْبًا (فِي) افْتِتَاحِ الْخُطْبَةِ (الْأُولَى تِسْعًا) بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى السِّينِ (وَ) يُكَبِّرُ (فِي) افْتِتَاحِ (الثَّانِيَةِ سَبْعًا) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ وَلَاءً إفْرَادًا فِي الْجَمِيعِ تَشْبِيهًا لِلْخُطْبَتَيْنِ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَشْتَمِلُ عَلَى تِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ فَإِنَّ فِيهَا سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَتَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ، وَالرَّكْعَةُ الثَّانِيَةَ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ فَإِنَّ فِيهَا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ وَتَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ وَتَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ وَالْوَلَاءُ سُنَّةٌ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَكَذَا الْإِفْرَادُ، فَلَوْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ قُرِنَ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ جَازَ وَالتَّكْبِيرَاتُ الْمَذْكُورَاتُ لَيْسَتْ مِنْ الْخُطْبَةِ بَلْ مُقَدِّمَةٌ لَهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَافْتِتَاحُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِمُقَدِّمَتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْهُ، وَسُنَّ غُسْلٌ لِلْعِيدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُرَدْ لِحُضُورٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَالرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إذَا قُدِّمَتْ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَحْرُمُ لِأَنَّهُ مُتَعَاطٍ عِبَادَةً فَاسِدَةً كَالْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَنُوزِعَ فِي التَّحْرِيمِ إذَا قَصَدَ الْخُطْبَةَ. اهـ. ز ي. وَفِي ق ل: فَلَوْ قَدَّمَهُمَا لَمْ يَصِحَّ وَيَحْرُمُ إنْ تَعَمَّدَ لِأَنَّهُ تَلَبُّسٌ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِجَمَاعَةٍ) أَيْ وَلَوْ مِنْ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَكَذَا النِّسَاءُ، لَكِنْ لَا يَخْطُبُ لَهُنَّ إلَّا ذَكَرٌ، وَلَوْ قَامَتْ وَاحِدَةٌ وَعَظَتْهُنَّ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ فَلَا بَأْسَ؛ وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (لَا لِمُنْفَرِدٍ) عِبَارَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ لَا يَخْطُبُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (لَا فِي شُرُوطٍ) كَالْقِيَامِ وَالسِّتْرِ وَالطَّهَارَةِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا، وَيُسَنُّ الْجُلُوسُ قَبْلَهُمَا لِلِاسْتِرَاحَةِ كَمَا أَفَادَهُ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ مِنْ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ لِكَوْنِ الْجَنَابَةِ صَارِفَةً، وَمَتَى قَصَدَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدْهَا لَمْ تَصِحَّ الْخُطْبَةُ، تَأَمَّلْ. وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ إلَخْ " جَوَابُ اعْتِرَاضٍ وَارِدٍ عَلَى قَوْلِهِ " لَا فِي شُرُوطٍ " فَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ قِرَاءَةُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا. فَأَجَابَ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْقِرَاءَةِ لِكَوْنِ الْآيَةِ قُرْآنًا لَا لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ شَرْطًا، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ " لَيْسَ لِكَوْنِهَا رُكْنًا فِيهَا " بِقَوْلِهِ " لَيْسَ لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ شَرْطًا " وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: أَيْ لَيْسَتْ الْحُرْمَةُ لِأَجْلِ كَوْنِ الْآيَةِ رُكْنًا فَيَقْتَضِي اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْخَطِيبِ مُتَطَهِّرًا حَالَ الْخُطْبَةِ، بَلْ الْحُرْمَةُ لِأَجْلِ قُرْآنِيَّتِهَا لِأَنَّ فِي الْآيَةِ جِهَتَيْنِ كَوْنَهَا رُكْنًا فِي الْخُطْبَةِ وَكَوْنَهَا قُرْآنًا، فَالْحُرْمَةُ لِأَجْلِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا لِلْأُولَى. قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ " لَا فِي شُرُوطٍ ".
قَوْلُهُ: (يُعْتَبَرُ فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ) أَيْ وَفِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْخُطَبِ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ، وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً، وَكَذَا كَوْنُ الْخَطِيبِ ذَكَرًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْفِطْرَةَ) أَيْ أَحْكَامَهَا، وَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ) نَعَمْ يَصِحُّ تَقْدِيمُ خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا يَأْتِي ق ل. قَوْلُهُ: (إلَّا الثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ) وَهِيَ الَّتِي فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، أَيْ يَوْمِ السَّابِعِ وَاَلَّتِي فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَاَلَّتِي فِي يَوْمِ النَّفْرِ مِنْ مِنًى، يُعَلِّمُهُمْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا أَمَامَهُمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ؛ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَتْرُوكَةٌ الْآنَ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَاءً) بِأَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَهَا، وَقَوْلُهُ " إفْرَادًا " أَيْ بِأَنْ يُفْرِدَ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِنَفَسٍ وَيَفُوتُ بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ ق ل. وَأَفْرَادًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا الْأَوَّلُ جَمْعٌ وَالثَّانِي مُفْرَدٌ؛ وَعِبَارَةُ أج: قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: لَا يَبْعُدُ فَوَاتُ هَذَا التَّكْبِيرِ بِالشُّرُوعِ فِي أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ كَمَا يَفُوتُ التَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ بِالشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (تَشْبِيهًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " تِسْعًا وَسَبْعًا ".
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ غُسْلٌ لِلْعِيدَيْنِ) وَلَوْ لِغَيْرِ مُمَيِّزٍ فَيُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ، كَمَا قِيلَ بِهِ فِي غُسْلِ إسْلَامِ الْكَافِرِ الصَّغِيرِ تَبَعًا لِأَبِيهِ.
стр. 684
اللَّيْلِ وَتَبْكِيرٌ بَعْدَ الصُّبْحِ لِغَيْرِ إمَامٍ، وَأَنْ يَحْضُرَ إمَامٌ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَيُعَجِّلَ الْحُضُورَ فِي أَضْحًى وَيُؤَخِّرَهُ فِي فِطْرٍ قَلِيلًا، وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَوَقْتِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِعْلُهَا بِمَسْجِدٍ أَفْضَلُ لِشَرَفِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَضِيقِهِ، وَإِذَا خَرَجَ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ اسْتَخْلَفَ نَدْبًا مَنْ يُصَلِّي وَيَخْطُبُ فِيهِ، وَأَنْ يَذْهَبَ لِلصَّلَاةِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، وَيَرْجِعَ فِي قَصِيرٍ كَجُمُعَةٍ، وَأَنْ يَأْكُلَ قَبْلَهَا فِي عِيدِ فِطْرٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى تَمْرٍ وَأَنْ يَكُونَ وِتْرًا، وَيُمْسِكَ عَنْ الْأَكْلِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى، وَلَا يُكْرَهُ نَفْلٌ قَبْلَهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِغَيْرِ إمَامٍ، أَمَّا بَعْدَهَا فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا كُرِهَ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَمَا فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ) وَلَكِنَّ فِعْلَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ وَيَخْرُجُ بِالْغُرُوبِ، وَيُنْدَبُ التَّطَيُّبُ لِلذَّكَرِ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُهُ عِنْدَهُ مِنْ الطِّيبِ، وَالتَّزَيُّنُ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَأَفْضَلُهَا الْبِيضُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا أَحْسَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا هُنَا لَا فِي الْجُمُعَةِ؛ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا إظْهَارُ النِّعَمِ وَثَمَّ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ. وَهَلْ التَّزَيُّنُ هُنَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ هُوَ فِيهَا أَفْضَلُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَفْضِيلُ مَا هُنَا عَلَى الْجُمُعَةِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ طَلَبَ هُنَا أَعْلَى الثِّيَابِ قِيمَةً وَأَحْسَنَهَا مَنْظَرًا وَلَمْ يَخْتَصَّ التَّزَيُّنُ فِيهِ بِمُرِيدِ الْحُضُورِ بَلْ طُلِبَ حَتَّى مِنْ النِّسَاءِ فِي بُيُوتِهِنَّ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الْمَنْدُوبَاتِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ كَالْغُسْلِ؛ وَلَكِنَّ هَذَا فِي غَيْرِ التَّبْكِيرِ، أَمَّا هُوَ فَبَعْدَ الْفَجْرِ وَالْمُسْتَسْقِي يَوْمَ الْعِيدِ يَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ وَذُو الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يَغْسِلُهُ نَدْبًا لِكُلِّ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَتَبْكِيرٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى " غُسْلٍ " وَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّبْكِيرِ بِالْفَجْرِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَوْلَى دُخُولُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ: (وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ) «كَتَبَ ﷺ إلَى عُمَرَ حِينَ وَلَّاهُ الْبَحْرَيْنِ أَنْ عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (بِمَسْجِدٍ أَفْضَلَ لِشَرَفِهِ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: يُسْتَحَبُّ الِاجْتِمَاعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيُكْرَهُ تَعَدُّدُهُ بِلَا حَاجَةٍ وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِعُذْرٍ كَضِيقِهِ) وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا هِيَ فَفِعْلُهَا فِيهَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِشَرَفِهَا وَسُهُولَةِ الْحُضُورِ إلَيْهَا مَعَ اتِّسَاعِهَا، وَمَنْ لَمْ يُلْحِقْ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَذَاكَ قَبْلَ اتِّسَاعِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا خَرَجَ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ اسْتَخْلَفَ نَدْبًا مَنْ يُصَلِّي وَيَخْطُبُ فِيهِ) عِبَارَةُ خِضْرٍ عَلَى التَّحْرِيرِ: فَإِنْ ضَاقَ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالْبَعْضِ بِالصَّحْرَاءِ أَوْ بِمَكَانٍ آخَرَ كَمَا اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي ذَلِكَ؛ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي وَسَكَتَ عَنْ الْخُطْبَةِ لَمْ يَخْطُبْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجِيلِيُّ لِكَوْنِهِ افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ، إلَّا إنْ عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ فَيَخْطُبُ اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَلَامُ خِضْرٍ يُفِيدُ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَذْهَبَ إلَخْ) وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْعِيدِ بَلْ يَجْرِي فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَالْحَجِّ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، إلَّا فِي الْغُزَاةِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الرُّكُوبُ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيَرْجِعَ فِي قَصِيرٍ) أَفَادَ بِذَلِكَ سُنَّتَيْنِ كَوْنَ الرُّجُوعِ فِي آخَرَ وَكَوْنَهُ قَصِيرًا، قَالَ م ر: وَيَرْجِعُ فِي طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ وَيُخَصُّ بِالذَّهَابِ أَطْوَلُهُمَا اهـ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ ق ل " لَوْ سَكَتَ عَنْ قَصِيرٍ لَكَانَ أَوْلَى اهـ " ثُمَّ رَأَيْت حَجّ فِي الْفَتَاوَى ذَكَرَ أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِالذَّهَابِ فِي قَصِيرٍ وَالرُّجُوعِ فِي طَوِيلٍ وَكَمَالَهَا يَحْصُلُ بِالْعَكْسِ، فَلْيُحْفَظْ.
قَوْلُهُ: (كَجُمُعَةٍ) أَيْ كَمَا يُطْلَبُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُمْسِكَ عَنْ الْأَكْلِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى) وَحِكْمَتُهُ امْتِيَازُ يَوْمِ الْعِيدِ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْأَكْلِ أَوْ تَأْخِيرِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، أَيْ وَلَوْ كَانَ مُفْطِرًا فِيمَا قَبْلَ عِيدِ الْفِطْرِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَصَائِمًا فِيمَا قَبْلَ عِيدِ الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ شَأْنُهُ ذَلِكَ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: وَأَنْ يَأْكُلَ قَبْلَهَا فِي عِيدِ فِطْرٍ، أَيْ لِيَتَمَيَّزَ عَمَّا قَبْلَهُ الَّذِي كَانَ الْأَكْلُ فِيهِ حَرَامًا وَلْيُعْلَمَ نَسْخُ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَهَا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ
стр. 685
بِذَلِكَ مُعْرِضٌ عَنْ الْخَطِيبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيُكْرَهُ لَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا لِاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِ الْأَهَمِّ
(وَيُكَبِّرُ) نَدْبًا كُلُّ أَحَدٍ غَيْرَ حَاجٍّ (مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ) أَيْ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى بِرَفْعِ صَوْتٍ فِي الْمَنَازِلِ وَالْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهِمَا وَدَلِيلُهُ فِي الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ عِدَّةَ صَوْمِ رَمَضَانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ عِنْدَ إكْمَالِهَا، وَفِي الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِي رَفْعِ الصَّوْتِ إظْهَارُ شِعَارِ الْعِيدِ وَاسْتَثْنَى الرَّافِعِيُّ مِنْهُ الْمَرْأَةَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا حَضَرَتْ مَعَ غَيْرِ مَحَارِمِهَا وَنَحْوِهِمْ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى وَيَسْتَمِرُّ التَّكْبِيرُ (إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ إذْ الْكَلَامُ مُبَاحٌ إلَيْهِ، فَالتَّكْبِيرُ أَوْلَى مَا يُشْتَغَلُ بِهِ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَشِعَارُ الْيَوْمِ، فَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَالْعِبْرَةُ بِإِحْرَامِهِ (وَ) يُكَبِّرُ (فِي) عِيدِ (الْأَضْحَى خَلْفَ صَلَاةِ الْفَرَائِضِ) وَالنَّوَافِلِ وَلَوْ فَائِتَةً وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ (مِنْ) بَعْدِ صَلَاةِ (صُبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى)
ــ
[حاشية البجيرمي]
عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) وَتَكْبِيرُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ آكَدُ مِنْ تَكْبِيرِ لَيْلَةِ الْأَضْحَى بِالنَّظَرِ لِلْمُرْسَلِ، أَمَّا الْمُقَيَّدُ فِي الْأَضْحَى فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُرْسَلِ حَتَّى مِنْ مُرْسَلِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ اهـ ابْنُ شَرَفٍ.
قَوْلُهُ: (وَدَلِيلُهُ إلَخْ) ذَكَرَ أَدِلَّةً ثَلَاثَةً: الْأَوَّلُ: الْآيَةُ، وَالثَّانِي: الْقِيَاسُ، وَالثَّالِثُ: إظْهَارُ سُرُورِ الْعَبْدِ. كُلُّ دَلِيلٍ لِدَعْوَى مِمَّا قَبْلَهُ، وَالدَّعَاوَى ثَلَاثَةٌ: لَيْلَةُ عِيدِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةُ عِيدِ الْأَضْحَى، وَرَفْعُ الصَّوْتِ. قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى الرَّافِعِيُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِمْ) كَالزَّوْجِ وَالنِّسَاءِ، أَمَّا بِحَضْرَةِ مَنْ ذَكَرَ فَلَا يُكْرَهُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُونَ رَفْعِ الرِّجْلِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا جَازَ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ م د.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ) وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ، فَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّكْبِيرِ عَقِبَهَا فَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي حَقِّ مَنْ يُرِيدُ الْجَمَاعَةَ يَسْتَمِرُّ طَلَبُهُ مِنْهُ إلَى إحْرَامِ الْإِمَامِ وَإِنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ إلَى الزَّوَالِ أَوْ إلَى مَا بَعْدَهُ وَفِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ إلَى إحْرَامِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَصْلًا فَإِلَى الزَّوَالِ؛ فَاحْفَظْ ذَلِكَ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (إذْ الْكَلَامُ مُبَاحٌ إلَيْهِ) أَيْ إلَى دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: (فَالتَّكْبِيرُ أَوْلَى مَا يُشْتَغَلُ بِهِ) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ قِرَاءَةِ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْعِيدِ إذَا كَانَتْ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، فَلْيُحَرَّرْ شَوْبَرِيٌّ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ، أَيْ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ شِعَارُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَا ذُكِرَ وِرْدًا لَهُ فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (خَلْفَ صَلَاةِ الْفَرَائِضِ) قَالَ شَيْخُنَا ق ل: يَفُوتُ التَّكْبِيرُ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ اهـ. قُلْت: فِي شَرْحِ م ر أَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَا يَفُوتُ وَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ فَيَتَدَارَكُهُ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْأَيَّامِ لَا تَتِمَّةٌ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ سُجُودِ السَّهْوِ؛ وَهَذَا أَيْ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ ق ل وم ر فِي التَّكْبِيرِ الَّذِي يَرْفَعُ بِهِ الصَّوْتَ وَيَجْعَلُهُ شِعَارَ الْيَوْمِ، أَمَّا لَوْ اسْتَغْرَقَ عُمْرَهُ بِالتَّكْبِيرِ فِي نَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ اهـ أج. وَيَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْمُرْسَلِ عَنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهُ عَلَيْهَا، وَمِنْ الْمُرْسَلِ التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَيْسَ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّوَافِلِ) وَلَوْ مُطْلَقَةً وَذَاتَ سَبَبٍ لَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ ق ل. وَمِنْهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَقِفْ فِيهِمَا عَلَى نَقْلِ شَرْحِ الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَائِتَةً) وَقَضَاهَا فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَقْضِيَّةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَيَّامِ الْعِيدِ أَوْ غَيْرِهَا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِيهَا وَقَضَاهَا فِي غَيْرِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يُكَبِّرُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، بَلْ قَالَ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْوَقْتِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ) عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ. وَهَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَهَا لَا فِيهَا. وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ اسْتَثْنَاهَا كَصَاحِبِ التَّنْقِيحِ عَلَى مَا فِيهِ تَأْخِيرٌ، خُصُوصًا إذَا خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ بِنَحْوِ ظُهُورِ رِيحٍ كَمَا ذَكَرَهُ خ ض وَالرَّحْمَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ صُبْحِ) الَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُ وَقْتِ التَّكْبِيرِ بِمُجَرَّدِ الْفَجْرِ، وَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ الصُّبْحُ حَتَّى لَوْ صَلَّى فَائِتَةً أَوْ غَيْرَهَا قَبْلَهَا كَبَّرَ وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُهُ إلَى الْغُرُوبِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حَتَّى لَوْ قَضَى فَائِتَةً قُبَيْلَ الْغُرُوبِ كَبَّرَ
стр. 686
بَعْدِ صَلَاةِ (الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةِ لِلِاتِّبَاعِ، وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيُكَبِّرُ عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ إلَى عَقِبِ صُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ بِمِنًى، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يُكَبِّرُ بَلْ يُلَبِّي لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُهُ، وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ الصَّلَوَاتُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ فَلَا يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَهَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَالتَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يُسَمَّى مُقَيَّدًا وَمَا قَبْلَهُ مُطْلَقًا وَمُرْسَلًا.
(وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ) اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَاسْتُحْسِنَ فِي الْأُمِّ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَتَقْيِيدُهُمْ بِالْعَصْرِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ شَوْبَرِيٌّ اهـ. فَجُمْلَةُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُكَبِّرُ عَقِبَهَا غَيْرُ الْحَاجِّ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ: ثَلَاثَةٌ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْبَاقِي الْأَرْبَعَةُ بَعْدَهُ اهـ خ ض. قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ هُنَا: وَلَوْ قَالَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ صُبْحٍ أَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ صَلَاةٍ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى اهـ. لِيَشْمَلَ مَا إذَا صَلَّى نَافِلَةً أَوْ مَقْضِيَّةً قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَقَوْلُهُ: " إلَى بَعْدِ " فِيهِ جَرُّ " بَعْدِ " بِ " إلَى " مَعَ أَنَّهَا لَا تُجَرُّ إلَّا بِ " مِنْ " قَالَ بَعْضُهُمْ بَيْتًا: اُجْرُرْ بِمِنْ لَا غَيْرَ قَبْلَ بَعْدِ مَعَ لَدُنْ وَدُونَ عِنْدِ فَافْهَمْ تُتْبَعُ قَوْلُهُ: (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْرَاقِهَا بِضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَقِيلَ: لِتَشْرِيقِ اللَّحْمِ فِيهَا، أَيْ نَشْرِهِ وَتَقْدِيدِهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (الثَّلَاثَةِ) نُصَّ عَلَيْهَا لِلرَّدِّ عَلَى مَالِكٍ الْقَائِلِ إنَّهَا اثْنَتَانِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْحَاجُّ) خَرَجَ الْمُعْتَمِرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ إلَّا فِي زَمَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَعْمَالِهَا اهـ ق ل، أَيْ فَجُمْلَةُ مَا يُكَبِّرُهُ خَلْفَهُ مِنْ الْفَرَائِضِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَرْضًا كَمَا فِي مَتْنِ الْبَهْجَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَعِبَارَةُ أج: وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيُكَبِّرُ إلَخْ أَيْ فَلَا يُكَبِّرُ لَيْلَةَ الْأَضْحَى خِلَافًا لِلْقَفَّالِ بَلْ يُلَبِّي لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُهُ وَالْمُعْتَمِرُ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: (لَيْلَةَ الْأَضْحَى) جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ عِيدِ الْفِطْرِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ إذْ مِيقَاتُهُ الزَّمَانِيُّ يَدْخُلُ بِدُخُولِ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ حَاجًّا، إذْ الْمُرَادُ بِالْحَاجِّ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ حِينَئِذٍ فَيُلَبِّي وَلَا يُكَبِّرُ اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) أَيْ لِمَنْ تَحَلَّلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ التَّحَلُّلُ عَلَيْهِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ اُعْتُبِرَ التَّحَلُّلُ مُطْلَقًا لِأَنَّ شِعَارَ مَنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ التَّلْبِيَةُ ق ل. وَيُسَنُّ لَهُ إذَا رَأَى شَيْئًا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي ذِي الْحِجَّةِ التَّكْبِيرُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَغَيْرُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كَمَنْ رَأَى فَالتَّعْبِيرُ بِهَا، أَيْ بِالرُّؤْيَةِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إلَى عَقِبِ صُبْحِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ زي، فَالْحَاجُّ وَغَيْرُهُ مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَبْدَأِ وَمُشْتَرِكَانِ فِي النِّهَايَةِ. قَوْلُهُ: (عَقِبَ الصَّلَاةِ يُسَمَّى مُقَيَّدًا) وَلَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ وَأَذْكَارُ الصَّلَاةِ قَدَّمَهُ عَلَى الْأَذْكَارِ وَإِنْ كَانَ لَا يَفُوتُ. اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (الْمَحْبُوبَةُ) أَيْ الْمَسْنُونَةُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) أَيْ وَبَعْدَ مَا بَعْدَهَا مِنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ س ل.
قَوْلُهُ: (كَبِيرًا) حَالٌ أَوْ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: كَبَّرْت كَبِيرًا أَيْ رَبًّا كَبِيرًا أَيْ عَظِيمًا.
قَوْلُهُ: (كَثِيرًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: حَمْدًا. وَقَوْلُهُ: " بُكْرَةً " هِيَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالْبُكْرَةُ: الْغُدْوَةُ، وَالْجَمْعُ بُكَرٌ؛ وَقَوْلُهُ " وَأَصِيلًا " هُوَ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ، وَجَمْعُهُ: أُصُلٌ وَآصَالٌ، أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْأَزْمِنَةِ.
قَوْلُهُ: (صَدَقَ وَعْدَهُ) أَيْ فِي وَعْدِهِ أَيْ بِنَصْرِ نَبِيِّهِ وَجُنْدُهُ هُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَالضَّمِيرُ إمَّا لِلَّهِ أَوْ لِلْعَبْدِ؛ وَالْأَحْزَابُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْقَبَائِلِ، وَكَانُوا عَشْرَةَ آلَافٍ وَأَمِيرُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ قَبْلَ إسْلَامِهِ، غَزَا بِهِمْ الْمَدِينَةَ وَهِيَ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا لَيْلًا هَدَمَتْ الْخِيَامَ وَأَكْفَأَتْ الْقُدُورَ فَهَزَمَهُمْ بِهَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ سُورَةَ الْأَحْزَابِ. قَوْلُهُ: (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) وَأَمَّا كَلِمَةُ " وَأَعَزَّ جُنْدَهُ " فَغَيْرُ وَارِدَةٍ فَلَمْ تُطْلَبْ، لَكِنْ نَصَّ الْعَلْقَمِيُّ عَلَى أَنَّهَا وَارِدَةٌ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَبْعُدُ اسْتِحْبَابُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] مَعَ تَفْسِيرِهِ بِلَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي كَمَا قَالَهُ ع ش.
стр. 687
الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ هِلَالِ شَوَّالٍ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ فَنُفْطِرُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ بِزَمَنٍ يَسَعُ الِاجْتِمَاعَ وَالصَّلَاةَ أَوْ رَكْعَةً مِنْهَا صَلَّى الْعِيدَ حِينَئِذٍ أَدَاءً وَإِلَّا فَتُصَلَّى قَضَاءً مَتَى أُرِيدَ قَضَاؤُهَا، أَمَّا شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ بِأَنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا تُقْبَلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهَا كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْعِبْرَةُ فِيمَا لَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الزَّوَالِ وَعُدِّلُوا بَعْدَهُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ تَتِمَّةٌ: قَالَ الْقَمُولِيُّ: لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدِ وَالْأَعْوَامِ وَالْأَشْهُرِ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ الْحَافِظِ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ) أَيْ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ لِحَرْبِهِ ﵊؛ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، أَوْ الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَحَزَّبَ مِنْ الْكُفَّارِ لِحَرْبِهِ ﵊ فَتَكُونُ اسْتِغْرَاقِيَّةً كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ؛ وَعِبَارَةُ تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] يَعْنِي الْأَحْزَابَ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَيَهُودُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَكَانُوا زُهَاءَ أَيْ قَدْرَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] رِيحَ الصَّبَا ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. «رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا سَمِعَ بِإِقْبَالِهِمْ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَمَضَى عَلَى الْفَرِيقَيْنِ قَرِيبُ شَهْرٍ لَا حَرْبَ بَيْنَهُمْ إلَّا التَّرَامِي بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَبًّا أَيْ: رِيحًا بَارِدَةً فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ، فَأَخْصَرَتْهُمْ وَسَفَتْ التُّرَابَ فِي وُجُوهِهِمْ وَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُمْ وَقَلَعَتْ خِيَامَهُمْ وَهَاجَتْ الْخَيْلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَكَبَّرَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي جَوَانِبِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ خُلَيْدٍ الْأَسَدِيُّ: أَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ رَمَاكُمْ بِالسِّحْرِ فَالنَّجَاءُ النَّجَاءُ، فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ» اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ هِلَالِ شَوَّالٍ إلَخْ) وَيَكْفِي فِيهَا وَاحِدٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْفِطْرِ، أَمَّا لِوُقُوعِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الثَّلَاثِينَ) أَيْ بِأَنْ شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ كَمَا فِي الْمَرْحُومِيِّ. قَالَ شَيْخُنَا ح ف: تَسْمِيَتُهُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ إنَّمَا هُوَ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ، أَيْ بِالنَّظَرِ لِمَا قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ، وَإِلَّا فَهُوَ أَوَّلُ شَوَّالٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ بِدُونِ الزَّمَنِ الْمَذْكُورِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تُقْبَلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ) أَيْ فِي تَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِتَرْكِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي قَبُولِهَا إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ فَلَا يُصْغَى إلَيْهَا اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّ شَوَّالًا قَدْ دَخَلَ يَقِينًا وَصَوْمَ ثَلَاثِينَ قَدْ تَمَّ، فَلَا فَائِدَةَ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَّا الْمَنْعَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ قَضَاءَهَا يُمْكِنُ لَيْلًا، وَهُوَ أَقْرَبُ وَأَحْوَطُ؛ وَأَيْضًا فَالْقَضَاءُ هُوَ مُقْتَضَى شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الصَّادِقَةِ كَمَا أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِهَا وَتُنْوَى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً مَعَ عِلْمِنَا بِالْقَضَاءِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ بُلُوغِ الْمُخْبِرِينَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؟ . اهـ. سم. قَوْلُهُ: (فَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ) الظَّاهِرُ وَلَوْ لِلرَّائِي شَوْبَرِيٌّ، وَلَيْسَ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوَّلُ شَوَّالٍ مُطْلَقًا بَلْ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ وَيَوْمَ عَرَفَةَ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ هُوَ وَإِنْ كَانَ الْعَاشِرَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ» وَرَوَى الشَّافِعِيُّ: «عَرَفَةُ يَوْمَ يُعَرِّفُونَ» اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَالْعِبْرَةُ فِيمَا لَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الزَّوَالِ إلَخْ) فَإِنْ عَدَّلُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ فَتُصَلَّى الْعِيدُ قَضَاءً مَتَى شَاءَ قَضَاءَهَا وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، خِلَافًا لِمُقَابِلِ الْأَظْهَرِ الْقَائِلِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَهْرٍ؛ وَإِنْ كَانَ التَّعْدِيلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ صُلِّيَتْ مِنْ الْغَدِ أَدَاءً. قَوْلُهُ: (وَعَدَّلُوا بَعْدَهُ) أَيْ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ. قَوْلُهُ: (بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الْحُكْمِ بِهَا، فَتُصَلَّى الْعِيدُ قَضَاءً شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَإِذَا شَهِدُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَدَّلُوا بَعْدَهُ فَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً اعْتِبَارًا بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ. قَوْلُهُ: (فِي التَّهْنِئَةِ) التَّهْنِئَةُ ضِدُّ التَّعْزِيَةِ فَهِيَ الدُّعَاءُ بِعَوْدِ السُّرُورِ، وَالتَّعْزِيَةُ حَمْلُ الْمُصَابِ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّهْنِئَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى
стр. 688
لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ.
وَأَجَابَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ عَقَدَ لِذَلِكَ بَابًا فَقَالَ: بَابُ مَا رُوِيَ فِي قَوْلِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك وَسَاقَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَخْبَارٍ وَآثَارٍ ضَعِيفَةٍ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَجُّ لِعُمُومِ التَّهْنِئَةِ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ يَنْدَفِعُ مِنْ نِقْمَةٍ بِمَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ الشُّكْرِ وَالتَّعْزِيَةِ، وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَمَضَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ إلَيْهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهَنَّأَهُ» وَيُنْدَبُ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ بِالْعِبَادَةِ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِإِحْيَاءِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفِ لِلْقَمَرِ وَهَذَا هُوَ الْأَفْصَحُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَيُقَالُ فِيهِمَا كُسُوفَانِ وَخُسُوفَانِ قَالَ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ: إنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ لِعَدَمِ تَغَيُّرِهَا فِي نَفْسِهَا لِاسْتِفَادَةِ ضَوْئِهَا مِنْ جِرْمِهَا، وَإِنَّمَا الْقَمَرُ يَحُولُ بِظُلْمَتِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا مَعَ بَقَاءِ نُورِهَا فَيُرَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ) أَيْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (مَشْرُوعَةٌ) أَيْ مَسْنُونَةٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ م د.
قَوْلُهُ: (تَقَبَّلَ اللَّهُ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ التَّهْنِئَةِ، وَمِنْهُ: أَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِخَيْرٍ، وَالْمُرَادُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكُمْ صَلَاةَ الْعِيدِ وَالْأَضْحَى وَالْقِيَامِ. قَوْلُهُ: (وَسَاقَ مَا ذَكَرَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْزِيَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا، مِنْ قَوْلِهِ بِمَا يَحْدُثُ. وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِالتَّعْزِيَةِ عَلَى التَّهْنِئَةِ أَنَّهَا تُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سُنَّتْ التَّعْزِيَةُ عَلَى الْمُصِيبَةِ سُنَّتْ التَّهْنِئَةُ عَلَى السُّرُورِ.
قَوْلُهُ: (كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) هُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْخَزْرَجِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الْآيَةُ، وَالثَّلَاثَةُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ،. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. خَاتِمَةٌ: اجْتِمَاعُ النَّاسِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِلدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ عَرَفَةَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ؛ وَكَرِهَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ وَسَبَقَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ، رَحْمَانِيٌّ. وَقَالَ الشَّيْخُ الطُّوخِيُّ بِحُرْمَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ الْآنَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ الْمُنْكَرَةِ مَا يُفْعَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبُلْدَانِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ الْكَثِيرَةِ. الْعَظِيمَةِ السَّرَفِ فِي لَيَالٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ السَّنَةِ كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ أَيْضًا مَا يُفْعَلُ فِي الْجَوَامِعِ مِنْ إيقَادِ الْقَنَادِيلِ وَتَرْكِهَا إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعُ؛ وَهُوَ فِعْلُ الْيَهُودِ فِي كَنَائِسِهِمْ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ. وَأَكْثَرُ مَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَهُوَ حَرَامٌ، وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَيْضًا وُقُودُ الشَّمْعِ الْكَثِيرِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ بِمِنًى؛ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ حَرَامٌ شَدِيدُ الْحُرْمَةِ اهـ. مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ لِابْنِ عَبْدَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ]
ِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهَا صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَحْرِيرِهِ لِمُنَاسَبَةِ اشْتِرَاكِهَا مَعَ الْعِيدَيْنِ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَوَجْهُ ذِكْرِهَا عَقِبَ صَلَاةِ الْعِيدِ تَمَامُ مُشَابَهَتِهَا لَهَا بِخِلَافِ الْكُسُوفِ أَبْعَدَ الشَّبَهَ فِيهَا زِيَادَةُ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَلِأَنَّ وَقْتَهَا أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ الْمُخْتَارَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ اهـ. وَبِمَا ذُكِرَ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ صَلَاةَ الْكُسُوفَيْنِ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَمَا صَنَعَ فِي الْمَنْهَجِ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَيْهِ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ الِاسْتِسْقَاءُ عَقِبَ الْعِيدِ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ مِنْ طَلَبِ التَّكْبِيرِ فِيهَا وَإِنْ أُبْدِلَ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ بِالِاسْتِغْفَارِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْأَفْصَحُ) وَالْوَاقِعُ أَيْضًا لِأَنَّ الْكُسُوفَ السَّتْرُ وَالْخَسْفَ الذَّهَابُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ " لَا حَقِيقَةَ لَهُ " أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَهَابُ ضَوْئِهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ يَسْتَتِرُ هُنَا حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا الْقَمَرُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا إلَخْ) وَأَبْطَلَهُ
стр. 689
لَوْنُ الْقَمَرِ كَمَدًا فِي وَجْهِ الشَّمْسِ فَيُظَنُّ ذَهَابُ ضَوْئِهَا، وَأَمَّا خُسُوفُ الْقَمَرِ فَحَقِيقَةٌ بِذَهَابِ ضَوْئِهِ لِأَنَّ ضَوْءَهُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَكُسُوفَهُ بِحَيْلُولَةِ ظِلِّ الْأَرْضِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَبَيْنَهُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ ضَوْءٌ أَلْبَتَّةَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الشَّمْسَ أَضْعَافُ الْقَمَرِ فَكَيْفَ يَحْجُبُ الْأَصْغَرُ الْأَكْبَرَ إذَا قَابَلَهُ؟ قَسْطَلَّانِيٌّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ. وَسُئِلَ م ر: هَلْ الْقَمَرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي آخَرَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ قَمَرًا جَدِيدًا. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ قُرْصِ الشَّمْسِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَقُرْصِ الْقَمَرِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الشَّمْسَ يُؤْذَنُ لَهَا أَنْ تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ لِلَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَالْقَمَرَ لَا يُؤْذَنُ لَهُ إلَّا لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشْرَ مِنْ الشَّهْرِ، فَإِذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ يَزِيدُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَرَحًا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي السُّجُودِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْقُصُ وَيَدُقُّ غَمًّا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ. وَالْكُسُوفُ لُغَةً: التَّغَيُّرُ إلَى السَّوَادِ، يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ إذَا اسْوَدَّتْ وَذَهَبَ شُعَاعُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ كَاسِفُ الْحَالِ أَيْ مُتَغَيِّرُهُ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخُسُوفُ الْمَحْوُ وَالْكُسُوفُ الِاسْتِتَارُ.
قَوْلُهُ: (بِظُلْمَتِهِ) أَيْ بِجِرْمِهِ الْمُظْلِمِ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ضُوءَهُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ) أَيْ مُسْتَفَادٌ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْلُولَةِ ظِلِّ الْأَرْضِ) أَيْ جِرْمِهَا كَمَا هُوَ الصَّوَابُ. اهـ. ق ل. وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الشَّمْسُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ صَالِحَةٌ، فَإِذَا حَالَ جِرْمُ الْأَرْضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا انْمَحَى النُّورُ عَنْ جِرْمِهِ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ الْخُسُوفُ إلَّا فِي أَنْصَافِ الْأَشْهُرِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ وَمَا وَقَعَ فِي غَيْرِهَا فَمِنْ خَرْقِ الْعَادَاتِ وَاَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الشَّمْسَ قَدْرَ الْأَرْضِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً وَجَعَلَ سَيْرَهَا فِي الْبُرُوجِ مِنْ السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ لِأَنَّ الْبُرُوجَ اثْنَا عَشْرَ وَهِيَ تَسِيرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فِي بُرْجٍ مِنْهَا فَتَرْجِعُ فِي السَّنَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي ابْتَدَأَتْ مِنْهُ السَّيْرَ، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَسْفَلِ الْبُرُوجِ وَفِي الصَّيْفِ فِي أَعْلَى الْبُرُوجِ وَلَا تَجْتَمِعُ مَعَ الْقَمَرِ فِي سُلْطَانِهِ لِئَلَّا يُبْطِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَاصِّيَّةَ صَاحِبِهِ، إذْ فِي الشَّمْسِ خَصَائِصُ لَا تُوجَدُ فِي الْقَمَرِ وَبِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الشَّمْسَ طَبَّاخَةً لِلثِّمَارِ وَالْفَاكِهَةِ وَلَوْلَاهَا مَا نَبَتَ زَرْعٌ وَلَا خَرَجَتْ فَاكِهَةٌ، وَلَهَا خَصَائِصُ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا، وَجَعَلَ اللَّهُ الْقَمَرَ صَبَّاغًا لِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ وَفِيهِ خَوَاصُّ أُخَرُ. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ: الْحِكْمَةُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَجْرَى فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ وَخُصُوصًا النَّيِّرِينَ فَقَضَى عَلَيْهِمَا بِالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَصَيَّرَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ إشْرَاقِ نُورِهِمَا وَمَا يَظْهَرُ مَعَ حُسْنِ آثَارِهِمَا مَأْمُورَانِ فِي مَصَالِحِ الْعِبَادِ مُسَيَّرَانِ وَفِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُكَوَّرَانِ فَسُبْحَانَ الْحَكِيمِ. قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: سَبَبُ كُسُوفِ الشَّمْسِ تَخْوِيفُ الْعِبَادِ بِحَبْسِ ضَوْئِهَا لِيَرْجِعُوا إلَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ إذَا حُبِسَتْ لَمْ يَنْبُتْ زَرْعٌ وَلَمْ يَجِفَّ ثَمَرٌ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ نُضْجٌ. وَقِيلَ: سَبَبُهُ تَجَلِّي اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ مَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ إلَّا خَضَعَ، فَقَدْ تَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا. وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَجُرُّهَا وَفِي السَّمَاءِ بَحْرٌ فَإِذَا وَقَعَتْ فِيهِ حَالَ سَيْرِهَا اسْتَتَرَ ضَوْءُهَا. وَسَبَبُ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَنَّهَا تَغِيبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أَيْ ذَاتُ حَمَأٍ أَيْ طِينٍ. وَقِيلَ: سَبَبُ غُرُوبِهَا أَنَّهَا عِنْدَ وُصُولِهَا لِآخِرِ السَّمَاءِ تَطْلُعُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إنَّ قَوْمًا يَعْصُونَك، فَيَقُولُ: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ شِئْت فَتَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَطْلُعَ مِنْ الْمَشْرِقِ. وَمِنْ خَوَاصِّ الشَّمْسِ أَنَّهَا تُرَطِّبُ بَدَنَ الْإِنْسَانِ إذَا نَامَ فِيهَا وَتُسَخِّنُ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَتُبَرِّدُ الْبِطِّيخَ الْحَارَّ. وَمِنْ خَوَاصِّ الْقَمَرِ أَنَّهُ إذَا نَامَ فِيهِ الْإِنْسَانُ يَصْفَرُّ لَوْنُهُ وَيَثْقُلُ رَأْسُهُ وَيُسَوِّسُ الْعِظَامَ وَيُبْلِي ثِيَابَ الْكَتَّانِ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ عَلِيٍّ عَنْ السَّوَادِ الَّذِي فِيهِ، فَقَالَ: إنَّهُ أَثَرُ مَسْحِ جَنَاحِ جِبْرِيلَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ نُورَ الْقَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا وَمِثْلُهُ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَ جِبْرِيلَ فَمَسَحَهُ بِجَنَاحِهِ فَمَحَا مِنْ الْقَمَرِ تِسْعَةً وَسِتِّينَ جُزْءًا فَحَوَّلَهَا إلَى الشَّمْسِ فَأَذْهَبَ عَنْهُ الضَّوْءَ وَأَبْقَى فِيهِ النُّورَ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] . وَإِذَا نَظَرْت إلَى
стр. 690
قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] أَيْ عِنْدَ كُسُوفِهِمَا، وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» (وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ) الشَّامِلِ لِلْخُسُوفِ (سُنَّةٌ) لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرُهُ مُؤَكَّدَةٌ «لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهَا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ» كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِخُسُوفِ الْقَمَرِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِهِ عَنْ الثِّقَاتِ وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ أَيْ الْخَمْسِ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» وَلِأَنَّهَا ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَذَانَ لَهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ: لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةٍ لِتَأَكُّدِهَا لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَالْمَكْرُوهُ قَدْ يُوصَفُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
السَّوَادِ الَّذِي فِيهِ وَجَدْتَهُ حُرُوفًا أَوَّلُهَا الْجِيمُ وَثَانِيهَا الْمِيمُ وَثَالِثُهَا الْيَاءُ وَاللَّامُ وَالْأَلِفُ آخِرُ الْكُلِّ أَيْ جَمِيلًا، وَقَدْ شَاهَدْت ذَلِكَ وَقَرَأْتُهُ مِرَارًا اهـ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الْحِفْنِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ. قَوْلُهُ: (أَلْبَتَّةَ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَالنَّصْبِ دَائِمًا ق ل.
قَوْلُهُ: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] أَيْ صَلُّوا. قَوْلُهُ: (آيَتَانِ) تَثْنِيَةُ آيَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ الْمَخْلُوقَةُ لِلَّهِ الدَّالَّةُ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَعِظَمِ قُدْرَتِهِ، أَوْ عَلَى تَخْوِيفِ عِبَادِهِ مِنْ بَأْسِهِ وَسَطْوَتِهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَهُ ﷺ لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِهِ مِنْ مَارِيَةِ الْقِبْطِيَّةِ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ ﵇، فَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِأَنَّ كُسُوفَهَا لِأَجْلِ مَوْتِهِ؛ وَكَانَ مَوْتُهُ عَاشِرَ رَبِيعِ الْأَوَّلِ وَعَاشَ إبْرَاهِيمُ ﵇ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ عَاشَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا؛ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِحَيَاتِهِ) اُسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ السِّيَاقَ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ ظَنَّ الْكُسُوفَ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ ﵇ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَيَاةَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْحَيَاةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفَقْدِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإِيجَادِ فَعَمَّمَ الشَّارِعُ الْمَنْفِيَّ لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ شَوْبَرِيٌّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَلَا لِحَيَاتِهِ " لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ كَمَا تَكُونُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ تَكُونُ بِحَيَاتِهِ كَالْيَزِيدِ وَالْحَجَّاجِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أَيْ شَيْئًا مِنْهُ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا عَادَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَصَلُّوا) أَيْ الصَّلَاةَ الْمَعْرُوفَةَ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ بِفِعْلِهِ ﷺ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَادْعُوَا) نَدْبًا وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالدُّعَاءِ لِأَنَّ النُّفُوسَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْخَارِقِ تُعْرِضُ عَنْ الدُّنْيَا وَتَتَوَجَّهُ لِلْحَضْرَةِ الْعَلِيَّا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ. لَا يُقَالُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ إذَا لَمْ تَنْجَلِ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ وَقَدْ يُرَادُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَتَكُونُ الْغَايَةُ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يَمْتَدَّ الدُّعَاءُ إلَى الِانْجِلَاءِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ الْكُسُوفِ الدُّعَاءُ بِكَشْفِهِ وَصَلَاةٍ تَخُصُّهُ، وَأَنَّهَا تُسَنُّ جَمَاعَةً، وَأَنَّ الْكَوَاكِبَ لَا فِعْلَ لَهَا وَلَا تَأْثِيرَ اسْتِقْلَالًا بَلْ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ وَلَمَّا خَسَفَ الْقَمَرُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ جَعَلَتْ الْيَهُودُ يَرْمُونَهُ بِالسَّهْمِ وَيَضْرِبُونَ بِالطَّاسِ أَيْ بِالنُّحَاسِ وَيَقُولُونَ سُحِرَ الْقَمَرُ، فَصَلَّى ﵊ صَلَاةَ الْخُسُوفِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى الطَّاسِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ خُسُوفِ الْقَمَرِ فِعْلُ الْيَهُودِ فَيُنْكَرُ حِينَئِذٍ لِعُمُومِ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ اهـ عَنَانِيٌّ. قَوْلُهُ: (مَا بِكُمْ) أَيْ الَّذِي حَلَّ بِكُمْ مِنْ الْخَوْفِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ تِلْكَ الْآيَةِ وَهُوَ لَا يَزُولُ إلَّا بِانْجِلَائِهَا. قَوْلُهُ: (وَوَاظَبَ عَلَيْهَا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ كُسُوفُهُمَا فِي زَمَنِهِ فَمَا مَعْنَى الْمُوَاظَبَةِ تَأَمَّلْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ وَاظَبَ لَوْ وَقَعَ أَوْ الْمُرَادُ أَمَرَ بِذَلِكَ وَوَاظَبَ النَّاسُ عَلَيْهَا بَعْدَهُ ق ل. وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ أَنَّ الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّ خُسُوفَ الْقَمَرِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ إلَّا مَرَّةً، فَالْمُرَادُ الْمُوَاظَبَةُ فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا إلَخْ) أَصْلُ الْكَلَامِ: وَلِأَنَّهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي أَنَّهَا ذَاتُ رُكُوعٍ إلَخْ، فَقَوْلُهُ " ذَاتُ رُكُوعٍ " بَيَانٌ لِلْجَامِعِ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَأَشَارَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ لِرَدِّ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ بَقِيَّةُ كَلَامِهِ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) وَلَمَّا
стр. 691
بِعَدَمِ الْجَوَازِ مِنْ جِهَةِ إطْلَاقِ الْجَائِزِ عَلَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ
(فَإِنْ فَاتَتْ) وَفَوَاتُ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالِانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، وَفَوَاتُ صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ بِالِانْجِلَاءِ وَبِطُلُوعِ الشَّمْسِ لَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ (لَمْ تُقْضَ) لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَتْ، فَإِنْ حَصَلَ الِانْجِلَاءُ أَوْ الْغُرُوبُ فِي الشَّمْسِ أَوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ فِي الْقَمَرِ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ (وَيُصَلِّي) الشَّخْصُ (لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَيَقْرَأُ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ الْفَاتِحَةَ، وَيَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثَانِيًا ثُمَّ يَرْكَعُ ثَانِيًا ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثَانِيًا
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَانَتْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مُتَّفَقًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا جَعَلَهَا أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِوُجُوبِهَا أَيْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ) وَهُوَ الْمُبَاحُ لِأَنَّهُ اسْتَوَى فِعْلُهُ وَعَدَمُ فِعْلِهِ وَهُمَا الطَّرَفَانِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ " لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا " أَيْ لَا يُبَاحُ تَرْكُهَا بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (وَفَوَاتُ صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ إلَخْ) بِمَعْنَى يَمْتَنِعُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا بِمَعْنَى فَوَاتِ الْأَدَاءِ، وَتَقْيِيدُ الْفَوَاتِ بِالصَّلَاةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ «خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ إنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ الِانْجِلَاءِ» اهـ عَبْدُ الْبَرِّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِالِانْجِلَاءِ) أَيْ التَّامِّ يَقِينًا، فَلَهُ الشُّرُوعُ فِيهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهِ، وَإِذَا تَبَيَّنَ الْحَالَ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ. قَالَ: فَإِنْ قُلْت: لِمَ فَاتَتْ صَلَاةُ الْخُسُوفِ بِالِانْجِلَاءِ وَلَمْ تَفُتْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ بِالسُّقْيَا؟ قُلْت: لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلنَّاسِ عَنْ مَجِيءِ الْغَيْثِ، فَتَكُونُ صَلَاتُهُمْ ثَمَّ لِطَلَبِ الْغَيْثِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُنَا لِأَجْلِ الْخُسُوفِ وَقَدْ زَالَ بِالِانْجِلَاءِ؛ وَالْمُعْتَمَدُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ إذَا فُعِلَتْ بَعْدَ السُّقْيَا أَنَّهُ إنَّمَا يَنْوِي بِهَا الشُّكْرَ عَلَى مَا حَصَلَ فَافْهَمْ وَلَوْ حَالَ دُونَ الشَّمْسِ سَحَابٌ وَشَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ أَوْ الْكُسُوفِ وَقَالَ مُنَجِّمٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ انْجَلَتْ أَوْ انْكَسَفَتْ لَمْ يُؤَثِّرْ فَتُصَلَّى فِي الْأَوْلَى أَدَاءً، إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ الْكُسُوفِ دُونَ الثَّانِي، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ؛ وَقَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِمْ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَالصَّوْمِ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَاحْتِيطَ لَهَا، وَبِأَنَّ دَلَالَةَ عِلْمِهِ أَيْ الْمُنَجِّمِ عَلَى ذَيْنِك أَيْ الْوَقْتِ وَالصَّوْمِ أَقْوَى مِنْهَا هُنَا وَذَلِكَ لِفَوَاتِ سَبَبِهَا. اهـ. م ر. وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ ظَنًّا بَقَاءَ الْوَقْتِ فَبَانَ خِلَافُهُ وَقَعَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا، بِخِلَافِهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ إذْ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ مُطْلَقٌ عَلَى صُورَتِهَا وَلَا تُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ سَوَاءٌ أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ أَمْ لَا، اُنْظُرْ خ ض. قَوْلُهُ: (وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً) اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِغُرُوبِهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ أَيَّامُ الدَّجَّالِ فَلَا يُصَلِّي لَهَا إذَا كَسَفَتْ فِيمَا يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَيْلٌ لِأَنَّ هَذَا لَيْلٌ تَقْدِيرًا؟ أَوْ الْمُرَادُ بِغُرُوبِهَا حَقِيقَةً لَا حُكْمًا فَيُصَلِّي لَهَا إذَا كَسَفَتْ فِيمَا يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَيْلٌ لَا نَهَارٌ مَوْجُودَةً بِالْفِعْلِ وَيُنْتَفَعُ بِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ مَالَ شَيْخُنَا ز ي إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي لَهَا إذَا كَسَفَتْ فِيمَا يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَيْلٌ وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهَا لِأَنَّهُ لَيْلٌ تَقْدِيرًا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا مَا يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ. وَيُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا صَلَاةُ كُسُوفِ شَمْسٍ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ وَصَلَاةُ خُسُوفِ قَمَرٍ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا ز ي أَنَّهُ يُصَلِّي لِلْقَمَرِ إذَا خَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ انْتِفَاعًا تَامًّا وَهُوَ مِنْ النَّهَارِ حَقِيقَةً، فَعُهِدَ لَنَا أَنَّا نُصَلِّي لِأَحَدِ الْكُسُوفَيْنِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الْمَعْهُودِ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ. قَوْلُهُ: (وَبِطُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ جُزْءٍ مِنْهَا اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (لَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) أَيْ وَلَا بِغُرُوبِ الْقَمَرِ خَاسِفًا كَمَا لَوْ اسْتَتَرَ بِغَمَامٍ. وَيُفَارِقُ غُرُوبَ الشَّمْسِ كَاسِفَةً بِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ سُلْطَانِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ: " وَلَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ " لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِضَوْئِهِ فِيهِ فَهُوَ مَحَلُّ سُلْطَانِهِ فَأُلْحِقَ بِاللَّيْلِ، بَلْ هُوَ لَيْلٌ حَقِيقَةً عِنْدَ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ لِأَنَّ النَّهَارَ عِنْدَهُمْ مِنْ ظُهُورِ الشَّمْسِ وَاللَّيْلُ عَدَمُهُ اهـ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يُصَيِّرُهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ هُنَا كَمَا بَعْدَهُ فَالْوَقْتُ وَاحِدٌ فَلَمْ يَخْرُجْ أَيُّ الْوَقْتِ. اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (لَمْ تُقْضَ) أَيْ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهَا. وَعِبَارَةُ أج: لَمْ تُقْضَ أَيْ لَمْ يُطْلَبْ قَضَاؤُهَا بَلْ لَا يَصِحُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ) لَكِنْ إذَا غَرَبَتْ وَقَدْ بَقِيَ الرَّكْعَتَانِ أَوْ رَكْعَةٌ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، كَمَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ حَيْثُ يُسِرُّ فِيمَا بَقِيَ، كَمَا لَوْ صَلَّى مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ بَعْدَ فِعْلِ رَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ حَيْثُ يُسِرُّ فِي رَكْعَةِ الصُّبْحِ وَيَجْهَرُ فِي رَكْعَةِ الْعَصْرِ. أَمَّا لَوْ شَرَعَ فِيهَا ظَانًّا بَقَاءَهُ فَتَبَيَّنَ الِانْجِلَاءَ قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بَطَلَتْ، وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا مُطْلَقًا إنْ صُلِّيَتْ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ عَلَى هَيْئَتِهَا اهـ سم.
قَوْلُهُ: (فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ كَوْنِهَا لِلشَّمْسِ أَوْ
стр. 692
ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَتَيْنِ، وَيَأْتِي بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي مَحَلِّهَا فَهَذِهِ رَكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً ثَانِيَةً كَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا أَقَلُّهَا أَيْ إذَا شَرَعَ فِيهَا بِنِيَّةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَإِلَّا فَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ صَحَّتْ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَقَلُّ الْكَمَالِ وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ فَأَكْثَرَ لِطُولِ مُكْثِ الْكُسُوفِ، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ رُكُوعٍ لِلِانْجِلَاءِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَا يُزَادُ عَلَى أَرْكَانِهَا، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا وَوَرَدَ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّكُوعَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَهِيَ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، فَقُدِّمَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَأَكْمَلِهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ) قَبْلَ السُّجُودِ.
(يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا) فَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَسَوَابِقِهَا مِنْ افْتِتَاحٍ وَتَعَوُّذٍ الْبَقَرَةَ بِكَمَالِهَا إنْ أَحْسَنَهَا وَإِلَّا فَقَدْرُهَا، وَيَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي كَمِائَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ كَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْهَا، وَفِي الْقِيَامِ الرَّابِعِ كَمِائَةٍ مِنْهَا تَقْرِيبًا فِي الْجَمِيعِ وَنُصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي آلَ عِمْرَانَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الثَّالِثِ النِّسَاءَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الرَّابِعِ الْمَائِدَةَ أَوْ قَدْرَهَا، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافًا بَلْ هُوَ لِلتَّقْرِيبِ (وَفِي) كُلِّ رَكْعَةٍ (رُكُوعَانِ يُطِيلُ التَّسْبِيحَ فِيهِمَا) فَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ الرُّكُوعَاتِ الْأَرْبَعَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ مِائَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ، وَفِي الرُّكُوعِ الثَّانِي قَدْرَ ثَمَانِينَ مِنْهَا، وَفِي الرُّكُوعِ الثَّالِثِ قَدْرَ سَبْعِينَ مِنْهَا بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ خِلَافًا لِمَا فِي التَّنْبِيهِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى السِّينِ، وَفِي الرَّابِعِ قَدْرَ خَمْسِينَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِلْقَمَرِ، ثُمَّ إنْ نَوَاهَا بِرُكُوعَيْنِ تُعَيَّنُ أَوْ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ مَثَلًا تُعَيَّنُ وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَيَأْتِي ق ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَعْتَدِلُ) أَيْ قَائِلًا: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ " وَيَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَفْعٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الرَّفْعِ الْأَوَّلِ بَلْ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ اعْتِدَالًا اهـ أج مَعَ زِيَادَةِ. قَوْلِهِ: (كَسُنَّةِ الظُّهْرِ) إنَّمَا آثَرَ الظُّهْرَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ فَلَوْ نَوَاهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ ثُمَّ عَنَّ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ يَزِيدَ رُكُوعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ) أَيْ قَوْلُهُمْ إنَّ هَذَا أَقَلُّهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ) فَتَبْطُلُ بِذَلِكَ كَمَا لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ بِهِ ق ل وَلَا يُكَرِّرُهَا قَوْلُهُ: (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ فِي «صَلَاتِهِ ﷺ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَسَوَابِقِهَا إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَا تَكْبِيرَ فِيهَا كَالْعِيدَيْنِ وَلَا اسْتِغْفَارَ، وَأَمَّا خُطْبَتَاهَا فَسَيَأْتِي يَقُولُ لَكِنْ لَا يُكَبِّرُ فِيهِمَا إلَخْ. نَعَمْ لَا يَبْعُدُ سَنُّ الِاسْتِغْفَارِ فِيهِمَا كَالِاسْتِسْقَاءِ. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (الْبَقَرَةَ) أَيْ لِأَنَّهَا فُسْطَاطُ الْقُرْآنِ وَسَنَامُهُ وَلُبَابُهُ تَعَلَّمَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِفِقْهِهَا وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي ثَمَانِ سِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ وَأَلْفُ نَهْيٍ وَأَلْفُ حُكْمٍ وَأَلْفُ خَبَرٍ، أَخْذُهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكُهَا حَسْرَةٌ لَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ وَهُمْ السَّحَرَةُ لِمَجِيئِهِمْ بِالْبَاطِلِ إذَا قُرِئَتْ فِي بَيْتٍ لَمْ تَدْخُلْهُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَمِائَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا) أَيْ الْآيَاتِ الْمُعْتَدِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَنُصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ) أَيْ فِي كِتَابِهِ؛ وَهُوَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ مِنْ بُوَيْطَ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى، كَانَ خَلِيفَةَ الشَّافِعِيِّ ﵁ مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرَهَا) ذِكْرُ ذَلِكَ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مُدْرَجٌ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَهُ ق ل. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْإِطَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ بِهَا. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِالنُّدُورِ أَوْ بِأَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَيْضًا الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِخُصُوصِ شَيْءٍ فِيهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَاهُمْ. اهـ. شَرْحُ م ر. وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ بَعْضَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الثَّالِثِ النِّسَاءَ) إنْ قُلْت: هَذَا النَّصُّ يَقْتَضِي تَطْوِيلَ الْقِيَامِ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي إذْ النِّسَاءُ أَطْوَلُ مِنْ آلِ عِمْرَانَ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ النَّصِّ الْأَوَّلِ فِيهِ تَطْوِيلُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَصْلُ، إذْ الثَّانِي فِيهِ مِائَتَانِ وَالثَّالِثُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَبَيْنَ النَّصَّيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّارِحُ لَيْسَ اخْتِلَافًا إلَخْ؟ قُلْت: نَعَمْ نَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ؛ وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ بِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِ النَّصَّيْنِ تَخْيِيرُهُ بَيْنَ تَطْوِيلِ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَنَقْصِهِ عَنْهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّابِعِ قَدْرُ خَمْسِينَ) هَلَّا قَالَ: قَدْرُ سِتِّينَ؟ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: قَالَ ع ش: وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَنَّهُ جَعَلَ نِسْبَةَ الرَّابِعِ لِلثَّالِثِ كَنِسْبَةِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ وَقَدْ نَقَصَ عَنْهُ عِشْرِينَ،
стр. 693
مِنْهَا تَقْرِيبًا فِي الْجَمِيعِ لِثُبُوتِ التَّطْوِيلِ مِنْ الشَّارِعِ بِلَا تَقْدِيرٍ (دُونَ السَّجَدَاتِ) أَيْ فَلَا يُطِيلُهَا كَالْجُلُوسِ بَيْنَهَا وَالِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي وَالتَّشَهُّدِ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ، وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «فِي صَلَاتِهِ ﷺ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ» وَنُصَّ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا قَالَ الْبَغَوِيّ: فَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْإِطَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا الْمَأْمُومُونَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِالنُّدْرَةِ، وَلَوْ نَوَى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَطْلَقَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّهَا وَهِيَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ أَوْ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ بِرُكُوعَيْنِ قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَتُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَتُسَنُّ لِلنِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ، وَذَوَاتُ الْهَيْئَاتِ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، فَإِنْ اجْتَمَعْنَ فَلَا بَأْسَ، وَتُسَنُّ صَلَاتُهَا فِي الْجَامِعِ كَنَظِيرِهِ فِي الْعِيدِ
(وَيَخْطُبُ) الْإِمَامُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (خُطْبَتَيْنِ) كَخُطْبَتَيْ عِيدٍ فِيمَا مَرَّ لَكِنْ لَا يُكَبِّرُ فِيهِمَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَإِنَّمَا تُسَنُّ الْخُطْبَةُ لِلْجَمَاعَةِ وَلَوْ مُسَافِرِينَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ، وَيَحُثُّ فِيهِمَا السَّامِعِينَ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ مِنْ تَوْبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ وَنَحْوِهَا لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَأَمَّا التَّنْظِيفُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَلْمِ الظُّفْرِ فَلَا يُسَنُّ لَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْيَمَنِ فَإِنَّهُ يُضَيِّقُ الْوَقْتَ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَكَذَلِكَ الرَّابِعُ يَنْقُصُ عَنْ الثَّالِثِ عِشْرِينَ. قَوْلُهُ: (وَنُصَّ) أَيْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ، وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا خَبَرُ قَوْلِهِ " وَالصَّحِيحُ " وَالْمُرَادُ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ نَحْوَ الرُّكُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ فِي الْمَقِيسِ دُونَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَعِبَارَةُ أج: قَوْلُهُ: " فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ " هَذَا عَلَى طَرِيقَتِهِ الَّتِي قَدَّمَهَا فِي الْوِتْرِ مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْوِتْرَ وَأَطْلَقَ تَخَيَّرَ. وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر أَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ فِي الْوِتْرِ حُمِلَ عَلَى ثَلَاثٍ، وَأَمَّا الْكُسُوفُ فَيَتَخَيَّرُ اهـ. فَرْعٌ: لَوْ نَذَرَ صَلَاتَهَا هَلْ يَكْفِيهِ أَيُّ كَيْفِيَّةٍ مِنْهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ سم. قَالَ شَيْخُنَا: يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فَيَتَصَدَّقُ بِأَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ، نَعَمْ لَوْ نَذَرَ كَيْفِيَّةً بِعَيْنِهَا تَعَيَّنَتْ وَلَا يَكْفِيهِ غَيْرُهَا كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ لَا يَكْفِيهِ التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ) مُعْتَمَدٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ ضَعِيفًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِ الْكُسُوفِ لَمْ تَخْتَلِفْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْكَيْفِيَّةُ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَعَدَدُ رَكَعَاتِهِ مُخْتَلِفَةٌ م د.
قَوْلُهُ: (كَنَظِيرِهِ فِي الْعِيدِ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إنْ ضَاقَ الْجَامِعُ خَرَجَ لِفِعْلِهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ ضَاقَ؛ وَإِنَّمَا لَمْ تُسَنَّ فِي الصَّحْرَاءِ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ إلَيْهَا يُعَرِّضُهَا لِلْفَوَاتِ بِالِانْجِلَاءِ اهـ. قَالَ شَيْخُنَا: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّحْرَاءُ قَرِيبَةً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ اهـ أج
قَوْلُهُ: (خُطْبَتَيْنِ) أَيْ وَإِنْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا الْوَعْظُ وَهُوَ لَا يَفُوتُ بِذَلِكَ، قَالَهُ الَأُجْهُورِيُّ. وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ تَقْيِيدُ الشَّارِحِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: " وَفَوَاتُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ إلَخْ " فَقَيَّدَ بِالصَّلَاةِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (كَخُطْبَتَيْ عِيدٍ) أَيْ فَلَا يَكْفِي خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا قِيَامٌ وَلَا جُلُوسٌ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَا طُهْرٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ كَمَا فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ؛ نَعَمْ يُعْتَبَرُ لِأَدَاءِ السُّنَّةِ الْإِسْمَاعُ وَالسَّمَاعُ وَكَوْنُ الْخُطْبَةِ عَرَبِيَّةً.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يُكَبِّرُ فِيهِمَا) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَيَحْسُنُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ اهـ. قُلْت: وَمَا قَالَهُ النَّاشِرِيُّ لَائِقٌ بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ الْكُسُوفَ مِمَّا يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ خُصُوصًا إذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُطْلَبُ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ مِنْهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَعِتْقٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ " وَإِعْتَاقٍ " لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ أَعْتَقَ لَا عَتَقَ لِأَنَّهُ لَازِمٌ، تَقُولُ: عَتَقَ الْعَبْدُ، وَلَا تَقُولُ: عَتَقْتُ الْعَبْدَ، بَلْ تَقُولُ: أَعْتَقْت الْعَبْدَ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) أَيْ فَهُوَ سُنَّةٌ.
стр. 694
تَعَرَّضَ لَهُ وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَوْ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعٍ ثَانٍ أَوْ فِي قِيَامٍ ثَانٍ مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ فَلَا يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ وَقِيَامُهُ وَالرُّكُوعُ الثَّانِي وَقِيَامُهُ فِي حُكْمِ التَّابِعِ (وَيُسِرُّ فِي) قِرَاءَةِ (كُسُوفِ الشَّمْسِ) لِأَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ (وَيَجْهَرُ فِي) قِرَاءَةِ (خُسُوفِ الْقَمَرِ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ لَيْلٍ أَوْ مُلْحَقَةٌ بِهَا وَهُوَ إجْمَاعٌ.
وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَأَكْثَرُ وَلَمْ يَأْمَنْ الْفَوَاتَ قَدَّمَ الْأَخْوَفَ فَوَاتًا ثُمَّ الْآكَدَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ غَيْرَهَا قَدَّمَ الْفَرْضَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا لِأَنَّ فِعْلَهُ مُحَتَّمٌ فَكَانَ أَهَمَّ هَذَا إنْ خِيفَ فَوْتُهُ لِضِيقِ وَقْتِهِ، فَفِي الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ لَهَا ثُمَّ يُصَلِّيهَا ثُمَّ الْكُسُوفَ إنْ بَقِيَ ثُمَّ يَخْطُبُ لَهُ، وَفِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي الْفَرْضَ ثُمَّ يَفْعَلُ بِالْكُسُوفِ مَا مَرَّ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ قَدَّمَ الْكُسُوفَ لِتَعَرُّضِهَا لِلْفَوَاتِ بِالِانْجِلَاءِ، وَيُخَفِّفُهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ قِيَامٍ الْفَاتِحَةَ وَنَحْوَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ فِي صُورَتِهَا مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقْصِدَهُ مَعَهَا لِلْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ مَقْصُودٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعِ خُطَبٍ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ صَلَاتِهَا وَالْجُمُعَةُ بِالْعَكْسِ وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجِنَازَةٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ فِيهِمَا خَوْفًا مِنْ تَغْيِيرِ الْمَيِّتِ، وَلَكِنَّ مَحَلَّ تَقْدِيمِهَا إذَا حَضَرَتْ وَحَضَرَ الْوَلِيُّ وَإِلَّا أَفْرَدَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فَلَا يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي فَاتَهُ مِنْهَا مَا فَاتَهُ، وَمَحَلُّهُ إذَا أَرَادَ صَلَاتَهَا بِرُكُوعَيْنِ أَمَّا إذَا أَرَادَ صَلَاتَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ اهـ أج. قَوْلُهُ: (وَيَجْهَرُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ فِي الْوَقْتِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْلٌ. وَعِبَارَةُ سم: لَوْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي أَيَّامِ الدَّجَّالِ فِي الْوَقْتِ الْمَحْكُومِ فِيهِ بِأَنَّهُ لَيْلٌ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَهْرٍ، لَكِنْ هَلْ يَنْوِي كُسُوفَ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ وَقْتُ شَمْسٍ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَتْ فِي لَيْلٍ حُكْمًا أَوْ كُسُوفَ الْقَمَرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ قَمَرٍ حُكْمًا لِلْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَنَّهُ لَيْلٌ؟ قَالَ م ر بِالثَّانِي، وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي الْأَوَّلِ، فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ بِحُرُوفِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ مُلْحَقَةٌ بِهَا) أَيْ إذَا كَانَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ اجْتَمَعَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ اجْتَمَعَ فَرْضُ جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مَعَ كُسُوفٍ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْفَرْضِ فَقَطْ قَدَّمَهُ أَوْ فَوْتَ الْكُسُوفِ فَقَطْ قَدَّمَهُ أَوْ فَوْتَهُمَا قَدَّمَ الْفَرْضَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَفَرْضٌ كَجُمُعَةٍ قُدِّمَ إنْ ضَاقَ وَقْتُهُ وَإِلَّا فَالْكُسُوفُ. تَنْبِيهٌ: إذَا قَدَّمَ الْكُسُوفَ عَلَى فَرْضٍ غَيْرُ الْجُمُعَةِ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُمْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْفَاتِحَةِ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ. ثُمَّ رَأَيْت فِي تَحْرِيرِ الْعِرَاقِيِّ نَقْلًا عَنْ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي الْكُسُوفَ ثُمَّ الْفَرْضَ ثُمَّ يَخْطُبُ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ اهـ عَمِيرَةُ ز ي. اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَأْمَنْ الْفَوَاتَ) بِأَنْ خَافَ الْفَوَاتَ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى هَذَا) إلَى قَوْلِهِ " هَذَا إنْ خِيفَ فَوْتُهُ " مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ " ثُمَّ الْآكَدَ "، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " ثُمَّ الْآكَدَ " أَيْ ثُمَّ بَعْدَ اسْتِوَائِهِمَا خَوْفًا، فَالْآكَدُ وَهُمَا الْآن مُسْتَوِيَانِ فِي الْخَوْفِ. وَقَوْلُهُ " فَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ " مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ " قَدَّمَ الْأَخْوَفَ وَمَعْنَى لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ " لَمْ يَشْتَدَّ خَوْفُ الْفَوَاتِ، لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَأْمَنْ الْفَوَاتَ وَهُوَ خَوْفُ الْفَوَاتِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ الصُّوَرِ، فَتَأَمَّلْ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (هَذَا إنْ خِيفَ فَوْتُهُ) أَيْ اشْتَدَّ خَوْفُ فَوْتِهِ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَائِفٌ الْفَوَاتَ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ قَدَّمَ الْكُسُوفَ) أَيْ صَلَاتَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْفَرْضَ ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْكُسُوفِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ وَلَوْ كَانَ وَقْتُ الْفَرْضِ مُتَّسِعًا اهـ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ) أَيْ فِيمَا بَيْنَ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ " أَيْ لِمَا يُقَالُ فِي خُطْبَتِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: " وَلَا يَصِحُّ إلَخْ " أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يَكْفِي الْإِطْلَاقُ لِوُجُودِ الصَّارِفِ ح ل.
قَوْلُهُ: (قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ) اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَوْ ضَاقَ.
قَوْلُهُ: (خَوْفًا مِنْ تَغْيِيرِ الْمَيِّتِ) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَظِنَّةٌ لِلتَّغْيِيرِ ح ل. قَالَ السُّبْكِيُّ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ بِخَوْفِ تَغْيِيرِ الْمَيِّتِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَلَوْ جُمُعَةً عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ اهـ. وَمِنْ ثَمَّ تَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ مُخْطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ الْآنَ مِنْ تَأْخِيرِ الْجِنَازَةِ مِنْ
стр. 695
الْإِمَامُ جَمَاعَةً يَنْتَظِرُونَهَا وَاشْتَغَلَ مَعَ الْبَاقِينَ بِغَيْرِهَا وَالْعِيدُ مَعَ الْكُسُوفِ كَالْفَرْضِ مَعَهُ لِأَنَّ الْعِيدَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا مَعًا بِالْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَالْقَصْدُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ مَعَ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَقْصُودِ فَلَا تَضُرُّ نِيَّتُهُمَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
اتِّسَاعِ وَقْتِ الْفَرْضِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ. اهـ. عَمِيرَةُ ز ي. قَالَ ح ل: وَهَذَا مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ يَسِيرًا لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي مَنْعُهُ، فَلَوْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى الْفَرْضِ وَإِنْ خِيفَ فَوْتُ وَقْتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِيدُ مَعَ الْكُسُوفِ كَالْفَرْضِ) أَيْ فَيُقَدَّمُ مِنْهُمَا مَا خِيفَ فَوْتُهُ، فَإِنْ خِيفَ فَوْتُهُمَا مَعًا قُدِّمَ الْعِيدُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَصْدُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ) وَهُوَ الْوَعْظُ. قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَقْصُودِ) وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَاعِي الْعِيدَ فَيُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ حِينَئِذٍ لَا يُنَافِي الْكُسُوفَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي خُطْبَتِهِ لَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فِيهَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الزَّلَازِلِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالزَّلَازِلُ الشَّدَائِدُ، وَقَوْلُهُ: " كَالصَّوَاعِقِ " قَالَ فِيهِ الصَّاعِقَةُ نَارٌ تَسْقُطُ مِنْ السَّمَاءِ فِي رَعْدٍ شَدِيدٍ، يُقَالُ صَعَقَتْهُمْ السَّمَاءُ مِنْ بَابِ قَطْعَ إذَا أَلْقَتْ عَلَيْهِمْ الصَّاعِقَةُ، وَالصَّاعِقَةُ أَيْضًا صَيْحَةُ الْعَذَابِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الصَّاعِقَةَ ثَلَاثَةٌ الْمَوْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٦٨] وَالْعَذَابُ كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] وَالنَّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ [الرعد: ١٣] وَتُطْلَقُ الصَّاعِقَةُ مَجَازًا عَلَى قَصْفَةٍ رَعْدُهَا هَائِلٌ مَعَهَا نَارٌ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلَّا أَتَتْ عَلَيْهِ، وَالْقَصْفَةُ صَوْتُ الرَّعْدِ أَوْ شِدَّةُ صَوْتِهِ؛ وَأَصْلُ الْقَصْفِ الْكَسْرُ، وَمَعْنَى أَتَتْ عَلَيْهِ أَهْلَكَتْهُ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَيْضَاوِيُّ مَسْأَلَةٌ: هَلْ لِلزَّلْزَلَةِ سَبَبٌ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ `: نَعَمْ قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَنْ الْقَزْوِينِيِّ: وَسَبَبُ الزَّلْزَلَةِ أَنَّ بَعُوضَةً خَلَقَهَا اللَّهُ ﵎ وَسَلَّطَهَا عَلَى الثَّوْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَرْضُ فَهِيَ تَطِيرُ أَبَدًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا دَخَلَتْ أَنْفَهُ حَرَّكَ الثَّوْرُ رَأْسَهُ فَيَتَحَرَّكُ جَانِبٌ مِنْ جَوَانِبِ الْأَرْضِ؛ وَيُقَالُ إنَّ عُرُوقَ جَبَلِ ق ذَاهِبَةٌ فِي أُصُولِ بِلَادِ الْأَرْضِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَمَرَ مَلَكًا بِتَحْرِيكِ ذَلِكَ الْعِرْقِ الَّذِي هُوَ رَاسِخٌ تَحْتَهَا فَتُزَلْزَلُ تِلْكَ الْبَلْدَةُ. وَجَبَلُ ق هُوَ الْمُحِيطُ بِالدُّنْيَا. وَحَدِيثُ الثَّوْرِ ضَعِيفٌ، بَلْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَقِيلَ: سَبَبُ الزَّلْزَلَةِ تَحْرِيكُ الْحُوتِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الزَّلْزَلَةَ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ مِنْ تَجَلِّي الرَّبِّ تَعَالَى. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: رَجَفَتْ الْمَدِينَةُ فِي حَيَاةِ عُمَرَ ﵁، فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ حَتَّى يَكْثُرَ فِيهَا الزِّنَا وَالرِّبَا، فَإِذَا رَجَفَتْ ثَانِيَةً لَمْ أَقُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا زُلْزِلَتْ ثَانِيَةً حَتَّى قُبِضَ عُمَرُ ﵁ اهـ. وَقَدْ وَقَعَتْ الزَّلْزَلَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ فِي عَهْدِ عُمَرَ ثُمَّ فِي عَهْدِ عَلِيٍّ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي خِلَافَةِ الْمُتَوَكِّلِ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ مَهُولَةٌ بِدِمَشْقَ سَقَطَتْ مِنْهَا دُورٌ وَهَلَكَ تَحْتَهَا خَلْقٌ وَامْتَدَّتْ إلَى أَنْطَاكِيَّةَ فَهَدَمَتْهَا وَإِلَى الْجَزِيرَةِ فَأَخْرَبَتْهَا، وَإِلَى الْمُوصِلِ فَيُقَالُ هَلَكَ مِنْ أَهْلِهَا خَمْسُونَ أَلْفًا. وَفِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً بِتُونِسَ وَأَعْمَالِهَا وَنَيْسَابُورَ وَطَبَرِسْتَانَ وَأَصْبَهَانَ وَتَقَطَّعَتْ جِبَالٌ وَتَشَقَّقَتْ الْأَرْضُ بِقَدْرِ مَا يُدْخِلُ الرِّجْلَ فِي الشَّقِّ. وَفِي سَنَةِ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَتِهِ أَيْضًا عَمَّتْ الزَّلَازِلُ الدُّنْيَا فَأَخْرَبَتْ الْمُدُنَ وَالْقِلَاعَ وَالْقَنَاطِرَ وَسَقَطَ مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ جَبَلٌ فِي الْبَحْرِ، وَسُمِعَ مِنْ السَّمَاءِ أَصْوَاتٌ هَائِلَةٌ وَزُلْزِلَتْ مِصْرُ، وَسَمِعَ أَهْلُ بُلْبَيْسٍ مِنْ نَاحِيَةِ مِصْرَ صَيْحَةً هَائِلَةً فَمَاتَتْ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ بُلْبَيْسٍ وَغَارَتْ عُيُونُ مَكَّةَ. وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ زُلْزِلَتْ مِصْرُ زَلْزَلَةً صَعْبَةً هَدَمَتْ الْبُيُوتُ وَدَامَتْ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ. وَكَانَتْ زَلْزَلَةٌ لَطِيفَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَةَ عَشْرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ خِتَامَ سَنَةِ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ،
стр. 696
تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَتَضَرَّعَ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا، كَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالْخَسْفِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لِئَلَّا يَكُونَ غَافِلًا لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ هُوَ لُغَةً طَلَبُ السُّقْيَا، وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّبَاعُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] الْآيَةُ (وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ وَدَامَتْ ثَلَاثَ دَرَجٍ فَغَرِقَ مِنْهَا سُفُنٌ كَثِيرَةٌ وَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرُونَ فِي الْبَحْرِ؛ خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ قَوْلُهُ: (وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاحَ أَرْبَعٌ: الصَّبَا وَهِيَ مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ أَيْ قُدَّامِهَا، وَالدَّبُّورُ مِنْ وَرَائِهَا، وَالشِّمَالُ مِنْ جِهَةِ شِمَالِهَا، وَالْجَنُوبُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهَا. وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَبْعٌ، فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ، وَالدَّبُّورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ، وَالشِّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، فَإِذَا أَرَدْت فَأَسْنِدْ ظَهْرَك لِبَابِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ الشِّمَالَ عَنْ شِمَالِك. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهَا سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّ مَا زِيدَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ يَرْجِعُ إلَيْهَا. وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
صَبًّا وَدَبُورٌ وَالْجَنُوبُ وَشَمْأَلٌ ... هِيَ الْأَرْبَعُ اللَّاتِي تَهُبُّ لِكَعْبَةِ
فَمِنْ وَجْهِهَا رِيحُ الصَّبَا وَهِيَ حَارَّةٌ ... وَيَابِسَةٌ عَكْسُ الدَّبُورِ لِحِكْمَةِ
فَيُمْنَى جَنُوبٌ حَارَّةٌ وَهِيَ رَطْبَةٌ ... شِمَالٌ بِعَكْسٍ لِلْجَنُوبِ وَتَمَّتْ
جَمْعُ الرِّيحِ أَرْوَاحٌ وَرِيَاحٌ. وَالْهَوَاءُ بِالْمَدِّ: الرِّيحُ الْهَابَّةُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالْهَوَى بِالْقَصْرِ: الْعِشْقُ وَالْمَحَبَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ تَأْتِي فِي غَيْرِ الْكُسُوفَيْنِ كَالزَّلَازِلِ، لَكِنْ فُرَادَى لَا جَمَاعَةً ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ. وَتَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِذَلِكَ صَلَاةٌ بَلْ إنَّمَا يُطْلَبُ الدُّعَاءُ عِنْدَهَا فَحَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَكُونَ) عِلَّةٌ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ " غَافِلًا " أَيْ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ إلَخْ " سَقَطَ مِنْهُ الْعَاطِفُ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا) أَيْ رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا أَيْ عَذَابًا إلَخْ. اُنْظُرْ وَجْهَ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَمْعِ حَيْثُ جَعَلَهُ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَجَعَلَ الْمُفْرَدَ بِمَعْنَى الْعَذَابِ مَعَ أَنَّ الرِّيَاحَ جَمْعُ رِيحٍ وَالرِّيحُ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لِشَفَقَةِ النَّبِيِّ يُجْعَلُ دُعَاءَهُ بِالرِّيَاحِ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ وَدُعَاءَهُ بِدَفْعِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْعَذَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ الرِّيَاحُ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَحَرِيَّةً وَغَرْبِيَّةً وَشَرْقِيَّةً وَقِبْلِيَّةً فَاخْتِلَافُهَا سَبَبٌ لِرَحْمَةِ النَّاسِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ يَطْلُبُ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْهَا.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ وَشُرِعَتْ صَلَاتُهُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. قَوْلُهُ: (طَلَبُ السُّقْيَا) فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ، وَالسُّقْيَا إعْطَاءُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا) لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْخِصْبِ أَنْ يَدْعُوا لِأَهْلِ الْجَدْبِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلصَّلَاةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ لَكِنْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ كَالْإِمَامِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بِجَوَازِ فِعْلِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ الْإِجَابَةُ اسْتَسْقَوْا وَصَلَّوْا ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ: قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُسْقِيَ بِمِصْرَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً وَحَضَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 697
مَسْنُونَةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمَا مَرَّ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِخَبَرِ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا» وَيَنْقَسِمُ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَدْنَاهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا عَمَّا يَأْتِي فُرَادَى أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَوْسَطُهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ فَرْضُهَا كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَنَفْلُهَا كَمَا فِي الْبَيَانِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَيَأْتِي بَيَانُهُمَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُقِيمِ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ، وَالْمُسَافِرِ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا تُصَلَّى لِحَاجَةٍ مِنْ انْقِطَاعِ الْمَاءِ أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي أَوْ مُلُوحَتِهِ وَلِاسْتِزَادَةٍ بِهَا نَفْعٌ بِخِلَافِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا نَفْعَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجَتْ إلَيْهِ فَيُسَنُّ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَنْ يَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ النَّافِعَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَتُكَرَّرُ الصَّلَاةُ مَعَ الْخُطْبَتَيْنِ حَتَّى يُسْقَوْا، فَإِنْ سُقُوا قَبْلَهَا اجْتَمَعُوا لِشُكْرٍ وَدُعَاءٍ وَصَلَّوْا وَخَطَبَ بِهِمْ الْإِمَامُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَإِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ لِلصَّلَاةِ (فَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ)
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَسَكَتَ الشَّيْخُ عَنْ إعَادَةِ الْخُطْبَةِ وَصَرَّحَ فِي الْحِكَايَةِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَأْنَسُ) لَمْ يَقُلْ وَيُسْتَدَلُّ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْعُ مُوسَى ﵇ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ أَيْ دَلِيلٌ يُوَافِقُهُ، وَاَلَّذِي مِنْ خَصَائِصِنَا كَوْنُهَا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءَ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: (مَسْنُونَةٌ) أَيْ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهَا الْإِمَامُ وَإِلَّا وَجَبَتْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ دَلِيلٌ لِلسُّنَّةِ لَا لِلتَّأْكِيدِ وَدَلِيلُهُ الْمُوَاظَبَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْقَسِمُ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ) رَاجِعٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ الْمُنْقَسِمُ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ رَاجَعَا لِكَلَامِ الْمَتْنِ. وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ. وَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ. قَوْلُهُ: (وَنَفْلُهَا كَمَا فِي الْبَيَانِ) أَيْ وَغَيْرُهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَهْجَةِ بِقَوْلِهِ:
سُنَّ لِلِاسْتِسْقَاءِ إكْثَارُ الدُّعَا ... وَبَعْدَ مَا صَلَّى وَلَوْ تَطَوُّعًا
وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: إنَّهَا بِدْعَةٌ. وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَصَلَّى عَامَ الرَّمَادَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَخُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تُصَلَّى لِحَاجَةٍ) مُرْتَبِطٌ بِكَلَامِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ انْقِطَاعِ) مِنْ تَعْلِيلِيَّةٍ أَيْ مِنْ أَجْلِ انْقِطَاعِ إلَخْ لَا بَيَانِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ لَيْسَ نَفْسَ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبُهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلِاسْتِزَادَةٍ) عَطْفٌ عَلَى لِحَاجَةٍ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ) أَيْ قَوْلُهُ لِحَاجَةٍ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ حَاجَةَ الْمُسْتَسْقِي وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ طَائِفَةٍ) أَيْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ بِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ، وَإِلَّا لَمْ يُسَنَّ لِئَلَّا يُظَنَّ حُسْنُ طَرِيقَتِهِمْ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) وَمِثْلُهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ إذَا سَأَلُونَا عَنْ السُّقْيَا لَهُمْ وَفَاءً بِذِمَّتِهِمْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِعْلَنَا ذَلِكَ لِحُسْنِ حَالِهِمْ لِأَنَّ كُفْرَهُمْ مُحَقَّقٌ ع ش بِاخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَتُكَرَّرُ الصَّلَاةُ) أَيْ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَالْمَرَّةُ الْأُولَى آكَدُ فِي الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ إذَا عَادُوا مِنْ الْغَدِ أَوْ بَعْدِهِ فَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُمْ ثَانِيًا عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت: قَالَ م ر: لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصَّانِ، فَنَصَّ مَرَّةً عَلَى تَقَدُّمِ صَوْمِ الثَّلَاثِ وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ لِأَنَّهُمَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ: الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ، وَالثَّانِي: عَلَى خِلَافِهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَدُعَاءٍ) أَيْ بِالزِّيَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَضَرَّرُوا بِهَا م ر.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّوْا) أَيْ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ شُكْرًا اهـ. أَيْ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تُفْعَلُ شُكْرًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ) أَيْ نَدْبًا أج. قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ
стр. 698
الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهَا (بِالتَّوْبَةِ) مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ: النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ (وَ) بِالْإِكْثَارِ (مِنْ الصَّدَقَةِ) عَلَى الْمَحَاوِيجِ (وَ) بِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ إلَى (الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمْ مِنْ دَمٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ مَالٍ مُضَافًا ذَلِكَ إلَى الشُّرُوطِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
النَّاسُ مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ إذَا كَانَ الْوَالِي بِالْبَلَدِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ اهـ. وَأَمْرُ الْإِمَامِ بِهَا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهَا الشَّرْعِيِّ فَلَا يُشْكِلُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَإِنْ فَعَلَ مَا يُكَفِّرُهَا لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: (الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ) لَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا لَكَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ عَامَّةٌ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (بِشُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ) وَشَرْطُ صِحَّتِهَا صُدُورُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ مِنْ يَوْمِ الطُّلُوعِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ أَحَدٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ حَجّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (النَّدَمُ) وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَعْظَمُ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَطَّرِدُ فِي كُلِّ تَوْبَةٍ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، أَمَّا الْعَزْمُ أَنْ لَا يَعُودَ فَيُغْنِي عَنْهُ النَّدَمُ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَا عُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِلنَّدَمِ حَيْثُ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ تَحَزُّنٌ وَتَوَجُّعٌ لِمَا فَعَلَهُ وَتَمَنِّي كَوْنِهِ لَمْ يُفْعَلْ. وَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا اسْتِدَامَةُ النَّدَمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ بَلْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النَّدَمِ حُكْمًا، وَأَمَّا الْإِقْلَاعُ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بَاقِيَةً، وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ فَيَسْقُطُ إنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ وَلَا وَارِثَ لَهُ أَوْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ مَثَلًا؛ فَالْمُطَّرِدُ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ هُوَ النَّدَمُ لَا غَيْرُ، وَتَحَقُّقُ التَّوْبَةِ بِمَا ذُكِرَ مَحَلُّهُ فِي التَّوْبَةِ بَاطِنًا أَمَّا فِي الظَّاهِرِ لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ وَتَعُودَ وِلَايَتُهُ فَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِهَا مَعَ ذَلِكَ فِي الْمَعْصِيَةِ الْقَوْلِيَّةِ مِنْ الْقَوْلِ، كَقَوْلِهِ فِي الْقَذْفِ: قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ وَلَا بُدَّ فِي الْفِعْلِيَّةِ كَالزِّنَا مِنْ اسْتِبْرَائِهِ سَنَةً، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهِ سَنَةً فِي الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ. وَعِبَارَةُ ابْنِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَعَ شَرْحِهَا لِلْمَحَلِّيِّ: وَهِيَ، أَيْ التَّوْبَةُ، النَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَالنَّدَمُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لِإِضْرَارِهِ بِالْبَدَنِ لَيْسَ بِتَوْبَةٍ وَتَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهَا، وَتَدَارُكُ مُمْكِنِ التَّدَارُكِ مِنْ الْحَقِّ النَّاشِئِ كَحَقِّ الْقَذْفِ فَيَتَدَارَكُهُ بِتَمْكِينِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْمَقْذُوفِ أَوْ؛ وَارِثِهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَبْرَأَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُ الْحَقِّ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقُّهُ مَوْجُودًا سَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ كَمَا يَسْقُطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ لَا يَنْشَأُ عَنْهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَكَذَا يَسْقُطُ شَرْطُ الْإِقْلَاعِ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَشُرْبِ خَمْرٍ؛ فَالْمُرَادُ بِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهَا عَنْهَا لَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ تَوْبَةٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَتَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ " فِيهِ بَحْثٌ إذْ قَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأُمُورُ وَلَا يُوجَدُ النَّدَمُ، فَمَا مَعْنَى تَحَقُّقِهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا أَنْ يُرَادَ تَحَقُّقُ اعْتِبَارِهَا وَالِاعْتِدَادُ بِهَا كَمَا فِي الشَّعْرَانِيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ. قَوْلُهُ: (وَالْإِقْلَاعُ) أَيْ الْخُرُوجُ مِنْ التَّلَبُّسِ بِهَا، فَلَوْ تَابَ مِنْ الزِّنَا وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْإِقْلَاعِ، وَالْإِقْلَاعُ يَتَعَلَّقُ بِالْحَالِ وَالنَّدَمُ بِالْمَاضِي وَالْعَزْمُ بِالْمُسْتَقْبَلِ ز ي. قَوْلُهُ (وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ) إلَيْهَا أَيْ إلَى الْمَعْصِيَةِ أَيْ إنْ تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِلَّا كَمَجْبُوبٍ بَعْدَ زِنَاهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَصِحُّ مِنْ سَكْرَانٍ حَالَ سُكْرِهِ إنْ تَأَتَّى مِنْهُ الشُّرُوطُ الَّتِي مِنْهَا النَّدَمُ كَإِسْلَامِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَبِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ) اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَبِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، مَعَ أَنَّ التَّوْبَةَ بِمَعْنَى النَّدَمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَمِمَّا يُقَوِّي الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُضَافًا ذَلِكَ إلَى الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ هِيَ التَّوْبَةَ وَلَا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا الشَّرْطَ الرَّابِعَ لِلتَّوْبَةِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَهُ إلَيْهَا، فَلَوْ قَالَ: وَيَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ مُضَافًا إلَخْ، لَوَفَّى بِالْمُرَادِ ق ل. وَعِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الزَّوَاجِرِ: قَالَ الزَّرْكَشِيّ: ثُمَّ رَأَيْت فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ إمَّا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عِنْدَ الْمُكْنَةِ. فَإِنْ عَجَزَ لِفَقْرٍ اسْتَحْلَلَهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِهِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَأَمْكَنَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ فَعَلَهُ، وَإِلَّا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَضَرَّعْ إلَيْهِ
стр. 699
الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَ) بِالْمُبَادَرَةِ إلَى (مُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ) الْمُتَشَاحِنِينَ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَلِحَظِّ نَفْسٍ لِتَحْرِيمِ الْهِجْرَانِ حِينَئِذٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ (وَ) بِالْمُبَادَرَةِ إلَى (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) مُتَتَابِعَةٍ وَيَصُومُ مَعَهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ مِيعَادِ يَوْمِ الْخُرُوجِ فَهِيَ بِهِ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ لِكُلٍّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فِي أَنْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَإِمَّا فِي النَّفْسِ فَيُمَكِّنُهُ أَوْ وَلِيَّهُ مِنْ الْقَوَدِ، فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِمَّا فِي الْعِرْضِ فَإِنْ اغْتَبْتَهُ أَوْ شَتَمْتَهُ أَوْ امْتَهَنْتَهُ فَحَقُّك أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ فَعَلْت ذَلِكَ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَك بِأَنْ لَمْ تَخْشَ زِيَادَةَ غَيْظٍ وَهِيَاجَ فِتْنَةٍ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ، فَإِنْ خَشِيت ذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك؛ وَأَمَّا فِي حُرَمِهِ فَإِنْ خُنْتَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ يَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيُرْضِيَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا فِي مُقَابَلَتِهِ، فَإِنْ أَمِنَتْ الْفِتْنَةَ وَالْهِيَاجَ وَهُوَ نَادِرٌ فَتَسْتَحِلّ مِنْهُ؛ وَإِمَّا فِي الدِّينِ فَإِنْ كَفَّرْتَهُ أَوْ بَدَّعْتَهُ أَوْ ضَلَّلْتَهُ فَهُوَ أَصْعَبُ الْأَمْرِ فَتَحْتَاجُ إلَى تَكْذِيبِ نَفْسِك بَيْنَ يَدَيْ مَنْ قُلْت لَهُ ذَلِكَ، وَتَسْتَحِلُّ مِنْ صَاحِبِك إنْ أَمْكَنَك وَإِلَّا فَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى جِدًّا وَالنَّدَمِ عَلَى ذَلِكَ لِيُرْضِيَهُ عَنْك اهـ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ. وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحُرَمِ الشَّامِلِ لِلزَّوْجَةِ وَالْمَحَارِمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ فِيهِمَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، فَتَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِحْلَالِ أَقَارِبِ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ الْمَلُوطِ بِهِ وَعَلَى اسْتِحْلَالِ زَوْجِ الْمَزْنِيِّ بِهَا. هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِلَّا فَلْيَتَضَرَّعْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: فِي إرْضَائِهِمْ عَنْهُ. وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ إلْحَاقَ عَارٍ أَيِّ عَارٍ بِالْأَقَارِبِ وَتَلْطِيخِ فِرَاشِ الزَّوْجِ فَوَجَبَ اسْتِحْلَالُهُمْ حَيْثُ لَا عُذْرَ اهـ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ وَلَا قَبُولِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَشَرَطَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١] وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «إنَّ لِلَّهِ مَلَكًا لَهُ جَنَاحَانِ، جَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَجَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ مُكَلَّلَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالْمَرْجَانِ، وَرَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَدَمَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَيُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤَالَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُتَابُ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلَعَ الْفَجْرُ» اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) فِيهِ تَغْيِيرُ الْعَامِلِ وَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (مُضَافًا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْإِقْلَاعَ شَامِلٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ تَدَبَّرْ قَوْلُهُ: (الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ) وَيُزَادُ شَرْطَانِ: أَنْ لَا تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَعَدَمُ وُصُولِهِ لِلْغَرْغَرَةِ أَوْ حَالَةٌ يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ فِيهَا. فَفِي حَالِ الْغَرْغَرَةِ وَهِيَ حَالَةُ النَّزْعِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا أُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ وَامْتَنَعَتْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] هَذَا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ الْغَرْغَرَةِ فِي الْكَافِرِ دُونَ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَوْلُهُ: (إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَلَوْ صَامَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَأْمُورِ بِهَا عَنْ نَذْرٍ عَلَيْهِ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَمِثْلُهُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ اُكْتُفِيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر ز ي. وَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْفِطْرُ لِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى ق ل، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ وَيَجِبُ فِيهَا التَّبْيِيتُ كَمَا يَأْتِي وَلَكِنْ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا ح ل.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ بِهَا، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ ثُمَّ سُقُوا قَبْلَ إتْمَامِهِ قَالَ م ر يَلْزَمُهُمْ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ؛ وَوَجَّهَهُ سم بِأَنَّ هُنَا الصَّوْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَأَفْتَى الزِّيَادِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ ثُمَّ رَجَعَ بِأَنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ وَوَافَقَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ اهـ أج. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ حَتَّى يَمْتَنِعَ عَلَى الْإِمَامِ الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ بِأَمْرِهِ فَيَجِبُ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ وَالتَّعْيِينِ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ وَنَوَى نَهَارًا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا وَأَجْزَأَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَتَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِدَفْعِ الْحُرْمَةِ؛ وَإِذَا لَمْ
стр. 700
مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَثَرًا فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] وَقَدْ يَكُونُ مَنْعُ الْغَيْثِ بِتَرْكِ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ: «وَلَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إلَّا حُبِسَ عَنْهُمْ الْمَطَرُ» وَفِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ «دَعْوَةُ الصَّائِمِ وَالْوَالِدِ وَالْمُسَافِرِ» وَإِذَا أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ لَزِمَهُمْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورِ بِهِ هُنَا انْتَهَى وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ وَاخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَنْوِ نَهَارًا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَوْ فَاتَ إذْ وُجُوبُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَارِضٍ، وَهُوَ أَمْرُ الْإِمَامِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا؛ نَعَمْ إنْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْقَضَاءِ وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ ثَلَاثٍ) وَأَمَّا إذَا كَانَ الْهِجْرَانُ لِلَّهِ بِأَنْ كَانَ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَاهَا جَرَى فَوْقَ الثَّلَاثِ بِلَا سَبَبْ ... خَالَفْت قَوْلَ نَبِيِّنَا أَزْكَى الْعَرَبْ
هَجْرُ الْفَتَى فَوْقَ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ ... مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمَوْلَانَا غَضَبْ
قَوْلُهُ: (وَيَصُومُ مَعَهُمْ) أَيْ نَدْبًا عِنْدَ م ر وَوُجُوبًا عِنْدَ حَجّ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْإِمَامِ الْآمِرِ بِهِ لِبُعْدِ إيجَابِ الشَّخْصِ شَيْئًا عَلَى نَفْسِهِ. وَخَالَفَ حَجّ فِيهِ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ وُجُوبِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْهُ أَوْ الْإِخْبَارِ؛ وَإِنْ قُلْنَا الْمُتَكَلِّمُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ لِأَنَّا إنَّمَا أَوْجَبْنَا الصَّوْمَ عَلَى غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ بَذْلًا لِطَاعَتِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَذْلُ طَاعَةِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ اهـ. وَلَوْ أَمَرَ الْإِمَامُ أَوْلِيَاءَ الصِّبْيَانِ الْمُطِيقِينَ أَنْ يَأْمُرُوهُمْ فَالْمُتَّجَهُ الْوُجُوبُ سم أج قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِكُلِّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ أَثَرًا إلَخْ) وَأَيْضًا فَالصَّوْمُ لَهُ أَثَرٌ فِي اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ تُوجِبُ اسْتِدَامَةَ الْكَرَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وَلَمْ يَقُلْ " سَقَيْنَاهُمْ " بَلْ " أَسْقَيْنَاهُمْ " إشَارَةً إلَى الدَّوَامِ.
قَوْلُهُ: (بِتَرْكِ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ قَوْلُهُ: (وَالْمَظْلُومُ) وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ:
لَا تَظْلِمَنَّ إذَا مَا كُنْت مُقْتَدِرًا ... فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيك بِالنَّدَمِ
نَامَتْ جُفُونُك وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ ... يَدْعُو عَلَيْك وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمْ
وَلِلشَّيْخِ حَسَنِ الْبَدْرِيِّ:
وَسَبْعَةٌ لَا يَرُدُّ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ ... مَظْلُومٌ وَالِدٌ ذُو صَوْمٍ وَذُو مَرَضِ
وَدَعْوَةٌ لِأَخٍ بِالْغَيْبِ ثُمَّ نَبِيٌّ ... لِأُمَّةٍ ثُمَّ ذُو حَجٍّ بِذَاكَ قُضِيَ
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَمَرَهُمْ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مِنْهُ الْقَاضِيَ الْعَامَّ الْوِلَايَةَ لَا نَحْوَ وَالِي الشَّوْكَةِ، وَأَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي لَا إمَامَ فِيهَا يُعْتَبَرُ ذُو الشَّوْكَةِ الْمُطَاعُ فِيهَا، شَوْبَرِيٌّ. وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ يَعُمُّ مَنْ حَضَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَصَحَّحَهُ م ر قَوْلُهُ: (لَزِمَهُمْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ) وَلَوْ مُسَافِرِينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ لِأَنَّهُ لِسَبَبِ أج. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِوَاجِبٍ تَأَكَّدَ وُجُوبُهُ، وَإِنْ أَمَرَ بِمَنْدُوبٍ وَجَبَ، وَإِنْ أَمَرَ بِمُبَاحٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ كَتَرْكِ شُرْبِ الدُّخَانِ وَجَبَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ بِمُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ عَامَّةً م د قَوْلُهُ: (وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ) أَيْ تَعْمِيمُهُ أَيْ الْإِيجَابِ وَشُمُولُهُ لِلْجَمِيعِ إلَخْ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ) اعْتَمَدَهُ م ر.
стр. 701
وُجُوبِ الصَّوْمِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالْعِتْقِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الْغَزِّيُّ: وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إخْرَاجُ مَالٍ وَقَدْ قَالُوا: إذَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِسْقَاءِ فِي الْجَدْبِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فَيُقَاسُ الصَّوْمُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ فِي الْإِمَامَةِ شَامِلًا لِذَلِكَ إذْ نَفْسُ وُجُوبِ الصَّوْمِ مُنَازَعٌ فِيهِ فَمَا بَالُك بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الشَّاقِّ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَجَبَ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَقَالَ: يَبْعُدُ عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا كُلَّ الْبُعْدِ
(ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ) أَيْ بِالنَّاسِ (الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ إلَى الصَّحْرَاءِ حَيْثُ لَا عُذْرَ تَأَسِّيًا بِهِ ﷺ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ فَلَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ غَالِبًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَإِنْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَكَّةَ وَبَيْتَ الْمُقَدَّسِ لِفَضْلِ الْبُقْعَةِ وَسَعَتِهَا وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِحْضَارِ الصِّبْيَانِ وَمَأْمُورُونَ بِأَنْ نُجَنِّبَهُمْ الْمَسَاجِدَ (فِي) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ) مِنْ صِيَامِهِمْ صِيَامًا لِحَدِيثِ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ» الْمُتَقَدِّمِ وَيَنْبَغِي لِلْخَارِجِ أَنْ يُخَفِّفَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا أَمْكَنَ، وَيَخْرُجُونَ غَيْرَ مُتَطَيِّبِينَ وَلَا مُتَزَيِّنِينَ بَلْ (فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مِهْنَةٍ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ أَيْ مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ فِي وَقْتِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ (وَ) فِي (اسْتِكَانَةٍ) أَيْ خُشُوعٍ وَهُوَ حُضُورُ الْقَلْبِ وَسُكُونُ الْجَوَارِحِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا التَّذَلُّلُ (وَ) فِي (تَضَرُّعٍ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَيُسَنُّ لَهُمْ التَّوَاضُعُ فِي كَلَامِهِمْ وَمَشْيِهِمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَقَدْ قَالُوا إلَخْ) تَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: " وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ " لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْأَذْرَعِيِّ أَنْ يَقِيسَ الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْوُجُوبِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ قَوْلُهُ: (فِي الْجَدْبِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَحْطُ قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ) الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ الْإِمَامُ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَوُجُوبُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ لَا مُطْلَقًا، وَالْوَاجِبُ فِي التَّصَدُّقِ أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ قَدْرًا وَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَجِبُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ إذَا فَضَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَنْ كِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ. اهـ. ح ل قَوْلُهُ: (شَامِلًا لِذَلِكَ) أَيْ لِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ قَوْلُهُ: (وَجَبَ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ) وَالتَّعْيِينُ، وَإِذَا لَمْ يُبَيِّتْ وَنَوَى نَهَارًا صَحَّ صَوْمُهُ وَوَقَعَ نَفْلًا وَقَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ؛ لَكِنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ. وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا يَرَى الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ نَهَارًا اكْتِفَاءً بِعَقِيدَةِ الْفَاعِلِ مَدَابِغِيٌّ قَوْلُهُ: (وَإِنْ اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ) " أَيْ لِلتَّبْيِيتِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا) فِيهِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ لَيْلًا لَا يَقُولُونَ بِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا حَتَّى يَحْسُنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُقَابِلًا لَهُ وَرَدًّا عَلَيْهِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ نُكْتَةُ إسْنَادِ هَذَا لِلْأَذْرَعِيِّ حَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ: قَالَ وَيَبْعُدُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ) أَيْ وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ بِالْخُرُوجِ وَحْدَهُمْ إلَى الصَّحْرَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَأَسِّيًا بِهِ إلَخْ) أَقَامَ أَدِلَّةً ثَلَاثَةً: الْأَوَّلُ: التَّأَسِّي، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ وَلِأَنَّ النَّاسَ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَيْ فِي خُرُوجِهِمْ إلَى الصَّحْرَاءِ قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) مِنْ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمُقَدَّسِ قَوْلُهُ: (مَكَّةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ) أَيْ فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا إلَى الصَّحْرَاءِ بَلْ يُصَلُّونَ فِيهِمَا وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِيهِمَا لِفَضْلِهِمَا، شَيْخُنَا؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (صِيَامًا) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي " ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ " وَيَاؤُهُ مُخَفَّفَةٌ أَوْ مُشَدَّدَةٌ. وَاقْتَصَرَ ق ل عَلَى قَوْلِهِ " بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ " أَيْ لِأَنَّ الْمُخَفَّفَ مَصْدَرٌ قَوْلُهُ: (مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ) لِأَنَّ بِذْلَةً بِمَعْنَى مُبْتَذَلَةٍ قَوْلُهُ: (مَا يُلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ) أَيْ الَّتِي لَمْ تَكُنْ جَدِيدَةً، فَقَدْ قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَلَا يَلْبَسُ الْجَدِيدَ مِنْ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ أج. وَإِنَّمَا لَمْ تُطْلَبْ الزِّينَةُ هُنَا لِأَنَّ الْقَحْطَ وَنَحْوَهُ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ ذَنْبٍ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ذَنْبٌ وَقِيلَ كَبِيرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ مُبْتَذِلًا مُتَوَاضِعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَلَمْ يَزَلْ فِي التَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَتَزَيَّنُونَ وَلَا يَتَطَيَّبُونَ بِالْمَاءِ وَالسِّوَاكِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ. وَفَارَقَ الْعِيدَ بِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ وَهَذَا يَوْمُ مَسْأَلَةٍ اهـ خ ض قَوْلُهُ: (وَفِي اسْتِكَانَةٍ) " فِي " بِمَعْنَى " مَعَ " أَوْ الظَّرْفِيَّةِ مَجَازِيَّةً، كَأَنَّ الِاسْتِكَانَةَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَفِي تَضَرُّعٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَادُ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِكَانَةِ قَوْلُهُ: (لَا حُفَاةً) فَلَوْ خَرَجُوا حُفَاةً
стр. 702
وَجُلُوسِهِمْ لِلِاتِّبَاعِ، وَيَتَنَظَّفُونَ بِالسِّوَاكِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَبِالْغُسْلِ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ طَرِيقٍ وَيَرْجِعُونَ فِي أُخْرَى مُشَاةً فِي ذَهَابِهِمْ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لَا حُفَاةً مَكْشُوفِينَ الرُّءُوسَ، وَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ نَدْبًا الصِّبْيَانُ وَالشُّيُوخُ وَالْعَجَائِزُ وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْخُنْثَى الْقَبِيحِ الْمَنْظَرِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ إذْ الْكَبِيرُ أَرَقُّ قَلْبًا وَالصَّغِيرُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ «لَوْلَا شَبَابٌ خُشَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَأَطْفَالٌ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
لَوْلَا عِبَادٌ لِلْإِلَهِ رُكَّعٌ ... وَصِبْيَةٌ مِنْ الْيَتَامَى رُضَّعُ
وَمُهْمَلَاتٌ فِي الْفَلَاةِ رُتَّعٌ ... صُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ الْأَوْجَعُ
وَالْمُرَادُ بِالرُّكَّعِ الَّذِينَ انْحَنَتْ ظُهُورُهُمْ مِنْ الْكِبَرِ وَقِيلَ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَيُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ لِأَنَّ الْجَدْبَ قَدْ أَصَابَهَا أَيْضًا وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ خَرَجَ لِيَسْتَسْقِيَ وَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ سُلَيْمَانُ ﵇، وَأَنَّ النَّمْلَةَ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِهَا وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَنَا فَارْزُقْنَا وَإِلَّا فَأَهْلِكْنَا، قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَا غِنَى لَنَا عَنْ رِزْقِك فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ وَتَقِفُ الْبَهَائِمُ مَعْزُولَةً عَنْ النَّاسِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَكْشُوفِينَ الرُّءُوسَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْأَوْجَهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّوَاضُعِ، قَالَهُ الزِّيَادِيُّ وَأَ ج وَاسْتَبْعَدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ، فَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ قَوْلُهُ: (الصِّبْيَانُ) وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزِينَ، وَهَلْ مُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِهِمْ أَوْ فِي مَالِ الْوَالِي؟ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَالْمُؤْنَةُ فِي مَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ وَإِنْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ لِغَيْرِهِمْ فَمُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِ الْوَلِيِّ الْمُخْرِجِ لَهُمْ سم قَوْلُهُ: (وَهَلْ تُرْزَقُونَ إلَخْ) اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَيْ مَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ قَوْلُهُ: (لَوْلَا شَبَابٌ إلَخْ) فِي شَرْحِ م ر إسْقَاطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْجُمَلِ الثَّلَاثِ بَعْدَهَا، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ فِي النَّظْمِ شَامِلٌ لِلشَّبَابِ وَالشُّيُوخِ فَحَصَلَتْ الْمُطَابَقَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَوْلَا عِبَادٌ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ فِي النَّظْمِ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ إذْ فِيهِ أَرْبَعَةٌ وَفِي النَّظْمِ ثَلَاثَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ فِي النَّظْمِ شَامِلٌ لِلشَّبَابِ وَالشُّيُوخِ فَحَصَلَتْ الْمُطَابَقَةُ أج؛.
لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ: " وَالْمُرَادُ بِالرُّكَّعِ إلَخْ " لَكِنْ يُنَاسِبُهُ التَّفْسِيرُ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ) لَا يَبْعُدُ الشُّمُولُ لِنَحْوِ الْكِلَابِ لِأَنَّهَا مُسْتَرْزِقَةٌ عَلَيْهِ فَالْعَقُورُ مِنْهَا حَيْثُ تَأَخَّرَ قَتْلُهُ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ النَّاسُ لَا يُسَنُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَخْرُجُ تَبَعًا سم قَوْلُهُ: (بِنَمْلَةٍ) تَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ كَتَاءِ قَمْلَةٍ وَاسْمُهَا حَرْمَلَةٌ أَوْ طَاخِيَةٌ وَكَانَتْ قَدْرَ السَّخْلَةِ. وَقَوْلُهُ " بِنَمْلَةٍ " أَيْ مُجْتَمِعٌ بِنَمْلَةٍ " وَإِذَا " فُجَائِيَّةٌ قَوْلُهُ: (وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوَائِمِهَا فِيمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (لَا غِنَى) بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْفَقْرِ، وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْغِنَاءِ فَهُوَ بِالْمَدِّ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مُوسَى ﵊ اسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ فَلَمْ يُسْقُوا فَقَالَ: يَا رَبِّ بِأَيِّ شَيْءٍ مَنَعْتَنَا الْغَيْثَ؟ فَقَالَ: يَا مُوسَى إنَّ فِيكُمْ رَجُلًا عَاصِيًا قَدْ بَارَزَنِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَطَلَعَ مُوسَى عَلَى تَلٍّ عَالٍ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَيُّهَا الْعَاصِي قَدْ مُنِعْنَا الْغَيْثَ بِسَبَبِك فَاخْرُجْ، فَنَظَرَ الْعَاصِي يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ أَحَدًا خَرَجَ فَعَلِمَ أَنَّهُ الْمَطْلُوبُ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إنْ خَرَجْت افْتَضَحْت وَإِنْ قَعَدْت مُنِعُوا مِنْ أَجْلِي، إلَهِي قَدْ تُبْت إلَيْك فَاقْبَلْنِي، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ الْغَيْثَ وَسُقُوا حَتَّى رَوُوا. فَتَعَجَّبَ مُوسَى فَقَالَ: يَا رَبِّ سَقَيْتَنَا وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ: يَا مُوسَى الَّذِي مَنَعْتُكُمْ بِهِ قَدْ تَابَ إلَيَّ وَرَجَعَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ دُلَّنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا؟ اهـ ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَحَطَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَفَدَ عَلَيْهِ وَفْدٌ فَقَامَ خَطِيبُهُمْ: فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَيْنَاك عَنْ ضَرُورَةٍ قَدْ يَبِسَتْ جُلُودُنَا عَلَى أَجْسَادِنَا لِفَقْدِ الطَّعَامِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ فَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ لِعِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّا إيَّاهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَك فَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ، فَبَكَى عُمَرُ وَأَمَرَ بِكِفَايَتِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ لِلْخَطِيبِ: كَمَا رَفَعْت حَاجَتَك إلَيْنَا فَارْفَعْ إلَى اللَّهِ حَاجَتِي، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْنَعْ مَعَ
стр. 703
الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ حَتَّى يَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجَّةُ وَالرِّقَّةُ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ لِأَنَّهُمْ مُسْتَرْزَقُونَ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُمْ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا كَانُوا سَبَبَ الْقَحْطِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ صِبْيَانِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ كِبَارِهِمْ لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ أَقَلُّ لَكِنْ يُكْرَهُ لِكُفْرِهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي كُفْرَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ إذَا مَاتُوا فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهُمْ فِي النَّارِ وَطَائِفَةٌ لَا نَعْلَمُ حُكْمَهُمْ؛ وَالْمُحَقِّقُونَ إنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَوُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ انْتَهَى وَتَحْرِيرُ هَذَا أَنَّهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كُفَّارٌ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَنُّ لِكُلٍّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَسْتَسْقِي أَنْ يَسْتَشْفِعَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ خَيْرٍ بِأَنْ يَذْكُرَهُ فِي نَفْسِهِ فَيَجْعَلَهُ شَافِعًا لِأَنَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عُمَرَ كَصُنْعِهِ مَعَ رَعِيَّتِهِ، فَمَا تَمَّ دُعَاؤُهُ حَتَّى أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ وَوَقَعَتْ بُرْمَةٌ فَانْكَسَرَتْ وَخَرَجَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: " بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ النَّارِ " اهـ. وَسُئِلَ مَلِكٌ زَالَ عَنْهُ مُلْكُهُ: مَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِاغْتِرَارِي بِالدَّوْلَةِ وَالْقَوْمِ وَرِضَايَ بِرَأْيِي وَتَرْكِ الْمَشُورَةِ وَتَوْلِيَتِي أَصَاغِرَ الْعُمَّالِ عَلَى أَكَابِرِ الْأَعْمَالِ وَتَشَاغُلِي عَنْ قَضَاءِ حَوَائِجِ الرَّعِيَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالرِّقَّةُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ رِقَّةُ الْقُلُوبِ، وَفِي نُسْخَةٍ: " وَالرَّأْفَةُ " بَدَلَ " وَالرِّقَّةِ ".
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ) أَيْ الْإِمَامُ وَقَوْلُهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَيْ وَلَا أَهْلَ الْعَهْدِ، لَكِنْ لَا يَخْتَلِطُونَ بِنَا وَلَا يَخْرُجُونَ مَعَنَا فِي يَوْمِنَا بَلْ يَخْرُجُونَ فِي يَوْمٍ آخَرَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ. لَا يُقَالُ فِي خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ مَظِنَّةَ مَفْسَدَةٍ وَهُوَ مُصَادَفَةُ الْإِجَابَةِ فَيَظُنُّ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ خَيْرًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ خُرُوجُهُمْ مَعَنَا مَفْسَدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ، قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ. م ر قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُجِيبُهُمْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ دُعَاءَ الْكَافِرِ يُجَابُ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] فَالْمُرَادُ بِهِ الْعِبَادَةُ شَوْبَرِيٌّ. فَرْعٌ: فِي اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الْكَافِرِ خِلَافٌ، قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مُسْتَجَابٌ وَقَدْ اُسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ إبْلِيسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] . وَوَاضِحٌ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِجَابَةِ بِمَعْنَى إيتَاءِ الْمَسْئُولِ، وَحِينَئِذٍ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَدْ يُعْطَى سُؤَالُهُ اسْتِدْرَاجًا، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ لِإِبْلِيسَ. أَمَّا الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى، الْإِثَابَةِ عَلَيْهِ فَهِيَ مَنْفِيَّةٌ جَزْمًا، وَهَذَا مَحْمَلُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ. اهـ. ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِيعَابِ.
وَلَوْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْحُرْمَةِ: إنَّ فِي التَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَغْرِيرًا لَهُ وَلِلْعَامَّةِ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ لَكَانَ حَسَنًا. وَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِالْمَغْفِرَةِ، نَعَمْ إنْ أَرَادَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ أَسْلَمَ أَوْ أَرَادَ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ سَبَبُهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا الْجَوَازُ. اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهُمْ) أَيْ أَمْرُهُمْ بِالْخُرُوجِ وَيُكْرَهُ أَيْضًا خُرُوجُهُمْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ) أَيْ الصِّبْيَانِ أَقَلُّ أَيْ ذُنُوبَهُمْ صُورَةً؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا ذَنْبَ لَهُ قَوْلُهُ: (وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ اسْتِقْلَالًا عَلَى الرَّاجِحِ لَا خَدَمًا كَمَا قِيلَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَدَمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَنَّهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الْخَدَمِ إذْ الْجَنَّةُ لَا خِدْمَةَ فِيهَا مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَا يَرِدُ الْوِلْدَانُ؛ إذْ هُنَاكَ مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ اهـ أج. وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ جَارٍ فِي أَطْفَالِ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِي أَطْفَالِ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَطْ أَمَّا أَطْفَالُ كُفَّارِ غَيْرِهَا فَفِي النَّارِ كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَنْ مُعِينِ الدِّينِ الصَّفَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرِيرُ هَذَا) أَيْ هَذَا الْمَقَامِ عَلَى الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: (وَفِي الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ) أَيْ فِي حُكْمِهِمْ لِمَا قَالُوهُ إنَّ الْإِسْلَامَ
стр. 704
ذَلِكَ لَائِقٌ بِالشَّدَائِدِ كَمَا فِي خَبَرِ الَّذِينَ أَوَوْا فِي الْغَارِ، وَأَنْ يَسْتَشْفِعَ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ لَا سِيَّمَا أَقَارِبُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ ﵄، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا قَحَطْنَا، نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ أج.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَشْفِعَ) أَيْ يَتَوَسَّلَ قَوْلُهُ: كَمَا فِي خَبَرِ «الَّذِينَ أَوَوْا فِي الْغَارِ وَهُمْ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا يَرْتَادُونَ لِأَهْلِهِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ إذْ أَصَابَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ فَأَوَوْا إلَى الْكَهْفِ فَسَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ بَابَ الْغَارِ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: اُذْكُرُوا أَيَّكُمْ عَمِلَ حَسَنَةً لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنَّا، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: قَدْ عَمِلْت حَسَنَةً مِنْ وَاحِدٍ؛ كَانَ لِي أُجَرَاءُ يَعْمَلُونَ عَمَلًا اسْتَأْجَرْت كُلَّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَطَ النَّهَارِ رَجُلٌ فَاسْتَأْجَرْتُهُ بِشَطْرِ أَصْحَابِهِ فَعَمِلَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ كَمَا عَمِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي طُولِ نَهَارِهِ فَرَأَيْت أَنْ لَا أُنْقِصَهُ مِمَّا اسْتَأْجَرْت بِهِ أَصْحَابَهُ لِاجْتِهَادِهِ فِي عَمَلِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: أَتُعْطِي هَذَا مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَنِي؟ وَلَمْ يَعْمَلْ إلَّا نِصْفَ النَّهَارِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَمْ أُنْقِصْك مِنْ أُجْرَتِك شَيْئًا وَإِنَّمَا هُوَ مَالِي أَحْكُمُ فِيهِ بِمَا أَشَاءُ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ وَذَهَبَ وَتَرَكَ أُجْرَتَهُ، فَوَضَعْت حَقَّهُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَيْتِ. ثُمَّ مَرَّتْ بِي بَعْدَ ذَلِكَ بَقَرٌ فَاشْتَرَيْت لَهُ فَصِيلَةٌ بِأُجْرَتِهِ فَبَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَصِرْت أَزْرَعُ لَهُ بِأُجْرَتِهِ وَأَشْتَرِي لَهُ مِنْ رِيعِ الزَّرْعِ عِجْلَةً وَعَنْزًا وَسَخْلَةً وَتَرْعَى فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ، فَزَادَتْ وَنَمَتْ. ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ حِينٍ شَيْخٌ ضَعِيفٌ لَا أَعْرِفُهُ فَقَالَ: إنَّ لِي عِنْدَك حَقًّا، ثُمَّ ذَكَرَهُ حَتَّى عَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: هَذِهِ الْبَهَائِمُ حَقُّكَ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْخَرْ بِي إنْ لَمْ تَتَصَدَّقْ عَلَيَّ فَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْت لَهُ: وَاَللَّهِ مَا أَسْخَرُ بِك وَإِنَّمَا هِيَ حَقُّك وَلَيْسَ لِي فِيهَا شَيْءٌ. فَدَفَعْت جَمِيعَ ذَلِكَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ مِنْهَا ثُلُثُهَا. وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ عَمِلْت حَسَنَةً، كَانَ لِي مَالٌ وَرِزْقٌ رَزَقَنِي اللَّهُ بِهِ فَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ تَطْلُبُ مِنِّي إحْسَانًا، فَقُلْت لَهَا: بِشَرْطِ أَنْ تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِك، فَأَبَتْ وَذَهَبَتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ ثَانِيًا وَطَلَبَتْ مِنِّي إحْسَانًا، فَقُلْت لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَبَتْ وَذَهَبَتْ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا فَقَالَ لَهَا: مَكِّنِيهِ مِنْ نَفْسِك وَأَحْيِي أَوْلَادَك لِئَلَّا يَمُوتُوا جُوعًا، فَرَجَعَتْ إلَيَّ وَأَنْشَدَتْنِي بِاَللَّهِ أَنْ أُعْطِيَهَا، فَأَبَيْتُ عَلَيْهَا إلَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيَّ، فَلَمَّا كَشَفْت عَوْرَتَهَا وَقَعَدْت مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنْ زَوْجَتِهِ ارْتَعَدَتْ فَقُلْت: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَتْ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَقُلْت لَهَا: خِفْتِ فِي الشِّدَّةِ وَلَمْ أَخَفْهُ أَنَا فِي الرَّخَاءِ؟ فَتَرَكْتُهَا وَأَعْطَيْتُهَا مَا يَحِقُّ عَلَيَّ بِمَا كَشَفْتُهَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ ثُلُثُهَا الثَّانِي وَتَبَيَّنَ لَهُمْ الضَّوْءُ. ثُمَّ قَالَ الْآخَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي عَمِلْت حَسَنَةً، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكَانَ لِي غَنَمٌ فَكُنْت أُطْعِمُ أَبَوَيَّ وَأَسْقِيهِمَا ثُمَّ أَرْجِعُ إلَى غَنَمِي، فَجَاءَ غَيْثٌ فَحَبَسَنِي فَأَتَيْت إلَى أَبَوَيَّ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَشَقَّ عَلَيَّ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَشَقَّ عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَ غَنَمِي، فَدُمْت وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِمَا وَمِحْلَبِي عَلَى يَدِي حَتَّى أَيْقَظَهُمَا الصُّبْحُ، فَسَقَيْتُهُمَا. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ فَعَلْت ذَلِكَ ابْتِغَاءً لِوَجْهِك فَافْرِجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ كُلُّهَا فَخَرَجُوا» .
وَلَوْ أَخْبَرَ مَعْصُومٌ بِالْقَطْعِ بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ شَخْصٍ فِي الْحَالِ وَاضْطُرَّ النَّاسُ لِلسُّقْيَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ بِالسُّقْيَا؟ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسْتَشْفِعَ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ) أَيْ يَتَوَسَّلَ بِهِمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك إلَخْ " وَالتَّوَسُّلُ بِهِمْ بِأَنْ يُخْرِجَهُمْ لِلِاسْتِسْقَاءِ لِأَجْلِ دُعَائِهِمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، خُصُوصًا عُمَّارَ الْمَسَاجِدِ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ بِقَرْيَةٍ عَذَابًا نَظَرَ إلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ فَصَرَفَ عَنْهَا» قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي عَامٍ شَدِيدِ الْقَحْطِ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَسْتَسْقُونَ وَخَرَجْت مَعَهُمْ، إذْ أَقْبَلَ عَلَيْنَا غُلَامٌ أَسْوَدُ عَلَيْهِ قِطْعَتَا خَيْشٍ قَدْ اتَّزَرَ بِإِحْدَاهُمَا وَوَضَعَ الْأُخْرَى عَلَى عَاتِقِهِ، فَجَلَسَ إلَى جَنْبِي فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إلَهِي اخْتَلَفَتْ الْوُجُوهُ بِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ وَالْمَسَاوِئِ وَقَدْ حَبَسْت عَنَّا غَيْثَ السَّمَاءِ لِتُؤَدِّبَ عِبَادَك، فَأَسْأَلُك يَا حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ يَا مَنْ لَا يَعْرِفُ عِبَادُهُ مِنْهُ إلَّا الْجَمِيلَ أَنْ تُسْقِيَهُمْ السَّاعَةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ السَّاعَةَ السَّاعَةَ حَتَّى اكْتَسَتْ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَأَقْبَلَ الْمَطَرُ مِنْ كُلِّ مَكَان. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَجِئْت إلَى الْفُضَيْلِ ﵁ فَقَالَ لِي: أَرَاك كَئِيبًا، فَقُلْت: قَدْ سَبَقَنَا إلَيْهِ غَيْرُنَا وَتَوَلَّاهُ دُونَنَا؛ وَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَصَاحَ الْفُضَيْلُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ اهـ أج قَوْلُهُ: (كَمَا اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ) .
وَقَدْ
стр. 705
فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَيُصَلِّي) الْإِمَامُ (بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) فِي كَيْفِيَّتِهِمَا مِنْ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالْقِرَاءَةِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَوُقُوفُهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى جَهْرًا بِسُورَةِ ﴿ق﴾ [ق: ١] ، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] أَوْ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةُ قِيَاسًا لَا نَصًّا، وَلَا تُؤَقَّتُ بِوَقْتِ عِيدٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَتُصَلَّى فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ فَدَارَتْ مَعَ سَبَبِهَا (ثُمَّ يَخْطُبُ) الْإِمَامُ (بَعْدَهُمَا) أَيْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَتُجْزِئُ الْخُطْبَتَانِ قَبْلَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَيُبْدَلُ تَكْبِيرُهُمَا بِاسْتِغْفَارِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ: «أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ اسْتَسْقَى بِالنَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ سُنُونَ أَهْلَكَتْهُمْ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ فِيكُمْ نَبِيًّا آنَ أَوَانُ خُرُوجِهِ بِهِ يَأْتِيكُمْ الْحَيَا وَالْخِصْبُ، فَاخْرُجُوا إلَى جَبَلِ أَبِي قَيْسٍ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيَطْلُبُ الْغَوْثَ أَيْ الْإِجَابَةَ بِوَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ مُتَوَسِّلًا بِهِ فَسُقُوا» . وَلِذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ عَبْدُ الْمُطَّلِب.
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
قَوْلُهُ: (قَحَطْنَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْحَاءِ، وَحَكَى الْفَرَّاءُ كَسْرَ الْحَاءِ، وَقُحِطَ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ؛ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ح ف عَلَى ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ قَوْلُهُ: (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَخْ) وَحِكْمَةُ تَوَسُّلِهِ بِهِ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ وَسِيلَةً حَيًّا وَمَيِّتًا الْإِشَارَةُ إلَى رِفْعَةِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ح ف فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ
قَوْلُهُ: (كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُزَادُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ. اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ اهـ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ شَرْحِ الرَّمْلِيِّ: أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، لَكِنْ لَمْ يَعْتَمِدْهُ ز ي لِكَوْنِهِ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: لَكِنْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا، وَكَلَامُ الزِّيَادِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِكَلَامِ الرَّمْلِيِّ مِنْ غَيْرِهِ فَافْهَمْ قَوْلُهُ: (قِيَاسًا لَا نَصًّا) يَرْجِعُ لِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِيهِمَا ضَعِيفٌ. وَعِبَارَةُ م ر: وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى جَهْرًا بِسُورَةِ " ق " وَفِي الثَّانِيَةِ " اقْتَرَبَتْ " أَوْ " سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةَ " قِيَاسًا وَلِوُرُودِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بَدَلَ " اقْتَرَبَتْ " ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] لِاشْتِمَالِهَا عَلَى اسْتِغْفَارٍ وَنُزُولِ الْمَطَرِ اللَّائِقِينَ بِالْحَالِ. وَرَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ. عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا مَا يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُؤَقَّتُ بِوَقْتِ عِيدٍ) أَيْ وَلَكِنْ لَا تُؤَقَّتُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا مُعَيَّنٌ وَأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهَا كَالْعِيدِ، لَكِنَّهَا تُخَالِفُهُ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ؛ وَهَلْ تُصْنَعُ بِاللَّيْلِ؟ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنَّهَارِ أَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ كَالْعِيدِ، وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ اهـ كَلَامُهُ، وَهُوَ مَرْجُوحٌ. وَاعْتَمَدَ خ ض نَقْلًا عَنْ م ر أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا مَتَى شَاءَ وَلَوْ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ وَهُوَ الْحَاجَةُ فَدَارَتْ مَعَهُ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَوَافَقَهُمْ الشَّارِحُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَخْطُبُ) أَيْ كَالْعِيدِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَالسُّنَنِ. وَيُنْدَبُ أَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ ثُمَّ يَقُومَ لِيَخْطُبَ شَرْحُ م ر. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا، نَعَمْ إنْ نَذَرَهُمَا وَجَبَ الْقِيَامُ اهـ خ ض قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ الْخُطْبَتَانِ قَبْلَهُمَا) وَلَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ، خِلَافًا لِلرَّحْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ إلَّا بِالنَّذْرِ، فَلَا تَكْفِي وَاحِدَةٌ، وَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا إلَّا إذَا نَذَرَهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
قَوْلُهُ: (وَيُبْدِلُ إلَخْ) وَيُبْدَلُ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِسْقَاءِ اهـ م د.
следующие страницы →