Полный текст (1 005 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اللَّوَاحِقُ لَيْسَتْ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا تُفِيدُ نَوْعَ بَصِيرَةٍ فِيهِ.
فَإِذَنْ هَذَا مِنْ النَّوْعِ الْمُسَمَّى بِالتَّوْجِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَدِيعِ ثُمَّ هَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ صَدْرَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ الْمَبَادِئَ عَلَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اللُّغَوِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّ (وَكَوْنُ الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ بِعَرَضِهِمْ) أَيْ، وَمَا قِيلَ أَيْضًا مِنْ قِبَلِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ دَفْعًا لِاحْتِجَاجِ التَّوْقِيفِيَّةِ بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظَ الْمَوْضُوعَةَ لِمَعَانِيهَا بَلْ الْمُرَادُ بِهَا حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَخَوَاصَّهَا بِأَنْ عَلَّمَهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْخَيْلِ كَذَا، وَهِيَ تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ وَأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَقَر كَذَا، وَهِيَ تَصْلُحُ لِلْحَرْثِ، وَهَلُمَّ جَرًّا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ لِلسُّؤَالِ عَنْ أَسْمَاءِ الْمَعْرُوضَاتِ فَلَا يَكُونُ الْمَعْرُوضُ نَفْسَ الْأَلْفَاظِ عَلَى أَنَّ عَرْضَهَا مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ وَبِتَلَفُّظٍ بِهَا يَأْبَاهُ الْأَمْرُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ؛ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي هُوَ هُمْ لِلْأَسْمَاءِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ غَيْرُهُ، وَهِيَ إنَّمَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ إذَا أُرِيدَ بِهَا الْحَقَائِقُ لِإِمْكَانِهِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبًا لِذَوِي الْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِمْ (مُنْدَفِعٌ بِالتَّعْجِيزِ بِ ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِالْإِنْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ وَالْإِظْهَارِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ، وَأَضَافَ فِيهِ الْأَسْمَاءَ إلَى هَؤُلَاءِ، وَهِيَ الْمُسَمَّيَاتُ.
وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمُسَمَّيَاتِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَيْهَا فَكَذَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّقُ التَّعْلِيمِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ الْإِلْزَامُ بِطَلَبِهِ الْأَنْبَاءَ بِالْأَسْمَاءِ ثُمَّ إنْبَائِهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ إنَّمَا تَكُونُ لَوْ سَأَلَ الْمَلَائِكَةَ عَمَّا عَلَّمَ آدَمَ لَا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، وَالضَّمِيرُ فِي عَرَضَهُمْ لِلْمُسَمَّيَاتِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ ضِمْنًا إذْ التَّقْدِيرُ: أَمَّا أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إلَيْهِ لِدَلَالَةِ الْمُضَافِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسَمًّى، وَعَوَّضَ عَنْهُ اللَّامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ لِلْمُسَمَّيَاتِ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِدَلَالَةِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْبَاقِينَ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا إشْكَالَ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْأَسْمَاءِ الْأَلْفَاظَ وَبَيْنَ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي هِيَ مَا أُضِيفَتْ الْأَسْمَاءُ إلَيْهِ أَوْ كَانَتْ مُتَعَلَّقَةً بِهَا هَذَا وَلَا يَبْعُدُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ اسْتِخْدَامٌ أَعْنِي يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ فِي ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١] الْأَلْفَاظَ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي عَرَضَهُمْ رَاجِعًا إلَى الْأَسْمَاءِ مُرَادًا بِهَا الْمُسَمَّيَاتِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
، وَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ (وَبُعْدِ عَلَّمَ الْمُسَمَّيَاتِ) أَيْ، وَمُنْدَفِعٌ أَيْضًا بِبُعْدِ أَنْ يُقَالَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْمُسَمَّيَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِلتَّعْلِيمِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأَشْخَاصِ وَالذَّوَاتِ إلَّا بِنَوْعٍ مَقْبُولٍ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِقْرَاءُ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَلَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ الْقَرِيبُ السَّالِمُ مِنْ تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ لِاحْتِمَالٍ خَفِيٍّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِ.
ثَالِثُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَنَقَلَهُ فِي الْحَاصِلِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِي الْمَحْصُولِ وَالتَّحْصِيلِ عَنْ جُمْهُورِهِمْ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعُهُ التَّوَقُّفُ وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذَا عَدَمَ الْقَوْلِ بِمُعَيَّنٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُمْكِنَةِ فِيهَا، وَقَالُوا فِي وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَذَاهِبِ فِيهَا مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ، وَشَيْءٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ فَوَجَبَ الْوَقْفُ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ مَعَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي) عَنْ الْقَطْعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ (لِعَدَمِ) دَلِيلٍ (الْقَطْعِ) بِذَلِكَ (لَا يَنْفِي الظَّنَّ) بِأَحَدِهَا، وَهُوَ مَا الدَّلِيلُ يُفِيدُ ظَنَّهُ بَلْ يُجَامِعُ الظَّنَّ بِأَحَدِهَا عَدَمُ الْقَطْعِ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَا يَلْزَمُ الْوَقْفُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَطْعِ فَقَطْ (وَالْمُبَادِرُ) إلَى الذِّهْنِ وَالْأَحْسَنُ وَلَكِنَّ الْمُبَادِرَ (مِنْ قَوْلِهِ) أَيْ الْقَاضِي (كُلٌّ) مِنْ الْمَذَاهِبِ فِيهَا (مُمْكِنٌ عَدَمُهُ) أَيْ الظَّنِّ بِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِطْلَاقِ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ فِي الِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ لِاحْتِمَالٍ عَلَى آخَرَ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الظَّنِّ بِأَحَدِهَا (مَمْنُوعٌ)
стр. 72
لِوُجُودِ مَا يُفِيدُ ظَنَّ أَحَدِهَا رَاجِحًا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَعَلَّهُ دَلِيلُ الْأَشْعَرِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ الْبَدِيعِ وَالْقَاضِي كُلٌّ مِنْ هَذِهِ مُمْكِنٌ وَالْوُقُوعُ ظَنِّيٌّ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا لَفْظُهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُ بِظَنِّ أَحَدِهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ الْإِمْكَانِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ يَعْنِي لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ثُمَّ النَّظَرُ إلَى الْوَاقِعِ يُفِيدُ ظَنَّ وُقُوعِ أَحَدِهَا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُوجِبِ لِلْوَقْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ فَهُوَ قَائِلٌ بِهِ كَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَنْ الْقَطْعِ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لَكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَاقِفًا عَنْ الْقَطْعِ بَلْ يَكُونُ قَاطِعًا بِعَدَمِ الْقَطْعِ بِأَحَدِهَا وَلَا يُنَافِيهِ ظَنُّ أَحَدِهَا لِمَا ذَكَرْنَا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنَّ لَوْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ الْقَطْعَ بِذَلِكَ عَنْ مُلَاحَظَةِ مَا فِي الْوَاقِعِ مُوجِبًا لَهُ فِي نَظَرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ لِمَانِعٍ قَامَ عِنْدَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَانِعٍ فِي الْوَاقِعِ فَأَخْبَرَ عَمَّا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي فِي هَذِهِ شَيْئًا فَأَطْلَقَ الْوَقْفَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ عَنْ الْقَطْعِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ تَبَادُرِ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ. رَابِعُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَاضِعُ فِي تَعْرِيفِ النَّاسِ اصْطِلَاحَهُ لِيُوَافِقُوهُ عَلَيْهِ تَوْقِيفِيٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا عَدَاهُ مُمْكِنٌ ثُبُوتُهُ بِكُلٍّ مِنْ التَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ أَوْ هُوَ ثَابِتٌ بِالِاصْطِلَاحِ عَلَى اخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنْهُ فِي هَذَا كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا وَيُعْرَفُ هَذَا بِالْمَذْهَبِ التَّوْزِيعِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ فِي ضِمْنِ رَدِّهِ بِقَوْلِهِ (وَلَفْظُ كُلَّهَا) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] (يَنْفِي اقْتِصَارَ الْحُكْمِ عَلَى كَوْنِ مَا وَضَعَهُ سُبْحَانَهُ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الِاصْطِلَاحِ) وَالْأَحْسَنُ يَنْفِي اقْتِصَارَ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الِاصْطِلَاحِ (إذْ يُوجِبُ) لَفْظُ كُلَّهَا (الْعُمُومَ) لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا مَعَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ تُفِيدُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَنَصُّ فِيهِ ثُمَّ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ خَصَّصَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِقِيَامِ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ فِيمَا وَرَاءَهُ عَلَى الْعُمُومِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ (فَانْتَفَى) بِهَذَا (تَوَقُّفُ الْأُسْتَاذِ فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ فِي بَيَانِ الِاصْطِلَاحِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ بِعَيْنِهِ فِيهِ مِنْ التَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ (كَمَا نُقِلَ عَنْهُ) أَيْ الْأُسْتَاذِ لِعَدَمِ مُوجِبِ التَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْ النَّاقِلِينَ عَنْهُ هَذَا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ اصْطِلَاحِيٌّ، وَعَلَى هَذَا يُقَالُ بَدَلُ هَذَا فَانْتَفَى قَوْلُهُ بِالِاصْطِلَاحِ فِي غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ أَثْبَتَ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ وَجْهُ قَوْلِهِ دَعْوَى لُزُومِ الدَّوْرِ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ التَّوْقِيفِ فِي الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنْ يُقَالَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَيَانِ الِاصْطِلَاحِ بِالتَّوْقِيفِ لَتَوَقَّفَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى سَبْقِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَالْمَفْرُوضُ أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاصْطِلَاحِ فَيَلْزَمُ تَوَقُّفُهُ عَلَى سَبْقِ الِاصْطِلَاحِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ الدَّوْرُ هَذَا تَقْرِيرُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ، وَأَمَّا الْعَلَّامَةُ، وَمَنْ تَبِعَهُ فَبَنَوْا لُزُومَ الدَّوْرِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ الْعَوْدِ إلَى الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ ضَرُورَةَ تَنَاهِي الِاصْطِلَاحَاتِ أَوْ دَعْوَى التَّسَلْسُلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ الِاصْطِلَاحِ بِالتَّوْقِيفِ لَتَوَقَّفَ مَعْرِفَةُ الِاصْطِلَاحِ عَلَى سَبْقِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ سَابِقٍ، وَهُوَ عَلَى آخَرَ، وَهَلُمَّ جَرَّا وَالدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ بَاطِلَانِ فَمَلْزُومُهُمَا بَاطِلٌ جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا مُصَرِّحًا بِانْتِفَائِهِمَا فَقَالَ (وَإِلْزَامُ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيفُ الْبَعْضِ مُنْتَفٍ) ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ تَوَقُّفَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ عَلَى الِاصْطِلَاحِ قَوْلُكُمْ الْمَفْرُوضُ أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاصْطِلَاحِ مَمْنُوعٌ بَلْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ أَنْ يُعْرَفَ بِالِاصْطِلَاحِ بَلْ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ كَالْأَطْفَالِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَنْعُ تَوَقُّفِ الِاصْطِلَاحِ عَلَى سَبْقِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ (بَلْ التَّرْدِيدُ مَعَ الْقَرِينَةِ كَافٍ فِي الْكُلِّ) .
ثُمَّ لَمَّا لَزِمَ مِنْ سَوْقِ الْمُصَنِّفِ الْجُنُوحُ إلَى الْمَذْهَبِ التَّوْقِيفِيِّ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا إنَّمَا تُثْبِتُ
стр. 73
بَعْضَ الْمُدَّعَى لِاخْتِصَاصِ الْأَسْمَاءِ بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلِمَةِ الثَّلَاثَةِ أَشَارَ إلَى دَفْعِهِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَقَالَ (وَتَدْخُلُ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ) فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١] (لِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لُغَةً مَا يَكُونُ عَلَامَةً لِلشَّيْءِ وَدَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَمُلَخَّصُهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ، وَهَذَا شَامِلٌ لِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ بِالنَّوْعِ الْمُقَابِلِ لِلْفِعْلِ وَالْحَرْفِ فَاصْطِلَاحٌ حَدَثَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بَعْدَ وَضْعِ اللُّغَاتِ فَلَا يُحْمَلُ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ الِاسْمَ لُغَةً يَخْتَصُّ بِالنَّوْعِ الْمَذْكُورِ فَالتَّكَلُّمُ بِالْأَسْمَاءِ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ إذْ هِيَ الْغَرَضُ مِنْ الْوَضْعِ وَالتَّعْلِيمِ يَتَعَذَّرُ بِدُونِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَدَمَ التَّعَذُّرِ فَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ الْوَاضِعَ لِلْأَسْمَاءِ هُوَ اللَّهُ فَكَذَا الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ إذْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ دُونَ مَا عَدَاهَا، وَالْقَائِلُ بِالتَّوْزِيعِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يُقَالَ بِهِ (تَذْنِيبٌ) ثُمَّ قِيلَ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، وَقِيلَ بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ هِيَ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّوْقِيفِ جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاصْطِلَاحِ أَخَّرَ التَّكْلِيفَ عَنْ الْعَقْلِ مُدَّةَ الِاصْطِلَاحِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[الْمَقَامُ الرَّابِعُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ]
الْمَقَامُ الرَّابِعُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ؟ . فَقَالَ الْمُصَنِّفُ آتِيًا بِمَا هُوَ مِنْ فَصْلِ الْخَطَّابِ عَلَاقَةٌ وَكِيدَةٌ بَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْ الْكَلَامِ إلَى آخِرَ الْأَمْرِ (هَذَا) أَوْ مَضَى هَذَا أَوْ هَذَا كَمَا ذَكَرَ (أَمَّا اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَةِ) بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَضْعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ (فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِهَا بَيْنَهُمَا (فِي وَضْعِهِ تَعَالَى) أَيْ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ وَاضِعَ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ مَعَانِيهَا فَلِقُصُورٍ مِنَّا أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ حِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا (لِلْقَطْعِ بِحِكْمَتِهِ) وَكَيْفَ لَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ بَعْضِ آثَارِ مُقْتَضَيَاتِهَا فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا (ظَاهِرٌ فِي غَيْرِهِ) أَيْ مَظْنُونٌ وُجُودُهُ فِي غَيْرِ مَا عُلِمَ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَضَعَ الْبَارِي تَعَالَى إيَّاهَا لِمَعَانِيهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حِكْمَةُ الْوَاضِعِ وَرِعَايَةُ التَّنَاسُبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا، فَالظَّاهِرُ وُجُودُهُ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَاحِدُ قَدْ يُنَاسِبُ بِالذَّاتِ الضِّدَّيْنِ) جَوَابٌ عَنْ دَخْلٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ كَالْجَوْنِ لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَبِمُنَاسَبَتِهِ لِأَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْآخَرِ. وَإِيضَاحُ الْجَوَابِ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يُنَاسِبَ بِالذَّاتِ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ كُلًّا مِنْ وَجْهٍ فَيَصْدُقُ أَنَّ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وُضِعَ اللَّفْظُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ مُنَاسَبَةً ذَاتِيَّةً، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ اتِّحَادُ الشَّيْئَيْنِ فِي الْمُضَافِ كَاتِّحَادِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي بُنُوَّةِ بِكْرٍ، وَاتِّحَادِ مُتَضَادَّيْنِ فِي الْمُضَافِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَبْعَدٍ (فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهَا) أَيْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ يَذْكُرُهُ (بِوَضْعِ) اللَّفْظِ (الْوَاحِدِ لَهُمَا) أَيْ لِلضِّدَّيْنِ كَمَا تَوَارَدُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِيهَا ثُمَّ لَمَّا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ تَسَاوِي نِسْبَةِ الْأَلْفَاظِ إلَى مَعَانِيهَا، وَأَنَّ الْمُخَصِّصَ لِبَعْضِهَا بِبَعْضِ الْمَعَانِي دُونَ بَعْضٍ هُوَ إرَادَةُ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّ أَهْلَ التَّكَسُّرِ وَبَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيُّ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ مُوجِبَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْوَضْعِ، يُدْرِكُ ذَلِكَ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا فِي الْقَافَةِ وَيَعْرِفُهُ غَيْرُهُ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ حَكَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ الْأَسْمَاءِ فَقِيلَ لَهُ مَا مُسَمَّى أَذْغَاغِ، وَهُوَ مِنْ لُغَةِ الْبَرْبَرِ فَقَالَ أَجِدُ فِيهِ يُبْسًا شَدِيدًا، وَأَرَاهُ اسْمَ الْحَجَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَرَدَّ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَوْلَ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الذَّاتِيِّ إلَى مَعْنًى آخَرَ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الذَّاتِيُّ أَصْلًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ ثُمَّ ذَكَر السَّكَّاكِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ التَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ عَلَى أَنَّ لِلْحُرُوفِ فِي أَنْفُسِهَا خَوَاصَّ بِهَا تَخْتَلِفُ كَالْجَهْرِ وَالْهَمْسِ وَغَيْرِهِمَا
стр. 74
مُسْتَدْعِيَةً فِي حَقِّ عَالِمِهَا إذَا أَخَذَ فِي تَعْيِينِ شَيْءٍ يُرَكِّبُ مِنْهُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُهْمِلُ التَّنَاسُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ قَضَاءٌ لِحَقِّ الْحِكْمَةِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ تَرَى الْفَصْمَ بِالْفَاءِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ رَخْوٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِينَ وَبِالْقَافِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ شَدِيدٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ حَتَّى يَبِينَ، وَأَنَّ لِهَيْئَاتِ تَرْكِيبَاتِ الْحُرُوفِ أَيْضًا خَوَاصَّ يَلْزَمُ فِيهَا مَا يَلْزَمُ فِي الْحُرُوفِ، وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْفَعَلَانُ وَالْفَعَلَى بِالتَّحْرِيكِ لِمَا فِي مُسَمَّاهُ كَثْرَةُ حَرَكَةٍ كَالنَّزَوَانِ وَالْحَيَدَى. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ عِدَادِ الْعُلَمَاءِ لَا جَرَمَ أَنْ أَوَّلَ السَّكَّاكِيُّ قَوْلَ عَبَّادٍ بِهَذَا مُجَوِّزًا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ بِنَوْعٍ مِنْ الرَّمْزِ إلَيْهِ وَوَافَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ ضَابِطٍ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَ وَغَيْرَهُ لِمَا عَلَى الْحَصْرِ فِيهِ مِنْ التَّعَقُّبِ لِمَا نَذْكُرُ قَرِيبًا.
فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا بَيْنَ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ كَمَا فَصَّلْنَاهُ (مُرَادُ الْقَائِلِ بِلُزُومِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الدَّلَالَةِ) أَيْ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ إرَادَتَهُ بَلْ وُجِدَ مَا يُعَيِّنُهَا، وَهُوَ حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ (وَإِلَّا فَهُوَ ضَرُورِيُّ الْبُطْلَانِ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادَ عَبَّادٍ مِنْ قَوْلِهِ فَقَوْلُهُ ضَرُورِيُّ الْبُطْلَانِ عِنْدَ أُولِي الْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُجَجِ وَالْبُرْهَانِ ثُمَّ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ هُنَا لِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ صَرْفَ قَوْلِ عَبَّادٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ عَبَّادٌ، وَمَنْ وَافَقَهُ قَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْوَضْعِ كَمَا ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ أَمَّا إذَا كَانُوا مُصَرِّحِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى بِذَاتِهِ لِمُنَاسَبَةٍ ذَاتِيَّةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى وَضْعٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا، وَنَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ عَبَّادٍ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْهُ فَلَا يَتِمُّ وَهُوَ ظَاهِرُ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ يَطْرُقُ مَا عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ التَّنَاسُبِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِحَسَبِ خَوَاصِّ الْحُرُوفِ وَالتَّرْكِيبَاتِ يَتَأَتَّى فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ فَمَا الظَّنُّ بِاعْتِبَارِهِ فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ اللُّغَاتِ.
[الْمَقَامُ الْخَامِسُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ]
الْمَقَامُ الْخَامِسُ فِي بَيَانِ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ اللَّفْظُ هَلْ هُوَ الذِّهْنِيُّ أَوْ الْخَارِجِيُّ أَوْ الْأَعَمُّ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِهَذَا بِقَوْلِهِ (وَالْمَوْضُوعُ لَهُ) اللَّفْظُ (قِيلَ الذِّهْنِيُّ دَائِمًا) كَأَنَّهُ يَعْنِي سَوَاءً كَانَ لَهُ وُجُودٌ فِي الذِّهْنِ بِالْإِدْرَاكِ، وَفِي الْخَارِجِ بِالتَّحَقُّقِ كَالْإِنْسَانِ أَوْ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ كَبَحْرِ زِئْبَقٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا، وَهَذَا مُخْتَارُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَوَجْهُ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ فَلِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ لِاخْتِلَافِ الذِّهْنِيِّ دُونَ الْخَارِجِيِّ فَإِنَّا إذَا رَأَيْنَا جِسْمًا مِنْ بَعِيدٍ وَظَنَنَّاهُ حَجَرًا سَمَّيْنَاهُ بِهِ فَإِذَا دَنَوْنَا مِنْهُ، وَعَرَفْنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ لَكِنْ ظَنَنَّاهُ طَائِرًا سَمَّيْنَاهُ بِهِ فَإِذَا ازْدَادَ الْقُرْبُ، وَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنْسَانٌ سَمَّيْنَاهُ بِهِ، وَهَذَا آيَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ لَلذِّهْنِيِّ، وَأَمَّا فِي الْمُرَكَّبِ فَلِأَنَّ قَامَ زَيْدٌ مَثَلًا يَدُلُّ عَلَى حُكْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِأَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، وَهُوَ أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ إنْ طَابَقَ كَانَ صِدْقًا، وَإِلَّا كَانَ كَذِبًا لَا عَلَى قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْخَارِجِ، وَإِلَّا كَانَ صِدْقًا وَامْتَنَعَ كَذِبُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الِاسْمِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فِي الذِّهْنِ لِظَنِّ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ كَذَلِكَ لَا لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهِ فِي الذِّهْنِ فَالْمَوْضُوعُ لَهُ مَا فِي الْخَارِجِ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَابِعٌ لِإِدْرَاكِ الذِّهْنِ لَهُ حَسْبَمَا هُوَ كَذَا، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لَلْخَارِجِيِّ لَامْتَنَعَ الْكَذِبُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَتْ إفَادَتُهُ لَلْخَارِجِيِّ قَطْعِيَّةً، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ ظَنِّيَّةً كَالْغَيْمِ الرَّطْبِ لِلْمَطَرِ فَيَخْتَلِفُ الْمَدْلُولُ مَعَ وُجُودِ اللَّفْظِ فَيَكُونُ كَذِبًا ثُمَّ يَلْزَمُ هَذَا الْقَوْلُ أَنْ لَا تَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ فِي الْخَارِجِ مُطَابَقَةً وَلَا تَضَمُّنًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا حَقِيقَةً.
(وَقِيلَ) الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ اللَّفْظُ هُوَ (الْخَارِجِيُّ) ، وَمِمَّنْ عَزَى إلَيْهِ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِيمَا لِمَعْنَاهُ وُجُودٌ ذِهْنِيٌّ وَخَارِجِيٌّ لَا ذِهْنِيٌّ فَقَطْ ثُمَّ قَدْ تَضَمَّنَ رَدُّ وَجْهِ مَا قَبْلَهُ وَجْهَهُ (وَقِيلَ) الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ اللَّفْظُ هُوَ (الْأَعَمُّ) مِنْ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ، وَنَصَّ الْأَصْفَهَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ
стр. 75
فِي الْمُفْرَدِ فَالْإِنْسَانُ مَثَلًا مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ وَالْوُجُودُ عَيْنًا أَوْ ذِهْنًا خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ وَاحِدًا أَوْ كَثِيرًا زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ إطْلَاقِ الْحَجَرِ وَالطَّائِرِ وَالْإِنْسَانِ عَلَى الْجِسْمِ الْوَاحِدِ الْمَرْئِيِّ مِنْ بَعِيدٍ ثُمَّ قَرِيبٍ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ قَالَ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ الْخَبَرِيُّ فَإِنَّمَا يُفِيدُ حُكْمَ الْمُتَكَلِّمِ بِأَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إيجَابِيَّةٌ أَوْ سَلْبِيَّةٌ وَاقِعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارُ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، وَأَمَّا الْإِنْشَائِيَّةُ فَمَوْضُوعُهُ لِإِنْشَاءِ مَدْلُولِهَا، وَإِثْبَاتِهِ وَلَيْسَ لَهَا خَارِجٌ حَتَّى يُفِيدُ إظْهَارَهُ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمُرَكَّبَاتِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُفْرَدَاتِ (وَنَحْنُ) نَقُولُ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ (فِي الْأَشْخَاصِ لَلْخَارِجِيِّ) أَيْ فِي الْأَعْلَامِ الشَّخْصِيَّةِ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ، وَهُوَ الْمُسَمَّى الْمُتَشَخِّصُ فِي الْخَارِجِ كَمَا يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ أَحَدٌ إلَى خِلَافِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَوُجُوبُ اسْتِحْضَارِ الصُّورَةِ لِلْوَضْعِ لَا يَنْفِيهِ) جَوَابٌ عَنْ دَخْلٍ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّ الْوَضْعَ لِلشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْضَارِ صُورَتِهِ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الْوَضْعِ فَحِينَئِذٍ مَا وَضَعَ اللَّفْظَ لَهُ هُوَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ لَا الْعَيْنِيَّةُ. وَتَوْضِيحُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْضَارَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَلْ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْخَارِجِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْوَضْعِ لَهُ وَكَيْفَ يُنَافِيهِ، وَهُوَ طَرِيقٌ إلَيْهِ (وَنَفَيْنَاهُ) أَيْ وَنَفْينَا نَحْنُ فِي أَوَائِلِ بَحْثِ الْمُطْلَقِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْوَضْعَ (لِلْمَاهِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ سِوَى عِلْمِ الْجِنْسِ عَلَى رَأْيٍ) ، وَهُوَ رَأْيُ الْفَارِقِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ فِي الْمَعْنَى بِأَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ كَأُسَامَةَ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ، وَاسْمَ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ مَوْضُوعٌ لِلْفَرْدِ الشَّائِعِ فِي أَفْرَادِهِ وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ ثَمَّةَ إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا هَكَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مُوهِمٌ بِأَنَّ ثَمَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ لَمْ يُوضَعْ لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ كَمَا سَنُشِيرُ إلَيْهِ فِي الْمُطْلَقِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي حَذْفُ عَلَى رَأْيٍ أَوْ زِيَادَةُ اسْمِ الْجِنْسِ قَبْلَهُ (بَلْ) نَقُولُ: اللَّفْظُ فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْجِنْسِيَّةِ مَوْضُوعٌ (لِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِيمَا أَفْرَادُهُ خَارِجِيَّةٌ أَوْ ذِهْنِيَّةٌ) هَذَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا كَانَ وَاضِعُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُسَمَّاهُ مُدْرَكٌ فِي الذِّهْنِ مُحَقَّقٌ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِمُسَمَّاهُ الْخَارِجِيِّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] الْآيَةَ. فَإِنَّ الْعَرْضَ فِي هَذَا إنَّمَا يَكُونُ لِمَا لَهُ وُجُودٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا، وَعَلَّمَهَا آدَمَ هِيَ الْمَعْرُوضَاتِ، وَمَا الظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهُ لِمَعْنًى مُدْرَكٍ فِي الذِّهْنِ غَيْرِ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ فِي الذِّهْنِ، وَمَا كَانَ وَاضِعُهُ غَيْرَهُ تَعَالَى فَمِنْهُ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلشَّخْصِ الْخَارِجِيِّ كَالْعَلَمِ الشَّخْصِيِّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ كَالْعَلَمِ الْجِنْسِيِّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَيْ شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ، وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ النَّكِرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[الْمَقَامُ السَّادِسُ فِي بَيَانِ طُرُقِ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ]
ِ أَعْنِي مَعْرِفَةَ كَوْنِ اللَّفْظِ الْفُلَانِيِّ مَوْضُوعًا لِلْمَعْنَى الْفُلَانِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا) تَنْحَصِرُ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا (التَّوَاتُرُ كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ) لِمَعَانِيهَا الْمَعْرُوفَةِ (وَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ) لِمَعَانِيهَا (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا ثَبَتَ لَهَا بِالتَّوَاتُرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا أَكْثَرُ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ (وَالتَّشْكِيكُ فِيهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَلْفَاظِ دَوَرَانًا عَلَى الْأَلْسُنِ لَفْظُ اللَّهِ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ أَسُرْيَانِيٌّ هُوَ أَمْ عَرَبِيٌّ، وَعَلَى أَنَّهُ عَرَبِيٌّ أَمَوْضُوعٌ هُوَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اشْتِقَاقٍ أَوْ مُشْتَقٌّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَلِلذَّاتِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَوْ لِبَعْضِ الْمَعَانِي أَوْ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ أَوْ الْجُزْئِيِّ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ هُوَ مِنْ أَلَهَ أَوْ مِنْ وَلَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَبِأَنَّ الرُّوَاةَ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ تَتَبُّعِ كَلَامِ الْبُلَغَاءِ، وَالْغَلَطُ عَلَيْهِمْ جَائِزٌ وَبِأَنَّهُمْ مَعْدُودُونَ كَالْخَلِيلِ
стр. 76
وَالْأَصْمَعِيِّ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَلَا يَحْصُلُ الْقَطْعُ بِقَوْلِهِمْ (سَفْسَطَةٌ فِي مَقْطُوعٍ) بِهِ أَيْ مُكَابَرَةٌ لِمَا عُلِمَ قَطْعًا بِأَخْبَارِ مَنْ يَمْنَعُ الْعَقْلُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ قَائِلُهُ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ كَإِنْكَارِ الْبَدِيهِيَّاتِ.
(وَالْآحَادُ) أَيْ وَثَانِيهَا أَخْبَارُ الْآحَادِ (كَالْقُرِّ) أَيْ كَإِخْبَارِهِمْ بِأَنَّ الْقُرَّ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ اسْمٌ لِلْبَرْدِ وَالتَّكَأْكُؤُ اسْمٌ لِلِاجْتِمَاعِ وَالِافْرِنْقَاعُ اسْمٌ لِلِافْتِرَاقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ كَثِيرَ الدَّوْرَانِ فِي الْكَلَامِ، وَهَذَا لَا يَضُرُّهُ أَيْضًا التَّشْكِيكُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِيهِ (وَاسْتِنْبَاطُ الْعَقْلِ مِنْ النَّقْلِ) أَيْ وَثَالِثُهَا أَنْ يَسْتَنْبِطَ الْعَقْلُ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ نَقْلِيَّتَيْنِ حُكْمًا لُغَوِيًّا (كَنَقْلِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى) بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ لِلْجِنْسِ (يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ) الْمُتَّصِلُ لِأَيِّ فَرْدٍ أَوْ أَفْرَادٍ تُرَادُ (وَأَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ الْمَذْكُورَ (إخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ) فَيُعْلَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَنْقُولَتَيْنِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ أَيُّ فَرْدٍ أَوْ أَفْرَادٍ تُرَادُ (فَيَحْكُمُ) الْعَقْلُ (بِعُمُومِهِ) أَيْ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ بِضَمِيمَةِ حُكْمِهِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا مَتْنًا وَلَا لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ ذَلِكَ. وَالْمُلَخَّصُ أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ مِنْ الثَّانِيَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ عَامٌّ فَتُضَمُّ هَذِهِ النَّقْلِيَّةُ إلَى الْأُولَى فَيُنْتِجُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ عَامٌّ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفَاضِلُ الْعِبْرِيُّ: لَوْ بَدَّلْت الثَّانِيَةَ بِهَذِهِ وَجَعَلْت الثَّانِيَةَ دَلِيلًا عَلَيْهَا لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمَطْلُوبِ.
ثُمَّ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَمْ يُفْرِدَا هَذَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ، وَأَوْضَحَهُ الْمُحَشَّوْنَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْأَوَّلِينَ إذْ لَا يُرَادُ بِالنَّقْلِ مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْوَضْعِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْعَقْلِ فِيهِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ إذْ صِدْقُ الْمُخْبِرِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ، وَإِنَّهُ عَقْلِيٌّ لَا يُعْرَفُ بِالنَّقْلِ لِاسْتِلْزَامِهِ الدَّوْرَ أَوْ التَّسَلْسُلَ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْعَقْلِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ بِمُقَدِّمَةٍ مِنْ الْقِيَاسِ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّقْلِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَهَذَا كَذَلِكَ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا أَفْرَدَهُ كَالْبَيْضَاوِيِّ لِامْتِيَازِهِ عَنْهُمَا بِأَنَّ مَا يَثْبُتُ بِهِ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِمَنْطُوقِ الْعِبَارَةِ بَلْ يَثْبُتُ لَازِمًا لَهَا بِخِلَافِهِمَا ثُمَّ حَيْثُ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْدَرِجًا فِيهِمَا فَقَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.
(أَمَّا) الْعَقْلُ (الصِّرْفُ) بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ الْخَالِصُ (فَبِمَعْزِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ أَيْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ وَضْعِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ وَالْعَقْلُ إذَا لَاحَظَ الْمُمْكِنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ تَرَدَّدَ فِي وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا بِالْقِيَاسِ إلَى ذَاتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ إلَيْهِ لِيَجْزِمَ بِأَحَدِ طَرَفَيْهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ إلَّا النَّقْلُ عَلَى أُسْلُوبِ مَا تَقَدَّمَ فَكَانَ الطَّرِيقُ فِيهِ ذَلِكَ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ بِنَقْلِهَا بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ) مِنْ نَقْلِهَا (نَقْلَ قَوْلِ الْوَاضِعِ كَذَا لِكَذَا) أَيْ اللَّفْظُ الْفُلَانِيُّ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْفُلَانِيِّ (بَلْ) الْمُرَادُ مِنْ نَقْلِهَا (تَوَارُثُ فَهْمِ كَذَا) أَيْ الْمَعْنَى الْفُلَانِيِّ (مِنْ كَذَا) أَيْ اللَّفْظِ الْفُلَانِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا وَضْعُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى لِبُعْدِ تَوَارُثِ ذَلِكَ مَعَ انْتِفَاءِ الْوَضْعِ (فَإِنْ زَادَ) الطَّرِيقُ النَّقْلِيُّ الْمُعَرِّفَ لَهَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ بِنَحْوِ اللَّفْظِ الْفُلَانِيِّ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْفُلَانِيِّ (فَذَاكَ) أَيْ فَبِهَا وَنِعْمَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْوُضُوحِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا ضَيْرَ.
[الْمَقَامُ السَّابِعُ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ]
الْمَقَامُ السَّابِعُ فِي أَنَّ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لَهَا، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ مُفَسِّرًا لِمَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَمُبَيِّنًا لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فَقَالَ (وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَاسِ أَيْ إذَا سَمَّى مُسَمًّى بِاسْمٍ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى (مَعْنَى يُخَالُ اعْتِبَارُهُ فِي التَّسْمِيَةِ) أَيْ يُظَنُّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَعْنَى سَبَبًا لِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ (لَلدَّوْرَانِ) أَيْ لِأَجْلِ دَوْرَانِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ الِاسْمِ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا فَيَرَى أَنَّهُ مَلْزُومُ التَّسْمِيَةِ، وَأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَأَيْنَمَا وُجِدَ تُوجَدُ (وَيُوجَدُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى أَيْضًا (فَهَلْ يَتَعَدَّى الِاسْمُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ (فَيُطْلَقُ) ذَلِكَ الِاسْمُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ (حَقِيقَةً كَالْمُسَمَّى نَقْلًا) أَيْ كَمَا أُطْلِقَ الِاسْمُ عَلَى ذَلِكَ
стр. 77
الْمُسَمَّى الَّذِي ثَبَتَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ نَقْلًا لَا تَعْدِيَةً أَوْ لَا يَتَعَدَّى الِاسْمُ إلَيْهِ بَلْ يَخُصُّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ إذَا أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ مَجَازًا (كَالْخَمْرِ) فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذْ غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً (عَلَى النَّبِيذِ) مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الْمَذْكُورِ إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ (لِلْمُخَامَرَةِ) أَيْ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ التَّخْمِيرُ لِلْعَقْلِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِنَّ التَّخْمِيرَ لِلْعَقْلِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا بَلْ يُسَمَّى عَصِيرًا وَخَلًّا، وَإِذَا وُجِدَ فِيهِ سُمِّيَ بِهَا.
(أَوْ يَخُصُّ) هَذَا الِاسْمَ الَّذِي هُوَ الْخَمْرُ (بِمُخَامِرٍ هُوَ مَاءُ الْعِنَبِ) الْمَذْكُورِ فَلَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى النَّبِيذِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ (وَالسَّارِقِ) أَيْ، وَمِثْلُ السَّارِقِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْآخِذِ مَالِ الْحَيِّ خُفْيَةً مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَهَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً (عَلَى النَّبَّاشِ) ، وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ كَفَنَ الْمَيِّتِ خُفْيَةً مِنْ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخِذِ الْمَذْكُورِ إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ (لِلْأَخْذِ خُفْيَةً) أَيْ لِهَذَا الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا، وَعَدَمًا فَإِنَّ الْآخِذَ لِمَالِ الْحَيِّ مُجَاهَرَةً لَا يُسَمَّى سَارِقًا بَلْ يُسَمَّى مُكَابِرًا أَوْ غَاصِبًا، وَإِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ يُسَمَّى سَارِقًا أَوْ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَنْ النَّبَّاشِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ (وَالزَّانِي) أَيْ، وَمِثْلُ الزَّانِي فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْمُولِجِ آلَتَهُ فِي قُبُلِ آدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ بِلَا شُبْهَةٍ فَهَلْ يُطْلَقُ (عَلَى اللَّائِطِ) إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ لِلْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا أَوْ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى اللَّائِطِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَنَقَلَ ابْنُ جِنِّي أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. ثَانِيهِمَا الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَالْمُخْتَارُ نَفْيُهُ) أَيْ كَوْنُ الْقِيَاسِ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لِلُّغَةِ.
(قَالُوا) أَيْ الْمُثَبِّتُونَ: الْحُجَّةُ (الدَّوَرَانُ) أَيْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا كَمَا بَيَّنَّا فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الدَّوَرَانَ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ. (قُلْنَا) فِي جَوَابِهِمْ (إفَادَتُهُ) أَيْ الدَّوَرَانُ ذَلِكَ (مَمْنُوعَةٌ) فَإِنَّ فِي كَوْنِهِ طَرِيقًا صَحِيحًا لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ خِلَافًا يَأْتِي فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَنْعِهِ فَهَذَا الْمَنْعُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، وَمَنْ اقْتَفَاهَا (وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ) لِصِحَّتِهِ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لِلْمَطْلُوبِ كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ غَيْرِهِمْ وَتَنَزُّلًا مِنْهُمْ (إنْ أَرَدْتُمْ) بِقَوْلِكُمْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا أَوْ عَدَمًا أَنَّهُ دَارَ مَعَهُ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِأَنْ ثَبَتَ عَنْ الْعَرَبِ أَنَّ الِاسْمَ لِمَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَائِنًا مَا كَانَ (فَغَيْرُ الْمَفْرُوضِ) مَحَلًّا لِلنِّزَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مَحَلًّا لَهُ أَنَّ الِاسْمَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِمُسَمًّى ثُمَّ رَأَيْنَا فِيهِ مَعْنًى يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَوَجَدْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مُسَمًّى غَيْرِهِ فَهَلْ يُعَدَّى ذَلِكَ الِاسْمُ إلَى الْغَيْرِ أَيْضًا حُكْمًا عَلَى اللُّغَةِ أَمْ لَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِيهِ) ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ ثَابِتًا عَنْهُمْ كَوْنُ الِاسْمِ مَوْضُوعًا لِمَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى يَكُونُ (مِنْ أَفْرَادِ الْمُسَمَّى) بِذَلِكَ الِاسْمِ أَفَادَ الِاسْتِقْرَاءُ لِكَلَامِهِمْ أَوْ النَّقْلُ عَنْهُمْ أَنَّ الِاسْمَ لِمُشْتَرَكٍ مَعْنَوِيٍّ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا فِي تَسْمِيَةِ زَيْدٍ فِي ضَرَبَ زَيْدٌ فَاعِلًا لِكَوْنِ تَتَبُّعِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَفَادَ أَنَّ كُلَّ مَا أُسْنِدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إلَيْهِ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ قِيَامِهِ بِهِ يُسَمَّى فَاعِلًا وَتَسْمِيَتُهُ ضَارِبًا لِنَقْلِهِمْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ اسْمٌ لِذَاتٍ قَامَ بِهَا الْفِعْلُ.
وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ إطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْدِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَضْعٌ وَتَوْقِيفٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ مَسْكُوتٌ عَنْ تَسْمِيَتِهِ فَيُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَمَا أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ دَعْوَى قِيَاسِ بَعْضِ أَفْرَادِ مُسَمًّى فِي حُكْمِ تَنَاوُلِهَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ لَا يَسُوغُ سَمَاعُ دَعْوَى قِيَاسِ تَسْمِيَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ مُسَمًّى بِاسْمٍ مَوْضُوعٍ لِلْمَعْنَى الشَّائِعِ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ فِي التَّسْمِيَةِ
стр. 78
بِذَلِكَ الِاسْمِ بِجَامِعِ أَنْ لَيْسَ أَحَدُهَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي ذَلِكَ فِي الْفَصْلَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقِيسُ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ ثَابِتٌ بِعَيْنِ اللَّفْظِ (أَوْ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ) أَيْ أَوْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ فِي النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَحَالِّ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْأَمْرِ فِيهِ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ثُمَّ (مَنَعْنَا كَوْنَهُ) أَيْ الدَّوَرَانِ فِي الْأَصْلِ (طَرِيقًا) مُثَبِّتًا لِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمٍ لِمُسَمًّى فِيهِ مَعْنًى يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهُ بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (هُنَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَتِلْكَ الذَّاتِ فَيَكُونُ الْخَمْرُ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الْمُخَامِرِ لِلْعَقْلِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ جُزْءَ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْهُ، وَمِنْ عَيْنِ الْمَحَلِّ لَا عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُ الْمَعْنَى فَقَطْ وُجُودَ الِاسْمِ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُثَبِّتِينَ الْقِيَاسَ ثَبَتَ شَرْعًا فَيَثْبُتُ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلثُّبُوتِ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي مَعْنًى يُظَنُّ اعْتِبَارُهُ بِالدَّوَرَانِ أَشَارَ إلَيْهِ وَإِلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (كَذَلِكَ) أَيْ طَرِيقًا صَحِيحًا (فِي الشَّرْعِيَّاتِ) الْعَمَلِيَّاتِ (لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) أَيْ لِتَعْدِيَتِهِ فِيهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ (لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ كَوْنُهُ طَرِيقًا صَحِيحًا (فِي الِاسْمِ) أَيْ فِي تَعْدِيَةِ الِاسْمِ لِمُسَمًّى لُغَةً إلَى آخَرَ لَمْ تُعْلَمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ لُغَةً أَيْضًا (لِأَنَّهُ) أَيْ قِيَاسَ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْهَا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ فِيمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي الْمَعْنَى الْمُصَحِّحِ لِتَعْدِيَتِهِ إلَيْهِ كَمَا يُعْرَفُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَمْرٌ (سَمْعِيٌّ تُعُبِّدَ بِهِ) أَيْ تَعَبَّدَنَا الشَّارِعُ بِهِ فِي ذَلِكَ بِشُرُوطٍ (لَا) أَنَّهُ أَمْرٌ (عَقْلِيٌّ) يَسْتَوِي فِيهِ الْمُمْكِنَاتُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا إلَّا فِي الشَّرْعِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ خَاصَّةً، وَأَيْضًا إنَّمَا كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ إذْ خِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ غَيْرُ قَادِحٍ وَلَا إجْمَاعَ هُنَا، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنْ لَيْسَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ وَاحِدًا.
(ثُمَّ) إنْ قِيلَ مُجَرَّدُ تَجْوِيزِ كَوْنِ الِاسْمِ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ الْوَصْفِ وَالذَّاتِ لَا يَقْتَضِي تَرَجُّحَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْنَعَ صِحَّةَ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بِمُفْرَدِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى مَا فِيهِ ذَلِكَ فَيُقَالُ (تَجْوِيزُ كَوْنِ خُصُوصِيَّةِ الْمُسَمَّى مُعْتَبَرَةً) فِي تَسْمِيَةِ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ (ثَابِتٌ بَلْ ظَاهِرٌ) أَيْ مَظْنُونٌ (بِثُبُوتِ مَنْعِهِمْ طَرْدَ الْأَدْهَمِ وَالْأَبْلَقِ وَالْقَارُورَةِ وَالْأَجْدَلِ وَالْأَخْيَلِ، وَمَا لَا يُحْصَى) مِنْ أَسْمَاءِ مُسَمَّيَاتٍ فِيهَا مَعْنًى يُنَاسِبُ تَسْمِيَتِهَا بِهَا فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى إنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ الْأَدْهَمَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْأَسْوَدِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ، وَلَا الْأَبْلَقَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْمُخَطَّطِ بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُخَطَّطٌ بِهِمَا، وَلَا الْقَارُورَةَ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِمَقَرِّ الْمَائِعَاتِ مِنْ الزُّجَاجِ عَلَى مَا هُوَ مَقَرٌّ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا الْأَجْدَلَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلصَّقْرِ لِقُوَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَهُ هَذَا الْوَصْفُ، وَلَا الْأَخْيَلَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِطَائِرٍ بِهِ خَيَلَانِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا بِهِ ذَلِكَ، وَلَا السِّمَاكَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِكُلٍّ مِنْ كَوْكَبَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ عَلَى مَا لَهُ السُّمُوكُ مِنْ غَيْرِهِمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْبَشَرِ إحْصَاؤُهُ فَإِنَّ هَذَا الْمَنْعَ مِمَّا يُفِيدُ ظَاهِرًا أَنَّ ذَوَاتَ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي بِهَا هَذِهِ الْمَعَانِي جُزْءٌ مِنْ عِلَّةِ تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِمَنْعِهِمْ وَجْهٌ فِي الظَّاهِرِ (فَظَهَرَ) مِنْ هَذَا (أَنَّ الْمَنَاطَ) لِتَسْمِيَةِ الْمُسَمَّى بِاسْمِهِ الْمُخَيَّلِ كَوْنُهُ لَهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى (فِي مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ هُوَ (الْمَجْمُوعُ) مِنْ الذَّاتِ وَالْوَصْفِ الْمَخْصُوصَيْنِ (فَإِثْبَاتُهُ) أَيْ اللُّغَةِ حِينَئِذٍ (بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ إثْبَاتٌ (بِالِاحْتِمَالِ) الْمَرْجُوحِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمُحْتَمَلٍ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ الْمِيمِيِّ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ إثْبَاتَ اللُّغَةِ بِالِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ غَيْرُ جَائِزِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ حَكَمٌ بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ثُمَّ يَقَعُ الْقِيَاسُ ضَائِعًا وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ مَنَعْنَا كَوْنَهُ طَرِيقًا هُنَا؛ لِأَنَّهَا جَوَابٌ عَنْ إيرَادٍ مُقَدَّرٍ عَلَى سَنَدٍ مُقَدَّرٍ لِهَذَا الْمَنْعِ كَمَا رَأَيْت فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْأَلْفَاظِ وَإِطْلَاقِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتٍ أُخَرَ لَا فِي أَحْكَامِهَا فَإِنَّهَا تَثْبُتُ
стр. 79
بِالْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّهُ فِي الْأَلْفَاظِ وَأَحْكَامِهَا وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، ثُمَّ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْحُدُودِ فِي الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَالْقَائِلُ بِالْقِيَاسِ يُجَوِّزُ التَّسْمِيَةَ وَيُثْبِتُ حَدَّ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا فِي شَارِبِ النَّبِيذِ وَالنَّبَّاشِ وَاللَّائِطِ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهَا وَتَنَاوُلِهَا لِمَا يُلْحَقُ بِهَا، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ لَا يُجَوِّزُ التَّسْمِيَةَ وَلَا يُثْبِتُ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النُّصُوصِ إيَّاهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ. وَعِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي نَظَرٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ النَّافِينَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا مُصَرِّحُونَ بِثُبُوتِ الْحُدُودِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجَّهُوهُ بِمَا لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ كَمَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ.
[الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي تَقْسِيمِ اللَّفْظِ إلَى مهمل ومستعمل]
الْمَقَامُ الثَّامِنُ فِي أَقْسَامِ اللَّفْظِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ مَا تُخْرِجُهُ الْقِسْمَةُ الْأُولَى لَهُ، وَمَا تُخْرِجُهُ غَيْرُهَا، وَلَمَّا كَانَ تَقْدِيمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ أَوْلَى أَشَارَ إلَيْهِ مُبَيِّنًا لِلْحَيْثِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهُ فَقَالَ (وَاللَّفْظُ إنْ وُضِعَ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ نَفْسِهِ بِأَنْ وُضِعَ لِمَعْنًى (فَمُسْتَعْمَلٌ، وَإِنْ) فُرِضَ أَنَّهُ (لَمْ يُسْتَعْمَلْ) قَطُّ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى لِيَكُونَ حَقِيقَةً أَوْ فِي مَعْنَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ بَلْ وُضِعَ لِنَفْسِهِ (فَمُهْمَلٌ، وَإِنْ) فُرِضَ أَنَّهُ (اُسْتُعْمِلَ) اسْتِعْمَالًا مَا (كَدَيْزٌ ثَلَاثَةٌ) بِرَفْعِ كِلَيْهِمَا عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ وَالْخَبَرِيَّةِ فَإِنَّ دَيْزًا لَفْظٌ مُهْمَلٌ لِعَدَمِ وَضْعِهِ لِمَعْنًى، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ (وَبِالْمُهْمَلِ) أَيْ وَبِاسْتِعْمَالِ الْمُهْمَلِ فِي نَفْسِهِ (ظَهَرَ وَضْعُ كُلِّ لَفْظٍ لِنَفْسِهِ) وَضْعًا عِلْمِيًّا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ (كَوَضْعِهَا لِغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا ظَهَرَ وَضْعُ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ لِغَيْرِ نَفْسِهِ مَعَ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْفَاشِي لَهُ فِي غَيْرِ نَفْسِهِ فَأَعَادَ الضَّمِيرَ إلَى بَعْضِهَا الْمَفْهُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ بِمَعُونَةِ السِّيَاقِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى اكْتِسَابِهِ التَّأْنِيثَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَلَا يُقَالُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي نَفْسِهِ مَجَازًا، وَفِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِنَفْسِهِ كَمَا وُضِعَ بَعْضُهَا لِغَيْرِهِ (لِأَنَّ الْمَجَازَ يَسْتَلْزِمُ وَضْعًا لِلْمُغَايِرِ) أَيْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَجَازُ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وَضْعًا لِلشَّيْءِ الْمُغَايِرِ لَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْوَضْعِ لِغَيْرِ الْمُتَجَوَّزِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ (وَهُوَ) أَيْ الْوَضْعُ لِلْمُغَايِرِ (مُنْتَفٍ فِي الْمُهْمَلِ) إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِ نَفْسِهِ (وَلِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ) بَيْنَ مَا اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً، وَمَا اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِهِ مَجَازًا فِي الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا فِي الْمُهْمَلِ فَبِطَرِيقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ أَصْلًا فَالْأَوَّلُ خَاصٌّ بِالْمُهْمَلِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا تَحَقُّقَ لِلْمَجَازِ بِدُونِ تَحَقُّقِ عَلَاقَةٍ صَحِيحَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فَصَارَ اسْتِعْمَالُهُ فِي نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ مَجَازًا، سَوَاءٌ كَانَ مَوْضُوعًا لِغَيْرِهِ أَوْ لَا لِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقِيقَةً اهـ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ -: وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ فِي نَفْسِهِ مَجَازًا لِوُجُودِ سَابِقَةِ الْوَضْعِ الْمُغَايِرِ، وَالْعَلَاقَةُ الْمُصَحِّحَةُ لِذَلِكَ، وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ الصُّورِيُّ بَيْنَهُمَا أَوْ الْمُجَاوَرَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعْنَاهُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ مُرْتَسِمًا مَعَهُ فِي الْخَيَالِ حَصَلَ بَيْنَهُمَا مُجَاوَرَةٌ صَالِحَةٌ لَأَنْ تُجْعَلَ عَلَاقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْفَهَانِيُّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَصِيرُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِغَيْرِهِ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا لِوَضْعِهِ لِغَيْرِهِ وَلِنَفْسِهِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيمَا هُوَ الْمُرَادُ بِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَثَلًا إذَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تُعَيِّنُ أَحَدَهُمَا كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ تَبَادَرَ الْمُغَايِرُ عِنْدَ ذِكْرِهِ حَتَّى يُحْكَمَ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ بِالْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ كَوْنُ الدَّلَالَةِ عَلَى مُغَايِرٍ قَبْلَ الْمُسْنَدِ) الْمُفِيدِ ذِكْرُهُ لِأَحَدِهِمَا يَنْفِي ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَوَّلًا بِمَنْعِ صَيْرُورَةِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا اصْطِلَاحًا بِمُجَرَّدِ هَذَا. وَثَانِيًا سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّبَادُرِ لَا يَنْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ مِنْ عَدَمِ وَضْعِهِ لِنَفْسِهِ بَلْ مِمَّا قَالَ (لِعَدَمِ الشُّهْرَةِ وَشُهْرَةِ مُقَابِلِهِ) أَيْ عَدَمِ شُهْرَةِ الْوَضْعِ فِي الْوَضْعِ لِنَفْسِهِ وَشُهْرَةِ الْوَضْعِ فِي مُقَابِلِ الْوَضْعِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْوَضْعُ لِغَيْرِهِ بَلْ قَدْ أَنْكَرَ الْوَضْعَ لِنَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَجَازَ أَنْ يَشْتَهِرَ اللَّفْظُ الَّذِي لَهُ وَضْعَانِ فِي أَحَدِ مَفْهُومِيهِ
стр. 80
فَيَتَبَادَرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ (وَلَمَّا كَانَ) وَضْعُ اللَّفْظِ لِنَفْسِهِ (غَيْرَ قَصْدِيٍّ) أَيْ غَيْرَ مَقْصُودِ بِالذَّاتِ (لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ) أَيْ وَضْعَ اللَّفْظِ لِنَفْسِهِ (لَيْسَ إلَّا تَجْوِيزُ اسْتِعْمَالِهِ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ) بِمَا يُسَوِّغُ الْحُكْمَ بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّ هَذَا الْوَضْعَ فِي الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُ الْوَاضِعِ جَوَّزْت أَنْ تَذْكُرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِيُحْكَمَ عَلَى ذَوَاتِهَا بِمَا يَصِحُّ عَلَيْهَا مُهْمَلَةً كَانَتْ أَوْ مُسْتَعْمَلَةً فَوَضْعُهَا لِنَفْسِهَا هُوَ هَذَا التَّجْوِيزُ فَقَطْ بِخِلَافِ وَضْعِهَا لِغَيْرِهَا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إفَادَةُ الْأَحْكَامِ الْكَائِنَةِ لَهَا فِي مَوَاقِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
(لَمْ يُوضَعْ) لِلَّفْظِ كَائِنًا مَا كَانَ (الْأَلْقَابُ الِاصْطِلَاحِيَّةُ) أَيْ الْمَنْسُوبَةُ إلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ (بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ هَذَا الْوَضْعِ لِانْتِفَاءِ مُقْتَضَيَاتِهَا الِاصْطِلَاحِيَّةِ حِينَئِذٍ (فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ مَوْضُوعٍ لِلْمُغَايِرِ مُشْتَرَكًا) مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَضْعَيْنِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ (وَلَمْ يُسَمَّ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ هَذَا الْوَضْعِ (عَلَمًا وَلَا اسْمَ جِنْسٍ وَلَا دَالًّا بِالْمُطَابَقَةِ) وَلَا بِالتَّضَمُّنِ وَلَا بِالِالْتِزَامِ لَكِنْ يَطْرُقُ عُمُومَ هَذَا الْمَنْعِ الْمَنْعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ إذَا اُسْتُعْمِلَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِمَجَازِيَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْعَلَمَ كَمَا سَتَسْمَعُهُ عَلَى الْأَثَرِ مِنْ هَذَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا تَصَدَّى الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ لِتَحْقِيقِ مَعَانِي الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهٍ أَفَادَ التَّصْرِيحَ بِانْقِسَامِ الْوَضْعِ إلَى لِغَيْرِهِ وَلِنَفْسِهِ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْكَشَّافِ أَيْضًا بِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى أَنْفُسِهَا لَيْسَتْ مُسْتَنِدَةً إلَى وَضْعٍ أَصْلًا لِوُجُودِهَا فِي الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ بِلَا تَفَاوُتٍ وَجَعْلُهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا لَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا أَسْمَاءً؛ لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ بِأَسْرِهَا مُتَسَاوِيَةُ الْأَقْدَامِ فِي جَوَازِ الْإِخْبَارِ عَنْ لَفْظِهَا بَلْ هُوَ جَارٍ فِي الْمُهْمَلَاتِ كَقَوْلِك جَسَقٌ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفٍ ثَلَاثَةٍ وَدَعْوِي كَوْنِهَا مَوْضُوعَةَ بِإِزَاءِ نَفْسِهَا وَضْعًا قَصْدِيًّا أَوْ غَيْرَ قَصْدِيٍّ مُكَابَرَةٌ فِي قَوَاعِدِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ إثْبَاتَ وَضْعٍ غَيْرَ قَصْدِيٍّ لَا يُسَاعِدُهُ نَقْلٌ وَلَا عَقْلٌ، وَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ ضَرَبَ وَمِنْ أَخَوَاتِهِمَا أَسْمَاءٌ لِأَلْفَاظِهَا الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا، وَأَعْلَامٌ لَهَا فَكَلَامٌ تَقْرِيبِيٌّ قَالُوا ذَلِكَ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ إجْرَاءُ حُكْمٍ عَلَى لَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهِ نَفْسُهُ لَمْ يَحْتَجْ هُنَاكَ إلَى وَضْعٍ وَلَا إلَى دَالٍّ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِتَلَفُّظِهِ وَحُضُورِهِ بِذَلِكَ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيَحْضُرهُ فِيهِ فَالْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مُتَشَارِكَةٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهَا أَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَفْظًا أَوْ كَانَ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ فَيَنْصِبُ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِيَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ إلَيْهِ اهـ.
وَكَانَ كَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ الْمُرَادِ بِوَضْعِهِ لِنَفْسِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَوْضَحْنَاهُ رَافِعًا لِلْخِلَافِ فِي الْمَعْنَى أَشَارَ أَوَّلًا إلَى التَّعَقُّبِ الْمَذْكُورِ مَعَ زِيَادَةٍ فِي تَوْجِيهِهِ ثُمَّ ثَانِيًا إلَى الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ فَقَالَ: (وَالِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ) أَيْ وَضْعَ اللَّفْظِ لِنَفْسِهِ (مُكَابَرَةٌ لِلْعَقْلِ بَلْ وَلَا وَضْعَ) لِلَّفْظِ لِنَفْسِهِ (لِاسْتِدْعَائِهِ) أَيْ الْوَضْعِ (التَّعَدُّدَ) ضَرُورَةَ اسْتِلْزَامِهِ مَوْضُوعًا، وَمَوْضُوعًا لَهُ وَلَا تَعَدُّدَ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِنَفْسِهِ بَلْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ نَفْسُهُ مَدْلُولَهُ وَالدَّالَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَدْلُولِ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْوَضْعَ (لِلْحَاجَةِ) إلَى إفَادَةِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِالنَّفْسِ وَغَيْرِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْحَاجَةُ الْمَذْكُورَةُ إنَّمَا تَحْصُلُ (فِي الْمُغَايِرِ) أَيْ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ (مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ) أَيْ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْوَضْعِ اصْطِلَاحًا كَمَا يُعْطِيهِ قُوَّةَ كَلَامٍ الْمُعْتَرِضِ (وَمَا قُلْنَا) مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِهِ لِنَفْسِهِ إنَّمَا هُوَ الْإِذْنُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ ذَاتِهِ (مُخْلَصٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ إذْ هَذَا الْمُرَادُ لَا يَنْفِيهِ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ وَلَا الْمُعْتَرِضُ أَيْضًا كَمَا رَأَيْت. وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْعَائِهِ التَّعَدُّدَ بِأَنَّ تَغَايُرَ الِاعْتِبَارِ كَافٍ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ دَالًّا وَمَدْلُولًا، وَيُجَابُ عَنْ انْحِصَارِ الْحَاجَةِ فِي الْمُغَايَرَةِ بِالْمَنْعِ ثُمَّ قُصَارَى الْمُعْتَرِضِ أَنَّهُ يَمْنَعَ تَسْمِيَةَ هَذَا الْمُرَادِ بِالْوَضْعِ نَظَرًا إلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَمِثْلُهُ مُشَاحَّةٌ لَفْظِيَّةٌ يَدْفَعُهَا أَنَّهُ لَا مُنَاقَشَةَ فِي مِثْلِهِ مِنْ الْأُمُورِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِسْمَةِ الْأُولَى لِلَّفْظِ.
[بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ]
وَلْنَشْرَعْ مِنْ
стр. 81
هُنَا فِي بَيَانِ الْأَقْسَامِ اللَّاحِقَةِ لِلَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْ حَيْثِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَنَقُولُ (وَالْمُسْتَعْمَلُ) مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ وَالتَّرْكِيبُ (مُفْرَدٌ، وَمُرَكَّبٌ) لِمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِهِمَا ثُمَّ تَعْرِيفِهِمَا لُغَةً هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْته رَأَيْت عَلَى اعْتِبَارِهِ تَقْدِيمَ الْمُفْرَدِ أَوْلَى فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (فَالْمُفْرَدُ مَا لَهُ دَلَالَةٌ) عَلَى مَعْنًى (لِاسْتِقْلَالِهِ بِوَضْعٍ) أَيْ لِاسْتِبْدَادِ مَا لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى، وَهُوَ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (وَلَا جُزْءَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا لَهُ هَذِهِ الدَّلَالَةُ كَائِنٌ (لَهُ) أَيْ لِلْجُزْءِ الْمَذْكُورِ دَلَالَةً (مِثْلَهَا) أَيْ الدَّلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ يَدُلَّ بِالِاسْتِقْلَالِ عَلَى مَعْنًى لِوَضْعِ ذَلِكَ الْجُزْءِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (وَالْمُرَكَّبُ مَاله ذَلِكَ وَلِجُزْئِهِ) أَيْ مَا لَهُ دَلَالَةٌ بِالِاسْتِقْلَالِ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ لَهُ وَلِجُزْئِهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ بِالِاسْتِقْلَالِ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ لَهُ ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ فِي دَلَالَةِ الْجُزْءِ عَلَى الْمَعْنَى أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةٌ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ بَلْ يَكْفِي ثُبُوتُهَا لَهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ (وَلَمْ نَشْرُطْ كَوْنَهُ عَلَى جُزْءِ الْمُسَمَّى) أَيْ وَلَمْ نَشْرُطْ فِي الْمُفْرَدِ بَدَلًا وَلَا جُزْءًا مِنْهُ لَهُ مِثْلُهَا قَوْلُنَا وَلَا جُزْءًا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمُسَمَّى وَلَا فِي الْمُرَكَّبِ بَدَلٌ وَلِجُزْئِهِ مِثْلُهَا قَوْلُنَا وَلِجُزْئِهِ دَلَالَةٌ وَضْعِيَّةٌ عَلَى جُزْءِ الْمُسَمَّى كَمَا شَرْطَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ لِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَيْنِ (فَدَخَلَ نَحْوُ عَبْدِ اللَّهِ) حَالَ كَوْنِهِ (عَلَمًا فِي الْمُرَكَّبِ) لِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى مَعْنَاهُ الْعِلْمِيِّ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَدَلَالَةُ كُلٍّ مِنْ جُزْأَيْهِ اللَّذَيْنِ هُمَا عَبْدُ وَالِاسْمُ الشَّرِيفُ عَلَى مَعْنًى بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ مُرَادَةً لَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَمَا دَخَلَ فِي الْمُرَكَّبِ الْمُرَكَّبُ الْإِضَافِيُّ عَلَمًا دَخَلَ فِيهِ سَائِرُ الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ الْمَزْجِيِّ وَالتَّوْصِيفِيِّ وَالْعَدَدِيِّ وَالْإِسْنَادِيِّ أَعْلَامًا وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَالَ نَحْوُ عَبْدِ اللَّهِ إشَارَةً إلَى هَذِهِ، وَقَالَ عَلَمًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَمًا كَانَ مُرَكَّبًا اتِّفَاقًا.
(وَخَرَجَ) أَيْ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُرَكَّبِ (يَضْرِبُ، وَأَخَوَاتُهُ) بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُفْرَدِ قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: قَوْلُهُ وَأَخَوَاتُهُ يَشْمَلُ الْمَبْدُوءَ بِالْهَمْزَةِ وَالنُّونِ وَالْيَاءِ، وَالْمَذَاهِبُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَهُوَ الْحَقُّ أَنَّ الْكُلَّ مُفْرَدٌ، وَمُقَابِلُهُ كَوْنُ الْكُلِّ مُرَكَّبًا وَنُسِبَ إلَى الْحُكَمَاءِ. وَالتَّفْصِيلُ قَوْل ابْنِ سِينَا إنَّ الْمَبْدُوءَ بِالْيَاءِ مُفْرَدٌ وَغَيْرُهُ مُرَكَّبٌ وَجْهُ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ يَدُلُّ جُزْؤُهُ، وَهُوَ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ عَلَى مَوْضُوعٍ مُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ ذِي الْيَاءِ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي ذِي الْيَاءِ، وَجَوَابُهُ مَا سَنَذْكُرُ مِنْ مَنْعِ دَلَالَةِ الْجُزْءِ أَعْنِي حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ بِانْفِرَادِهِ عَلَى شَيْءٍ بَلْ الْمَجْمُوعُ دَالٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ لِحَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَضْعٌ عَلَى حِدَتِهِ وَلَا وَجْهَ لِلتَّفْصِيلِ اهـ. يَعْنِي مُوجِبًا لَهُ ثُمَّ إنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ الْمُضَارِعُ مُطْلَقًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُضَارِعُ مَوْضُوعٌ (لِمُجَرَّدِ فِعْلِ الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ) أَوْ لَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ فِيهِ (لِمَوْضُوعٍ خَاصٍّ) يَعْنِي لِفِعْلِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ إنْ كَانَ بِالْهَمْزَةِ وَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ إنْ كَانَ بِالنُّونِ وَلِفِعْلِ الْمُخَاطَبِ إنْ كَانَ بِالتَّاءِ وَلِفِعْلِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ بِالْيَاءِ وَضْعًا تَضَمُّنِيًّا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا كَلِمَتَيْنِ بِوَضْعَيْنِ فَهِيَ مُفْرَدَاتٌ (بِخِلَافِ ضَرَبْت) بِتَثْلِيثِ التَّاءِ فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى إسْنَادِ الْفِعْلِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ أَوْ الْمُخَاطَبِ أَوْ الْمُخَاطَبَةِ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَدَلَالَةِ جُزْئِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ عَلَى حَدَثٍ مُقْتَرِنٍ بِزَمَانٍ قَبْلَ زَمَانِ الْإِخْبَارِ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَدَلَالَةِ جُزْئِهِ الَّذِي هُوَ التَّاءُ عَلَى مُتَكَلِّمٍ أَوْ مُخَاطَبٍ أَوْ مُخَاطَبَةٍ مُسْنَدٍ إلَيْهِ بِوَضْعٍ عَلَى حِدَةٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِاسْتِقْلَالِ تَائِهِ بِالْإِسْنَادِ) ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِلَّةً فِي اللَّفْظِ (بِخِلَافِ تَاءِ تَضْرِبُ) سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْمُخَاطَبَةِ أَوْ لِلْغَائِبَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَالَّةٍ عَلَى مُسْنَدٍ إلَيْهِ بِوَضْعٍ عَلَى حِدَةٍ بَلْ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَانِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ فَيَكُونُ مُفْرَدًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِجُزْئِهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنًى بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَى جَعْلِهِ مُرَكَّبًا.
(وَقَيَّدَ الْمَنْطِقِيُّونَ) فِي كِلَا تَعْرِيفَيْ الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ (دَلَالَةَ الْجُزْءِ بِجُزْءِ الْمَعْنَى، وَقَصْدِهَا) فَالْمُفْرَدُ عِنْدَهُمْ مَا لَيْسَ لِلَفْظِهِ جُزْءٌ دَالٌّ عَلَى جُزْءٍ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودُ وَالْمَشْهُورُ صِدْقُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مَا لَا جُزْءَ لِلَفْظِهِ كَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَمَا لِلَفْظِهِ جُزْءٌ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَعْنًى أَصْلًا كَزَيْدٍ، وَمَا لِلَفْظِهِ جُزْءٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى لَكِنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ جُزْءًا الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ اللَّفْظِ حَالَ الْإِطْلَاقِ الْخَاصِّ لَهُ كَعَبْدِ اللَّهِ عَلَمًا فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عَبْدِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، وَمِنْ الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى الْأُلُوهِيَّةِ لَيْسَ
стр. 82
جُزْءَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْ جُمْلَةِ اللَّفْظِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُوَ الذَّاتُ الْمُشَخِّصَةُ، وَمَا لِلَفْظِهِ جُزْءٌ دَالٌّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ إلَّا أَنَّ دَلَالَتَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ عَلَمًا عَلَى شَخْصٍ إنْسَانِيٍّ فَإِنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ الْمَاهِيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مَعَ التَّشَخُّصِ، وَالْمَاهِيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مَجْمُوعٌ مَفْهُومَيْ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ فَالْحَيَوَانُ مَثَلًا دَالٌّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى مَفْهُومِهِ، وَمَفْهُومُهُ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهِيَ جُزْءُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الشَّخْصُ الْإِنْسَانِيُّ فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ أَيْضًا الشَّخْصُ الْإِنْسَانِيُّ؛ لِأَنَّ جُزْءَ الْجُزْءِ جُزْءٌ لَكِنَّ دَلَالَةَ الْحَيَوَانِ عَلَى مَفْهُومِهِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً حَالَ الْعَلَمِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ عَلَمًا الْمَعْنَى الْعِلْمِيُّ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ بِالذِّكْرِ حَيْثُ قَالَ (فَعَبْدُ اللَّهِ مُفْرَدٌ، وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ لِإِنْسَانِ) أَيْ اسْمًا لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مُفْرَدٌ أَيْضًا حَالَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَمًا كَمَا ذَكَرْنَا وَصَرَّحَ بِهِ سَالِفًا فِي عَبْدِ اللَّهِ فَيُعْلَمُ بِهِ تَقْيِيدُهُمَا بِهِ أَيْضًا هُنَا، وَإِلَّا كَانَا مُرَكَّبَيْنِ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ مِمَّا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُمَا مُرَكَّبَيْنِ، وَفِيهِمَا أَيْضًا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ اخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَيْنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِينَ.
وَالْمُرَكَّبُ عِنْدَهُمْ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودِ وَصِدْقُهُ عَلَى مَا عَدَا مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمُفْرَدُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَإِلْزَامُهُمْ) أَيْ الْمَنْطِقِيِّينَ (بِتَرْكِيبِ نَحْوِ مُخْرِجٍ) وَضَارِبٍ وَسَكْرَانَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبُ (غَيْرُ لَازِمٍ) لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِهَذَا الْإِلْزَامِ إمَّا ظَنُّ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَكُلًّا مِنْ جَوْهَرِهَا، وَمِنْ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْحُرُوفِ عَلَى بَعْضٍ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ كُلًّا مِنْ الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْهَا، وَمِنْ الْحُرُوفِ الزَّوَائِدِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَضِي لِهَذَا هُوَ الْأَوَّلَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَعَلَى اعْتِبَارِ الْجُزْءِ الْهَيْئَةَ) أَيْ فَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِ هَذَا الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارَ الْمُلْزِمِ الْجُزْءَ الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى (لِتَصْرِيحِهِمْ بِالْمَسْمُوعِ بِالِاسْتِقْلَالِ) أَيْ لِذِكْرِهِمْ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْأَجْزَاءِ الْأَلْفَاظُ الْمُرَتَّبَةُ فِي السَّمْعِ الْمُسْتَقِلَّةُ بِذَلِكَ أَيْ الَّتِي بِحَيْثُ يُسْمَعُ بَعْضُهَا قَبْلُ وَبَعْضُهَا بَعْدُ، وَإِنْ نُوقِشُوا فِي هَذِهِ الْإِدَارَةِ مِنْ الْحَدِّ (وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَرْكِيبِ اللَّفْظِ) أَيْ فِي تَرْكِيبِ لَفْظٍ مَعَ لَفْظٍ (ظَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ مَعَ الْمَادَّةِ لَيْسَتْ بِأَلْفَاظٍ مُرَتَّبَةٍ فِي السَّمْعِ مُسْتَقِلَّةٍ بِذَلِكَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَادَّةِ بَلْ هُمَا مَسْمُوعَانِ مَعًا، وَهِيَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ لِلَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَضِي لَهُ الثَّانِيَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَعَلَى اعْتِبَارِهِ) أَيْ، وَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِ هَذَا الْإِلْزَامِ لَهُمْ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْمُلْزِمِ الْجُزْءَ الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ الدَّلَالَةُ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى (الْمِيمُ) فِي مُخْرِجٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ وَنَحْوِ الْمِيمِ كَالْأَلِفِ فِي ضَارِبٍ (فَلِمَنْعِ دَلَالَتِهِ) أَيْ الْجُزْءِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ (بَلْ) الدَّالُّ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ هُوَ (الْمَجْمُوعُ) مِنْ الْحُرُوفِ الْأُصُولِ وَالزَّوَائِدِ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ الْجُزْءِ بِإِزَاءِ الْجُزْءِ إلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِتَرْكِيبٍ مُخْرِجٍ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ الْمُوجِبُ لِقَوْلِهِمْ بِتَرْكِيبِ أَضْرِبُ وَنَحْوِهِ مَا فِيهِ مِنْ الزَّوَائِدِ مَعَ بَاقِي الْحُرُوفِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَهُمْ فِي تَرْكِيبِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّ الْمِيمَ فِي مُخْرِجٍ وَالْأَلِفَ فِي ضَارِبٍ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الزَّائِدِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَيْسَا بِأَقَلَّ مِنْ كُلٍّ مِنْ حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ قَالُوا بِتَرْكِيبِ أَمْثِلَةِ الْمُضَارِعِ فَكَذَا هَذِهِ إذْ لَا فَارِقَ مُؤَثِّرَ بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ.
كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْلَبُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِإِفْرَادِ أَمْثِلَةِ الْمُضَارِعِ حَيْثُ قَالُوا إنَّ مُخْرِجًا وَضَارِبًا وَنَحْوَهُمَا مُفْرَدَاتٌ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِي هَذِهِ مَجْمُوعُهَا وَلَا جُزْءٌ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَكَذَا فِي أَمْثِلَةِ الْمُضَارِعِ الْمَذْكُورَةِ. (وَجَعَلَ تَضْرِبُ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ لِلْمُخَاطَبِ أَوْ الْغَائِبَةِ (مُرَكَّبًا إنْ كَانَ لِلْإِسْنَادِ) أَيْ إنْ كَانَ هَذَا الْجَعْلُ لِعِلَّةِ إسْنَادِ مَعْنَاهُ (إلَى تَائِهِ فَخِلَافُ أَهْلِ اللُّغَةِ) لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنْ لَا إسْنَادَ إلَى حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ، وَكَيْفَ لَا وَكَوْنُ الشَّيْءِ مُسْنَدًا إلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأَسْمَاءِ، وَحُرُوفُ الْمُضَارَعَةِ حُرُوفِ مَبَانٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ حُرُوفَ مَعَانٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ
стр. 83
أَسْمَاءً (أَوْ لِلْمُسْتَكِنِ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ الْجَعْلُ الْمَذْكُورُ لِعِلَّةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ مِنْ أَنْتَ لِلْمُخَاطَبِ، وَهِيَ لِلْغَائِبَةِ (فَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ فَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْمُضَارَعَ إنَّمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِفِعْلِ الْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ لِمَوْضُوعٍ خَاصٍّ مِنْ مُتَكَلِّمٍ أَوْ مُخَاطَبٍ أَوْ غَائِبٍ لَا لَهُ مَعَ إسْنَادِهِ إلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِيهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إسْنَادِهِ إلَى شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَلِذَا لَمْ يُرَكَّبْ أَضْرِبُ وَيَضْرِبُ فِي زَيْدٍ يَضْرِبُ) وَنَضْرِبُ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهَا ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌ هُوَ أَنَا، وَهُوَ وَنَحْنُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ يَضْرِبُ بِكَوْنِهِ فِي زَيْدٍ يَضْرِبُ لِانْتِفَاءِ كَوْنِ يَضْرِبُ فِي يَضْرِبُ زَيْدٌ مُرَكَّبًا بِطَرِيقِ أَوْلَى لِخُلُوِّهِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ لِإِسْنَادِهِ إلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ (وَجَوَابُ مُرَكَّبِهِ) أَيْ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ لِلْغَائِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (مِنْهُمْ) أَيْ الْمَنْطِقِيِّينَ (مَا ذَكَرْنَا) فَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى زِيَادَتِهِ.
ثُمَّ إنَّمَا قَالَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ سِينَا مِنْهُمْ لَمْ يَقُلْ بِتَرْكِيبِهِ بَلْ نَصَّ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الْمَنْطِقِيِّينَ إلَى أَنْ يَضْرِبَ لِلْغَائِبِ مُرَكَّبٌ، وَإِنْ اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُهُمْ إلْزَامًا لَكِنْ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الْمُضَارَعِ لِلْغَائِبِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ سِينَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ وَجَزَمَ بِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ لَا بِالْعَكْسِ لَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ كَوْنِ يَضْرِبُ، وَأَخَوَاتُهُ مُرَكَّبَةً عِنْدَهُمْ لِانْتِفَاءِ التَّعْلِيلَيْنِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ لَوْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُسَاوِيًا لِلْمُدَّعِي وَلَا عِلَّةَ لَهُ غَيْرُهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ عِنْدَهُمْ مُرَكَّبًا لِكَوْنِ حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ فِيهِ أَجْزَاءً مَسْمُوعَةً مُرَتَّبَةً دَالَّةً عَلَى الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَكَوْنُهَا عِنْدَكُمْ مَعْشَرَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَيْسَتْ أَجْزَاءً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعًا مُسْتَقِلًّا لِهَذِهِ الْمَعَانِي بَلْ الصِّيَغُ الَّتِي هِيَ فِي أَوَائِلِهَا كُلٌّ مِنْهَا بِمَجْمُوعِهَا وُضِعَ بِإِزَاءِ مَجْمُوعِ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ لِلْجُزْءِ بِإِزَاءِ الْجُزْءِ عِنْدَكُمْ.
وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْيَاءَ لِلْغَائِبِ، وَالتَّاءَ لِلْمُخَاطَبِ، وَالْهَمْزَةَ لِلْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ وَالنُّونَ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّسَامُحِ وَالتَّسَاهُلِ عِنْدَكُمْ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ لَا يَضُرُّنَا فِي إثْبَاتِ أَنَّهَا أَجْزَاءٌ لَهَا دَالَّةٌ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا عَلَى اصْطِلَاحِنَا فَإِنَّا لَا نَشْتَرِطُ فِي تَحَقُّقِ الْجُزْءِ سِوَى كَوْنِهِ مَسْمُوعًا مُرَتَّبًا دَالًّا عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ لِلْوَضْعِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ، وَدَارَ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا عَلَى أَنَّ الإستراباذي الشَّهِيرَ بِالرَّضِيِّ ذَهَبَ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ إلَى أَنَّ الْمُضَارَعَ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ حُرُوفُ الْمُضَارَعَةِ، وَمَا بَعْدَهَا صَارَتَا فِي شِدَّةِ الِامْتِزَاجِ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ سَكَنَ أَوَّلُ أَجْزَائِهِ فَأُعْرِبَ إعْرَابَهَا قُلْت وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا قِيلَ الزَّوَائِدُ فِي الْمُضَارِعِ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مَعْنًى لَكِنْ هَذَا الْقَدْرُ لَا يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ أَنْ لَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِابْتِدَاءُ بِهِ فَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَفْظًا دَالًّا عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ بِمَنْعِهِ فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ يَكْفِي فِيهِ دَلَالَةُ جُزْءٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا دَلَالَةُ الْبَاقِي مِنْ اللَّفْظِ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْمَعْنَى فَمِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ حَدُّ الْمُرَكَّبِ.
قُلْت: وَبِهَذَا أَيْضًا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ تَعْرِيفُ الْمُفْرَدِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إنْ قَامَ زَيْدٌ مُفْرَدًا؛ لِأَنَّ جُزْأَهُ، وَهُوَ الْقَافُ مِنْ قَامَ وَكَذَا الزَّايُ مِنْ زَيْدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالْجُزْءِ الْقَرِيبِ فَتَنَبَّهْ لَهُ، ثُمَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ بِاصْطِلَاحِ غَيْرِ أَهْلِهِ نَعَمْ يَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلُ بِتَرْكِيبِ مُخْرِجٍ وَضَارِبٍ وَنَحْوِهِمَا مَا لَمْ يَبْدُوَا مَانِعٌ مِنْهُ وَالشَّأْنُ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[أَقْسَام الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ]
(وَيَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْ الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ) إلَى مَا تَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ بِبَيَانِ أَقْسَامِ الْمُرَكَّبِ لِقِلَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَقْسَامِ الْمُفْرَدِ (فَالْمُرَكَّبُ إنْ أَفَادَ نِسْبَةً تَامَّةً) ، وَهِيَ تَعَلُّقٌ لِأَحَدِ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ يُفِيدُ الْمُخَاطَبُ مَعْنًى يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ) أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ لَاحِقٍ بِهِ مُحَصِّلٍ لِهَذِهِ الْإِفَادَةِ أَوْ مَانِعٍ مِنْهَا (فَجُمْلَةُ) أَيْ فَهُوَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ إنْ بُدِئَ بِاسْمٍ كَزَيْدٍ قَائِمٌ، وَإِنَّ زَيْدًا عَالِمٌ، وَفِعْلِيَّةُ إنْ بُدِئَ بِفِعْلٍ نَحْوَ قَامَ مُحَمَّدٌ
стр. 84
وَيَا عَبْدَ اللَّهِ، وَإِنْ أَكْرَمَتْنِي أَكْرَمْتُك وَيُقَالُ لِهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ، وَأَمَامُك أَوْ فِي الدَّارِ مِنْ زَيْدٍ أَمَامُك أَوْ فِي الدَّارِ وِفَاقًا لِلْبَصْرِيِّينَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي تَقْدِيرِهِمْ مِثْلُهُ بِنَحْوِ حَصَلَ أَوْ اسْتَقَرَّ وَيُقَالُ لِهَذِهِ ظَرِيفَةٌ وَخِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ فِي تَقْدِيرِهِمْ إيَّاهُ بِنَحْوِ حَاصِلٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ فَجَعَلُوهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْرَدِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ السَّرَّاجِ بِجَعْلِهِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ لَا مِنْ الْمُفْرَدِ وَلَا مِنْ الْجُمْلَةِ (أَوْ نَاقِصَةً) أَيْ، وَإِنْ أَفَادَ نِسْبَةً نَاقِصَةً، وَهِيَ تَعَلُّقٌ لِأَحَدِ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ مَا يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ.
(فَالتَّقْيِيدِيُّ) أَيْ فَهُوَ الْمُرَكَّبُ التَّقْيِيدِيُّ لِتَقْيِيدِ كُلٍّ مِنْ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ، وَالنَّاقِصُ لِنُقْصَانِ نِسْبَتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الْأَوَّلِ فَيَشْمَلُ سَائِرَ الْمُرَكَّبَاتِ حَاشَا الْإِسْنَادِيِّ (وَمُفْرَدٌ أَيْضًا) أَيْ، وَهُوَ مُفْرَدٌ أَيْضًا فِي اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ عِنْدَهُمْ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى هَذَا كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي تَقْسِيمِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إلَى مُفْرَدٍ وَجُمْلَةٍ، وَعَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ اسْتِطْرَادًا بِقَوْلِهِ (وَكَذَا فِي مُقَابَلَةِ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَقْسِيمِ الِاسْمِ إلَيْهِ وَإِلَيْهِمَا، وَفِي مُقَابَلَةِ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ جَمْعُ سَلَامَةَ لِغَيْرِ الْمُؤَنَّثِ كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي بَابِ الْإِعْرَابِ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ (وَالْمُضَافِ) أَيْ، وَعَلَى مَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُضَافِ إلَى غَيْرِهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ الْمُنَادِي الْمُفْرَدُ الْمَعْرِفَةُ يُبْنَى عَلَى مَا يُرْفَعُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ هَذَا بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَقَائِمٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ نِسْبَةً نَاقِصَةً مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ تَقْيِيدِيٍّ فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَنَحْوَ قَائِمٍ) مِنْ الصِّفَاتِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (لَا يَرِدُ) عَلَى الْمُرَكَّبِ (؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ) لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الْمُفْرَدِ عَلَيْهِ (وَأَيْضًا) لَيْسَ بِمُفِيدٍ نِسْبَةً نَاقِصَةً وَضْعًا بَلْ هُوَ وَضْعًا (إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ) بِالْمَعْنَى الَّذِي اُشْتُقَّ هُوَ مِنْهُ (فَتَلْزَمُ النِّسْبَةُ) أَيْ نِسْبَتُهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ (عَقْلًا) ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَصْفَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِمَوْصُوفٍ (لَا مَدْلُولِ اللَّفْظِ) أَيْ لَا أَنَّ النِّسْبَةُ الْمُشَارِ إلَيْهَا مَقْصُودَةُ الْإِفَادَةِ مِنْ لَفْظِهِ مَدْلُولًا لَهُ فَلَا نِسْبَةَ وَضْعِيَّةً فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا تَامَّةً وَلَا نَاقِصَةً ثُمَّ لَوْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمَخْبَرُ بِهِ عَنْ الْمُبْتَدَأِ الْمُسْنَدِ إلَى ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَ الضَّمِيرِ جُمْلَةً كَالْفِعْلِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ فِي جَوَابِهِ (وَحَالَ وُقُوعِهِ) أَيْ اسْمُ الْفَاعِلِ (خَبَرًا فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَائِمٌ نِسْبَتُهُ إلَى الضَّمِيرِ) الْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وَهُوَ هُوَ الرَّاجِعُ إلَى زَيْدٍ (لَيْسَتْ تَامَّةً بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ) أَيْ قَائِمٌ (بَلْ التَّامَّةُ) نِسْبَتُهُ (إلَى زَيْدٍ) فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ ضَمِيرِهِ جُمْلَةٌ (وَلِذَا) أَيْ وَلَكَوْن نِسْبَةِ قَائِمٍ إلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ (عُدَّ) قَائِمٌ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ ضَمِيرِهِ (مُفْرَدًا) لَا جُمْلَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَا فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِمُصَنِّفِهِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِي الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مَعَ ضَمِيرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ لَفْظُهُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ، وَهُوَ حُكْمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَبَّرَ ابْنُ مَالِكٍ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ لِتَسَلُّطِ الْعَوَامِلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْأَيْهِ الثَّانِي أَنَّ وَضْعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى أَنْ يُفِيدَ فِي ذَاتِ تَقَدُّمَ ذِكْرِهَا فَيَسْتَقِلُّ مَعَ الْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ بِالْإِفَادَةِ فَاسْتِعْمَالُهُ مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا بِفَاعِلِهِ خُرُوجٌ عَنْ وَضْعِهِ اهـ.
عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْفِعْلَ مَعَ مَرْفُوعِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ حَالَ كَوْنِهِ خَبَرًا أَيْضًا قَالَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ خَبَرَانِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفِعْلُ مَعَ مَرْفُوعِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا جُمْلَةً تَامَّةً اسْتَصْحَبُوا إطْلَاقَ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالْمُشْتَقُّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ مَرْفُوعِهِ جُمْلَةً تَامَّةً ضَرُورَةَ احْتِيَاجِهِ إلَى ضَمِيمَةٍ أُخْرَى لَمْ يَجْعَلُوهُ جُمْلَةً، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ جُمْلَةً دُونَ اسْمِ الْفَاعِلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عَلَى اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ (وَعَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ) أَيْ وَأَمَّا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ (فِي اعْتِبَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارِهِمْ الضَّمِيرَ (الرَّابِطَةَ) الْغَيْرَ الزَّمَانِيَّةِ فِي الْقَضَايَا الْحَمْلِيَّةِ لِيَرْتَبِطَ بِهَا الْمَحْمُولُ بِالْمَوْضُوعِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا، وُقُوعُهَا سُمِّيَ بِهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى النِّسْبَةِ الرَّابِطَةِ بَيْنَهَا تَسْمِيَةً لِلدَّالِّ بِاسْمِ الْمَدْلُولِ فَيَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَائِمٌ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ (أَظْهَرُ)
стр. 85
لِانْتِفَاءِ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ أَصْلًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَإِسْنَادُهُ) أَيْ اسْمُ الْفَاعِلِ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ (لَيْسَ إلَّا إلَى زَيْدٍ) لَا إلَى هُوَ الرَّابِطَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَبِهِ؛ لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ يَرْتَبِطَانِ بِهَا مَعْقُولَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا حَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا آلَةٌ لِتَعْرِفَ حَالَهُمَا فَلَا يَكُونُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ أَوْ بِهِ فَفَائِدَتُهَا كَمَا قَالَ (وَهُوَ) أَيْ الضَّمِيرُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ هُوَ الَّذِي (يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ) أَيْ اسْمِ الْفَاعِلِ مَحْمُولٌ (لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (وَإِلَّا اسْتَقَلَّ كُلٌّ بِمَفْهُومِهِ) أَيْ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ غَيْرَ مُفِيدٍ هَذَا اسْتَبَدَّ كُلٌّ مِنْ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ بِمَفْهُومِهِ عَنْ الْآخَرِ (فَلَمْ يَرْتَبِطْ) كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَيَنْبَغِي كَوْنُهُمَا قَضِيَّةً بَلْ يَكُونَانِ مِنْ قَبِيلِ تَعْدَادِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي حَقُّهَا أَنْ يَنْعَقَ بِهَا وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ (وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ) مِنْ هَذَا (طَرْدُهُ) أَيْ اعْتِبَارُ الضَّمِيرِ (فِي الْجَامِدِ) مِنْ الْأَخْبَارِ كَمَا فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهَا لِعَيْنِ هَذَا الْمَعْنَى (وَقَدْ يَلْتَزِمُ) طَرْدُ اعْتِبَارِ الضَّمِيرِ فِي الْجَامِدِ أَيْضًا (كَالْكُوفِيِّينَ) فَإِنَّهُمْ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ فِيهِ ضَمِيرٌ، وَيَتَأَوَّلُونَ غَيْرَ الْمُشْتَقِّ بِالْمُشْتَقِّ؛ لِيَحْتَمِلَ الضَّمِيرَ فَيَتَأَوَّلُونَ زَيْدٌ أَسَدٌ بِشُجَاعٍ، وَأَخُوك بِمُوَاخِيك وَغَيْرَهُمَا بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ بَلْ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّ الْجَامِدَ يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِمُشْتَقٍّ، وَقَدْ يُعْزَى إلَى الْكُوفِيِّينَ وَالرُّمَّانِيِّ أَيْضًا، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ.
ثُمَّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِمُصَنِّفِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا انْتِسَابُهُ إلَى الْكِسَائِيّ دُونَ تَقْيِيدٍ فَعِنْدِي اسْتِبْعَادُ إطْلَاقِهِ إذْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ الدَّلِيلِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ بِذَلِكَ فِي جَامِدٍ عُرِفَ لِمُسَمَّاهُ مَعْنًى مُلَازِمٌ لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ كَالْإِقْدَامِ وَالْقُوَّةِ لِلْأَسَدِ وَالْحَرَارَةِ وَالْحُمْرَةِ لِلنَّارِ اهـ. فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ لِتَحَمُّلِ الْجَامِدِ الضَّمِيرِ نَظَرَيْنِ التَّأْوِيلُ بِالْمُشْتَقِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَقَاءُ عَلَى مَدْلُولِهِ وَلَمْحُ الْمَعْنَى الْمُلَازِمِ لِلْمُسَمَّى، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ الْكِسَائِيّ،.
وَقَالَ الإستراباذي: وَأَمَّا الْجَامِدُ فَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا بِالْمُشْتَقِّ نَحْوَ: هَذَا الْقَاعُ عَرْفَجٌ كُلُّهُ أَيْ غَلِيظٌ تَحَمَّلَ الضَّمِيرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَوَّلًا بِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ خِلَافًا لِلْكِسَائِيِّ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ مَعْنَى زَيْدٌ أَخُوكَ مُتَّصِفٌ بِالْأُخُوَّةِ، وَهَذَا زَيْدٌ مُتَّصِفٌ بِالزَّيْدِيَّةِ أَوْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِكَذَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَرَضَ فِيهِ مَعْنَى الْإِسْنَادِ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَابِطٍ، وَهُوَ الَّذِي يُقَدِّرُهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فَالْجَامِدُ كُلُّهُ عَلَى هَذَا مُتَحَمِّلٌ لِلضَّمِيرِ عِنْدَ الْكِسَائِيّ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشَابِهْ الْفِعْلَ لَمْ يَرْفَعْ الظَّاهِرَ كَالْمُشْتَقِّ وَلِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَى ذَلِكَ الضَّمِيرُ تَابِعٌ لِخَفَائِهِ فَإِذًا لَا ضَيْرَ فِي الْتِزَامِ مُلْتَزِمٍ لِهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ بَلْ لِمَا عَلَيْهِ الْكِسَائِيُّ (وَإِنْ كَانَ) الْتِزَامُ طَرْدِهِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ (عَلَى غَيْرِ مَهِيعِهِمْ) أَيْ عَلَى خِلَافِ طَرِيقِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ لَا يَلْتَزِمُونَ تَحَمُّلَ الْمُشْتَقِّ لَهُ فَضْلًا عَنْ الْجَامِدِ بَلْ إنْ كَانَ مَلْفُوظًا فِيهَا وَيُسَمُّونَ الْقَضِيَّةَ حِينَئِذٍ ثُلَاثِيَّةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلْفُوظٍ لِشُعُورِ الذِّهْنِ بِهِ قَالُوا هُوَ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وَسَمَّوْا الْقَضِيَّةَ حِينَئِذٍ ثُنَائِيَّةً نَعَمْ الشَّأْنُ فِي صَلَاحِيَّةِ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ دَلِيلًا عَلَى الرَّبْطِ إذْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ الرَّبْطُ أَمْرٌ خَفِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهُ ظَاهِرًا وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا مَعَ أَفَادَّةِ مَا عَدَلَ إلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلِخَفَائِهِ وَالدَّالُّ ظَاهِرٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّالَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِدَلَالَةٍ عَلَى الْمَدْلُولِ (قِيلَ الرَّابِطُ) لِلْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ (حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ فَإِنَّهَا ضَمَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي آخِرِ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ الْمُعْرَبِ، وَيُلْحَقُ بِهَا فِي هَذَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ وَاوٍ وَأَلِفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَاضِعَ كَمَا وَضَعَ الْأَلْفَاظَ لِإِفَادَةِ الْمَقَاصِدِ الْبَاطِنَةِ وَغَيْرِهَا وَضَعَ الْإِعْرَابَ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي الطَّارِئَةِ عَلَى بَعْضِهَا بِالتَّرْكِيبِ تَوْفِيَةً لِكَمَالِ الْمَقْصُودِ مَعَ الِاخْتِصَارِ لَكِنْ كَمَا قَالَ (وَلَا يُفِيدُ) كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى الرَّبْطِ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ فِي سَائِرِ الْقَضَايَا (إذْ تَخْفَى) هَذِهِ الْحَرَكَةُ (فِي الْمَبْنِيِّ وَالْمُعْتَلِّ) مَقْصُورًا كَانَ أَوْ مَنْقُوصًا بَلْ وَفِي الْمُعْرَبِ بِهَا إذَا وُقِفَ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ) أَيْ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا (فِعْلُ النَّفْسِ) ، وَهُوَ الْحُكْمُ النَّفْسِيُّ بِالْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا (وَدَلِيلُهُ) أَيْ فِعْلُ النَّفْسِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُبَطَّنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ الرَّابِطِ (الضَّمُّ الْخَاصُّ) أَيْ التَّرْكِيبُ الْخَاصُّ
стр. 86
الْمَوْضُوعُ نَوْعُهُ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الرَّبْطِ لِعُمُومِهِ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ (فَعِنْدَ ظُهُورِهَا) لِفَقْدِ مَانِعٍ مِنْهُ (يَتَأَكَّدُ الدَّالُّ) لِتَعَدُّدِهِ حِينَئِذٍ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمَانِعٍ (انْفَرَدَ) الضَّمُّ الْخَاصُّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرَّبْطِ، وَبِهِ كِفَايَةٌ. (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَضْعِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ إلَّا إفَادَةُ الْمَعَانِي التَّرْكِيبِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا الْكَافِلَةُ بِبَيَانِ الْمُرَادَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ مِنْ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَا الْمُعَانِي الْإِفْرَادِيَّةِ لَهَا لِلُزُومِ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِتَوَقُّفِ فَهْمِهَا حِينَئِذٍ عَلَى إفَادَةِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَهْمِ الْمَعَانِي الْمُفْرَدَةِ فَإِنْ قِيلَ فَمِثْلُ هَذَا يَجِيءُ فِي إفَادَتِهَا النَّسَبَ وَالْمَعَانِيَ التَّرْكِيبِيَّةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فَهْمَهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِهَا أُجِيبَ بِمَنْعِ تَوَقُّفِ إفَادَتِهَا الْمَعَانِيَ التَّرْكِيبِيَّةَ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْأَلْفَاظِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ بَلْ الْعِلْمُ بِالنِّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ الْجُزْئِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ الْكُلِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
هَذَا وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْأَصْفَهَانِيُّ إلَى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا وَوَضَعَ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا، وَوَضَعَ الْأَلْفَاظَ الْمُرَكَّبَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُرَكَّبَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى إفَادَةِ النَّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَكَفِّلَةُ بِجَدْوَى الْمُخَاطَبَاتِ، وَهُوَ حَسَنٌ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ إنْ دَلَّ عَلَى مُطَابَقَةِ خَارِجٍ) أَيْ وَالْمُرَكَّبُ الَّذِي هُوَ جُمْلَةٌ خَبَرٌ إنْ فُهِمَ مِنْهُ نِسْبَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْهِ مُطَابِقَةٌ لِلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِأَنْ تَكُونَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (وَأَمَّا عَدَمُهَا) أَيْ مُطَابَقَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْخَارِجِيَّةِ بِأَنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً (فَلَيْسَ مَدْلُولًا وَلَا مُحْتَمَلَ اللَّفْظِ إنَّمَا يَجُوزُ الْعَقْلُ أَنَّ مَدْلُولَهُ) أَيْ اللَّفْظُ (غَيْرُ وَاقِعٍ) بِأَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ كَاذِبًا، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الصِّدْقِ، وَأَمَّا الْكَذِبُ فَلَيْسَ بِمَدْلُولِهِ بَلْ هُوَ نَقِيضُهُ، وَقَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُهُ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ الْكَذِبَ مَدْلُولُ لَفْظِ الْخَبَرِ كَالصِّدْقِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أَنْ لَا يَكُونَ مَدْلُولُهُ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ لَا أَنَّ احْتِمَالَ عَدَمِ الثُّبُوتِ مَدْلُولٌ لَهُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ تَقْتَضِي اسْتِلْزَامَ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ اسْتِلْزَامًا عَقْلِيًّا لِيَسْتَحِيلَ التَّخَلُّفُ كَمَا فِي دَلَالَة الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ.
(وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْمُرَكَّبُ الَّذِي هُوَ الْجُمْلَةُ عَلَى مُطَابَقَةِ خَارِجٍ بِأَنْ كَانَ لَا خَارِجَ لِنِسْبَتِهِ (فَإِنْشَاءٌ وَلَا حُكْمَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرِ، وَفَسَّرَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ (أَيْ إدْرَاكُ أَنَّهَا) أَيْ نِسْبَتُهُ (وَاقِعَةٌ أَوَّلًا) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا النِّسْبَةُ فَإِنَّهُ مِمَّا يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِمَا، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّعُ أَنْ يُقَالَ (فَلَيْسَ كُلُّ جُمْلَةٍ قَضِيَّةٌ) لِصِدْقِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ لِإِفَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِسْبَةً تَامَّةً بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ، وَعَدَمُ صِدْقِ الْقَضِيَّةِ عَلَى الْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ لِعَدَمِ الْخَارِجِ لِنِسْبَتِهِ، وَكُلُّ قَضِيَّةٍ جُمْلَةٌ (وَالْكَلَامُ يُرَادِفُهَا) أَيْ الْجُمْلَةَ (عِنْدَ قَوْمٍ) مِنْ النَّحْوِيِّينَ مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُفَصَّلِ (وَأَعَمُّ) مِنْهَا مُطْلَقًا (عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَاللُّغَوِيِّينَ) أَيْ كَمَا عِنْدَهُمْ لِنَقْلِ الْآمِدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَكْثَرَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا كَلَامٌ قَالَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ فَهُوَ إذَنْ مَا انْتَظَمَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَوَاضِعِ عَلَيْهَا الصَّادِرَةِ عَنْ مُخْتَارٍ وَاحِدٍ فَمَا انْتَظَمَ أَيْ تَأَلَّفَ وَالتَّأْلِيفُ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَجْسَامِ لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَأَلِّفِ مِنْ الْحُرُوفِ تَشْبِيهًا بِهَا كَالْجِنْسِ وَالْبَاقِي كَالْفَصْلِ فَخَرَجَ بِمِنْ الْحُرُوفُ، وَالْمُرَادُ حَرْفَانِ فَصَاعِدًا الْمُتَأَلِّفُ مِنْ حَرْفٍ وَاحِدٍ وَحَرَكَتِهِ وَبِالْمَسْمُوعَةِ الْمَكْتُوبَةُ وَالْمَعْقُولَةُ، وَبِالْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهَا الْمُهْمَلُ وَبِالصَّادِرَةِ عَنْ مُخْتَارٍ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْجَمَادَاتِ وَبِوَاحِدٍ الصَّادِرَةُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ مُخْتَارٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ صَدَرَتْ بَعْضُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي
стр. 87
إطْلَاقِ لَفْظِ الْكَلَامِ عَلَى كَلِمَاتٍ مُجْتَمَعَةٍ غَيْرِ مُنْتَظِمَةِ الْمَعَانِي كَزَيْدٍ بَلْ فِي فَقِيلَ يُسَمَّى كَلَامًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ كَلِمَاتِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى وَيُسَمَّى كَلَامًا عِنْدَهُمْ فَالْمَجْمُوعُ أَوْلَى، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى كَلَامًا ذَكَرَهُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِهِ قُلْت وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَّجَهُ.
وَفِي الصِّحَاحِ الْكَلَامُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَهَذِهِ النُّقُولُ تُفِيدُ إطْلَاقَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ لَا يُقَالُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ عَلَى الْكَلِمَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِذَنْ الْكَلَامُ أَعَمُّ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْهُ مُطْلَقًا لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنْ لَا يُطْلَقُ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ الَّذِي عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِثْلَ ق وع إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَمًا، وَفِيهِ بُعْدٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لَكِنْ لَا مَعَ قَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْهِ بَلْ مَعَ مُلَاحَظَةِ كَلِمَةٍ أُخْرَى مُقَدَّرَةٍ فِيهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ فَكَثِيرًا مَا يُعْطَى لِلْمُقَدَّرِ حُكْمُ الْمَلْفُوظِ ثُمَّ لَا يَضُرُّ فِي أَعَمِّيَّتِهِ إطْلَاقُ الْجُمْلَةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَيْضًا ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ الْكَلَامَ بِاصْطِلَاحِ اللُّغَوِيِّينَ أَعَمُّ مِنْهُ بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْبَدِيعِ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ الْمُرَكَّبُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ مُرَادُهُ بِهِمْ النَّحْوِيُّونَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُوهُ نَعَمْ إنْ سَلِمَ قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ الْكَلَامُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ الْجَمَلِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُفِيدَةً أَوْ غَيْرَ مُفِيدَةٍ عَكَّرَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْكَلَامَ وَالْجُمْلَةَ مُتَسَاوِيَانِ لَكِنْ لَعَلَّ مَا تَقَدَّمَ أَثْبَتُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَأَخَصُّ) مِنْهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْهُ مُطْلَقًا (عِنْدَ آخَرِينَ) مِنْهُمْ ابْنُ مَالِكٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ الإستراباذي وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ أَنَّهُ الِاصْطِلَاحُ الْمَشْهُورُ فَقَالُوا الْكَلَامُ مَا تَضَمَّنَ الْإِسْنَادَ الْأَصْلِيَّ وَكَانَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَالْجُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَ الْإِسْنَادُ الْأَصْلِيُّ سَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ أَوْ لَا فَالْمَصْدَرُ وَالصِّفَاتُ الْمُسْنَدَةُ إلَى فَاعِلِهَا لَيْسَتْ كَلَامًا وَلَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّ إسْنَادَهَا لَيْسَ أَصْلِيًّا، وَالْجُمْلَةُ الْوَاقِعَةُ خَبَرًا أَوْ وَصْفًا أَوْ حَالًا أَوْ شَرْطًا أَوْ صِلَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جُمْلَةً وَلَيْسَتْ بِكَلَامٍ؛ لِأَنَّ إسْنَادَهَا لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ إذْ شَرْطُهُ الْإِفَادَةُ بِخِلَافِهَا وَلِهَذَا تَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ جُمْلَةُ الشَّرْطِ جُمْلَةُ الصِّلَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مُفِيدًا فَلَيْسَ كَلَامًا اهـ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى يُفِيدُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِخُصُوصِ الْكَلَامِ اشْتِرَاطُ الْإِفَادَةِ فِيهِ دُونَ الْجُمْلَةِ لَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فِيهِ دُونَهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً إلَّا عَلَى الْجُمَلِ الْمُفِيدَةِ اهـ. فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاشْتِرَاطِ الْإِفَادَةِ فِي الْكَلَامِ اشْتِرَاطُهَا فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَالَةَ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْإِفَادَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْجُمْلَةِ أَصْلًا ثُمَّ عَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُونَ بِالتَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُقَالُ: حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ إلَّا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمُفِيدِ، وَقَوْلُهُمْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَالصِّلَةِ وَنَحْوُهُمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْإِفَادَةِ فِيهَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ. وَنَظِيرُهُ تَسْمِيَتُهُمْ الْمُضَارَعَ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ لَمْ الْمُقْتَضِيَةُ قَلْبَهُ مَاضِيًا مُضَارَعًا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْجُمْلَةَ أَعَمُّ مِنْ الْكَلَامِ اصْطِلَاحًا هُوَ الصَّوَابُ لَاحْتَاجُوا إلَى الْجَوَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[أَقِسَام اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ]
وَقَدْ آنَ الشُّرُوعُ فِي بَيَانِ انْقِسَامَاتِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ أَقْسَامِهِ خَاصًّا بِهِ كَمَا عَسَى أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ فَنَقُولُ: (وَلِلْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَدَلَالَتِهِ، وَمُقَايَسَتِهِ لِمُفْرَدٍ آخَرَ وَمَدْلُولِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَتَقْيِيدِهِ انْقِسَامَاتٌ) خَمْسَةٌ بِعِدَّةِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ الَّتِي أَوَّلُهَا اعْتِبَارُ الذَّاتِ، وَآخِرُهَا اعْتِبَارُ الِاسْتِعْمَالِ (فِي فُصُولٍ) خَمْسَةٍ بِعِدَّتِهَا أَيْضًا، وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ أَوْصَافِ بَعْضِ أَقْسَامِ انْقِسَامِهِ بِالِاعْتِبَارِ الرَّابِعِ كَمَا سَتَرَى فَالْوَجْهُ إسْقَاطُهُمَا هُنَا. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ غَيْرِهِ أَوَّلًا وَجَمِيعُ مَا تَضْمَنَّهُ هَذَا الْفَصْلُ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَمَّا هُمْ فَاكْتَفَوْا بِالْإِشَارَةِ إلَى مَا يَهُمُّهُمْ مِنْهُ فِيمَا يَكُونُونَ بِصَدَدِهِ ثُمَّ حَيْثُ كَانَ الْمُشْتَقُّ لَا يُعْلَمُ
стр. 88
مِنْ حَيْثُ هُوَ مُشْتَقٌّ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الِاشْتِقَاقِ فَلَا عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّرَ هَذَا الْفَصْلِ بِبَيَانِهِ ثُمَّ نَأْتِي عَلَى مَا فِيهِ.
فَنَقُولُ الِاشْتِقَاقُ اصْطِلَاحًا يُقَالُ عَلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا عَلَى مَا حَرَّرَهُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وِفَاقًا لَلْبَصْرِيِّينَ مُوَافَقَةُ غَيْرِ مَصْدَرٍ لَهُ فِي الْحُرُوفِ الْأُصُولِ مُرَتَّبَةً، وَفِي الْمَعْنَى مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى الْمَصْدَرِ كَضَرْبٍ وَضَارِبٍ فَالْمَصْدَرُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ وَالْآخَرُ مُشْتَقٌّ فَإِذَا اُعْتُبِرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ مِنْ الْوَاضِحِ اُحْتِيجَ إلَى الْعِلْمِ بِهِ لَا إلَى عَمَلِهِ فَعُرِفَ بِحَسَبِ الْعِلْمِ فَيُقَالُ هُوَ أَنْ يُوجَدَ بَيْنَ مَصْدَرٍ وَغَيْرِهِ مُوَافَقَةٌ فِي الْحُرُوفِ الْأُصُولِ مُرَتَّبَةً، وَفِي الْمَعْنَى مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ عَلَى الْمَصْدَرِ فَيُعْرَفُ ارْتِدَادُ غَيْرِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَصْدَرِ، وَأَخْذُهُ مِنْهُ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ مِنْ حَيْثُ الِاحْتِيَاجُ إلَى عَمَلِهِ عُرِفَ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فَيُقَالُ هُوَ أَخْذُ لَفْظٍ مِنْ مَصْدَرٍ بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ مُرَتَّبَةً، وَمَعْنَاهُ مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ عَلَيْهِ. ثَانِيهَا مُوَافَقَةُ لَفْظَيْنِ فِي الْحُرُوفِ الْأُصُولِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ مَعَ مُوَافَقَةٍ أَوْ مُنَاسَبَةٍ فِي الْمَعْنَى كَجَذْبٍ وَالْجَبْذِ ثَالِثُهَا مُنَاسَبَةُ لَفْظَيْنِ فِي الْحُرُوفِ الْأُصُولِ وَالْمَعْنَى كَالثَّلْبِ وَالثَّلْمِ وَالنَّعِيقِ وَالنَّهِيقِ وَتُسَمَّى هَذِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَأَكْبَرُ، وَقَدْ تُسَمَّى أَصْغَرُ وَصَغِيرًا وَأَكْبَرُ، وَقَدْ تُسَمَّى أَصْغَرُ، وَأَوْسَطُ وَأَكْبَرُ وَلَا مُشَاحَّةَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِاشْتِقَاقٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ حَظُّ الْأُصُولِيِّ كَمَا سَيُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ قَسَّمَ اللَّفْظَ الْمُفْرَدَ بِاعْتِبَارِهِ فَقَالَ (هُوَ مُشْتَقٌّ مَا وَافَقَ مَصْدَرًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ، وَمَعْنَاهُ مَعَ زِيَادَةٍ) فَمَا وَافَقَ مَصْدَرًا شَامِلٌ لِلْمَطْلُوبِ وَغَيْرِهِ وَبِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ، وَمَعْنَاهُ أَيْ مَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَهُوَ الْحَدَثُ الْخَاصُّ مُخْرِجٌ لِمَا وَافَقَ مَصْدَرًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ لَا بِمَعْنَاهُ كَضَرَبَ بِمَعْنَى بَيْنَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الضَّرْبِ بِمَعْنَى السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ أَوْ بِمَعْنَاهُ لَا بِحُرُوفِهِ كَنَصَرَ بِمَعْنَى أَعَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِعَانَةِ، وَالْمُرَادُ مُوَافَقَتُهُ فِي جَمِيعِهَا مَعَ تَرْتِيبِهَا بِأَنْ يَشْتَمِلَ الْمُشْتَقُّ عَلَى مِثْلِ جَمِيعِهَا كَذَلِكَ كَمَا فِي الْأَصْلِ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ نَحْوُ خَفْ مِنْ الْخَوْفِ فَإِنَّ الْوَاوَ مُقَدَّرَةٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ بَعْدَ انْقِلَابِهَا أَلِفًا لِعَارِضِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ التَّرْتِيبَ لِلْعِلْمِ بِهِ بِقَرِينَةٍ. وَمَعْنَاهُ وَقَيَّدَ الْحُرُوفَ بِالْأُصُولِ، وَهِيَ مَا تُقَابَلُ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْهُ نَحْوُ الِاسْتِبَاقِ مِنْ السَّبْقِ فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لِلزَّوَائِدِ فِي السَّبْقِ فَضْلًا عَنْ الْمُوَافَقَةِ فِيهَا وَنَحْوَ دَخَلَ مِنْ الدُّخُولِ، وَمَعَ زِيَادَةٍ يَعْنِي فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ فِي اللَّفْظِ زِيَادَةٌ أَمْ لَا كَفَرِحٍ مِنْ فَرِحَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَاشِيَةً وَنَبَّهَ عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ (هِيَ فَائِدَةُ الِاشْتِقَاقِ) فَهِيَ عِلَّةٌ غَائِبَةٌ لَهُ فِي الْمَعْنَى ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ (فَالْمَقْتَلُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَصْدَرًا) مِيمِيًّا (مَعَ الْقَتْلِ أَصْلَانِ مَزِيدٌ) ، وَهُوَ الْمَقْتَلُ (وَغَيْرُ مَزِيدٍ) ، وَهُوَ الْقَتْلُ هَذَا إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْمَقْتَلِ زِيَادَةُ تَقْوِيَةٍ فِي مَعْنَاهُ الثَّابِتِ لِلْقَتْلِ (وَإِنْ اُعْتُبِرَ بِهِ) أَيْ بِالْمَقْتَلِ (زِيَادَةُ تَقْوِيَةٍ) فِي مَعْنَاهُ الثَّابِتِ لِلْقَتْلِ (فَمُشْتَقٌّ مِنْهُ) أَيْ فَالْمَقْتَلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَتْلِ حِينَئِذٍ لِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ فِي حُرُوفِهِ الْأُصُولِ بِتَرْتِيبِهَا، وَمَعْنَاهُ مَعَ زِيَادَةِ الْمَقْتَلِ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْقَتْلِ بِالتَّقْوِيَةِ فِيهِ، وَفِي اللَّفْظِ أَيْضًا، وَهِيَ الْمِيمُ وَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الِاشْتِقَاقُ الْوَاقِعُ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ الْقَتْلِ.
ثُمَّ بَقِيَ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أُمُورٍ. أَحَدُهَا لَمْ يَقُلْ مَا وَافَقَ أَصْلًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا لَهُ عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْفِعْلَ أَصْلٌ فِيهِ وَرَأْيُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الْمَصْدَرَ أَصْلٌ فِيهِ بَلْ قَالَ مَصْدَرًا فَيَكُونُ تَعْرِيفًا لَهُ عَلَى رَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ الصَّحِيحُ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَقَدْ بَيْنَ وَجْهَهُ فِي مَوْضِعِهِ. ثَانِيهَا الْمُرَادُ بِالْمَصْدَرِ أَعَمُّ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ وَالْمُقَدَّرِ فَتَدْخُلُ الْأَفْعَالُ الَّتِي لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَهَا مَصَادِرُ كَنِعْمَ وَبِئْسَ وَتَبَارَكَ وَالصِّفَاتِ الَّتِي لَا مَصَادِرَ لَهَا وَلَا أَفْعَالَ كَرِبْعَةٍ وَحَزَوَّرَ وَكَفَاخِرٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فَتُقَدَّرُ الْمَصَادِرُ لَهَا تَقْدِيرًا، وَالتَّعَقُّبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَخِيرَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُشْتَقَّةٍ مِنْ مَصَادِرَ أُهْمِلَتْ فَيُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِهَا، وَإِنَّمَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمُشْتَقِّ لَوْ تَمَّ لَا يَنْفِي الْوُجُودَ مُطْلَقًا.
ثَالِثُهَا ثُمَّ أَسْمَاءُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأَفْعَالِ، الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الْمَصَادِرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ فِي التَّكْمِلَةِ، وَعَبْدُ الْقَاهِرِ فِي شَرْحِهَا وَالسِّيرَافِيُّ لِكَوْنِهَا
стр. 89
جَارِيَةً عَلَى سُنَنِهَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْمَصَادِرِ نَفْسِهَا كَمَا هَذَا التَّعْرِيفُ مَاشٍ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ مِنْ إطْلَاقِ اشْتِقَاقِهَا مِنْ الْفِعْلِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ؛ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ يُسَمِّي الْمَصْدَرَ فِعْلًا وَحَدَثًا كَمَا ذَكَرَهُ الإستراباذي أَوْ عَلَى التَّجَوُّزِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُ تَنْبِيهًا عَلَى الْحُرُوفِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الِاشْتِقَاقِ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَصَادِرِ كَالْقَبُولِ يَشْتَمِلُ عَلَى حَرْفٍ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ، وَعَكَسَ هَذَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ لَنَا أَنْ نَشْتَقَّهَا مِنْ الْفِعْلِ لِأَصَالَتِهِ الْقَرِيبَةِ، وَمِنْ الْمَصْدَرِ لِأَصَالَتِهِ الْبَعِيدَةِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْبَعِيدِ مَعَ وُجُودِ الْقَرِيبِ مَجَازٌ، وَإِلَى الْقَرِيبِ حَقِيقَةٌ كَمَا فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ.
رَابِعُهَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ الْمَصْدَرِ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَهُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَهُ فَيُشْتَقُّ مِنْ النُّطْقِ مُرَادًا بِهِ لِدَلَالَةِ النَّاطِقِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْحَالُ نَاطِقَةٌ بِكَذَا. خَامِسُهَا كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُشْتَقِّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي مَعْنَاهُ لَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ حَرَكَةً وَلَوْ اعْتِبَارًا بِإِبْدَالٍ أَوْ سُكُونٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ حَرْفًا بِحَذْفٍ أَوْ إبْدَالٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَوْ حَرَكَةً وَحَرْفًا مَعًا.
وَقَدْ بَلَّغَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ تِسْعَةَ أَقْسَامٍ وَكَمَّلَهَا الْبَيْضَاوِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَا بَأْسَ أَنْ نَذْكُرُهَا مَعَ أَمْثِلَتِهَا الصَّحِيحَةِ لَهَا إسْعَافًا مُقَدِّمِينَ أَمَامَهَا أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَرَكَةِ وَاحِدَةً بِالشَّخْصِ بَلْ جِنْسُهَا وَاحِدَةٌ كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا الْحَرْفُ وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا، وَأَنَّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ، وَهَمْزَةَ الْوَصْلِ لَا اعْتِدَادَ بِهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الْإِعْرَابِيَّةَ طَارِئَةٌ عَلَى الصِّيغَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا مُتَبَدِّلَةٌ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْعَامِلِ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ تَسْقُطُ فِي الدَّرَجِ فَمَا زِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ لَا غَيْرُ نَحْوُ عَلِمَ مِنْ الْعِلْمِ وَحَرْفٌ لَا غَيْرُ نَحْوُ كَاذِبٍ مِنْ الْكَذِبِ بِكَسْرِ الذَّالِ، وَمَا زِيدَا مَعًا فِيهِ نَحْوُ ضَارِبٍ مِنْ الضَّرْبِ، وَمَا نَقَصَ فِيهِ حَرَكَةٌ لَا غَيْرُ نَحْوُ سَفْرٍ بِسُكُونِ الْفَاءِ مِنْ السَّفَرِ بِفَتْحِهَا وَحَرْفٌ لَا غَيْرُ نَحْوُ صَهِلٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الصَّهِيلِ، وَمَا نَقَصَا مَعًا فِيهِ نَحْوُ صَبَّ مِنْ الصَّبَابَةِ، وَمَا زِيدَ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرَكَةٌ نَحْوُ حَذِرٍ بِكَسْرِ الذَّالِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْحَذَرِ، وَمَا زِيدَ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرْفٌ نَحْوُ صَاهِلٍ مِنْ الصَّهِيلِ، وَمَا زِيدَ فِيهِ حَرْفٌ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرَكَةٌ نَحْوُ أَكْرَمَ مِنْ الْكَرَمِ، وَمَا زِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرْفٌ نَحْوُ رَجَعَ مِنْ الرَّجْعِيِّ، وَمَا زِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرَكَةٌ نَحْوُ مَنْصُورٍ مِنْ النَّصْرِ، وَمَا زِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ وَنَقَصَ مِنْهُ حَرْفٌ نَحْوُ مُكَلِّمٍ اسْمُ فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ مِنْ التَّكْلِيمِ، وَمَا نَقَصَ مِنْهُ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ وَزِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ نَحْوُ عِدْ أَمْرٌ مِنْ الْوَعْدِ، وَمَا نَقَصَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ وَزِيدَ فِيهِ حَرْفٌ نَحْوُ كَالٍّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْكَلَالِ، وَمَا زِيدَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَحَرْفٌ وَنَقَصَا مِنْهُ نَحْوُ مَقَامٍ مِنْ الْإِقَامَةِ ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَا تَحْتَهُ أَقْسَامٌ فَإِنَّ الْحَرَكَةَ تَحْتَهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَلَوْ اُعْتُبِرَ نَقْصُهَا وَزِيَادَتُهَا مُنْفَرِدَيْنِ، وَمُجْتَمَعَيْنِ مُتَنَوِّعَاتٌ حَسَبِ تَنَوُّعِهَا لَكَثُرَتْ الْأَقْسَامُ جِدًّا إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَلْحَظُوا هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي التَّقْسِيمِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الِانْتِشَارِ مَعَ قِلَّةِ الْجَدْوَى.
(وَجَامِدٌ خِلَافُهُ) أَيْ مَعْنَاهُ خِلَافُ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ فَهُوَ مَا لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِمَصْدَرٍ بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ، وَمَعْنَاهُ مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ كَرَجُلٍ، وَأَسَدٍ (وَالِاشْتِقَاقُ الْكَبِيرُ لَيْسَ مِنْ حَاجَةِ الْأُصُولِيِّ) ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الِاشْتِقَاقِ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْرِفُ بِهِ أَنَّ مَبْدَأَ اشْتِقَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهَذِهِ الْحَاجَةُ مُنْدَفِعَةٌ بِمَعْرِفَةِ الِاشْتِقَاقِ الْمُسَمَّى بِالْأَصْغَرِ أَوْ الصَّغِيرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْكَبِيرِ وَالْأَكْبَرِ أَيْضًا فِي هَذَا الْعِلْمِ (وَالْمُشْتَقُّ) قِسْمَانِ (صِفَةٌ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِمُعِينٍ) أَيْ مَا فُهِمَ مِنْهُ ذَاتٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وَصِفَةُ مُعَيَّنَةٌ كَضَارِبٍ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا لَهُ الضَّرْبُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إنْسَانًا بَلْ جِسْمًا أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الشَّيْئِيَّةِ لَمْ يُقَدَّرُ مَوْصُوفُهُ شَيْءٌ (فَخَرَجَ) بِقَيْدِ الْإِبْهَامِ فِي الذَّاتِ (اسْمُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) كَالْمَقْتَلِ لِزَمَانِ الْقَتْلِ، وَمَكَانِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ صِفَةً (لِأَنَّ الْمَقْتَلَ مَكَانٌ أَوْ زَمَانٌ فِيهِ الْقَتْلُ) لَا شَيْءَ مَا فِيهِ الْقَتْلُ فَلَا إبْهَامَ فِي الذَّاتِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَا يَصِحُّ مَكَانُ أَوْ زَمَانُ مَقْتَلٍ كَمَا يَصِحُّ مَكَانُ أَوْ زَمَانُ مَقْتُولٍ فِيهِ (قِيلَ تَتَحَقَّقُ الْفَائِدَةُ
стр. 90
فِي نَحْوِ الضَّارِبِ جِسْمٌ فَلَمْ يَكُنْ جُزْءًا، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ كَالْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: هَذَا دَلِيلٌ ذُكِرَ عَلَى لُزُومِ إبْهَامِ الذَّاتِ فِي الْمُشْتَقِّ الصِّفَةِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَنَا الضَّارِبُ جِسْمٌ مُفِيدٌ فَلَوْ كَانَ الْجِسْمُ مُعْتَبَرًا جُزْءًا مِنْ الضَّارِبِ لَمْ يُفِدْ لِاسْتِفَادَةِ ذَلِكَ مِنْ مُجَرَّدِ ضَارِبٍ كَمَا لَمْ يُفِدْ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ لِاعْتِبَارِ الْحَيَوَانِ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ الْإِنْسَانِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلِقَائِلٍ مَنْعَ الْفَرْقِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِتَبَادُرِ الْجَوْهَرِ مِنْهُ) أَيْ لِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَيَسْتَدِلَّ بِتَبَادُرِ الْجَوْهَرِ مِنْ ضَارِبٍ فَيُفْهَمُ مِنْهُ بِاسْتِقْلَالِهِ كَمَا يُفْهَمُ الْحَيَوَانُ مِنْ إنْسَانٍ اسْتِقْلَالًا ثُمَّ إنْ لَمْ يُفِدْ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ كَذَلِكَ الضَّارِبُ جِسْمٌ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ إبْهَامُ الذَّاتِ ثُمَّ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى دَلِيلٍ اقْتَرَحَهُ بِقَوْلِهِ (وَالْأَوْجَهُ صِحَّةُ الْحَمْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَيْنِ وَالْمَعْنَى) أَيْ وَالدَّلِيلُ الْأَوْجَهُ لِإِبْهَامِ الذَّاتِ فِي مَفْهُومِ الْوَصْفِ أَنَّ الْوَصْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ حَقِيقَةً عَلَى الْجِسْمِ كَزَيْدٍ مَلِيحٌ، وَعَلَى الْمَعْنَى كَالْعِلْمِ حَسَنٌ وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ فَلَوْ أَفَادَتْ الصُّورَةُ مَادَّةً خَاصَّةً بِالْجَوْهَرِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى أَوْ مَادَّةٍ خَاصَّةٍ بِالْعَرْضِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ حَمْلُهُ عَلَى الْعَيْنِ.
وَمَعْلُومٌ أَنْ لَيْسَ لِكُلِّ وَصْفٍ جُزْئِيٍّ وَضْعٌ بَلْ الْوَضْعُ كُلِّيٌّ وَاحِدٌ لِكُلِّ وَصْفٍ فَظَهَرَ أَنَّ الصِّفَةَ إنَّمَا تَعْتَمِدُ ذَاتًا أَيْ مَوْصُوفًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِي التَّرْكِيبِ (وَغَيْرِ صِفَةِ خِلَافِهِ) أَيْ مَعْنَى الصِّفَةِ، وَهُوَ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِمُعَيَّنٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مِنْهُ أَسْمَاءَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. (تَتْمِيمٌ) ثُمَّ الْمُشْتَقُّ قَدْ يَطَّرِدُ كَأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَأَسْمَاءِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ، وَقَدْ لَا يَطَّرِدُ كَالْقَارُورَةِ الدُّبْرَانِ وَالْعَيُّوقِ وَالسِّمَاكِ، وَالْمَنَاطُ فِيهِمَا أَنَّ وُجُودَ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ بِالْمُشْتَقِّ إنْ اُعْتُبِرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّسْمِيَةِ وَجُزْءٌ مِنْ الْمُسَمَّى حَتَّى كَانَ الْمُرَادُ ذَاتًا مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ لِمَعْنَى الْأَصْلِ إلَيْهَا فَهَذَا الْمُشْتَقُّ يَطَّرِدُ فِي كُلِّ ذَاتٍ كَذَلِكَ أَيْ لِمَعْنَى الْأَصْلِ مَعَهَا تِلْكَ النِّسْبَةُ، اللَّهُمَّ إلَّا لِمَانِعٍ كَمَا فِي الْفَاضِلِ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وَإِنْ اُعْتُبِرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلتَّسْمِيَةِ بِالْمُشْتَقِّ مُرَجِّحٌ لَهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ مِنْ غَيْرِ دُخُولِ الْمَعْنَى فِي التَّسْمِيَةِ وَكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ الْمُسَمَّى حَتَّى كَانَ الْمُرَادُ ذَاتًا مَخْصُوصَةً فِيهَا الْمَعْنَى لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِي تِلْكَ الذَّاتِ بَلْ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِهَا فَهَذَا الْمُشْتَقُّ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الذَّوَاتِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُسَمَّاهُ تِلْكَ الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ السَّكَّاكِيُّ حَيْثُ قَالَ، وَإِيَّاكَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَ تَسْمِيَةِ إنْسَانٍ لَهُ حُمْرَةٌ بِأَحْمَرَ وَبَيْنَ وَصْفِهِ بِأَحْمَرَ فَتَزِلَّ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِي التَّمْسِيَةِ لِتَرْجِيحِ الِاسْمِ عَلَى غَيْرِهِ حَالَ تَخْصِيصِهِ بِالْمُسَمَّى وَاعْتِبَارِهِ فِي الْوَصْفِ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ثُمَّ لِهَذَا نَفْعٌ فِي بَابِ الْقِيَاسِ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى بَصِيرَةٍ
(مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَقُّ لِذَاتٍ) وَصْفٌ مِنْ مَصْدَرٍ (وَالْمَعْنَى) الَّذِي لِلْمَصْدَرِ (قَائِمٌ بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهِ (وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: مَعْنَى كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا خَلْقُهُ) الْكَلَامَ اللَّفْظِيَّ (فِي الْجِسْمِ) كَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالشَّجَرَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهَا مُوسَى (وَأَلْزَمُوا) عَلَى هَذَا (جَوَازَ) إطْلَاقِ (الْمُتَحَرِّكِ وَالْأَبْيَضِ) مَثَلًا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِخَلْقِهِ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ فِي مَحَالِّهَا لَكِنَّهُمْ كَغَيْرِهِمْ عَلَى امْتِنَاعِ إطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعَالَى قَطْعًا (وَدُفِعَ عَنْهُمْ) هَذَا الْإِلْزَامُ (بِالْفَرْقِ) بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَمَا أَلْزَمُوا بِهِ (بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْمُتَكَلَّمُ لَهُ) أَيْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ صِفَةً لَهُ - تَعَالَى - قَطْعًا (وَامْتَنَعَ قِيَامُهُ) أَيْ الْكَلَامِ (بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ الْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ لَا الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ، وَهِيَ حَادِثَةٌ فَلَا تَكُونُ قَائِمَةً بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا (فَلَزِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ (فِي حَقِّهِ خَالِقُهُ) أَيْ الْكَلَامِ فِي الْجِسْمِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُتَحَرِّكُ وَالْأَبْيَضُ وَنَحْوُهُمَا فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَهَذَا الدَّفْعُ مَذْكُورٌ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى شَرْحِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ لِمُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ (وَلَيْسَ) هَذَا الدَّفْعُ (بِشَيْءٍ) يُعْتَدُّ بِهِ فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ (لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ
стр. 91
فِي الْحُكْمِ اللُّغَوِيِّ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَفْصِيلٌ (بَيْنَ مَنْ يَمْتَنِعُ الْقِيَامُ بِهِ) أَيْ قِيَامُ مَعْنَى الْوَصْفِ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا (فَيَجُوزُ) أَنْ يُطْلَقَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ وَمَعْنَاهُ قَائِمٌ (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ بَيْنَ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ قِيَامُ الْوَصْفِ بِهِ (فَلَا) يَجُوزُ إطْلَاقُ الْوَصْفِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِغَيْرِهِ (بَلْ لَوْ امْتَنَعَ) قِيَامُ مَعْنَى الْوَصْفِ بِشَيْءٍ (لَمْ يُصَغْ لَهُ) أَيْ امْتَنَعَ صَوْغُ الْوَصْفِ لَهُ لُغَةً (أَصْلًا) لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يُجْرَى عَلَى شَيْءٍ وَصْفٌ، وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِغَيْرِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِأَمْرٍ مِنْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُمْتَنَعِ اتِّصَافُهُ بِهَا (فَحَيْثُ صِيغَ) لَهُ - تَعَالَى - وَصْفٌ مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ مَوْضُوعٌ لِمَنْ يَقُومُ بِهِ مَعْنَى هَذَا الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ (لَزِمَ قِيَامُهُ) أَيْ قِيَامُ مَعْنَى الْكَلَامِ (بِهِ تَعَالَى) لَا أَنَّهُ - تَعَالَى - يُوصَفُ بِهَا وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَتُجَابُ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّهُ لَا مُلْجِئَ إلَى هَذَا الْمُحْتَمَلِ الْمُمْتَنِعِ فَإِنَّ الْكَلَامَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً وَيُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي حَقِّهِ - سُبْحَانَهُ - عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَالْآفَةِ ثُمَّ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا لَمْ يَقُلْ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ اسْتِبْعَادًا أَنْ يُنَازِعَ هَؤُلَاءِ الْعُقَلَاءُ فِي هَذَا الْأَصْلِ اللُّغَوِيِّ بِحَذَافِيرِهِ، وَإِشَارَةً إلَى تَجْوِيزِ أَخْذِ خِلَافِهِمْ فِيهِ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامِيَّةِ، وَفِي كَلَامِ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ مَا يُعَضِّدُ كِلَيْهِمَا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (فَلَوْ ادَّعَوْهُ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةُ إطْلَاقَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَيْهِ - تَعَالَى، وَالْمَعْنَى غَيْرُ قَائِمٍ بِهِ (مَجَازًا) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ خَالِقُهُ فَيَكُونُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُتَعَلِّقِ بِاسْمِ الْمُتَعَلَّقِ لِامْتِنَاعِ صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ (ارْتَفَعَ الْخِلَافُ فِي الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ) لِمُوَافَقَتِهِمْ حِينَئِذٍ الْعَامَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَقُّ لِذَاتٍ وَصْفٌ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِغَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الِادِّعَاءُ (أَقْرَبُ) مِنْ إثْبَاتِ خِلَافِهِمْ لِبُعْدِهِ مِنْ الْعُقَلَاءِ الْعَارِفِينَ بِالْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ (غَيْرَ أَنَّهُمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ (نَقَلُوا اسْتِدْلَالَهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى مَا نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنْ تَجْوِيزِ أَنْ يُشْتَقَّ لِشَيْءٍ وَصْفٌ وَالْمَعْنَى بِغَيْرِهِ (بِإِطْلَاقِ ضَارِبٍ حَقِيقَةً) عَلَى مُسَمًّى (وَهُوَ) أَيْ الضَّرْبُ قَائِمٌ (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ هَذَا صَرِيحٌ مِنْهُمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ (وَأُجِيبَ) هَذَا الِاسْتِدْلَال (بِأَنَّهُ) أَيْ الضَّرْبُ (التَّأْثِيرُ، وَهُوَ) أَيْ التَّأْثِيرُ قَائِمٌ (بِهِ) أَيْ بِالضَّارِبِ لَا التَّأْثِيرُ الْقَائِمُ بِالْمَضْرُوبِ وَهُوَ أَثَرُ الضَّرْبِ وَأَوْرَدَ لَوْ كَانَ التَّأْثِيرُ غَيْرَ الْأَثَرِ لَكَانَ أَثَرًا أَيْضًا لِصُدُورِهِ عَنْ الْفَاعِلِ فَيَفْتَقِرُ إلَى تَأْثِيرٍ آخَرَ فَيَعُودُ الْكَلَامُ إلَيْهِ وَيَتَسَلْسَلُ، وَدُفِعَ بِأَنَّ التَّأْثِيرَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَثَرِ فَهُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لِكَوْنِهِ نِسْبَةً فَلَا يَسْتَدْعِي تَأْثِيرًا آخَرَ فَلَا يَتَسَلْسَلُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسَلْسُلِ فَهُوَ فِي الِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ فِيهَا لَيْسَ بِمُحَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ الِاعْتِبَارِ، فَإِنْ قِيلَ: التَّأْثِيرُ لَيْسَ بِأَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ لِتَحَقُّقِهِ، فَرَضَهُ فَارِضٌ أَوْ لَا؛ إذْ لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَمَا وُجِدَ الْأَثَرُ، وَلَيْسَ غَيْرُ التَّأْثِيرِ لِمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمَطْلُوبُ
أُجِيبَ بِأَنَّ التَّأْثِيرَ فِي غَيْرِ التَّأْثِيرِ مُغَايِرٌ لِلْأَثَرِ الَّذِي هُوَ تَأْثِيرٌ فِيهِ وَأَمَّا التَّأْثِيرُ فِي التَّأْثِيرِ فَهُوَ نَفْسُهُ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْثِيرٍ مُغَايِرٍ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَنَقَلَ الْأُصُولِيُّونَ اسْتِدْلَالَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَبِأَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (ثَبَتَ الْخَالِقُ لَهُ) أَيْ اللَّهُ - تَعَالَى (بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ وَهُوَ) أَيْ الْخَلْقُ (الْمَخْلُوقُ) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] وَالْمَخْلُوقُ لَيْسَ قَائِمًا بِذَاتِهِ (لَا) أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ (التَّأْثِيرُ وَإِلَّا قَدُمَ الْعَالَمُ إنْ قَدُمَ) أَيْ وَإِلَّا لَوْ كَانَ الْخَلْقُ هُوَ التَّأْثِيرَ قَدُمَ الْعَالَمُ إنْ كَانَ التَّأْثِيرُ قَدِيمًا إمَّا؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِيمٌ.
وَالتَّأْثِيرُ فُرِضَ قَدِيمًا فَالْأَثَرُ وَهُوَ الْعَالَمُ كَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِ الْأَثَرِ عَنْ الْمُؤَثِّرِ الْحَقِيقِيِّ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِمَا فِي الْأَزَلِ وُجُودُ الْعَالَمِ، وَإِمَّا لِأَنَّ التَّأْثِيرَ نِسْبَةٌ، وَالنِّسْبَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْمُنْتَسِبِينَ وَهُمَا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ فَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً مَعَ أَنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْمَخْلُوقِ لَكَانَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا بِطَرِيقٍ أَوْلَى (وَإِلَّا تَسَلْسَلَ) أَيْ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ التَّأْثِيرُ قَدِيمًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَادِثٌ مُحْتَاجٌ إلَى خَلْقٍ آخَرَ أَيْ تَأْثِيرٍ آخَرَ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَأْثِيرِ مُؤَثِّرٍ فَيَعُودُ الْكَلَامُ إلَى ذَلِكَ التَّأْثِيرِ وَيَتَسَلْسَلُ
стр. 92
وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ فَيَثْبُتُ الْمَطْلُوبُ وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَال (مُثْبِتٌ لِجُزْءِ الدَّعْوَى) لَا لَهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّ كَمَالَهَا - كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ صِحَّةُ صَوْغِ الْوَصْفِ لِذَاتٍ وَلَيْسَ الْمَعْنَى قَائِمًا بِهَا بَلْ هُوَ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا وَإِذَا كَانَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَبَعْضُهُ جَوَاهِرُ صَدَقَ جُزْءُ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ قَائِمًا بِالذَّاتِ، وَلَا يَصْدُقُ الْجُزْءُ الْآخَرُ مِنْ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَخْلُوقِ جَوَاهِرَ تَقُومُ بِنَفْسِهَا لَا بِغَيْرِهَا فَلَمْ يُشْتَقُّ الْوَصْفُ لِذَاتٍ.
وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِغَيْرِهَا بَلْ وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَيَتَضَمَّنُ لَيْسَ قَائِمًا بِهَا، وَهُوَ جُزْءُ الدَّعْوَى فَأَثْبَتَ الدَّلِيلُ عَدَمَ قِيَامِهِ بِالذَّاتِ وَلَمْ يَثْبُتْ قِيَامُهُ بِغَيْرِهَا فَلَمْ يَتِمَّ الْمَطْلُوبُ وَثَانِيًا بِقَوْلِهِ (أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى خَلْقِهِ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِالْإِيجَادِ وَهُوَ) أَيْ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهِ بِالْإِيجَادِ لِلْمَخْلُوقَاتِ (إضَافَةُ اعْتِبَارٍ يَقُومُ بِهِ) أَيْ بِالْخَالِقِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَمَا اشْتَقَّ لَهُ الْخَالِقُ إلَّا بِاعْتِبَارٍ قِيَامِ الْخَلْقِ بِهِ، وَقَوْلُهُ (لَا صِفَةٌ مُتَقَرِّرَةٌ لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ أَوْ قِدَمَ الْعَالَمِ) دَفْعٌ لِمَا يُرَادُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْرِيرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى خَلْقِهِ تَعَلُّقَ قُدْرَتِهِ، وَتَعَلُّقُهَا حَادِثٌ وَهُوَ قَائِمٌ بِهِ لَزِمَ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ أَوْ قِدَمَ الْعَالَمِ فَقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ تَعَلُّقُهَا يُوجِبُ وَصْفًا حَقِيقِيًّا يَقُومُ بِهِ - تَعَالَى - لَكِنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ إضَافَةً مِنْ الْإِضَافَاتِ، وَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ (وَأَوْرَدَ - إنْ قَامَتْ بِهِ النِّسْبَةُ - الِاعْتِبَارَ فَهُوَ مَحَلٌّ لِلْحَوَادِثِ) لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ (وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ ثَبَتَ مَطْلُوبُهُمْ وَهُوَ الِاشْتِقَاقُ لِذَاتٍ وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِهِ) أَيْ قَائِمًا بِالْمُشْتَقِّ (مَعَ أَنَّ الْوَجْهَ أَمْ لَا يَقُومُ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارِيَّ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ فَلَا يَقُومُ بِهِ حَقِيقَةً) .
وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (لَكِنْ كَلَامُهُمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ (أَنَّهُ يَكْفِي فِي الِاشْتِقَاقِ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الِانْتِسَابِ) الَّذِي هُوَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالْإِيجَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ (فَلِيَكُنْ) هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الِانْتِسَابِ (هُوَ الْمُرَادَ بِقِيَامِ الْمَعْنَى فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ هَذَا الْجَوَابُ) النَّاطِقُ بِأَنَّ مَعْنَى خَلْقِهِ كَوْنُهُ - تَعَالَى - تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِإِيجَادِهِ (يَنْبُو عَنْ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْ يَبْعُدُ عَنْ كَلَامِ مُتَأَخِّرَيْهِمْ مِنْ عَهْدِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ (فِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ) لِلَّهِ - تَعَالَى - قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهِيَ مَا أَفَادَتْ تَكْوِينًا كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ فَإِنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ (غَيْرَ أَنَّا بَيَّنَّا فِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُسَايِرَةِ) فِي الْعَقَائِدِ الْمُنَجِّيَةِ فِي الْآخِرَةِ (أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُفِيدُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ وَأَنَّهُ) أَيْ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ (قَوْلٌ مُسْتَحْدَثٌ) وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ سِوَى مَا أَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ - تَعَالَى - خَالِقًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ وَرَازِقًا قَبْلَ أَنْ يَرْزُقَ وَذَكَرُوا لَهُ أَوْجُهًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ
وَالْأَشَاعِرَةُ يَقُولُونَ لَيْسَتْ صِفَةُ التَّكْوِينِ عَلَى فُصُولِهَا سِوَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِمُتَعَلَّقٍ خَاصٍّ فَالْخَلْقُ: الْقُدْرَةُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَخْلُوقِ وَالتَّرْزِيقُ تَعَلُّقُهَا بِإِيصَالِ الرِّزْقِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مَعْنَاهَا لَا يَنْفِي هَذَا وَيُوجِبُ كَوْنَهَا صِفَاتٍ أُخْرَى لَا تَرْجِعُ إلَى الْقُدْرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ وَالْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَلِيلٍ لَهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَّا نِسْبَتُهُمْ ذَلِكَ إلَى الْمُتَقَدِّمِينَ فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِي كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْأَشَاعِرَةُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ الْخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ الْخَالِقِ وَلَا بِأَحْدَاثِ الْبَرِّيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ الْبَارِي لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إحْيَائِهِمْ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إنْشَائِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اهـ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعْلِيلٌ وَبَيَانٌ لِاسْتِحْقَاقِ اسْمِ الْخَالِقِ قَبْلَ الْمَخْلُوقِ فَأَفَادَ أَنَّ مَعْنَى الْخَالِقِ قَبْلَ الْخَلْقِ وَاسْتِحْقَاقَ اسْمِهِ بِسَبَبِ قِيَامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَاسْمُ الْخَالِقِ، وَلَا مَخْلُوقَ فِي الْأَزَلِ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةُ الْخَلْقِ فِي الْأَزَلِ وَهَذَا مَا تَقُولُهُ الْأَشَاعِرَةُ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ هُنَا (وَقَوْلُهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى (خَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ إلَخْ) أَيْ وَرَازِقٌ قَبْلَ أَنْ يَرْزُقَ (بِالضَّرُورَةِ يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْخَالِقِ لَهُ (قُدْرَةُ الْخَلْقِ) الَّتِي هِيَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ (وَإِلَّا قِدَمُ الْعَالَمُ) أَيْ وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ بِهِ
стр. 93
الْخَلْقُ بِالْفِعْلِ لَا أَنَّهُ لَهُ قُدْرَةُ الْخَلْقِ لَزِمَ قِدَمُ الْعَالَمِ وَوَجْهُ الْمُلَازَمَةِ ظَاهِرٌ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا (وَبِالْفِعْلِ تَعَلُّقُهَا) أَيْ وَيُرَادُ بِصِفَةِ الْخَلْقِ بِالْفِعْلِ الصِّفَةُ الِاعْتِبَارِيَّةُ، وَهِيَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَادِ بِالْمَقْدُورِ (وَهُوَ) أَيْ وَالتَّعَلُّقُ الْمَذْكُورُ (عُرُوضُ الْإِضَافَةِ) وَهِيَ النِّسْبَةُ الْإِيجَادِيَّةُ (لِلْقُدْرَةِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى مَقْدُورٍ مَخْصُوصٍ (وَيَلْزَمُ) مِنْ كَوْنِ التَّعَلُّقِ عِبَارَةً عَمَّا ذَكَرْنَا (حُدُوثُهُ) أَيْ التَّعَلُّقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ إحَاطَةِ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ كَكَوْنِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَتَقَدَّسَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ وَمَذْكُورًا بِأَلْسِنَتِنَا وَمَعْبُودًا لَنَا وَمُحْيِيًا وَمُمِيتًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيَتِمُّ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ تَمَامِ الْجَوَابِ السَّالِفِ (وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ) أَيْ وَلَوْ فُرِضَ تَصْرِيحُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِصِفَةِ الْخَلْقِ الْخَلْقُ بِالْفِعْلِ لَا الْقُدْرَةُ عَلَى الْخَلْقِ (فَقَدْ نَفَاهُ الدَّلِيلُ) وَهُوَ لُزُومُ قِدَمِ الْعَالَمِ وَالْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ
(مَسْأَلَةٌ الْوَصْفُ حَالَ الِاتِّصَافِ) أَيْ إطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ وُصِفَ بِهِ فِي حَالَةِ قِيَامِ مَعْنَى الْوَصْفِ بِهِ (حَقِيقَةٌ) اتِّفَاقًا كَضَارِبٍ لِمُبَاشِرِ الضَّرْبِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ سَيُوصَفُ بِهِ قَبْلَ قِيَامِ مَعْنَاهُ بِهِ (مَجَازٌ) اتِّفَاقًا كَالضَّارِبِ لِمَنْ لَمْ يَضْرِبْ وَسَيَضْرِبُ (وَبَعْدَ انْقِضَائِهِ) أَيْ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِهِ ثُمَّ زَالَ مَعْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَجَازٌ مُطْلَقًا حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا (ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بَقَاؤُهُ) أَيْ مَعْنَى الْوَصْفِ بَعْدَ تَمَامِ وُجُودِهِ (مُمْكِنًا) بِأَنْ كَانَ حُصُولُهُ دَفْعِيًّا كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (فَمَجَازٌ وَإِلَّا حَقِيقَةٌ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقَاؤُهُ مُمْكِنًا بِأَنْ كَانَ حُصُولُهُ تَدْرِيجِيًّا كَالْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ الَّتِي لَا ثَبَاتَ لِأَجْزَائِهَا كَالتَّكَلُّمِ وَالتَّحَرُّكِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ.
(كَذَا شُرِحَ بِهِ) أَيْ بِمَعْنَى هَذَا التَّقْرِيرِ (وَضْعُهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا مَعْنَاهُ (هَلْ يُشْتَرَطُ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بَقَاءُ الْمَعْنَى ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مُمْكِنًا اُشْتُرِطَ) وَالْوَاضِعُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالشَّارِحُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الشَّارِحُ (قَاصِرٌ) عَنْ مُطَابَقَةِ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ بَلْ مُنَاقِضٌ لِبَعْضِ مَا تَضَمَّنَهُ (إذْ يُفِيدُ إطْلَاقُ الِاشْتِرَاطِ) أَيْ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ كَمَا فِي الْمَشْرُوحِ (الْمَجَازِيَّةَ حَالَ قِيَامِ جُزْءٍ فِيمَا يُمْكِنُ) أَيْ مَجَازِيَّةُ إطْلَاقِ الْوَصْفِ عَلَى مَنْ بَقِيَ بِهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْنَى فِيمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ؛ إذْ بَقَاءُ جُزْئِهِ لَيْسَ بَقَاءَهُ (وَالشَّرْحُ) يُفِيدُ (الْحَقِيقِيَّةَ) أَيْ حَقِيقِيَّةَ إطْلَاقِ الْوَصْفِ عَلَى مَنْ بَقِيَ بِهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَعْنَى فِيمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ لِاعْتِبَارِهِ الِانْقِضَاءَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الِانْقِضَاءُ مَعَ بَقَاءِ جُزْءٍ مِنْ الْمُنْقَضِي وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُصَنِّفُ.
هَذَا وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَاضِي وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِدُخُولِهَا فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُشْتَقَّاتِ مَعَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمَاضِي بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ حَقَائِقُ بِلَا نِزَاعٍ، وَيُسْتَثْنَى الْمُضَارِعُ؛ إذْ قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ أَوْ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى هَذَا أَحَدٌ مِنْ مَشْهُورِي شَارِحِي كَلَامِهِ (الْمَجَازُ) أَيْ قَالَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إطْلَاق الْوَصْفِ عَلَى مَنْ زَالَ عَنْهُ مَعْنَاهُ بَعْدَ قِيَامِهِ بِهِ مَجَازٌ وَهُوَ مُخْتَارُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ (يَصِحُّ فِي الْحَالِ نَفْيُهُ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُنْقَضِي (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِمَاضٍ أَوْ حَالٍ أَوْ اسْتِقْبَالٍ عَمَّنْ وُجِدَ مِنْهُ ثُمَّ انْقَضَى (وَهُوَ دَلِيلُهُ) أَيْ وَصِحَّةُ النَّفْيِ مُطْلَقًا مِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ كَمَا أَنَّ عَدَمَ صِحَّتِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ (لَا يُنَافِي الثُّبُوتَ الْمُنْقَضِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَنْفِي مُقْتَضَاهُ) أَيْ مُقْتَضَى نَفْسِهِ (مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ) أَيْ الْإِطْلَاقِ (حَقِيقَةً) وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ دَفَعَ بِهِ الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ أَنَّ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ إذَا كَانَ مُنَافِيًا لِلثُّبُوتِ الْمُنْقَضِي لَكِنَّهُ لَا يُنَافِيهِ.
وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ أَنَّ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ وَإِنْ لَمْ يُنَافِ الْمُنْقَضِيَ لَا يَنْفِي مُقْتَضَى نَفْسِهِ مِنْ ثُبُوتِ الْمَجَازِيَّةِ (نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ) مِنْ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ فِي: زَيْدٌ لَيْسَ ضَارِبًا إذَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ بِالْأَمْسِ وَانْقَضَى (نَفْيُ ثُبُوتِ الضَّرْبِ فِي الْحَالِ) بِأَنْ أُرِيدَ لَيْسَ ضَارِبًا فِي الْحَالِ (وَهُوَ) أَيْ نَفْيُ ثُبُوتِ الضَّرْبِ فِي الْحَالِ (نَفْيُ الْمُقَيَّدِ) أَيْ الضَّرْبِ
стр. 94
الْمُقَيَّدِ بِالْحَالِ كَمَا رَأَيْت لَمْ يَتَمَشَّ لِأَهْلِ الْمَجَازِ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّحَّةَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ وَكَيْفَ لَا وَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إلَّا هَذَا فَحَذْفُ جَوَابِ لَوْ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ السِّيَاقِ وَالسِّبَاقِ (لَكِنْ) لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا مِنْ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ بَلْ (الْمُرَادُ صِدْقُ: زَيْدٌ لَيْسَ ضَارِبًا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّقْيِيدِ) بِشَيْءٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لَكِنْ هَذَا أَيْضًا مِمَّا لَحِقَهُ الْمَنْعُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَأُجِيبَ بِمَنْعِ صِدْقِ) النَّفْيِ (الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ) فَلَا يُجْدِي الِاسْتِرْوَاحُ إلَيْهِ (قَالُوا) ثَانِيًا (لَوْ كَانَ) الْإِطْلَاقُ (حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ لَكَانَ) حَقِيقَةً أَيْضًا (بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَتَحَكُّمٌ) أَيْ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ فَهُوَ تَحَكُّمٌ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِهَذِهِ التَّفْرِقَةِ.
(بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ صِحَّتَهُ) أَيْ كَوْنِ الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً بِسَبَبِ الِاتِّصَافِ بِهِ (فِي الْحَالِ إنْ تَقَيَّدَ) الْقَوْلُ بِهَا (بِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ الِاتِّصَافِ فِي الْحَالِ (فَمَجَازٌ فِيهِمَا) لِانْتِقَاءِ الثُّبُوتِ فِيهِمَا (وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ فِيهِمَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ الْقَوْلُ بِهَا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ فَإِطْلَاقُهُ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ حَقِيقَةٌ كَإِطْلَاقِهِ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ (وَغَيْرُهُ) أَيْ اعْتِبَارُ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ (تَحَكُّمٌ) لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنْ لَيْسَ الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ اتِّفَاقًا فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ (الْجَوَابُ) نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ ثُمَّ نَمْنَعُ لُزُومَ اللَّازِمِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ (لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ (عَدَمُ التَّقَيُّدِ) بِغَيْرِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (لِجَوَازِ تَقَيُّدِهِ بِالثُّبُوتِ) أَيْ بِثُبُوتِ مَعْنَى ذَلِكَ الْوَصْفِ (قَائِمًا أَوْ مُنْقَضِيًا) فَيَكُونُ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ لِوُجُودِ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَهُ مُنْقَضِيًا كَمَا يَكُونُ حَقِيقَةً لِوُجُودِهِ قَائِمًا وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ لَهُ قَائِمًا أَوْ مُنْقَضِيًا (الْحَقِيقَةَ) أَيْ قَالَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْوَصْفِ عَلَى مَنْ زَالَ عَنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ بِهِ حَقِيقَةٌ وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ سِينَا وَالْجِبَائِيَّيْنِ (أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى) صِحَّةِ إطْلَاقِ (ضَارِبٌ أَمْسِ) عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ الضَّرْبُ بِالْأَمْسِ وَانْقَضَى.
(وَالْأَصْلُ) فِي الْإِطْلَاقِ (الْحَقِيقَةُ، عُورِضَ) هَذَا الدَّلِيلُ (بِإِجْمَاعِهِمْ) أَيْ أَهْلِ اللُّغَةِ (عَلَى صِحَّتِهِ) أَيْ إطْلَاقُ ضَارِبٌ (غَدًا وَلَا حَقِيقَةَ) بَلْ هُوَ مَجَازٌ بِالْإِجْمَاعِ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ الْوَاقِعِ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أَنَّهُ (خَصَّ الْأَصْلَ) فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيَّةَ فِي: ضَارِبٌ أَمْسِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجْرَى هَذَا الْأَصْلُ فِيهِ (لِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ) عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي: ضَارِبٌ غَدًا لِلْإِجْمَاعِ (عَلَى مَجَازِيَّةِ الثَّانِي) يَعْنِي: ضَارِبٌ غَدًا فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَجَازِيَّةِ الْأَوَّلِ أَعْنِي: ضَارِبٌ أَمْسِ وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ حَذْفُ (وَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْآخَرِ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ لَيْسَ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ الْإِطْلَاقُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ دَلِيلُ تَخْصِيصِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَنَا: الْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ فَيُعْمَلُ بِعُمُومِهِ فِيهِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ بَعْدَهُ حَقِيقَةٌ اهـ.
وَإِنَّمَا اُتُّفِقَ هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي النُّسَخِ مَكَانَ وَحَاصِلُهُ إلَخْ مَا نَصُّهُ وَقَدْ يُقَالُ: قَدْ يُخَصُّ الْأَصْلُ لِدَلِيلٍ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَجَازِيَّةِ الثَّانِي دَلِيلُهُ اهـ وَهُوَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَسَنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَمَّا وَقَعَ التَّغْيِيرُ إلَى هَذَا وَقَعَ الذُّهُولُ عَنْ حَذْفِهِ ثُمَّ هُوَ مِمَّا يَصْلُحُ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْإِطْلَاقِ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلَهُ حَقِيقَةً كَوْنُهُ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ حَقِيقَةً فَلْيُتَأَمَّلْ (قَالُوا) ثَانِيًا (لَوْ لَمْ يَصِحَّ) كَوْنُ إطْلَاقِ الْوَصْفِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مَعْنَاهُ (حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ الْمُؤْمِنُ لِغَافِلٍ وَنَائِمٍ) حَقِيقَةً لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُبَاشِرَيْنِ لِلْإِيمَانِ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ فُسِّرَ بِالتَّصْدِيقِ أَوْ بِغَيْرِهِ (وَالْإِجْمَاعُ أَنَّهُ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ (لَا يَخْرُجُ بِهِمَا) أَيْ بِالْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا (أُجِيبَ أَنَّهُ) أَيْ بِإِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (مَجَازٌ) بِدَلِيلِ عَدَمِ اطِّرَادِهِ (لِامْتِنَاعِ كَافِرٍ لِمُؤْمِنٍ لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ) أَيْ لِامْتِنَاعِ إطْلَاقِ كَافِرٍ عَلَى مُؤْمِنٍ تَقَدَّمَ كُفْرُهُ (وَإِلَّا كَانَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كُفَّارًا حَقِيقَةً) كَمَا أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً (وَكَذَا النَّائِمُ لِلْيَقْظَانِ) يَكُونُ حَقِيقَةً كَمَا أَنَّ الْيَقْظَانَ كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَإِلَّا لَزِمَ الِاتِّصَافُ بِالْمُتَقَابَلِينَ حَقِيقَةً وَهُوَ بَاطِلٌ
стр. 95
(قِيلَ) أَيْ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ (وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الْوَصْفَ مِنْ الْمُؤْمِنِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ (لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ) أَيْ مَحَلُّهُ (اسْمُ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ لَا) بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَلَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ كَمَا (فِي مِثْلِ الْمُؤْمِنِ) وَالْكَافِرِ وَالنَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ (وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ طَرَيَانٌ) وَالْأَوْلَى مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي بَعْضِهِ الِاتِّصَافُ بِهِ مَعَ عَدَمِ طَرَيَانِ الْمُنَافِي وَفِي بَعْضِهِ الِاتِّصَافُ بِهِ بِالْفِعْلِ أَلْبَتَّةَ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ هَذَا الْقَائِلِ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ يُقَالُ لَوْ سَلِمَ) أَيْ هَذَا الْوَصْفُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَنَحْوِهِ مِنْهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ (فَالْجَوَابُ) مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْمَجَازِ لِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ (الْحَقُّ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُؤْمِنَ (إذَا لَمْ يَخْرُجْ بِهِمَا) أَيْ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ (عَنْ الْإِيمَانِ) إذَا لُوحِظَ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ (أَوْ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا) إذَا لُوحِظَتْ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِالْإِيمَانِ (بِاعْتِرَافِكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِ يَخْرُجُ (بَلْ حُكْمُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ أَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (مَادَامَ الْمَعْنَى) كَالْإِيمَانِ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ (مُودَعًا حَافِظَةَ الْمُدْرِكَ) الَّذِي هُوَ الْمُؤْمِنُ فِي هَذَا الْمِثَالِ (كَانَ) ذَلِكَ الْمَعْنَى (قَائِمًا بِهِ) أَيْ بِالْمُدْرِكِ (مَا لَمْ يَطْرَأْ حُكْمٌ يُنَاقِضُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى (بِلَا شَرْطِ دَوَامِ الْمُشَاهَدَةِ) وَالْمُلَاحَظَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى.
(فَالْإِطْلَاقُ) لِلْمُؤْمِنِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ نَوْمِهِ وَغَفْلَتِهِ إطْلَاقٌ لَهُ (حَالَ قِيَامِ الْمَعْنَى وَهُوَ) أَيْ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حَالَ قِيَامِ الْمَعْنَى بِهِ إطْلَاقٌ (حَقِيقِيٌّ اتِّفَاقًا فَلَمْ يُفِدْ) الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ (فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهُوَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَعْنَى (شَيْئًا) مِنْ مَطْلُوبِكُمْ (وَبِهِ) أَيْ وَبِهَذَا (يَبْطُلُ الْجَوَابُ) الْمُتَقَدِّمُ (بِأَنَّهُ) أَيْ إطْلَاقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْغَافِلِ وَالنَّائِمِ (مَجَازٌ) وَإِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَابَعَهُ الشَّارِحُونَ وَأَرْدَفَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا هُوَ عَلَى إطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَلَا، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّائِمِ مَثَلًا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً، وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ ظَاهِرٌ (وَإِثْبَاتُهُ) أَيْ كَوْنُ الْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ مَجَازًا (بِامْتِنَاعِ كَافِرٍ لِمُؤْمِنٍ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ إلَخْ) أَيْ تَقَدَّمَ كُفْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا (بَاطِلٌ) فَإِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِطْلَاقُ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (بَلْ صِحَّتُهُ) أَيْ إطْلَاقُ كَافِرٍ عَلَى مَنْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ (لُغَةً: اتِّفَاقُ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ) أَيْ: الْإِطْلَاقَ لُغَةً (حَقِيقَةٌ) أَوْ مَجَازٌ.
(وَالْمَانِعُ) مِنْ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالًا حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَمْرٌ (شَرْعِيٌّ) كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ حُرْمَةُ نَبْزِ الْمُؤْمِنِ وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيَّ بِهَذَا الذَّمِّ الَّذِي طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ بَلْ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ (وَإِذَا لَهُمْ) أَيْ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ خِلَافَ اللُّغَةِ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِ كَافِرٍ عَلَى مَنْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرٍ فَلِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ (ادِّعَاءُ كَوْنِهِ) أَيْ إطْلَاقِ كَافِرٍ عَلَى مَنْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرٍ (حَقِيقَةً) أَيْ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا لُغَوِيًّا (مَعَ صِحَّةِ إطْلَاقِ الضِّدِّ) وَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي هَذَا الْمِثَالِ عَلَيْهِ (كَذَلِكَ) أَيْ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا لُغَوِيًّا أَيْضًا (وَلَا يَمْتَنِعُ) هَذَا (إلَّا لَوْ قَامَ مَعْنَاهُمَا) أَيْ الضِّدَّيْنِ (فِي وَقْتِ الصِّحَّتَيْنِ) أَيْ صِحَّةِ إطْلَاقِ كَافِرٍ حَقِيقَةً وَصِحَّةِ إطْلَاقِ مُؤْمِنٍ حَقِيقَةً عَلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ بِهِ (وَلَيْسَ الْمُدَّعَى) فِي هَذَا (سِوَى كَوْنِ اللَّفْظِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَعْنَى حَقِيقَةً وَأَيْنَ هُوَ) أَيْ إطْلَاقُ لَفْظِ الضِّدِّ (مِنْ قِيَامِهِ) أَيْ مَعْنَى الضِّدِّ (فِي الْحَالِ لِيَجْتَمِعَ الْمُتَنَافِيَانِ أَوْ يَلْزَمَ قِيَامُ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) .
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ إلْزَامُ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ كَوْنَهُ كَافِرًا حَقِيقَةً مُؤْمِنًا حَقِيقَةً فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْطُلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ إطْلَاقُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ نَفْسِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْحَقِيقَتَيْنِ لَا يُقَارِنُهَا وُجُودُ مَعْنًى بَلْ يَثْبُتُ حَالَ انْتِفَائِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَعْنَى فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ كَوْنِهِ كَافِرًا حَقِيقَةً مُؤْمِنًا حَقِيقَةً سِوَى صِحَّةِ الْإِطْلَاقَيْنِ الْحَقِيقِيَّيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ إلَّا لَوْ اسْتَلْزَمَ اجْتِمَاعَ مَعْنَاهُمَا وَهُوَ مُنْتَفٍ قُلْت وَعَلَى ذَا لَا يُسْتَبْعَدُ جَرَيَانُ هَذَا فِي النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَالْحُلْوِ وَالْحَامِضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَيَنْتَفِي مَا نُظِرَ فِي تَعْلِيلِ مَنْعِ
стр. 96
إطْلَاقِ الْكَافِرِ عَلَى مُسْلِمٍ تَقَدَّمَ كُفْرُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ امْتِنَاعَ الشَّيْءِ مَتَى دَارَ إسْنَادُهُ بَيْنَ عَدَمِ الْمُقْتَضِي، وَوُجُودِ الْمَانِعِ كَانَ إسْنَادُهُ إلَى عَدَمِ الْمُقْتَضِي أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْنَدَ إلَى وُجُودِ الْمَانِعِ لَكَانَ الْمُقْتَضِي وُجِدَ وَتَخَلَّفَ أَثَرُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيَكُونُ عَلَى هَذِهِ دَعْوَى امْتِنَاعِ الْكَافِرِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ وُجُودُ مَعْنَى الْوَصْفِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى امْتِنَاعِهِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَقِيقَةِ بِصَدَدِ مَنْعِ عَدَمِ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ.
نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَمَامُ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ الِادِّعَاءُ الْمَذْكُورُ إذَا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعٌ عَلَى الْمَنْعِ لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيِّ وُجُودُهُ حَيْثُ قَالَ: لَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْقَائِمِ قَاعِدًا وَالْقَاعِدِ قَائِمًا لِلْقُعُودِ وَالْقِيَامِ السَّابِقِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ اللِّسَانِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لَوْ اتَّحَدَ الزَّمَانُ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ قُلْنَا الْكَلَامُ فِي اللُّغَةِ، وَبُطْلَانُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لُغَةً لَكِنَّ شَيْخَنَا الْمُصَنِّفَ ﵀ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ عَقْلِيٌّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَوْ ادَّعَوْهُ فَلَا ضَيْرَ عَلَيْهِ (قَالُوا) ثَالِثًا (لَوْ اُشْتُرِطَ لِكَوْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (حَقِيقَةً بَقَاءُ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ لِأَكْثَرِ الْمُشْتَقَّاتِ حَقِيقَةٌ كَضَارِبٍ وَمُخَيَّرٍ) وَالْوَجْهُ حَذْفُ ضَارِبٍ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ بَقَاءَ الْمَعْنَى لَوْ كَانَ شَرْطًا لِلْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَقَّاتِ مِنْ الْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ حَقِيقَةٌ فَإِنَّهَا كَمَا تَقَدَّمَ يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَعَانِيهَا دَفْعَةً فِي زَمَانٍ، وَلَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاءُ مَعَانِيهَا فِي آنٍ؛ لِأَنَّهَا تَدْرِيجِيَّةُ التَّحَقُّقِ لَا يَحْصُلُ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَوَّلُ وَهَلُمَّ جَرًّا فَانْتَفَى أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى كَوْنِهَا قَارَّةً فِيهِ وَهُوَ مُحَالٌ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَقِيقَةً فِيمَا مَضَى لِعَدَمِ حُصُولِ مَعَانِيهَا وَلَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لِانْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ لَهَا حِينَئِذٍ حَقِيقَةٌ أَصْلًا.
وَهَذَا بِخِلَافِ الضَّرْبِ فَإِنَّهُ دَفْعِيُّ الْحُصُولِ كَمَا سَيُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا وَقَعَ ذِكْرُهُ نَظَرًا لِذِكْرِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ إيَّاهُ مَعَ الْمَشْيِ وَالْحَرَكَةِ وَالتَّكَلُّمِ تَمْثِيلًا لِلْمَصَادِرِ الَّتِي يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَعَانِيهَا فِي آنٍ (بَلْ لِنَحْوِ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ) أَيْ بَلْ إنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ حَقِيقَةً لِلْمُشْتَقَّاتِ مِنْ الْمَصَادِرِ الْآنِيَةِ وَهِيَ الَّتِي تَجْتَمِعُ أَجْزَاءُ مَعَانِيهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ وَتَبْقَى كَعَالِمٍ وَقَائِمٍ وَنَاصِرٍ أَوْ تُوجَدُ دَفْعَةً كَضَارِبٍ بِأَنْ تُطْلَقَ عَلَى مَنْ قَامَتْ بِهِ حَالَ قِيَامِهَا بِهِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (وَالْجَوَابُ أَنَّهُ) أَيْ بَقَاءَ الْمَعْنَى (يُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً (إنْ أَمْكَنَ) بَقَاؤُهُ (وَإِلَّا فَوُجُودُ جُزْءٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ الْمَعْنَى فَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةُ وُجُودِ جُزْءٍ مِنْ الْمَعْنَى مَعَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْتَقَّاتِ الْمَذْكُورَةِ حَقِيقَةٌ أَصْلًا لِإِمْكَانِ تَحَقُّقِ هَذَا الْقَدْرِ فِيهَا ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ قِبَلِ مُطْلَقِ الِاشْتِرَاطِ أُورِدَ كَيْفُ يَصِحُّ هَذَا مِنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الْجَوَابِ عَنْ الدَّلِيلِ إبْطَالُهُ، وَبَيَانُ عَدَمِ إفَادَتِهِ مَطْلُوبَ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَضُرُّهُ عَدَمُ مُوَافَقَتِهِ مَذْهَبَ الْمُجِيبِ، وَهَذَا مَا يُقَالُ: الْمَانِعُ لَا مَذْهَبَ لَهُ.
وَقِيلَ: هَذَا تَخْصِيصٌ لِلدَّعْوَى بِصُورَةِ الْإِمْكَانِ وَرُجُوعٌ إلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا) التَّفْصِيلَ (يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ مُطْلَقِ الِاشْتِرَاطِ) أَيْ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي كَوْنِ الْإِطْلَاقِ حَقِيقِيًّا عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ مِمَّا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ مَجَازٌ (ضَرُورَةً) وَإِلَّا لَزِمَ اللَّازِمُ الْبَاطِلُ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ نَحْوُ مُخْبِرٍ يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً أَصْلًا (لَا) أَنْ يَكُونَ الِاشْتِرَاطُ الْمُطْلَقُ عَنْ التَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ مَجَازًا (مَذْهَبًا ثَالِثًا) لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فَلَيْسَ هُنَا فِي التَّحْقِيقِ سِوَى مَذْهَبَيْنِ يَجْتَمِعَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَالَ الِاتِّصَافِ وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ (فَهُوَ) أَيْ مُطْلَقُ الِاشْتِرَاطِ (وَإِنْ قَالَ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمَعْنَى) لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ لَا يُرِيدُ بِهِ بَقَاءَ كُلِّهِ بَلْ (يُرِيدُ وُجُودَ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَعْنَى (فَلَفْظُ مُخْبِرٍ وَضَارِبٍ إذَا أُطْلِقَ فِي حَالِ الِاتِّصَافِ بِبَعْضِ الْإِخْبَارِ)
стр. 97
بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِمُبَاشَرَةِ الضَّرْبِ فِي الْجُمْلَةِ (يَكُونُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ حَالَ الِاتِّصَافِ بِوُجُودِ جُزْءٍ مِنْهُ (يُقَالُ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْحَالِ (إنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْحَالَ (حَالُ اتِّصَافِهِ بِالْإِخْبَارِ وَالضَّرْبِ عُرْفًا وَإِذَا كَانَ) ذَلِكَ الْحَالُ.
(كَذَلِكَ) أَيْ يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ (وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ) أَيْ الْمُطْلَقُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الْمُرَادِ خُصُوصًا (وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ: لَفْظُ ضَارِبٍ فِي حَالِ الضَّرْبِ مَجَازٌ) لِعَدَمِ قِيَامِ جَمِيعِهِ بِهِ حِينَئِذٍ (وَأَنَّهُ) أَيْ الضَّارِبَ (لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَطُّ حَقِيقَةً) كَمَا هُوَ لَازِمُ ظَاهِرِ إطْلَاقِ الِاشْتِرَاطِ كَمَا بَيَّنَّاهُ (وَكَثِيرٌ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُولَعِينَ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الْمُغْرَيْنَ (بِإِثْبَاتِ الْخِلَافِ وَنَقْلِ الْأَقْوَالِ لِمَنْ تَتَبَّعَ) ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ مَصْرُوفٍ عَنْ ظَاهِرِهِ قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ -: وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِلْمَذْهَبِ الْمُفَصَّلِ فَإِنَّ الْمُفَصَّلَ مُصَرِّحٌ بِاشْتِرَاطِ وُجُودِ بَقَاءِ كُلِّ الْمَعْنَى إذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ وَجُزْءٌ مِنْهُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُ جُزْءٍ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنَ الْبَقَاءِ أَوْ لَا كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ شَارِحِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ
وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُطْلِقِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُفَصِّلِ بَعْدَ إلْغَاءِ تَفْصِيلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي حَالِ وُجُودِ بَعْضِهِ يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ مُتَّصِفٌ بِهِ عُرْفًا سَوَاءٌ كَانَ مُمْكِنَ الْبَقَاءِ أَوْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّارِحِينَ الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا تَفْصِيلَ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُسَامَحَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي الْمَصَادِرِ الزَّمَانِيَّةِ اعْتِبَارُهَا فِي الْآنِيَةِ أَيْضًا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ فِي الْأُولَى عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهَا دُونَ الثَّانِيَةِ.
وَأَيْضًا مَذْهَبُ الْمُفَصِّلِ يُفِيدُ أَنَّ إطْلَاقَ مَا لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ حَقِيقِيٌّ وَمَذْهَبُ مُطْلِقِ الِاشْتِرَاطِ يُفِيدُ أَنَّهُ مَجَازِيٌّ نَعَمْ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَلَا غَيْرِهِ لِيَتَنَاوَلَ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَمْلِهِ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ وَكَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِهِ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَمَنْ قَالَ: قَامَ زَيْدٌ مَثَلًا إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً عِنْدَ مُقَارَنَةِ الدَّالِ فَقَطْ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا فَإِنَّ هَذِهِ مُضَايَقَةٌ وَمُشَاحَّةٌ لَا تَوْسِعَةً وَمُسَامَحَةٌ (ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّ ضَارِبًا لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ جُزْءُ مَعْنَاهُ كَمَا قِيلَ (لِأَنَّ الْمَوْجُودَ تَمَامُ الْمَعْنَى وَإِنْ انْقَضَى كَثِيرٌ مِنْ الْأَمْثَالِ) أَيْ بَلْ الدَّاخِلُ فِي الْوُجُودِ تَمَامُ مَعْنَاهُ لِأَنَّ تَمَامَ مَعْنَاهُ هُوَ كَوْنُهُ مُتَّصِفًا بِالتَّأْثِيرِ فِي الْغَيْرِ بِالْإِيلَامِ، وَتَمَامُ هَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ فَالْبَاقِي بَعْدَهَا، وَلَوْ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ مِائَةِ ضَرْبَةٍ تَمَامُ مَعْنَاهُ أَيْضًا، وَمَا انْقَضَى قَبْلَ الْأَخِيرَةِ وَبَعْدَ الْأُولَى تَكْرَارٌ لِتَمَامِ الْمَعْنَى (لَا يُقَالُ فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ لَمْ يَسْلَمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ لِلْمَجَازِ (الْحَقِيقَةُ تَقْدِيمًا لِلتَّوَاطُؤِ عَلَى الْمَجَازِ) لِأَنَّهُ دَارَ اللَّفْظُ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ بَيْنَ كَوْنِهِ مَجَازًا أَوْ مُتَوَاطِئًا أَيْ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ بِاعْتِبَارِ مَا قَامَ بِهَا أَوْ وَقَعَ عَلَيْهَا فِي الْوُجُودِ أَعَمُّ مِنْ قِيَامِهِ حَالَ الْإِطْلَاقِ أَوْ انْقِضَائِهِ.
وَالتَّوَاطُؤُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا أَنَّ الْمَجَازَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ اللَّفْظِيِّ (لَا) أَنَّ الْوَجْهَ (التَّوَقُّفُ) عَنْ الْجَزْمِ بِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ (كَظَاهِرِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) وَهُوَ الْآمِدِيُّ ثُمَّ ابْنُ الْحَاجِبِ بِنَاءً عَلَى تَعَارُضِ أَدِلَّتِهِمَا، وَزَعْمِ انْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ كَذَلِكَ (لِعَدَمِ لَازِمِهِ) أَيْ التَّوَاطُؤِ (وَهُوَ) أَيْ لَازِمُهُ (سَبَقَ الْأَحَدَ الدَّائِرَ) فِي الثُّبُوتِ الْقَائِمِ وَالْمُنْقَضِي إلَى الْفَهْمِ (لِسَبْقِهِ) أَيْ الْمَعْنَى إلَى الْفَهْمِ (بِاعْتِبَارِ الْحَالِ مِنْ نَحْوِ: زَيْدٌ قَائِمٌ) وَإِذَا كَانَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ فِي نَحْوِ إطْلَاقِ زَيْدٌ قَائِمٌ وَضَارِبٌ قِيَامَ قِيَامِهِ وَضَرْبَهُ فِي الْحَالِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْمُحَالِ فَيَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَصْلُ الثَّانِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي انْقِسَامِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ (فِي الدَّلَالَةِ) لِلْمُفْرَدِ (وَظُهُورِهَا وَخَفَائِهَا تَقْسِيمَاتٍ) ثَلَاثَةً، وَالتَّقْسِيمُ إظْهَارُ الْوَاحِدِ الْكُلِّيِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَادِّ فَيَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ تَقْسِيمِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَكَوْنُ الْمُقَسَّمُ أَعَمَّ مِنْ كُلِّ قِسْمٍ
стр. 98
مُطْلَقًا (التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ) فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ (اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ) الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى (إمَّا دَالٌّ) عَلَيْهِ (بِالْمُطَابَقَةِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ بِتَمَامِهِ (أَوْ التَّضَمُّنِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مَعًا (أَوْ الِالْتِزَامِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِمَلْزُومِهِ (وَالْعَادَةُ) الْعَمَلِيَّةُ لِلْمَنْطِقِيِّينَ (التَّقْسِيمُ فِيهَا) أَيْ فِي الدَّلَالَةِ (وَيَسْتَتْبِعُهُ) أَيْ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ تَبَعًا لِلدَّلَالَةِ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لِتَعَدِّيهِ مِنْهَا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ نَحْنُ فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِكَوْنِهِ بِالذَّاتِ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا أَنَّ سَائِرَ إخْوَتِهِ مِنْ الْفُصُولِ الْآتِيَةِ لَهُ بِالذَّاتِ بِاعْتِبَارَاتٍ أُخَرَ أَيْضًا ثُمَّ يَقَعُ التَّقْسِيمُ لَهُ أَوَّلًا، وَبِالذَّاتِ فِيهَا وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ (وَالدَّلَالَةُ كَوْنُ الشَّيْءِ مَتَى فُهِمَ فُهِمَ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ التَّلَازُمُ) بَيْنَهُمَا (بِعِلَّةِ الْوَضْعِ) أَيْ بِسَبَبِ وَضْعِ الشَّيْءِ لِلْغَيْرِ أَيْ جَعْلِهِ بِإِزَائِهِ بِحَيْثُ إذَا فُهِمَ الشَّيْءُ فُهِمَ الْغَيْرُ (فَوَضْعِيَّةٌ) أَيْ فَدَلَالَةُ الشَّيْءِ عَلَى الْغَيْرِ وَضْعِيَّةٌ (أَوْ بِالْعَقْلِ) أَيْ أَوْ كَانَ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا بِإِيجَابِ الْعَقْلِ الصِّرْفِ فِي ذَلِكَ (فَعَقْلِيَّةٌ) أَيْ فَدَلَالَةٌ الشَّيْءِ عَلَى الْغَيْرِ عَقْلِيَّةٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَمِنْهَا) أَيْ الْعَقْلِيَّةِ (الطَّبِيعِيَّةُ) وَهِيَ مَا اقْتَضَى التَّلَفُّظُ بِمَلْزُومِهَا الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ طَبْعَ اللَّافِظِ عِنْدَ عُرُوضِ الْمَعْنَى لَهُ كَدَلَالَةِ أَحْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى أَذَى الصَّدْرِ (إذْ دَلَالَةُ أَحْ عَلَى الْأَذَى دَلَالَةُ الْأَثَرِ عَلَى مُبْدِئِهِ) أَيْ مُؤَثِّرِهِ (كَالصَّوْتِ وَالْكِتَابَةِ وَالدُّخَانِ) أَيْ كَدَلَالَةِ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ عَلَى وُجُودِ مُصَوِّتِهِ ثَمَّةَ وَالْكِتَابَةِ عَلَى كَاتِبِهَا وَالدُّخَانِ عَلَى النَّارِ فَإِنَّ هَذِهِ الدَّلَالَاتِ عَقْلِيَّةٌ لِأَنَّهَا دَلَالَةُ الْأَثَرِ عَلَى مُؤَثِّرِهِ فَكَذَا هَذِهِ؛ لِأَنَّ أَحْ أَثَرُ عُرُوضِ وَجَعِ صَدْرِ اللَّافِظِ، فَإِذَنْ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ قَسِيمَةً لِلْعَقْلِيَّةِ كَمَا فَعَلُوهُ عَنْ آخِرِهِمْ (وَالْوَضْعِيَّةُ) قِسْمَانِ (غَيْرُ لَفْظِيَّةٍ كَالْعُقُودِ) جَمْعُ عَقْدٍ وَهُوَ مَا يُعْقَدُ بِالْأَصَابِعِ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ خَاصَّةٍ أَيْ كَدَلَالَتِهَا عَلَى كَمِّيَّاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْعَدَدِ (وَالنُّصُبِ) جَمْعُ نَصْبَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ الْمَنْصُوبَةُ لِمَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ أَيْ كَدَلَالَتِهَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَاتَيْنِ دَلَالَةٌ وَضْعِيَّةٌ غَيْرُ لَفْظِيَّةٍ (وَلَفْظِيَّةٌ) وَهِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِالنَّظَرِ فِي الْعُلُومِ لِانْضِبَاطِهَا وَشُمُولِهَا لِمَا يُقْصَدُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعَانِي وَهِيَ (كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُرْسِلَ فُهِمَ الْمَعْنَى لِلْعِلْمِ بِوَضْعِهِ) أَيْ كَوْنِ اللَّفْظِ كُلَّمَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَاهُ لِلْعِلْمِ بِتَعْيِينِهِ بِنَفْسِهِ بِإِزَاءِ مَعْنَاهُ الْمَفْهُومِ مِنْهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ جَمِيعَ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ أَوْ جُزْأَهُ أَوْ لَازِمَهُ.
وَمَا قِيلَ إنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْوَضْعِ وَلَمْ يَقُلْ بِوَضْعِهِ لَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَنْ التَّعْرِيفِ دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ، فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يُقَالُ الْعِلْمُ بِالْوَضْعِ الَّذِي هُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ اللَّفْظِ وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّعْرِيفِ أَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَزِمَ تَوَقُّفُ كُلٍّ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى وَالْعِلْمِ بِالْوَضْعِ عَلَى الْآخَرِ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّا نَقُولُ: فَهْمُ الْمَعْنَى فِي حَالِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ السَّابِقِ بِالْوَضْعِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ السَّابِقَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى فِي الْحَالِ بَلْ عَلَى فَهْمِهِ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ، وَأَيْضًا فَهْمُ الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ وَلَيْسَ الْعِلْمُ بِالْوَضْعِ مَوْقُوفًا عَلَى فَهْمِهِ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ عَلَى فَهْمِهِ مُطْلَقًا فَظَهَرَ تَغَايُرُ الْفَهْمَيْنِ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِحَسَبِ الزَّمَانِ، وَفِي الْجَوَابِ الثَّانِي بِحَسَبِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَلَا دَوْرَ ثَمَّ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ الدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ طَبِيعِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ؛ إذْ لَا وَضْعَ فِيهَا وَلِاسْتِوَاءِ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فِي ذَلِكَ الْفَهْمِ إنْ كَانَ هُنَاكَ وَضْعٌ (وَأُورِدَ سَمَاعُهُ) أَيْ اللَّفْظِ الدَّالِّ بِالْوَضْعِ (حَالَ كَوْنِ الْمَعْنَى مُشَاهَدًا) قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِنَّ الدَّلَالَةَ الْوَضْعِيَّةَ ثَابِتَةٌ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ إذَا أُطْلِقَ اللَّفْظُ وَلَمْ يُفْهَمْ الْمَعْنَى فَبَطَلَ عَكْسُ التَّعْرِيفِ اهـ لِأَنَّ فَهْمَ الْمَفْهُومِ مُحَالٌ؛ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْمَعْنَى مُرْتَسِمٌ عِنْدَهُ بِوَاسِطَةِ الْمُشَاهَدَةِ.
(وَأُجِيبَ بِقِيَامِ الْحَيْثِيَّةِ) أَيْ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ الْحَدِّ حَالَ كَوْنِ الْمَعْنَى مُشَاهَدًا لِبَقَاءِ قِيَامِ الْحَيْثِيَّةِ بِاللَّفْظِ حِينَئِذٍ أَيْضًا (وَهِيَ) أَيْ الْحَيْثِيَّةُ هِيَ (الدَّلَالَةُ) قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ لِاتِّجَاهِ تَسَلُّطِ الْمَنْعِ عَلَى كَوْنِهَا حَقِيقَةَ الدَّلَالَةِ بَلْ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّهَا شَرْطُ تَحَقُّقِهَا فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (وَالْحَقُّ الِانْقِطَاعُ
стр. 99
بِالسَّمَاعِ ثُمَّ التَّجَدُّدُ عَنْهُ) أَيْ وَالْجَوَابُ الْحَقُّ مَنْعُ انْتِفَاءِ الْحَدِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَمْ يُفْهَمْ الْمَعْنَى، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ
قَوْلُهُ: لِأَنَّ فَهْمَ الْمَفْهُومِ مُحَالٌ قُلْنَا مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ فَهْمُ الْمَعْنَى، وَيَذْهَبُ انْتِقَاشُهُ مِنْ النَّفْسِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَضْعًا لَكِنَّهُ يَنْقَطِعُ حَالَتَئِذٍ لِلذُّهُولِ عَنْهُ بِالِالْتِفَاتِ إلَى الْمَسْمُوعِ ثُمَّ يَتَجَدَّدُ فَهْمُهُ ثَانِيًا عَنْ سَمَاعِ اللَّفْظِ فَيَكُونُ إدْرَاكًا ثَانِيًا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ الْأَوَّلِ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحَقِّقُ صِحَّةَ دَعْوَى قِيَامِ الْحَيْثِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَالْجَوَابُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ بِدَعْوَى قِيَامِهَا، وَهَذَا بَيَانٌ لِذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَلِلدَّلَالَاتِ) الْوَضْعِيَّةِ اللَّفْظِيَّةِ (إضَافَاتٌ) ثَلَاثٌ:
إضَافَةٌ (إلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ وَجُزْئِهِ) أَيْ وَإِضَافَةٌ إلَى جُزْءِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ (وَلَازِمِهِ) أَيْ وَإِضَافَةٌ إلَى لَازِمِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ (إنْ كَانَا) أَيْ إنْ وُجِدَ الْجُزْءُ وَاللَّازِمُ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُطَابَقَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّضَمُّنَ وَالِالْتِزَامَ دَائِمًا، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَشَارَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسَمَّى اللَّفْظِ بَسِيطًا كَالْوَحْدَةِ وَالنُّقْطَةِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَلَا تَضَمُّنَ لِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَيْضًا أَنَّ الِالْتِزَامَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّضَمُّنَ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْبَسِيطَ إذَا كَانَ لَهُ لَازِمٌ ذِهْنِيٌّ كَانَ ثَمَّةَ الْتِزَامٌ بِلَا تَضَمُّنٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُسَمَّى لَازِمٌ بَيِّنٌ يُلْزِمُ فَهْمُهُ فَهْمَهُ، وَلِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّا نَعْقِلُ كَثِيرًا مِنْ الْأَشْيَاءِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ جَمِيعِ الْأَغْيَارِ فَانْتَفَى زَعْمُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ بِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تَسْتَلْزِمُهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَيْضًا أَنَّ التَّضَمُّنَ لَا يَسْتَلْزِمُ الِالْتِزَامَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُسَمَّى الْمُرَكَّبِ لَازِمٌ كَذَلِكَ وَلِلْعِلْمِ بِأَنَّا نَعْقِلُ كَثِيرًا مِنْ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ نَعَمْ التَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ مُسْتَلْزِمَانِ لِلْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ إلَّا مَعَهَا بِالِاتِّفَاقِ (وَلَهَا) أَيْ وَلِلدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ (مَعَ كُلٍّ) مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَاتِ (اسْمٌ فَمَعَ الْأَوَّلِ) أَيْ فَلَهَا مُضَافَةً إلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَمَامُهُ اسْمٌ هُوَ (دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ) لِمُوَافَقَةِ الْمَعْنَى اللَّفْظَ (وَمَعَ الثَّانِي) أَيْ وَلَهَا مُضَافَةً إلَى جُزْءِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْؤُهُ اسْمٌ هُوَ (دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ) لِتَضَمُّنِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ إيَّاهُ (وَكَذَا الِالْتِزَامُ) أَيْ وَكَذَا لَهَا مُضَافَةً إلَى اللَّازِمِ الْخَارِجِ عَنْ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَازِمُهُ اسْمٌ هُوَ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ لِاسْتِلْزَامِهِ لَهُ.
(وَيَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَهَا) أَيْ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ (انْتِقَالَيْنِ وَاحِدٌ) مِنْ اللَّفْظِ (إلَى الْمَعْنَى الْمُطَابِقِيِّ وَالتَّضَمُّنِيِّ) مَعًا (لِأَنَّ فَهْمَهُ) أَيْ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الدَّلَالَةُ التَّضَمُّنِيَّةُ (فِي ضِمْنِهِ) أَيْ فِي ضِمْنِ فَهْمِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِلْمَعْنَى الْمُرَكَّبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يُلَاحَظُ مُلَاحَظَةً وَاحِدَةً إجْمَالِيَّةً فَلَيْسَ ثَمَّةَ إلَّا فَهْمٌ وَاحِدٌ لَهُمَا فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْكُلِّ لَا تُغَايِرُ الدَّلَالَةَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَجْزَاءِ مُغَايَرَةً بِالذَّاتِ بَلْ بَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ بِالْإِضَافَةِ وَالِاعْتِبَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْفَهْمَ الْوَاحِدَ إنْ أُضِيفَ إلَى الْكُلِّ وَاعْتُبِرَ بِالْقِيَاسِ إلَيْهِ سُمِّيَ فَهْمَ الْكُلِّ، وَدَلَالَةُ الْمُطَابِقَةِ إنْ أُضِيفَ إلَى أَحَدِ الْأَجْزَاءِ وَاعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُمِّيَ فَهْمَ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَدَلَالَةَ التَّضَمُّنِ وَاسْتُوْضِحَ ذَلِكَ بِمَا إذَا وَقَعَ بَصَرُك عَلَى زَيْدٍ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدِمَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنَّك تَرَاهُ وَتَرَى أَجْزَاءً بِرُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ نَسَبْت هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إلَى زَيْدٍ تُسَمَّى رُؤْيَتَهُ وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ تُسَمَّى رُؤْيَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ (لَا كَظَنِّ شَارِحِ الْمَطَالِعِ) قُطْبِ الدِّينِ الْفَاضِلِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى جُزْءِ مَا وُضِعَ هُوَ لَهُ ثُمَّ مِنْهُ إلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ هُوَ لَهُ وَأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تَابِعَةٌ لِلتَّضَمُّنِ فِي الْفَهْمِ لِسَبْقِ الْجُزْءِ فِي الْوُجُودَيْنِ لِظُهُورِ مَنْعِ الْأَوَّلِ وَسَبْقِ الْجُزْءِ فِي الْوُجُودَيْنِ مُطْلَقَةً لَا دَائِمَةً؛ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ الْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي تَذَكُّرِ الْمَعْنَى عِنْدَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى فَهْمِهِ مِنْهُ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِعِلَّةِ سَمَاعِ اللَّفْظِ وَالْعِلْمِ بِوَضْعِهِ لَهُ وَذَلِكَ عِلَّةُ الِانْتِقَالِ لِلْمَجْمُوعِ فَيَثْبُتُ كَذَلِكَ.
ثُمَّ مُقْتَضَاهُ فَهْمُ الْجُزْءِ مَرَّتَيْنِ بِالِاسْتِقْلَالِ وَفِي ضِمْنِ الْكُلِّ لَكِنْ الْوِجْدَانُ يَنْفِي الْأَوَّلَ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ تَعَقُّلِ الْمُرَكَّبِ مِنْ مُفِيدِهِ تَفْصِيلًا حَيْثُ يَلْزَمُ فِيهِ سَبْقُ الْجُزْءِ كَذَا أَفَادَهُ
стр. 100
الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (يَلِيهِ) أَيْ هَذَا الِانْتِقَالَ انْتِقَالٌ (آخَرُ) مِنْ الْمُطَابِقِيِّ أَوْ التَّضَمُّنِيِّ إنْ كَانَ هُوَ الْمَلْزُومَ (إلَى الِالْتِزَامِيِّ) فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّفْظِ وَاسِطَةٌ بِخِلَافِهِمَا ثُمَّ هَذَا الِانْتِقَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ يَلْزَمُ (لُزُومًا) ذِهْنِيًّا لَا انْفِكَاكَ لَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ اللُّزُومَ بَيْنَ أَحَدِهِمَا وَبَيْنَهُ مَشْرُوطٌ أَنْ يَكُونَ (بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ) وَهُوَ كَوْنُ اللَّازِمِ يَحْصُلُ فِي الذِّهْنِ كُلَّمَا حَصَلَ الْمُسَمَّى فِيهِ (فَانْتَفَى لُزُومُ الِالْتِزَامِيِّ مُطْلَقًا لِلُزُومِ تَعَقُّلِ أَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْأَعَمِّ) أَيْ فَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا انْتِفَاءُ كَوْنِ الْمُطَابَقَةِ تَسْتَلْزِمُ الِالْتِزَامَ دَائِمًا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ الْمُطَابَقَةُ يَلْزَمُهَا الِالْتِزَامُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ مَاهِيَّةٍ لَازِمًا بَيِّنًا، وَأَقَلُّهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهَا وَالدَّالُّ عَلَى الْمَلْزُومِ دَالٌّ عَلَى اللَّازِمِ الْبَيِّنِ بِالِالْتِزَامِ، وَإِيضَاحُ الِانْتِفَاءِ أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ اللُّزُومِ فِي اللَّازِمِ الْبَيِّنِ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ لِلُّزُومِ، وَهُوَ مَا يُحْكَمُ بِهِ مِنْ اللُّزُومِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ كُلَّمَا تَعَقَّلَا سَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ اللَّازِمِ فِي الذِّهْنِ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حُصُولِ الْمَلْزُومِ فِيهِ أَوْ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي الْقَرَائِنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا مِمَّا يُثْبِتُهُ الْعَقْلُ أَوْ عُرْفٌ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ بِاللُّزُومِ بَيْنَهُمَا يَقِينًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ اعْتِبَارَ اللُّزُومِ فِي اللَّازِمِ الْبَيِّنِ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ.
وَأَمَّا الْخَارِجِيُّ وَهُوَ كَوْنُ اللَّازِمِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الْمُسَمَّى فِي الْخَارِجِ تَحَقُّقُهُ أَيْضًا فِيهِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ كَالْعَمَى يَدُلُّ عَلَى الْمَلَكَةِ كَالْبَصَرِ دَلَالَةً الْتِزَامِيَّةً؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْبَصَرِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا مَعَ عَدَمِ اللُّزُومِ بَيْنَهُمَا فِي الْخَارِجِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُعَانَدَةِ فِيهِ (هَذَا) كُلُّهُ (عَلَى) اصْطِلَاحِ (الْمَنْطِقِيِّينَ فَلَا دَلَالَةَ لِلْمَجَازَاتِ عَلَى الْمَجَازِيَّةِ) أَيْ فَلَا دَلَالَةَ مِنْ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ لِلْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي مَعَانِيهَا الْمَجَازِيَّةِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ (بَلْ يَنْتَقِلُ) مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ (إلَيْهَا) أَيْ إلَى مَعَانِيهَا الْمَجَازِيَّةِ (بِالْقَرِينَةِ) أَيْ بِسَبَبِ اسْتِعَانَةِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ إلَيْهَا (فَهِيَ) أَيْ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةُ (مُرَادَاتٌ) مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ (لَا مَدْلُولَاتٌ لَهَا) أَيْ لِلْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ (فَلَا تُورَدُ) الْمَجَازَاتُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ كَمَا أَوْرَدَهَا الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ لِانْتِفَاءِ الْغَرَضِ مِنْ إيرَادِهَا حِينَئِذٍ (إذْ يَلْتَزِمُونَهُ) أَيْ عَدَمَ دَلَالَةِ الْمَجَازَاتِ عَلَى مَعَانِيهَا الْمَجَازِيَّةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَعْرِيفِهِمْ الدَّلَالَةَ (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ (إذْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ) نَفْيُ دَلَالَةِ الْمَجَازِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ (نَفْيَ فَهْمِ الْمُرَادِ) الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لِيَمْتَنِعَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ لِحُصُولِ فَهْمِهِ بِالْقَرِينَةِ الْمُفِيدَةِ لَهُ ثُمَّ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (فَلَيْسَ لِلْمَجَازِ فِي الْجُزْءِ وَاللَّازِمِ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ فِيهِمَا كَمَا قِيلَ) قَالَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ.
وَلَفْظُهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي الْجُزْءِ أَوْ اللَّازِمِ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ إرَادَةِ الْمُسَمَّى لَمْ يَكُنْ تَضَمُّنًا أَوْ الْتِزَامًا بَلْ مُطَابَقَةً لِكَوْنِهَا دَلَالَةً عَلَى تَمَامِ الْمَعْنَى أَيْ مَا عُنِيَ بِاللَّفْظِ وَقُصِدَ (بَلْ) إنَّمَا فِي الْمَجَازِ فِي الْجُزْءِ أَوْ اللَّازِمِ (اسْتِعْمَالٌ) لِلَّفْظِ فِي جُزْءِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ لَازِمِهِ (يُوجِبُ الِانْتِقَالَ مَعَهُ) أَيْ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ الْمُطَابِقِيِّ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقِيُّ (إلَى كُلٍّ) مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَجَازِيَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (فَقَطْ الْقَرِينَةُ) الْمُفِيدَةُ لِذَلِكَ (وَدَلَالَةٌ تَضَمُّنِيَّةٌ وَالْتِزَامِيَّةٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْجُزْءِ وَاللَّازِمِ (تَبَعًا لِلْمُطَابِقِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ) فِيهِمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ كُلَّ مَجَازٍ لَهُ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ لِافْتِقَارِهِ إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَقِيقَةٍ، وَالدَّلَالَةُ تَتْبَعُ الْوَضْعَ لَا الْإِرَادَةَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ اهـ وَمِنْ ثَمَّةَ تَنَزَّلَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ إلَيْهِ عَقِبَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا (وَهَذَا لِأَنَّ بَعْدَ الْوَضْعِ لَا تَسْقُطُ الدَّلَالَةُ عَنْ الْوَضْعِيِّ فَكَذَا لَا تَسْقُطُ عَنْ لَازِمِهِ فَتَتَحَقَّقُ) الدَّلَالَةُ الْمُطَابِقِيَّةُ (لِتَحَقُّقِ عِلَّتِهَا وَهُوَ) أَيْ تَحَقُّقُ عِلَّتِهَا (الْعِلْمُ بِالْوَضْعِ) لِذَلِكَ الْمَعْنَى (وَالْمُرَادُ غَيْرُ مُتَعَلَّقِهَا) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَجَازِيِّ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُتَعَلَّقِ تِلْكَ الدَّلَالَةِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَهُ
وَحَاصِلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَمَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى الْبَدِيعِ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ إلَّا التَّضَمُّنِيَّ وَالِالْتِزَامِيَّ مُرَادَاتٌ بِاللَّفْظِ بِالْقَرِينَةِ لَا مَدْلُولَاتٌ لَهُ حَتَّى لَوْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى مُرَكَّبٍ
стр. 101
ذِي لَازِمٍ ذِهْنِيٍّ فِي مَجَازِيٍّ غَيْرِهِمَا مَعَ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْ مَدْلُولَاتِهِ كَانَ لِهَذَا اللَّفْظِ ثَلَاثُ دَلَالَاتٍ عَلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَكَانَ الْمَقْصُودُ غَيْرَ مَدْلُولٍ لَهُ بَلْ مُرَادٍ بِهِ وَأَمَّا إذَا تَجَوَّزَ بِهِ فِي التَّضَمُّنِيِّ أَوْ الِالْتِزَامِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِيهِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مَوْضُوعٌ لِمَا هُمَا جُزْؤُهُ وَلَازِمُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرَادَاهُمَا مَدْلُولَانِ تَضَمُّنِيٌّ وَالْتِزَامِيٌّ فَتَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجَازٌ فِيهِمَا بَلْ مِنْ حَيْثُ هُمَا جُزْءٌ وَلَازِمٌ لِمَوْضُوعِهِ أَمَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا مُطَابَقَةً فَلَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ دَلَالَاتٌ بَعْضُهَا مُرَادٌ وَبَعْضُهَا لَا اهـ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَجْهَ عَدَمُ تَقْيِيدِ قَوْلِ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ وَيَرِدُ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعُ الْمَجَازَاتِ بِاَلَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةُ لَوَازِمَ ذِهْنِيَّةً لِلْمُسَمَّيَاتِ لِيَخْرُجَ اسْتِعْمَالُ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ وَالْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ الذِّهْنِيِّ كَمَا قَيَّدَهُ الْمُحَشُّونَ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَمَا لِلْوَضْعِ دَخْلٌ فِي الِانْتِقَالِ) أَيْ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ الْوَضْعِيَّةُ عِنْدَهُمْ فَمَا لِلْوَضْعِ دَخْلٌ فِي الِانْتِقَالِ فِيهَا مِنْ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ (فَتَحَقَّقُ) الدَّلَالَةُ الْوَضْعِيَّةُ عِنْدَهُمْ (فِي الْمَجَازِ) أَيْضًا قَالَ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ لِلْوَضْعِ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ دَخْلًا فِي فَهْمِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إذْ لَوْلَاهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ (وَالِالْتِزَامِيَّة بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ) أَيْ وَتَتَحَقَّقُ الدَّلَالَةُ الْوَضْعِيَّةُ فِي الِالْتِزَامِيَّةِ أَيْضًا، وَاللُّزُومُ فِيهَا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ السَّالِفِ بَيَانُهُ كَمَا هُوَ الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ؛ لِأَنَّ لِلْوَضْعِ دَخْلًا فِيهَا وَأَمَّا تَحَقُّقُهَا فِي التَّضَمُّنِيَّةِ فَبِطَرِيقٍ أَوْلَى وَلَا خِلَافَ فِي تَحَقُّقِهَا فِي الْمُطَابَقَةِ وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِحُجِّيَّةِ الْمَفَاهِيمِ الْمُخَالِفَةِ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا مُوجِبَ لِلِانْتِقَالِ لِعَدَمِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمُخَالِفِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لِلْمَوْضُوعِ (تَنْبِيهٌ) ثُمَّ هَذِهِ الدَّلَالَاتُ تَتَأَتَّى فِي اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ كَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُرَكَّبَاتِ عَلَى مَعَانِيهَا التَّرْكِيبِيَّةِ وَضْعِيَّةٌ بِحَسَبِ النَّوْعِ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى ذِكْرٍ
(ثُمَّ اخْتَلَفَ الِاصْطِلَاحُ) لِلْأُصُولِيِّينَ فِي أَصْنَافِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَأَسْمَائِهَا (وَفِي ثُبُوتِ بَعْضِهَا أَيْضًا فَالْحَنَفِيَّةُ، الدَّلَالَةُ) الْوَضْعِيَّةُ قِسْمَانِ (لَفْظِيَّةٌ وَغَيْرُ لَفْظِيَّةٍ وَهِيَ) أَيْ غَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ (الضَّرُورِيَّةُ وَيُسَمُّونَهَا) أَيْ الضَّرُورِيَّةَ (بَيَانَ الضَّرُورَةِ) أَيْ الْحَاصِلَ بِسَبَبِهَا فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ كَأُجْرَةِ الْخِيَاطَةِ وَهَذَا أَحَدُ أَقْسَامِ الْبَيَانِ الْخَمْسَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى (وَهُوَ) أَيْ بَيَانُ الضَّرُورَةِ (أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ كُلُّهَا دَلَالَةُ سُكُوتٍ مُلْحَقٌ بِاللَّفْظِيَّةِ) فِي الِاعْتِبَارِ، وَحَصْرُهُ فِيهَا اسْتِقْرَائِيٌّ قَالُوا: وَسُمِّيَ هَذَا الْقِسْمُ بِهَذَا الِاسْمُ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلْبَيَانِ فِي الْأَصْلِ هُوَ النُّطْقُ، وَهَذَا يَقَعُ بِمَا هُوَ ضِدُّهُ، وَهُوَ السُّكُوتُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ الْآتِي تَفْصِيلُهَا
الْقِسْمُ (الْأَوَّلُ مَا يَلْزَمُ مَنْطُوقًا) أَيْ لَازِمُ مَسْكُوتٍ عَنْهُ لِمَلْزُومٍ مَذْكُورٍ وَلَهُ مُثُلٌ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فَإِنَّ هَذَا نَاصٌّ عَلَى انْحِصَارِ إرْثُهُ فِيهِمَا، وَاخْتِصَاصُ الْأُمِّ بِالثُّلُثِ مِنْهُ، وَهُوَ مَلْزُومٌ مَنْطُوقٌ بِهِ وَلَهُ لَازِمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَهُوَ لِأَبِيهِ الثُّلُثَانِ طَوَى ذِكْرَهُ إيجَازًا لِلْعِلْمِ وَبِهِ وَإِلَّا لَمْ يَنْحَصِرْ إرْثُهُ فِيهِمَا وَبَقِيَ نَصِيبُ الْأَبِ مَجْهُولًا، وَسِيَاقُ النَّصِّ يَأْبَاهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ (دَلَّ سُكُوتُهُ) أَيْ النَّصِّ عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى (أَنَّ لِلْأَبِ الْبَاقِيَ) لَا أَنَّ مُجَرَّدَ السُّكُوتِ، أَوْ تَخْصِيصَ الْأُمِّ بِالثُّلُثِ بَيَانٌ لِنَصِيبِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ نَصِيبُ الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ الشَّرِكَةِ بِصَدْرِ الْكَلَامِ لَمْ يُعْرَفْ نَصِيبُ الْأَبِ بِالسُّكُوتِ بِوَجْهٍ (وَدَفَعْته مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَ الرِّبْحِ) أَيْ وَمِنْهَا قَوْلُ رَبِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لِغَيْرِهِ دَفَعْت هَذَا النَّقْدَ إلَيْك مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَ رِبْحِهِ فَيَقْبَلُ الْغَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفِيدُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ عَقْدُ شَرِكَةٍ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِعَمَلِ الْمُضَارِبِ، وَبَيَانُ مِقْدَارِ نَصِيبِ الْمُضَارِبِ وَهُوَ مَلْزُومٌ مَنْطُوقٌ بِهِ وَلَهُ لَازِمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَهُوَ " وَلِي " نِصْفُهُ طَوَى ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ لِعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ آخَرَ مَعَ كَوْنِهِ نَمَا مِلْكُهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ صَحِيحًا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا وَقَضَى فِيهِ بِأَنَّهُ (يُفِيدُ) السُّكُوتَ فِيهِ عَنْ ذِكْرِ نَصِيبِ الْمَالِكِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْمَالِكِ وَكَذَا فِي قَلْبِهِ اسْتِحْسَانًا)
стр. 102
أَيْ وَمِنْهَا قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ دَفَعْته إلَيْك مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ فَيَقْبَلُ الْغَيْرُ ذَلِكَ، فَالْقِيَاسُ فَسَادُ هَذَا الْعَقْدِ لِعَدَمِ بَيَانِ نَصِيبِ الْمُحْتَاجِ إلَى بَيَانِ نَصِيبِهِ، وَهُوَ الْمُضَارِبُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الْبَاقِي لَهُ، وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: دَفَعْته إلَيْك مُضَارَبَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَالِاسْتِحْسَانُ وَهُوَ الصَّحِيحُ صِحَّةُ هَذَا الْعَقْدِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُفِيدُ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الرِّبْحِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَبَيَانَ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَهُوَ مَلْزُومٌ مَنْطُوقٌ بِهِ وَلَهُ لَازِمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَهُوَ وَلَك نِصْفُهُ طَوَى ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَنَّهُ إذَا بَيَّنَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيَانًا لِكَوْنِ الْبَاقِي لِلْآخَرِ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ كَمَا فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ فَلَا جَرَمَ أَنْ دَلَّ السُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ نَصِيبِ الْمُضَارِبِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ نَصِيبُهُ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ كَقَوْلِهِ دَفَعْته إلَيْك مُضَارَبَةً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ
الْقِسْمُ (الثَّانِي دَلَالَةُ حَالِ السَّاكِتِ) الَّذِي وَظِيفَتُهُ الْبَيَانُ مُطْلَقًا أَوْ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِسَبَبِ سُكُوتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ (كَسُكُوتِهِ ﷺ عِنْدَ أَمْرٍ يُشَاهِدُهُ) مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَيْسَ مُعْتَقَدَ كَافِرٍ، وَلَا سَبَقَ تَحْرِيمُهُ كَالْمُعَامَلَاتِ الَّتِي كَانَ النَّاسُ يَتَعَامَلُونَهَا وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهَا، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ نَهْيٌ عَنْهَا وَلَا نَكِيرٌ عَلَى فَاعِلِيهَا فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِضَرُورَةِ حَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ النَّاسَ عَلَى مُنْكَرٍ؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ لِلْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ، وَصَفَهُ اللَّهُ بِالْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَالَ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (وَسَيَأْتِي فِي السُّنَّةِ) بَيَانٌ مُسْتَقْصًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَسُكُوتُ الصَّحَابَةِ عَنْ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ) وَهُوَ وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِدًا عَلَى مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ ثُمَّ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ أَمَةً لِلْغَيْرِ فَإِنَّ سُكُوتَهُمْ عَنْ تَقَوُّمِ مَنَافِعِ بَدَنِ الْوَلَدِ بِوُجُوبِ قِيمَتِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمَغْرُورِ مَعَ حُكْمُهُمْ بِرَدِّ الْجَارِيَةِ عَلَى مَوْلَاهَا وَبِوُجُوبِ الْعُقْرِ عَلَى الْمَغْرُورِ لِلْمَوْلَى وَبِكَوْنِ وَلَدِهِ مِنْهَا حُرًّا بِالْقِيمَةِ (يُفِيدُ عَدَمَ تَقَوُّمِ الْمَنَافِعِ) وَأَنَّهَا بِالْإِتْلَافِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا شُبْهَتِهِ لَا تَضَمُّنٍ بِدَلَالَةِ حَالِهِمْ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ جَاءَ طَالِبًا لِحُكْمِ الْحَادِثَةِ غَيْرَ عَالَمٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بَيَانُهُ فَكَانَ السُّكُوتُ دَلِيلَ النَّفْيِ؛ إذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ السُّكُوتُ عَنْ وَاجِبٍ لِجَاهِلٍ بِهِ وَالْمُفِيدُ لِسُكُوتِهِمْ عَنْهُ عِدَّةُ آثَارٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْفَاظِ أَخْرَجَ بَعْضَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْأَصْلِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَبَعْضَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵃ طَوَيْنَا ذِكْرَهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مُخَالَفَةٌ فِي ذَلِكَ بَلْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرُّ الْأَصْلِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِهِ
وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَمِنْ هُنَا حُكِيَ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ (وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ (سُكُوتُ الْبِكْرِ) عِنْدَ اسْتِئْذَانِ الْوَلِيِّ أَوْ رَسُولِهِ إلَيْهَا فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ مُعَيَّنٍ مَعَ ذِكْرِ الْمَهْرِ أَوَّلًا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ أَوْ عِنْدَ بُلُوغِهَا ذَلِكَ عَنْ الْوَلِيِّ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ فِي الْمَبْلَغِ بِعُرْفٍ فِي مَبَاحِثِ السُّنَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى فَإِنَّ سُكُوتَهَا فِي إحْدَى هَاتَيْنِ الْحَالَيْنِ يُفِيدُ الْإِجَازَةَ بِدَلَالَةِ حَالِهَا، وَهِيَ الْحَيَاءُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْإِجَازَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي الرِّجَالِ وَالْوَقَاحَةِ كَمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ «عَائِشَةُ ﵄ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ تُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ قَالَ نَعَمْ، قُلْت: إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِيُ فَتَسْكُتُ قَالَ: سُكُوتُهَا إذْنُهَا» وَلَا تَمْتَنِعُ عَادَةً مِنْ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ لَا سِيَّمَا وَغَالِبُ حَالِهِنَّ إظْهَارُ النَّفْرَةِ عِنْدَ فَجْأَةِ السَّمَاعِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ اسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ عِنْدَ الزِّفَافِ فِيمَا إذَا زُوِّجَتْ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْهَا عَدَمُ الرَّدِّ هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِكْرِ مَنْ إذْنُهَا مُعْتَبَرٌ فِي ذَلِكَ شَرْعًا فَتَخْرُجُ الصَّغِيرَةُ وَالْمَرْقُوقَةُ وَالْمَجْنُونَةُ كَمَا أَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثَّيِّبَ الْمُعْتَبَرَ إذْنُهَا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ سُكُوتُهَا إجَازَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا
стр. 103
بِهِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (وَفِي ادِّعَاءِ أَكْبَرِ وَلَدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ بُطُونِ أَمَتِهِ نَفْيٌ لِغَيْرِهِ) وَحَقُّ الْعِبَارَةِ وَسُكُوتُهُ عَنْ دَعْوَةِ وَلَدَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةِ بُطُونِ أَمَتِهِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ الْأَكْبَرُ فَإِنَّهُ نَفْيٌ لَهُمَا أَيْ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا سُكُوتُ الْمَوْلَى عَنْ دَعْوَةِ وَلَدَيْنِ أَنَّهُمَا مِنْهُ فِيمَا إذَا أَتَتْ أَمَتُهُ بِثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ ثَلَاثَةٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ دَعْوَتِهِ أَكْبَرَهُمْ فَإِنَّ سُكُوتَهُ عَنْ دَعْوَتِهِمَا نَفْيٌ لِنَسَبِهِمَا بِدَلَالَةِ حَالِ الْمَوْلَى، وَهِيَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِنَسَبِ وَلَدٍ هُوَ مِنْهُ فَرْضٌ كَمَا أَنَّ نَفْيَ نَسَبِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَرْضٌ أَيْضًا فَكَانَ سُكُوتُهُ عَنْ بَيَانِهِ بَعْدَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مِنْهُ دَلِيلَ النَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْهُ كَالتَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ (وَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ) أَيْ نَسَبِ غَيْرِ الْأَكْبَرِ مِنْهُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا وَلَدَا أُمِّ وَلَدِهِ بِدَعْوَةِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِدَعْوَتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَنَسَبُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَةٍ لِكَوْنِهَا فِرَاشًا.
وَمِنْ هُنَا قَالَ زُفَرُ: يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا أَيْضًا (لِمُقَارَنَةِ النَّفْيِ الِاعْتِرَافَ بِالْأُمُومَةِ) أَيْ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَثْبُتُ نَسَبُ غَيْرِ الْأَكْبَرِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ نَفْيَهُ ثُبُوتُ أُمُومَتِهَا لَكِنَّهُ مُقَارَنَةٌ بِسُكُوتِهِ عَنْ الِاعْتِرَافِ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ، وَدَعْوَتُهُ الْأَكْبَرَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ وِلَادَتِهِمَا بَلْ بَعْدَهَا فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ وَقْتَ وِلَادَتِهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِرَاشَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا مِنْ وَقْتِ الدَّعْوَةِ فَكَانَ انْفِصَالُهُمَا قَبْلَ ظُهُورِ الْفِرَاشِ فِيهَا فَيَكُونَانِ وَلَدَيْ الْأَمَةِ فَيَحْتَاجُ ثُبُوتُ نَسَبِهِمَا إلَى الدَّعْوَةِ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ دَعْوَةِ الْأَكْبَرِ بِلَفْظِ الْأَكْبَرِ ابْنِي أَوْ بِلَفْظِ هَذَا ابْنِي فَانْتَفَى تَوَهُّمُ أَنَّ نَفْيَ مَا سِوَاهُ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ ثُمَّ إيرَادُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَقُولُونَ بِهِ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْوَضْعَ إنَّمَا كَانَ فِي دَعْوَةِ الْأَكْبَرِ وَالسُّكُوتِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ فِيمَا لَوْ ادَّعَى الْأَصْغَرَ وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ نَفْيًا لِلْأَوَّلَيْنِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ وَفِيمَا لَوْ ادَّعَى الْأَوْسَطَ وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ نَفْيًا لِلْأَكْبَرِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ وَلِلْأَصْغَرِ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ نَفْيًا لَهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ زُفَرَ ثُمَّ إنَّمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِثَلَاثَةِ بُطُونٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْهُمْ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَاعْتِرَافُهُ بِأَحَدِهِمْ اعْتِرَافٌ بِالثَّانِي ضَرُورَةً كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ
الْقِسْمُ (الثَّالِثُ: اعْتِبَارُهُ) أَيْ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ سُكُوتِ السَّاكِتِ دَلَالَةً كَالنُّطْقِ (لِدَفْعِ التَّغْرِيرِ) أَيْ لِضَرُورَةِ دَفْعِ وُقُوعِ النَّاسِ فِي الْغُرُورِ (كَدَلَالَةِ سُكُوتِهِ) أَيْ الْمَوْلَى (عِنْدَ رُؤْيَةِ عَبْدِهِ يَبِيعُ) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا أَوْ يَشْتَرِي مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الْحَاجَةُ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ (عَنْ النَّهْيِ) عَنْ ذَلِكَ (عَلَى الْإِذْنِ) فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ إذْنًا فِيهَا أَفْضَى إلَى ضَرَرِ النَّاسِ لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهِ عَلَى إذْنِهِ فَلَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ مُعَامَلَتِهِ فَإِذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ وَقَالَ الْمَوْلَى مَحْجُورٌ عَلَيْهِ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ عِتْقِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ لَا يَقَعُ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ وَالْغُرُورِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَصِحَّ الْحَجْرُ الْخَاصُّ بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ نَعَمْ لَا يَكُونُ السُّكُوتُ إجَازَةً لِبَيْعِ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكُهُ أَذِنَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَوْلَى أَوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ هَذَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ إذْنًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لِفَرْطِ الْغَيْظِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَحْجُورٌ شَرْعًا، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً. قُلْنَا تُرَجَّحُ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ بِرَدِّ تَصَرُّفِهِ وَإِظْهَارِ نَهْيِهِ إذَا لَمْ يَرْضَ (وَسُكُوتُ الشَّفِيعِ) أَيْ وَكَدَلَالَةِ سُكُوتِ الشَّفِيعِ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ عَلَى إسْقَاطِهَا لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْغُرُورِ عَنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ سُكُوتُ الشَّفِيعِ إسْقَاطًا لَهَا لِنَقْضِهِ لَوْ وَقَعَ ظَنًّا مِنْهُ أَنْ لَا غَرَضَ لِلشَّفِيعِ فِيهَا فَلَا جَرَمَ أَنْ جَعَلَ سُكُوتَهُ كَالتَّنْصِيصِ عَلَى إسْقَاطِهَا هَذَا مَا قَالُوهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّلَبَ فِي الشُّفْعَةِ ثَلَاثَةٌ:
طَلَبُ مُوَاثَبَةِ أَنْ يَطْلُبُهَا كَمَا عُلِمَ بِالْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ أَوْ لَا وَطَلَبَ تَقْرِيرَ أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَشْهَدَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ
стр. 104
تَفْصِيلٍ وَطَلَبِ خُصُومَةٍ وَتَمَلُّكِ أَنْ يَرْفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي إلَى الْقَاضِي وَيَطْلُبَ قَضَاءَهُ لَهُ بِهَا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الثَّالِثَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ بَلْ إنَّمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْخُصُومَةِ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْقَاضِي حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَجْلِسٌ فَلَمْ يُخَاصِمْ حَتَّى مَضَى تَبْطُلُ وَالرِّوَايَةُ الظَّاهِرَةُ عَنْهُ لَا تَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ أَبَدًا كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْهِدَايَةِ الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ تَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ شَهْرًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَعِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشَايِخِ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَخَرَجَ هَذَا الطَّلَبُ عَنْ كَوْنِ مُجَرَّدِ السُّكُوتِ مُبْطِلًا لَهُ وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الثَّانِي مُقَدَّرَةٌ بِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَعَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ عَلَى الْفَوْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ أَنْ يَطْلُبَهَا عَلَى فَوْرِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَآخَرُونَ أَنْ يَطْلُبَهَا فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ كَمَا فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا وَاخْتِيَارُ الْكَرْخِيُّ وَجَمْعٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَكُونُ الْمُرَادُ السُّكُوتَ عَنْ الطَّلَبِ الثَّانِي مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، وَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الطَّلَبِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ مُرَادًا بِكَوْنِ السُّكُوتِ مُبْطِلَهُ، هَذَا وَفِي التَّلْوِيحِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُنْدَرِجٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَعْنِي ثُبُوتَ الْبَيَانِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ اهـ وَلَا يَعْرَى عَنْ تَأَمُّلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى سُكُوتِ الشَّفِيعِ عَنْ الطَّلَبِ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبَ التَّقْرِيرِ ثُمَّ هُنَا تَنْبِيهَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِسُكُوتِ الْبِكْرِ وَالشَّفِيعِ نَصُّوا عَلَى مَضْمُونِهِمَا أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ بِسُكُوتِهِمَا السُّكُوتُ الِاخْتِيَارِيُّ حَتَّى لَوْ أَخَذَ فَهْمًا لَا يَكُونُ إجَازَةً إذَا رَدَّتْ وَطَلَبَ فِي فَوْرٍ زَوَالَ ذَلِكَ.
ثَانِيهُمَا: لَا فَرْقَ فِي كَوْنِ سُكُوتِهِمَا إجَازَةً فِي حَقِّهَا، وَإِسْقَاطًا لِلشُّفْعَةِ فِي حَقِّهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِكَوْنِهِ إجَازَةً وَإِسْقَاطًا أَوْ لَا وَيَظْهَرُ جَرَيَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي سُكُوتِ الْمَوْلَى عِنْدَ رُؤْيَةِ عَبْدِهِ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
الْقِسْمُ (الرَّابِعُ الثَّابِتُ ضَرُورَةُ الطُّولِ فِيمَا تُعُورِفَ) أَيْ دَلَالَةُ السُّكُوتِ عَلَى تَعْيِينِ مَعْدُودٍ تُعُورِفَ حَذْفُهُ ضَرُورَةَ طُولِ الْكَلَامِ بِذِكْرِهِ مَعَ وُجُودِ مَعْطُوفٍ عَلَى عَدَدِهِ يُفِيدُهُ عُرْفًا وَهُوَ قِسْمَانِ مَا كَانَ مُبَيَّنًا بِنَفْسِهِ كَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَمَا كَانَ مِقْدَارًا شَرْعِيًّا كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (كَمِائَةٍ وَدِرْهَمٍ أَوْ وَدِينَارٍ أَوْ وَقَفِيزٍ) مِنْ بُرٍّ مَثَلًا فَالسُّكُوتُ عَنْ مُمَيِّزِ الْمِائَةِ فِي هَذِهِ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ الدَّنَانِيرِ وَفِي الثَّالِثِ مِنْ الْقُفْزَانِ (بِخِلَافِ) لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ (وَعَبْدٌ) وَمِائَةٌ (وَثَوْبٌ) فَإِنَّ الْمَعْطُوفَ فِي هَذَيْنِ لَيْسَ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَلَا الْمُمَيِّزُ مِمَّا تُعُورِفَ حَذْفُهُ فَلَا يَدُلُّ السُّكُوتُ فِيهِمَا عُرْفًا عَلَى أَنَّهُ الْمِائَةُ مِنْ الْعَبِيدِ وَلَا مِنْ الثِّيَابِ فَيَلْزَمُهُ عَبْدٌ وَثَوْبٌ وَتَفْسِيرُ الْمِائَةِ إلَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ فِي أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ يَكُونُ بِالسُّكُوتِ لِضَرُورَةِ طُولِ الْكَلَامِ كَمَا فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عَلَى الْكَامِلَةِ نَحْوِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ حَتَّى قَالَ: يُطَلَّقَانِ كَقَوْلِنَا: خَالَفَ فِي بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي جَمِيعِهَا يَلْزَمُهُ مَا بَعْدَ الْمِائَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَتَفْسِيرُ الْمِائَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُبْهَمَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَصْلُحُ مُبَيِّنًا لَهَا فَإِنَّ الْعَطْفَ لَا يَصْلُحُ بَيَانًا لَهَا لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّغَايُرِ وَمَبْنَى التَّفْسِيرِ عَلَى الِاتِّحَادِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيَانًا فِي مِائَةٍ وَدِرْهَمٍ لَكَانَ بَيَانًا فِي مِائَةٍ وَعَبْدٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا هُنَا بِخِلَافِ مِائَةٍ وَثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ وَثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ أَحَدَ الْمُبْهَمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالدَّرَاهِمِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا لِحَاجَةِ كُلٍّ إلَيْهِ قُلْنَا: حَذْفُ تَمْيِيزِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُتَعَارَفٌ فِي الْعَدَدِ إذَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُفَسِّرٌ لَهُ ضَرُورَةَ طُولِ الْكَلَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ كَمَا فِي بِعْته بِمِائَةٍ وَدِرْهَمٍ وَهَلُمَّ جَرًّا يُرَادُ بِالْجَمِيعِ الدَّرَاهِمُ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِجَامِعِ الْعُرْفِ فِيهِمَا كَذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالثَّوْبُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا هُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مِقْدَارٌ شَرْعِيٌّ لِانْتِفَاءِ الْعُرْفِ فِيهِ كَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقًا كَثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَا بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي عَقْدٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْمُسْلِمُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ الْبَيْعُ بِالثِّيَابِ الْمَوْصُوفَةِ مُؤَجَّلًا قُلْت: وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ: عَلَيَّ أَلْفٌ
стр. 105
وَعَبْدٌ فَعَلَيْهِ عَبْدٌ وَأَلْفٌ مِمَّا يَشَاءُ، وَلَوْ قَالَ: وَشَاةٌ أَوْ وَبَعِيرٌ، أَوْ وَفَرَسٌ، أَوْ وَثَوْبٌ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ مِنْ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالثِّيَابِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْعَبِيدَ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ وَالْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالثِّيَابَ أُقَسِّمُهَا إذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَلَا أُقَسِّمُ الرَّقِيقَ
(تَنْبِيهٌ) فَإِنْ قُلْت: ظَهَرَ أَنَّ الدَّلَالَةَ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَمْ تَحْصُلْ مِنْ مُجَرَّدِ السُّكُوتِ بَلْ مِنْهُ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ فِعْلٍ فَمَا وَجْهُ نِسْبَتِهَا إلَى السُّكُوتِ حَتَّى كَانَتْ غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ، قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِتَنْزِيلِ مَا أَفَادَهَا مِنْ مَجْمُوعِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ مَعَ السُّكُوتِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ وَمِنْ شَأْنِ مَا كَانَ عِلَّتُهُ ذَاتَ أَجْزَاءٍ أَنْ يُنْسَبَ إلَى آخِرِهَا وُجُودًا، وَالسُّكُوتُ مَعَ غَيْرِهِ هُنَا كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ تَمْشِيَةَ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَإِخْوَتِهِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ثُمَّ ظَاهِرٌ أَنَّ جَمِيعَ أَقْسَامِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَسَيَأْتِي عَدُّهَا مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَحِينَئِذٍ فَيَظْهَرُ كَوْنُهَا فِي الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَفْظِيَّةً أَيْضًا، وَإِلَّا فَكَوْنُهَا فِيهِمَا غَيْرَ لَفْظِيَّةٍ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْآتِيَةِ لَفْظِيَّةً مَحْضُ اصْطِلَاحٍ فَلْيُتَأَمَّلْ
(وَاللَّفْظِيَّةُ عِبَارَةٌ وَإِشَارَةٌ وَدَلَالَةٌ وَاقْتِضَاءٌ) وَلَهُمْ فِي تَوْجِيهِ الْحَصْرِ فِيهَا وُجُوهٌ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي عَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيهَا أَنَّ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً بِنَفْسِ اللَّفْظِ أَوْ لَا.
وَالْأُولَى إمَّا أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً مِنْهُ وَهِيَ الْعِبَارَةُ أَوْ لَا وَهِيَ الْإِشَارَةُ، وَالثَّانِيَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى مَسْكُوتٍ عَنْهُ يُفْهَمُ بِمُجَرَّدِ فَهْمِ اللُّغَةِ وَهِيَ الدَّلَالَةُ أَوْ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ اللَّفْظِ أَوْ صِدْقُهُ عَلَيْهِ وَهِيَ الِاقْتِضَاءُ أَوْ لَا وَهِيَ التَّمَسُّكُ الْفَاسِدُ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ لِلدَّلَالَةِ حَقِيقَةً وَيَتَعَدَّى بِوَاسِطَتِهَا إلَى اللَّفْظِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (وَبِاعْتِبَارِهِ) أَيْ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي الدَّلَالَةِ (يَنْقَسِمُ اللَّفْظُ إلَى دَالٍّ بِالْعِبَارَةِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَدَالٍّ بِالْإِشَارَةِ وَدَالٍّ بِالدَّلَالَةِ وَدَالٍّ بِالِاقْتِضَاءِ (فَعِبَارَةُ النَّصِّ أَيْ اللَّفْظِ) الْمَفْهُومُ الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَعْنَى الْمُقَابِلِ لِلظَّاهِرِ أَوْ بِغَيْرِهِ مُفَسَّرًا أَوْ مُحْكَمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ إطْلَاقًا شَائِعًا ثُمَّ الْعِبَارَةُ لُغَةً تَفْسِيرُ الرُّؤْيَا وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الدَّلَالَةِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يُفَسِّرُ مَا فِي الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ مَسْتُورٌ كَمَا أَنَّ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا تُفَسِّرُ عَاقِبَتَهَا الْمَسْتُورَةَ فَظَهَرَ أَنَّ إضَافَتَهَا إلَى النَّصِّ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ عَيْنِ الشَّيْءِ وَكُلِّهِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ بَلْ إضَافَتُهَا إلَيْهِ بِمَعْنَى اللَّامِ وَأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ الدَّلَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ (دَلَالَتُهُ) أَيْ اللَّفْظِ (عَلَى الْمَعْنَى) حَالَ كَوْنِهِ (مَقْصُودًا أَصْلِيًّا) مِنْ ذِكْرِهِ (وَلَوْ لَازِمًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لِلَّفْظِ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْمَعْنَى مَقْصُودًا أَصْلِيًّا مِنْ ذِكْرِ لَفْظِهِ هُوَ (الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِي النَّصِّ) الْمُقَابِلِ لِلظَّاهِرِ (أَوْ) دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى حَالَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا (غَيْرَ أَصْلِيٍّ) مِنْ ذِكْرِهِ.
(وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْمَعْنَى مَقْصُودًا غَيْرَ أَصْلِيٍّ هُوَ (الْمُعْتَبَرُ) عِنْدَهُمْ (فِي الظَّاهِرِ) الْمُقَابِلِ لِلنَّصِّ (كَمَا سَيُذْكَرُ) كُلٌّ مِنْهُمَا فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى (فَفُهِمَ إبَاحَةُ النِّكَاحِ وَالْقَصْرُ عَلَى الْعَدَدِ) أَيْ الْأَرْبَعِ بِشَرْطِ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي حَقِّ الْحُرِّ (مِنْ آيَةِ فَانْكِحُوا) أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَإِلَّا قَالَ مِنْ فَانْكِحُوا (مِنْ الْعِبَارَةِ) لِأَنَّ لَفْظَهَا دَالٌّ عَلَى طَلَبِ نِكَاحِ مَنْ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَتِهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِبَاحَةُ كَمَا عُرِفَ وَعَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعِ لِلْحُرِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ أَيْضًا (وَإِنْ كَانَتْ) الْآيَةُ (ظَاهِرًا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ مَنْ ذَكَرْنَا وَنَصًّا فِي الثَّانِي وَهُوَ قَصْرُ إبَاحَتِهِ عَلَى الْأَرْبَعِ مُجْتَمَعَاتٍ لِلْحُرِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ لَيْسَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْهَا بَلْ الْحُكْمُ الثَّانِي وَذَكَرَ الْأَوَّلَ لِلثَّانِي وَسَتَقِفُ عَلَى تَوْجِيهِهِ فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي.
(وَكَذَا حُرْمَةُ الرِّبَا وَحِلُّ الْبَيْعِ وَالتَّفْرِقَةُ مِنْ آيَةِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أَيْ وَكَذَا فُهِمَ إبَاحَةُ الْبَيْعِ وَحُرْمَةُ الرِّبَا وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا بِحِلِّ الْبَيْعِ وَحُرْمَةِ الرِّبَا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِنْ عِبَارَةِ النَّصِّ لِأَنَّ لَفْظَ هَذِهِ الْآيَةِ دَالٌّ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي كُلٍّ مِنْ إبَاحَةِ
стр. 106
الْبَيْعِ وَحُرْمَةِ الرِّبَا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْهَا وَفِي التَّفْرِقَةِ الْمَذْكُورَةِ نَصًّا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْهَا وَذِكْرُ لَا وَلِأَنَّ لَهَا (وَالتَّفْرِقَةُ) بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ (لَازِمٌ مُتَأَخِّرٌ) عَنْهُمَا بِخِلَافِ حِلِّ الْبَيْعِ وَحُرْمَةِ الرِّبَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَدْلُولٌ مُطَابِقِيٌّ لِلَّفْظِ الْمُفِيدِ لَهُ (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْمَعْنَى الْعِبَارِيِّ يَكُونُ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا لِلَّفْظِ (لَمْ يُقَيَّدْ) الْمَعْنَى (بِالْوَضْعِيِّ) فَيَخْرُجُ بَلْ قُلْنَا: وَلَوْ لَازِمًا لِيَكُونَ نَصًّا فِي دُخُولِهِ.
(وَيُقَالُ) فِي تَعْرِيفِهَا كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَأَتْبَاعُهُ (مَا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ) قَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَوَافَقَهُمْ الْمُصَنِّفُ (وَالْمُرَادُ) أَنْ يُسَاقَ لَهُ مُطْلَقًا أَيْ (سَوْقًا أَصْلِيًّا أَوْ غَيْرَ أَصْلِيٍّ وَهُوَ) أَيْ غَيْرُ أَصْلِيٍّ (مُجَرَّدُ قَصْدِ التَّكَلُّمِ بِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (لِإِفَادَةِ مَعْنَاهُ) تَتْمِيمًا لِأَمْرٍ لَمْ يُسْقَ الْكَلَامُ لَهُ، وَالْأَصْلِيُّ مَا سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ مَعَ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْمُرَادِ السَّوْقَ الْمُطْلَقَ (عَمَّمْنَا الدَّلَالَةَ لِلْعِبَارَةِ فِي الْآيَتَيْنِ) آيَةَ ﴿فَانْكِحُوا﴾ [النساء: ٣] وَآيَةَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] مُوَافَقَةً لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ جَعَلَ الدَّلَالَةَ عَلَى التَّفْرِقَةِ عِبَارَةً؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالسَّوْقِ، وَعَلَى الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إشَارَةً؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَقْصُودَيْنِ بِهِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّوْقِ فِي تَعْرِيفِ الْعِبَارَةِ كَوْنُ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ لَهُ فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ وَالنَّصُّ وَاحِدًا عِنْدَهُ وَالْعِبَارَةُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ النَّصِّ عِنْدَ غَيْرِهِ (وَدَلَالَتُهُ) أَيْ اللَّفْظِ (عَلَى مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ) أَيْ بِاللَّفْظِ (أَصْلًا إشَارَةٌ) وَهِيَ لُغَةً الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ بِهَا لِأَنَّ السَّامِعَ لِإِقْبَالِهِ عَلَى مَا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ كَأَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا فِي ضِمْنِهِ فَهُوَ يُشِيرُ إلَيْهِ قَالُوا وَنَظِيرُ الْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ مِنْ الْمَحْسُوسِ أَنْ يَنْظُرَ إنْسَانٌ إلَى مُقْبِلٍ عَلَيْهِ فَيُدْرِكَهُ وَيُدْرِكَ غَيْرَهُ بِلَحْظِهِ يَمْنَةً وَيَسَرَةً فَإِدْرَاكُهُ الْمُقْبِلَ كَالْعِبَارَةِ وَغَيْرُهُ كَالْإِشَارَةِ.
(وَقَدْ يُتَأَمَّلُ) أَيْ وَيَحْتَاجُ فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى الْإِشَارِيِّ إلَى تَأَمُّلٍ فُقِدَ لِلتَّحْقِيقِ فَإِنَّهُمْ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ أَوَّلَ مَا يَقْرَعُ السَّمْعَ حَتَّى قِيلَ الْإِشَارَةُ مِنْ الْعِبَارَةِ كَالْكِنَايَةِ مِنْ الصَّرِيحِ وَالظَّاهِرُ وَالْإِشَارَةُ وَإِنْ اسْتَوَيَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَلَامَ لَمْ يُسَقْ لَهُمَا قَدْ افْتَرَقَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الظَّاهِرَ يَعْرِفُهُ السَّامِعُ أَوَّلَ الْوَهْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِنَوْعِ تَأَمُّلٍ وَاسْتِدْلَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكَلَامِ أَوْ يُنْقَضَ مِنْهُ ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِغُمُوضٍ يَزُولُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ فَهِيَ إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ فَهِيَ إشَارَةٌ غَامِضَةٌ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ فَكَمَا أَنَّ إدْرَاكَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّظَرِ مَعَ إدْرَاكِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ كَمَالِ قُوَّةِ الْإِبْصَارِ كَذَا فَهْمُ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالْكَلَامِ فِي ضِمْنِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ كَمَالِ قُوَّةِ الذَّكَاءِ وَصَفَاءِ الْقَرِيحَةِ وَلِهَذَا يَخْتَصُّ بِفَهْمِ الْإِشَارَةِ الْخَوَاصُّ وَتُعَدُّ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَسَتَتَحَقَّقُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا الْتِزَامِيَّةً فَإِذَنْ هِيَ دَلَالَةٌ الْتِزَامِيَّةٌ لِمَعْنَى اللَّفْظِ لَمْ تُقْصَدْ بِسَوْقِهِ وَيَحْتَاجُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا إلَى تَأَمُّلٍ (كَالِاخْتِصَاصِ بِالْوَالِدِ نَسَبًا مِنْ آيَةِ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دُونَ الْأُمِّ) أَيْ كَاخْتِصَاصِ الْأَبِ بِكَوْنِ الِانْتِسَابِ إلَيْهِ دُونَ الْأُمِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاخْتِصَاصِ فَيَجِبُ كَوْنُ الْوَالِدِ أَخَصَّ بِالْوَلَدِ مِمَّنْ سِوَاهُ، وَذَلِكَ بِالِانْتِسَابِ ثُمَّ هُوَ لَيْسَ الْمَقْصُودَ مِنْ سَوْقِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْ سَوْقِهَا إيجَابُ نَفَقَةِ الْوَالِدَاتِ وَكِسْوَتِهِنَّ عَلَى الْوَالِدِ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ.
(فَثَبَتَتْ أَحْكَامٌ مِنْ انْفِرَادِهِ بِنَفَقَتِهِ وَالْإِمَامَةُ وَالْكَفَاءَةُ وَعَدَمُهُمَا) أَيْ فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِصَاصِ فِي انْفِرَادِ الْوَالِدِ بِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ لَمَّا كَانَ مُخْتَصًّا بِالْمَوْلَى لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نَفَقَتِهِ، وَفِي تَعْدِيَةِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِلْأَبِ مَعَ ثَمَرَاتِهَا إلَيْهِ إذَا كَانَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَبُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَكُفْءً لِلْقُرَشِيَّةِ لِاسْتِجْمَاعِهِ شَرَائِطَهُمَا الَّتِي مِنْهَا كَوْنُهُ قُرَشِيًّا تَعَدَّى إلَى الِابْنِ كَوْنُهُ كَذَلِكَ إذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ بَقِيَّةُ شَرَائِطِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ أَهْلٍ وَكُفْءٍ لَهُمَا لِكَوْنِهِ جَاهِلًا غَيْرَ قُرَشِيٍّ كَانَ الِابْنُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الِابْنُ جَاهِلًا وَهَذَا مُطَّرِدٌ (مَا لَمْ يُخْرِجْهُ الدَّلِيلُ) أَيْ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ
стр. 107
الدَّلِيلُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضَى اخْتِصَاصِهِ بِالنَّسَبِ عَنْهَا كَالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فَإِنَّ الِابْنَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِيهِمَا وَإِنْ اتَّصَفَ الْأَبُ بِضِدِّ مَا الْأُمُّ عَلَيْهِ مِنْهُمَا لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاسْتِقْرَاءِ (وَزَوَالِ مِلْكِ الْمُهَاجِرِ عَنْ الْمُخَلَّفِ مِنْ لَفْظِ الْفُقَرَاءِ) أَيْ وَكَزَوَالِ مِلْكِ الْمُهَاجِرِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ عَمَّا خَلَّفَهُ ثَمَّةَ مِنْ الْأَمْوَالِ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهَا وَإِحْرَازِهِمْ إيَّاهَا مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْفَقِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] مَعَ وُجُودِهَا بِمَكَّةَ وَانْتِفَاءِ كُلِّ مُزِيلٍ لِمِلْكِهَا مَا عَدَا اسْتِيلَاءَ الْكُفَّارِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ - حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً - مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ أَوْ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ لَا مَنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْ الْمَالِ كَمَا أَنَّ الْغَنِيَّ - حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً - مَنْ هُوَ مَالِكٌ لِلْمَالِ لَا مَنْ قَرُبَتْ يَدُهُ مِنْهُ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ بِغَنِيٍّ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ أَمْوَالٌ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَابْنُ السَّبِيلِ الْمَالِكُ لِلْمَالِ فِي وَطَنِهِ غَنِيٌّ، وَإِنْ بَعُدَتْ يَدُهُ عَنْهُ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
وَهَذَا لَيْسَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِنَظْمِهَا بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ بَيَانُ اسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ سَهْمًا مِنْ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] بَدَلٌ مِنْ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبِ الْمِيزَانِ وَمَشَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ حُذِفَ عَاطِفُهُ وَهُوَ الْوَاوُ كَمَا حَكَاهُ فِي التَّيْسِيرِ وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ بَابُهُ الشِّعْرَ فَقَدْ خُرِّجَتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْهَا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كَمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فَهَذِهِ الْآيَةُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ عَلَى هَذَا أَيْضًا، هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ (وَالْوَجْهُ أَنَّهُ) أَيْ زَوَالَ مِلْكِ الْمُهَاجِرِ عَنْ الْمُخَلَّفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ ثَمَّةَ مِنْ لَفْظِ الْفُقَرَاءِ فِي الْآيَةِ (اقْتِضَاءٌ) أَيْ مُقْتَضًى عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ لِلْفُقَرَاءِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّلْوِيحِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِهَذَا الْوَصْفِ مُتَقَدِّمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ اقْتَضَاهُ صِحَّةُ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِمْ (لِأَنَّ صِحَّةَ إطْلَاقِ الْفَقِيرِ) عَلَى الْإِنْسَانِ (بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْأَمْوَالِ) الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِمِلْكِهَا الْغِنَى لَهُ فِي وَقْتٍ (مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الزَّوَالِ) أَيْ زَوَالِ مِلْكِهِ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ زَوَالُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ سَابِقًا عَلَى صِحَّةِ إطْلَاقِ الْفَقِيرِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْفَقْرُ بِدُونِهِ حِينَئِذٍ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَيْضًا انْتِفَاءُ جَعْلِهِ إشَارَةً مِنْ قَبِيلِ جُزْءِ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَدَمَ مِلْكِ مَا خَلَّفُوهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى الْفَقْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُدَّعَى ثُبُوتُهُ إشَارَةً إنَّمَا هُوَ زَوَالُ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوهُ، وَلَيْسَ هَذَا جُزْءًا مِنْ عَدَمِ مِلْكِهِمْ لِشَيْءٍ أَصْلًا أَوْ لِأَدْنَى شَيْءٍ بَلْ هُوَ لَازِمٌ مُتَقَدِّمٌ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ لِمَا خَلَّفُوهُ وَمَا دُفِعَ بِهِ هَذَا مِنْ أَنَّ زَوَالَ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا لَيْسَ إلَّا كَوْنُهُمْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهَا.
وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُونَهَا جُزْءًا مِنْ كَوْنِهِمْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا أَصْلًا، وَأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَازِمٌ مُتَقَدِّمٌ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ زَوَالُ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا عِلَّةً لِكَوْنِهِمْ فُقَرَاءَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ غَيْرُهُمْ بَلْ كَوْنُهُمْ فُقَرَاءَ عِلَّةٌ لِزَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا كَانَ لَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُصَادَرَةِ وَالتَّعَسُّفِ الظَّاهِرِ (وَدَلَالَةُ لَفْظِ الثَّمَنِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى انْعِقَادِ بَيْعِ الْكَلْبِ) أَيْ وَكَدَلَالَتِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ وَثَمَنَ الْكَلْبِ وَكَسْبَ الْحَجَّامِ وَحُلْوَانَ الْكَاهِنِ مِنْ السُّحْتِ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ هَذَا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ التَّلْوِيحِ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ هَذَا يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنْ تَنَاوُلِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَصَوُّرَهُ، وَتَصَوُّرُهُ بِانْعِقَادِ بَيْعِهِ وَلَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِهِ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَنْعُ مِنْ تَنَاوُلِ الْعِوَضِ الْمَالِيِّ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْمُبَادَلَةِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْعِبَارِيُّ لَهُ وَعِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ - فِي هَذَا نَظَرٌ فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ انْعِقَادَ الْبَيْعِ إنْ ثَبَتَ بِهَذَا إنَّمَا يَثْبُتُ مُقْتَضًى لَا إشَارَةً لِأَنَّ تَحَقُّقَ الثَّمَنِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ تَحَقُّقِ بَيْعِهِ الَّذِي صَارَ بِهِ مَبِيعًا وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ عَنْهُ ثَمَنًا فَهُوَ لَازِمٌ لِلثَّمَنِ مُتَقَدِّمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ اسْتَدْعَى اعْتِبَارُهُ صِحَّةَ إطْلَاقِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنْ قِيلَ يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ بَيْعِهِ صَحِيحًا فَإِنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لَوْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَاهُ
стр. 108
الْحَقِيقِيِّ شَرْعًا وَهُوَ الْمَالُ الْمُتَقَوِّمُ شَرْعًا الْمُعْتَاضُ بِهِ عَمَّا هُوَ كَذَلِكَ بِإِذْنِ الشَّارِعِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ثُمَّ أَنَّى يَتِمُّ مَعَ قَوْلِهِ: سُحْتٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ خَبِيثٌ، وَإِشْرَاكُهُ مَعَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ فِي هَذَا الْوَصْفِ، وَإِنْ قِيلَ: يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِهِ فَاسِدًا حَتَّى كَانَ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ بِالْقَبْضِ مَطْلُوبَ التَّفَاسُخِ رَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَجْرِيدِ النَّظَرِ إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي بَابِ النَّهْيِ كَمَا سَيُعْرَفُ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فَهُوَ خِلَافُ الْمُصَرَّحِ بِهِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَكَوْنُ أَدِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تُفِيدُ كَوْنَ بَيْعِهِ جَائِزًا مِنْ غَيْرِ فَسَادٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَ لَفْظِ الثَّمَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشْبَاهِهِ مُشِيرًا أَوْ مُقْتَضِيًا ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَلَى الْإِصْبَاحِ جُنُبًا) أَيْ وَكَدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُصْبِحَ الْمُبَاشِرُ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ جُنُبًا صَائِمًا لِإِبَاحَةِ هَذَا النَّصِّ الْمُبَاشَرَةَ لَهُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي غَيْرِهِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ طُلُوعَ الْفَجْرِ عَلَيْهِ جُنُبًا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاغْتِسَالِ قَبْلَهُ حِينَئِذٍ ثُمَّ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالصَّوْمِ مِنْ طُلُوعِهِ فَيَجْتَمِعُ لَهُ وَصْفَا الْجَنَابَةِ وَالصَّوْمِ، وَيَسْتَلْزِمُ هَذَا أَيْضًا عَدَمَ مُنَافَاتِهِمَا، وَهَذَا لَيْسَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ إبَاحَةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْعِبَارِيُّ ثُمَّ الصَّرِيحُ الصَّحِيحُ مِنْ السُّنَّةِ مُؤَكِّدٌ لِهَذِهِ الْإِشَارَةِ الْقُرْآنِيَّةِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ (وَظَهَرَ) مِنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ لِلْإِشَارَةِ السَّالِمَةِ مِنْ التَّعَقُّبِ (أَنَّهَا) أَيْ الْإِشَارَةَ الدَّالَّةَ (الِالْتِزَامِيَّةُ) لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ بِسَوْقِهِ وَيَحْتَاجُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا إلَى تَأَمُّلٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (وَإِنْ خَفِيَ) اللُّزُومُ حَتَّى احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ وَجَرَى فِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَشْرِطُونَ فِي الِالْتِزَامِيَّةِ اللَّازِمَ الْبَيِّنَ فَضْلًا عَنْهُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ بَلْ الثُّبُوتُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ احْتَاجَ إلَى تَأَمُّلٍ وَفِكْرٍ أَوْ لَا، وَأَنَّ الْمَعْنَى الْإِشَارِيَّ لَازِمٌ مُتَأَخِّرٌ لِمَعْنَى اللَّفْظِ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ يَحْتَاجُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَى تَأَمُّلٍ فَحِينَئِذٍ لَا إشَارَةَ إلَّا مَعَ عِبَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
(فَإِنْ لَمْ يُرِدْ) بِاللَّفْظِ (سِوَاهُ) أَيْ اللَّازِمِ (فَكَانَ) اللَّفْظُ فِي ذَلِكَ الْمُرَادِ (مَجَازًا) حِينَئِذٍ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ (لَزِمَ) أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى اللَّازِمِ (عِبَارَةً لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالسَّوْقِ) لَا إشَارَةً لِأَنَّ الْمَعْنَى الْإِشَارِيَّ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالسَّوْقِ أَصْلًا (وَكَذَا فِي الْجُزْءِ) أَيْ وَكَذَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي جُزْءِ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ سِوَاهُ حَتَّى كَانَ مَجَازًا فِيهِ لَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ إلَّا عِبَارَةً لِكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ بِالسَّوْقِ، وَالْمَعْنَى الْإِشَارِيُّ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ أَصْلًا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَذَا كُلُّ مَعْنًى مَجَازِيٍّ وَلَوْ كَانَ مَدْلُولَ الْإِشَارَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِيهِ صَارَ عِبَارَةً فِيهِ لِصَيْرُورَتِهِ مَقْصُودًا بِاللَّفْظِ اهـ فَتَنْفَرِدُ الْعِبَارَةُ عَنْ الْإِشَارَةِ (وَإِنْ دَلَّ) اللَّفْظُ (عَلَى حُكْمٍ مَنْطُوقٍ) أَيْ عَلَى كَوْنِهِ (لِمَسْكُوتٍ لِفَهْمِ مَنَاطِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (بِمُجَرَّدِ فَهْمِ اللُّغَةِ فَدَلَالَةٌ) أَيْ فَتِلْكَ الدَّلَالَةُ تُسَمَّى الدَّلَالَةَ، وَدَلَالَةَ النَّصِّ وَدَلَالَةَ مَعْنَى النَّصِّ لِفَهْمِهَا مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الدَّلَالَةُ مَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ لُغَةً لَا اسْتِنْبَاطًا فَخَرَجَ بِمَعْنَى النَّصِّ الْعِبَارَةُ وَالْإِشَارَةُ لِثُبُوتِهِمَا بِالنَّظْمِ، وَالْمَحْذُوفُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَذْكُورِ وَبِلُغَةِ الْمُقْتَضَى لِثُبُوتِهِ بِمَعْنَاهُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا وَبِ " لَا اسْتِنْبَاطًا ": الْقِيَاسُ إلَّا أَنَّ عِنْدِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَغَايُرِ الدَّلَالَةِ وَالْقِيَاسِ كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ مَشَايِخِنَا مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فَلِخُرُوجِهِ بِلُغَةِ اللَّهُمَّ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الْمَنَارِ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ لَهُ فِي الْمَنَارِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْقِيَاسِ كَمَا هُوَ قَوْلُ آخَرِينَ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي رِسَالَتِهِ وَاخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ وَسَمَّوْهَا قِيَاسًا جَلِيًّا فَظَاهِرٌ ثُمَّ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِلْقَطْعِ بِتَوَارُثِ ثُبُوتِ دَلَالَةِ النَّصِّ قَبْلَ شَرْعِيَّةِ الْقِيَاسِ حَتَّى قِيلَ: يَجِبُ حَمْلُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ قِيَاسٌ شَرْعِيٌّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَقْيِسَةِ وَإِنْ كَانَ الْمَقِيسُ مَعْلُومًا لُغَةً بِخِلَافِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَقْيِسَةِ وَقِيلَ النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ وَعِنْدِي فِيهِ
стр. 109
نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ بِالْقِيَاسِ.
وَيَصِحُّ بِدَلَالَةِ النَّصِّ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي تَحَقُّقِهَا بَيْنَ إنْ (كَانَ) الْمَسْكُوتُ (أَوْلَى) بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مَنَاطِهِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْكُوتُ أَوْلَى بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ مِنْهُ بِاعْتِبَارِ مَنَاطِهِ بَلْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ الْأَوْلَوِيَّةَ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لَهُ مَعَ رَدِّهِ (كَدَلَالَةِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ) فَإِنَّ الْمَعْنَى الْعِبَارِيَّ لَهُ تَحْرِيمُ خِطَابِ الْوَلَدِ لِلْوَالِدَيْنِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّبَرُّمِ وَالتَّضَجُّرِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمَقْصُودِ بِالنَّهْيِ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَهُوَ الْأَذَى وَتَثْبُتُ بِدَلَالَتِهِ حُرْمَةُ ضَرْبِهِمَا أَوْ شَتْمِهِمَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى مِنْ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ لَهُمَا نَظَرًا إلَى عِلَّةِ تَحْرِيمِهِ الْمَفْهُومَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ فَإِنَّ الْإِيذَاءَ فِيهِمَا فَوْقَ الْإِيذَاءِ بِالتَّأْفِيفِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِمْ: مَا ثَبَتَ بِمَعْنَى النَّصِّ الْمَعْنَى الَّذِي يُنْتَقَلُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اجْتِهَادٍ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ التَّلَفُّظِ بِأُفٍّ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْأَذَى لَا لِعَيْنِ أُفٍّ حَتَّى لَوْ كَانَ قَوْمٌ يَسْتَعْمِلُونَهُ لِنَوْعِ إكْرَامٍ أَوْ تَرَحُّمٍ لَا لِلْكَرَاهَةِ وَالتَّضَجُّرِ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ قَوْلِهِ، وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ.
وَسَيَأْتِي مِثَالُ مَا يَكُونُ السُّكُوتُ عَنْهُ مُسَاوِيًا لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فِي حُكْمِهِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي مَنَاطِهِ (وَأَمَّا) أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ (عَلَى مُجَرَّدِ لَازِمِ الْمَعْنَى كَدَلَالَةِ الضَّرْبِ عَلَى الْإِيلَامِ) مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ مَعْنَى النَّصِّ كَمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِفِعْلٍ بِصُورَةٍ مَعْقُولَةٍ وَهُوَ قَرْعُ جِسْمٍ بِآخَرَ وَمَعْنًى مَقْصُودٍ، وَهُوَ الْأَذَى (فَغَيْرُ مَشْهُورٍ) عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الضَّرْبِ قَدْ لَا يَكُونُ الْإِيلَامَ كَضَرْبِ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ تَصْفِيقًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِيلَامَ إذَا اُسْتُعْمِلَ بِآلَةِ التَّأْدِيبِ فِي مَحَلٍّ صَالِحٍ لَهُ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ أَوْ التَّعْذِيبِ نَعَمْ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِهِ عُرْفًا وَعَلَيْهِ تَتَخَرَّجُ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ (وَعَلَى مَسْكُوتٍ يَتَوَقَّفُ صِدْقُهُ عَلَيْهِ كَرَفْعِ الْخَطَأِ أَوْ صِحَّتُهُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ اقْتِضَاءً) أَيْ وَإِنْ دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ يَتَوَقَّفُ صِدْقُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ الْمَسْكُوتِ كَالْحَدِيثِ الْمُتَدَاوَلِ لِلْفُقَهَاءِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» فَإِنَّ صِدْقَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُقَدَّرٍ هُوَ حُكْمُ أَيْ رُفِعَ عَنْهُمْ حُكْمُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ لَمْ يُرْفَعَا عَنْهُمْ لِوُقُوعِهِمَا مِنْهُمْ بِخِلَافِ حُكْمِهِمَا الْأُخْرَوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ الْعُثُورِ بِرِوَايَتِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِمَعْنَاهُ أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصَفَّى أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنْبَأَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «رَفَعَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ تَسْوِيَةُ الْوَلِيدِ فَقَدْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَأَدْخَلَ بَيْنَ عَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ اهـ. قُلْت وَلَا ضَيْرَ وَإِنْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُعْرَفُ تَفَرَّدَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ اهـ وَعَلَّمَ عَلَيْهِ لِأَبِي دَاوُد فَقَدْ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَ عَلَيْهِ لِلسِّتَّةِ قُلْت إذَا قَالَ الْوَلِيدُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَوْ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَلَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ؛ لِأَنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ كَذَا بَيَّنَ، فَإِذَا قَالَ: حَدَّثَنَا فَهُوَ حُجَّةٌ اهـ فَإِنَّهُ هُنَا قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَّ عَلَى هَذَا لَمْ يَتِمَّ دَعْوَى تَفَرُّدِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَيْضًا فَتَنَبَّهْ لَهُ أَوْ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْكَلَامِ شَرْعِيًّا عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ:
أَعْتِقْ عَبْدَك عَنَى بِأَلْفٍ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَسْأَلَةٍ لِلْمُقْتَضَى وَأَحْكَامِهِ فَتِلْكَ الدَّلَالَةُ اقْتِضَاءٌ وَسُمِّيَتْ بِهِ لِطَلَبِ الْكَلَامِ لَهَا صِدْقًا أَوْ تَصْحِيحًا وَالِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ (وَالشَّافِعِيَّةُ قَسَّمُوهَا) أَيْ الدَّلَالَةَ الْوَضْعِيَّةَ (إلَى مَنْطُوقِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ عَلَى حُكْمٍ لِمَذْكُورٍ) سَوَاءٌ ذُكِرَ الْحُكْمُ كَفِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى حُكْمٍ مَذْكُورٍ، وَهُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ لِمَذْكُورٍ وَهُوَ الْغَنَمُ أَوَّلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) كَانَ الْحُكْمُ (غَيْرَ مَذْكُورٍ كَفِي السَّائِمَةِ مَعَ قَرِينَةِ الْحُكْمِ) الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ سَائِلٌ: أَفِي الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةُ أَمْ فِي السَّائِمَةِ؟ فَيَقُولُ الْمُجِيبُ: فِي
стр. 110
السَّائِمَةِ فَإِنَّ سُؤَالَهُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي الْجَوَابِ هُوَ الْحُكْمُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فِي السُّؤَالِ وَهُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ
(وَمَفْهُومُ دَلَالَتِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (لَا فِيهِ) أَيْ لَا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ (عَلَى حُكْمِ الْمَذْكُورِ) أَيْ عَلَى إثْبَاتِهِ (لِمَسْكُوتٍ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ) أَيْ أَوْ عَلَى نَفْيِ حُكْمٍ مَذْكُورٍ عَنْ مَسْكُوتٍ ثُمَّ الْمَنْطُوقُ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا مِنْ اللَّفْظِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ نُطْقًا خُصَّ بِاسْمِ الْمَنْطُوقِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ مُعَرَّفًا بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ كَوْنُهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الدَّلَالَةِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (وَقَدْ يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِسْمَانِ لِلْمَدْلُولِ) أَيْ يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ أَنَّ الْمَنْطُوقَ وَالْمَفْهُومَ وَصْفَا الْمَدْلُولِ لَا دَلَالَةُ اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ اهـ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لَهَا أَوْ مَجَازِيٌّ لَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هُنَا عِبَارَاتُهُمْ الْمُفِيدَةُ كَوْنُهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الْمَدْلُولِ كَقَوْلِ الْآمِدِيِّ الْمَنْطُوقُ مَا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ نُطْقًا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَالْمَفْهُومُ مَا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ.
[انْقِسَامِ دَلَالَةُ اللَّفْظ إلَى الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ]
(فَالدَّلَالَةُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَانَا مِنْ أَقْسَامِ الْمَدْلُولِ (دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ وَدَلَالَةُ الْمَفْهُومِ لِأَنْفُسِهِمَا) أَيْ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ (وَالْمَنْطُوقُ) قِسْمَانِ (صَرِيحٌ دَلَالَتُهُ) أَيْ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى دَلَالَةٌ نَاشِئَةٌ (عَنْ الْوَضْعِ) أَيْ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ (وَلَوْ تَضَمُّنًا) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ وَغَيْرِ صَرِيحِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ (عَلَى مَا يَلْزَمُ) مَا وُضِعَ لَهُ (وَيَنْقَسِمُ) غَيْرُ الصَّرِيحِ (إلَى مَقْصُودٍ) لِلْمُتَكَلِّمِ (مِنْ اللَّفْظِ فَيَنْحَصِرُ) فِي قِسْمَيْنِ بِالِاسْتِقْرَاءِ (فِي الِاقْتِضَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا) أَيْ السَّاعَةَ (وَالْإِيمَاءُ قِرَانُهُ) أَيْ اللَّفْظِ (بِمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ) أَيْ اللَّفْظُ بِمَعْنَى مَضْمُونِهِ (عِلَّةً لَهُ) أَيْ لِلْمَقْرُونِ بِهِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا (كَانَ) ذَلِكَ الْقِرَانُ (بَعِيدًا) مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَخُصُوصًا الشَّارِعَ، وَحَاصِلُهُ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ لَكَانَ قِرَانُهُ بِهِ بَعِيدًا فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيلِ دَفْعًا لِلِاسْتِبْعَادِ (وَيُسَمَّى تَنْبِيهًا كَقِرَانِ) قَوْلِهِ ﷺ (أَعْتِقْ بِوَاقَعْتُ) وَالْمَعْرُوفُ وَقَعْت فِي قَوْلِ سَائِلِهِ هَلَكْت وَقَعْت عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ كَمَا هُوَ هَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الْوِقَاعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْإِعْتَاقِ لَكَانَ تَرْتِيبُ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ بَعِيدًا، وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ ظَاهِرٌ ثُمَّ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَبْحَاثٌ تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْقِيَاسِ (وَغَيْرُ مَقْصُودٍ) لِلْمُتَكَلِّمِ مِنْ اللَّفْظِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ (وَهُوَ الْإِشَارَةُ وَيُقَالُ دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ وَكَذَا مَا قَبْلَهُ) وَهُوَ الْإِيمَاءُ يُقَالُ لَهُ دَلَالَةُ الْإِيمَاءِ (كَدَلَالَةِ مَجْمُوعِ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] أَنَّ أَقَلَّ) مُدَّةِ (الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَآيَةِ لَيْلَةِ الصِّيَامِ) أَيْ وَكَدَلَالَةِ مَجْمُوعِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ (عَلَى جَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ كَوْنِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَجَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا (مَقْصُودًا بِاللَّفْظِ بَلْ لَزِمَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَجْمُوعِ الْآيَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمِثَالَيْنِ
أَمَّا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لِبَيَانِ الْمُدَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ تَعَبِ الْوَالِدَةِ بِالْوَلَدِ وَهِيَ مُدَّتَا أَكْثَرِ الْحَمْلِ وَأَكْثَرِ الرَّضَاعِ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى حَقِّهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفِصَالَ وَإِنْ كَانَ الْفِصَامَ فَقَدْ عَبَّرَ بِهِ هُنَا عَنْ الرَّضَاعِ التَّامِّ الْمُنْتَهِي بِهِ كَمَا يُعَبَّرُ بِالْأَمَدِ عَنْ الْمُدَّةِ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ لِبَيَانِ أَنَّ فِطَامَهُ فِي انْقِضَاءِ عَامَيْنِ ثُمَّ لَزِمَ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا كَوْنُ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ كَوْنُ مُدَّةِ الرَّضَاعِ حَوْلَيْنِ مِنْ ثَلَاثُونَ شَهْرًا بَقِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَتَكُونُ هِيَ مُدَّةَ الْحَمْلِ ضَرُورَةً قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ - غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ -: وَلَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا تَوْقِيتًا لَهُمَا مَعًا عَلَى سَبِيلِ التَّبْغِيضِ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ سَنَتَانِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ " ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] " مُدَّةٌ لَهُمَا مَعًا، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَيَبْقَى مَا عَدَاهَا مُدَّةَ الرَّضَاعِ وَأَمَّا إذَا قِيلَ: إنَّهَا تَوْقِيتٌ لِكُلٍّ عَلَى حِدَةٍ كَمَا فِي لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَفِيزُ بُرٍّ إلَى سَنَةٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فَإِنَّ السَّنَةَ
следующие страницы →