← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21605

التقرير والتحبير على كتاب التحرير

ابن أمير حاج

Полный текст (1 005 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فِيهِ فَيَرْجِعُ لِلْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ ذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَظَهَرَ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الِاعْتِرَاضَ (لَيْسَ سُؤَالًا مُسْتَقِلًّا) بَلْ هُوَ إمَّا مُطَالَبَةٌ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ أَوْ مُعَاوَضَةٌ بِعِلَّةٍ أُخْرَى (فَتَرَكَهُ الْحَنَفِيَّةُ لِهَذَا وَلِمَا نَذْكُرُ ثُمَّ الْمُخْتَارُ أَنَّ الثَّالِثَ) عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالرَّابِعَ عَلَى قَوْلِهِمْ (مَرْدُودٌ إذَا اعْتَرَفَ الْمُسْتَدِلُّ بِطَرْدِيَّتِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِأَنَّهُ فِي كَوْنِهِ جُزْءَ الْعِلَّةِ كَاذِبٌ بِاعْتِرَافِهِ وَأَنَّهُ لَقَبِيحٌ وَقِيلَ لَا لِأَنَّ الْفَرْضَ اسْتِلْزَامُ الْحُكْمِ وَالْجُزْءُ إذَا اسْتَلْزَمَ فَالْكُلُّ مُسْتَلْزِمٌ قَطْعًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَغَيْرُ مَرْدُودٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ) الْمُسْتَدِلُّ بِطَرْدِيَّتِهِ (لِجَوَازِ غَرَضٍ صَحِيحٍ) لِلْمُسْتَدِلِّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ (أَنْ يَدْفَعَ) الْمُسْتَدِلُّ (النَّقْضَ الْمَكْسُورَ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ نَقْضُ بَعْضِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ عَلَى اعْتِبَارِ اسْتِقْلَالِهِ بِالْحِكْمَةِ أَيْ إيرَادِهِ عَلَيْهِ. (وَهُوَ) أَيْ إيرَادُهُ (أَصْعُبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ) مِنْ إيرَادِ النَّقْضِ الصَّرِيحِ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ عَدَمِ تَأْثِيرِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْوَصْفِ وَبَيَانَ نَقْضِ الْبَعْضِ الْآخَرِ وَفِي النَّقْضِ الصَّرِيحِ لَيْسَ إلَّا بَيَانُ الْوَصْفِ أَعْنِي ثُبُوتَهُ فِي صُورَةٍ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهَا فَرُبَّمَا يَعْجِزُ الْمُعْتَرِضُ عَنْ إيرَادِهِ الْأَصْعَبَ وَلَا يَعْجِزُ عَنْ إيرَادِهِ غَيْرَهُ وَقِيلَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ضَمَّهُ إلَى الْعِلَّةِ لَغْوٌ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِطَرْدِيَّتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ لَهُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَرَفَ فَافْتَرَقَا (وَلِلشَّافِعِيَّةِ بَعْدَهُ) أَيْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ (أَرْبَعَةٌ) مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُنَاسَبَةِ (الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ بِإِبْدَاءِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ) عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قَضَى عَلَى الْوَصْفِ بِالْمُنَاسَبَةِ (أَوْ مُسَاوِيَةٍ) لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ بِحَسَبِ الْإِفْضَاءِ مِنْ أَنَّ مُخْتَارَ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ انْخِرَامُ الْمُنَاسَبَةِ لِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ (وَجَوَابُهُ) أَيْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ (تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ إجْمَالًا) عَلَى الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُهَا لَزِمَ التَّعَبُّدُ الْبَاطِلُ (وَتَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ بِحَسَبِ الْإِفْضَاءِ (وَتَفْصِيلًا بِمَا فِي الْخُصُوصِيَّاتِ) أَيْ خُصُوصِيَّاتِ الْمَسَائِلِ مِنْ الرُّجْحَانِ كَهَذَا ضَرُورِيٌّ وَذَاكَ حَاجِيٌّ وَإِفْضَاءُ هَذَا قَطْعِيٌّ أَوْ أَكْثَرِيٌّ وَذَاكَ ظَنِّيٌّ أَوْ أَقَلِّيٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (مِثْلُ) أَنْ يُقَالَ فِي الْفَسْخِ فِي الْمَجْلِسِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ (وُجِدَ سَبَبُ الْفَسْخِ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ) أَيْ سَبَبُهُ (دَفْعُ الضَّرَرِ) عَنْ الْفَاسِخِ (فَيَثْبُتُ) الْفَسْخُ (فَيُعَارَضُ بِضَرَرِ الْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يَفْسَخْ (مَفْسَدَةً مُسَاوِيَةً فَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا) الْآخَرَ (يُجْلَبُ) بِاسْتِبْقَاءِ الْعَقْدِ (نَفْعًا وَذَاكَ) الْفَاسِخُ (يَدْفَعُ ضَرَرًا) عَنْ نَفْسِهِ بِالْإِمْضَاءِ (وَهُوَ) أَيْ دَفْعُ الضَّرَرِ (أَهَمُّ) لِلْعُقَلَاءِ وَلِذَلِكَ يَدْفَعُ كُلَّ ضَرَرٍ وَلَا يَجْلِبُ كُلَّ نَفْعٍ. (وَمِثْلُهُ) أَيْ هَذَا (التَّخَلِّي) أَيْ تَفْرِيغُ النَّفْسِ (لِلْعِبَادَةِ) النَّافِلَةِ (أَفْضَلُ مِنْ التَّزَوُّجِ لِمَا فِيهِ) أَيْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ (مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ فَيُعَارَضُ بِفَوَاتِ أَضْعَافِهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ (فِيهِ) أَيْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ مِنْهَا كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَغَضُّ الْبَصَرِ وَإِعْفَافُ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ وَإِيجَادُ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتُهُ وَتَوْسِعَةُ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَيَرْجَحُ) التَّزَوُّجُ لِمَا فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْمَصَالِحِ الَّتِي مِنْهَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَالتَّسَبُّبُ لِعِبَادَةِ شَخْصٍ آخَرَ وَتَرْكُ الْمَعَاصِي عَلَى التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعِبَادَةِ (فَيُرَجِّحُهَا) أَيْ مَصْلَحَةَ الْعِبَادَةِ (الْآخَرُ بِأَنَّهَا لِحِفْظِ الدِّينِ وَتِلْكَ) الْمَصَالِحُ الَّتِي فِي التَّزَوُّجِ (لِحِفْظِ النَّسْلِ) وَحِفْظُ الدِّينِ أَرْجَحُ مِنْ حِفْظِ النَّسْلِ (غَيْرَ) أَنَّهُ يَطْرُقُهُ (أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ حَالَةَ الِاعْتِدَالِ وَعَدَمَ الْخَشْيَةِ) لِلْوُقُوعِ فِي الزِّنَا فَلَا يَتِمُّ هَذَا التَّرْجِيحُ فَهَذَا أَوَّلُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْأَرْبَعَةِ (وَالْقَدْحُ فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْمَصْلَحَةِ) الْمَقْصُودَةِ (فِي شَرْعِهِ) أَيْ الْحُكْمِ لِذَلِكَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ (كَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ) لِلْمَحَارِمِ عَلَى التَّأْبِيدِ (لِلْحَاجَةِ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ) لِضَرُورَةِ الِاخْتِلَاطِ وَتَعَذُّرِ الْمَعَاشِ أَوْ تَعَسُّرِهِ إلَّا بِالتَّلَاقِي (إذْ يُفْضِي) التَّحْرِيمُ عَلَى التَّأْبِيدِ (إلَى دَفْعِ الْفُجُورِ) لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الطَّمَعَ الْمُفْضِيَ إلَى الْهَمِّ وَالنَّظَرَ الْمُفْضِيَ إلَى الْفُجُورِ (فَيُمْنَعُ) كَوْنُ التَّحْرِيمِ عَلَى التَّأْبِيدِ غَيْرُ مُفْضٍ إلَى الْفُجُورِ (بَلْ سَدُّ بَابِ الْعَقْدِ أَفْضَى) إلَى الْفُجُورِ (لِحِرْصِ النَّفْسِ عَلَى الْمَمْنُوعِ فَيُدْفَعُ) هَذَا الْمَنْعُ (بِأَنَّ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ يَمْنَعُ عَادَةً) مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ (إذْ يَصِيرُ) ذَلِكَ الِامْتِنَاعُ بِهَذَا السَّبَبِ (كَالطَّبِيعِيِّ) لِلْإِنْسَانِ فَلَا يَبْقَى الْمَحَلُّ مُشْتَهًى (أَصْلُهُ الْأُمَّهَاتُ) فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ تَحْرِيمِهِنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ صِرْنَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَهَذَا ثَانِي

стр. 912

الِاعْتِرَاضَاتِ الْأَرْبَعَةِ. (وَكَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا كَالرِّضَا) فِي الْعُقُودِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى (وَيُجَابُ بِضَبْطِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (بِظَاهِرٍ كَالصِّيغَةِ) أَيْ بِضَبْطِ الرِّضَا بِصِيَغِ الْعُقُودِ وَهَذَا ثَالِثُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْأَرْبَعَةِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْوَصْفِ (غَيْرَ مُنْضَبِطٍ كَالْحِكَمِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ وَهِيَ الْأَمْرُ الْبَاعِثُ مِنْ الْمَقَاصِدِ (وَالْمَصَالِحِ) أَيْ مَا يَكُونُ لَذَّةً أَوْ وَسِيلَةً إلَى لَذَّةٍ (كَالْحَرَجِ وَالزَّجْرِ لِأَنَّهَا) أَيْ الْحِكَمَ وَالْمَصَالِحَ (مَرَاتِبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعِلَّةِ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَلَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ الْقَدْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا (وَجَوَابُهُ بِإِبْدَاءِ الضَّابِطِ بِنَفْسِهِ) كَمَا يُقَالُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالْمَضَرَّةِ إنَّهُمَا مُنْضَبِطَانِ عُرْفًا (أَوْ) أَنَّ الْوَصْفَ (نِيطَ بِمُنْضَبِطٍ كَالسَّفَرِ) نِيطَ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ بِهِ (وَالْحَدِّ) نِيطَ الْقَدْرُ الْمُعْتَبَرُ فِي حُصُولِ الزَّجْرِ بِهِ وَهَذَا رَابِعُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْأَرْبَعَةِ (وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْحَنَفِيَّةُ لَا لِاخْتِصَاصِهَا بِالْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّ هَذَا) أَيْ انْتِفَاءَهَا (اتِّفَاقٌ بَلْ لِأَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ (انْتِفَاءُ لَوَازِمِ الْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ مُطْلَقًا) أَيْ بِأَيِّ مَسْلَكٍ كَانَ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي فَصْلِ الْعِلَّةِ. (وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ (يَتَّجِهُ إيرَادُهُ) أَيْ انْتِفَائِهَا (إذْ يُوجِبُ) انْتِفَاءُ لَازِمِهَا (انْتِفَاءَهَا) لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ (فَهُوَ) أَيْ انْتِفَاءُ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ (مَعْلُومٌ مِنْ الشُّرُوطِ) لَهَا (وَمَنْعُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (بَعْضَهَا) أَيْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ (وَهُوَ مَرْجِعُ الثَّانِي وَالرَّابِعِ) مِنْ مَنْعِ التَّأْثِيرِ (لِمَنْعِهِمْ الْمُعَارَضَةَ لِعِلَّةِ الْأَصْلِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) إذَا أَفْضَتْ النَّوْبَةُ إلَى الْكَلَامِ فِيهَا (وَذَكَرُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (مَنْعَ الشُّرُوطِ) لِلتَّعْلِيلِ وَصَحَّ فِيهَا لِأَنَّ شَرْطَ دَلِيلِ وُجُوبِ الْعَمَلِ سَابِقٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ ثُمَّ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ لَمْ يَشْتَرِطَا كَوْنَ الشَّرْطِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ (وَقَيَّدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ مَحَلَّهُ) أَيْ مَنْعِ الشَّرْطِ (بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ) فَقَالَ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ شَرْطٌ مِنْهَا وَهُوَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ عُدِمَ فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ (فَيَتَّجِهُ) الْمَنْعُ (عِنْدَ عَدَمِهِ) أَيْ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَيُفِيدُ مَنْعُهُ بُطْلَانَ التَّعْلِيلِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَأَمَّا إذَا مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَيَقُولُ الْمُعَلِّلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدِي فَلَا يَضُرُّ عَدَمُهُ فَحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ مَانِعَهُ شَرْطٌ أَمْ لَا فَيُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لَا إثْبَاتُ شَرْطِ الْقِيَاسِ قُلْت وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ شَرَطَ أَنْ يَمْنَعَ الشَّارِطُ وُجُوبَ شَرْطٍ هُوَ شَرْطٌ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْمُجِيبِ فَأَشَارَ إلَى أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ الْإِجْمَاعَ الْمُطْلَقَ هَذَا وَفِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ. وَمَعَ هَذَا لَوْ مَنَعَ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ إلْزَامِ الْمُعَلِّلِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الِانْتِقَالُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ اهـ قُلْت وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَكَلَامِ أَبِي زَيْدٍ وَالسَّرَخْسِيِّ فَإِنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْمَنْعِ الشَّرْطُ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَهُ وَهُمَا لَمْ يَنْفِيَاهُ وَمَحَلُّ جَوَازِ الْمَنْعِ عِنْدَهُمَا الشَّرْطُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِهَذَا الْقَيْدِ وَهُوَ لَمْ يَنْفِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْأَتْقَانِيِّ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِمَا كَوْنَ الشَّرْطِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي لِأَنَّ قَوْلَ الْمُجِيبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى السَّائِلِ فَيُثْبِتُ الْمُجِيبُ مَا ادَّعَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَقْبَلُهُ السَّائِلُ أَوْ يَسْكُتُ عَنْ إنْكَارِهِ يُوهِمُ أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ يُخَالِفُ هَذَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ وَقَدْ مَثَّلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ السَّلَمُ الْحَالُّ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ أَحَدُ عِوَضَيْ الْبَيْعِ فَيَجُوزُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا كَثَمَنِ الْمَبِيعِ فَيُقَالُ لَهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شُرُوطَ التَّعْلِيلِ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِهِ بِالِاتِّفَاقِ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ حُكْمُ النَّصِّ بَعْدَ التَّعْلِيلِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْأَصْلُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ وَقَدْ تَغَيَّرَ هُنَا لِأَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَوْجُودًا مَمْلُوكًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ وَالشَّرْعُ نَقَلَ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي الْبَيْعِ إلَى الْقُدْرَةِ الِاعْتِبَارِيَّةِ فِي السَّلَمِ بِذِكْرِ الْأَجَلِ فَصَارَ ذَلِكَ رُخْصَةَ نَقْلٍ إلَى خَلَفٍ فَلَوْ جَازَ السَّلَمُ حَالًّا لَصَارَ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ لَا إلَى خَلَفٍ فَكَانَ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ النَّصِّ وَالسَّلَمُ مَعْدُولٌ عَنْ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ. (رَابِعُهَا) أَيْ الْمُنُوعِ الْوَارِدَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ (النَّقْضُ وَتُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ الْمُنَاقَضَةُ وَهِيَ لِلْجَدَلِيِّينَ مَنْعُ مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الدَّلِيلِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ السَّنَدِ أَوْ لَا وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ السَّنَدَ مَا كَانَ الْمَنْعُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ وَلِلسَّنَدِ صِيَغٌ ثَلَاثٌ إحْدَاهَا لَا نُسَلِّمُ هَذَا لِمَ

стр. 913

لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَا ثَانِيَتُهَا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ كَذَا ثَالِثَتُهَا لَا نُسَلِّمُ كَيْفَ هَذَا وَالْحَالُ كَذَا (وَغَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ) أَيْ وَمَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعَيَّنَةٍ مِنْ الدَّلِيلِ (بِأَنْ يَلْزَمَ الدَّلِيلُ مَا يُفْسِدُهُ) أَيْ الدَّلِيلُ (فَيُفِيدُ) لُزُومُ ذَلِكَ لَهُ (بُطْلَانَ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الدَّلِيلِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَغَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ (النَّقْضُ الْإِجْمَالِيُّ وَرَدُّوا) أَيْ الْأُصُولِيُّونَ (النَّقْضَ) الْكَائِنَ عِنْدَهُمْ (إلَى مَنْعِ مُسْنَدٍ) وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ السَّنَدِ لَهُ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ (كَانَ) النَّقْضُ (مُعَارَضَةً قَبْلَ الدَّلِيلِ) وَهِيَ لَا تَكُونُ قَبْلَهُ (وَعَلَى هَذَا يَجِبُ) أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ (مُعَارَضَةً لَوْ) كَانَ (بَعْدَهُ) أَيْ الدَّلِيلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضَ (اسْتَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ) أَيْ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً (بِالتَّخَلُّفِ) أَيْ بِوُجُودِهِ فِي صُورَةٍ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهَا (وَيُجِيبُ الْآخَرُ) أَيْ الْمُسْتَدِلُّ (بِمَنْعِ وُجُودِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ وَيَسْتَدِلُّ الْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ (بَعْدَهُ) أَيْ مَنْعِ الْمُسْتَدِلِّ وُجُودَهَا فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ (أَوْ ابْتِدَاءً) أَيْ قَبْلَ مَنْعِ الْمُسْتَدِلِّ إيَّاهُ (فَانْقَلَبَ) الْمُعْتَرِضُ مُعَلِّلًا وَالْمُعَلِّلُ مُعْتَرِضًا. (وَقِيلَ لَا) يُقْبَلُ مِنْ الْمُعْتَرِضِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الْوَصْفِ إذَا مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَهُ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ (وَقِيلَ) لَا يُقْبَلُ (إنْ كَانَ) ذَلِكَ الْوَصْفُ (حُكْمًا شَرْعِيًّا) لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الِانْتِقَالُ الْمَمْنُوعُ وَإِلَّا فَنَعَمْ لِظُهُورِ تَتْمِيمِ الْمُعْتَرِضِ لِدَلِيلِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلَّةِ وَعَلَى بُطْلَانِ قِيَاسِ الْمُسْتَدِلِّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ السُّبْكِيُّ وَلَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ (وَقِيلَ) يُقْبَلُ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَادِحٌ أَقْوَى) مِنْ النَّقْضِ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَادِحٌ أَقْوَى مِنْهُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ غَصْبَ الْمَنْصِبِ وَالِانْتِقَالِ إنَّمَا يَنْفَعَانِ اسْتِحْسَانًا فَإِذَا وُجِدَ الْأَحْسَنُ لَمْ يَرْتَكِبْهُمَا وَإِلَّا فَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (وَلَيْسَتْ) هَذِهِ الْأَقْوَالُ (بِشَيْءٍ) قَوِيٍّ (فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِي الْأَصْلِ بِمَوْجُودٍ) أَيْ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ (فِي مَحَلِّ النَّقْضِ فَنَقَضَهَا) أَيْ الْمُعْتَرِضُ الْعِلَّةَ (فَمَنَعَ) الْمُسْتَدِلُّ (وُجُودَهَا) أَيْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ (فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ فَيَلْزَمُ إمَّا انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ أَوْ) انْتِقَاضُ (دَلِيلِهَا وَكَيْفَ كَانَ) اللَّازِمُ أَيْ انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ أَوْ دَلِيلِهَا (لَا تَثْبُتُ) الْعِلِّيَّةُ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ النَّقْضَ يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ مِنْ مِلْكٍ صَحِيحٍ (قُبِلَ) بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ عَدَمَ الِانْتِقَالِ فِيهِ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ نَقْضِ الْعِلَّةِ. (وَلَوْ نَقَضَ) الْمُعْتَرِضُ (دَلِيلَهَا) أَيْ الْعِلِّيَّةِ (عَيْنًا فَالْجَدَلِيُّونَ لَا يُسْمَعُ) هَذَا مِنْ الْمُعْتَرِضِ (لِسَلَامَةِ الْعِلَّةِ إذْ نَقَضُهُ) أَيْ دَلِيلِهَا الْمُعَيَّن (لَيْسَ نَقْضَهَا) أَيْ الْعِلَّةِ فَقَدْ انْتَقَلَ مِنْ نَقْضِهَا إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا (وَنَظَرَ فِيهِ) أَيْ فِي عَدَمِ سَمَاعِهِ وَالنَّاظِرُ ابْنُ الْحَاجِبِ (بِأَنَّ بُطْلَانَهُ) أَيْ دَلِيلِ الْعِلِّيَّةِ (بُطْلَانُهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (أَيْ عَدَمُ ثُبُوتِهَا إذْ لَا بُدَّ لَهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (مِنْ مَسْلَكٍ صَحِيحٍ وَهُوَ) أَيْ بُطْلَانُ الْعِلَّةِ (مَطْلُوبُهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِبُطْلَانِهَا عَدَمَ ثُبُوتِهَا (فَبُطْلَانُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يُوجِبُهُ) أَيْ بُطْلَانُهَا (لَكِنَّهُ) أَيْ بُطْلَانَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ (يُحْوِجُهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلَّ (إلَى الِانْتِقَالِ إلَى) دَلِيلٍ (آخَرَ لِإِثْبَاتِ الْأَوَّلِ) أَيْ الْعِلِّيَّةَ (وَيُجِيبُ) الْمُسْتَدِلُّ (أَيْضًا) عِوَضًا عَنْ مَنْعِ وُجُودِهَا (بِمَنْعِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ اتِّفَاقًا (وَلِلْمُعْتَرِضِ الدَّلَالَةُ) أَيْ إقَامَةُ الدَّلِيلِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ (فِي الْمُخْتَارِ) إذْ بِهِ يَحْصُلُ مَطْلُوبُهُ وَهُوَ إبْطَالُ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ وَقِيلَ نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ أَوْلَى مِنْ النَّقْضِ بِالْقَدْحِ وَإِلَّا سُمِعَ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ (وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ وُجُوبِ الِاحْتِرَاسِ عَنْ النَّقْضِ) عَلَى الْمُسْتَدِلِّ (فِي الِاسْتِدْلَالِ وَقِيلَ يَجِبُ) الِاحْتِرَاسُ مِنْهُ فَيَذْكُرُ قَيْدًا يُخْرِجُ مَحَلَّ النَّقْضِ لِئَلَّا تَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي. (وَقِيلَ) يَجِبُ (إلَّا فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ) وَهِيَ الصُّوَرُ الَّتِي يَنْتَفِي فِيهَا الْحُكْمُ وَتُوجَدُ الْعِلَّةُ أَيَّةَ كَانَتْ مِنْ الْعِلَلِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ وُرُودَ النَّقْضِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ لِأَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ كَانَ مُجَامِعًا لِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَا قِيَاسَ عَلَيْهِ وَلَا يُنَاقِضُ بِهِ (كَالْعَرَايَا

стр. 914

عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) إذَا وَرَدَتْ عَلَى الرِّبَوِيَّاتِ لِأَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ الْعَرَايَا بِمَا يَقْتَضِي وُرُودَهَا عَلَى كُلِّ الْمَذَاهِبِ سَوَاءٌ عُلِّلَ الرِّبَا بِالطُّعْمِ أَوْ الْقُوتِ أَوْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخِيلِ بِقَدْرِ كَيْلِهِ مِنْ التَّمْرِ خَرْصًا لَوْ جَفَّ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَيْسَتْ الْعَرِيَّةُ عِنْدَهُمْ إلَّا الْعَطِيَّةَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْمُعْرِي وَالْمُعْرَى بَيْعٌ حَقِيقِيٌّ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ (لَنَا أَنَّهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلَّ (أَتَمَّ الدَّلِيلَ إذْ انْتِفَاءُ الْمُعَارِضِ) لَهُ (لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ الدَّلِيلِ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِنَفْيِ الْمُعَارِضِ فَلَا يَلْزَمُهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الِاحْتِرَاسَ عَنْهُ بِذِكْرِ قَيْدٍ يُخْرِجُ مَحَلَّ النَّقْضِ (لَا يُفِيدُ) دَفْعَ الِاعْتِرَاضِ بِالنَّقْضِ (إذْ يَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ (الْقَيْدُ طَرْدٌ وَالْبَاقِي) بَعْدَهُ (مُنْتَقَضٌ وَهَذَانِ) أَيْ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَمَنْعُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ (دَفْعَانِ) لِتَحَقُّقِ النَّقْضِ (وَالْجَوَابُ الْحَقِيقِيُّ بَعْدَ الْوُرُودِ) أَيْ تَحَقُّقِهِ (بِإِبْدَاءِ الْمَانِعِ فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ وَهُوَ) أَيْ الْمَانِعُ (مُعَارَضٌ اقْتَضَى نَقِيضَ الْحُكْمِ) الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ (فِيهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ التَّخَلُّفِ كَنَفْيِ الْوُجُوبِ لِلْوُجُوبِ (أَوْ) اقْتَضَى (خِلَافَهُ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمُغَايِرُ الْوُجُودِيُّ غَيْرُ الْمُسَاوِي فَيَتَنَاوَلُ الضِّدَّ وَهَذَا الِاقْتِضَاءُ ( لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ كَالْعَرَايَا لَوْ أُورِدَتْ عَلَى الرِّبَوِيَّاتِ) لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ لَهُمْ وَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ ثَمَنٌ آخَرُ. (وَكَذَا الدِّيَةُ) أَيْ كَضَرْبِهَا (عَلَى الْعَاقِلَةِ) إذَا أُورِدَ (عَلَى الزَّجْرِ) لِلْقَاتِلِ بِسَبَبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا ( لِمَصْلَحَةِ أَوْلِيَائِهِ ) أَيْ الْمَقْتُولِ (مَعَ عَدَمِ تَحْمِيلِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ شَيْئًا مِنْهَا مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَتْلَ (لِلشَّافِعِيَّةِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِمْ لِأَنَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُؤَدِّي الْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ (أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ كَالِاضْطِرَارِ لَوْ وَرَدَ عَلَى تَعْلِيلِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ بِالِاسْتِقْذَارِ فَإِنَّهُ) أَيْ الِاضْطِرَارَ (اقْتَضَى خِلَافَهُ) أَيْ التَّحْرِيمِ (مِنْ الْإِبَاحَةِ) فَإِنَّ دَفْعَ هَلَاكِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ أَكْلِ الْقَاذُورَاتِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً بِظَاهِرٍ عَامٍّ (فَلَوْ كَانَتْ) الْعِلَّةُ (مَنْصُوصَةً بِ) ظَاهِرٍ (عَامٍّ) لَا يَجِبُ إبْدَاءُ الْمَانِعِ بِعَيْنِهِ بَلْ (وَجَبَ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ وَتَخْصِيصُهُ) أَيْ الظَّاهِرِ الْعَامِّ (بِغَيْرِ مَحَلِّ النَّقْضِ) جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ (وَهَذَا) أَيْ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّ النَّقْضِ (إذَا كَانَ النَّصُّ عَلَى اسْتِلْزَامِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ الْحُكْمَ (فِي الْمَحَالِّ لَا عَلَى عِلِّيَّتِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِيهَا) أَيْ الْمَحَالِّ (إذْ لَا تَنْتَفِي عِلِّيَّتُهَا بِالْمَانِعِ أَوْ) كَانَتْ مَنْصُوصَةً (بِخَاصٍّ فِيهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ (وَجَبَ تَقْدِيرُهُ) أَيْ الْمَانِعِ (فَقَطْ وَالْحُكْمُ بِعِلِّيَّتِهَا فِيهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ (أَمَّا مَانِعُو تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَبِعَدَمِ وُجُودِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ أَيْ يُجِيبُونَ بِهَذَا بَدَلَ إبْدَاءِ الْمَانِعِ (إذْ هِيَ) أَيْ الْعِلَّةُ (الْبَاعِثَةُ) عَلَى الْحُكْمِ (مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ الْمَانِعِ (فَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الْمَانِعِ (شَرْطُ عِلِّيَّتِهَا وَغَيْرُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لِتَخْصِيصِهَا وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ عَدَمُ الْمَانِعِ (شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَتَقَدَّمَ) فِي الْمَرْصَدِ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ (مَا فِيهِ) أَيْ هَذَا الْبَحْثِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْهُ. (وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ) قَالُوا (لَا يُمْكِنُ دَفْعُ النَّقْضِ عَنْ الطَّرْدِيَّةِ) لِأَنَّهُ يُبْطِلُهَا حَقِيقَةً (إذْ الِاطِّرَادُ لَا يَبْقَى بَعْدَ النَّقْضِ) كَمَا يُفِيدُهُ عِبَارَةُ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَصَاحِبِ الْكَشْفِ وَهِيَ أَيْ الْمُنَاقَضَةُ تُلْجِئُ أَصْحَابَ الطَّرْدِ إلَى الْقَوْلِ بِالْأَثَرِ لِأَنَّ الطَّرْدَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجِيبُ لَمَّا انْتَقَضَ بِمَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ مِنْ النَّقْضِ لَا يَجِدُ الْمُجِيبُ بُدًّا مِنْ الْمَخْلَصِ عَنْهُ إلَّا بِبَيَانِ الْفَرْقِ وَعَدَمِ وُرُودِهِ نَقْضًا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعُدُولِ عَنْ ظَاهِرِ الطَّرْدِ إلَى بَيَانِ الْمَعْنَى وَهَذَا إنْ لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ انْقِطَاعًا أَوْ سَامَحَهُ السَّائِلُ وَلَمْ يُنَاقِشْهُ فِي الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ الْفَرْقِ وَالتَّأْثِيرِ فَأَمَّا إذَا جُعِلَ انْقِطَاعًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ وَلَمْ يُسَامِحْهُ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ احْتَجَجْت عَلَيَّ بِاطِّرَادِ هَذَا الْوَصْفِ وَقَدْ انْتَقَضَ ذَلِكَ بِمَا أَوْرَدْته فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةً فَلَا يَنْفَعُهُ بَيَانُ التَّأْثِيرِ وَالشُّرُوعُ فِي الْفَرْقِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِقَالٌ عَنْ حُجَّةٍ هِيَ الطَّرْدُ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ التَّأْثِيرُ لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ فَيَضْطَرُّ إلَى التَّمَسُّكِ بِالتَّأْثِيرِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الطَّرْدِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ الْمَجَالِسِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ إمْكَانِ دَفْعِ النَّقْضِ عَنْهَا (بَعْدَ كَوْنِهِ عَلَى) تَقْدِيرِ (النَّقْضِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعُرِفَ مَا فِيهِ) حَيْثُ قَالَ سَالِفًا وَعَلَى الطَّرْدِيَّةِ تَرِدُ مَعَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا بِهِ وَدُفِعَ بِأَنَّ الْإِيرَادَ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ الْعِلِّيَّةَ لِإِنْكَارِ

стр. 915

ظَنِّهِ لَا عَلَى الشَّرْعِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَخْ (بِنَاءً عَلَى قَصْرِ الطَّرْدِيَّةِ عَلَى مَا) يُكْتَفَى فِيهَا (بِالدَّوَرَانِ) أَيْ بِمُجَرَّدِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا فَقَطْ أَوْ عَدَمًا (وَلَا وَجْهَ لَهُ) أَيْ لِقَصْرِهَا عَلَى مَا بِالدَّوَرَانِ (بَلْ) الطَّرْدِيَّةُ هِيَ (غَيْرُ الْمُؤَثِّرَةِ) فَتَعُمُّ الْمُنَاسِبَ وَالْمُلَائِمَ بِاصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ. (وَعَلَى) تَقْدِيرِ (الْوُرُودِ) لِلنَّقْضِ عَلَى الطَّرْدِيَّةِ لِجَوَازِهِ كَمَا سَلَفَ (يُحْوِجُ) وُرُودُهُ (إلَى التَّأْثِيرِ كَطَهَارَةٍ) أَيْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْوُضُوءُ طَهَارَةٌ (فَيَشْتَرِطُ لَهَا النِّيَّةَ كَالتَّيَمُّمِ فَيُنْقَضُ بِغَسْلِ الثَّوْبِ) مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَا يَشْتَرِطُ فِيهِ النِّيَّةَ (فَيُفَرَّقُ) بَيْنَهُمَا (بِأَنَّهَا) أَيْ الطَّهَارَةَ الَّتِي هِيَ الْوُضُوءُ طَهَارَةٌ (غَيْرُ مَعْقُولَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي مَحَلِّهَا نَجَاسَةٌ (فَكَانَتْ مُتَعَبَّدًا بِهَا فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى التَّعَبُّدِ إذْ الْعِبَادَةُ لَا تُنَالُ بِدُونِ النِّيَّةِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ غَسْلِ الثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ (لِعَقْلِيَّةِ قَصْدِ الْإِزَالَةِ) لِلنَّجَاسَةِ بِهِ لَا لِتَحْقِيقِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ (وَبِالِاسْتِعْمَالِ) لِلْمَائِعِ الْقَالِعِ الطَّاهِرِ فِيهِ (تَحْصُلُ) الْإِزَالَةُ (فَلَمْ يَفْتَقِرْ) غَسْلُهُ إلَى النِّيَّةِ وَتَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْفَرْعِ مَا يَدْفَعُ هَذَا عَنْ الْحَنَفِيِّ (وَأَمَّا) الْعِلَلُ (الْمُؤَثِّرَةُ فَتَقَدَّمَ صِحَّةُ وُرُودِ النَّقْضِ عَلَيْهَا) بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الْمُجِيبِ كَوْنَهَا عِلَّةً مُؤَثِّرَةً لَا عَلَى كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَحَيْثُ وَرَدَ) النَّقْضُ صُورَةً عَلَيْهَا وَكَانَ مِنْ مُفْسِدَاتِهَا كَمَا هُوَ الْحَقُّ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْحُكْمِ لَا يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ عَنْهَا إلَّا لِمَانِعٍ أَوْ زَوَالِ شَرْطٍ فَقَدْ (دُفِعَ بِأَرْبَعٍ إبْدَاءِ عَدَمِ الْوَصْفِ) فِي صُورَةِ النَّقْضِ (كَخَارِجٍ نَجِسٍ) أَيْ كَمَا يُقَالُ فِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ إنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ (مِنْ الْبَدَنِ فَحَدَثٌ كَمَا فِي السَّبِيلَيْنِ فَيُنْقَضُ بِمَا لَمْ يَسِلْ) مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ مَعَ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ مِنْ الْبَدَنِ (فَيُدْفَعُ) النَّقْضُ بِهِ (بِعَدَمِ الْخُرُوجِ) فِي الْقَلِيلِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْخُرُوجَ (بِالِانْتِقَالِ) مِنْ مَكَان بَاطِنٍ إلَى مَكَان ظَاهِرٍ وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي غَيْرِ السَّائِلِ بَلْ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ بِزَوَالِ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لَهَا ثُمَّ هُوَ لَيْسَ بِنَجِسٍ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ظُهُورُ الْقَلِيلِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَانْتَفَى الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ (وَمِلْكُ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ) لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ (عِلَّةُ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ لِلْغَاصِبِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ (فَيُنْقَضُ بِالْمُدَبَّرِ) فَإِنَّ غَصْبَهُ سَبَبُ الْمِلْكِ بَدَّلَهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَمَعَ هَذَا لَا يَمْلِكُ الْغَاصِبُ الْمُبْدَلَ وَلَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ (فَيُمْنَعُ مِلْكُ بَدَلِهِ) أَيْ الْمَغْصُوبِ (بَلْ) هُوَ (بَدَلُ الْيَدِ) لِأَنَّ ضَمَانَهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ بَلْ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ مِلْكِ الْبَدَلِ زَوَالُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَكَانَ عَدَمُ الْحُكْمِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ مِلْكُ رَقَبَةِ الْمُدَبَّرِ لِلْغَاصِبِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ وَهِيَ كَوْنُ الْغَصْبِ سَبَبَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَهَذَا أَحَدُ الطُّرُقِ الدَّافِعَةِ لِلنَّقْضِ مَعَ التَّمْثِيلِ لَهُ (وَيُمْنَعُ وُجُودُ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَ) الْوَصْفُ (عِلَّةً) وَذَلِكَ الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلَّةِ كَالثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْصُوصِ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَصْفَ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ (فَيَنْتَفِي) وُجُودُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مَعْنًى. (وَإِنْ وُجِدَ) الْمَعْنَى (صُورَةً كَمَسْحٍ) أَيْ كَمَا يُقَالُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحٌ (فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَيَنْتَقِضُ بِالِاسْتِنْجَاءِ) بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ مَسْحٌ وَالْعَدَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْنُونًا فِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَقَعُ تَثْلِيثُهُ سُنَّةً بِالْإِجْمَاعِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ (فَيُمْنَعُ فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِنْجَاءِ (الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ) الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ (التَّطْهِيرُ الْحُكْمِيُّ) لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ تَطْهِيرٌ حَقِيقِيٌّ (وَلَهُ) أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ الْمَسْحَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ (لَمْ يُسَنَّ) التَّكْرَارُ فِيهِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّكْرَارَ (لِتَأْكِيدِ التَّطْهِيرِ الْمَعْقُولِ) الْمَعْنَى وَهُوَ غَسْلُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ (لِتَحَقُّقِ الْإِزَالَةِ) وَتَأَكُّدِهَا بِهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّطْهِيرُ الْمَعْقُولُ الْمَعْنَى ثَابِتٌ (فِي الِاسْتِنْجَاءِ) لِأَنَّهُ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ (دُونَهُ) أَيْ مَسْحِ الرَّأْسِ (كَمَا فِي التَّيَمُّمِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَطْهِيرٌ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى وَلِهَذَا كَانَ الْغَسْلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَفْضَلَ بِخِلَافِهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَلَوْ أَحْدَثَ بِالرِّيحِ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةً ثُمَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لِلْمَسْحِ مِمَّا يُشِيرُ إلَى هَذَا لِأَنَّهُ

стр. 916

الْإِصَابَةُ وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ التَّخْفِيفِ. هَذَا وَفِي التَّلْوِيحِ وَمَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ سُنِّيَّةِ التَّثْلِيثِ كَرَاهَتَهُ لِئَلَّا يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيُعَلَّلَ وَهَذَا ثَانِي الطُّرُقِ الدَّافِعَةِ لِلنَّقْضِ مَعَ مِثَالِهِ (وَيُمْنَعُ التَّخَلُّفُ) لِلْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَالْقَوْلُ بِتَحَقُّقِ الْحُكْمِ فِيهَا (كَمَا إذَا نُقِضَ) الْمِثَالُ (الْأَوَّلُ) لِإِبْدَاءِ عَدَمِ الْوَصْفِ (بِالْجُرْحِ السَّائِلِ) فَإِنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مَوْجُودٌ فِيهِ بِدُونِ الْحَدَثِ (فَيُمْنَعُ كَوْنُهُ) أَيْ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فِيهِ (لَيْسَ حَدَثًا بَلْ هُوَ) حَدَثٌ (وَتَأَخَّرَ حُكْمُهُ) الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ (إلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ) عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِهِ (أَوْ الْفَرَاغِ) مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ النَّوَافِلِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِهِ (ضَرُورَةَ الْأَدَاءِ) لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَدَائِهَا فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا وَلَا قُدْرَةَ إلَّا بِسُقُوطِ حُكْمِ الْحَدَثِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (وَلِذَا) أَيْ تَأَخَّرَ حُكْمُهُ إلَى مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ (لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ) أَيْ صَاحِبِ الْجُرْحِ السَّائِلِ (خُفَّهُ إذَا لَبِسَهُ فِي الْوَقْتِ مَعَ السَّيَلَانِ) أَوْ كَانَ السَّيَلَانُ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ اللُّبْسِ (بَعْدَ خُرُوجِهِ) أَيْ الْوَقْتِ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ يَصِيرُ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ إذْ خُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ إجْمَاعًا وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَّصِلُ بِالسَّبَبِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَانِعٍ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْوُضُوءُ وَاللُّبْسُ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ بَعْدَ الْوَقْتِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ لِعَدَمِ صَيْرُورَتِهِ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَيْهِمَا وَهَذَا ثَالِثُ الطُّرُقِ الدَّافِعَةِ لِلنَّقْضِ مَعَ مِثَالِهِ. قُلْت وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِمَعْنَى هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ الدَّفْعِ فَمِنْ الْعَجَبِ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكَشْفِ إنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ مُجَوِّزِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ لِمَانِعٍ لَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ كَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ كَذَلِكَ وَلَا تَخْصِيصَ لِلْعِلَّةِ بِدُونِ وُجُودِهَا وَانْتِفَاءِ حُكْمِهَا لِمَانِعٍ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (وَبِالْغَرَضِ) الْمَطْلُوبِ بِالتَّعْلِيلِ (فَيَقُولُ) الْمُسْتَدِلُّ (فِي الْمِثَالِ) الْأَوَّلِ لِإِبْدَاءِ عَدَمِ الْوَصْفِ (غَرَضِي بِهَذَا التَّعْلِيلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ وَغَيْرِهِ فِي كَوْنِهِمَا) أَيْ الْخَارِجِ مِنْهُ وَالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ (حَدَثًا وَإِذَا لَزِمَا) أَيْ اسْتَمَرَّا (صَارَ عَفْوًا) بِأَنْ يَسْقُطَ حُكْمُهُمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَرُورَةَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ (فَإِنَّ الْبَوْلَ) الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ (كَذَلِكَ) أَيْ إذَا دَامَ يَصِيرُ عَفْوًا لِهَذَا الْمَعْنَى (فَوَجَبَ فِي الْفَرْعِ) أَيْ الْجُرْحِ السَّائِلِ (مِثْلُهُ) أَيْ إذَا دَامَ يَصِيرُ عَفْوًا لِهَذَا الْمَعْنَى وَإِلَّا لَكَانَ الْفَرْعُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَكَذَا الْحُكْمُ وَكَمَا أَنَّ ظُهُورَ الْحُكْمِ قَدْ يَتَأَخَّرُ فِي الْفَرْعِ فَكَذَا فِي الْأَصْلِ فَالتَّسْوِيَةُ حَاصِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وَهَذَا رَابِعُ الطُّرُقِ الدَّافِعَةِ لِلنَّقْضِ مَعَ مِثَالِهِ (وَحَاصِلُ الثَّانِي الِاسْتِدْلَال عَلَى انْتِفَائِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (إذْ هِيَ) أَيْ الْعِلَّةُ (بِمَعْنَاهَا لَا بِمُجَرَّدِ صُورَتِهَا) وَالرَّابِعُ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ رَاجِعٌ إلَى مَنْعِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْمُنَاقِضَ يَدَّعِي أَمْرَيْنِ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ وَانْتِفَاءَ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهُ إلَّا بِمَنْعِ أَحَدِهِمَا وَإِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ الدَّفْعُ لِلنَّقْضِ بِأَحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ فَقَدْ بَطَلَتْ. (وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ نَقْضَ الْحِكْمَةِ وَيُسَمُّونَهُ كَسْرًا وَتَقَدَّمَ) فِي الْمَرْصَدِ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ (الْخِلَافُ فِي قَبُولِهِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ) عِنْدَ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ (قَبُولُهُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِرُجْحَانِ) الْحِكْمَةِ (الْمَنْقُوضَةِ) فِي مَحَلِّ النَّقْضِ عَلَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ (أَوْ مُسَاوَاتِهَا) أَيْ الْمَنْقُوضَةِ لَهَا إلَّا أَنَّ شَرْعَ حُكْمٍ آخَرَ أَلْيَقُ بِهَا فَيُسْمَعُ حِينَئِذٍ (وَحَقَّقْنَا ثَمَّةَ خِلَافَهُ) أَيْ هُوَ الْمُخْتَارُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ وَإِنْ عَلِمَ رُجْحَانَ الْمَنْقُوضَةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِسُكُوتِ بِكْرٍ زَانِيَةٍ اُشْتُهِرَ زِنَاهَا وَإِنْ كَانَ حَيَاؤُهَا أَكْثَرَ مِنْ حَيَاءِ بِكْرٍ لَمْ تَزْنِ (ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ هُنَا) أَيْ فِي الْكَسْرِ (عَلَى تَقْدِيرِ سَمَاعِهِ) أَيْ الْكَسْرِ (أَظْهَرُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَنْعِ وُجُودِهَا (فِي النَّقْضِ) لِأَنَّ قَدْرَ الْحِكْمَةِ مُتَفَاوِتٌ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَا هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ بِخِلَافِ نَفْسِ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ وَمَنْعُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ هُنَا قَدْ يُدْفَعُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ هُوَ أَوْلَى بِالْحِكْمَةِ ثُمَّ حَيْثُ يُسْمَعُ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي النَّقْضِ مِنْ أَنَّهُ يُجَابُ بِأَجْوِبَةٍ ثَلَاثَةٍ مِمَّا مَضَى بِمَنْعِ وُجُودِ الْمَعْنَى فِي صُورَةِ النَّقْضِ أَوَّلًا وَبِمَنْعِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهَا كَيْ لَا يَتَحَقَّقَ ثَانِيًا

стр. 917

وَبِإِبْدَاءِ الْمَانِعِ فِيهَا إذَا تَحَقَّقَ ثَالِثًا وَحِينَئِذٍ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ الْمَاضِيَةُ وَعَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ فِيهِ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ وَهَلْ يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْكَسْرِ فِي مَتْنِ الِاسْتِدْلَالِ؟ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ هَذَا وَقَدَّمْنَا مُرَادَ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ بِالْكَسْرِ وَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ. (خَامِسُهَا) أَيْ الْمُنُوعِ الْمُورَدَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ (فَسَادُ الْوَضْعِ) وَهُوَ (أَخَصُّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ مِنْ وَجْهٍ إذْ قَدْ يَجْتَمِعُ ثُبُوتُ اعْتِبَارِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ فَسَادُ الْوَضْعِ (مَعَ مُعَارَضَةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ) لِذَلِكَ الَّذِي هُوَ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ (وَلَا يَخْفَى الْآخَرَانِ) أَيْ انْفِرَادُ ثُبُوتِ اعْتِبَارِهَا فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ عَنْ كَوْنِ الْقِيَاسِ مُعَارَضًا بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَبِالْعَكْسِ وَقِيلَ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فَقَطْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا لِفَسَادٍ فِي وَضْعِهِ وَتَرْكِيبِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لِصِحَّتِهِ بَلْ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ فَقَطْ فَعَلَى هَذَا كُلُّ فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَيَكُونُ فَاسِدُ الْوَضْعِ أَخَصَّ مُطْلَقًا مِنْ فَاسِدِ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيِّ وَقِيلَ هُمَا وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَيُفَارِقُ) فَسَادُ الْوَضْعِ (النَّقْضَ بِتَأْثِيرِهِ) أَيْ الْوَصْفِ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ (فِي النَّقِيضِ) فَإِنَّ الْوَصْفَ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ النَّقِيضَ بِخِلَافِ النَّقْضِ فَإِنَّهُ لَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِثُبُوتِهِ بِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ النَّقِيضُ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ (وَ) يُفَارِقُ (الْقَلْبَ بِكَوْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ يُثْبِتُ نَقِيضَ الْحُكْمِ (بِأَصْلٍ آخَرَ) وَفِي الْقَلْبِ يُثْبِتُ نَقِيضَ الْحُكْمِ بِأَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ. (وَ) يُفَارِقُ (الْقَدْحَ فِي الْمُنَاسَبَةِ بِمُنَاسَبَتِهِ) أَيْ الْوَصْفِ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ (نَقِيضَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ) إمَّا مُنَاسِبٌ لِنَقِيضِهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِفْضَاءُ إلَى الْمَصْلَحَةِ (إذَا كَانَ) التَّنَاسُبُ (مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ التَّنَاسُبِ لِلْحُكْمِ فَتَكُونُ مُنَاسَبَتُهُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ وَالْحُكْمِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ (بِخِلَافِهِ) أَيْ مَا إذَا كَانَ التَّنَاسُبُ لِلنَّقِيضِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ التَّنَاسُبِ لِلْحُكْمِ (إذَا كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْوَصْفِ (جِهَتَانِ) يُنَاسِبُ بِإِحْدَاهُمَا الْحُكْمَ وَبِالْأُخْرَى نَقِيضَهُ (كَكَوْنِهِ) أَيْ الْمَحَلِّ (مُشْتَهًى) لِلنُّفُوسِ (يُنَاسِبُ الْإِبَاحَةَ) لِنِكَاحِهِ (لِدَفْعِ الْحَاجَةِ وَالتَّحْرِيمَ لِقَطْعِ الطَّمَعِ) فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْمُنَاسَبَةِ حِينَئِذٍ لِجَوَازِ تَعْلِيلِ الضِّدَّيْنِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ بِشَرْطَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ إذْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ عِلَّةُ هَذَا غَيْرُ عِلَّةِ ذَلِكَ وَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ ثُبُوتَ النَّقِيضِ مَعَ الْوَصْفِ نَقْضٌ فَإِنْ زِيدَ ثُبُوتُ النَّقِيضِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَفَسَادُ الْوَضْعِ وَإِنْ زِيدَ عَلَى الْفَسَادِ كَوْنُهُ بِهِ فِي أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ فَقَلْبٌ وَأَمَّا بِدُونِ ثُبُوتِ النَّقِيضِ مَعَ الْوَصْفِ فِي أَصْلٍ فَالْمُنَاسَبَةُ فَإِنْ نَاسَبَتْ الْحُكْمَ وَنَقِيضَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ قَدْحًا فِيهَا وَمِنْ جِهَتَيْنِ لَا (مِثَالُهُ) أَيْ فَسَادِ الْوَضْعِ قَوْلُ الْقَائِلِ فِي التَّيَمُّمِ (مَسْحٌ فَيُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَالِاسْتِنْجَاءِ فَيُرَدُّ) أَنْ يُقَالَ الْمَسْحُ لِإِثْبَاتِ التَّكْرَارِ فَاسِدُ الْوَضْعِ إذْ الْمَسْحُ (مُعْتَبَرٌ فِي كَرَاهَتِهِ) أَيْ التَّكْرَارِ (كَالْخُفِّ) فَإِنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ يُكْرَهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَجَوَابُهُ) أَيْ هَذَا الْمَنْعِ (بِالْمَانِعِ) أَيْ بِبَيَانِ وُجُودِ الْمَانِعِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْخُفِّ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمُعْتَرِضِ أَيْ بِذِكْرِ (فَسَادِهِ) أَيْ إنَّمَا كُرِهَ التَّكْرَارُ فِي الْخُفِّ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلتَّلَفِ (وَ) مِثَالُهُ (لِلْحَنَفِيَّةِ إضَافَةُ الشَّافِعِيِّ الْفُرْقَةَ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إذَا أَسْلَمَتْ وَأَبَى (إلَى إسْلَامِ الزَّوْجَةِ) فَإِنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِسْلَامَ (اُعْتُبِرَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ) كَمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ السَّالِفِ فِي بَحْثِ التَّأْثِيرِ قُلْت وَهَذَا مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ فَسَادُ الْوَضْعِ وَالِاعْتِبَارِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (فَالْوَجْهُ) إضَافَةُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا (إلَى إبَائِهِ) أَيْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِإِضَافَةِ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَهُوَ رَأْسُ أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ثَمَّةَ أَيْضًا (وَكَقَوْلِهِ) أَيْ الشَّافِعِيِّ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ أَنَّهَا الطُّعْمُ إذْ (الْمَطْعُومُ ذُو خَطَرٍ) أَيْ عِزَّةٍ وَشَرَفٍ لِتَعَلُّقِ قِوَامِ النَّفْسِ وَبَقَاءِ الشَّخْصِ بِهِ وَالْحُرْمَةُ لِلشَّيْءِ تُشْعِرُ بِتَضْيِيقِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَهُوَ أَمَارَةُ الْخَطَرِ لِأَنَّ مَا ضَاقَ إلَيْهِ الْوُصُولُ عَزَّ فِي الْأَعْيُنِ إذَا أُصِيبَ وَإِذَا اتَّسَعَ

стр. 918

الْوُصُولُ إلَيْهِ هَانَ فِي الْأَعْيُنِ (فَيُزَادُ فِيهِ) أَيْ فِي تَمَلُّكِهِ (شَرْطُ التَّقَابُضِ) إظْهَارًا لِلْخَطَرِ كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْتِيلَاءً عَلَى مَحَلٍّ ذِي خَطَرٍ لِتَعَلُّقِ بَقَاءِ النَّوْعِ بِهِ شُرِطَ لِجَوَازِهِ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَهُوَ حُضُورُ الشُّهُودِ (فَيُرَدُّ اعْتِبَارُ مِسَاسِ الْحَاجَةِ) إلَى الشَّيْءِ إنَّمَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا (فِي التَّوْسِعَةِ) وَالْإِطْلَاقِ لَا فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّضْيِيقِ بِدَلِيلِ حِلِّ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَجَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ بِتَسْهِيلِ طَرِيقِ الْوُصُولِ إلَى كُلِّ مَا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَمَسَّ كَالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى الْحُرِّ وَالْحُرِّيَّةُ تُنْبِئُ عَنْ الْخُلُوصِ وَالْخُلُوصُ يَمْنَعُ وُرُودَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ نَوْعُ رِقٍّ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمَ وَلَكِنْ ثَبَتَ الْحِلُّ بِعَارِضِ الْحَاجَةِ إلَى بَقَاءِ النَّسْلِ وَمَا ثَبَتَ بِالْعَارِضِ يَجُوزُ تَوَقُّفُهُ عَلَى أَشْيَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَصْلَ فَظَهَرَ أَنَّ فِي تَرْتِيبِ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي تَمَلُّكِ الْمَطْعُومِ عَلَى كَوْنِهِ ذَا خَطَرٍ فَسَادَ الْوَضْعِ لِأَنَّهُ نَقِيضُ مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالتَّيْسِيرِ ثُمَّ هَذَا الْمَنْعُ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ بِكُلِّيَّتِهَا وَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِتَغْيِيرِ الْكَلَامِ فَهُوَ فَوْقَ النَّقْضِ. (سَادِسُهَا الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ) وَهِيَ (أَنْ يُبْدِيَ) الْمُعْتَرِضُ (فِيهِ وَصْفًا آخَرَ صَالِحًا) لِلْعِلِّيَّةِ (يَحْتَمِلُ أَنَّهُ) وَحْدَهُ (الْعِلَّةُ) وَأَنْ يَكُونَ هُوَ مَعَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِقَسِيمِهِ أَعْنِي (أَوْ) أَنَّهُ (مَعَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ) الْعِلَّةَ (فَالْأَوَّلُ) أَيْ إبْدَاءُ الْوَصْفِ الْآخَرِ الصَّالِحِ لِلْعِلِّيَّةِ الْمُحْتَمِلِ أَنَّهُ الْعِلَّةُ أَوْ أَنَّهُ مَعَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ الْعِلَّةُ (مُعَارَضَةُ الطُّعْمِ بِالْقُوتِ أَوْ الْكَيْلِ) أَيْ مُعَارَضَةُ الْمُعْتَرِضِ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ حُرْمَةَ الرِّبَا بِالطُّعْمِ بِأَحَدِهِمَا إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقُوتُ أَوْ الْكَيْلُ هُوَ الْعِلَّةُ وَحْدَهُ أَوْ الْعِلَّةُ مَجْمُوعُ الطُّعْمِ وَالْقُوتِ أَوْ مَجْمُوعُ الطُّعْمِ وَالْكَيْلِ (وَالثَّانِي) أَيْ إبْدَاءُ الْوَصْفِ الْآخَرِ الصَّالِحِ لِلْعِلِّيَّةِ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ مَعَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ الْعِلَّةَ (الْجَارِحُ لِلْقَتْلِ) الْعَمْدِ (الْعُدْوَانِ) أَيْ مُعَارَضَةُ الْمُعْتَرِضِ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ الْقِصَاصَ فِي الْمُحَدَّدِ بِكَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا بِكَوْنِهِ بِالْجَارِحِ (لِنَفْيِ الْمُثَقَّلِ) أَيْ الْقِصَاصَ بِالْقَتْلِ بِهِ كَالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الْجُرْحِ مِنْ الْقَتْلِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ عِلَّةً لِلْقِصَاصِ وَالْجَارِحُ لَا يَصْلُحُ سِوَى أَنْ يَكُونَ هُوَ جُزْءُ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ. (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ هَذَا الْمَنْعِ (فِي الْمَذْهَبَيْنِ) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ (وَالْمُخْتَارُ لِلشَّافِعِيَّةِ قَبُولُهُ لِتَحَكُّمِ الْمُسْتَدِلِّ بِاسْتِقْلَالِ وَصْفِهِ) بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَ الْوَصْفِ الْمُعَارِضِ الْمُبْدِي (مَعَ صَلَاحِيَّةِ الْمُبْدَى لَهُ) أَيْ لِلِاسْتِقْلَالِ بِالْعِلِّيَّةِ (وَلِلْجُزْئِيَّةِ) أَيْ وَأَنْ يَكُونَ جُزْءَ الْعِلَّةِ بِأَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَوَّلِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الصُّلُوحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنْ قِيلَ لَا تَحَكُّمَ مَعَ الرُّجْحَانِ وَوَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ رَاجِحٌ إذْ فِي اعْتِبَارِهِ دُونَ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ تَوْسِعَةٌ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ تَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى الْفَرْعِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ وَصْفُ الْمُعْتَرِضِ وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ لَمْ يَتَعَدَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ الرُّجْحَانَ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ مَمْنُوعٌ (وَلَا يُرَجَّحُ) لِكَوْنِهِ عِلَّةً (بِالتَّوْسِعَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ حُصُولَ التَّوْسِعَةِ (مُرَجِّحٌ لِمَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ) أَيْ فِي ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ هُنَا (وَلَوْ سَلِمَ) أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ (فَمُعَارَضٌ بِمَا يُرَجِّحُ وَصْفَ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ) أَيْ الْمُعَارِضُ (مُوَافَقَةُ الْأَصْلِ) وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ (بِالِانْتِفَاءِ) لِلْحُكْمِ (فِي الْفَرْعِ وَ) الْمُخْتَارُ (لِلْحَنَفِيَّةِ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ قَبُولِهِ (وَيُسَمُّونَهَا) أَيْ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ (الْمُفَارَقَةَ فَإِنْ كَانَ) الْفَرْقُ (صَحِيحًا فَلْيُجْعَلْ مُمَانَعَةً لِيُقْبَلَ) مِنْ الْمُعْتَرِضِ لِأَنَّ الْمُفَارَقَةَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْفَاسِدَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْمُمَانَعَةَ أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ وَبِهَا يُعْرَفُ فِقْهُ الرَّجُلِ (فَفِي إعْتَاقِ عَبْدِ الرَّهْنِ) أَيْ إعْتَاقِ الرَّاهِنِ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ بِبُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ (تَصَرُّفٌ لَاقَى حَقَّ الْمُرْتَهِنِ) بِالْإِبْطَالِ بِدُونِ رِضَاهُ (فَيَبْطُلُ كَبَيْعِهِ) أَيْ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَا إذْنِهِ (لَوْ قَالَ) الْحَنَفِيُّ (هِيَ) أَيْ الْعِلَّةُ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ الْبَيْعِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْبَيْعِ (يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ) بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ فَسْخِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النَّفَاذِ لَكَانَ فِقْهًا صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ إذَا (لَمْ يُقْبَلْ) لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْفَرْقِ وَهُوَ السَّائِلُ (فَلْيُقَلْ إنْ ادَّعَيْت حُكْمَ الْأَصْلِ) أَيْ بَيْعَ الْعَبْدِ الرَّهْنَ (الْبُطْلَانَ مَنَعْنَاهُ) أَيْ كَوْنَ

стр. 919

حُكْمِهِ الْبُطْلَانَ. (أَوْ) ادَّعَيْت حُكْمَهُ (التَّوَقُّفَ) عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ (فَغَيْرُ حُكْمِك فِي الْفَرْعِ) بِالْبُطْلَانِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَاحِدًا وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ ابْتِدَاءُ حُكْمِ الْأَصْلِ التَّوَقُّفُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ لَكَفَى (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْمُخْتَارِ نَفْيَ قَبُولِهِ (لِأَنَّهُ غَصْبٌ) لِمَنْصِبِ التَّعْلِيلِ وَالسَّائِلُ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَقَفَ مَوْقِفَ الدَّعْوَى وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الدَّلِيلِ فَالْمُعَارِضُ لَا يَبْقَى سَائِلًا بَلْ يَصِيرُ مُعَلِّلًا مُدَّعِيًا ابْتِدَاءً (وَلَيْسَ) كَذَلِكَ (لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ) أَيْ الْمُبْدِي وَحْدَهُ (الْعِلَّةَ أَوْ مَعَ مَا ذَكَرَ) الْمُسْتَدِلُّ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ (مَنْعُ اسْتِقْلَالِهِ) أَيْ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِالْعِلِّيَّةِ (وَتَسْمِيَتُهُ مُعَارَضَةً تَجُوزُ لِقَوْلِهِمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ (إذَا أُطْلِقَتْ) الْمُعَارَضَةُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ (فَمَا فِي الْفَرْعِ) أَيْ فَالْمَعْنَى بِهَا الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ (وَهَذِهِ) أَيْ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ تُذْكَرُ (بِقَيْدٍ) هُوَ فِي الْأَصْلِ (وَإِذَا رَدَّ النَّقْضَ إلَى الْمَنْعِ) كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِهِ (فَهَذَا) أَيْ رَدُّ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ إلَى الْمَنْعِ (أَوْلَى) مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي النَّقْضِ مُسْتَدِلٌّ عَلَى الْبُطْلَانِ بِالتَّخَلُّفِ وَهُنَا يُجَوِّزُ الْمُبْدِي تَجْوِيزًا فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي التَّلْوِيحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ نِزَاعٌ جَدَلِيٌّ يَقْصِدُونَ بِهِ عَدَمَ وُقُوعِ الْخَبْطِ فِي الْبَحْثِ وَإِلَّا فَهُوَ سَاعٍ فِي إظْهَارِ الصَّوَابِ. (قَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (وَلِجَوَازِ عِلَّتَيْنِ فِي الْأَصْلِ تَعَدَّى بِكُلٍّ) مِنْهُمَا (إلَى مَحَلِّهَا) الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْأُخْرَى فِيهِ (فَعَدَمُ إحْدَاهُمَا) بِعَيْنِهَا (فِي مَحَلٍّ لَا يَنْفِي) كَوْنَ (الْأُخْرَى) عِلَّةً لِحُكْمِهَا الْمَنْسُوبِ إلَيْهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ وُجِدَتْ فِيهِ (وَهَذَا) الْوَجْهُ (يَقْتَصِرُ) أَيْ يُفِيدُ اقْتِصَارَ نَفْيِ الْقَبُولِ (عَلَى مَا يَجِبُ فِيهِ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ) مِنْ الْعِلَّتَيْنِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ (دُونَ تَجْوِيزِ جُزْئِيَّتِهِ) أَيْ الْمُبْدِي لِلْعِلَّةِ الَّذِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ (فَالْحَقُّ إنْ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهَا) أَيْ الْعِلَّةَ (فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْمَذْكُورَتَيْنِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ بِالِاسْتِقْلَالِ (كَعِلَّةِ الرِّبَا) أَهِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ أَوْ الطُّعْمُ أَوْ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ (قُبِلَ) هَذَا الِاعْتِرَاضُ لِلتَّجْوِيزِ الْمَذْكُورِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَنَّهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إحْدَاهُمَا بِالِاسْتِقْلَالِ (لَا) يُقْبَلُ بِتَقْدِيرِ الِاسْتِقْلَالِ لِإِحْدَاهُمَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ الْمُخْتَارِ لِلشَّافِعِيَّةِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ الثَّابِتُ (بِالِاسْتِقْرَاءِ مَبَاحِثُ الصَّحَابَةِ جَمْعٌ) أَيْ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِمُوجِبِ وَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا (وَفَرْقٌ) أَيْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْأَصْلِ بِمُوجِبِ وَصْفٍ مُخْتَصٍّ بِالْأَصْلِ وَالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ هِيَ ذَلِكَ الْوَصْفُ الْمُشْتَرَكُ أَوْ الْمُخْتَصُّ وَذَلِكَ إجْمَاعٌ عَلَى جَوَازِ إبْدَاءِ وَصْفٍ فَارِقٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ فِي مُعَارَضَةِ وَصْفٍ جَامِعٍ اعْتَبَرَهُ الْمُعَلِّلُ وَأَنَّهُ يُقْبَلُ وَيُتْرَكُ بِهِ قِيَاسُ الْمُسْتَدِلِّ وَلَا مَعْنَى لِقَبُولِ الْمُعَارَضَةِ سِوَى هَذَا (لَا يَمَسُّهُ) أَيْ الْقَبُولَ عَلَى الْعُمُومِ (إلَّا إنْ انْفَلَّتْ) مَبَاحِثُهُمْ جَمْعًا وَفَرْقًا (عَلَى الْعُمُومِ وَلَا يُمْكِنُ) نَقْلُهَا كَذَلِكَ. (وَعَلَى قَبُولِهَا) أَيْ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ أَنَّ وَصْفَهُ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي الْأَصْلِ مُعَارَضًا مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ فِيهِ أَقْوَالٌ فَأَحَدُهَا يَلْزَمُهُ لِيَنْفَعَهُ دَعْوَى التَّعْلِيلِ بِهِ إذْ لَوْلَاهُ لَمْ تَنْتَفِ الْعِلَّةُ فِي الْفَرْعِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ وَيَحْصُلُ مَطْلُوبُ الْمُسْتَدِلِّ فَثَانِيهَا لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ غَرَضَهُ عَدَمُ اسْتِقْلَالِ مَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَهُ وَهَذَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إبْدَائِهِ (فَثَالِثُهَا) الَّذِي هُوَ (الْمُخْتَارُ لَا يَلْزَمُ) الْمُعْتَرِضَ (بَيَانُ انْتِفَائِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُبْدِي فِي الْأَصْلِ مُعَارِضًا (عَنْ الْفَرْعِ إلَّا إنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ انْتِفَاءَهُ فِي الْفَرْعِ (لِأَنَّ مَقْصُودَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (لَمْ يَنْحَصِرْ فِي ضِدِّهِ) أَيْ صَرْفِ الْمُسْتَدِلِّ (عَنْ التَّعْلِيلِ) بِذَلِكَ (لِيَنْتَفِيَ لُزُومُهُ) أَيْ بَيَانُ انْتِفَائِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ ذَكَرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ كَمَا هُوَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ (وَلَا نَفَى حُكْمَهُ) أَيْ وَلَمْ يَنْحَصِرْ فِي نَفْيِ حُكْمِهِ (فِي الْفَرْعِ لِيَلْزَمَ) بَيَانُ انْتِفَائِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ ذَكَرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي (بَلْ قَدْ) يَكُونُ مَقْصُودُ الْمُعْتَرِضِ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ. (وَقَدْ) يَكُونُ مَقْصُودُهُ الْأَمْرَ الثَّانِيَ (فَإِذَا ادَّعَاهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ انْتِفَاءً كَأَنْ قَالَ هَذَا الْوَصْفُ الْآخَرُ الصَّالِحُ فِي الْأَصْلِ مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضَ (إثْبَاتُهُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَمْرًا

стр. 920

فَيَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ ذِكْرُ أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ وَصْفِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ حَتَّى يُقْبَلَ مِنْهُ قِيلَ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ بِدُونِ الِاقْتِرَانِ لَا تَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ (وَ) الْمُخْتَارُ (لَا) يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ (ذِكْرُهُ أَصْلًا لَوَصْفِهِ) الَّذِي أَبْدَاهُ فِي الْأَصْلِ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ (كَمُعَارَضَةِ الِاقْتِيَاتِ بِالطُّعْمِ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ الْعِلَّةُ الطُّعْمُ لَا الْقُوتُ (كَمَا فِي الْمِلْحِ) فَإِنَّهُ طُعْمٌ وَلَيْسَ بِقُوتٍ وَقَدْ أَثَّرَ فِيهِ حَيْثُ جُعِلَ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضَ (لَمْ يَدَعْهُ) أَيْ كَوْنَ وَصْفِهِ عِلَّةً حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ (إنَّمَا جَوَّزَ مَا ذَكَرَ) مِنْ كَوْنِ وَصْفِهِ عِلَّةً أَوْ جُزْأَهَا (لِيَلْزَمَ) الْمُسْتَدِلَّ (التَّحَكُّمُ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ عِلَّةً دُونَ وَصْفِهِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الصُّلُوحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ فِي الْوُجُودِ (وَأَيْضًا يَكْفِيهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضَ فِي وَصْفِهِ الْمُبْدِي (أَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ) إذْ أَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ وَصْفِهِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُعَارَضْ (فَيَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ (جَازَ الطُّعْمُ أَوْ الْكَيْلُ أَوْ هُمَا) عِلَّةً (كَمَا فِي الْبُرِّ بِعَيْنِهِ وَجَوَابُهَا) أَيْ الْمُعَارَضَةِ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ (عَلَى الْقَبُولِ بِمَنْعِ وُجُودِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ فِي الْأَصْلِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمْ أَنَّهُ مَكِيلٌ فِي زَمَانِهِ ﷺ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. (أَوْ) مَنْعِ (تَأْثِيرِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ (إنْ كَانَ) وَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ أَيْ عِلِّيَّتُهُ (لَمْ يُثْبِتْهُ الْمُسْتَدِلُّ أَوْ أَثْبَتَهُ) الْمُسْتَدِلُّ (بِمَا) أَيْ بِأَيِّ طَرِيقٍ (كَانَ وَتَقْيِيدُ سَمَاعِهِ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ وَهُوَ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَرِضِ بِتَأْثِيرِ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ (مِنْ الْمُسْتَدِلِّ بِمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَدِلُّ أَثْبَتَ وَصْفَهُ) أَيْ عِلِّيَّتَهُ (بِالْمُنَاسَبَةِ وَنَحْوِهَا) أَيْ بِالشُّبْهَةِ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ إذَا لَمْ تُعَارَضْ بِمُنَاسَبَةٍ أُخْرَى (لَا) إذَا أَثْبَتَ وَصْفَهُ (بِالسَّبْرِ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ الْوَصْفَ يَدْخُلُ فِي السَّبْرِ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مُنَاسِبًا وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْمُنَاسَبَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أَوْ إلَى الْخَارِجِ عَلَى مَا يَعُمُّ الشَّبَهَ فَتَتِمُّ الْمُعَارَضَةُ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ وَصْفٍ آخَرَ مُحْتَمِلٌ لِلْعِلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ مُنَاسَبَتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (تَحَكُّمٌ لِأَنَّ ذَاكَ) الْمُثْبَتَ بِمَا كَانَ مِنْ الطَّرِيقِ (وَصْفُهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (وَهَذَا) الْمُبْدِي وَصْفٌ (آخَرُ مُجَوَّزٌ) أَيْ جَوَّزَهُ الْمُعْتَرِضُ وَقَدْ (دَفَعَهُ) الْمُسْتَدِلُّ (بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ (عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ) عَلَى الْمُعْتَرِضِ بِمَا شَاءَ (فَبِالْمُنَاسَبَةِ ظَاهِرٌ وَكَذَا بِالسَّبْرِ لِأَنَّ مَا أَفَادَ الْعِلِّيَّةَ أَفَادَ الْمُنَاسَبَةَ إذْ هِيَ) أَيْ الْمُنَاسَبَةُ (لَازِمُ الْعِلَّةِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ) فَمَا أَفَادَهَا أَفَادَهَا (لَكِنْ لَا يَلْزَمُ إبْدَاؤُهَا) أَيْ الْمُنَاسَبَةِ (فِي السَّبْرِ وَنَحْوِهِ وَلِذَا) أَيْ عَدَمِ لُزُومِ إبْدَائِهَا فِيهِ (عُورِضَ الْمُسْتَبْقَى فِيهِ) أَيْ السَّبْرُ (لِعَدَمِهَا) أَيْ الْمُنَاسَبَةِ (وَقِيلَ الْمَعْنَى) لِلْمُسْتَدِلِّ مُطَالَبَةُ الْمُعْتَرِضِ بِكَوْنِ وَصْفِهِ مُؤَثِّرًا (إذَا كَانَ الْمُعْتَرِضُ أَثْبَتَهُ بِالْمُنَاسَبَةِ) كَمَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ شَارِحِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ (وَهُوَ خَبْطٌ إذْ بِفَرْضِ إثْبَاتِهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً (بِهَا) أَيْ بِالْمُنَاسَبَةِ (كَيْفَ يَمْنَعُ) الْمُسْتَدِلُّ (التَّأْثِيرَ وَهُوَ) أَيْ التَّأْثِيرُ (هِيَ) أَيْ الْمُنَاسَبَةُ (إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ) أَيْ التَّأْثِيرِ (عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ (فِيهِ) أَيْ فِي التَّأْثِيرِ (وَهُوَ كَوْنُ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ) إثْبَاتُ الْمُعْتَرِضِ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً بِهَذَا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (بَعْدَ إثْبَاتِهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً (بِطَرِيقٍ صَحِيحٍ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ بِالْفَرْضِ نَعَمْ) يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إثْبَاتُهُ بِالتَّأْثِيرِ (لَوْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ حَنَفِيًّا فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الِاعْتِبَارَ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَالتَّأْثِيرُ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ مَعَ الْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ) أَيْ التَّأْثِيرُ عِنْدَهُمْ (إنْ ثَبَتَ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْمُنَاسَبَةِ إلَى آخِرِ الْأَقْسَامِ) الْمَاضِيَةِ فِي بَحْثِ التَّأْثِيرِ. (وَلَا يَصِحُّ) مِمَّنْ أَثْبَتَ وَصْفَهُ بِالسَّبْرِ مُسْتَدِلًّا كَانَ أَوْ مُعْتَرِضًا التَّرْجِيحُ (بِتَرْجِيحِ السَّبْرِ) عَلَى الْمُنَاسَبَةِ (لِتَعَرُّضِهِ) أَيْ لِأَجْلِ تَعَرُّضِ السَّبْرِ (لِنَفْيِ غَيْرِهِ وَ) لَا (بِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ) وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ تَعَرُّضَهُ لِنَفْيٍ غَيْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ مُرَجَّحًا (بَعْدَ ظُهُورِ شَرْطِهِ) أَيْ السَّبْرِ وَهُوَ مُنَاسَبَةُ الْمُسْتَبْقَى لِأَنَّ شَرْطَ كُلِّ عِلَّةٍ مُنَاسَبَتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ إظْهَارُهَا عَلَى الْمُعَلِّلِ فِي كُلِّ إثْبَاتٍ لِأَنَّ بَعْضَ طُرُقِ الْعِلَّةِ لَا تَتَعَرَّضُ لِذَلِكَ كَالسَّبْرِ (أَوْ عَدَمِ ظُهُورِ عَدَمِهِ) أَيْ الشَّرْطِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (أَمَّا مَعَ ظُهُورِهِ) أَيْ عَدَمِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ الْمُسْتَبْقَى أَيْضًا غَيْرَ مُنَاسِبٍ فِيمَا إذَا أَبْدَى وَصْفًا آخَرَ

стр. 921

لِيُبْطِلَ الْحَصْرَ فَقَالَ الْمُعَلِّلُ هَذَا لَمْ أُدْخِلْهُ فِي سَبْرِي لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ (فَلَا) يَتَرَجَّحُ السَّبْرُ (إذْ لَا يُفِيدُ) السَّبْرُ (مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ) أَيْ الْمُنَاسَبَةِ (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ الشَّرْطِ هُوَ (الْمُعْتَرَضُ بِهِ) لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ عَارَضَ ظُهُورَ مُنَاسَبَةِ الْمُسْتَبْقَى عِنْدَهُ بِظُهُورِ عَدَمِ مُنَاسَبَةِ الْمُسْتَبْقَى عِنْدَهُ (أَوْ بَيَانِ خَفَائِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ فَهُوَ مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَنْعِ وُجُودِهِ أَوْ تَأْثِيرِهِ. وَكَذَا (أَوْ عَدَمِ انْضِبَاطِهِ أَوْ مَنْعِ ظُهُورِهِ أَوْ) مَنْعِ (انْضِبَاطِهِ) أَوْ كُلٍّ مِنْهَا عُطِفَ عَلَى مَا يَلِيهِ إذْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَجْوِبَةِ الْمُعَارَضَةِ لِمَا عُلِمَ فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ اشْتِرَاطُ الظُّهُورِ وَالِانْضِبَاطِ فِي الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ فَلَا بُدَّ فِي دَعْوَى صُلُوحِ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ بَيَانِهِمَا وَالصَّادِرُ عَنْهُمَا إنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهَا وَأَنْ يُطَالِبَ بِبَيَانِ وُجُودِهِمَا (أَوْ أَنَّهُ) أَيْ الْوَصْفَ الْمُعَارَضَ بِهِ لَيْسَ وَصْفًا وُجُودِيًّا بَلْ هُوَ (عَدَمُ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ) وَالْعَدَمُ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَلَا جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ (كَالْمُكْرَهِ) أَيْ كَقِيَاسِ الْقَاتِلِ الْمُضْطَرِّ إلَى الْقَتْلِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) أَيْ الْقَاتِلِ بِاخْتِيَارِهِ (فِي) وُجُوبِ (الْقِصَاصِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ فَيُعَارَضُ بِأَنَّهَا) أَيْ الْعِلَّةَ (هُوَ) أَيْ الْقَتْلُ (مَعَ الطَّوَاعِيَةِ) فَإِنَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ فَلَا تَكُونُ الْعِلَّةُ الْقَتْلَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ فَقَطْ بَلْ بِقَيْدِ الِاخْتِيَارِ (فَيُجِيبُ) الْمُسْتَدِلُّ (بِأَنَّهَا) أَيْ الطَّوَاعِيَةَ (عَدَمُ الْإِكْرَاهِ لَا الْإِكْرَاهُ الْمُنَاسِبُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ) أَيْ عَدَمُ الْقِصَاصِ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَدَمُ الْمَانِعِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا يُسْنَدُ الْحُكْمُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَاعِثِ فِي شَيْءٍ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَجْوِبَةِ الْمُعَارَضَةِ كَقَوْلِهِ (أَوْ بِإِلْغَائِهِ) أَيْ كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ مُلْغًى إمَّا مُطْلَقًا فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ أَوْ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ كَالذُّكُورَةِ فِي الْعِتْقِ (بِاسْتِقْلَالِ وَصْفِهِ) أَيْ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِالْعِلِّيَّةِ (بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ كَ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» وَقَدَّمْنَا فِي مَبَاحِثِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَخْرَجَهُ بِمَعْنَاهُ (فِي مُعَارَضَةِ الطُّعْمِ) أَيْ كَجَوَابِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطُّعْمُ لِمُعْتَرِضِهِ بِمُعَارَضَتِهِ (بِالْكَيْلِ) بِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الطُّعْمِ فِي صُورَةٍ مَا وَهُوَ هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْحُكْمِ مُرَتَّبًا عَلَى وَصْفٍ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ «وَمَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ) كَمَا هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. (عِنْدَ مُعَارَضَةِ مُطْلِقِهِ) أَيْ التَّبْدِيلِ (بِتَبْدِيلِ الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ) أَيْ وَكَجَوَابِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ إذَا تَنَصَّرَ وَالنَّصْرَانِيِّ إذَا تَهَوَّدَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ كَالْمُرْتَدِّ لِتَبْدِيلِهِ دِينَهُ لِمُعْتَرِضِهِ بِمُعَارَضَتِهِ لِوَصْفِهِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ التَّبْدِيلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ تَبْدِيلُ الْكُفْرِ بِالْإِيمَانِ بِأَنَّ التَّبْدِيلَ مُعْتَبَرٌ فِي صُورَةٍ مَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ قَالَ) الْمُسْتَدِلُّ (عَمَّ) الْحَدِيثُ (فِي كُلِّ تَبْدِيلٍ) سَوَاءٌ كَانَ تَبْدِيلَ دِينِ حَقٍّ بِبَاطِلٍ أَوْ بَاطِلٍ بِبَاطِلٍ (كَانَ) هَذَا الْقَوْلُ (شَيْئًا آخَرَ) أَيْ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ وَالْمَقْصُودُ إثْبَاتُهُ بِهِ بَلْ وَيَكُونُ الْقِيَاسُ حِينَئِذٍ ضَائِعًا وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ هَذَا نَعَمْ لَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ عَامًّا إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْمِيمِ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ الْإِلْغَاءِ الْمَقْبُولِ (انْفِرَادُ الْحُكْمِ عَنْهُ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُبْدِي لِلْمُعْتَرِضِ (لِعَدَمِ) اشْتِرَاطِ (الْعَكْسِ) فِي الْعِلَّةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ (لَكِنْ يَتِمُّ اسْتِقْلَالُ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ) لِكَوْنِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ عَدَمُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَكَوْنُهُ لَغْوًا (وَلِكَوْنِهِ) أَيْ انْفِرَادِ الْحُكْمِ عَنْهُ (لَيْسَ إلْغَاءً لَا يُفِيدُ) الْمُسْتَدِلَّ فِي تَمَامِ إلْغَاءِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ فِي صُورَةِ عَدَمِهِ (إبْدَاءُ الْخَلَفِ) أَيْ وَصْفٍ آخَرَ يَخْلُفُ الْوَصْفَ الْمُبْدَيْ أَوَّلًا الَّذِي أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ (مِنْ الْمُعْتَرِضِ) لِئَلَّا يَكُونَ وَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ مُسْتَقِلًّا وَإِنَّمَا لَا يُفِيدُ الْمُسْتَدِلُّ هَذَا تَمَامَ إلْغَائِهِ لِابْتِنَاءِ إلْغَاءِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ وَقَدْ بَطَلَ اسْتِقْلَالُهُ بِإِبْدَاءِ الْمُعْتَرِضِ قَيْدًا آخَرَ يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَيَبْطُلُ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ. (وَهُوَ) أَيْ فَسَادُ الْإِلْغَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (تَعَدُّدُ الْوَضْعِ) لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْ الْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدَهُمَا الْمُعْتَرِضُ وَصَيْرُورَتِهِ مُعَلَّلًا بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى وَضْعٍ أَيْ مَعَ قَيْدٍ (نَحْوُ) أَنْ يُقَالَ فِي صِحَّةِ أَمَانِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ لِلْحَرْبِيِّ (أَمَانٌ) صَادِرٌ (مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ فَيُقْبَلُ كَالْحُرِّ) أَيْ كَأَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ لَهُ (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ (مَظِنَّتَانِ لِلِاحْتِيَاطِ لِلْأَمَانِ) أَيْ لِإِظْهَارِ مَصْلَحَةٍ بَدَلَ الْأَمَانِ (فَيَعْتَرِضُ بِاعْتِبَارِ الْحُرِّيَّةِ مَعَهُمَا) أَيْ الْإِسْلَامِ

стр. 922

وَالْعَقْلِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْحُرِّيَّةَ (مَظِنَّةُ التَّفَرُّغِ) لِلنَّظَرِ فِي مَصْلَحَةِ الْأَمَانِ لِعَدَمِ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى (فَنَظَرَهُ) أَيْ الْحُرِّ (أَكْمَلُ) مِنْ نَظَرِ الْعَبْدِ (فَيُلْغِيهَا) أَيْ الْمُسْتَدِلُّ الْحُرِّيَّةَ (بِالْمَأْذُونِ فِي الْقِتَالِ) أَيْ بِاسْتِقْلَالِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ بِالْأَمَانِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي أَذِنَ سَيِّدُهُ لَهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَإِنَّ لَهُ الْأَمَانَ بِالِاتِّفَاقِ (فَيَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ (الْإِذْنُ) أَيْ إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ فِي ذَلِكَ (خَلَفَهَا) أَيْ الْحُرِّيَّةَ (لِدَلَالَتِهِ) أَيْ إذْنِ السَّيِّدِ لَهُ فِي ذَلِكَ (عَلَى عِلْمِ السَّيِّدِ بِصَلَاحِهِ) لِإِظْهَارِ مَصَالِحِ الْأَمَانِ أَوْ قَامَ الْإِذْنُ مَقَامَ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِي النَّظَرِ (فَالْبَاقِي) أَيْ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ (عِلَّةٌ عَلَى وَضْعٍ أَيْ قَيْدِ الْحُرِّيَّةِ) أَيْ هُمَا مَعَهَا (وَآخَرَ) أَيْ وَالْبَاقِي عِلَّةٌ أَيْضًا عَلَى وَضْعٍ آخَرَ وَهُوَ كَوْنُ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ مَعَ (الْإِذْنِ وَجَوَابُهُ) أَيْ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ (أَنْ يُلْغِيَ) الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ (الْخَلْفَ بِصُورَةٍ لَيْسَ) ذَلِكَ الْخَلْفُ (فِيهَا فَإِنْ أَبْدَى) الْمُعْتَرِضُ (فِيهَا) أَيْ الصُّورَةِ الْمُبْدَاةِ (خَلَفًا) آخَرَ (فَكَذَلِكَ) أَيْ فَجَوَابُهُ إلْغَاؤُهُ بِإِبْدَائِهِ صُورَةً أُخْرَى لَا يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ الْخَلَفُ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا (إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا) إمَّا الْمُسْتَدِلُّ لِعَجْزِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ أَوْ الْمُعْتَرِضُ لِعَجْزِهِ عَنْ ثُبُوتِ عِوَضٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَظْهَرُ الرِّجَالُ وَيَتَبَيَّنُ فُرْسَانُ الْجِدَالِ. (وَلَا يُلْغِي) أَيْ وَلَا يُفِيدُ الْمُسْتَدِلُّ إلْغَاءَ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ فِي الْأَصْلِ (بِضَعْفِ الْحِكْمَةِ إنْ سَلَّمَ) الْمُسْتَدِلُّ (الْمَظِنَّةَ) أَيْ وُجُودَ الْمَظِنَّةِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ (كَالرِّدَّةِ عِلَّةُ الْقَتْلِ) فِي قِيَاسِ الْمُرْتَدَّةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ (فَيُقَالُ) مِنْ قِبَلِ الْمُعْتَرِضِ بَلْ (مَعَ الرُّجُولِيَّةِ لِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الْمُرْتَدِّ رَجُلًا (الْمَظِنَّةُ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ) إذْ يُعْتَادُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ (فَيُلْغِيهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ الْمُرْتَدِّ رَجُلًا الْمَظِنَّةُ لِذَلِكَ (بِمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ) لِضَعْفِ الرُّجُولِيَّةِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ يُقْتَلُ اتِّفَاقًا إذَا ارْتَدَّ فَهَذَا (لَا يُقْبَلُ) مِنْ الْمُسْتَدِلِّ أَيْ لَا يَنْفَعُهُ (بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الرُّجُولِيَّةِ مَظِنَّةً) اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَى حِكْمَتِهَا كَسَفَرِ الْمَلِكِ الْمُرَفَّهِ لَا يَمْنَعُ الرُّخْصَ (وَلَا يُفِيدُ تَرْجِيحُ الْمُسْتَدِلِّ وَصْفَهُ) عَلَى وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ (بِشَيْءٍ) مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ (لِأَنَّ الْمُفِيدَ) فِي ذَلِكَ (تَرْجِيحُ أَوْلَوِيَّةِ اسْتِقْلَالِ وَصْفِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ اسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ إذْ لَا تَعْلِيلَ بِالْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ (وَهُوَ) أَيْ تَرْجِيحُهَا (مُنْتَفٍ مَعَ احْتِمَالِ الْجُزْئِيَّةِ) أَيْ جُزْئِيَّةِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ بَاقٍ إذْ لَا يَمْتَنِعُ تَرْجِيحُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ عَلَى بَعْضِ كَمَا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّ الْقَتْلَ أَقْوَى فِي الْعِلِّيَّةِ مِنْ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَلَوْ قِيلَ بِاسْتِقْلَالِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ كَانَ تَحَكُّمًا (أَوْ يَدَّعِي) أَيْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ (الْمُعْتَرِضُ اسْتِقْلَالَ وَصْفِهِ) أَيْ وَصْفِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُفِيدُ تَرْجِيحَ وَصْفِ نَفْسِهِ. (وَأَمَّا أَنَّ) الْعِلَّةَ (الْمُتَعَدِّيَةَ لَا تُرَجَّحُ) عَلَى الْقَاصِرَةِ (لِمُعَارَضَةِ مُوَافَقَةِ الْأَصْلِ) أَيْ لِكَوْنِ الْقَاصِرَةِ مُعَارِضَةً لَهَا بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْأَحْكَامِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عَضُدُ الدِّينِ (فَلَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّنَزُّلُ مِنْهُمْ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ لِأَجْلِ مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ بَلْ يَكُونُ الْوَصْفُ الْمُسْتَقِلُّ الْمُتَعَدِّي مُرَجَّحًا عَلَى الْمُسْتَقِلِّ الْقَاصِرِ. (وَاخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ (تَعَدُّدِ الْأُصُولِ) أَيْ أُصُولِ الْمُسْتَدِلِّ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا (فَقِيلَ لَا) يَجُوزُ (لِأَنَّ) الْأَصْلَ (الزَّائِدَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الظَّنُّ وَهُوَ يَحْصُلُ بِهِ (وَيُدْفَعُ) هَذَا (بِثُبُوتِ الْحَاجَةِ) إلَى الزَّائِدِ عَلَيْهِ (لِزِيَادَةِ الْقُوَّةِ) فِي الظَّنِّ فَإِنَّ قُوَّتَهُ مَقْصُودَةٌ أَيْضًا (وَالْوَجْهُ الْآخَرُ) لِهَذَا الْقَوْلِ (وَهُوَ تَأَدِّيهِ) أَيْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الْأُصُولِ (إلَى الِانْتِشَارِ وَزِيَادَةِ الْخَبْطِ يَدْفَعُهُ) أَيْ هَذَا الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ (لِأَنَّ مَعَهُ) أَيْ مَعَ تَأَدِّيهِ إلَى هَذَا (يَبْعُدُ الظَّنُّ فَضْلًا عَنْ زِيَادَتِهِ) أَيْ الظَّنِّ (فَاخْتِيَارُ جَوَازِهِ) أَيْ التَّعَدُّدِ (مُطْلَقًا) كَمَا هُوَ صَنِيعُ ابْنِ الْحَاجِبِ (لَيْسَ بِذَاكَ) الْقَوِيِّ (بَلْ) الْوَجْهُ جَوَازُهُ (فِي نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ) لِانْتِفَاءِ الِانْتِشَارِ (لَا) فِي (الْمُنَاظَرَةِ) لِتَأَدِّيهِ إلَى النَّشْرِ (وَعَلَى الْجَوَازِ) أَيْ جَوَازِ تَعَدُّدِهَا (اُخْتُلِفَ فِي اقْتِصَارِ الْمُعَارِضِ عَلَى أَحَدِهَا فَالْمُجِيزُ) لِاقْتِصَارِهِ عَلَى أَحَدِهَا. قَالَ (إبْطَالُ جُزْءٍ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (إبْطَالُهُ) أَيْ كَلَامِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ (وَمُلْزِمُ إبْطَالِ الْكُلِّ) قَالَ (إذَا سَلِمَ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (أَصْلٌ كَفَاهُ) فِي مَطْلُوبِهِ لِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَتِمُّ الْقِيَاسُ الْمُقْتَضِي لِلْمَقْصُودِ مِنْ الْحُكْمِ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلِ

стр. 923

(اتِّحَادُ الْوَصْفِ) الْمُعَارَضِ بِهِ فِي الْجَمِيعِ كَمَا أَوْجَبَهُ بَعْضُهُمْ حَذَرًا مِنْ انْتِشَارِ الْكَلَامِ (دُونَ تَعَدُّدِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِيهَا أَيْ جَوَازِ الْمُعَارَضَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مَا عَارَضَ بِهِ فِي الْأَصْلِ الْآخَرِ لِجَوَازِ أَنْ يُسَاعِدَهُ فِي الْكُلِّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَلَا يَتَلَاقَيَانِ) أَيْ هَذَانِ الْقَوْلَانِ (فَنَظَرَ الْأَوَّلُ إلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلَّ (الْتَزَمَ صِحَّةَ الْإِلْحَاقِ بِكُلٍّ) مِنْ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ (وَعَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِلْحَاقِ بِكُلٍّ (فَبَطَلَ) الْإِلْحَاقُ (وَالْآخَرُ) قَائِلٌ (الْمَقْصُودُ إثْبَاتُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (فِي الْفَرْعِ وَيَكْفِيهِ) أَيْ إثْبَاتِهِ فِي الْفَرْعِ (مَا سَلِمَ) لَهُ مِنْ الْأُصُولِ (وَفِي مُعَارَضَةِ الْكُلِّ) أَيْ جَمِيعِ الْأُصُولِ (لَوْ أَجَابَ) الْمُسْتَدِلُّ (عَنْ أَحَدِهَا) أَيْ دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ (فَالْقَوْلَانِ) مُجْتَمِعَانِ عَلَى أَنَّهُ (لَا بُدَّ أَنْ يَدْفَعَ) الْمُسْتَدِلُّ (عَمَّا الْتَزَمَهُ) وَهُوَ الْكُلُّ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ ضِمْنًا (يَكْفِيهِ وَاحِدٌ) (وَأَمَّا سُؤَالُ التَّرْكِيبِ فَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ) لِحُكْمِ الْأَصْلِ حَيْثُ قَالَ وَمِنْهَا فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ إلَخْ وَأَنَّ حَاصِلَهُ الْمَنْعُ أَمَّا الْعِلِّيَّةُ عِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ لِوُجُودِهَا أَوْ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي هَذِهِ الْمُنُوعِ وَلَيْسَ سُؤَالًا بِرَأْسِهِ وَالْأَمْثِلَةُ مَذْكُورَةٌ ثَمَّةَ (وَسُؤَالُ التَّرْجِيحِ بِالتَّعَدِّيَةِ) أَيْ وَأَمَّا سُؤَالُ التَّعَدِّيَةِ كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي إجْبَارِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ عَلَى النِّكَاحِ بِكْرٌ فَتُجْبَرُ كَالصَّغِيرَةِ (فَيُعَارِضُ الْبَكَارَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ إلَى الْبَالِغَةِ) وَغَيْرِهَا (بِالصِّغَرِ الْمُتَعَدِّي إلَى الثَّيِّبِ) الصَّغِيرَةِ وَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْإِجْبَارِ (لِيَتَسَاوَيَا) فِي التَّعْدِيَةِ. (وَمَرْجِعُهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ (إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ بِمَا يُسَاوِي) الْعِلَّةَ (الْأُخْرَى فِي التَّعَدِّيَةِ) دَفْعًا لِتَرْجِيحِ الْوَصْفِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ بِالتَّعْدِيَةِ (وَلَا تَرْجِيحَ بِزِيَادَةِ التَّعْدِيَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ بِخِلَافِ أَصْلِهَا) أَيْ التَّعَدِّيَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَجَّحًا فَلَا يَكُونُ هَذَا السُّؤَالُ سُؤَالًا آخَرَ بَلْ هُوَ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ عِبَارَةُ الْآمِدِيِّ فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى وَيُعَارِضَ بِهِ ثُمَّ يَقُولَ لِلْمُسْتَدِلِّ مَا عَلَّلْت بِهِ وَإِنْ تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَكَذَا مَا عَلَّلْت بِهِ تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ (وَإِذْ لَمْ يَقْبَلُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَذْكُرُوا سُؤَالَ اخْتِلَافِ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ) فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بَعْدَ اتِّحَادِ الضَّابِطِ فِيهِمَا (كَإِيلَاجِ مُحَرَّمٍ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ لِلْحَدِّ بِاللِّوَاطِ هُوَ إيلَاجُ فَرْجٍ مُحَرَّمٍ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طَبْعًا (فَيُحَدُّ بِهِ كَالزِّنَا فَيَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ (الْمَصْلَحَةُ مُخْتَلِفَةٌ فِي تَحْرِيمِهِمَا) أَيْ اللِّوَاطِ وَالزِّنَا (فَفِي الزِّنَا اخْتِلَاطُ النَّسَبِ الْمُفْضِي إلَى عَدَمِ تَعَهُّدِ الْوَلَدِ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ تَعَهُّدِهِ (قَتْلٌ مَعْنًى وَفِي اللِّوَاطِ دَفْعُ رَذِيلَتِهِ) وَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ لَا تَقُومُ إحْدَاهُمَا مَقَامَ الْأُخْرَى فَيُنَاطُ الْحُكْمُ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا السُّؤَالَ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِمْ الْمُعَارَضَةَ فِي الْأَصْلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالَ (هِيَ) أَيْ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ لِإِبْدَاءِ خُصُوصِيَّةٍ فِي الْأَصْلِ فَلَمْ يَذْكُرُوهُ مُفْرَدًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ هِيَ (إذْ حَاصِلُهُ) أَيْ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ (الْعِلَّةُ) فِي الْأَصْلِ (شَيْءٌ آخَرُ) وَهُوَ كَوْنُهُ مُوجِبًا لِاخْتِلَاطِ النَّسَبِ (مَعَ مَا ذَكَرْت وَلِذَا) أَيْ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً فِي الْأَصْلِ لِإِبْدَاءِ خُصُوصِيَّةٍ فِي (كَانَ جَوَابُهُ جَوَابُهَا بِإِلْغَاءِ الْخُصُوصِيَّةِ) أَيْ مَعَ إلْغَائِهَا (بِطَرِيقِهِ) أَيْ الْإِلْغَاءِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْأَمْرَيْنِ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالَ (يَنْدَرِجُ فِي مَعْنَى الشُّرُوطِ) لِلْفَرْعِ إذْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُسَاوِيَ الْأَصْلَ فِيمَا عُلِّلَ بِهِ حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ، إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَالْمُسَاوَاةُ هُنَا فِي الْفَرْعِ مُنْتَفِيَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ كَوْنُهُ مُوجِبًا لِاخْتِلَاطِ النَّسَبِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ. (الثَّالِثُ) مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَهُوَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ (عَلَيْهِ سُؤَالَانِ الْأَوَّلُ مَنْعُ وُجُودِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (فِي الْفَرْعِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ (بَيْعُ التُّفَّاحَةِ بِثِنْتَيْنِ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مُجَازَفَةً فَلَا يَصِحُّ كَصُبْرَةٍ بِصُبْرَتَيْنِ) وَمَقُولُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ (يَمْنَعُ وُجُودَهُ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي الْفَرْعِ لِأَنَّ الْمُجَازَفَةَ بِاعْتِبَارِ الْكَيْلِ وَهُوَ) أَيْ الْكَيْلُ (مُنْتَفٍ فِيهِ) أَيْ التُّفَّاحِ (وَيَرِدُ) عَلَى هَذَا الْمَنْعِ (أَنَّهَا) أَيْ الْمُجَازَفَةَ (بِاعْتِبَارِ الْمُقَدَّرِ) لِذَلِكَ شَرْعًا (كَيْلًا وَوَزْنًا فَالْإِلْحَاقُ) لِلْفَرْعِ بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورَيْنِ (بِاعْتِبَارِ) الْمُقَدَّمِ (الْأَعَمِّ) مِنْ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ (فَإِنَّمَا يُدْفَعُ هَذَا) الْإِيرَادُ (بِانْتِفَائِهِمَا) أَيْ الْكَيْلِ

стр. 924

الْوَزْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التُّفَّاحَ (عَدَدِيٌّ وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ عَدَدِيًّا (مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ التُّفَّاحَ (كَذَلِكَ) عَدَدِيٌّ (فِي زَمَنِهِ ﵊ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ ﷺ عَدَدِيًّا (فَالْعَادَةُ) أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِمَا هُوَ الْعُرْفُ فِي بَيْعِهِ مِنْ وَزْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْعَادَةُ (مُخْتَلِفَةٌ فِيهِ) أَيْ التُّفَّاحِ مِنْ كَوْنِهِ وَزْنِيًّا وَغَيْرَهُ (وَلِمُحَمَّدٍ) أَيْ وَكَمَا فِيمَا لِمُحَمَّدٍ (فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ) غَيْرِ الْمَأْذُونِ مَالًا غَيْرَ الرَّقِيقِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ إذَا أَتْلَفَهُ لِأَنَّ مَالِكَهُ (سَلَّطَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ (فَيَمْنَعَانِ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْمُقَابِلَةِ (أَنَّهُ) أَيْ إيدَاعَهُ (تَسْلِيطٌ) لَهُ عَلَى إتْلَافِهِ لَكِنَّ الْمَسْطُورَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ كَمَا مَشَيْنَا عَلَيْهِ فِيمَا سَلَفَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُضَمِّنُهُ كَمُحَمَّدٍ (وَلِلشَّافِعِيَّةِ) أَيْ وَكَمَا فِيمَا لَهُمْ (فِي) صِحَّةِ (أَمَانِ الْعَبْدِ أَمَانٌ مِنْ أَهْلِهِ فَيُعْتَبَرُ كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ فَيَمْنَعُ أَهْلِيَّتَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (لَهُ) أَيْ الْأَمَانِ (وَجَوَابُهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ (بِبَيَانِ وُجُودِهِ) أَيْ هَذَا الْوَصْفِ (بِعَقْلٍ أَوْ حِسٍّ أَوْ شَرْعٍ) أَيْ بِمَا هُوَ طَرِيقُ مِثْلَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (وَيَزِيدُ الْمُسْتَدِلُّ هُنَا) أَيْ فِي هَذَا الْفَرْعِ (بَيَانَ مُرَادِهِ بِالْأَهْلِيَّةِ وَهُوَ) أَيْ بَيَانُ مُرَادِهِ بِهَا (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُؤْمِنِ (مَظِنَّةً لِرِعَايَةِ مَصْلَحَتِهِ) أَيْ الْأَمَانِ الثَّابِتَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ (بِإِسْلَامِهِ وَبُلُوغِهِ وَلَوْ زَادَ الْمُعْتَرِضُ بَيَانَ الْأَهْلِيَّةِ لِيَظْهَرَ انْتِفَاؤُهَا) فِي الْفَرْعِ (فَالْمُخْتَارُ لَا يُمْكِنُ) مِنْهُ (إذْ هُوَ) أَيْ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهَا (وَظِيفَةُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ) أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِمُرَادِهِ فَيَتَوَلَّى تَعْيِينَ مَا ادَّعَاهُ (دَفْعًا لِنَشْرِ الْجِدَالِ) بِالِانْتِقَالِ وَالِاشْتِغَالِ. السُّؤَالُ (الثَّانِي الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ (فِيهِ) أَيْ فِي الْفَرْعِ بِأَنْ يَقُولَ مَا ذَكَرْته مِنْ الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ فَيَتَوَقَّفُ دَلِيلُك (وَهِيَ) أَيْ وَهَذِهِ هِيَ (الْمُعَارَضَةُ إذَا أُطْلِقَتْ) فِي بَابِ الْقِيَاسِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بُدَّ لَهُ) أَيْ لِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ فِيهِ (مِنْ أَصْلٍ) بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهُ (فَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ (مُعَارَضَةُ قِيَاسَيْنِ وَلِذَا) أَيْ كَوْنِهَا مُعَارَضَةَ قِيَاسَيْنِ (كَانَتْ) هِيَ الْمُعَارَضَةُ (الْحَقِيقَةُ) أَيْ حَقِيقَةُ الْمُعَارَضَةِ الْمُطْلَقَةِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (إثْبَاتُ وَصْفِهِ) أَيْ عِلِّيَّتِهِ (بِمَسْلَكِهِ وَلِلْآخَرِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (اعْتِرَاضُهُ بِمَا يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ فَيَنْقَلِبَانِ) أَيْ فَيَصِيرُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا لِانْقِلَابِ وَظِيفَتِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ انْقِلَابُهُمَا لِانْقِلَابِ التَّنَاظُرِ (وَجْهُ مَنْعِ مَانِعِهَا) أَيْ الْقَائِلِ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِمَّا قَصَدَاهُ مِنْ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نَظَرِ الْمُسْتَدِلِّ فِي دَلِيلِهِ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ نَظَرِ الْمُعْتَرِضِ فِي دَلِيلِهِ وَالْمُسْتَدِلُّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَعْرِفَةِ صِحَّةِ نَظَرِ الْمُعْتَرِضِ فِي دَلِيلِهِ وَلَا عَلَيْهِ أَتَمَّ نَظَرُ الْمُعْتَرِضِ فِي دَلِيلِهِ أَمْ لَا (وَدُفِعَ بِأَنَّ) الِانْقِلَابَ (الْمُمْتَنِعَ أَنْ يُثْبِتَ) الْمُعْتَرِضُ (مُقْتَضَى دَلِيلِهِ) نَفْسِهِ (وَهَذَا) لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَصْدُهُ (لِهَدْمِهِ) أَيْ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ (بِنَقِيضِهِ بَعْدَ تَمَامِهِ) أَيْ نَقِيضِهِ (فَالْمَعْنَى تَمَامُ دَلِيلِك) أَيُّهَا الْمُسْتَدِلُّ (مَوْقُوفٌ عَلَى هَدْمِ هَذَا) أَيْ دَلِيلِي لِمُعَارَضَتِهِ لِدَلِيلِك وَقَدْ يُجَابُ عَنْ سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ لِلْعَجْزِ عَنْ الْقَدْحِ فِيهَا وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ التَّرْجِيحِ (وَالْمُخْتَارُ قَبُولُ التَّرْجِيحِ بِمَا تَقَدَّمَ) فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ (وَلَا خِلَافَ فِيهِ) أَيْ فِي قَبُولِ التَّرْجِيحِ فِيهِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ) بِالدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ (بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ (وَقِيلَ لَا) يُقْبَلُ التَّرْجِيحُ (لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِتَسَاوِي الظَّنَّيْنِ) إذْ لَا مِيزَانَ يُوزَنُ بِهِ الظُّنُونُ وَلَا مِعْيَارَ يُعْرَفُ بِهِ مَرَاتِبُهَا (وَالتَّرْجِيحُ فَرْعُهُ) أَيْ تَسَاوِيهِمَا (وَهَذَا) مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ (يُبْطِلُ التَّرْجِيحَ مُطْلَقًا وَدَلَالَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ (يُبْطِلُهُ) أَيْ إبْطَالُ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا. (وَعَلَى الْمُخْتَارِ) مِنْ قَبُولِ التَّرْجِيحِ هَلْ يَجِبُ الْإِيمَاءُ إلَى التَّرْجِيحِ فِي مَتْنِ الدَّلِيلِ كَأَنْ يَقُولَ أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ مُوَافِقًا لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فِيهِ خِلَافٌ قِيلَ يَجِبُ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ (لَا تَجِبُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ (عَلَى الْمُسْتَدِلِّ) قَبْلَ الْمُعَارَضَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّرْجِيحَ (لَيْسَ) جُزْءًا (مِنْهُ) أَيْ الدَّلِيلِ لِلتَّوَصُّلِ بِالدَّلِيلِ إلَى الْمَدْلُولِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ نَعَمْ يُوقَفُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ عِنْدَ حُصُولِ الْمُعَارِضِ (وَتَوَقُّفُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ (عِنْدَ ظُهُورِ الْمُعَارَضَةِ شَرْطٌ) لَهُ (مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ) وَهُوَ ظُهُورُ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ مِنْ

стр. 925

تَوَابِعِ ظُهُورِهَا لِدَفْعِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الدَّلِيلِ فَلَا يَجِبُ ذِكْرُهُ فِي الدَّلِيلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْوَجْهُ لُزُومُهُ) أَيْ الْإِيمَاءِ إلَى التَّرْجِيحِ فِي الدَّلِيلِ (فِي الْعَمَلِ) أَيْ عَمَلِ الْمُنَاظِرِ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ دَلِيلًا مُوجِبًا لِلْعَمَلِ إلَّا بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُعَارِضِ أَوْ مَرْجُوحِيَّتِهِ فَيَلْزَمُ الْإِيمَاءُ إلَى التَّرْجِيحِ فِي دَلِيلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُعَارِضِ لِيَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الْمُوجِبُ لِلْعَمَلِ (لَا) فِي (الْمُنَاظَرَةِ) لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ قَبْلَ إبْدَاءِ الْمُعَارَضَةِ. (وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ سُؤَالِ اخْتِلَافِ الضَّابِطِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَهُوَ (أَنْ يَجْمَعَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ كَشُهُودِ الزُّورِ) إذَا شَهِدُوا عَلَى إنْسَانٍ بِقَتْلٍ عَمْدٍ عُدْوَانٍ فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ بِرُجُوعِهِمْ فَيُقَالُ يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ (تَسَبَّبُوا فِي الْقَتْلِ فَيُقْتَصُّ) مِنْهُمْ (كَالْمُكْرِهِ) لِغَيْرِهِ عَلَى قَتْلٍ عَمْدٍ عُدْوَانٍ (فَيُقَالُ الضَّابِطُ) فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ (فِي الْأَصْلِ الْإِكْرَاهُ وَفِي الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ تُسَاوِيهِمَا) أَيْ الْإِكْرَاهِ وَالشَّهَادَةِ ( مَصْلَحَةً ) وَهِيَ الزَّجْرُ عَنْ التَّسَبُّبِ لِلْقَتْلِ الظُّلْمِ (شَرْعًا لِيُقْتَلَ) الشَّاهِدُ (بِالشَّهَادَةِ) فَقَدْ يَكُونُ مَا وُجِدَ مِنْ التَّسَبُّبِ فِي ضَابِطِ الْأَصْلِ رَاجِحًا عَلَى مَا وُجِدَ مِنْهُ فِي ضَابِطِ الْفَرْعِ فَلَا يُمْكِنُ تَعَدِّيَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ. (وَجَوَابُهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ لِهَذَا السُّؤَالِ (إمَّا بِأَنَّ الضَّابِطَ) بَيْنَ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ الْخَاصَّيْنِ (التَّسَبُّبُ) الْمُطْلَقُ وَهُوَ (مُنْضَبِطٌ عُرْفًا) وَهَذَا الْجَوَابُ (عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ) فِي مَسْأَلَةِ حُكْمِ الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ فِي الْفُرُوعِ (مِنْ الْقِيَاسِ لِلْعِلَّةِ) أَيْ لَا يُعَلَّلُ لِإِثْبَاتِهَا (لِمَنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْقِيَاسَ بِهَا (وَجَعَلَ) الْمَنَاطَ (الْمُشْتَرَكَ) بَيْنَ الْأَمْرِ الَّذِي ثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ لِحُكْمٍ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ كَذَلِكَ (عِلَّتَهُ) أَيْ عِلَّةَ ذَلِكَ الْمَنَاطِ الْمُشْتَرَكِ إنْ انْضَبَطَ وَكَانَ ظَاهِرًا وَحِينَئِذٍ فَلَا قِيَاسَ وَمَا يُخَالُ أَصْلًا وَفَرْعًا إنَّمَا هُمَا فَرْدَا ذَلِكَ الْمَنَاطِ الْمُشْتَرَكِ (أَوْ بِأَنَّ إفْضَاءَهُ) أَيْ الضَّابِطِ إلَى الْمَقْصُودِ فِي الْفَرْعِ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ إفْضَاءِ الضَّابِطِ إلَى الْمَقْصُودِ فِي الْأَصْلِ (أَوْ أَرْجَحُ) مِنْهُ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَبِطَرِيقٍ أَوْلَى عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي كَمَا (فِيمَا لَوْ جَعَلَ أَصْلَهُ) أَيْ أَصْلَ هَذَا الْفَرْعِ (إغْرَاءُ الْحَيَوَانِ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدِ زُورًا بِإِغْرَائِهِ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْقِصَاصِ لِشَهَادَتِهِ قِيَاسًا عَلَى إغْرَاءِ الْحَيَوَانِ عَلَى الْقَتْلِ (فَإِنَّ الشَّهَادَةَ أَفْضَى إلَى الْقَتْلِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إغْرَاءِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ انْبِعَاثَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ عَلَى قَتْلِ مَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي وَالْأَخْذِ بِثَأْرِ الْمَقْتُولِ أَرْجَحُ مِنْ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يُغْرِي هُوَ عَلَيْهِ لِسَبَبِ نُفْرَتِهِ عَنْ الْآدَمِيِّ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْإِغْرَاءِ. (وَكَوْنُهُمَا) أَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ (التَّسَبُّبَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى التَّسَبُّبِ بِالْإِغْرَاءِ) كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَرَّحَ بِهِ عَضُدُ الدِّينِ قِيَاسٌ (بِلَا جَامِعٍ بَلْ) الْوَجْهُ فِيهِمَا (الشَّهَادَةُ) أَيْ قِيَاسُهَا (عَلَى الْإِكْرَاهِ أَوْ الْإِغْرَاءِ أَوْ الشَّاهِدِ) أَيْ قِيَاسِهِ (عَلَى الْمُكْرَهِ بِالتَّسَبُّبِ أَوْ بِإِلْغَاءِ التَّفَاوُتِ) بَيْنَ ضَابِطَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْمَصْلَحَةِ (إذَا أَثْبَتَهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلُّ التَّفَاوُتَ (فِي خُصُوصِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ كَمَا إذَا قَالَ التَّفَاوُتُ الْمَذْكُورُ مُلْغًى فِي الْقِصَاصِ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْقِصَاصِ بِالْمَوْتِ بِقَطْعِ الْأُنْمُلَةِ وَبِالْمَوْتِ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ كَانَ ضَرْبُ الرَّقَبَةِ أَشَدَّ إفْضَاءً إلَى الْمَوْتِ مِنْ قَطْعِ الْأُنْمُلَةِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُثْبِتْهُ فِي خُصُوصِهِ (لَمْ يَفْدِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إلْغَاءِ فَارِقٍ مُعَيَّنٍ إلْغَاءُ كُلِّ فَارِقٍ (فَلَمْ تَذْكُرْهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالَ (الْحَنَفِيَّةُ لِرُجُوعِهِ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَسُؤَالُ الْقَلْبِ مُنْدَرِجٌ فِي الْمُعَارَضَةِ) لِأَنَّهَا دَلِيلٌ يَثْبُتُ بِهِ خِلَافُ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْقَلْبُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا مَخْصُوصٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ وَالْجَامِعَ فِيهِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ قِيَاسَيْ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعَارِضِ ذَكَرَهُ عَضُدُ الدِّينِ شَرْحًا لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ اشْتَرَكَ فِيهِ الْأَصْلُ وَالْجَامِعُ لَكِنْ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمُعَارَضَةِ مَا عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ الْخِلَافِيِّينَ وَهِيَ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ مَا أَقَامَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُغَايِرًا لِدَلِيلِهِ أَوْ عَيْنَهُ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لِاشْتِرَاطِ مُغَايَرَةِ الْوَصْفَيْنِ أَعْنِي وَصْفَيْ الْمُعَلِّلِ وَالْمُعَارِضِ فِيهَا اهـ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ عَضُدِ الدِّينِ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِيءُ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُعَارَضَةِ فِي قَبُولِهِ وَيَكُونُ الْمُخْتَارُ قَبُولَهُ إلَّا أَنَّهُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ الْمَحْضَةِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الِانْتِقَالِ فَإِنَّ قَصْدَ هَدْمِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ لِأَدَائِهِ إلَى التَّنَاقُضِ ظَاهِرٌ فِي الْقَلْبِ

стр. 926

وَلِأَنَّهُ مَانِعٌ لِلْمُسْتَدِلِّ مِنْ تَرْجِيحِ دَلِيلِهِ عَلَى دَلِيلِ الْمُعْتَرِضِ بِالتَّوْسِعَةِ وَالتَّعَدِّيَةِ إذْ التَّرْجِيحُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهُنَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ اهـ مُوَضَّحًا فِيهِ تَأَمَّلْ. (وَكَلَامُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُعَارَضَةُ) وَأَسْلَفْنَا بَيَانَهَا (نَوْعَانِ) النَّوْعُ الْأَوَّلُ (مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ) وَهِيَ الْمُقَابَلَةُ بِالتَّعْلِيلِ الْمُبْطِلِ لِتَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ (وَهِيَ الْقَلْبُ) وَتَحْقِيقُهَا أَنَّ الْمُعَارَضَةَ إبْدَاءُ دَلِيلٍ مُبْتَدَأٍ بِدُونِ التَّعَرُّضِ لِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَالْمُنَاقَضَةُ إبْطَالُ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ بِدُونِ إبْدَاءِ دَلِيلٍ مُبْتَدَأٍ وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ مُرَكَّبًا مِنْ أَحَدِ جُزْأَيْ الْمُعَارَضَةِ وَهُوَ إبْدَاءُ عِلَّةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَأَحَدُ جُزْأَيْ الْمُنَاقَضَةِ وَهُوَ إبْطَالُ الدَّلِيلِ سَمَّيْنَاهُ بِاسْمٍ آخَرَ مُنْبِئٍ عَنْهُمَا وَهُوَ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ وَلَمْ يُسَمِّ مُنَاقَضَةً فِيهَا مُعَارَضَةٌ لِأَنَّ إبْدَاءَ الْعِلَّةِ بِمُقَابَلَةِ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ سَابِقٌ وَمَقْصُودٌ وَتَخَلُّفَ الْحُكْمِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ فَكَانَتْ الْمُعَارَضَةُ أَصْلًا (وَيُقَالُ) الْقَلْبُ (لِجَعْلِ الْأَعْلَى أَسْفَلَ) وَالْأَسْفَلَ أَعْلَى كَقَلْبِ الْإِنَاءِ (وَمِنْهُ) أَيْ جَعْلِ الْأَعْلَى أَسْفَلَ وَالْأَسْفَلَ أَعْلَى (جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَقَلْبِهِ) أَيْ جَعْلِ الْعِلَّةِ مَعْلُولًا فَجَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً جَعْلُ الْأَسْفَلِ أَعْلَى وَجَعْلُ الْعِلَّةِ مَعْلُولًا جَعْلُ الْأَعْلَى أَسْفَلَ (فَإِنَّ الْعِلَّةَ أَعْلَى لِلْأَصْلِيَّةِ) أَيْ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَالْمَعْلُولُ فَرْعٌ وَهُوَ أَسْفَلُ فَتَبْدِيلُهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْإِنَاءِ مَنْكُوسًا. (وَإِنَّمَا يُمْكِنُ) هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ (فِي التَّعْلِيلِ بِحُكْمٍ) أَيْ فِيمَا إذَا جَعَلَ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ فِيهِ عَدَّاهُ إلَى الْفَرْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا اسْتَقَامَ عِلَّةً اسْتَقَامَ حُكْمًا لَا فِي التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمَحْضِ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ حُكْمًا بِوَجْهٍ وَلَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ عِلَّةً لَهُ أَصْلًا (كَالْكُفَّارِ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ) أَيْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ الْحُرُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الَّذِي وَطِئَ امْرَأَةً فِي الْقُبُلِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ يُرْجَمُ لِأَنَّ الْكُفَّارَ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً إذَا كَانَ حُرًّا (فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارَ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءَ الْوَاطِئِينَ لِامْرَأَةٍ فِي الْقُبُلِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ يُرْجَمُونَ لِأَنَّهُ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَجَعَلَ جَلْدَ الْبِكْرِ مِائَةً عِلَّةً لِوُجُوبِ رَجْمِ الثَّيِّبِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَاسَ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْجَامِعِ وَهُوَ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَيَقُولُ) الْحَنَفِيُّ الْمُعْتَرِضُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ لِأَنَّهُ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ بَلْ (إنَّمَا جُلِدَ بِكْرُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ) فَلَا يَلْزَمُ رَجْمُ الذِّمِّيِّ الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الثَّيِّبِ الزَّانِي (فَحَيْثُ جَعَلَ) الْحَنَفِيُّ الْمُعْتَرِضُ مَا جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ الْمُسْتَدِلُّ (الْعِلَّةَ) فِي الْأَصْلِ وَهُوَ جَلْدُ الْمِائَةِ (حُكْمًا) فِيهِ وَمَا جَعَلَهُ حُكْمًا فِيهِ وَهُوَ رَجْمُ الثَّيِّبِ الْعِلَّةَ فِيهِ كَانَ هَذَا الْقَلْبُ مُعَارَضَةً صُورَةً لِتَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ بِتَعْلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْمُسْتَدِلُّ وَكَانَ الْحُكْمُ عِلَّةً (لَزِمَهَا النَّقْضُ) لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ حُكْمًا فَهِيَ تُوجَدُ وَلَا يُوجَدُ مَعَهَا الْحُكْمُ وَلَيْسَ النَّقْضُ إلَّا وُجُودَ الْمُدَّعِي عِلَّةً مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ (وَهُوَ) أَيْ وَهَذَا (قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ مُعَارَضَةً (فِيهَا مُنَاقَضَةٌ) أَيْ إبْطَالٌ لِتَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ. هَذَا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَعَامَّةُ الْأُصُولِيِّينَ مَعْنَى الْمُعَارَضَةِ فِي هَذَا الْقَلْبِ وَجَعَلُوهُ إبْطَالًا لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلْهِنْدِيِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ إبْدَاءُ دَلِيلٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُعَلِّلِ فِي مَحَلِّ اسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا هُنَا فِي الْقَلْبِ إذْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِتَعْلِيلِ الْقَالِبِ لَا يَتَعَرَّضُ لِحُكْمِ الْمُعَلَّلِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ تَعْلِيلُهُ عَلَى فَسَادِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ فَكَانَ إبْطَالًا لَا مُعَارَضَةً وَفِي الْكَشْفِ لَكِنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ اعْتَبَرَ صُورَةَ الْمُعَارَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْغَالِبَ عَارَضَ تَعْلِيلَ الْمُعَلِّلِ بِتَعْلِيلٍ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ حُكْمِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ فِي الْأَصْلِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِ الْقَالِبِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ تَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ عَدَمُ الْمَعْلُولِ لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ لِأَنَّ دَلِيلَهُ تَعْلِيلٌ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ وَهَذَا عَدَمِيٌّ وَقَدْ عُرِفَ الْخِلَافُ فِيهِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ جَوَازِهِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ وَلَعَمْرِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمُمَانَعَةِ مِنْهُ إلَى الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ يَمْنَعُ نَفْسَ الدَّلِيلِ وَصَلَاحِيَّتَهُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَقَطَعَ بِهِ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ. (وَالِاحْتِرَاسُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ هَذَا الْقَلْبِ حَتَّى لَا يَتَأَتَّى إيرَادُهُ عَلَى الْمُعَلِّلِ (جَعَلَهُ) أَيْ الْكَلَامَ (اسْتِدْلَالًا) أَيْ لَا يُورَدُ الْحُكْمَانِ بِطَرِيقِ

стр. 927

تَعْلِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي جَعْلِ الْمَعْلُولِ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ بِأَنْ يُقَيِّدَ الثُّبُوتَ بِتَصْدِيقِهَا كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخَشَبَةُ قَدْ مَسَّتْهَا النَّارُ لِأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ وَهَذَا الْإِنْسَانُ مُتَعَفِّنُ الْأَخْلَاطِ لِأَنَّهُ مَحْمُومٌ (وَهُوَ) أَيْ الِاحْتِرَاسُ عَنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ إنَّمَا يَتِمُّ (إذَا ثَبَتَ التَّلَازُمُ شَرْعًا) بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِثُبُوتِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلَ الْآخَرِ وَمَدْلُولَهُ (كَالتَّوْأَمَيْنِ) أَيْ الْمَوْلُودَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ (فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالنَّسَبِ) فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لِأَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ لِثُبُوتِهِ فِي الْآخَرِ وَالرِّقُّ فِي أَيِّهِمَا كَانَ لِثُبُوتِهِ فِي الْآخَرِ وَنَسَبُ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ لِثُبُوتِهِ فِي الْآخَرِ مِثَالُهُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فَلَوْ قِيلَ قَلْبًا الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا لِأَنَّهُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي نَفْسِهَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْوِلَايَةِ إنَّمَا هُوَ الْعَجْزُ الْمَوْجُودُ فِي الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى التَّصَرُّفِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْحُرِّ اكْتِفَاءً بِرَأْيِهِ وَإِنَّمَا يُقَامُ رَأْيُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ إذَا عُدِمَ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ نَظَرًا لَهُ وَلِهَذَا كَانَتْ تَصَرُّفَاتُ الْوَلِيِّ لَهُ مَشْرُوطَةً بِالْغِبْطَةِ فَالْوِلَايَةُ لِلْوَلِيِّ ظَاهِرًا وَعَلَيْهِ مَعْنًى وَلِهَذَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا وَيَأْثَمُ بِتَقْصِيرِهِ فِي رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ لَهُ. وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِي الْعَجْزِ وَالْحَاجَةِ سَوَاءٌ فَأَمْكَنَ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي الْأُخْرَى لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْعِلَّةِ بِخِلَافِ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِ هَذَا الْمَخْلَصُ بِهَذَا الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ لَا مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ لِأَنَّ الرَّجْمَ نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ لِإِتْيَانِهِ عَلَى النَّفْسِ وَالْجَلْدَ نَائِبٌ مَحَلُّهُ ظَاهِرُ الْبَدَنِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الشَّرْطُ لِأَنَّ النِّيَابَةَ شَرْطُ الرَّجْمِ دُونَ الْجَلْدِ فَجَازَ أَنْ يُفَرَّقَا فِي شَرْطِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَلْزَمُ الِانْقِطَاعُ صُورَةً هَذَا وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ يُوهِمُ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَصِيرُ مُنْقَطِعًا بِالْقَلْبِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ بَعْدَهُ قَالَ الْفَاضِلُ الْقَاآنِي وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا عِلَّةٌ لِذَاكَ أَوْ لَا بِأَنْ يَقُولَ الْكُفَّارُ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ وَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ التَّدَارُكُ مُمْكِنٌ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَبِأَنْ يَقُولَ الْعِلَّةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ تُطْلَقُ عَلَى الْمُعَرِّفِ وَالْمُرَادُ هُوَ الثَّانِي فَلَا يَضُرُّنَا الْقَلْبُ لِأَنَّ الشَّيْءَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعَرِّفًا لِشَيْءٍ وَذَلِكَ الشَّيْءُ مُعَرِّفًا لَهُ كَالنَّارِ مَعَ الدُّخَانِ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ عِلَّةً لِصَاحِبِهِ بِمَعْنَى كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَرِّفًا لِصَاحِبِهِ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَبِأَنْ يَقُولَ غَرَضِي الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَمَا ذَكَرْت مِنْ الْقَلْبِ لَا يُنَافِي غَرَضِي فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَا يَنْقَطِعُ بِالْقَلْبِ وَلَهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ عَنْهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ (وَ) يُقَالُ (لِجَعْلِ الظَّهْرِ بَطْنًا) وَالْبَطْنَ ظَهْرًا كَقَلْبِ الْجِرَابِ (وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ (جَعْلُ وَصْفِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (شَاهِدًا) أَيْ حُجَّةً (لَك) أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ شَاهِدًا لَهُ عَلَيْك فِي إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ فَوَجْهُ الْوَصْفِ كَانَ إلَى الْمُعَلِّلِ أَيْ مُقْبِلًا عَلَيْهِ وَظَهْرُهُ إلَى السَّائِلِ أَيْ مُعْرِضًا عَنْهُ فَصَارَ وَجْهُهُ إلَى السَّائِلِ وَظَهْرُهُ إلَى الْمُعَلِّلِ وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَصْفَ لَمَّا شَهِدَ لِلْمُعْتَرِضِ بَعْدَ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ صَارَ مُتَنَاقِضًا فِي شَهَادَتِهِ فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُ. (وَلَا بُدَّ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا النَّوْعِ (مِنْ زِيَادَةٍ) فِي الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ (تُورِدُ تَفْسِيرًا لِمَا أَبْهَمَهُ الْمُسْتَدِلُّ) مِنْ الْوَصْفِ وَتَقْرِيرًا لَهُ لَا تَغْيِيرًا فَكَانَ الْحُكْمُ مُعَلَّقًا بِعَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَا بِغَيْرِهِ لِيَلْزَمَ أَنْ لَا يَكُونَ قَلْبًا بَلْ يَكُونُ مُعَارَضَةً مَحْضَةً غَيْرَ مُتَضَمِّنَةٍ لِلْإِبْطَالِ وَحَقِيقَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ أَنَّهُ رَبْطُ خِلَافِ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ إلْحَاقًا بِأَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ (كَصَوْمِ فَرْضٍ) أَيْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ صَوْمُ فَرْضٍ (فَلَا يَتَأَدَّى بِلَا تَعْيِينٍ) لِلنِّيَّةِ (كَالْقَضَاءِ) أَيْ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ فَعَلَّقَ وُجُوبَ التَّعْيِينِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ (فَيَقُولُ) الْحَنَفِيُّ (صَوْمُ فَرْضٍ مُتَعَيِّنٍ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِانْتِفَاءِ سَائِرِ الصِّيَامَاتِ عَنْ الْوَقْتِ (فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ بَعْدَ تَعَيُّنِهِ (كَالْقَضَاءِ)

стр. 928

أَيْ كَصَوْمِهِ (بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ) فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا عَيَّنَ مَرَّةً لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ ثَانِيًا فَالْمُسْتَدِلُّ قَالَ صَوْمُ فَرْضٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَيِّنًا فِي هَذَا الْوَقْتِ تَرْوِيجًا لِمَطْلُوبِهِ وَذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ تَفْسِيرًا لَهُ وَبَيَانًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ مَحَلَّهُ الصَّوْمُ الْفَرْضُ الْمُتَعَيَّنُ فِي وَقْتِهِ فَيَكُونُ الْأَصْلُ لَهُ صَوْمَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّ تَعْيِينَ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْقَضَاءِ بِالشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ وَلَا ضَيْرَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَعْيِينُ الشَّارِعِ أَدْنَى مِنْ تَعْيِينِ الْعَبْدِ. (وَمِنْهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ الْمَسْحُ (رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَيْسَ تَكْرِيرُهُ كَالْغُسْلِ فَيَقُولُ) الْحَنَفِيُّ الْمَسْحُ (رُكْنٌ فِيهِ) أَيْ الْوُضُوءِ (أَكْمَلُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ) وَهُوَ اسْتِيعَابُ بَاقِيهِ (فَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُهُ كَالْغُسْلِ فَهِيَ) أَيْ الزِّيَادَةُ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ (تَفْسِيرٌ) لِحُصُولِ مَحَلِّ النِّزَاعِ (لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ بَعْدَ إكْمَالِهِ كَذَلِكَ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى الْفَرْضِ (وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ وَلَمْ يَصِحَّ إيرَادُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ لِهَذَا) الْمِثَالِ (فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَيْسَ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَقْرِيرٌ فِي الْمَعْنَى فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ مَا جَعَلَ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ دَلِيلًا عَلَى نَقِيضِ مُدَّعَاهُ فَيَلْزَمُ إبْطَالُهُ (وَإِذَا عَلِمْت) فِي أَوَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ (أَنَّ الْإِيرَادَ) أَيْ إيرَادَ الْمُعْتَرِضِ لِلِاعْتِرَاضِ إنَّمَا هُوَ (عَلَى ظَنِّهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (التَّأْثِيرَ لَا) عَلَى (حَقِيقَتِهِ) أَيْ التَّأْثِيرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (صَحَّ إيرَادُ الْقَلْبِ عَلَى) الْعِلَلِ (الْمُؤَثِّرَةِ كَفَسَادِ الْوَضْعِ) إذْ الْمُنَافَاةُ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ التَّأْثِيرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَتَمَامُ الْمُعَارَضَةِ عَلَى الْقَطْعِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ (وَيُخَالِفُهُ) أَيْ الْقَلْبَ فَسَادُ الْوَضْعِ (بِالزِّيَادَةِ) فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَلْبِ (وَبِكَوْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَلْبِ (أَعَمَّ مِنْ مُدَّعَاهُ) فَلَا يَكُونُ مَنْعُ وُرُودِهِ عَلَى الْمُؤَثِّرَةِ صَحِيحًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْقَلْبَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْقَالِبَ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ فَلَا يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْأَصْلِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ. وَإِنْ تَعَرَّضَ لِنَقِيضِهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِأَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ وَلَا إثْبَاتِهِ بِعِلَّتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَاسْتِحَالَةِ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ حُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ لِتَعَذُّرِ مُنَاسَبَتِهِمَا لَهُمَا وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْمَنْعِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ مِنْ لَوَازِمِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قَادِحًا فِي الدَّلِيلِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ شَرْطَ الْقَلْبِ اشْتِمَالُ الْأَصْلِ عَلَى حُكْمَيْنِ غَيْرِ مُتَنَافِيَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا قَدْ امْتَنَعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْفَرْعِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ وَنَقِيضِهِ حَقِيقَةً فَلَمْ يَكُنْ اجْتِمَاعُهُمَا فِي أَصْلِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُنَاسِبَةً لِلْحُكْمِ فِي نَظَرِ الْمُسْتَدِلِّ وَلِنَقِيضِهِ فِي نَظَرِ الْمُعْتَرِضِ فَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فِي الْفَرْعِ ثُمَّ حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ الْقَلْبَ صَحِيحٌ وَهُوَ مُعَارَضَةٌ فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَمْنَعَ حُكْمَ الْقَالِبِ فِي الْأَصْلِ وَأَنْ يَقْدَحَ فِي تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ بِالنَّقْضِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَأَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِهِ إذَا أَمْكَنَهُ بِبَيَانِ أَنَّ اللَّازِمَ لَا يُنَافِي حُكْمَهُ وَأَنْ يَقْلِبَ قَلْبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَلْبُ الْقَلْبِ مُنَاقِضًا لِحُكْمِهِ لِأَنَّ قَلْبَ الْقَلْبِ إذَا فَسَدَ بِالْقَلْبِ الثَّانِي سَلِمَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مِنْ الْقَلْبِ كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْأُصُولِ وَقِيلَ لَا يُسْمَعُ الْقَلْبُ وَالنَّقْضُ عَلَى الْقَلْبِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْسَادِ لِكَلَامِ الْخَصْمِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ وَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْقَلْبَ لَا يُخْرِجُ دَلَالَةَ الْوَصْفِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ. (قَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (وَيَقْلِبُ الْعِلَّةَ مِنْ وَجْهٍ فَاسِدٍ كَعِبَادَةٍ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ) أَيْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي نَفْلٍ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ غَيْرُ مُلْزِمٍ لِلشَّارِعِ فِيهِ إتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ إذَا أَفْسَدَ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا إذَا فَسَدَتْ كَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَلَمْ يَلْزَمْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ بِجَامِعِ أَنَّ الْكُلَّ عِبَادَةٌ وَلَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا وَاحْتُرِزَ بِلَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا عَنْ الْحَجِّ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ بِالشُّرُوعِ لِوُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدَةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ (فَيَقُولُ) الْحَنَفِيُّ

стр. 929

مَا كَانَ عِبَادَةً لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا (فَيَسْتَوِي عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ فِيهَا كَالْوُضُوءِ) أَيْ كَمَا اسْتَوَى عَمَلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ بِالشُّرُوعِ لَمْ يَلْزَمْ بِالنَّذْرِ (فَتَلْزَمُ) الْعِبَادَةُ النَّافِلَةُ (بِالشُّرُوعِ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ) إجْمَاعًا لِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الشُّرُوعُ مَعَ النَّذْرِ فِي الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ تَوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لِأَنَّ النَّاذِرَ عَهِدَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالشَّارِعُ عَزَمَ عَلَى الْإِبْقَاءِ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ صِيَانَةً لِمَا أَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَحَيْثُ وَجَبَتْ بِالنَّذْرِ إجْمَاعًا وَجَبَتْ بِالشُّرُوعِ عَمَلًا بِقَضِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ وَيُسَمَّى هَذَا قَلْبُ التَّسْوِيَةِ (وَسَمَّاهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَكْسًا لِأَنَّ حَاصِلَهُ عَكْسُ خُصُوصِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَهُوَ) أَيْ حُكْمُ الْأَصْلِ وَهُوَ الْوُضُوءُ فِي هَذَا الْمِثَالِ (عَدَمُ اللُّزُومِ بِالنَّذْرِ وَلِشُرُوعٍ فِي الْفَرْعِ) أَيْ الْعِبَادَةِ النَّافِلَةِ وَهُوَ لُزُومُهَا بِهِمَا. (وَهَذَا) النَّوْعُ مِنْ الْقَلْبِ هُوَ (الْمَنْسُوبُ إلَى الْحَنَفِيَّةِ أَوَّلُ الْقِيَاسِ مُسَمًّى بِقِيَاسِ الْعَكْسِ) وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ (وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِاعْتِرَاضٍ) هُوَ رَدُّ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ سُنَنِ الْأَصْلِ (وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِهِ فَقِيلَ نَعَمْ) يُقْبَلُ وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (إذْ جَعَلَ) الْمُعْتَرِضُ (وَصْفَهُ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (شَاهِدًا لِمَا يَسْتَلْزِمُ نَقِيضَ مَطْلُوبِهِ) أَيْ الْمُسْتَدِلِّ (وَهُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الْمُسْتَلْزِمُ لِنَقِيضِ مَطْلُوبِ الْمُسْتَدِلِّ (الِاسْتِوَاءُ) لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ الشُّرُوعُ وَالنَّذْرُ لَوْ ثَبَتَ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الشُّرُوعِ مُلْزِمًا كَالنَّذْرِ وَهُوَ خِلَافُ دَعْوَى الْمُسْتَدِلِّ (وَالْمُخْتَارُ) كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيُّ وَالْخَبَّازِيُّ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ أَنَّهُ (لَا) يُقْبَلُ (لِأَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ يُوجِبُ شَبَهًا فِي شَيْءٍ لَا يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الشَّبَهِ) بَيْنَ الْمُتَشَابِهَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ (لِيَلْزَمَ الِاسْتِوَاءُ مُطْلَقًا) لَهُمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا ثُمَّ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ لِانْتِفَاءِ اتِّحَادِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِلَافِ الِاسْتِوَاءِ فِيهِمَا فَإِنَّ اسْتِوَاءَ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي الْوُضُوءِ سُقُوطُ الْإِلْزَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلنَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْإِجْمَاعِ وَاسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ثُبُوتُ الْإِلْزَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُلْزِمًا وَالثُّبُوتُ وَالسُّقُوطُ مَعْنَيَانِ مُتَنَافِيَانِ وَكَيْفَ لَا وَظَاهِرُ امْتِنَاعِ تَعْدِيَةِ اسْتِوَاءِ السُّقُوطِ فِي الْوُضُوءِ لِإِثْبَاتِ الِاسْتِوَاءِ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ لَا يُعَارِضُهُ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ. (وَمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ) النَّوْعِ (الثَّانِي) مِنْ الْقَلْبِ (وَهُوَ دَعْوَى تَجْوِيزِ ثُبُوتِ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْفَرْعِ بِوَصْفِهِ) أَيْ وَصْفِ حُكْمِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْأَصْلِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ أَنَّ وُجُودَ الْجَامِعِ فِي الْفَرْعِ يَسْتَلْزِمُ مُخَالَفَةَ حُكْمِهِ حُكْمَ الْأَصْلِ فَوُجُودُ الْجَامِعِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُكْمَيْنِ مُتَخَالِفَيْنِ فِيهِمَا يَصِحُّ إضَافَتُهُمَا إلَى الْجَامِعِ لِأَنَّهُمَا لَازِمَانِ لَهُ وَإِلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِحُلُولِهِمَا فِيهِمَا (وَهُوَ قَلْبٌ) مِنْ الْمُعْتَرِضِ (لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (لِيُبْطِلَ الْمُسْتَدِلَّ) أَيْ مَذْهَبَهُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ لِتَنَافِيهِمَا (كَلُبْثٍ) أَيْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ الِاعْتِكَافُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ لُبْثٌ مَخْصُوصٌ (وَمُجَرَّدُهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (كَالْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ فَإِنَّ مُجَرَّدَهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ وَإِنَّمَا صَارَ قُرْبَةً بِانْضِمَامِ عِبَادَةٍ إلَيْهِ وَهِيَ الْإِحْرَامُ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ اعْتِبَارِ عِبَادَةٍ مَعَهُ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً (فَيُشْتَرَطُ فِيهِ) أَيْ فِي الِاعْتِكَافِ (الصَّوْمُ) لِأَنَّ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ عِبَادَةٍ إلَيْهِ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً قَالَ هِيَ الصَّوْمُ لَا غَيْرُ (فَيَقُولُ) الشَّافِعِيُّ (فَلَا يُشْتَرَطُ) فِيهِ الصَّوْمُ (كَالْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ أَشَارَ إلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ وَالْمُعْتَرِضَ أَشَارَ إلَى نَفْيِ اشْتِرَاطِهِ صَرِيحًا (وَ) قَلْبٌ (لِإِبْطَالِ) مَذْهَبِ (الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (كَالْحَنَفِيِّ فِي الرَّأْسِ) أَيْ كَقَوْلِهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالرُّبْعِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ (مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا يَكْفِي أَقَلُّهُ) أَيْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ (كَبَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ فَيَقُولُ) الشَّافِعِيُّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلَا يُقَدَّرُ بِالرُّبْعِ كَبَقِيَّتِهَا) أَيْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَوُرُودُهُ) أَيْ هَذَا الْقَلْبِ بِنَاءً (عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اتَّفَقْنَا) مَعَاشِرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى (أَنَّ الثَّابِتَ

стр. 930

أَحَدُهُمَا) أَيْ أَقَلُّ الرَّأْسِ أَوْ الرُّبْعُ فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِهِ صِحَّةُ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ إذَا كَانَ ثَمَّ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ هُنَا الِاسْتِيعَابُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحُ. (أَوْ) لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ (الْتِزَامًا كَقَوْلِهِ) أَيْ الْحَنَفِيِّ (فِي بَيْعِ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ فَيَقُولُ) الشَّافِعِيُّ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ (فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) كَالْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ فَالْمُعْتَرِضُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ صَرِيحًا بَلْ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِهَا قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ انْتِفَاءُ الصِّحَّةِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (فَلَا يَصِحُّ) إذْ يُقَالُ لَهُ لَكِنَّك قُلْت إذَا رَأَى الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ فَسَخَهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَازِمٌ لِلصِّحَّةِ عِنْدَك وَقَدْ انْتَفَى اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ ثُمَّ فِي الْكَشْفِ قُلْت هَذِهِ أَقْيِسَةٌ لَيْسَتْ بِمُنَاسِبَةٍ فَضْلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً بَلْ بَعْضُهَا طَرْدِيَّةٌ وَبَعْضُهَا شَبَهِيَّةٌ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الشَّارِطُونَ لِلتَّأْثِيرِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ الطَّرْدِ وَالشَّبَهِ كَيْفَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ وَكَيْفَ يُعَلِّلُونَ بِهَا وَالِالْتِفَاتُ إلَى مِثْلِهَا لَيْسَ مِمَّنْ دَأْبُهُمْ وَهِجِّيرَاهُمْ لَكِنَّ الْمُخَالِفِينَ وَضَعُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَنَسَبُوهَا إلَى أَصْحَابِنَا وَأَوْرَدُوهَا أَمْثِلَةً فِي كُتُبِهِمْ لِيَصِحَّ لَهُمْ أَقْسَامُ الْقَلْبِ الَّتِي ذَكَرُوهَا. النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيْ الْمُعَارَضَةِ (الْمُعَارَضَةُ الْخَالِصَةُ) مِنْ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ (فِي) حُكْمِ (الْفَرْعِ) وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةً أُخْرَى تُوجِبُ خِلَافَ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُسْتَدِلِّ (بِلَا تَغْيِيرٍ) وَلَا زِيَادَةٍ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِعَيْنِهِ فَيَقَعُ بِهِ مَحْضُ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإِبْطَالِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ فَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِمَا لِمُدَافَعَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يُقَابِلُهَا مَا لَمْ تَتَرَجَّحْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَإِذَا تَرَجَّحَتْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحَةِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ (وَيَسْتَدْعِي أَصْلًا آخَرَ وَعِلَّةً) أُخْرَى (كَالْمَسْحِ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَكْرِيرُهُ كَالْغُسْلِ) أَيْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ هَذَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ (فَيَقُولُ) الْحَنَفِيُّ مَسْحُ الرَّأْسِ (مَسْحٌ فَلَا يُكَرَّرُ كَمَسْحِ الْخُفِّ) فَهَذَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ الصَّحِيحَةِ مُثْبِتًا حُكْمًا مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا تَغْيِيرٍ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ إذْ أَصْلُ الْأَوَّلِ الْغُسْلُ وَعِلَّتُهُ الرُّكْنِيَّةُ وَأَصْلُ الثَّانِي مَسْحُ الْخُفِّ وَعِلَّتُهُ كَوْنُهُ مَسْحًا (وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَ أَصْلَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (لِتَيَمُّمٍ) فَيُقَالُ كَالتَّيَمُّمِ (فَيَنْدَفِعُ) عَلَى هَذَا (الْمُتَوَهَّمِ مِنْ مَانِعِ فَسَادِ الْخُفِّ) أَيْ إنَّمَا لَمْ يُكَرِّرْ مَسْحَ الْخُفِّ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّلَفِ وَأَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهَا بِعَطْفِهِ عَلَى بِلَا تَغْيِيرٍ قَوْلَهُ (أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَا) فِي الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي إثْبَاتِهِ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَالْأَخِ (فِي صَغِيرَةٍ بِلَا أَبٍ وَجَدِّ صَغِيرَةٍ فَيُوَلَّى عَلَيْهَا فِي الْإِنْكَاحِ كَذَاتِ الْأَبِ) أَيْ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَهَا أَبٌ بِجَامِعِ الصِّغَرِ الْمُوجِبِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِ (فَيَقُولُ) الشَّافِعِيُّ (الْأَخُ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا كَالْمَالِ) فَإِنَّ الْأَخَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمَالِ إجْمَاعًا، وَهَذَا مُعَارَضَةٌ صَحِيحَةٌ خَالِصَةٌ صَحِيحَةٌ مُثْبِتَةٌ حُكْمًا مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِعَيْنِهِ لَكِنْ مَعَ تَغْيِيرٍ مَا فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ إذْ الْعِلَّةُ فِي الْأَوَّلِ الصِّغَرُ وَفِي الثَّانِي قُصُورُ الشَّفَقَةِ وَفِي الْحُكْمِ تَغْيِيرٌ مِنْ إطْلَاقٍ يَشْمَلُ الْأَخَ وَغَيْرَهُ إلَى تَقْيِيدٍ بِالْأَخِ. (وَأَمَّا نَظْمُهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ الْمُعَارَضَةَ (صَغِيرَةً فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا قَرَابَةُ الْإِخْوَةِ كَالْمَالِ) كَمَا فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالتَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا بِوِلَايَةِ الْإِخْوَةِ (فَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ بَلْ مِنْ الْقَلْبِ فَالْمُعْتَرِضُ (عَارَضَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ) الَّتِي أَثْبَتَهَا الْمُسْتَدِلُّ (بِنَفْيِهَا) أَيْ الْوِلَايَةِ (عَنْ خُصُوصٍ) وَهُوَ الْأَخُ فَهَذَا الْقَدْرُ مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ لِعَدَمِ قَدْحِهِ فِي كَلَامِ الْمُعَلِّلِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ (يَلْزَمُهُ) أَيْ نَفْيُهَا عَنْهُ (نَفْيُ) حُكْمِ (الْمُعَلِّلِ لِأَنَّ قَرَابَتَهُ) أَيْ الْأَخِ (أَقْرَبُ) إلَيْهَا (بَعْدَ الْوِلَادِ) أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَلَدِ (فَنَفْيُهَا) أَيْ وِلَايَةُ الْأَخِ (نَفْيُ مَا بَعْدَهَا) مِنْ وِلَايَةِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ عَمٍّ وَغَيْرِهِ (مُطْلَقًا) ظَهَرَ مَعْنَى الصِّحَّةِ فِيهِ وَأَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ إثْبَاتُ) الْمُعْتَرِضِ حُكْمًا (آخَرَ) يُخَالِفُ فِي الصُّورَةِ حُكْمًا آخَرَ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ مُقَابِلًا لِذَلِكَ

стр. 931

الْآخَرِ لَكِنَّهُ (يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ نَفْيَ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ (كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَحَقِّيَّةِ الْمَنْعِيِّ) أَيْ الَّذِي نُعِيَ إلَى زَوْجَتِهِ أَيْ أُخْبِرَتْ بِمَوْتِهِ فَتَرَبَّصَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ (بِوَلَدِهَا) الَّذِي وَلَدَتْهُ (فِي نِكَاحِ مَنْ تَزَوَّجَتْهُ بَعْدَهُ) أَيْ الْمَنْعِيِّ إذَا جَاءَ مِنْ الَّذِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ الْمَنْعِيُّ (صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ) لِقِيَامِ نِكَاحِهِ (فَهُوَ أَحَقُّ) بِالْوَلَدِ (مِنْ) صَاحِبِ الْفِرَاشِ (الْفَاسِدِ) وَهُوَ الْمُتَزَوِّجُ بِهَا مَعَ قِيَامِ نِكَاحِ الْمَنْعِيِّ (كَمَا لَا يُحْصَى) مِنْ تَقْدِيمِ الصَّحِيحِ عَلَى الْفَاسِدِ عِنْدَ التَّعَارُضِ (فَيَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ كَالصَّاحِبَيْنِ الزَّوْجُ (الثَّانِي صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ فَيَلْحَقُهُ) الْوَلَدُ (كَالْمُتَزَوِّجِ بِلَا شُهُودٍ) إذَا وَلَدَتْ الْمُتَزَوِّجُ بِهَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الْفِرَاشُ فَاسِدًا (فَإِثْبَاتُهُ) أَيْ الْوَلَدِ (مِنْ الثَّانِي) مُعَارَضَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ آخَرُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي أَثْبَتَ الْمُعَلِّلُ فِيهِ حُكْمَهُ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ أَثْبَتَ النَّسَبَ مِنْ الْأَوَّلِ بِفِرَاشٍ صَحِيحٍ وَالْمُعْتَرِضَ أَثْبَتَهُ مِنْ الثَّانِي بِفِرَاشٍ فَاسِدٍ وَاتِّحَادُ الْمَحَلِّ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ (يَلْزَمُهُ) أَيْ هَذَا الْإِثْبَاتَ (نَفْيُهُ) أَيْ لِوَلَدٍ (عَنْ الْأَوَّلِ لِلْإِجْمَاعِ أَنْ لَا يَثْبُتَ مِنْهُمَا) وَقَدْ وَجَدَ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ النَّسَبِ فِي حَقِّ الثَّانِي وَهُوَ الْفِرَاشُ الْفَاسِدُ صَحَّتْ وَاحْتِيجَ إلَى التَّرْجِيحِ (فَرَجَّحَ) أَبُو حَنِيفَةَ (الْمِلْكَ وَالصِّحَّةَ) الْكَائِنَيْنِ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ فِرَاشَهُ صَحِيحٌ وَمِلْكَهُ قَائِمٌ (عَلَى الْحُضُورِ وَالْمَاءِ) أَيْ كَوْنِ الثَّانِي حَاضِرًا وَالْمَاءِ لَهُ (كَالزِّنَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْوَجْهُ) أَنْ يُقَالَ (تَرَجَّحَ) الْأَوَّلُ (بِالصِّحَّةِ عَلَى) الثَّانِي بِمُجَرَّدِ (الْحُضُورِ) مَعَ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ صِحَّةَ الْفِرَاشِ تُوجِبُ حَقِيقَةَ النَّسَبِ وَالْفَاسِدُ شُبْهَتُهُ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ شُبْهَتِهِ (أَمَّا الْمَاءُ فَمُقَدَّرٌ فِيهِمَا) أَيْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالزَّوْجِ الثَّانِي لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِهِ مِنْ الثَّانِي قُلْت فَانْدَفَعَ مَا فِي التَّلْوِيحِ وَرُبَّمَا يُقَالُ فِي الْحُضُورِ حَقِيقَةُ النَّسَبِ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى لِأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ مَائِهِ. (وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ مُخَالَفَةَ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ) إذْ لَا يَصِحُّ مَعَهَا قِيَاسٌ إذْ مِنْ شَرْطِهِ اتِّحَادُ الْحُكْمِ كَمَا عُرِفَ (كَقِيَاسِ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَكْسِهِ) أَيْ النِّكَاحِ عَلَى الْبَيْعِ (فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ) بِجَامِعٍ فِي صُورَةٍ (فَيَقُولُ) الْمُعْتَرِضُ الْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ حَقِيقَةً (عَدَمُهَا) أَيْ الصِّحَّةِ (فِي الْبَيْعِ حُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ) بِالْبَيْعِ (وَ) عَدَمُهَا (فِي النِّكَاحِ حُرْمَةُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْجَوَابُ الْبُطْلَانُ) الَّذِي هُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِيهِمَا فِي الْحَقِيقَةِ (وَاحِدٌ عَدَمُ) تَرَتُّبِ (الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ) عَلَيْهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صُوَرُهُ) أَيْ مَحَالِّهِ مِنْ كَوْنِهِ بَيْعًا وَنِكَاحًا إذْ اخْتِلَافُ الْمَحَلِّ لَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحَالِّ بَلْ اخْتِلَافُ الْمَحَلِّ شَرْطٌ فِي الْقِيَاسِ ضَرُورَةً فَكَيْفَ يُجْعَلُ شَرْطُهُ مَانِعًا مِنْهُ إذْ يَلْزَمُ امْتِنَاعُهُ أَبَدًا ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ بِبَيَانِ الِاتِّحَادِ عَيْنًا كَالْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَوْ جِنْسًا كَمَا فِي قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ كَالْأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ جِنْسًا وَنَوْعًا كَوُجُوبٍ عَلَى تَحْرِيمٍ وَنَفْيٍ عَلَى إثْبَاتٍ وَبِالْعَكْسِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمَقْصُودِ وَاخْتِلَافُهُ مُوجِبٌ لِلْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْإِفْضَاءِ (وَهَذَا) السُّؤَالُ (وَغَيْرُهُ) مِنْ الْأَسْئِلَةِ (كَكَوْنِ الْأَصْلِ مَعْدُولًا) عَنْ الْقِيَاسِ (دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ مَنْعِ وُجُودِ الشَّرْطِ) فَلَا حَاجَةَ إلَى إفْرَادِهِ بِالذِّكْرِ. (وَأَمَّا سُؤَالُ الْفَرْقِ) بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (إبْدَاءُ خُصُوصِيَّةٍ فِي الْأَصْلِ هِيَ) أَيْ الْخُصُوصِيَّةُ (شَرْطٌ) لِلْوَصْفِ (مَعَ بَيَانِ انْتِفَائِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ بَيَانُ مَانِعٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى إبْدَاءُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْفَرْعِ مِنْ الْحُكْمِ (وَ) بَيَانُ (انْتِفَائِهِ) أَيْ الْمَانِعِ (فِي الْأَصْلِ فَمَجْمُوعُ مُعَارَضَتَيْنِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ) أَيْ فَالْفَرْقُ مَجْمُوعُهُمَا إذَا تَعَرَّضَ لِانْتِقَاءِ الشَّرْطِ فِي الْفَرْعِ أَوْ عَدَمٍ لِمَانِعٍ فِي الْأَصْلِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ إبْدَاءَ الْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْأَصْلِ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ وَبَيَانُ انْتِفَائِهَا فِي الْفَرْعِ مُعَارَضَةٌ فِيهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَكَمَا قَالَ (وَهُوَ) أَيْ وَكَوْنُهُ مَجْمُوعُهُمَا (فِي الثَّانِي) أَيْ بَيَانِ مَانِعٍ فِي الْفَرْعِ وَانْتِفَائِهِ فِي الْأَصْلِ بِنَاءً (عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْوَصْفُ مَعَ عَدَمِ هَذَا الْمَانِعِ) لَا الْوَصْفِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ بَيَانُ وُجُودِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ مُعَارَضَةً فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشَّيْءِ فِي قُوَّةِ الْمُقْتَضَى لِنَقِيضِهِ فَيَكُونُ فِي الْفَرْعِ وَصْفٌ

стр. 932

يَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُسْتَدِلُّ وَيَسْتَنِدُ إلَى أَصْلٍ لَا مَحَالَةَ وَبَيَانُ انْتِفَائِهِ فِي الْأَصْلِ عَلَى هَذَا مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ أَبْدَى عِلَّةً أُخْرَى لَا تُوجَدُ فِي الْفَرْعِ. (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُعْتَرِضِ (بَيَانُ كَوْنِهِ) أَيْ مَا أَبْدَاهُ مِنْ الْخُصُوصِيَّةِ فِي الْأَصْلِ شَرْطًا (أَوْ) مَا أَبْدَاهُ مِنْ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ (مَانِعًا عَلَى طَرِيقِ إثْبَاتِ الْمُسْتَدِلِّ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ) الْمُعَلَّلِ بِهِ مِنْ التَّأْثِيرِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْوَجْهُ أَنَّهُ) أَيْ الْفَرْقَ مُعَارَضَتَانِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (عَلَى ادِّعَاءِ الشَّرْطِ وَ) مُعَارَضَةٌ (فِي الْفَرْعِ فَقَطْ عَلَى الْمَانِعِ لِمَا تَقَدَّمَ) فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ (مِنْ الْحَقِّ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ هُنَا (بِخِلَافِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّرْطَ (خُصُوصِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْوَصْفِ) الَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْمُعَلِّلُ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْهُ. (وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ) الْمُعْتَرِضُ (لِانْتِفَائِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (مِنْ الْفَرْعِ لَمْ يَكُنْ) إبْدَاءَ الْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْأَصْلِ (الْفَرْقُ بَلْ) هُوَ (مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ الْمُسَمَّى مُفَارَقَةً) عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا فَلَمْ يَذْكُرُوهُ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ غَيْرَ أَنَّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ يَقُولُ الْفَرْقُ رَاجِعٌ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا يَتِمُّ نَفْيُ كَوْنِ الِاقْتِصَارِ عَلَى إبْدَاءِ الْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْأَصْلِ فَرْقًا وَإِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِمَا، هَذَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَعَدُّدِ الْأُصُولِ لَوْ فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَأَصْلٍ مِنْهَا كَفَى فِي الْقَدْحِ فِيهَا لِأَنَّهُ يُبْطِلُ جَمْعَهَا الْمَقْصُودَ وَقِيلَ لَا يَكْفِي لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهَا وَقِيلَ يَكْفِي إنْ قَصَدَ الْإِلْحَاقَ بِمَجْمُوعِهَا لِأَنَّهُ يُبْطِلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِكُلٍّ مِنْهَا وَهُوَ حَسَنٌ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ وَمِمَّا يُجَابُ بِهِ مَنْعُ كَوْنِ الْمَبْدَأِ فِي الْأَصْلِ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ مَانِعًا مِنْ الْحُكْمِ وَفِي اقْتِصَارِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى جَوَابِ أَصْلٍ وَاحِدٍ عَلَى تَقْدِيرِهِ فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَأَصْلٍ مِنْ الْأُصُولِ حَيْثُ جَازَ تَعَدُّدُهَا قَوْلَانِ يَكْفِي لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالدَّفْعِ عَنْ وَاحِدٍ وَلَا يَكْفِي لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْجَمِيعَ فَلَزِمَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ جَوَازِ التَّعَدُّدِ وَعَدَمِهِ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَاقَيَا ثُمَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ لَا مَا ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَرْقِ وَرَاءَ الْمُعَارَضَةِ وَإِنْ خَاصَّهُ وَسَرَّهُ فَقَدْ يُنَاقِضُهُ قَصْدُ الْجَمِيعِ ثُمَّ هُوَ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ فِي أَمْرِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِهِمَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. (وَالِاتِّفَاقُ عَلَى جَمْعِهَا) أَيْ الِاعْتِرَاضَاتِ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا تَنَاقُضٌ وَلَا انْتِقَالٌ مِنْ سُؤَالٍ إلَى آخَرَ (وَبَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ) يَذْكُرُ فِي كَلَامِهِمْ (النَّوْعَ لِلْجِنْسِ وَالْجِنْسَ لِلنَّوْعِ) عَكْسُ مَا عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ بَلْ ذَكَرَ عَضُدُ الدِّينِ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَوَافَقَهُ التَّفْتَازَانِيُّ عَلَيْهِ (وَأُصُولُ الْحَنَفِيَّةِ) وَفُرُوعُهُمْ أَيْضًا يَذْكُرُ فِيهِمَا (الْجِنْسُ لِلنَّوْعِ) كَالْحِنْطَةِ (وَالنَّوْعُ) وَالْجِنْسُ أَيْضًا (لِلصِّنْفِ كَرَجُلٍ) وَلَا مُنَاقَشَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ (وَذَلِكَ) أَيْ جَمْعُهَا مِنْ جِنْسٍ (كَالِاسْتِفْسَارَاتِ وَالْمُنَوَّعِ وَالْمُعَارَضَاتِ) فَإِنَّ الِاسْتِفْسَارَاتِ يَجْمَعُهَا الِاسْتِفْسَارُ وَالْمُنَوَّعَ يَجْمَعُهَا الْمَنْعُ وَالْمُعَارَضَاتِ تَجْمَعُهَا الْمُعَارَضَةُ (وَفِي الْأَجْنَاسِ مَنَعَهُ) أَيْ جَمْعَهَا (السَّمَرْقَنْدِيُّونَ لِلْخَبْطِ) اللَّازِمِ مِنْ ذَلِكَ (لِلِانْتِشَارِ) وَأَوْجَبُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ حِرْصًا عَلَى الضَّبْطِ قَالُوا وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ كَمَا أَلْزَمَهُمْ بِهِ الْآمِدِيُّ فَإِنَّا جَوَّزْنَا تَعَدُّدَهَا وَإِنْ أَدَّتْ إلَى النَّشْرِ لِأَنَّ النَّشْرَ فِي الْمُخْتَلِفَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْمُتَّفِقَةِ وَالْجُمْهُورُ جَوَّزُوا الْجَمْعَ بَيْنَهَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الْحَقُّ (ثُمَّ) إذَا جَازَ الْجَمْعُ (مَنَعَ أَكْثَرُ النُّظَّارِ) الِاعْتِرَاضَاتِ (الْمُرَتَّبَةَ طَبْعًا) مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ (كَمَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمَنْعِ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِذَلِكَ) إذْ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ طَبْعًا (إذْ يُفِيدُ) الْأَخِيرُ (تَسْلِيمَ الْأَوَّلِ) فَيَتَعَيَّنُ الْأَخِيرُ سُؤَالًا فَيُجَابُ عَنْهُ دُونَ الْأَوَّلِ فَيَضِيعُ الْأَوَّلُ (وَالْمُخْتَارُ) كَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (جَوَازُهُ) أَيْ جَمْعِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُرَتَّبَةِ طَبْعًا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (لِأَنَّ التَّسْلِيمَ) لِلْمُتَقَدِّمِ (فَرْضِيٌّ أَيْ لَوْ سَلِمَ) الْأَوَّلُ (وَرَدَ الثَّانِي) وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْلِيمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. (وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذَا كَانَ الْمُخْتَارُ جَوَازَهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى التَّسْلِيمِ إذْ كَانَ التَّسْلِيمُ فَرْضِيًّا (الْوَاجِبُ تَرْتِيبُهَا) أَيْ

стр. 933

الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُرَتَّبَةِ طَبْعًا (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهَا (فَمَنَعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ) إذَا عَكَسَ التَّرْتِيبَ (إذْ) قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ (لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّلٌ بِكَذَا يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَهُ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (فَقَوْلُهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (بِمَنْعِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ رُجُوعٌ) عَنْ تَسْلِيمِهِ (لَا يُسْمَعُ) لِأَنَّهُ إنْكَارٌ بَعْدَ إقْرَارٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُسَلَّمًا غَيْرَ مُسَلَّمٍ وَحِينَئِذٍ فَيَرِدُ هَذَا إشْكَالًا عَلَى أَكْثَرِ النُّظَّارِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا مَنَعُوهَا مُرَتَّبَةً لِمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَ الْمَنْعِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يُوجِبُوهَا غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَيَبْطُلُ مَا يَلْزَمُ قَوْلَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ وُجُوبِهَا غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ) فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَنْعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ أَقْبَحُ مِنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَ الْمَنْعِ (وَإِلَّا فَالِاتِّفَاقُ عَلَى) جَوَازِ (التَّعَدُّدِ مِنْ نَوْعٍ وَلَا مَخْلَصَ لَهُمْ) أَيْ لِلْأَكْثَرِ (إلَّا بِادِّعَاءِ أَنَّ مَنْعَ الْعِلِّيَّةِ بِفَرْضِ وُجُودِ الْحُكْمِ) إلَّا أَنْ يُجِيبُوا بِأَنَّ تَسْلِيمَ حُكْمِ الْأَصْلِ إنَّمَا يُوجِبُهُ مَنْعُ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ اسْتِلْزَامًا ظَاهِرًا فَإِذَا صَرَّحَ بَعْدَهُ بِمَنْعِهِ حُمِلَ عَلَى إرَادَتِهِ مَنْعَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ بِفَرْضِ وُجُودِ الْحُكْمِ كَمَا أَجَبْنَا بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا نُسَلِّمُ عِلِّيَّةَ هَذَا الْوَصْفِ لِهَذَا الْحُكْمِ لَوْ كَانَ ثَابِتًا وَنَحْنُ نَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُمْ مِثْلُهُ فِي مَنْعِهِمْ الْمُتَرَتِّبَةَ كَذَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ. (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَقَوْلُ التَّفْتَازَانِيِّ (كُلٌّ مِنْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ) اعْتِرَاضًا الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَاضِيَةِ (جِنْسٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَ نَوْعٍ) عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْأُصُولِ مِنْ انْدِرَاجِ الْأَجْنَاسِ تَحْتَ الْأَنْوَاعِ (غَلَطٌ يُبْطِلُ حِكَايَةَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ مِنْ جِنْسٍ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَدُّدُ مَثَلًا مِنْ مَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهُوَ) أَيْ مَنْعُ وُجُودِهَا (أَحَدُهَا) أَيْ الْخَمْسَةُ وَالْعِشْرِينَ بَلْ الْمَنْعُ نَوْعٌ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ وَمَنْعُ عِلِّيَّتِهِ وَمَنْعُ وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ وَالْمُعَارَضَةُ نَوْعٌ يَنْدَرِجُ فِيهَا الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْفَرْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذِهِ أَجْنَاسٌ لِأَنَّ تَحْتَهَا أَشْخَاصُ الْمُنَوَّعِ وَالْمُعَارَضَاتِ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْجِنْسَ هُوَ النَّوْعُ الْمَنْطِقِيُّ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ فَالنَّقْضُ حِينَئِذٍ جِنْسٌ انْحَصَرَ فِيهِ نَوْعُهُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَكَلَامُهُمْ) أَيْ الْأُصُولِيِّينَ أَيْضًا (فِي الْمِثْلِ وَذِكْرِ الْأَجْنَاسِ خِلَافُهُ) أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ ثُمَّ إذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فَتَرَتَّبَ التَّرْتِيبَ الطَّبِيعِيَّ لِيُوَافِقَ الْوَضْعِيُّ الطَّبِيعِيَّ. وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى كَمَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالِاسْتِفْسَارِ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لَا يَعْرِفُ مَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ ثُمَّ بِفَسَادِ الِاعْتِبَارِ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي تَفْصِيلِهِ ثُمَّ بِفَسَادِ الْوَضْعِ قَالَ الْآمِدِيُّ لِكَوْنِهِ أَخَصَّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِبَارِ يَعْنِي مُطْلَقًا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (فَتَقَدَّمَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَصْلِ) فَتَقَدَّمَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ (ثُمَّ) الْمُتَعَلِّقُ (بِالْعِلَّةِ) لِأَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا هُوَ مُتَفَرِّعٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ فَتَقَدَّمَ مَنْعُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَالتَّقْسِيمِ وَكَوْنِ الْوَصْفِ غَيْرِ ظَاهِرٍ وَلَا مُنْضَبِطٍ وَكَوْنِ الْحُكْمِ غَيْرِ مُفْضٍ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ صِفَةَ وُجُودِ الْعِلَّةِ ثُمَّ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ لِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِدَلِيلِ الْعِلَّةِ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ وَالتَّعَدِّيَةُ وَالتَّرْكِيبُ لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلْعِلَّةِ (ثُمَّ) الْمُتَعَلِّقُ (بِالْفَرْعِ) لِابْتِنَائِهِ عَلَى الْعِلَّةِ وَحُكْمِ الْأَصْلِ فَيَذْكُرُ مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَمُخَالَفَةَ حُكْمِهِ لِحُكْمِ الْأَصْلِ وَمُخَالَفَتَهُ لِلْأَصْلِ فِي الضَّابِطِ أَوْ الْحِكْمَةِ وَالْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ وَسُؤَالِ الْقَلْبِ ثُمَّ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ لِتَضَمُّنِهِ تَسْلِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ الْمُثْمِرِ لَهُ. (وَتَقَدَّمَ النَّقْضُ عَلَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ عِنْدَ مُعْتَبِرِهَا) أَيْ مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ (إذْ هِيَ) أَيْ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ (لِإِبْطَالِ اسْتِقْلَالِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ بِالتَّأْثِيرِ وَالنَّقْضُ لِإِبْطَالِ أَصْلِ الْعِلَّةِ فَقُدِّمَ عَلَيْهَا فَيُقَالُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِعَدَمِ الِاطِّرَادِ وَلَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ (وَمَنَعَ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ قَبْلَ مَنْعِهَا وَالْقَلْبَ قَبْلَ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ) بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ فَيَذْكُرُ الْقَلْبَ أَوَّلًا (ثُمَّ يُقَالُ) إذَا ذُكِرَتْ هِيَ ثَانِيًا (وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ) أَيْ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ (يُفِيدُ مَطْلُوبَهُ عِنْدَنَا دَلِيلٌ آخَرُ يَنْفِيهِ) أَيْ مَطْلُوبَهُ وَأَوْجَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ فَاخْتَارَ فَسَادَ الْوَضْعِ ثُمَّ الِاعْتِبَارَ ثُمَّ الِاسْتِفْسَارَ ثُمَّ الْمَنْعَ ثُمَّ الْمُطَالَبَةَ وَهُوَ مَنْعُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ الْفَرْقَ ثُمَّ النَّقْضَ ثُمَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ الْقَلْبَ وَرَدَّ التَّقْسِيمَ إلَى الِاسْتِفْسَارِ أَوْ الْفَرْقِ وَأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَعَلَيْهِ مَا لَا يَخْفَى وَقَدْ اعْتَرَفُوا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَسْئِلَةِ

стр. 934

الْجَدَلِ وَأَسْئِلَةِ الِاسْتِرْشَادِ. وَمِنْ هُنَا وَقَعَ التَّخَبُّطُ وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنْ لَا يُبْنَى الْجَدَلُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ وَالِاسْتِرْشَادِ لَا لِلْعِلِّيَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْوَاجِبُ رَدُّ الْجَمِيعِ إلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَكَيْفَ لَا وَالْجَدَلُ مَأْمُورٌ بِهِ بِالْحَقِّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ ثُمَّ كَمَا فِي الْوَاضِحِ لَوْلَا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ بِالِاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلَالَتِهِ لَمَا حَسُنَتْ الْمُجَادَلَةُ لِلْإِيحَاشِ فِيهَا غَالِبًا وَإِذَا نَفَرَتْ النُّفُوسُ عَمِيَتْ الْقُلُوبُ وَخَمَدَتْ الْخَوَاطِرُ وَانْسَدَّتْ أَبْوَابُ الْفَوَائِدِ وَلَكِنْ فِيهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا نُصْرَةَ الْحَقِّ وَالتَّقَوِّي عَلَى الِاجْتِهَادِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ فَضْلًا عَنْ قَصْدِ التَّغْطِيَةِ عَلَى الْحَقِّ وَتَرْوِيجُ الْبَاطِلِ بِآفَةٍ مِنْ الْآفَاتِ مِنْ مُحَابَاةٍ لِأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ أَوْ مُنَاضَلَةً مَرْدُودَةً دَوْمًا لِحُصُولِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْعَوَامّ وَالتَّعْظِيمِ لَدَيْهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُصُودِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَمَنْ بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَدَّى إلَى مَكْرُوهٍ فَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٍ فَمُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَقَالَ ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ لِيَرُدُّوا بِهِ مَنْ جَادَلَ تَعَنُّتًا فَلَا يُجِيبُوهُ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اجْتِمَاعَ جَمْعٍ مُتَجَادِلِينَ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَا يَطْمَعُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا ظَهَرَتْ لَهُ الْحُجَّةُ وَلَا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ وَمَوَدَّةٌ وَتَوْطِئَةُ الْقُلُوبِ لِوَعْيِ الْحَقِّ بَلْ هُوَ عَلَى الضِّدِّ مَحْمَلُ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] » وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمِرَاءَ» . وَكَوْنُ مَكْحُولٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي هَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ يُقَالُ مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً أَيْ جَادَلَ وَالْمِرَاءُ اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ مِنْ مَرَيْت الشَّاةَ اسْتَخْرَجْت لَبَنَهَا وَفِي الْوَاضِحِ وَاحْذَرْ الْكَلَامَ فِي مَجَالِسِ الْخَوْفِ أَوْ الَّتِي لَا إنْصَافَ فِيهَا وَكَلَامَ مَنْ تَخَافُهُ أَوْ تَبْغُضُهُ أَوْ لَا يَفْهَمُ عَنْك وَاسْتِصْغَارَ الْخَصْمِ وَلَا يَنْبَغِي كَلَامُ مَنْ عَادَتُهُ ظُلْمُ خَصْمِهِ وَالْهُزْءُ وَالتَّشَفِّي لِعَدَاوَتِهِ وَالْمُتَرَصِّدُ لِلْمَسَاوِئِ وَالتَّحْرِيفُ وَالتَّزَيُّدُ وَالْبُهْتُ، وَكُلُّ جَدَلٍ وَقَعَ فِيهِ ظُلْمُ الْخَصْمِ اخْتَلَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْهُ وَقَدِّرْ فِي نَفْسِك الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ وَلَا يَنْقُصُ بِالْحِلْمِ إلَّا عِنْدَ جَاهِلٍ وَلَا بِالصَّبْرِ عَلَى شَغَبِ السَّائِلِ إلَّا عِنْدَ غَبِيٍّ وَتَرْتَفِعُ فِي نُفُوسِ الْعُلَمَاءِ وَتَنْبُلُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَدَلِ وَمَنْ خَاضَ فِي الشَّغَبِ تَعَوَّدَهُ وَمَنْ تَعَوَّدَهُ حُرِمَ الْإِصَابَةَ وَاسْتُدْرِجَ إلَيْهِ وَمَنْ عُرِفَ بِهِ سَقَطَ سُقُوطَ الدُّرَّةِ وَفِي رَدِّ الْغَضَبِ الظَّفَرُ وَلَا رَأْيَ لِغَضْبَانَ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَهِ الْأَسْفَهُ كَالْغَالِبِ بِالْعِلْمِ الْأَعْلَمُ وَمَعَ هَذَا فَلَا أَحَدَ يَسْلَمُ مِنْ الِانْقِطَاعِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا بِالْجَدَلِ فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ وَالْعِلْمُ صِنَاعَةٌ وَهُوَ مَادَّةُ الْجَدَلِ يَحْتَاجُ إلَى الْعَالِمِ وَلَا عَكَسَ وَأَدَبُ الْجَدَلِ يَزِينُ صَاحِبُهُ وَتَرْكُهُ يَشِينُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لِمَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ حَظْوَةٍ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَفِيعًا عِنْدَ الْجُهَّالِ فَهُوَ سَاقِطٌ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ وَيُكْرَهُ اصْطِلَاحًا تَأْخِيرُ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ كَثِيرًا وَعِنْدَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ مُنْقَطِعٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالْهَادِي إلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ. [خَاتِمَةٌ لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ] (خَاتِمَةٌ) لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ (الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ) أَيْ عَلَى كَوْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ أَدِلَّةً شَرْعِيَّةً لِلْأَحْكَامِ (عِنْدَ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ) وَهُمْ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ (وَاخْتُلِفَ فِي أُمُورٍ) أُخْرَى أَيْ فِي كَوْنِهَا أَدِلَّةً شَرْعِيَّةً لِلْأَحْكَامِ (الِاسْتِدْلَال بِالْعَدَمِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ فَإِنَّهُ الَّذِي (نَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ) وَتَقَدَّمَ فِي الْمَرْصَدِ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ الْكَلَامُ فِيهِ نَفْيًا لَهُ مُطْلَقًا عَنْهُمْ إلَّا عَدَمَ عِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ عَلَى تَحْقِيقٍ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ فِي أَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ إنَّمَا هِيَ إضَافَةٌ إلَى الْعَدَمِ لَفْظًا وَإِلَى الْوُجُودِ مَعْنًى

стр. 935

كَمَا عُرِفَ ثَمَّةَ وَإِثْبَاتًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا مُطْلَقًا وَمُضَافًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بِهِ وُجُودِيًّا وَعَدَمِيًّا وَإِلَّا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ثَمَّةَ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ صَحِيحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ فِقْدَانُ الدَّلِيلِ بَعْدَ الْفَحْصِ الْبَلِيغِ يَغْلِبُ ظَنَّ عَدَمِهِ وَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِامْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ إذْ الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِقْدَانَ الدَّلِيلِ بَعْدَ الْفَحْصِ الْبَلِيغِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ عَلَيْهِ وَظَنُّ عَدَمِهِ يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إذْ لَوْ ثَبَتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَزِمَ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ غَيْرَ أَنَّ عَدَّهُ إيَّاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمَقْبُولَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَاصِّ أَوْ مُطْلَقًا لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَصَدَقَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي التَّلْوِيحِ لَا قَائِلَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالنَّفْيِ أَحَدُ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ وَإِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِنَفْيِ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُ الْبَيْضَاوِيِّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ فَهَذَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ. (وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ) وَهِيَ الَّتِي لَا يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْعِ وَلَا بِالْإِلْغَاءِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى سُنَنِ الْمَصَالِحِ وَتَلَقَّتْهَا الْعُقُولُ بِالْقَبُولِ (أَثْبَتَهَا مَالِكٌ) وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ (وَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ) مِنْهُمْ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَابِلَةِ (لِعَدَمِ مَا يَشْهَدُ) لَهَا (بِالِاعْتِبَارِ وَلِعَدَمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ فِيهَا كَمَا يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ) فِي الْمَرْصَدِ الْأَوَّلِ مِنْ فَصْلِ الْعِلَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَرَافِيُّ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ وَيُفَرِّقُونَ بِالْمُنَاسَبَاتِ وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ وَلَا يَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذَلِكَ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ لَا لِتَقْدِيمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ نَحْوَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ وَوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةِ شُورَى وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاِتِّخَاذِ السِّجْنِ فَعَمِلَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ وَهَذِهِ الْأَوْقَافُ الَّتِي بِإِزَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّوْسِعَةُ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ ضِيقِهِ فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁ وَتَجْدِيدُ أَذَانٍ فِي الْجُمُعَةِ بِالسُّوقِ وَهُوَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فَعَلَهُ عُثْمَانُ ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ كَثِيرٌ حَدًّا لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَدْ عَمِلَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْغِيَاثِيِّ أُمُورًا وَجَوَّزَهَا وَأَفْتَى بِهَا وَالْمَالِكِيَّةُ بَعِيدُونَ عَنْهَا وَجَسَرَ عَلَيْهَا وَقَالَهَا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَلِيلِ مَعَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ شَدِيدَا الْإِنْكَارِ عَلَيْنَا فِي الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ انْتَهَى فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِمَنْ تَتَبَّعَ وَحَقَّقَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهَذَا ثَانٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ. (وَتَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ) أَيْ بَقَاءُ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِتَعَارُضِ أَصْلَيْنِ فِيهِ يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (كَقَوْلِ زُفَرَ فِي الْمَرَافِقِ) لَا يَجِبُ غُسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا (غَايَةٌ) لِغُسْلِ الْيَدِ وَالْغَايَةُ قِسْمَانِ (دَخَلَ مِنْهَا) فِي الْمُغَيَّا قِسْمٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] (وَخَرَجَ) مِنْهَا عَنْ الْمُغَيَّا قِسْمٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ دُخُولُ الْمَرَافِقِ فِي الْغُسْلِ بِأَوْلَى مِنْ عَدَمِ دُخُولِهَا فِيهِ (فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ غُسْلُهَا وَاجِبًا فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ (وَدُفِعَ) كَوْنُهُ دَلِيلًا (بِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِالْجَهْلِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ) لِزُفَرَ (الْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ دُخُولُ الْمَرَافِقِ فِي الْغُسْلِ (فَيَبْقَى) عَدَمُهُ مُسْتَمِرًّا (إلَى ثُبُوتِ مُوجِبِهِ) أَيْ الدُّخُولِ (وَالثَّابِتُ) فِي الْغَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُغَيَّا دُخُولًا وَخُرُوجًا إنَّمَا هُوَ (التَّعَارُضُ) وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إلَى مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ فَلْيُرَاجَعْ وَهَذَا ثَالِثٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ. (وَمِنْهَا) أَيْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ (الِاسْتِدْلَال) وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الدَّلَالَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ يَرِدُ لِمَعَانٍ مِنْهَا الطَّلَبُ كَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَالِاتِّخَاذُ كَاسْتَعْبَدَ فُلَانٌ فُلَانًا وَاسْتَأْجَرَهُ أَيْ اتَّخَذَهُ عَبْدًا وَأَجِيرًا فَذَكَرَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الدَّلِيلِ وَفِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ

стр. 936

أَوْ غَيْرِهِمَا وَعَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا (قِيلَ مَا لَيْسَ بِأَحَدِ) الْأَدِلَّةِ (الْأَرْبَعَةِ) الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ (فَيَخْرُجُ قِيَاسًا الدَّلَالَةُ وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ الْعِلَّةُ بَلْ وَصْفٌ مُلَازِمٌ لَهَا كَالنَّبِيذِ حَرَامٌ كَالْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْمُشْتَدَّةِ وَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَيُسَمَّى تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ كَقِيَاسِ الْبَوْلِ فِي إنَاءٍ وَصَبِّهِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ عَلَى الْبَوْلِ فِيهِ فِي الْمَنْعِ بِجَامِعِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَقْصُودِ الْمَنْعِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ كَمَا يَخْرُجُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ نَحْوَ يَحْرُمُ النَّبِيذُ كَالْخَمْرِ لِلْإِسْكَارِ لِإِطْلَاقِ نَفْيِ كَوْنِهِ قِيَاسًا أَيْضًا لِأَنَّ مُنَافِيَ الْأَعَمِّ مُنَافٍ لِلْأَخَصِّ. (وَقَدْ يُقَيَّدُ الْقِيَاسُ) الْمَنْفِيُّ (بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ فَيُدْخِلَانِهِ) أَيْ قِيَاسَا الدَّلَالَةِ وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَخَصَّ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَعَمُّ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَنَفْيُ الْأَعَمِّ لِكَوْنِهِ أَخَصَّ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ (وَاخْتِيرَ) أَيْ وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ (أَنَّ أَنْوَاعَهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثَةٌ (شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَالِاسْتِصْحَابُ وَالتَّلَازُمُ وَهُوَ) أَيْ التَّلَازُمُ (الْمُفَادُ بِالِاسْتِثْنَائِيِّ وَالِاقْتِرَانِيِّ بِضُرُوبِهِمَا) فِي مَبَاحِثِ النَّظَرِ (وَقَدَّمْنَا زِيَادَةَ ضَرْبٍ فِي تَسَاوِي الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي) بَلْ ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ حَاصِلٌ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَتَارِكُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَضَرْبٌ حَاصِلٌ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ التَّالِي كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنْ تَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَتَصِيرُ ضُرُوبُهُ أَرْبَعَةً هَذَيْنِ وَالضَّرْبَيْنِ الْمُتَّفَقِ عَلَى إنْتَاجِهِمَا وَهُمَا الْحَاصِلُ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ الْمُقَدَّمِ كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَالْحَاصِلُ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ التَّالِي كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنْ تَارِكُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (وَكَذَا) زِيَادَةُ ضَرْبٍ (فِي الِاقْتِرَانِيِّ) وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُبْرَى مُوجَبَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ كَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ وَكُلُّ صَهَّالٍ فَرَسٌ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ وَذَكَرَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ثَمَّةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ هَذَا زِيَادَةُ ضَرْبٍ آخَرَ أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ جُزْئِيَّةٍ سَالِبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ كَلَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ وَكُلُّ فَرَسٍ صَهَّالٌ فَلَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ لِاتِّحَادِ الْوَسَطِ الْمُقْتَضِي لِلْإِنْتَاجِ فِي هَذَا كَمَا فِيمَا قَبْلَهُ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ التَّلَازُمَ (هُنَا عَلَى خُصُوصٍ هُوَ إثْبَاتُهُ أَحَدَ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ بِالْآخَرِ فَتَلَازُمُهُمَا) أَيْ مُوجِبِيهَا وَهُمَا الْحُكْمَانِ (بِلَا تَعْيِينِ عِلَّةٍ) جَامِعَةٍ. (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ إثْبَاتُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لِتَلَازُمِهِمَا بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ (فَقِيَاسٌ) أَيْ فَإِثْبَاتُهُ بِهَا قِيَاسٌ (وَيَكُونُ) التَّلَازُمُ (بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ) وَلَا بُدَّ فِيهِ إمَّا مِنْ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَمَا فِيمَا يَكُونُ التَّالِي فِيهِ مُسَاوِيًا لِلْمُقَدَّمِ أَوْ طَرْدًا لَا عَكْسًا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَكُونُ التَّالِي أَعَمَّ مِنْ الْمُقَدَّمِ (كَمَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَهُوَ) أَيْ وَثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا يَكُونُ (بِالِاطِّرَادِ) الشَّرْعِيِّ وَهُوَ أَنَّا تَتَبَّعْنَا فَوَجَدْنَا كُلَّ شَخْصٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَكُلُّ مَنْ صَحَّ ظِهَارُهُ صَحَّ طَلَاقُهُ (وَيَقْوَى) ثُبُوتُهُ بَيْنَهُمَا (بِالِانْعِكَاسِ) وَهُوَ أَنَّا تَتَبَّعْنَا فَوَجَدْنَا كُلَّ شَخْصٍ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ وَكُلَّ شَخْصٍ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَحَاصِلُهُ التَّمَسُّكُ بِالدَّوَرَانِ مُمْكِنٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَمَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَهُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِهِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ لَا الْحَنَفِيِّ وَمُوَافِقِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ عِنْدَهُ فِي هَذَا عَكْسًا فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ بَلْ فِي أَحَدِهِمَا الَّذِي هُوَ الظِّهَارُ وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ ثُمَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ لَهُ (وَيُقَرِّرُ) ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا إذَا كَانَا أَثَرَيْنِ لِمُؤَثِّرٍ بِالِاسْتِدْلَالِ (ثُبُوتَ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَيَلْزَمُ) أَنْ يُوجَدَ الْأَثَرُ (الْآخَرُ لِلُّزُومِ) وُجُودَ (الْمُؤَثِّرِ) لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَثَرُهُ وَكَوْنُ نِسْبَتِهِ إلَى الْمُؤَثِّرِ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَيْهِ. (وَ) يُقَرِّرُ (بِمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى هَذَا

стр. 937

وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ عَلَى ثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ ثُمَّ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ (كَفَرْضِ الصِّحَّتَيْنِ) لِلطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ (أَثَرَ الْوَاحِدِ) كَالْأَهْلِيَّةِ لَهُمَا فَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الطَّلَاقِ ثَبَتَ الْأَهْلِيَّةُ لَهَا وَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ ثُبُوتُهُ لِصِحَّةِ الظِّهَارِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بَلْ مِنْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ دُونَ التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ لَهُ لِأَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِتَعْيِينِ الْمُؤَثِّرِ (وَمَتَى عُيِّنَ الْمُؤَثِّرُ خَرَجَ) عَنْ الِاسْتِدْلَالِ (إلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَبَيْنَ نَفْيَيْنِ) أَيْ وَيَكُونُ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا (وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ) أَيْ التَّنَافِي بَيْنَ (الطَّرَفَيْنِ) فَسَقَطَ مِنْ الْقَلَمِ لَفْظُ بَيْنَ (طَرْدًا وَعَكْسًا) أَيْ إثْبَاتًا وَنَفْيًا كَمَا هُوَ الْمُنْفَصِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ (أَوْ أَحَدِهِمَا) أَيْ طَرْدًا فَقَطْ كَمَا هُوَ مَانِعَةُ الْجَمْعِ أَوْ عَكْسًا فَقَطْ كَمَا هُوَ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ مِثَالُهُ (لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ) بِلَا نِيَّةٍ (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا (أَيْضًا بِالِاطِّرَادِ) أَيْ كُلُّ تَيَمُّمٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَكُلُّ وُضُوءٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَيَقْوَى بِالِانْعِكَاسِ) أَيْ كُلُّ تَيَمُّمٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ وَكُلُّ وُضُوءٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِهِ فَيَتِمُّ التَّلَازُمُ طَرْدًا وَعَكْسًا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ كُلَّ تَيَمُّمٍ بِالنِّيَّةِ صَحِيحٌ وَبِغَيْرِ النِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ دُونَ الْآخَرِ وَهُوَ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وُضُوءٍ بِالنِّيَّةِ صَحِيحًا فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كُلُّ وُضُوءٍ بِلَا نِيَّةٍ غَيْرَ صَحِيحٍ بَلْ ذَاكَ الْوُضُوءُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ لَا الْوُضُوءُ الَّذِي لَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْيِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى زُفَرَ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّفْيَيْنِ أَصْلًا لِعَدَمِ تَوَقُّفِ صِحَّةِ وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ عَلَى النِّيَّةِ عِنْدَهُ (وَيُقَرَّرُ) ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَا أَثَرَيْنِ لِمُؤَثِّرٍ (بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَالْآخَرُ) أَيْ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْأَثَرِ الْآخَرِ لِانْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ لِفَرْضِ ثُبُوتِهِمَا أَثَرًا لِوَاحِدٍ وَلَيْسَ فَرْضُ كَوْنِ الثَّوَابِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ أَثَرَيْنِ لِلْعِبَادَةِ (يُوجِبُهُ) أَيْ التَّلَازُمَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ (عَلَى الْحَنَفِيِّ) لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي صِحَّةِ كَوْنِ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ كَوْنَهُ عِبَادَةً (وَبَيْنَ نَفْيٍ لَازِمٍ لِلثُّبُوتِ) أَيْ وَيَكُونُ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتِ مَلْزُومٍ وَنَفْيِ لَازِمٍ لَهُ (وَعَكْسُهُ) أَيْ وَبَيْنَ نَفْيِ مَلْزُومٍ وَثُبُوتِ لَازِمٍ مِثَالُ الْأَوَّلِ هَذَا (مُبَاحٌ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) وَمِثَالُ الثَّانِي هَذَا (لَيْسَ جَائِزًا فَحَرَامٌ وَيُقَرَّرَانِ) أَيْ التَّلَازُمَانِ بَيْنَهُمَا (بِإِثْبَاتِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا) كَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَعَدَمِ الْحَرَامِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا لِأَنَّ عَدَمَ الْحَرَامِ أَعَمُّ مِنْ الْمُبَاحِ وَلَا بَيْنَ غَيْرِ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ لِأَنَّ غَيْرَ الْجَائِزِ إمَّا مُسَاوِي الْحَرَامِ أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّارِحِينَ أَيْ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ لَكِنْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا قُصُورٌ بَلْ وَبَيْنَ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ ثُمَّ كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ فِي الْإِثْبَاتِ وَلِهَذَا اسْتَلْزَمَ الْمُبَاحُ عَدَمَ الْحَرَامِ وَعَكْسَهُ لَا فِي النَّفْيِ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ عَدَمُ الْمُبَاحِ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسَهُ قُلْت إلَّا أَنَّ فِي اسْتِلْزَامِ عَدَمِ الْحَرَامِ الْمُبَاحَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَكْسَهُ نَظَرًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ عَدَمَ الْحَرَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُبَاحَ أَلْبَتَّةَ بَلْ كَمَا يَسْتَلْزِمُهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَنْدُوبَ. وَقَالَ فِي الثَّانِي وَهُوَ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ الْحُرْمَةُ وَعَكْسُهُ وَمِنْ الْجَوَازِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَالْعَكْسُ وَيَخُصُّ هَذَا مُوَجِّهًا لَهُ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ فَقَالَ أَيْ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَنَفْيِهِ وَعَكْسُهُ يُقَرَّرَانِ بِبَيَانِ ثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ فَإِنْ كَانَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ كَمَا بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ اسْتَلْزَمَ كُلٌّ مِنْ الثُّبُوتَيْنِ نَفْيَ الْآخَرِ فَيَصْدُقُ مَا كَانَ مُبَاحًا لَا يَكُونُ حَرَامًا وَإِنْ كَانَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي الْخُلُوِّ كَمَا بَيْنَ الْجَائِزِ بِمَعْنَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا اسْتَلْزَمَ نَفْيُ كُلٍّ مِنْ الثُّبُوتَيْنِ عَيْنَ الْآخَرِ فَيَصْدُقُ مَا لَا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ لَا تُفِيدُهَا الْعِبَارَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَالسُّبْكِيِّ أَيْ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ مَعَ إبْهَامِهِ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا الْمُرَادُ مِنْهُ وَمِنْ الْعَجَبِ إهْمَالُ عَضُدِ الدِّينِ ثُمَّ التَّفْتَازَانِيِّ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا (أَوْ) بِإِثْبَاتِ التَّنَافِي بَيْنَ (لَوَازِمِهِمَا) وَهُوَ التَّأْثِيمُ اللَّازِمُ لِفِعْلِ الْحَرَامِ وَعَدَمُهُ اللَّازِمُ لِفِعْلِ الْمُبَاحِ وَالْجَائِزِ فَيَلْزَمُ التَّنَافِي بَيْنَ مَلْزُومِهِمَا لِأَنَّ تَنَافِيَ

стр. 938

اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ (وَيَرِدُ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ (مَنْعُ اللُّزُومِ كَالْحَنَفِيِّ فِي الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ كَمَنْعِ الْحَنَفِيِّ التَّلَازُمَ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَنَفْيِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِلَا نِيَّةٍ وَنَفْيِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ بِلَا نِيَّةٍ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. (وَ) مَنْعُ (ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِالْعِلَّةِ) مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَعَيَّنْ الْعِلَّةُ فِي التَّلَازُمِ وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَيَخْتَصُّ) التَّلَازُمُ بِسُؤَالٍ لَا يَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ مَنْعُ تَحَقُّقِ الْمُلَازَمَةِ (فِي مِثْلِ تَقْطَعُ الْأَيْدِيَ بِيَدٍ) وَاحِدَةٍ (كَقَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِوَاحِدٍ لِمُلَازَمَتِهِ) أَيْ الْقِصَاصِ (لِثُبُوتِ الدِّيَةِ عَلَى الْكُلِّ فِي الْأَصْلِ أَيْ النَّفْسِ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ (أَثَرَانِ فِيهَا) أَيْ النَّفْسِ يَتَرَتَّبَانِ عَلَى الْجِنَايَةِ (وَوُجِدَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ وَهُوَ الدِّيَةُ (فِي الْفَرْعِ) أَيْ الْيَدِ (فَالْآخَرُ) أَيْ الْأَثَرُ الْآخَرُ وَهُوَ (الْقِصَاصُ) عَلَى الْكُلِّ يُؤْخَذُ فِيهِ أَيْضًا (لِأَنَّ عِلَّتَهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ وَهُمَا الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ (فِي الْأَصْلِ إنْ) كَانَتْ (وَاحِدَةً فَظَاهِرٌ) وُجُودُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ إذْ لَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الْأَثَرِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ (أَوْ) كَانَتْ (مُتَعَدِّدَةً فَتَلَازُمُهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا وُجُوبُ الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ النَّفْسِ دَلِيلٌ (لِتَلَازُمِهِمَا) أَيْ الْعِلَّتَيْنِ فَوُجُودُ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ وَهُوَ الدِّيَةُ فِي الْفَرْعِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ عِلَّتِهِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ عِلَّةِ الْأَثَرِ الْآخَرِ (فَيَثْبُتُ) الْأَثَرُ (الْآخَرُ) وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا لِثُبُوتِ عِلَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ (فَيَرِدُ) الْوَارِدُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْمِثَالِ وَهُوَ (تَجْوِيزُ كَوْنِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْأَثَرِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ الدِّيَةِ عَلَى الْكُلِّ (بِعِلَّةٍ) فِي الْفَرْعِ أَيْ الْيَدِ تَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ فِي الْكُلِّ ثُمَّ (لَا تَقْتَضِي قَطْعَ الْأَيْدِي) بِالْيَدِ (وَلَا) تَقْتَضِي (مُلَازَمَةَ مُقْتَضِيهِ) أَيْ قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ. (وَفِي الْأَصْلِ) أَيْ النَّفْسِ (بِأُخْرَى تَقْتَضِيهِمَا) أَيْ الْقِصَاصَ وَوُجُوبَ الدِّيَةِ (أَوْ) بِعِلَّةٍ أُخْرَى (لَا تَلَازُمَ مُقْتَضٍ قَبْلَ الْكُلِّ وَيُرَجَّحُ) الْمُعْتَرِضُ كَوْنَ ثُبُوتِهِ فِي الرَّفْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى (بِاتِّسَاعِ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ) أَيْ أَدِلَّتِهَا الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا فَإِنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ التَّعَدُّدَ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (وَهُوَ) أَيْ اتِّسَاعُ مَدَارِك الْأَحْكَامِ (أَكْثَرُ فَائِدَةً وَجَوَابُهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ (الْأَصْلُ عَدَمُ) عِلَّةٍ (أُخْرَى) (وَيُرَجَّحُ الِاتِّحَادُ) أَيْ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ وَهُوَ الدِّيَةُ مَثَلًا عَلَى تَعَدُّدِهَا (بِأَنَّهَا) أَيْ الْعِلَّةَ الْمُتَّحِدَةَ (مُنْعَكِسَةٌ) وَالْمُنْعَكِسَةُ عِلَّةٌ بِاتِّفَاقٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَالْمُتَّفِقُ عَلَيْهَا أَرْجَحُ (فَإِنْ دَفَعَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ (بِأَنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ قَالَ) الْمُسْتَدِلُّ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلَانِ وَتَسَاقَطَا كَانَ التَّرْجِيحُ مَعَنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْعِلَّةُ (الْمُتَعَدِّيَةُ) مِنْ النَّفْسِ إلَى الْيَدِ (أَوْلَى) مِنْ الْقَاصِرَةِ عَلَى النَّفْسِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَالْخِلَافُ فِي الْقَاصِرَةِ وَلِكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَإِنَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ فَقَدْ عَدَّيْنَاهَا مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بِهِمَا فَقَدْ قَصَرْنَا عِلَّةَ الْأَصْلِ عَلَى الْأَصْلِ وَعِلَّةَ الْفَرْعِ عَلَى الْفَرْعِ قَالَ (الْآمِدِيُّ وَمِنْهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ (وُجِدَ السَّبَبُ) فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يُلْزِمُهُ الْمَطْلُوبُ بِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ قَطْعًا أَوْ ظَاهِرًا وَمَا ذَكَرَ كَذَلِكَ وَالْمَطْلُوبُ وَإِنْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى الدَّلِيلِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ فَوُجُودُ الدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى وُجُودِهِ بَلْ تَمَيُّزُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا دُورَ كَمَا فِي مُنْتَهَى السُّولِ لَهُ أَيْ الْمَطْلُوبُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ وَالدَّلِيلُ يَتَوَقَّفُ عَلَى لُزُومِ الْمَطْلُوبِ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ فَلَا دُورَ ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا لِاحْتِمَالِ تَقْرِيرِ سَبَبِيَّةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. (وَ) وُجِدَ (الْمَانِعُ وَفُقِدَ الشَّرْطُ) فَيُعْدَمُ الْحُكْمُ (وَنُفِيَ الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالتَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ (وَالْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ (إذْ هُوَ دَعْوَى الدَّلِيلِ) فَهُوَ بِمَثَابَةِ وُجِدَ دَلِيلُ الْحُكْمِ فَيُوجَدُ فَلَا يُسْمَعُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الدَّلِيلَ الْمُدَّعَى وُجُودُهُ (فَالدَّلِيلُ وُجُودُ الْمُعَيَّنِ) أَيْ الْمُقْتَضِي أَوْ الْمَانِعِ أَوْ فَقْدِ الشَّرْطِ (مِنْهَا) أَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْحُكْمِ (وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورَ (دَلِيلٌ) وَهُوَ مَثَلًا هَذَا حُكْمٌ وُجِدَ سَبَبُهُ وَكُلُّ حُكْمٍ وُجِدَ سَبَبُهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ

стр. 939

(بَعْضُ مُقَدِّمَاتِهِ نَظَرِيَّةٌ) وَهِيَ الصُّغْرَى فَإِنَّ الْكُبْرَى بَيِّنَةٌ (وَالْمُخْتَارُ) عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ (إنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ) أَيْ وُجُودُ السَّبَبِ أَوْ الْمَانِعُ أَوْ فَقْدُ الشَّرْطِ (بِأَحَدِهَا) وَهُوَ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ بِغَيْرِهَا أَيْ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ (فَاسْتِدْلَالٌ وَإِلَّا) فَإِنْ ثَبَتَ بِأَحَدِهَا (فَبِأَحَدِهَا) أَيْ فَهُوَ ثَابِتٌ بِأَحَدِهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ لَا بِالِاسْتِدْلَالِ (وَعَلَى هَذَا) التَّفْصِيلِ (يَرِدُ الِاسْتِدْلَال مُطْلَقًا إلَى أَحَدِهَا إذْ ثُبُوتُ ذَلِكَ التَّلَازُمِ لَا بُدَّ فِيهِ شَرْعًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَحَدِهَا (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّلَازُمُ ثَابِتًا شَرْعًا بِأَحَدِهَا (فَلَيْسَ) ذَلِكَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ (حُكْمًا شَرْعِيًّا) لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِأَحَدِهَا. (فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالَ (كَيْفِيَّةُ اسْتِدْلَالٍ) بِأَحَدِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ (لَا) دَلِيلَ (آخَرَ غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ وَتَقَدَّمَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا) قَبْلَ فَصْلِ التَّعَارُضِ بِمَسْأَلَتَيْنِ (وَيُرَدُّ إلَى الْكِتَابِ) بِقَصِّهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ (وَالسُّنَّةِ) بِقَصِّهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ (وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ) وَمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ (وَرُدَّ إلَى السُّنَّةِ) حَيْثُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَلِيهَا فَصْلُ التَّعَارُضِ (وَرُدَّ الِاسْتِصْحَابُ إلَى مَا بِهِ ثَبَتَ الْأَصْلُ الْمَحْكُومُ بِاسْتِمْرَارِهِ) (فَهُوَ) أَيْ الِاسْتِصْحَابُ (الْحُكْمُ) ظَنًّا (بِبَقَاءِ أَمْرٍ تَحَقَّقَ) سَابِقًا (وَلَمْ يَظُنَّ عَدَمَهُ) بَعْدَ تَحَقُّقِهِ (وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) السَّمَرْقَنْدِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَالْحَنَابِلَةُ (مُطْلَقًا) أَيْ لِلْإِثْبَاتِ وَالدَّفْعِ (وَنَفَاهُ) أَيْ كَوْنَهُ حُجَّةً (كَثِيرٌ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ (مُطْلَقًا) أَيْ لِلْإِثْبَاتِ وَالدَّفْعِ (وَأَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ) وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَمُتَابِعُوهُمْ قَالُوا هُوَ حُجَّةٌ (لِلدَّفْعِ) لَا لِلْإِثْبَاتِ (وَالْوَجْهُ لَيْسَ حُجَّةٌ) أَصْلًا كَمَا قَالَ الْكَثِيرُ (وَالدَّفْعُ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الطَّارِئِ (الْأَصْلِيِّ) عَلَى مَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ (لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ) أَيْ الْوُجُودِ وَكَيْفَ لَا وَبَقَاءُ الشَّيْءِ غَيْرُ وُجُودِهِ لِأَنَّهُ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ بَعْدَ الْحُدُوثِ (فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ) أَيْ الْوُجُودِ يَكُونُ (بِلَا دَلِيلٍ قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ أَمْرٌ (ضَرُورِيٌّ لِتَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الْحُكْمِ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ (مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ وَالْهَدَايَا) مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْلَا الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ ذَلِكَ سَفَهًا وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِذْ ثَبَتَ الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ مُتَّبَعٌ كَمَا عُرِفَ. (وَمِنْهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا (مَنْ اسْتَبْعَدَهُ) أَيْ كَوْنَهُ حُجَّةً بِالضَّرُورَةِ (فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَعَدَلُوا إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ يَجْزِمْ بِبَقَاءِ الشَّرَائِعِ مَعَ احْتِمَالِ الرَّفْعِ) أَيْ طَرَيَانِ النَّاسِخِ وَاللَّازِمِ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِبَقَاءِ شَرِيعَةِ عِيسَى ﷺ إلَى بِعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَبَقَاءِ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ أَبَدًا (وَ) إلَى (الْإِجْمَاعِ) أَيْضًا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ أَيْ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ كَمَا (فِي نَحْوِ بَقَاءِ الْوُضُوءِ وَالْحَدَثِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمِلْكِ) إذَا ثَبَتَ (مَعَ طُرُوِّ الشَّكِّ) فِي طَرَيَانِ الضِّدِّ (وَأُجِيبَ) عَنْ الْأَوَّلِ (بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لِجَوَازِهِ) أَيْ الْجَزْمِ بِبَقَائِهَا وَالْقَطْعِ بِعَدَمِ نَسْخِهَا (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الِاسْتِصْحَابِ (كَتَوَاتُرِ إيجَابِ الْعَمَلِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ لِأَهْلِهَا (إلَى ظُهُورِ النَّاسِخِ) وَوُجُودِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ (وَتِلْكَ الْفُرُوعُ) لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ بَلْ (لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تُوجِبُ أَحْكَامًا مُمْتَدَّةً) مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا وَحِلِّ الْوَطْءِ وَالِانْتِفَاعِ بِحَسَبِ وَضْعِ الشَّارِعِ (إلَى ظُهُورِ النَّاقِضِ شَرْعًا وَاعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ الْخِلَافِ) فِي كَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةً أَوْ لَا مَبْنِيٌّ (عَلَى أَنَّ سَبْقَ الْوُجُودِ مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الِانْتِفَاءِ هَلْ هُوَ دَلِيلُ الْبَقَاءِ فَقَالُوا) أَيْ الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ (نَعَمْ فَلَيْسَ الْحُكْمُ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِصْحَابِ حُكْمًا (بِلَا دَلِيلٍ وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (لَا إذْ لَا بُدَّ فِي الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةٍ يَسْتَلْزِمُ بِهَا) الْمَطْلُوبَ (وَهِيَ) أَيْ الْجِهَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لَهُ (مُنْتَفِيَةٌ) فِي حَقِّ الْبَقَاءِ (فَتَفَرَّعَتْ الْخِلَافِيَّاتُ) بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (فَيَرِثُ الْمَفْقُودُ) مِنْ مَاتَ مِنْ وَرَثَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ (عِنْدَهُ) أَيْ

стр. 940

الشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ حَيَاتِهِ الْمُفِيدَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ (لَا عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ بَابِ الْإِثْبَاتِ وَحَيَاتَهُ بِالِاسْتِصْحَابِ فَلَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُ. (وَلَا يُورَثُ لِأَنَّهُ) أَيْ عَدَمَ الْإِرْثِ (دَفْعٌ) لِلِاسْتِحْقَاقِ فَيَثْبُتُ بِالِاسْتِصْحَابِ (وَعَلَى مَا حَقَّقْنَا عَدَمُهُ أَصْلِيٌّ) مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا وَأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لِلْأَمْرِ الطَّارِئِ إنَّمَا لَا يُورَثُ (لِعَدَمِ سَبَبِهِ) أَيْ الْإِرْثِ (إذْ لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ) أَيْ الْمَفْقُودِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ (وَلَا صُلْحَ عَلَى إنْكَارٍ) أَيْ لَا صِحَّةَ لَهُ مَعَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (لِإِثْبَاتِ اسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ) لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فَكَانَتْ حُجَّةً عَلَى الْمُدَّعِي (كَالْيَمِينِ وَصَحَّ) الصُّلْحُ عَلَى إنْكَارٍ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِثْبَاتِ فَلَا تَكُونُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حُجَّةً عَلَى الْمُدَّعِي فَيَصِحُّ الصُّلْحُ (وَلَمْ تَجِبْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّفِيعِ) عَلَى الْمِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِهِ لِإِنْكَارِ الْمُشْتَرِي الْمِلْكَ الْمَشْفُوعَ بِهِ لِلشَّفِيعِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَإِنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ فِي الظَّاهِرِ وَالتَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ يَصْلُحُ حُجَّةً لِلدَّفْعِ وَالْإِلْزَامِ جَمِيعًا عِنْدَهُ (وَوَجَبَتْ) الْبَيِّنَةُ الْمَذْكُورَةُ (عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَصْلِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ هَذَا وَأَمَّا السُّبْكِيُّ فَقَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَشْخِيصِهِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِصْحَابُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمْت مَوَارِدَ اسْتَفْعَلَ فِي اللُّغَةِ. وَعِنْدِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحِ الْأُصُولِيِّينَ الِاتِّخَاذُ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا بَابُ مَا اتَّخَذُوهُ دَلِيلًا وَالسِّرُّ فِي جَعْلِ هَذَا الْبَابِ مُتَّخَذًا دُونَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ قَامَ الْقَاطِعُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتَنَازَعْ الْمُعْتَبَرُونَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَكَانَ مَنَالُهَا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ صُنْعِهِمْ لِاجْتِهَادِهِمْ بَلْ أَمْرٌ ظَاهِرٌ وَأَمَّا مَا عُقِدَ لَهُ هَذَا الْبَابُ فَهُوَ شَيْءٌ آخَرُ قَالَهُ كُلُّ إمَامٍ بِمُقْتَضَى تَأْدِيَةِ اجْتِهَادِهِ فَكَأَنَّهُ اتَّخَذَهُ دَلِيلًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَدَلُّ بِالِاسْتِصْحَابِ وَمَالِكُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِالِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَتَّخِذَ كُلٌّ مِنْهُمْ ذَلِكَ دَلِيلًا كَمَا يَقُولُ يُحْتَجُّ بِكَذَا وَهَذَا مَعْنًى مَلِيحٌ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِفْتَاءِ] (الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَا يَتْبَعُهُ) مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِفْتَاءِ (هُوَ) أَيْ الِاجْتِهَادُ (لُغَةً بَذْلُ الطَّاقَةِ فِي تَحْصِيلِ ذِي كُلْفَةٍ) أَيْ مَشَقَّةٌ يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ الصَّخْرَةِ وَلَا يُقَالُ اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ النَّوَاةِ وَالْمُرَادُ بِبَذْلِ الْوُسْعِ اسْتِفْرَاغُ الْقُوَّةُ بِحَيْثُ يَحْسُنُ الْعَجْزُ عَنْ الْمَزِيدِ (وَاصْطِلَاحًا ذَلِكَ) أَيْ بَذْلُ الطَّاقَةِ (مِنْ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ظَنِّيٍّ) فَبَذْلُ الطَّاقَةِ جِنْسٌ يَصْلُحُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِ اجْتِهَادِ الْمُقَصِّرِ وَهُوَ الَّذِي يَقِفُ عَنْ الطَّلَبِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ السَّعْيِ فَإِنَّ هَذَا الِاجْتِهَادَ لَا يُعَدُّ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ اجْتِهَادًا مُعْتَبَرًا وَمِنْ الْفَقِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ بَذْلِ الطَّاقَةِ مِنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ اصْطِلَاحِيٍّ. وَفِي تَحْصِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ احْتِرَازٌ مِنْ بَذْلِهَا مِنْهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ حِسِّيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ أَيْضًا وَظَنِّيٍّ قِيلَ لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ لَا اجْتِهَادَ فِيهِ وَسَيَأْتِي مَنْعُهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْأَحْكَامِ فِي الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَمَدَارِكِهَا بِالْفِعْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ وُسْعِ الْبَشَرِ (وَنَفْيُ الْحَاجَةِ إلَى قَيْدِ الْفَقِيهِ) كَمَا ذَكَرَ التَّفْتَازَانِيُّ (لِلتَّلَازُمِ بَيْنَهُ) أَيْ الْفَقِيهِ (وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ) فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ فَقِيهًا إلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْفِقْهِ التَّهَيُّؤَ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ (سَهْوٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ) جِنْسًا فِي التَّعْرِيفِ إنَّمَا هُوَ (بَذْلُ الطَّاقَةِ لَا الِاجْتِهَادُ وَيُتَصَوَّرُ) بَذْلُ الطَّاقَةِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْفَقِيهِ (فِي طَلَبِ حُكْمٍ) شَرْعِيٍّ وَالظَّاهِرُ كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فَقِيهٌ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ وَلَا مُجْتَهِدٌ غَيْرُ فَقِيهٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ ذُو مَلَكَةٍ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِنْتَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَأْخَذِهَا. (وَشُيُوعُ الْفَقِيهِ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (مِمَّنْ يَحْفَظُ الْفُرُوعَ) إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِ اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ) وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا التَّعْرِيفُ

стр. 941

لَيْسَ تَعْرِيفًا لِلِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا بَلْ (تَعْرِيفٌ لِنَوْعٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ) وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ (لِأَنَّ مَا) أَيْ الِاجْتِهَادَ (فِي الْعَقْلِيَّاتِ اجْتِهَادٌ غَيْرَ أَنَّ الْمُصِيبَ) فِي الْعَقْلِيَّاتِ (وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئَ آثِمٌ وَالْأَحْسَنُ تَعْمِيمُهُ) أَيْ التَّعْرِيفِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ظَنِّيًّا كَانَ أَوْ قَطْعِيًّا (بِحَذْفِ ظَنِّيٍّ) فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يَكُونُ فِي الْقَطْعِيِّ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَا بَيْنَ أَصْلِيٍّ وَفَرْعِيٍّ غَايَتُهُ أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْمُخَالِفَ فِيهِ مُخْطِئٌ آثِمٌ فِي نَوْعٍ مِنْهُ غَيْرَ آثِمٍ فِي نَوْعٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي نَعَمْ إنْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِإِثْمِ الْمُخْطِئِ فِيهِ اُحْتِيجَ إلَى قَيْدٍ مُخْرِجٍ لِمَا يَكُونُ الْمُخْطِئُ آثِمًا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَالشَّأْنُ فِي ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْآمِدِيِّ وَالرَّازِيِّ وَمُوَافِقِهِمَا الْمُجْتَهَدُ فِيهِ كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ. (ثُمَّ يَنْقَسِمُ) الِاجْتِهَادُ (مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ) الْمُتَعَلِّقُ بِهِ (إلَى وَاجِبٍ عَيْنًا عَلَى الْمَسْئُولِ) عَلَى الْفَوْرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَادِثَةِ) عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ إذَا نَزَلَتْ الْحَادِثَةُ بِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا (وَكِفَايَةً) أَيْ وَإِلَى وَاجِبٍ كِفَايَةً عَلَى الْمَسْئُولِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (لَوْ لَمْ يَخَفْ) فَوَاتَ الْحَادِثَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ (وَثَمَّ غَيْرُهُ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَيَتَوَجَّهُ الْوُجُوبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَأَخَصُّهُمْ بِوُجُوبِهِ مَنْ خُصَّ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَادِثَةِ حَتَّى لَوْ أَمْسَكُوا مَعَ ظُهُورِ الْجَوَابِ وَالصَّوَابِ لَهُمْ أَثِمُوا وَإِنْ أَمْسَكُوا مَعَ الْتِبَاسِهِ عَلَيْهِمْ عُذِرُوا وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الطَّلَبُ وَكَانَ فَرْضُ الْجَوَابِ بَاقِيًا عِنْدَ ظُهُورِ الصَّوَابِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَيَأْثَمُونَ بِتَرْكِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِهِ (وَيَسْقُطُ) الْوُجُوبُ عَنْ الْكُلِّ (بِفَتْوَى أَحَدِهِمْ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا (وَعَلَى هَذَا) أَيْ سُقُوطِ الْوُجُوبِ بِفَتْوَى أَحَدِهِمْ لَوْ أَنَّ مُجْتَهِدًا ظَنَّ خَطَأَ الْمُفْتِي فِيمَا أَجَابَ بِهِ (لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّهُ) أَيْ الْجَوَابَ (خَطَأً) الِاجْتِهَادُ فِيهِ لِسُقُوطِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ هَذَا وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْإِثْمِ بِالرَّدِّ إذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمَسْئُولِ وَأَصَحُّهُمَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْوَاقِعَةِ شُهُودٌ يَحْصُلُ الْغَرَضُ بِبَعْضِهِمْ وُجُوبُ الْإِجَابَةِ إذَا طُلِبَ الْأَدَاءُ مِنْ الْبَعْضِ قَالَ وَفِي الْفَرْقِ غُمُوضٌ انْتَهَى قِيلَ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْفَتْوَى تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَفِكْرٍ وَالْمُشَوَّشَاتُ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى ذَلِكَ وَلَا يَعْرَى عَنْ بَحْثٍ (وَكَذَلِكَ حُكْمٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ) مُجْتَهِدَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي النَّظَرِ فِيهِ يَكُونُ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ وُجُوبَ كِفَايَةٍ (أَيُّهُمَا حَكَمَ بِشَرْطِهِ) الْمُعْتَبَرِ فِيهِ شَرْعًا (سَقَطَ) الْوُجُوبُ عَنْهُمَا وَإِنْ تَرَكَاهُ بِلَا عُذْرٍ أَثِمَا (وَ) إلَى (مَنْدُوبٍ) وَهُوَ مَا (قَبْلَهُمَا) أَيْ وُجُوبِهِ عَيْنًا وَوُجُوبِهِ كِفَايَةً كَالِاجْتِهَادِ فِي حُكْمِ شَيْءٍ بِلَا سُؤَالٍ عَنْهُ وَلَا نُزُولِهِ لِيَطَّلِعَ عَلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ (وَمَعَ سُؤَالٍ فَقَطْ) أَيْ وَفِيمَا يُسْتَفْتَى عَنْ حُكْمِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ (وَ) إلَى (حَرَامٍ) وَهُوَ الِاجْتِهَادُ (فِي مُقَابَلَةِ) دَلِيلٍ (قَاطِعٍ) مِنْ (نَصٍّ) (أَوْ إجْمَاعٍ) (وَشَرْطُ مُطْلَقِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ (بَعْدَ صِحَّةِ إيمَانِهِ) بِمَعْرِفَةِ الْبَارِي تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ بِمُعْجِزَاتِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَسَائِرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ دُونَ التَّدْقِيقَاتِ التَّفْصِيلِيَّةِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْكَلَامِ وَبُلُوغُهُ وَعَقْلُهُ (مَعْرِفَةُ مَحَالِّ جُزْئِيَّاتِ مَفَاهِيمِ الْأَلْقَابِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلْمَتْنِ مِنْ شَخْصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الظُّهُورِ كَالظَّاهِرِ) وَالنَّصِّ وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ (وَالْعَامِّ) وَالْخَاصِّ (وَالْخَفَاءِ كَالْخَفِيِّ وَالْمُجْمَلِ) وَالْمُشْكِلِ وَالْمُتَشَابِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي انْقِسَامَاتِ الْمُفْرَدِ السَّابِقَةِ فِي فُصُولِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَيْهَا عِنْدَ طَلَبِ الْحُكْمِ كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مِنْ الْكِتَابِ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ قِيلَ: وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا مُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ أَوَّلَ مَنْ أَفْرَدَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ بِالتَّصْنِيفِ ذَكَرَهَا خَمْسَمِائَةٍ وَدُفِعَ بِأَنَّهُ أَرَادَ الظَّاهِرَةَ لَا الْحَصْرَ، وَمِنْ السُّنَّةِ خَمْسَمِائَةِ حَدِيثٍ، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ وَحُمِلَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالتَّغْلِيظِ فِي الْفُتْيَا، أَوْ أَرَادَ وَصْفَ أَكْمَلِ الْفُقَهَاءِ، فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ: الْأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ لَا مَعْرِفَةُ الْجَمِيعِ، وَهُوَ فِي السُّنَّةِ ظَاهِرٌ لِتَعَذُّرِهِ لِسَعَتِهَا

стр. 942

وَإِلَّا لَانْسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُهُ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ إذْ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ، وَلَوْ تُصُوِّرَ لَمَا حَضَرَ ذِهْنَهُ عِنْد الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ اجْتَهَدَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ لَمْ يَسْتَحْضِرُوا فِيهَا النُّصُوصَ حَتَّى رُوِيَتْ لَهُمْ فَرَجَعُوا إلَيْهَا. وَأَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَقِيلَ: مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ تَمْيِيزَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْجَمِيعِ بِالضَّرُورَةِ، وَتَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِي ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ مُتَفَاوِتُونَ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْأَحْكَامِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالْأَذْهَانِ وَمَا يَفْتَحُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِنْبَاطِ، وَلَعَلَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى الْأَحْكَامِ بِالْمُطَابَقَةِ لَا بِالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ إذْ غَالِبُ الْقُرْآنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ (وَهِيَ) أَيْ جُزْئِيَّاتُ تِلْكَ الْمَفَاهِيمِ (أَقْسَامُ اللُّغَةِ مَتْنًا وَاسْتِعْمَالًا لَا حِفْظُهَا) أَيْ الْمَحَالِّ الْمَذْكُورَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ حِفْظُ مَا اخْتَصَّ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْقُرْآنِ وَنُقِلَ فِي الْقَوَاطِعِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ مِنْ النَّاظِرِ فِيهِ وَنَقَلَهُ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ قُلْت وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ نَعَمْ الْحِفْظُ أَحْسَنُ كَمَا تَعْلِيلُ اللُّزُومِ يُفِيدُهُ (وَلِلسَّنَدِ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ وَالضَّعِيفِ وَالْعَدْلِ وَالْمَسْتُورِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) قَالُوا: وَالْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ فِي زَمَانِنَا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ وَكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ كَالْمُتَعَذِّرِ فَالْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ بِتَعْدِيلِ الْأَئِمَّةِ الْمَعْرُوفِ صِحَّةُ مَذْهَبِهِمْ فِي التَّعْدِيلِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ (وَعَدَمُ الْقَاطِعِ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى " مَعْرِفَةُ " (وَ) عَدَمُ (النَّسْخِ) وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ غَيْرُ خَافٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ. وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ وَفَهْمُ الْمُرَادِ مِنْ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ وَاعْتِبَارُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْقَاطِعِ وَلَا مَنْسُوخٍ وَلَا مُجْمَعٍ عَلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى هَذَا يُزَادُ وَمَعْرِفَتُهُ بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَخْرِقَهُ، وَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ مَذْهَبَ ذِي مَذْهَبٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهُ وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لَا خَوْضَ فِيهَا لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَلَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ جَمِيعِ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ. (وَ) شَرْطُ (الْخَاصِّ مِنْهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ (مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ آنِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِ (فِيمَا فِيهِ) الِاجْتِهَادُ (كَذَا لِكَثِيرٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَدِيعِ (بِلَا حِكَايَةِ عَدَمِ جَوَازِ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ) أَيْ أَنْ يُقَالَ شَخْصُ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَا هُوَ مَنَاطُ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهَا) أَيْ حِكَايَةَ عَدَمِ جَوَازِ تَجَزِّيهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ جَوَازِ تَجَزِّيهِ (فَرْعٌ) أَنَّهُ يَجُوزُ (اجْتِهَادُ الْفَرَضِيِّ فِي) عِلْمِ (الْفَرَائِضِ) بِأَنْ يَعْلَمَ أَدِلَّتَهُ بِاسْتِقْرَاءٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُجْتَهِدٍ كَامِلٍ وَيَنْظُرُ فِيهَا (دُونَ غَيْرِهِ) مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا لَمْ يَبْلُغْ فِيهَا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ (وَقَدْ حُكِيَتْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهَا وَذُكِرَ فِيهَا جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُسْتِيُّ مِنْ مَشَايِخِنَا وَمُخْتَارُ الْغَزَالِيِّ وَنَسَبَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى الْأَكْثَرِ وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ الْحَقُّ فِي مَسْأَلَةِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ التَّوَقُّفُ (وَاخْتَارَ طَائِفَةٌ نَفْيَهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدَ (وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَ كُلِّ مَا يَحْتَاجُهُ لَهَا) أَيْ لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي هُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا (احْتَمَلَ غَيْبَةَ بَعْضِهِ) أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ لَهَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي ظَنِّ الْحُكْمِ (عَنْهُ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ) الْمَذْكُورُ ثَابِتٌ (كَذَلِكَ لِلْمُطْلَقِ) أَيْ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ ظَنَّ كُلٌّ مِنْهُمَا حُصُولَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ ظَنِّهِ لَا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ (لَكِنَّهُ) أَيْ هَذَا الِاحْتِمَالُ (يَضْعُفُ) أَوْ يَنْعَدِمُ (فِي حَقِّهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ (لِسِعَتِهِ) أَيْ نَظَرِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِالْكُلِّ بِحَسَبِ ظَنِّهِ فَيَبْقَى ظَنُّهُ بِالْحُكْمِ بِحَالِهِ (وَيَقْوَى فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ بِالْكُلِّ بِحَسَبِ ظَنِّهِ فَلَا يَبْقَى بِالْحُكْمِ بِحَالِهِ فَلَمْ يَقْدَحْ فِي الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُطْلَقِ وَقَدَحَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ. (وَقَدْ يَمْنَعُ التَّفَاوُتُ)

стр. 943

أَيْ تَفَاوُتُهُمَا مَا فِي الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (بَعْدَ كَوْنِ الْآخَرِ) الَّذِي لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ مُطْلَقٍ (قَرِيبًا) مِنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ مُحَصِّلًا فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ بِخُصُوصِهِ مَا حَصَّلَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ (بَلْ) ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَطْلُوبِ الْخَاصِّ (مِثْلُهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فِيهِ (وَسَعَتُهُ) أَيْ الْمُطْلَقِ (بِحُصُولِ مَوَادَّ أُخْرَى لَا تُوجِبُهُ) أَيْ التَّفَاوُتَ فِي الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِيهِ (فَإِذَا وَقَعَ) الِاجْتِهَادُ (فِي) مَسْأَلَةٍ (صَلَوِيَّةٍ) أَيْ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ (وَفَرْضُ) وُجُودِ (مَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ فَسَعَةُ الْآخَرِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ (بِحُضُورِ مَوَادِّ) الْأَحْكَامِ (الْبَيْعِيَّاتِ وَالْغَصْبِيَّاتِ) وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَثَلًا (شَيْءٌ آخَرُ) لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا وَحَيْثُ لَمْ يَقْدَحْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُطْلَقِ فَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ (وَأَمَّا مَا قِيلَ) مِنْ قِبَلِ الْمُثْبِتِينَ (لَوْ شُرِطَ) عَدَمُ التَّجَزُّؤِ لِلِاجْتِهَادِ (شُرِطَ فِي الِاجْتِهَادِ الْعِلْمُ بِكُلِّ الْمَآخِذِ) أَيْ الْأَدِلَّةِ. (وَيَلْزَمُ) هَذَا (عِلْمُ كُلِّ الْأَحْكَامِ) وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ تَوَقَّفُوا فِي مَسَائِلَ بَلْ لَمْ يُحِطْ أَحَدٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَمْنُوعُ الْمُلَازَمَةِ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلْمَ بِجَمِيعِ الْمَآخِذِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ (لِلْوَقْفِ بَعْدَهُ) أَيْ الْعِلْمِ بِكُلِّ الْمَآخِذِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ (عَلَى الِاجْتِهَادِ) ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ الِاجْتِهَادُ وَلَا يُوجَدُ الْحُكْمُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ الْإِطْلَاعِ عَلَى مُرَجِّحٍ أَوْ لِتَشْوِيشِ فِكْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا قُلْت ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ تَقْيِيدِ صِحَّةِ جَوَازِ التَّجَزُّؤِ بِوُجُودِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ضَبْطِ مَأْخَذِ الْمَسْأَلَةِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا لَا مُوجِبَ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ: الْحَقُّ التَّفْصِيلُ فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ كُلِّيًّا كَقُوَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَمَعْرِفَةِ مَجَازِيِّ الْكَلَامِ، وَمَا يُقْبَلُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَمَا يُرَدُّ وَنَحْوُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِجْمَاعِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ دَلِيلٍ وَمَدْلُولٍ فَلَا تَتَجَزَّأُ تِلْكَ الْأَهْلِيَّةُ، وَمَا كَانَ خَاصًّا بِمَسْأَلَةٍ أَوْ مَسَائِلَ أَوْ بَابٍ، فَإِذَا اسْتَجْمَعَهُ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْبَابِ أَوْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ الْمَسَائِلِ مَعَ الْأَهْلِيَّةِ كَانَ فَرْضُهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ الِاجْتِهَادَ دُونَ التَّقْلِيدِ فَحَسَنٌ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَوْلٌ مُفَصَّلٌ بَيْنَ الْمَنْعِ وَالْجَوَازِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُطْلِقِينَ لِتَجَزِّي الِاجْتِهَادِ. غَايَتُهُ أَنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَحِلِّ الْخِلَافِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَأَمَّا الْعَدَالَةُ) فِي الْمُجْتَهِدِ (فَشَرْطُ قَبُولِ فَتْوَاهُ) فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْفَاسِقِ فِي الدِّيَانَاتِ لَا شَرْطُ صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاسِقِ قُوَّةَ الِاجْتِهَادِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الذُّكُورَةُ وَلَا عِلْمُ الْكَلَامِ وَلَا عِلْمُ الْفِقْهِ لِإِمْكَانِ حُصُولِ قُوَّةِ الِاجْتِهَادِ بِدُونِهَا وَانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ لِاشْتِرَاطِهَا، أَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ فَقَالُوا: لِجَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ لِلْجَازِمِ بِالْإِسْلَامِ تَقْلِيدًا، وَأَمَّا عِلْمُ الْفِقْهِ فَلِأَنَّهُ نَتِيجَةُ الِاجْتِهَادِ وَثَمَرَتُهُ. نَعَمْ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِمُمَارَسَتِهِ فَهُوَ طَرِيقٌ إلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. [مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ ﵇ مَأْمُورٌ فِي حَادِثَةٍ لَا وَحْيَ فِيهَا بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ] (مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) الْمُتَأَخِّرِينَ مَا عَنْ أَكْثَرِهِمْ (أَنَّهُ ﵇ مَأْمُورٌ) فِي حَادِثَةٍ لَا وَحْيَ فِيهَا (بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ أَوَّلًا مَا كَانَ رَاجِيهِ) أَيْ الْوَحْيِ (إلَى خَوْفِ فَوْتِ الْحَادِثَةِ) بِلَا حُكْمٍ (ثُمَّ بِالِاجْتِهَادِ) ثَانِيًا إذَا مَضَى وَقْتُ الِانْتِظَارِ، وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوَحْيِ إلَيْهِ فِيهَا إذْنٌ فِي الِاجْتِهَادِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ كَوْنُ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ مُفَسَّرَةً بِهَذَا، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْحَوَادِثِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الِاجْتِهَادُ (فِي حَقِّهِ) ﷺ (يَخُصُّ الْقِيَاسَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (فَفِي دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ) عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهَا لِعُرُوضِ خَفَاءٍ وَاشْتِبَاهٍ فِيهِ يَكُونُ لِغَيْرِهِ فِيهَا الِاجْتِهَادُ (وَ) فِي (الْبَحْثِ عَنْ مُخَصِّصِ الْعَامِّ وَ) بَيَانُ (الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَبَاقِيهَا) أَيْ الْأَقْسَامِ الَّتِي فِي دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُرَادِ خَفَاءٌ مِنْ الْمُجْمَلِ وَالْمُشْكِلِ وَالْخَفِيِّ وَالْمُتَشَابِهِ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ الرَّاسِخِ فِي الْعِلْمِ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ غَيْرَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ يَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ مَشَايِخِنَا بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الْفَحْصِ عَمَّا جَاءَ مِنْ بَيَانِهِ مِنْ قِبَلِ الْمُجْمَلِ لِيَقِفَ عَلَى مُرَادِهِ مِنْهُ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ الْمُرَادُ بِهِ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ الْمُجْمَلِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْبَيَانُ مُحْتَاجًا فِي تَحَقُّقِ الْمُرَادِ بِهِ إلَى نَوْعِ اجْتِهَادٍ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ قَدْ يُنَالُ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ

стр. 944

غَيْرِ الْمُجْمَلِ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي مَوْضِعِهِ فَيُوَافِقُ الْأَقْسَامَ الْبَاقِيَةَ الَّتِي فِي دَلَالَتِهَا خَفَاءٌ فِي أَنَّ مَعْنَى الِاجْتِهَادِ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ بِهِ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الْوُقُوفِ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ بِغَالِبِ الرَّأْيِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ. ثُمَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لَهَا أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَكُلُّ هَذَا وَاضِحٌ لَدَيْهِ بِلَا اجْتِهَادٍ (وَ) فِي (التَّرْجِيحِ) لِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ (عِنْدَ التَّعَارُضِ) بَيْنَهُمَا (لِعَدَمِ عِلْمِ الْمُتَأَخِّرِ) أَيْ لِهَذَا السَّبَبِ، وَأَمَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا غَيْرُ مُتَأَتٍّ فِي حَقِّهِ لِانْتِفَاءِ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَانْتِفَاءِ عُزُوبِ تَأَخُّرِ الْمُتَأَخِّرِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ عَنْ عِلْمِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ صُورَةِ التَّعَارُضِ (فَإِنْ أَقَرَّ) ﷺ عَلَى مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ عِنْدَ خَوْفِ الْحَادِثَةِ (أَوْجَبَ) إقْرَارُهُ عَلَيْهِ (الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ) أَيْ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ اجْتِهَادَهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ أَوْ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ (فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ) كَالنَّصِّ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ إلَى اجْتِهَادِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ وَالْقَرَارِ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ اجْتِهَادُهُ الْمُقَرُّ عَلَيْهِ (وَحْيٌ بَاطِنٌ) عَلَى مَا عَلَيْهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ وَسَمَّاهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مَا يُشْبِهُ الْوَحْيَ فِي حَقِّهِ ﷺ وَقَالَ: فَإِنَّ مَا يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِالْوَحْيِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ صَوَابًا لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُجَّةً قَاطِعَةً. (وَالْوَحْيُ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ (بَاطِنٌ هَذَا) الِاجْتِهَادُ الَّذِي أُقِرَّ عَلَيْهِ (وَظَاهِرٌ ثَلَاثَةٌ) مِنْ الْأَقْسَامِ (مَا يَسْمَعُهُ) النَّبِيُّ ﷺ (مِنْ الْمَلَكِ شِفَاهًا) بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُبَلِّغَ مَلَكٌ نَازِلٌ بِالْوَحْيِ مِنْ اللَّهِ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ﵇ الْمُرَادُ بِرُوحِ الْقُدْسِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وَبِالرُّوحِ الْأَمِينِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وَبِرَسُولٍ كَرِيمٍ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ أَنَّهُ هُوَ وَهَذَا أَحَدُهَا (أَوْ) مَا (يُشِيرُ إلَيْهِ) الْمَلَكُ (إشَارَةً مُفْهِمَةً) لِلْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْكَلَامِ (وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ) ﷺ «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (الْحَدِيثَ) أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْهَا مَا عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا النَّاسَ فَقَالَ: هَلُمُّوا إلَيَّ فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ فَجَلَسُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ ﵇ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إلَّا بِطَاعَتِهِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا قَدَامَةَ بْنَ زَائِدَةَ بْنِ قَدَامَةَ فَإِنَّهُ لَا يَحْضُرُنِي فِيهِ جَرْحٌ وَلَا تَعْدِيلٌ وَنَفَثَ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي رُوعِي بِضَمِّ الرَّاءِ أَلْقَى فِي قَلْبِي وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ أَيْ لِلرِّزْقِ بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ أَوْ تَرْكِ الْمُبَالَغَةِ وَالزِّيَادَةِ فِي الْحِرْصِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ الْكَسْبِ وَهَذَا ثَانِيًا. (أَوْ) مَا (يُلْهَمُهُ، وَهُوَ) أَيْ الْإِلْهَامُ (إلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِلَا وَاسِطَةِ عِبَارَةِ الْمَلَكِ وَإِشَارَتِهِ مَقْرُونٌ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى (مِنْهُ تَعَالَى جَعَلَهُ وَحْيًا ظَاهِرًا) وَهَذَا ثَالِثُهَا، وَلَمَّا كَانَ مِمَّا يَتَبَادَرُ أَنَّ هَذَا بَاطِنٌ أَشَارَ إلَى نَفْيِهِ بِتَوْجِيهِ كَوْنِهِ ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ (إذْ فِي الْمَلَكِ) أَيْ مُشَافَهَتِهِ (لَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ) الْعِلْمِ (الضَّرُورِيِّ أَنَّهُ) أَيْ الْمُخَاطَبُ (هُوَ) أَيْ الْمَلَكُ فَلَمْ يُخَالِفْهُ إلَّا بِعَدَمِ مُشَافَتِهِ وَإِشَارَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ عَدَّهُ ظَاهِرًا (وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْإِلْهَامِ وَحْيًا (كَانَ حُجَّةً قَطْعِيَّةً) (عَلَيْهِ) ﷺ (وَعَلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ إلْهَامِ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ فِيهِ أَقْوَالًا أَحَدُهَا حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا فِي الْمِيزَانِ مَعْزُوٌّ إلَى قَوْمٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ بَلْ عُزِيَ فِيهِ إلَى صِنْفٍ مِنْ الرَّافِضَةِ لُقِّبُوا بِالْجَعْفَرِيَّةِ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ سِوَاهُ. ثَانِيهَا: حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمِيزَانِ أَيْ

стр. 945

يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الْمُلْهَمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ إلَيْهِ، وَعَزَاهُ فِيهِ إلَى عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْإِمَامُ السُّهْرَوَرْدِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: وَمِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ يَنْشَرِحَ لَهُ الصَّدْرُ وَلَا يُعَارِضُهُ مُعَارِضٌ مِنْ خَاطِرٍ آخَرَ (ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ فِيهِ) أَيْ إلْهَامُ غَيْرِهِ أَنَّهُ (لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ وَلَا) عَلَى (غَيْرِهِ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ نِسْبَتَهُ) أَيْ الْمُلْهَمِ بِهِ (إلَيْهِ تَعَالَى) هَذَا وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ جَعَلَ الْوَحْيَ الظَّاهِرَ قِسْمَيْنِ مَا ثَبَتَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ، وَمَا ثَبَتَ بِإِشَارَتِهِ وَجَعَلَ الْبَاطِنَ مَا ثَبَتَ بِالْإِلْهَامِ قَالَ الشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْأَتْقَانِيُّ: وَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ فِي الْقَلْبِ بِالْإِلْهَامِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ هُوَ بَاطِنٌ، وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْبَاطِنِ مَا يُنَالُ الْمَقْصُودُ بِهِ بِالتَّأَمُّلِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ وَبِالظَّاهِرِ مَا يُنَالُ الْمَقْصُودُ بِهِ لَا بِالتَّأَمُّلِ فِيهَا وَحِينَئِذٍ مَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَوْجَهُ. قُلْت: وَيَبْقَى عَلَيْهِمَا التَّكْلِيمُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ مِنْ الْوَحْيِ الظَّاهِرِ وَرُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مِنْ الْبَاطِنِ وَلَمْ يَتَعَارَضَا لَهُمَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ ثُمَّ شَرَعَ فِي قِسْمِ الْمُخْتَارِ فَقَالَ: (وَالْأَكْثَرُ) أَنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ (بِالِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا) وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ تَقْدِيرَ مَأْمُورٍ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَوْقُ الْكَلَامِ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِسِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ أَيْ بِجَوَازِ كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحُرُوبِ وَالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ انْتَهَى وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأَكْثَرِ هَؤُلَاءِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ الْجَوَازَ عَلَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مُوَافَقَةً فِي الْمَعْنَى لِمِثْلِ مَا فِي مُنْتَهَى السُّولِ لِلْآمِدِيِّ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ انْتَهَى. وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ مَحِلَّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ إيجَابُهُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْجَوَازِ دُونَ الْوُجُوبِ كَمَا سَيُصَرَّحُ بِهِ لَكِنَّ قَوْلَ الْآمِدِيِّ بَعِيدٌ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي رِسَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ انْتَهَى ظَاهِرٌ فِي مُخَالَفَةِ هَذَا ذَاكَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا مُجَرَّدُ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا، وَفِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِاجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ الِاسْتِدْلَال بِالنُّصُوصِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَطْعًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِدْلَال بِالْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ أَمَارَاتٍ مُسْتَنْبَطَةً يُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتَعَبَّدُ بِهِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ فِي وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بَعْدَ جَوَازِهِ لَهُ وَجْهَيْنِ وَصَحَّحَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْوُجُوبَ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى حُقُوقِهِمْ إلَّا بِاجْتِهَادٍ، وَلَا يَجِبُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ انْتَهَى، وَهَذَا صَرِيحٌ أَيْضًا فِي أَنَّهُ ثَمَّ مَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ دُونَ الْوُجُوبِ. (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ الْأَشَاعِرَةُ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: (لَا) يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ حَظَّهُ ﷺ ثُمَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ عَقْلًا، وَهُوَ عَنْ الْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ وَبَعْضِهِمْ جَائِزٌ عَلَيْهِ عَقْلًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُتَعَبَّدْ بِهِ شَرْعًا ذَكَرَهُ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْحُرُوبِ دُونَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ حَكَاهُ فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ (وَقِيلَ) كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ (فِي الْحُرُوبِ فَقَطْ) ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْقَاضِي وَالْجُبَّائِيِّ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَعُوتِبَ عَلَى الْإِذْنِ لَمَّا ظَهَرَ نِفَاقُهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَلَا يَكُونُ الْعِتَابُ فِيمَا صَدَرَ عَنْ وَحْيٍ فَيَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ لِامْتِنَاعِ الْإِذْنِ مِنْهُ تَشَهِّيًا وَدَفَعَهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالَ: إنَّهُ ﷺ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَمَا ارْتَكَبَ إلَّا صَوَابًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ

стр. 946

﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ شَرِّهِمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ لَقَعَدُوا وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيمَا فَعَلَ وَلَا خَطَأَ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمَنْ قَالَ الْعَفْوُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ فَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا مَعْنَى عَفَا اللَّهُ عَنْك لَمْ يُلْزِمْك ذَنْبًا كَمَا فِي عَفَا عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَطُّ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنَّهُ عِتَابٌ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَلَكِنْ لَا يَعْرَى عَنْ بَحْثٍ (وَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: قُلْت لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَتُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهُ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْت فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْت فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُك فَإِنْ وَجَدْت بُكَاءً بَكَيْت وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبْكِي الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ» . قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَيْ لَوْلَا حُكْمٌ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ، وَكَانَ هَذَا خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي أَنَّ اسْتِبْقَاءَهُمْ كَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَأَنَّ فِدَاءَهُمْ يُتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّ قَتْلَهُمْ أَعَزُّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْيَبُ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ وَأَقَلُّ لِشَوْكَتِهِمْ، وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ هَذَا فَقَالَ فِي التَّقْوِيمِ: فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ اللَّهُ عَاتَبَ رَسُولَهُ عَلَى الْفِدَاءِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ نَزَلَ الْعَذَابُ مَا نَجَا إلَّا عُمَرُ» فَدَلَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مُخْطِئًا قُلْنَا: هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمِلَ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا أُقِرَّ عَلَيْهِ صَوَابًا وَاَللَّهُ تَعَالَى قَرَّرَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] وَتَأْوِيلُ الْعِتَابِ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَكَانَ لَك كَرَامَةً خُصِّصْت بِهَا رُخْصَةً لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ لِحُكْمِ الْعَزِيمَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى قَبْلَ الْإِثْخَانِ، وَقَدْ أَثْخَنْت يَوْمَ بَدْرٍ فَكَانَ لَك الْأَسْرَى كَمَا كَانَ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَلَكِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَسْرَى الْمَنُّ أَوْ الْقَتْلُ دُونَ الْمُفَادَاةِ فَلَوْلَا الْكِتَابُ السَّابِقُ فِي إبَاحَةِ الْفِدَاءِ لَك لَمَسَّكُمْ الْعَذَابُ. وَالْمُلَخَّصُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّهُ أَيْضًا تَرَكَ الْأَوْلَى، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ فِيهِ خَطَأٌ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالنَّقْضِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامُ ذَنْبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ فِيهِ بَيَانُ مَا خُصَّ بِهِ وَفُضِّلَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ هَذَا النَّبِيُّ غَيْرَك وَتُرِيدُونَ الْخِطَابَ فِيهِ لِمَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُرِيدِ النَّبِيُّ ﷺ لِعِصْمَتِهِ ثُمَّ الْحَاصِلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَهُ الْعَمَلُ بِرَأْيِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فَبِرَأْيِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى أَنَّ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ، وَكُلُّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ الْعَمَلَ يَجُوزُ لَهُ بِالرَّأْيِ فِي الْحُرُوبِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا (وَقَدْ قُلْنَا بِهِ) أَيْ بِوُجُوبِ اجْتِهَادِهِ فِي الْحُرُوبِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ الْآيَتَيْنِ وَبِوُجُوبِ اجْتِهَادِهِ فِي الْأَحْكَامِ أَيْضًا بِآيَةِ مُفَادَاةِ الْأُسَارَى فَإِنَّ جَوَازَ مُفَادَاتِهِمْ وَفَسَادَهَا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. (وَثَبَتَ) اجْتِهَادُهُ (فِي الْأَحْكَامِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ) ﷺ «لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ» ) ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

стр. 947

بِلَفْظِ «لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً» وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ «مَا أَهْدَيْت، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْت» وَذَلِكَ حِينَ أَذِنَ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَجَّتِهِمْ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا؛ لِأَنَّ السَّوْقَ مَانِعٌ مِنْ التَّحَلُّلِ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (وَسَوْقُهُ) أَيْ الْهَدْيِ (مُتَعَلَّقُ حُكْمِ الْمَنْدُوبِ) فَهُوَ مَنْدُوبٌ (وَهُوَ) أَيْ النَّدْبُ (حُكْمٌ شَرْعِيٌّ) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ وَحْيٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَا بِالتَّشَهِّي لِامْتِنَاعِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ بِالِاجْتِهَادِ قُلْت: وَمِمَّا هُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمَطْلُوبِ أَيْضًا مَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَإِنَّمَا أَقْضِي بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ إلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ اسْتِشْهَادًا (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الِاجْتِهَادَ (مَنْصِبٌ شَرِيفٌ) حَتَّى قِيلَ: إنَّهُ أَفْضَلُ دَرَجَاتِ الْعِلْمِ لِلْعِبَادِ فَإِذَنْ (لَا يُحَرِّمُهُ) أَفْضَلُ الْخَلْقِ (وَتَنَالُهُ أُمَّتُهُ وَلَأَكْثَرِيَّةُ الثَّوَابِ لِأَكْثَرِيَّةِ الْمَشَقَّةِ) كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ جَوَازِ النَّسْخِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ «قَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي الْعُمْرَةِ فَاخْرُجِي إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي ثُمَّ آتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك أَوْ نَصَبِك» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ «إنَّ لَك مِنْ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِك وَنَفَقَتِك» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْفَضْلَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَالْمُرَادُ النَّصَبُ الَّذِي لَا يَذُمُّهُ الشَّرْعُ وَكَذَا النَّفَقَةُ وَفِي الِاجْتِهَادِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَيْسَ فِي الْعَمَلِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لِظُهُورِهِ لَكِنْ هَذَا مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ مُطْلَقًا إذْ قَدْ يَفْضُلُ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ الْخَفِيفَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَشَقُّ فِي صُوَرٍ فَالْإِيمَانُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَعَ سُهُولَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ. وَفَرْضُ الصُّبْحِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْدَادٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ النَّافِلَةِ، وَدِرْهَمٌ مِنْ الزَّكَاةِ أَفْضَلُ مِنْ دَرَاهِمَ مِنْ الصَّدَقَةِ النَّافِلَةِ، وَفَرِيضَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ فَرَائِضَ فِي غَيْرِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَرَّرَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِأَنَّ السُّقُوطَ) لِلِاجْتِهَادِ (لِلدَّرَجَةِ الْعُلْيَا) وَهِيَ الْوَحْيُ فَإِنَّ مُتَعَلَّقَهُ أَعْلَى مِنْ مُتَعَلَّقِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْوَحْيِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخِلَافِهِ بِالِاجْتِهَادِ فَسُقُوطُهُ (لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي قَدْرِهِ وَأَجْرِهِ وَلَا اخْتِصَاصِ غَيْرِهِ بِفَضِيلَةٍ لَيْسَتْ لَهُ فَقِيلَ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ (ذَلِكَ) أَيْ سُقُوطُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى ثُمَّ لَا يَكُونُ فِيهِ نَقْصٌ آخَرُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْأَدْنَى وَلَا اخْتِصَاصُ الْمُتَّصِفِ بِهِ بِفَضِيلَةٍ لَيْسَتْ لِمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ الْمُنَافَاةِ) بَيْنَ الْأَدْنَى وَالْأَعْلَى بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعَانِ (كَالشَّهَادَةِ مَعَ الْقَضَاءِ وَالتَّقْلِيدِ مَعَ الِاجْتِهَادِ) أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَسْقُطُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى، وَالْوَحْيُ مَعَ الِاجْتِهَادِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَلَا يُحَرِّمُهُ النَّبِيُّ ﷺ . (وَالْحَقُّ أَنَّ مَا سِوَى هَذَا) الدَّلِيلِ الْمَعْنَوِيِّ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُثْبِتِينَ (لَا يُفِيدُ مَحِلَّ النِّزَاعِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ) لِلِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ (وَأَمَّا هَذَا) الدَّلِيلُ فَفِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ أَيْضًا (فَقَدْ اقْتَضَتْ رُتْبَتُهُ ﷺ مَرَّةً سُقُوطَ) حُرْمَةِ (مَا) يَحْرُمُ (عَلَى غَيْرِهِ) مِنْ أُمَّتِهِ (كَحُرْمَةِ الزِّيَادَةِ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (عَلَى الْأَرْبَعِ وَمَرَّةً لُزُومَ مَا لَيْسَ) بِلَازِمٍ (عَلَيْهِمْ) كَمُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُمْ بِخِلَافِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ الثَّبَاتُ إذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَتَغْيِيرُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالْحِفْظِ، وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَالسُّؤَالِ عَلَى مَا صُحِّحَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَالشَّأْنُ فِي تَحْقِيقِ خُصُوصِيَّةِ الْمُقْتَضَى فِي حَقِّهِ فِي الْمَوَادِّ وَعَدَمِهِ) أَيْ تَحْقِيقِ خُصُوصِيَّتِهِ فِي حَقِّهِ فِيهَا (وَغَايَةُ مَا يُمْكِنُ) فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (أَنَّهَا) أَيْ أَدِلَّةَ الْمُثْبِتِينَ (لِدَفْعِ الْمَنْعِ) لِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا انْدَفَعَ مَنْعُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (فَيَثْبُتُ الْوُجُوبُ إذْ لَا قَائِلَ بِالْجَوَازِ دُونَهُ) أَيْ الْوُجُوبِ وَلَكِنْ قَدْ عَرَفْت مَا عَلَى هَذَا مِنْ التَّعَقُّبِ

стр. 948

وَاحْتَجَّ (الْمَانِعُ) لِتَعَبُّدِهِ ﷺ بِالِاجْتِهَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ﴾ [النجم: ٣ - ٤] أَيْ مَا يَنْطِقُ بِهِ ﴿إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ أَيْ كُلُّ مَا يَنْطِقُ بِهِ فَهُوَ عَنْ وَحْيٍ فَيَنْتَفِي الِاجْتِهَادُ (أُجِيبَ بِتَخْصِيصِهِ) أَيْ هَذَا النَّصَّ (بِسَبَبِهِ) فَإِنَّهُ نَزَلَ (لِنَفْيِ دَعْوَاهُمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (افْتِرَاءَهُ) الْقُرْآنِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إنْ هُوَ الْقُرْآنُ فَيَنْتَفِي الْعُمُومُ (سَلَّمْنَا عُمُومَهُ) فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لَا يُوجِبُ خُصُوصَ الْحُكْمِ وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِمَا يَبْلُغُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْقُرْآنِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] يُنَافِي جَوَازَ اجْتِهَادِهِ (فَالْقَوْلُ عَنْ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ عَنْ الْهَوَى بَلْ عَنْ الْأَمْرِ بِهِ) أَيْ بِالِاجْتِهَادِ وَحْيًا فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ وَمَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ وَحْيًا. (وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَهُوَ) أَيْ الظَّاهِرُ (أَنَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ نَفْسُ مَا يُوحَى إلَيْهِ) وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى هَذَا إنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ لَا وَحْيٌ (يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ) أَيْ الدَّالِّ عَلَى وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِنْ نَحْوِ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] وَ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَتَيْنِ (وَلَا يَحْتَاجُهُ) أَيْ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ (الْحَنَفِيَّةُ إذْ هُوَ) أَيْ اجْتِهَادُهُ (وَحْيٌ بَاطِنٌ) إذْ أُقِرَّ عَلَيْهِ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ وَبِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ (قَالُوا) أَيْ مَانِعُو تَعَبُّدِهِ بِالِاجْتِهَادِ ثَانِيًا: (لَوْ جَازَ) لَهُ الِاجْتِهَادُ (جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ) أَيْ اجْتِهَادِهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُخَالَفَةِ مِنْ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ إذْ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ مُخَالَفَةُ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الصَّادِرَ مِنْ الِاجْتِهَادِ حُكْمُ اللَّهِ لِاحْتِمَالِ الْإِصَابَةِ، وَالْخَطَأِ، وَالْجَوَابُ مَنْعُ لُزُومِ أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ لَهُ مُطْلَقًا بَلْ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَمْنَعُ مُخَالَفَتَهُ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ اجْتِهَادٍ صَارَ سَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ وَهَذَا اُقْتُرِنَ بِهِ مَا يَمْنَعُ مُخَالَفَتَهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي أَوَائِلِ الْمَسْأَلَةِ (مَا يَدْفَعُهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ: فَإِنْ أُقِرَّ وَجَبَ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ وَيَأْتِي أَيْضًا (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ الْمَذْكُورُونَ ثَالِثًا (لَوْ أَمَرَ) النَّبِيُّ ﷺ (بِهِ) أَيْ بِالِاجْتِهَادِ (لَمْ يُؤَخِّرْ جَوَابًا) عَنْ سُؤَالٍ بَلْ يَجْتَهِدُ وَيُجِيبُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَكَثِيرًا مَا أَخَّرَ) جَوَابَ كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ كَحُكْمِ الظِّهَارِ وَقَذْفِ الزَّوْجَةِ بِالزِّنَا وَمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي. فَانْطَلَقَ فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: إنِّي سَأَلْت رَبِّي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: شَرُّ الْبِلَادِ الْأَسْوَاقُ» (الْجَوَابُ جَازَ) التَّأْخِيرُ (لِاشْتِرَاطِ الِانْتِظَارِ) لِلْوَحْيِ مَا كَانَ رَاجِيَهُ إلَى خَوْفِ الْحَادِثَةِ (كَالْحَنَفِيَّةِ أَوْ لِاسْتِدْعَائِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (زَمَانًا) فَإِنَّ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ يَسْتَدْعِي زَمَانًا أَوْ لِكَوْنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ مِمَّا لَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ. (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ الْمَذْكُورُونَ: رَابِعًا هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْحُكْمِ بِالْوَحْيِ، وَالْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ لَا يُفِيدُ إلَّا ظَنًّا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ (لَا يَجُوزُ الظَّنُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ) إجْمَاعًا، وَمِنْ ثَمَّةَ حَرُمَ عَلَى مُعَايِنِ الْقِبْلَةِ الِاجْتِهَادُ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ (أُجِيبَ بِالْمَنْعِ) أَيْ مَنْعِ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى الْيَقِينِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (فَإِنْ) كَانَ هَذَا الْمَنْعُ (بِمَعْنَى أَنَّهُ) أَيْ الْيَقِينَ، وَهُوَ الْوَحْيُ هُنَا (غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ فَصَحِيحٌ) إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وُصُولِ الْوَحْيِ إلَيْهِ (لَكِنَّهُ) ، وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ أَيْ هَذَا الْمَنْعُ بِهَذَا الْمَعْنَى (لَا يُوجِبُ النَّفْيَ) لِتَعَبُّدِهِ بِالِاجْتِهَادِ (بَلْ) إنَّمَا يُوجِبُ (أَنْ لَا يَجْتَهِدَ إلَى الْيَأْسِ مِنْ الْوَحْيِ أَوْ) إلَى (غَلَبَةِ ظَنِّهِ) أَيْ الْيَأْسِ مِنْ الْوَحْيِ (مَعَ خَوْفِ الْفَوْتِ) لِلْحَادِثَةِ بِلَا حُكْمٍ (وَهُوَ) أَيْ وَهَذَا (قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ كُلٌّ مِنْ طَرِيقَيْ الظَّنِّ، وَالْيَقِينِ) بِالْحُكْمِ (مُمْكِنٌ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الثَّانِي) أَيْ الْيَقِينِ (بِالِانْتِظَارِ) لِلْوَحْيِ (فَإِذَا غَلَبَ ظَنُّ عَدَمِهِ) أَيْ الْوَحْيِ (وُجِدَ شَرْطُ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ (الْمُخْتَارُ) وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الِانْتِظَارُ لِلْوَحْيِ فِيمَا يُسْأَلُ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قِيلَ مَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَصَمَتَ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ ثُمَّ

стр. 949

جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَهُوَ الْعَرَقُ وَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ قَالَ: هَا أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إلَّا بِالْخَيْرِ» الْحَدِيثَ وَكَانَ ﷺ إذَا أُوحِيَ إلَيْهِ يَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ مِنْ شِدَّةِ الْوَحْيِ وَثِقَلِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ) كَانَ هَذَا الْمَنْعُ (بِمَعْنَى جَوَازِ تَرْكِهِ) أَيْ الْيَقِينِ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (إلَى مُحْتَمِلِ الْخَطَأِ مُخْتَارًا فَيَمْنَعُهُ) أَيْ جَوَازُ تَرْكِ الْيَقِينِ إلَى مُحْتَمِلِ الْخَطَأِ (الْعَقْلُ وَمَا أَوْهَمَهُ) أَيْ جَوَازُهُ (سَيَأْتِي جَوَابُهُ) غَيْرَ أَنَّ هَذَا الشِّقَّ لَا يَحْتَمِلُهُ مَعَ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ التَّرْدِيدِ اللَّهُمَّ إلَّا فَرْضًا وَلَا دَاعِيَ إلَيْهِ (وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ الْمُخْتَارِ جَوَازًا لِخَطَأٍ عَلَيْهِ ﵇) أَيْ عَلَى اجْتِهَادِهِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخَطَأِ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَاخْتَارَهُ هُوَ وَابْنُ الْحَاجِبِ (وَقِيلَ بِامْتِنَاعِهِ) أَيْ جَوَازِ الْخَطَأِ عَلَى اجْتِهَادِهِ نَقَلَهُ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ وَجَزَمَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ اجْتِهَادُهُ (أَوْلَى بِالْعِصْمَةِ عَنْ الْخَطَأِ مِنْ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَنْ الْخَطَإِ (لِنِسْبَتِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ بِوَاسِطَةِ الْأُمَّةِ (إلَيْهِ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (وَلِلُزُومِ جَوَازِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَإِ) ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَ) لُزُومُ (الشَّكِّ فِي قَوْلِهِ) ﷺ أَصَوَابٌ هُوَ أَمْ خَطَأٌ (فَيُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ) ، وَهُوَ الْوُثُوقُ بِمَا يَقُولُ: إنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ (أُجِيبَ عَنْ هَذَا) الْأَخِيرِ (بِأَنَّ الْمُخِلَّ مَا فِي الرِّسَالَةِ) أَيْ جَوَازُ الْخَطَإِ فِيمَا يَنْقُلُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إرْسَالِهِ، وَهُوَ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ بِدَلَالَةِ تَصْدِيقِ الْمُعْجِزَةِ لَا تَجْوِيزِ الْخَطَإِ فِي اجْتِهَادِهِ (وَ) أُجِيبَ (عَمَّا قَبْلَهُ) ، وَهُوَ لُزُومُ جَوَازِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْخَطَإِ (بِمَنْعِ بُطْلَانِهِ) بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الْعَوَامّ لِلْمُجْتَهِدِينَ مِنَّا مَعَ جَوَازِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى الْخَطَإِ فَضْلًا عَنْ خَطَئِهِمْ فِيهِ وَتَعَقَّبَ الْفَاضِلُ الْكَرْمَانِيُّ هَذَا النَّقْضَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ إيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَتْبَعُ الْمُجْتَهِدَ فِي اجْتِهَادِهِ بَلْ يُقَلِّدُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صُورَةِ النَّقْضِ وَمَا لَزِمَ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِاتِّبَاعِهِ قَادِرٌ عَلَى الْإِصَابَةِ كَالْمُجْتَهِدِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَامِّيُّ، وَإِذَنْ لَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ بِالْخَطَأِ، وَإِنَّمَا الْعَامِّيُّ مَأْمُورٌ بِالتَّقْلِيدِ، وَالْخَطَأُ وَاقِعٌ فِي طَرِيقِهِ. قَالَ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ: وَالْأَوَّلُ مَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ فِي تَعْرِيفِ الْمُتَابَعَةِ جِهَةٌ لِلْفِعْلِ وَكَيْفِيَّةٌ لَهُ، وَالِاجْتِهَادُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَيْفِيَّةٌ لِلْمُجْتَهِدِ، وَالْفَاعِلِ فَتَعْرِيفُهُ الْمُتَابَعَةَ لَا يَقْتَضِي الِاتِّبَاعَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاقْتِضَاءِ اتِّبَاعُ الِاجْتِهَادِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْأَمْرِ بِالِاتِّبَاعِ إجْمَاعًا سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﵇ أَوْ بِاتِّبَاعِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِنْهَاجِ كَوْنَهُ مَخْصُوصًا فِي بَيَانِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَكَذَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ مَأْمُورُونَ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﵇ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدُهُمْ وَمُقَلِّدُهُمْ فَلَا فَرْقَ. وَأَيْضًا مَقْدُورُ الْمُجْتَهِدِ تَحْصِيلُ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ لَا الْإِصَابَةُ فِيهِ وَإِذَا جَازَ كَوْنُ اجْتِهَادِ الرَّسُولِ ﷺ خَطَأً فَاجْتِهَادُ غَيْرِهِ أَوْلَى بِجَوَازِ كَوْنِهِ خَطَأً وَكَذَا الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالِاتِّبَاعِ أَمْرٌ بِاتِّبَاعِ الْفِعْلِ كَمَا ذَكَرَهُ، وَإِذَا كَانَ إيقَاعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ خَطَأً كَانَ الْعَامِّيُّ مَأْمُورًا بِالْخَطَأِ هَذَا وَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْحُكْمَ الْخَطَأَ لَهُ جِهَتَانِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ وَكَوْنُهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ فَالْأَمْرُ فِيهِ لِلْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى وَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَلَا بُعْدَ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ أَيْضًا بِالْعَمَلِ بِهِ لِذَلِكَ، وَإِلَى مُلَخَّصِ هَذَا يُشِيرُ قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا هُوَ (مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ الْحُكْمُ الِاجْتِهَادِيُّ (صَوَابٌ فِي نَظَرِ الْعَالِمِ وَإِنْ خَالَفَ نَفْسَ الْأَمْرِ) ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ صَوَابٌ عَمَلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُخَطِّئَةِ أَوْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُصَوِّبَةِ وَلَا بَأْسَ (وَ) أُجِيبَ (عَنْ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْعِصْمَةِ مِنْ الْإِجْمَاعِ (بِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ) ﷺ (بِرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ وَإِنَّ رُتْبَةَ الْعِصْمَةِ لِلْأُمَّةِ لِاتِّبَاعِهِمْ) لَهُ (لَا يَقْتَضِي لُزُومَ

стр. 950

هَذِهِ الرُّتْبَةِ لَهُ كَالْإِمَامِ) الْأَعْظَمِ (وَلَا يَلْزَمُ لَهُ رُتْبَةُ الْقَضَاءِ) وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْهُ ثُمَّ لَا يَعُودُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِنَقْصٍ وَانْحِطَاطِ دَرَجَةٍ فَكَذَا هُنَا (وَتَقَدَّمَ مَا يَدْفَعُهُ) مِنْ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمُنَافَاةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَدَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ (وَأَيْضًا فَالْوُقُوعُ) لِلِاجْتِهَادِ (يَقْطَعُ الشَّغْبَ) بِالسُّكُونِ أَيْ النِّزَاعَ فِي الْجَوَازِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَاِبْنُ الْحَاجِبِ (وَدَلِيلُهُ) أَيْ الْوُقُوعِ قَوْله تَعَالَى (عَفَا اللَّهُ عَنْك) الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَةَ (حَتَّى قَالَ ﵇ «لَوْ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إلَّا عُمَرُ» ) رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَالطَّبَرِيُّ بِلَفْظِ «لَمَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» إلَّا أَنَّهُ يُطْرَقُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْوُقُوعِ بِالْآيَةِ الْأُولَى مَا سَلَفَ مِنْ قَوْلِ إنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْإِذْنِ، وَالْعِتَابِ بِهَا عَلَى مَا يَشُوبُهُ مِنْ بَحْثٍ نَعَمْ لَا يَضُرُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْوُقُوعِ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ مَا سَلَفَ فِيهَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ وَحِينَئِذٍ يَنْتَفِي إنْكَارُ وُقُوعِهِ مُطْلَقًا كَمَا عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ كَمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى (وَبِهِ) أَيْ بِالْوُقُوعِ (يُدْفَعُ دَفْعَ الدَّلِيلِ الْقَائِلِ لَوْ جَازَ) امْتِنَاعُ الْخَطَأِ عَلَيْهِ، وَالْأَحْسَنُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ امْتَنَعَ (لَكَانَ) امْتِنَاعُهُ عَلَيْهِ (لِمَانِعٍ) ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ (وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ الْمَانِعِ (بِأَنَّ الْمَانِعَ) مِنْ جَوَازِهِ (عُلُوُّ رُتْبَتِهِ وَكَمَالُ عَقْلِهِ وَقُوَّةُ حَدْسِهِ وَفَهْمِهِ) ﷺ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الدَّفْعَ الْعَلَّامَةُ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْخَطَإِ، وَالسَّهْوِ مِنْ لَوَازِمِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِذَا جَازَ سَهْوُهُ حَالَ مُنَاجَاتِهِ مَعَ الرَّبِّ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ سَهَا فَسَجَدَ» فَجَوَازُ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ حَالِ الصَّلَاةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. (وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال) لِجَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ (بِقَوْلِهِ) ﷺ : «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ) ﷺ «أَنَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ» ) وَقَدَّمْنَا فِي فَصْلِ شَرَائِطِ الرَّاوِي عَنْ الْمِزِّيِّ، وَالذَّهَبِيِّ وَشَيْخِنَا أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ وَأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قَالَ: يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) مُثْبِتٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَطَإِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ أَمَارَتِهِ لَا فِي الْخَطَإِ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِمُعَيَّنٍ فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْعُمُومِ الَّذِي أُثْبِتَ لَهُ حُكْمٌ هُوَ صَوَابٌ كَمَا إذَا جَزَمَ بِأَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْمَائِعَ خَمْرٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَتِهِ فَإِنَّ الِانْدِرَاجَ وَعَدَمَهُ لَيْسَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (وَكَذَا) لَيْسَ بِشَيْءٍ (مَا يُوهِمُهُ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ ثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَإِ فِيهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَقُولُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فَهَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيهِ خِلَافٌ، فَإِذَا وَقَعَ هَلْ يُقَرَّرُ عَلَيْهِ أَوْ يُنَبَّهُ عَلَى الْخَطَإِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُقَرَّرُ انْتَهَى. (بَلْ) كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (نَفْيُهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ (اتِّفَاقٌ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ثُمَّ قَدْ ظَهَرَ سُقُوطُ التَّوَقُّفِ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا مَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَعَزَاهُ فِي الْمَحْصُولِ لِأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ الْفَتَاوَى أَمَّا الْأَقْضِيَةُ فَيَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا لِغَيْرِهِ، وَالْوَجْهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَرْعٌ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا اجْتَهَدَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَاسَ فَرْعًا عَلَى أَصْلٍ فَيَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا بِالنَّصِّ، وَكَذَا لَوْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَسَنٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ عَقْلًا اجْتِهَادُ غَيْرِ النَّبِيّ] (مَسْأَلَةٌ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ) عَقْلًا (اجْتِهَادُ غَيْرِهِ) أَيْ النَّبِيِّ ﷺ (فِي عَصْرِهِ ﵇، وَالْأَكْثَرُ يَجُوزُ) عَقْلًا (فَقِيلَ) يَجُوزُ (مُطْلَقًا) أَيْ بِحَضْرَتِهِ وَغَيْبَتِهِ نَقَلَهُ إِلْكِيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ (وَقِيلَ) يَجُوزُ (بِشَرْطِ غَيْبَتِهِ لِلْقُضَاةِ) ، وَالْوُلَاةِ دُونَ غَيْرِهِمْ. (وَقِيلَ) يَجُوزُ (بِإِذْنٍ خَاصٍّ) ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ صَرِيحَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَّلَ السُّكُوتَ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ (وَفِي الْوُقُوعِ) مَذَاهِبُ (نَعَمْ) وَقَعَ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ
следующие страницы →