← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21605

التقرير والتحبير على كتاب التحرير

ابن أمير حاج

Полный текст (1 005 стр.). Показаны 981–1005 · переход к 986.

стр. 981

فَيَسُوغُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى كُلٍّ مِنْ اجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادِ غَيْرِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ الرُّجُوعُ إلَى كُلٍّ مِنْ اجْتِهَادَيْ مُجْتَهِدَيْنِ (أُجِيبَ بِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْمُقَلِّدِينَ إذْ الْمَعْنَى لِيَسْأَلْ أَهْلَ الْعِلْمِ مَنْ لَيْسَ أَهْلَهُ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَةِ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْلٌ) لِلْعِلْمِ (وَأَهْلُ الْعِلْمِ مَنْ لَهُ الْمَلَكَةُ) أَيْ الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِأَهْلِيَّتِهِ فِيمَا يُسْأَلُ عَنْهُ (لَا بِقَيْدِ خُرُوجِ الْمُمْكِنِ عَنْهُ) مِنْ الِاقْتِدَارِ (إلَى الْفِعْلِ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ مَنْ هُوَ مُتَأَهِّلٌ لَهُ وَمُسْتَعِدٌّ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَرِيبًا لَا مَنْ حَصَلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَهُ فَيَخْتَصُّ بِالْمُقَلِّدِ (قَالُوا) ثَانِيًا (الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ) ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ بِاجْتِهَادِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ الظَّنُّ (حَاصِلٌ بِفَتْوَى غَيْرِهِ) فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. (أُجِيبَ بِأَنَّ ظَنَّهُ اجْتِهَادَهُ) بِنَصَبِ الدَّالِ إمَّا بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ظَنِّهِ (أَقْوَى) مِنْ ظَنِّهِ بِفَتْوَى غَيْرِهِ (فَيَجِبُ الرَّاجِحُ، فَإِنْ قِيلَ ثَبَتَ) فِي الْفُرُوعِ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ يَقْضِي بِغَيْرِ رَأْيِهِ ذَاكِرًا لَهُ) أَيْ لِرَأْيِهِ (نَفَذَ) قَضَاؤُهُ (خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ فَيَبْطُلُ) بِهَذَا الثَّابِتُ عَنْهُ (نَقْلُ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَنْعِ) مِنْ التَّقْلِيدِ (بَعْدَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (إذْ لَيْسَ التَّقْلِيدُ إلَّا الْعَمَلُ، أَوْ الْفَتْوَى بِقَوْلِ غَيْرِهِ) ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا مِنْ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهُ (وَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَنْهُ يَنْفُذُ وَجَعَلَهَا فِي الْخَانِيَّةِ أَظْهَرَ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ رَأْيَهُ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَرَأْيُ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ خَطَأَهُ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَطَأً بِيَقِينٍ فَكَانَ حَاصِلُهُ قَضَاءً فِي مَحِلٍّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ فَيَنْفُذُ وَبِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ وَعَنْهُ لَا يَنْفُذُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ عَبَثٌ فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَوَقَعَ تَحَرِّيهِ إلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ لِاعْتِقَادِهِ خَطَأَ نَفْسِهِ وَبِهِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ (فَقَدْ صَحَّحَ أَنَّهُ) أَيْ نَفَاذَ الْقَضَاءِ (مَذْهَبُهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ. (قُلْنَا: النَّفَاذُ بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ لَا يُوجِبُ حِلَّهُ) أَيْ الْفِعْلِ (نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ) ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ (أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فِي النَّفَاذِ وَفِي بَعْضِهَا) ذَكَرَ الْخِلَافَ (فِي الْحِلِّ) أَيْ حِلِّ الْإِقْدَامِ عَلَى الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ (لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمُعَوَّلَ الْحِلُّ بَلْ يَجِبُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ النَّفْيِ) لِلْحِلِّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي وَجْهِهَا وَلِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ إجْمَاعًا وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى ظَنِّهِ، وَعَمَلُهُ هُنَا لَيْسَ إلَّا قَضَاءَهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ نَصَّ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُحِيطِ عَلَى أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا بِعَدَمِ النَّفَاذِ فِي الْعَمْدِ، وَالنِّسْيَانِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَالْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ: (وَصَرَّحَ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ عَدَمُ تَقْلِيدِ التَّابِعِيِّ، وَإِنْ رُوِيَ خِلَافُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قُبَيْلَ فَصْلِ التَّعَارُضِ فَكَوْنُ عَدَمِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَوْلَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَهَا ثُمَّ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ] (مَسْأَلَةٌ: إذَا) وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فَاجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَهَا ثُمَّ (تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ) هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْرِيرُ النَّظَرِ وَتَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ فِيهَا أَمْ يَكْفِي الِاجْتِهَادُ الْأَوَّلُ (قِيلَ) ، وَالْقَائِلُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ (الْمُخْتَارُ لَا يَلْزَمُهُ تَكْرِيرُ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ إلْزَامَهُ بِهِ (إيجَابٌ بِلَا مُوجِبٍ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ) تَكْرِيرُ النَّظَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ: وَإِلَّا يَكُونُ مُقَلِّدًا لِنَفْسِهِ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى، وَقَالَ: وَكَالْقِبْلَةِ يُجْتَهَدُ لَهَا ثَانِيًا وَفِيهِ أَيْضًا بَحْثٌ وَقِيلَ: (لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ كَثِيرًا مَا يَتَغَيَّرُ) فَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْ الْقَدِيمِ إلَى الْجَدِيدِ (وَلَيْسَ) تَغَيُّرُهُ (إلَّا بِتَكْرِيرِهِ) أَيْ النَّظَرِ (فَالِاحْتِيَاطُ ذَلِكَ) أَيْ تَكْرِيرُهُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ أَفْتَى بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْتَمَرَّ ظَنُّهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ وَأَفْتَى بِهِ (أُجِيبَ فَيَجِبُ تَكْرَارُهُ) أَيْ النَّظَرِ (أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الِاجْتِهَادَ (يَحْتَمِلُ ذَلِكَ) أَيْ التَّغَيُّرَ (فِي كُلِّ وَقْتٍ يَمْضِي بَعْدَ الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ) ، وَالْوُجُوبُ الْأَبَدِيُّ لَهُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهَذَا) اللَّازِمُ (لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاجْتِهَادِ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ الْحَادِثَةِ بِشَرْطِهِ) أَيْ وُجُوبِهِ (فَقَدْ أَخَذَ السَّبَبُ حُكْمَهُ) بِالِاجْتِهَادِ

стр. 982

الْأَوَّلِ عِنْدَهَا (وَاحْتِمَالُ الْخَطَإِ فِيهِ لَمْ يَقْدَحْ) فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ (فَلَا يَجِبُ) الِاجْتِهَادُ (الْآخَرُ إلَّا بِمِثْلِهِ) أَيْ الْأَوَّلِ مِنْ وُجُودِ السَّبَبِ، وَالشَّرْطِ بَقِيَ الشَّأْنُ فِي أَنَّ تَكْرَارَهَا هَلْ هُوَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلنَّظَرِ ثَانِيًا فِيهَا مُسْتَجْمِعٌ لِشَرْطِ وُجُوبِهِ لَمْ يُفْصِحْ الْمُصَنِّفُ بِهِ وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ فَيَجِبُ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ السُّبْكِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي مَذْهَبِنَا لُزُومُ التَّجْدِيدِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِدَلِيلِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا قَدْ يُوجِبُ رُجُوعَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعًا، وَإِنْ تَجَدَّدَ مَا قَدْ يُوجِبُ الرُّجُوعَ لَزِمَهُ قَطْعًا انْتَهَى. (قُلْت) : وَسَبَقَهُ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا قَدْ يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَمَّا ظَهَرَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ وَحَذَفَهُ لِقَرِينَةٍ مُقَابِلَةٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ إنْ تَجَدَّدَ مَا قَدْ يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَنْهُ لَزِمَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ فِي لُزُومِهِ مَعَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا نَظَرٌ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ مُتَأَخِّرٌ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ رَاجِحًا عَلَى مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عُمِلَ بِالْأَوَّلِ وَلَا يُعَدُّ الِاجْتِهَادُ وَإِلَّا أَعَادَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لَهُ، فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ يَكُونُ أَخْذًا بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ إذْ لَا ثِقَةَ بِبَقَاءِ الظَّنِّ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَأَمُّلٍ، وَمِنْ ثَمَّةَ حُكِيَ فِيهِ قَوْلٌ بِالْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظَّنَّ السَّابِقَ قَوِيٌّ فَيُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجْحَانِ غَيْرِهِ وَقَالَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ اجْتَهَدَ لِنَازِلَةٍ فَحَكَمَ، أَوْ لَمْ يَحْكُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ ثَانِيًا فِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ إذَا كَانَ الزَّمَانُ قَرِيبًا لَا يَخْتَلِفُ فِي مِثْلِهِ الِاجْتِهَادُ لَا يَسْتَأْنِفُهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ اسْتَأْنَفَ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا فِي الْعَامِّيِّ يَسْتَفْتِي الْمُجْتَهِدَ فِي وَاقِعَةٍ ثُمَّ تَقَعُ لَهُ ثَانِيًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْتَاهُ عَنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ قَدْ يَتَحَرَّى فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَلَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَأَفْتَاهُ عَنْ نَصِّ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْفَتْوَى الْأُولَى، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْتَاهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ ثَانِيًا لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ الْفَتْوَى الْأُولَى يَجُوزُ تَغَيُّرُ الِاجْتِهَادِ فِيهَا غَالِبًا، فَإِنْ قَرُبَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِفْتَاءُ ثَانِيًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَحِلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَكْثُرْ وُقُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ كَثُرَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْعَامِّيِّ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ قَطْعًا وَخَصَّ ابْنُ الصَّلَاحِ الْخِلَافَ بِمَا إذَا قَلَّدَ حَيًّا وَقَطَعَ فِيمَا إذَا كَانَ خَبَرًا عَنْ مَيِّتٍ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِّيَّ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرَّافِعِيِّ وَأَفَادَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِاحْتِمَالِ مُخَالَفَةِ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا بِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَةٍ لِمُجْتَهِدٍ بَلْ لِعَاقِلٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: (لَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَةٍ لِمُجْتَهِدٍ) بَلْ لِعَاقِلٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (قَوْلَانِ) مُتَنَاقِضَانِ (لِلتَّنَاقُضِ، فَإِنْ عُرِفَ الْمُتَأَخِّرُ) مِنْهُمَا (تَعَيَّنَ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (رُجُوعًا) عَنْ الْأَوَّلِ إلَيْهِ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُتَأَخِّرُ (وَجَبَ تَرْجِيحُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ لِأَحَدِهِمَا (بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ) كَمَا فِي تَعَارُضِ الْقِيَاسَيْنِ (وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يُخَيَّرُ مُتَّبِعُهُ الْمُقَلِّدُ فِي الْعَمَلِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَذَا فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْتَهِدِ) الْمَذْكُورِ الْمُجْتَهِدُ (فِي الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَتَرْجِيحُ) الْمُجْتَهِدِ (الْمُطْلَقِ بِشَهَادَتِهِ) أَيْ قَلْبِهِ (فِيمَا عَنَّ) أَيْ ظَهَرَ (لَهُ) نَفْسُهُ (وَالتَّرْجِيحُ هُنَا) لِأَحَدِهِمَا إنَّمَا هُوَ (عَلَى أَنَّهُ الْمُعَوَّلُ) عَلَيْهِ (لِصَاحِبِهِمَا) أَيْ الْقَوْلَيْنِ (وَقَوْلُ الْبَعْضِ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (يُخَيَّرُ الْمُتَّبِعُ فِي الْعَمَلِ) بِأَيِّهِمَا شَاءَ (لَيْسَ خِلَافًا) لِمَا قَبْلَهُ (بَلْ) هُوَ (مَحِلٌّ آخَرُ ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ لَا التَّرْجِيحِ) لِأَحَدِهِمَا فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ (وَفِي بَعْضِهَا) أَيْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ (إنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخٌ) لِلْقَوْلَيْنِ (فَإِنْ نُقِلَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (مَا يُقَوِّيهِ فَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُقَوَّى هُوَ (الصَّحِيحُ عِنْدَهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مَا يُقَوِّي أَحَدَهُمَا (إنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (مُتَّبِعٌ بَلَغَ الِاجْتِهَادَ) فِي الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ (رَجَّحَ بِمَا مَرَّ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ إنْ وَجَدَ وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَجِدْ (يَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بِشَهَادَةِ قَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا اتَّبَعَ فَتْوَى الْمُفْتِي فِيهِ الْأَتْقَى الْأَعْلَمِ بِالتَّسَامُعِ، وَإِنْ) كَانَ (مُتَفَقِّهًا

стр. 983

تَبِعَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَعَمِلَ بِمَا هُوَ أَصْوَبُ وَأَحْوَطُ عِنْدَهُ) . وَمُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ أَنَّهُ إنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَافِيَانِ فَلَهُ حَالَانِ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ كَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَا مُرَادَيْنِ لَهُ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ عَقِبَ أَحَدِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْوِيَتِهِ كَهَذَا أَشْبَهُ، أَوْ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ وَحِينَئِذٍ فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلَيْنِ احْتِمَالَهُمَا لِوُجُودِ دَلِيلِينَ مُتَسَاوِيَيْنِ، أَوْ مَذْهَبُهُمْ لِمُجْتَهِدَيْنِ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعَيْنِ بِأَنْ يَنُصَّ فِي كِتَابٍ عَلَى إبَاحَةِ شَيْءٍ وَفِي آخَرَ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَيَكُونُ الْأَوَّلُ مَنْسُوخًا، وَإِلَّا حُكِيَ عَنْهُ الْقَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالرُّجُوعِ. (وَإِذْ نُقِلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِيهَا قَوْلَانِ) كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، أَوْ فِي بِضْعَ عَشَرَةَ سِتَّ عَشَرَةَ، أَوْ سَبْعَ عَشَرَةَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَوْ فِي سِتَّ عَشَرَةَ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ، أَوْ فِيمَا لَا يَبْلُغُ عَشْرًا كَمَا نَقَلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ (حُمِلَ عَلَى أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ) فِيهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِذَا، وَبَعْضُهُمْ بِذَا فَيُحْكَى قَوْلُهُمْ وَفَائِدَتُهُ أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ مِنْ أَرَادَ مِنْ الْمُجْتَهِدَيْنِ الذَّهَابَ إلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَقِيلَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا سِوَاهُمَا لَا يُؤْخَذُ بِهِ فَيَطْلُبُ تَرْجِيحَ أَحَدِهِمَا (أَوْ يَحْتَمِلُهُمَا) لِوُجُودِ تَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ وَقِيلَ: يَجِبُ اعْتِقَادُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ، وَرُجُوعُهُ عَنْ الْآخَرِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ دُونَ نِسْبَتِهِمَا جَمِيعًا وَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِمَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ كَالنَّصَّيْنِ إذَا عَلِمْنَا نَسْخَ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْآمِدِيِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ عَمَلِ الْفُقَهَاءِ (أَوْلَى فِيهَا) قَوْلَانِ (عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ) بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ وَتَعَقَّبَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ تَصْوِيبُ الْمُجْتَهِدَيْنِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ مِنْهُ بِالتَّخْيِيرِ وَأَيْضًا فَيَكُونُ الْقَوْلَانِ بِتَحْرِيمٍ وَإِبَاحَةٍ وَيَسْتَحِيلُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا (أَوْ تَقَدَّمَا) أَيْ الْقَوْلَانِ (لِي) فَيَحْكِي قَوْلَيْهِ الْمُرَتَّبِينَ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَعِنْدِي أَنَّهُ حَيْثُ نَصَّ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَذْهَبٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا لِيَتَرَوَّى فِيهِمَا وَعَدَمُ اخْتِيَارِهِ لِأَحَدِهِمَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً مِنْهُ بَلْ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ رُتْبَةِ الرَّجُلِ وَتَوَسُّعِهِ فِي الْعِلْمِ وَعِلْمِهِ بِطَرِيقِ الْأَشْبَاهِ، فَإِنْ قِيلَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ إذْ لَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ وَلَا قَوْلَانِ عَلَى هَذَا قُلْنَا: هَكَذَا نَقُولُ وَلَا نَتَحَاشَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْإِضَافَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ ذِكْرُهُ لَهُمَا وَاسْتِقْصَاؤُهُ وُجُوهَ الْأَشْبَاهِ فِيهِمَا وَوَافَقَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْقَوْلَيْنِ لِلْقَطْعِ فِيهِمَا بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ لَا النَّاقِلِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِالْعَكْسِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلِيغِيُّ فِي الْغُرَرِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا الْغَلَطُ فِي السَّمَاعِ كَانَ يُجِيبُ بِحَرْفِ النَّفْيِ إذَا سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ وَيَقُولُ: لَا يَجُوزُ فَيَشْتَبِهُ عَلَى الرَّاوِي فَيَنْقُلُ مَا سَمِعَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ وَيَعْلَمُ بَعْضُ مَنْ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ رُجُوعَهُ فَيَرْوِي الثَّانِيَ، وَالْآخَرُ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيَرْوِي الْأَوَّلَ. (قُلْت) : وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَالَ الثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فَيَنْقُلُ كَمَا سَمِعَ (قُلْت) وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ تَعْيِينَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ غَالِبًا هُوَ الْأَوَّلَ غَالِبًا لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ فَالْقِيَاسُ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ، وَالِاسْتِحْسَانُ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ، وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ قَبْلَ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ قَالَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَيَسْمَعُ كُلٌّ كُلًّا فَيَنْقُلُهُ، ثُمَّ إنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ كِلَاهُمَا وَلَمْ يَكُنْ فِي إحْدَاهُمَا قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ هِيَ مَاشِيَةٌ

стр. 984

عَلَى إحْدَاهُمَا، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَمِنْ جِهَةِ الْبَرَاءَةِ وَالِاحْتِيَاطِ فَيَنْقُلُ كَمَا سَمِعَ. (قُلْت) : ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا فِيهِ رِوَايَتَانِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الْمَوَارِدِ لَا أَنَّ كُلًّا مِمَّا فِيهِ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِعَدَمِ اطِّرَادِ كُلِّ مَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ رِوَايَتَانِ صَالِحٌ لِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ] (مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ) أَيْ مَا كَانَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دَلِيلُهُ ظَنِّيٌّ فَخَرَجَ الْعَقْلِيُّ، وَاللُّغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَمَا دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ (صَحِيحٌ) فَخَرَجَ غَيْرُهُ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ الْوَجْهَ إسْقَاطٌ (إذَا لَمْ يُخَالِفْ مَا ذَكَرَ) أَيْ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ، وَالْإِجْمَاعَ، وَالْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِقَطْعِيٍّ مِنْهَا وَيُنْقَضُ إذَا خَالَفَ قَطْعِيًّا مِنْهَا اتِّفَاقًا، وَلَا يُنْقَضُ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَنِّيٍّ مِنْهَا لِتَسَاوِيهِمَا فِي الرُّتْبَةِ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمَ نَفْسِهِ بِأَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، أَوْ حُكْمَ غَيْرِهِ بِأَنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ صَحَّ اجْتِهَادُهُ اتِّفَاقًا (وَإِلَّا) لَوْ نُقِضَ بِخِلَافِهِ (نُقِضَ) ذَلِكَ (النَّقْضُ) بِخِلَافِهِ أَيْضًا (وَتَسَلْسَلَ) إذْ يَجُوزُ نَقْضُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ النَّقْضُ، وَهَكَذَا لَا إلَى نِهَايَةٍ (فَيَفُوتُ نَصْبُ الْحَاكِمِ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ) لِاضْطِرَابِ الْأَحْكَامِ وَعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهَا ثُمَّ كَذَا حَكَى الِاتِّفَاقَ الْمَذْكُورَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ تَجْوِيزُ ابْنِ الْقَاسِمِ نَقْضَ مَا بَانَ أَنَّ غَيْرَهُ صَوَابٌ (وَفِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ مُجْتَهِدٌ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ، وَإِنْ) كَانَ الْحَاكِمُ الْمُجْتَهِدُ (مُقَلِّدًا فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ مُجْتَهِدًا آخَرَ (كَانَ) ذَلِكَ الْحُكْمُ (بَاطِلًا اتِّفَاقًا وَعُلِّلَ) كَمَا فِي شَرْحِ الْعَضُدِ (بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِظَنِّهِ وَعَدَمُ جَوَازِ تَقْلِيدِهِ) مَعَ اجْتِهَادِهِ (إجْمَاعًا إنَّمَا الْخِلَافُ) فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ (عَلَى مَا مَرَّ) فِيمَا قِيلَ قَبْلَهَا (وَأَنْتَ عَلِمْت قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَفَاذِ قَضَائِهِ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ فَبَطَلَ) اتِّفَاقُ (عَدَمِ نَفَاذِهِ وَأَنَّ فِي التَّقْلِيدِ) لِغَيْرِهِ (بَعْدَ الِاجْتِهَادِ) مِنْهُ (رِوَايَتَيْنِ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا (ثُمَّ عَدَمُ حِلِّ التَّقْلِيدِ) عَلَى مَا قِيلَ: إنَّ الْخِلَافَ فِيهِ (لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ النَّفَاذِ لَوْ اُرْتُكِبَ) التَّقْلِيدُ (فَكَمْ تَصَرُّفٍ لَا يَحِلُّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ صِحَّةُ وَنَفَاذُ الْآخَرِ) كَعِتْقِ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا (وَلِلشَّافِعِيَّةِ) فَرْعٌ لَوْ تَزَوَّجَ (مُجْتَهِدٌ) امْرَأَةً (بِلَا وَلِيٍّ) بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ فِي اجْتِهَادِهِ (فَتَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ بِأَنْ رَآهُ غَيْرَ جَائِزٍ (فَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا) أَيْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالتَّحْرِيمِ أَمْ لَا (لِأَنَّهُ مُسْتَدِيمٌ لِمَا يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا) ، وَهُوَ بَاطِلٌ. (وَقِيلَ) يَحْرُمُ (بِقَيْدِ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ) أَيْ بِالْجَوَازِ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ لَا يَحْرُمُ (وَإِلَّا) لَوْ حُرِّمَ بَعْدَ حُكْمِ حَاكِمٍ بِجَوَازِهِ (نُقِضَ الْحُكْمُ) الْجَوَازُ (بِالِاجْتِهَادِ) الْمُؤَدِّي إلَى التَّحْرِيمِ، وَالْحُكْمُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (وَلَوْلَا مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ) مَا سَيَأْتِي (لِحُكْمٍ بِأَنَّ) هَذَا (الْخِلَافَ خَطَأٌ وَأَنَّ الْقَيْدَ) أَيْ عَدَمَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْجَوَازِ (مُرَادُ الْمُطْلِقِ) لِلتَّحْرِيمِ (إذْ لَمْ يُنْقَلْ خِلَافٌ فِي) الْمَسْأَلَتَيْنِ (السَّابِقَتَيْنِ) فِي مَسْأَلَةِ الْجُبَّائِيِّ وَنُسِبَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ لَا حُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ إلَخْ يَعْنِي فِي لُزُومِ حِلِّ (الْمُجْتَهِدَةِ) الْحَنَفِيَّةِ (زَوْجَةِ الْمُجْتَهِدِ) الشَّافِعِيِّ لَهُ وَحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ رَاجَعَهَا (وَحِلُّهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مُجْتَهِدٌ بِلَا وَلِيٍّ ثُمَّ مُجْتَهِدٌ بِوَلِيٍّ (لِلِاثْنَيْنِ) أَيْ الْمُجْتَهِدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَرْفَعُ حُكْمَ الْخِلَافِ لَكِنْ عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي يُوسُفَ (فِي مُجْتَهِدٍ طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ وَنَوَى وَاحِدَةً فَقَضَى) عَلَيْهِ (بِثَلَاثٍ) بِهَا (إنْ كَانَ) الْمُجْتَهِدُ (مَقْضِيًّا عَلَيْهِ لَزِمَ) أَيْ وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ (أَوْ) كَانَ مَقْضِيًّا (لَهُ أَخَذَ بِأَشَدِّ الْأَمْرَيْنِ فَلَوْ قَضَى بِالرَّجْعَةِ) لَهُ (وَمُعْتَقَدُهُ الْبَيْنُونَةُ يُؤْخَذُ بِهَا) أَيْ بِالْبَيْنُونَةِ (فَلَمْ يُرْفَعْ حُكْمُ رَأْيِهِ بِالْقَضَاءِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ) ، فَإِنَّهُ قَالَ يُرْفَعُ مُطْلَقًا (وَلَوْ أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ مُقَلِّدٌ ثُمَّ عَلِمَ تَغَيُّرَ اجْتِهَادِ إمَامِهِ فَالْمُخْتَارُ كَذَلِكَ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَإِمَامِهِ (وَلَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ عَمِلَ فِي الْبَاقِي) مِنْ صَلَاتِهِ (بِهِ) أَيْ بِاجْتِهَادِهِ الثَّانِي (وَالْأَصْلُ أَنَّ تَغَيُّرَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (كَحُدُوثِ النَّاسِخِ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْمَاضِي عَلَى الصِّحَّةِ) ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ التَّغْيِيرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّهُ شَبَهُ النَّاسِخِ وَابْتَنَى عَلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ الصِّحَّةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي الْمُعَامَلَةِ فَسَادُهُ ذَكَرَهُ

стр. 985

الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. [مَسْأَلَةٌ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ] (مَسْأَلَةٌ) تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ (فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُخْتَارُ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: اُحْكُمْ بِمَا شِئْت بِلَا اجْتِهَادٍ، فَإِنَّهُ صَوَابٌ) أَيْ مُوَافِقٌ لِحُكْمِي بِأَنْ يُلْهِمَهُ إيَّاهُ وَيَكُونَ حُكْمُهُ إذْ ذَاكَ مِنْ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ: هَذَا حَلَالٌ تَعْرِيفًا لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي الْأَزَلِ بِحِلِّهِ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُجْتَهِدِ مُوَافِقٌ لِلْآمِدِيِّ وَاِبْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْعَالِمِ، وَالنَّبِيِّ كَالْبَيْضَاوِيِّ وَالسُّبْكِيِّ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ، وَإِنْ عَمَّ النَّبِيَّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْعَالِمِ ثُمَّ عَلَى كُلٍّ يَخْرُجُ الْعَامِّيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ جَوَازَهُ عَقْلًا فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ قِيلَ لِلْإِجْمَاعِ وَقِيلَ لِفَضْلِ الْمُجْتَهِدِ وَإِكْرَامِهِ وَرُدَّ بِاسْتِوَاءِ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا فِي الصَّوَابِ لِفَرْضِ أَنَّ مَا يَحْكُمُ بِهِ صَوَابٌ وَطَرِيقُ وُصُولِهِ إلَى غَيْرِ النَّبِيِّ إخْبَارُ النَّبِيِّ بِهِ وَقُيِّدَ بِلَا اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ جَائِزٌ لِلْعُلَمَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ) فِي الْجَوَازِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ. قِيلَ وَهُوَ فِي الرِّسَالَةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ وَقِيلَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ لَا تَبْلُغُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ أَحَدُ قَوْلَيْ الْجُبَّائِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ (ثُمَّ الْمُخْتَارُ) عِنْدَ الْمُجِيزِينَ كَالْآمِدِيِّ وَاِبْنِ الْحَاجِبِ (عَدَمُ الْوُقُوعِ وَاسْتَدَلُّوا لِلتَّرَدُّدِ بِتَأْدِيَتِهِ) أَيْ الْجَوَازِ (إلَى اخْتِيَارِ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ) لِجَهْلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ (فَيَكُونُ بَاطِلًا) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) الدَّلِيلُ (يَصْلُحُ لِلنَّفْيِ) أَيْ نَفْيِ الْجَوَازِ (لَا لِلتَّرَدُّدِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ الْوَقْفُ ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ كَيْفَ يَتَرَدَّدُ فِي الْجَوَازِ (وَالْفَرْضُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَحْكُمُ بِهِ صَوَابٌ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْعَقْلِ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ (وَالْأَلْيَقُ أَنَّ تَرَدُّدَهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (فِي الْوُقُوعِ) مَعَ الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ (كَمَا نُقِلَ عَنْهُ) وَفِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ نَقْلًا (الْوُقُوعُ) دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَحْرِيمُ يَعْقُوبَ مَا حَرَّمَ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا بِتَفْوِيضِ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ الْمُحَرِّمُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى (أُجِيبَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ) أَيْ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ (عَنْ تَفْوِيضٍ) إلَيْهِ فِيهِ (لِجَوَازِهِ) أَيْ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ (عَنْ اجْتِهَادٍ فِي ظَنِّيٍّ) وَإِسْنَادُ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ مَجَازٌ كَمَا فِي نَحْوِ حَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَأَبَاحَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالتَّفْوِيضُ لَا يَقْتَضِي إسْنَادَ الْحُكْمِ إلَى الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِعْلُهُ عَلَامَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَكَلَامُنَا فِي تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إلَى الْمُجْتَهِدِ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مُسْتَنَدَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لَا اجْتِهَادًا. (وَقَدْ يُقَالُ: لَوْ) كَانَ تَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ اجْتِهَادٍ ظَنِّيٍّ (لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ) أَيْ الطَّعَامُ (حِلًّا) لِبَنِي إسْرَائِيلَ (قَبْلَهُ) أَيْ إنْزَالِ التَّوْرَاةِ (لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُظْهِرُ الْحُكْمَ لَا يُنْشِئُهُ لِقِدَمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ (قَالَ) الْقَائِلُ بِالْوُقُوعِ أَيْضًا (قَالَ ﵇) : «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَقَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ أَيْ لَا يُقْطَعُ نَبَاتُهَا الرَّطْبُ وَلَا شَجَرُهَا، وَالْإِذْخِرُ بِالذَّالِ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْخَاءِ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مَعْرُوفٌ (وَمِثْلُهُ) أَيْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لَا يَكُونُ عَنْ وَحْيٍ لِزِيَادَةِ السُّرْعَةِ) فِي الْجَوَابِ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ عَلَامَاتِ نُزُولِهِ (وَلَا اجْتِهَادٍ) لِذَلِكَ أَيْضًا (أُجِيبَ بِأَحَدِ أُمُورٍ: كَوْنُ الْإِذْخِرِ لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْخَلَا أَيْ لَا يَصْلُحُ لَفْظُ الْخَلَا لَهُ لِيَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى إبَاحَتِهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْحِلِّ (وَاسْتِثْنَاءُ الْعَبَّاسِ مُنْقَطِعٌ) ، وَهُوَ شَائِعٌ سَائِغٌ، وَلَوْ مَجَازًا. (وَفَائِدَتُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ هُنَا (دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِهِ) أَيْ الْإِذْخِرِ (بِالْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ (وَتَأْكِيدُ حَالِهِ) أَيْ الْإِذْخِرِ الَّذِي هُوَ الْحِلُّ (أَوْ) كَوْنُ الْإِذْخِرِ (مِنْهُ)

стр. 986

أَيْ الْخَلَا أَيْ يَصْلُحُ لَفْظُ الْخَلَالَةُ (وَلَمْ يُرِدْهُ) النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ خَلَاهَا بِنَاءً عَلَى تَخْصِيصِهِ مِنْهُ وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا هُوَ مَدْلُولُهُ (وَفَهِمَ) الْعَبَّاسُ (عَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ إرَادَتِهِ مِنْهُ (فَصَرَّحَ) بِالْمُرَادِ الَّذِي هُوَ قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَى الْبَعْضِ تَحْقِيقًا لِمَا فَهِمَهُ (لِيُقَرِّرَ ﵇) عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ إلَّا الْإِذْخِرَ لِيُقَرِّرَ مَا فَهِمَهُ لَا لِيَخْرُجَ مِنْ لَفْظِ خَلَاهَا الْمَذْكُورِ بَعْضُ مَا هُوَ دَاخِلٌ بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ غَيْرُ دَاخِلٍ بِحَسَبِ الْحُكْمِ (وَأُورِدَ إذَا لَمْ يُرِدْ) الْإِذْخِرَ مِنْ دَلَالَةِ لَفْظِ الْخَلَا (فَكَيْفَ يُسْتَثْنَى) إذْ الْمُسْتَثْنَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ غَيْرَ مُرَادٍ بِحَسَبِ الْحُكْمِ (أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ إلَّا الْإِذْخِرَ (لَيْسَ) مُسْتَثْنًى (مِنْ) الْخَلَا (الْمَذْكُورِ بَلْ مِنْ مِثْلِهِ مُقَدَّرًا) فَكَأَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إلَّا الْإِذْخِرَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إلَّا الْإِذْخِرَ فَالِاسْتِثْنَاءُ، وَالتَّقْرِيرُ مِنْ خَلَاهَا الْمُقَدَّرِ لَا الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي سَوَّغَ لِلْعَبَّاسِ تَقْدِيرَ التَّكْرِيرِ اتِّحَادُ مَعْنَى قَوْلِهِمَا لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِذْخِرُ مُرَادًا مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهَذَا السُّؤَالُ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَحْثِ الِاسْتِثْنَاءِ (مِنْ اخْتِيَارِ أَنَّ الْمَخْرَجَ) مِنْ الصَّدْرِ (مُرَادٌ بِالصَّدْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ) أَيْ الْمَخْرَجِ (فِي دَلَالَتِهِ) أَيْ الصَّدْرِ عَلَيْهِ (ثُمَّ أَخْرَجَ) الْمَخْرَجَ مِنْ الصَّدْرِ (ثُمَّ أَسْنَدَ) الْحُكْمَ إلَى الصَّدْرِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ (وَنَحْنُ وَجَّهْنَا قَوْلَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ) أَيْ الْمَخْرَجَ (لَمْ يُرَدْ) بِالصَّدْرِ (وَإِلَّا قَرِينَةُ عَدَمِ الْإِرَادَةِ) مِنْهُ (كَمَا هُوَ بِسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ فَلَا حَاجَةَ لِلسُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ هَذَا الْجَوَابِ وَإِمَّا مِنْهُ) ، وَالْأَحْسَنُ، أَوْ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْخَلَا أَيْ يَصْلُحُ لَفْظُهُ لَهُ (وَأُرِيدَ) الْإِذْخِرُ (بِالْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ أَيْضًا (ثُمَّ نُسِخَ) تَحْرِيمُهُ (بِوَحْيٍ كَلَمْحِ الْبَصَرِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إلْهَامُهُ) ﷺ (وَحْيٌ، وَهُوَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ دُفْعَةً) بِلَا وَاسِطَةِ عِبَارَةِ الْمَلَكِ وَلَا إشَارَتِهِ مَقْرُونٌ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَنَّهُ مِنْهُ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِتَقَدُّمِهِ، وَظُهُورُ الْعَلَامَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَحْيِ الْمُنْدَرِجِ لَا فِيمَا هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ كَانَ إلْهَامًا (وَأَوْرَدَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَأْبَاهُ) أَيْ كَوْنَهُ مَنْسُوخًا بِوَحْيٍ كَلَمْحِ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ، وَمِنْ شَأْنِ الْمَنْسُوخِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ قَبْلَ النَّسْخِ. (أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ مُقَدَّرٍ لِلْعَبَّاسِ) مِثْلُ الْمَذْكُورِ كَمَا ذَكَرْنَا (لَا مِمَّا ذَكَرَهُ ﵇، وَالنَّسْخُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ ذِكْرِهِ ﷺ (مَعَ ذِكْرِ الْعَبَّاسِ فَذِكْرُهُ ﵇ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَبَّاسِ (ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنْ اسْتِثْنَاءَ الْعَبَّاسِ مِنْ مُقَدَّرٍ) مِثْلِ الْمَذْكُورِ (عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَ الْعَبَّاسِ (تَرْكِيبُ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وَوَحْدَةُ الْمُتَكَلِّمِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ لِاشْتِمَالِهِ) أَيْ الْكَلَامِ (عَلَى النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُهَا بِنَفْسِهَا بِمَحِلَّيْنِ، وَمِنْهُ) أَيْ وَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ ( ﷺ عَلَى الثَّانِي) أَيْ إنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ الْخَلَا وَلَمْ يُرَدْ مِنْهُ. (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ أَيْضًا (قَالَ ﵇ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ جَزْمًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَأَضَافَ الْأَمْرَ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ وَعَدَمَهُ إلَيْهِ (وَقَالَ) أَيْضًا: (لِقَائِلٍ «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ» ) كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إلَى لَفْظِ " فَقَالَ " ثُمَّ الْحَدِيثُ لَمْ يُحْفَظْ بِهَذَا السِّيَاقِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ مُلَفَّقٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِسْعًا لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، وَفِيهِ فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: أَلِعَامِنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَخْرَجَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَادَ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالرَّجُلُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ الْمُجَرَّدَ مِنْ

стр. 987

غَيْرِ وَحْيٍ يُوجِبُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (وَلَمَّا «قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِأَمْرِهِ عَلِيًّا ﵁ بِذَلِكَ بِالصَّفْرَاءِ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ صَبْرًا ثُمَّ سَمِعَ مَا أَنْشَدَتْهُ أُخْتُهُ قَتِيلَةٌ» عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ هِشَامٍ، وَالْيَعْمُرِيُّ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا بِنْتُ النَّضْرِ كَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَوَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ وَمَشَى عَلَيْهِ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْآمِدِيُّ، وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُمَا (مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْت وَرُبَّمَا ... مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ فِي أَبْيَاتٍ) سَابِقَةٍ عَلَى هَذَا هِيَ يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ ... مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً ... مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفُقُ مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً ... جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ هَلْ يَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إنْ نَادَيْته ... أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ أَمُحَمَّدٌ يَا خَيْرَ ضِنْءِ كَرِيمَةٍ ... فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرَقُ وَلَاحِقَةٍ لَهُ وَهِيَ ، أَوْ كُنْت قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلَيُنْفِقَن ... بِأَعَزِّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرْت قَرَابَةً ... وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ ... لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا ... رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عَارٍ مُوثَقُ الْأَثِيلُ مَوْضِعُ قَبْرِ أَخِيهَا بِالصَّفْرَاءِ وَمَعْنَى مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ أَيْ لَيْلَةٍ خَامِسَةٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثِيلِ هَذِهِ الْمَسَافَةُ وَتَخْفُقُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا تَضْطَرِبُ، وَالْهَمْزَةُ فِي أَمُحَمَّدٌ لِلنِّدَاءِ، وَالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَضِنْءٌ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا مَعَ هَمْزَةٍ آخِرَهُ الْوَلَدُ الَّذِي يُضَنُّ بِهِ أَيْ يُبْخَلُ بِهِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وَأُعْرِقَ فَهُوَ مُعْرَقٌ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ لَهُ عِرْقٌ فِي الْكَرَمِ وَعَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بِمَعْنَى أُنْتِجَ، وَالْمَعْنَى أَنْتَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَمَا نَافِيَةٌ، أَوْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَضُرُّك لَوْ عَفَوْت، وَالْفَتَى وَإِنْ كَانَ مُغْضَبًا مُضْجَرًا مَطْوِيًّا عَلَى حَنَقٍ وَحِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ وَيَعْفُو وَفِي هَذَا اعْتِرَافٌ بِالذَّنْبِ. «قَالَ لَوْ بَلَغَنِي هَذَا الشَّعْرُ قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْت عَلَيْهِ» وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ «فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ لَوْ سَمِعْت شِعْرَهَا مَا قَتَلْت أَبَاهَا» وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا ابْنَتُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ وَعَدَمُهُ إلَيْهِ لَمْ يُفَرِّقْ الْحَالُ بَيْنَ بُلُوغِ شِعْرِهَا إلَيْهِ وَعَدَمِ بُلُوغِهِ. (أُجِيبَ بِجَوَازِ كَوْنِهِ) ﷺ (خُيِّرَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ (مُعَيِّنًا) أَيْ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي إيجَابِ السُّؤَالِ وَعَدَمِهِ وَتَكْرَارِ الْحَجِّ وَعَدَمِهِ وَقَتْلِ النَّضْرِ وَعَدَمِهِ (أَوْ) كَوْنِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا (بِوَحْيٍ سَرِيعٍ) لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِيعَابِ قَالَ الزُّبَيْرُ وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَغْمِزُ أَبْيَاتَهَا وَيَذْكُرُ أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا قَضِيَّةُ النَّضْرِ فَقَدْ يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَسَارَى، وَالتَّخْيِيرُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ اتِّفَاقًا بَلْ هَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ إمَامٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلْأَقْرَعِ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ فَمَدْلُولُهُ الْوُجُوبُ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ نَعَمْ وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَا يَقُولُ نَعَمْ إلَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا وَقَوْلُهُ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ الَّذِي فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَلَمَّا وَجَدَ الْمَشَقَّةَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ انْتَهَى قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ) الْجَوَابَ (الْأَوَّلَ رُجُوعٌ عَنْ الدَّعْوَى، وَهُوَ)

стр. 988

أَيْ الدَّعْوَى (أَنَّهُ) أَيْ التَّفْوِيضُ (لَمْ يَقَعْ وَاعْتِرَافٌ بِالْخَطَأِ) فِي نَفْيِ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِ نَافِيهِ (فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ التَّفْوِيضُ (وَقَعَ وَلَا يُنَافِي) وُقُوعَهُ (مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ) ﷺ (مُتَعَبَّدٌ بِالِاجْتِهَادِ) أَيْ مَأْمُورٌ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَاقِعَةِ وَعَدَمِ النَّصِّ (؛ لِأَنَّ وُقُوعَ التَّفْوِيضِ فِي أُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يُنَافِيهِ) أَيْ كَوْنَهُ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ وُقُوعُهُ فِي الْكُلِّ (وَإِذَنْ فَكَوْنُهُ) ﷺ (كَذَلِكَ) أَيْ فُوِّضَ إلَيْهِ (فِي الْإِذْخِرِ) فَيُجَابُ بِهِ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْوُقُوعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْمُدَّعَى إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْخَاصَّةِ بَلْ وَلَا فِي جُزْئِيَّاتٍ خَاصَّةٍ ثُبُوتُهُ كُلِّيًّا (أَسْهَلُ مِمَّا تَكَلَّفَ) فِي أَجْوِبَتِهِ مِنْ الْوَحْيِ، أَوْ النَّسْخِ الَّذِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ الْمُقَارِنِ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ مَعَ أَنَّ النَّفْسَ الْحَادِثَةَ لَا يَرْتَسِمُ فِيهَا الْمَعَانِي الْمُتَبَايِنَةُ دُفْعَةً بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ (وَأَقْرَبُ إلَى الْوُجُودِ) . قُلْت: غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُصَنَّفَ يُوهِمُ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ كَوْنُ مَحِلِّ النِّزَاعِ هُوَ الْوُقُوعَ كُلِّيًّا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَنَازَعُ فِي جَوَازِهِ أَوَّلًا ثُمَّ فِي وُقُوعِهِ ثَانِيًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ جَوَابِ مَانِعِيهِ وَمَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ لَا جَوَازُ التَّفْوِيضِ فِي الْجُمْلَةِ أَوَّلًا ثُمَّ وُقُوعُهُ ثَانِيًا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ صِحَّةُ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِالْوُقُوعِ وَعَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ مَانِعِيهِ وَحِينَئِذٍ فَالْحَقُّ الْأَبْلَجُ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ الْوُقُوعُ بِثُبُوتِ سَمْعٍ يُفِيدُهُ الْمُكَلَّفُ، أَوْ مُجْتَهِدٌ، أَوْ بُنِيَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَالْقَطْعُ بِانْتِفَائِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَالظَّاهِرُ انْتِفَاؤُهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّالِثِ مَعَ مَا يَشُدُّهُ مِنْ وُجُودِ الْمُنَافِي لَهُ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُهُ فِي جُزْئِيَّاتٍ خَاصَّةٍ عَنْ وُقُوعِهِ لَهُ كُلِّيًّا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ هَذَا وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَإِنْ أَوْرَدَهَا مُتَكَلِّمُو الْأُصُولِيِّينَ فَلَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُوجَدْ وَلَا يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَمَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ فَقَدْ وُجِدَ انْتَهَى، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ] (مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ) كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ) وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْدِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَنْعِ الْخُلُوِّ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي مَنْعِهِ الْخُلُوَّ عَنْهُ مَا لَمْ يَتَدَاعَ الزَّمَانُ بِتَزَلْزُلِ الْقَوَاعِدِ، فَإِنْ تَدَاعَى بِأَنْ أَتَتْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى جَازَ الْخُلُوُّ عَنْهُ (قُلْت) : وَمَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُطْلِقِينَ الْمَنْعَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا دُونَ هَذَا (لَنَا لَا مُوجِبَ) لِمَنْعِهِ. (وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ مُوجِبِ الْمَنْعِ (بَلْ دَلَّ عَلَى الْخُلُوُّ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ» وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (إلَى قَوْلِهِ «حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، أَوْ حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ، أَوْ رُءُوسًا جُهَّالًا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالسِّتَّةُ وَقَوْلُهُ ﷺ : «إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْعِلْمِ قَبْضُهُ (قَالُوا) أَيْ الْحَنَابِلَةُ أَوَّلًا (قَالَ ﵇: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِدُونِ لَفْظِ عَلَى الْحَقِّ وَابْنُ وَهْبٍ بِلَفْظِ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» وَهَذَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِأَمْرِ اللَّهِ (أَوْ حَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ) قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ رَوَيْنَا مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إيَاسٍ الْمُزَنِيّ بِلَفْظِ حَتَّى يُقَاتِلُوا الدَّجَّالَ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أَبُو إسْمَاعِيلَ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْكَلَامِ وَهِيَ لَفْظَةٌ شَاذَّةٌ فَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَصَرَّحَ بِعَدَمِ الْخُلُوِّ إلَى الْقِيَامَةِ وَأَشْرَاطِهَا؛ لِأَنَّ ظُهُورَ طَائِفَةٍ عَلَى الْحَقِّ فِي عَصْرٍ مُسْتَلْزِمٌ وُجُودَ الْعِلْمِ، وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِالْحَقِّ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْعِلْمِ فَيَكُونُ الْمُجْتَهِدُ مَوْجُودًا فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (أُجِيبَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ أَعَمُّ مِنْ الضَّرُورِيَّةِ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ (لَا يَقَعُ) خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ (وَإِلَّا لَزِمَ كَذِبُهُ) لَوْ وَقَعَ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (وَالْحَدِيثُ يُفِيدُهُ) أَيْ عَدَمَ الْوُقُوعِ

стр. 989

(إذْ لَا يَتَأَتَّى لِعَاقِلٍ إحَالَتُهُ) أَيْ الْخُلُوِّ (عَقْلًا فَالْوَجْهُ التَّرْجِيحُ بِأَظْهَرِيَّةِ الدَّلَالَةِ) لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الدَّالِّ عَلَى الْخُلُوِّ (عَلَى نَفْيِ الْعَالِمِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمُجْتَهِدِ) فَيَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْخَاصِّ (بِخِلَافِ الظُّهُورِ عَلَى الْحَقِّ) ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُجْتَهِدِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الظُّهُورَ عَلَى الْحَقِّ الْأَعَمُّ مِنْ الِاجْتِهَادِ (يَتَحَقَّقُ دُونَ اجْتِهَادٍ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِإِرَادَةِ الِاتِّبَاعِ، وَلَوْ تَعَارَضَا) أَيْ مَا يُوجِبُ الْخُلُوَّ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَمَا يُوجِبُ عَدَمَهُ، وَهُوَ الثَّانِي وَتَسَاقَطَا (بَقِيَ عَدَمُ الْمُوجِبِ) لِوُجُودِ الْمُجْتَهِدِ فَجَازَ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُوجِدَهُ لِعَدَمِ إخْبَارٍ مِنْهُ بِلَا مُعَارِضٍ أَنَّهُ يُوجِدُهُ أَلْبَتَّةَ (قَالُوا) ثَانِيًا الِاجْتِهَادُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَوْ خَلَا) الزَّمَانُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ (اجْتَمَعُوا) أَيْ الْأُمَّةُ. (عَلَى الْبَاطِلِ) ، وَهُوَ مُحَالٌ (أُجِيبَ إذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَبْقَ) فَرْضًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْإِمْكَانُ، وَإِذَا فُرِضَ الْخُلُوُّ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا مَقْدُورًا (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (فِي غَيْرِ مَحِلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الِاجْتِهَادُ بِالْفِعْلِ) أَيْ تَحْصِيلِ الْمُكَلَّفِ مَرْتَبَتَهُ، وَهُوَ مُمْكِنٌ لِلْعَوَامِّ، وَمَحِلُّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَافِي لِخُلُوِّ الزَّمَانِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ لَا الْإِمْكَانُ، وَالْقُدْرَةُ هَذَا وَقَوْلُ السُّبْكِيّ لَمْ يُثْبِتْ وُقُوعَ خُلُوِّ الزَّمَانِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ إنْ أَرَادَ الْمُطْلَقَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ فَمُتَعَقَّبٌ بِقَوْلِ الْقَفَّالِ وَالْغَزَالِيِّ الْعَصْرُ خَلَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَبِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَبِمَا فِي الْخُلَاصَةِ الْقَاضِي إذَا قَاسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ فِي حُكْمٍ فَظَهَرَ رِوَايَةً أَنَّ الْحُكْمَ بِخِلَافِهِ فَالْخُصُومَةُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْقَاضِي وَعَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ آثِمٌ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا، وَالْمُدَّعِي آثِمٌ بِأَخْذِ الْمَالِ وَمَا قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُجْتَهِدُ الْقَائِمُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَرْغَبُونَ عَنْهُ وَلَا يَلِي فِي زَمَانِهِمْ غَالِبًا إلَّا مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ: تَسْأَلُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي وَقَالَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَدَّعِي رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ بَلَغَا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ كَلَامُ بَعْضِهِمْ نَابَ عَنْهُ كَمَا رَأَيْت ثُمَّ بَعْدَ تَمْشِيَتِهِ عَلَى مَا فِيهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنْ الْأَعْصَارِ الْمَاضِيَةِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ عَصْرٌ مِنْ الْأَعْصَارِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَة التَّقْلِيد الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ] (مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ) الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ (بِلَا حُجَّةٍ مِنْهَا فَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِجْمَاعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّقْلِيدِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ، وَكَذَا لَيْسَ مِنْهُ عَلَى هَذَا عَمَلُ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُفْتِي وَعَمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إحْدَى الْحُجَجِ فَلَيْسَ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِإِيجَابِ النَّصِّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُفْتِي وَأَخْذَ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضَ لَهُمَا لِظُهُورِهِمَا بَلْ عَلَى هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ تَقْلِيدٌ فِي الشَّرْعِ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ حَاصِلَهُ اتِّبَاعُ مَنْ لَمْ يَقُمْ حُجَّةً بِاعْتِبَارِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إمَّا مُجْتَهِدٌ فَمُتَّبِعٌ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَإِمَّا مُقَلِّدٌ فَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَوْ جَازَ تَسْمِيَةُ الْعَامِّيِّ مُقَلِّدًا جَازَ تَسْمِيَةُ الْمُجْتَهِدِ مُقَلِّدًا، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ ثُمَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَإِنَّمَا صُورَةُ الْأَخْذِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ صُورَةُ التَّقْلِيدِ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ حَقِيقَةً بَلْ نَقَلَ الْبَاقِلَّانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَمَنَعَ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مَا نَصُّهُ فَأَمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . اهـ. وَكَوْنُ مُرَادِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ التَّقْلِيدِ كَمَا ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ خَطَّأَ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ اهـ. نَعَمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ يَهُونُ مَوْقِعُهَا عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ

стр. 990

وَقَالَ أَيْضًا الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُقَلِّدٌ لِلْمُجْتَهِدِ فِيمَا يَأْخُذُهُ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ فَلَا جَرَمَ أَنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدَيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَوْ سَمَّى الرُّجُوعَ إلَى الرَّسُولِ أَوْ إلَى الْإِجْمَاعِ وَالْمُفْتِي وَالشُّهُودِ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ بَعْدَ رِعَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (بَلْ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَامِّيُّ إلَى مِثْلِهِ، وَإِلَى الْمُفْتِي) أَيْ بَلْ التَّقْلِيدُ رُجُوعُ الْمُجْتَهِدِ إلَى مِثْلِهِ وَالْعَامِّيِّ إلَى مِثْلِهِ، وَإِلَى الْمُفْتِي أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ (هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ تَقْلِيدِ عَامَّةِ مِصْرَ الشَّافِعِيَّ وَنَحْوَهُ) وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِأَخْذِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ فَخَرَجَ أَخْذُهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ مُجْتَهِدٍ بِهِ فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَخْذٌ مِنْ الدَّلِيلِ لَا مِنْ الْمُجْتَهِدِ بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ أَخْذَهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ نَتِيجَةُ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلِيلِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُجْتَهِدِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَتِهِ مِنْ الْمُعَارِضِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الْمُجْتَهِدُ بَقِيَ أَخْذُ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ الْعَامِّيِّ فَجَزَمَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَوْعِ اجْتِهَادٍ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ كَمَا فِي الرُّجُوعِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ إلَى الْعَامِّيِّ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ اصْطِلَاحٍ فَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ ثُمَّ قِيلَ عَلَى هَذَا يُسَمَّى الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ ﷺ تَقْلِيدًا إذَا قُلْنَا كَانَ يَقُولُ عَنْ قِيَاسٍ أَيْضًا وَلَمْ يَدْرِ قَالَ ذَلِكَ عَنْ وَحَيٍّ أَوْ قِيَاسٍ قُلْت وَحَيْثُ كَانَ الْمُسَوِّغُ لِتَسْمِيَتِهِ تَقْلِيدًا عَدَمَ الْعِلْمِ بِأَخْذِهِ مِنْ الْوَحْيِ عَيْنًا وَكَانَ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَبُّدِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِلْوَحْيِ، وَأَنَّهُ وَحَيٌّ بَاطِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فَلَا يُسَمَّى تَقْلِيدَ التَّعَيُّنِ كَوْنُهُ عَنْ الْوَحْيِ هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الرَّأْيُ فَيَشْمَلُ مَا كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ مَا يَعُمُّ الْفِعْلَ وَالتَّقْرِيرَ تَغْلِيبًا وَقَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ هُوَ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ خُرُوجِ الْأَخْذِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ عَنْهُ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ بِهِ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ بِالْمَأْخُوذِ عَنْهُ لِيَخْرُجَ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْمَأْخُوذِ عَنْهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَانَ الْوَجْهُ جَعْلَ الْمُعَرَّفِ بِمَا ذُكِرَ التَّقَلُّدُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُقَلِّدَ (جَعَلَ قَوْلَهُ) أَيْ مَنْ قَلَّدَهُ (قِلَادَةً) فِي عُنُقِهِ وَهَذَا تَقَلُّدٌ لَا تَقْلِيدٌ (فَتَصْحِيحُهُ) أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ (جَعَلَ عَمَلَهُ قِلَادَةَ إمَامِهِ) الَّذِي قَلَّدَهُ فَكَأَنَّهُ يُطَوِّقُهُ مَا فِيهِ مِنْ تَبِعَةٍ إنْ كَانَتْ. (وَالْمُفْتِي الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ الْفَقِيهُ) أَيْضًا اصْطِلَاحًا أُصُولِيًّا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَائِلِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ جَازَ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهَا اسْمُ فَاعِلٍ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ مَوْضُوعُ هَذَا الِاسْمِ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَكَذَلِكَ فِي السُّنَنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمْ يُوضَعَ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُفْتِي مَنْ اُسْتُكْمِلَ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطَ الِاجْتِهَادُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكَفُّ عَنْ التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ. وَلِلْمُتَسَاهِلِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَأْخُذَ بِبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكَرِ فَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الرُّخَصِ وَتَأَوُّلِ السُّنَّةِ فَهَذَا مُتَجَوِّزٌ فِي دَيْنِهِ وَهُوَ آثَمُ مِنْ الْأَوَّلِ اهـ. وَفِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَحْرُمُ تَسَاهُلُ الْمُفْتِي وَتَقْلِيدٌ مَعْرُوفٌ بِهِ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلْهِنْدِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ثِقَةً حَتَّى يُوثَقَ بِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اهـ. يَعْنِي فَهَذَا مِنْ شَرْطِ قَبُولِ فَتْوَاهُ لَا مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْكِفَايَةُ، وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ، وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذِهِ الْخِصَالُ مُسْتَحَبَّةٌ فَيَقْصِدُ الْإِرْشَادَ، وَإِظْهَارَ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَالتَّنْوِيهَ بِاسْمِهِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ يُرَغِّبُ الْمُسْتَفْتِيَ وَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَالْكِفَايَةِ لِئَلَّا يَنْسُبُهُ النَّاسُ إلَى التَّكَسُّبِ بِالْعِلْمِ وَأَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ

стр. 991

فَيَسْقُطُ قَوْلُهُ وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ تَحْتَمِلُ حَالَ الرُّوَاةِ وَتَحْتَمِلُ حَالَ الْمُسْتَفْتِينَ فَالْفَاجِرُ لَا يَسْتَحِقُّ الرُّخَصَ فَلَا يُفْتِيهِ بِالْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَسْكَرُ، وَالْحَقُّ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ أَنَّ الْخَصْلَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ، وَلِلْمُفْتِي رَدُّ الْفَتْوَى وَفِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ أَهْلٌ لَهَا شَرْعًا خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ، وَإِلَّا لَزِمَهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ السَّائِلُ وَلَا يَنْفَعُهُ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ عِلْمٍ لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَنْبَغِي. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ فَقَالَ لِلسَّائِلِ أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا وَيُفْتَى أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ، وَكَانَ السَّلَفُ يَهَابُونَ الْفُتْيَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ، وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أَوْ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ فَيَتَكَلَّمُ وَإِنَّهُ لَيَرْعَدُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الْمُوَفَّقِ إذَا نَزَلَتْ بِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ قَلْبِهِ الِافْتِقَارَ الْحَقِيقِيَّ الْحَالِيَّ لَا الْعِلْمِيَّ الْمُجَرَّدَ إلَى مُلْهِمِ الصَّوَابِ وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ طُرُقَ السَّدَادِ وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَجْدَرَ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِ أَنْ لَا يَحْرِمَهُ إيَّاهُ (وَالْمُسْتَفْتِي مَنْ لَيْسَ إيَّاهُ) أَيْ مُفْتِيًا (وَدَخَلَ) فِي الْمُسْتَفْتَى (الْمُجْتَهِدُ فِي الْبَعْضِ) مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ (بِالنِّسْبَةِ إلَى) الْمُجْتَهِدِ (الْمُطْلَقِ) نَعَمْ حَيْثُ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ مُسْتَفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ، وَيَنْبَغِي لَهُ حِفْظُ الْأَدَبِ مَعَ الْمُفْتِي، وَإِجْلَالُهُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَتَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ السُّؤَالِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الْآيَةَ «وَكَانَ ﷺ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ» وَفِي لَفْظٍ «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَرِهَ السَّلَفُ السُّؤَالَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ كَوْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ إنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُعَجِّلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُعَجِّلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا فَإِنَّكُمْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا قَالَ سُدِّدَ وَوُفِّقَ، وَإِنَّكُمْ إنْ عَجَّلْتُمْ تَشَتَّتُ بِكُمْ السُّبُلُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» وَلِأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ وَلَهُ أَيْضًا وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْغُلُوطَاتِ» قِيلَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَأَحَدُهَا غَلُوطَةٌ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَأَصْلُهَا الْأُغْلُوطَاتِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هِيَ شِدَادُ الْمَسَائِلِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ هِيَ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كَيْفَ وَكَيْفَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعَضْلِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي» . وَقَالَ الْحَسَنُ شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ شِدَادَ الْمَسَائِلِ يُغَمُّونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْمَغَالِيطَ فَلَقَدْ رَأَيْتَهُمْ أَقَلَّ النَّاسِ عِلْمًا وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ نَهَى السَّلَفُ عَنْهَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: وَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ) الْأَحْكَامُ (الْفَرْعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْعَقْلِيَّةُ وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْمُسْتَفْتَى فِيهِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا عَقْلِيًّا (صَحَّحْنَا إيمَانَ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ أَثَّمْنَاهُ) بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الْعَقْلِيُّ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفْتًى فِيهِ لَمْ يُصْحَحْ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْعَقَائِدِ وَأَمْرُ الْقَوَاعِدِ الْمُتَظَافِرُ عَلَى ثُبُوتِهِ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ وَالنَّقْلِيُّ الْقَطْعِيُّ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ تَجْوِيزِ شُبْهَةٍ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ صَاحِبُ الصَّحَائِفِ مِنْ اعْتَقَدَ أَرْكَانَ الدِّينِ تَقْلِيدًا فَإِنْ اعْتَقَدَ مَعَ ذَلِكَ جَوَازَ شُبْهَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَقِيلَ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ

стр. 992

أَدِلَّةِ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقِيلَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْمُؤْمِنِ إلَّا بَعْدَ عِرْفَانِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ. اهـ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا (فَمَا يَحِلُّ الِاسْتِفْتَاءُ فِيهِ) الْأَحْكَامُ (الظَّنِّيَّةُ لَا الْعَقْلِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ) فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا بَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ بَلْ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ (لَا قَصْرَ صِحَّتِهِ) أَيْ الْمُسْتَفْتَى فِيهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّقْلِيدُ (عَلَى) الْأَحْكَامِ (الظَّنِّيَّةِ) بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ أَثَّمْنَاهُ، وَقَوْلُهُ (كَوُجُودِهِ تَعَالَى) مِثَالٌ لِمَا هُوَ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَمُقَابِلِ الصَّحِيحِ (وَقِيلَ يَجِبُ) التَّقْلِيدُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ) وَالْبَحْثُ فِيهَا وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالظَّاهِرِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا تُوُهِّمَ عَنْهُمْ مِنْ نَهْيِهِمْ عَنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَلَكِنَّ مَنْ تَتْبَعَ حَالَهُمْ عَلِمَ أَنَّ نَهْيَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خِيفَ أَنْ يَزِلَّ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ قَدَمُ صِدْقٍ فِي مَسَالِكِ التَّحْقِيقِ فَيَقَعُ فِي شَكٍّ أَوْ رِيبَةٍ لَا عَلَى مَنْ لَهُ قُوَّةٌ تَامَّةٌ وَقَدَمُ صِدْقٍ (وَالْعَنْبَرِيُّ) وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَعَزَاهُ الْآمِدِيُّ إلَى الْحَشْوِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِيَّة قَالُوا (يَجُوزُ) التَّقْلِيدُ فِيهَا وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ (لَنَا الْإِجْمَاعُ) مُنْعَقِدٌ (عَلَى وُجُوبِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) وَصِفَاتِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ (وَلَا يَحْصُلُ) الْعِلْمُ بِهِ (بِالتَّقْلِيدِ لِإِمْكَانِ كَذِبِهِ) أَيْ الْمُفْتِي الْمُخْبِرِ (إذْ نَفْيُهُ) أَيْ الْكَذِبِ عَنْهُ (بِالضَّرُورَةِ مُنْتَفٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِ فَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ (وَبِالنَّظَرِ لَوْ تَحَقَّقَ يَرْفَعُ التَّقْلِيدَ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ) الْعِلْمُ بِالتَّقْلِيدِ (لَزِمَ النَّقِيضَانِ بِتَقْلِيدِ اثْنَيْنِ) لِاثْنَيْنِ (فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِهِ) بِأَنْ يَحْصُلَ لِزَيْدٍ الْعِلْمُ بِحُدُوثِهِ تَقْلِيدًا مِنْهُ لِلْقَائِلِ بِهِ وَلِعَمْرٍو الْعِلْمُ بِقَدَمِهِ تَقْلِيدًا لِلْقَائِلِ بِهِ إذْ الْعِلْمُ يَسْتَدْعِي الْمُطَابَقَةَ فَيَلْزَمُ حَقِيقَةُ الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ (الْمُجَوِّزِ) لِلتَّقْلِيدِ فِيهَا النَّافِي لِوُجُوبِ النَّظَرِ وَمُوَافِقُوهُ قَالُوا أَوَّلًا (لَوْ وَجَبَ النَّظَرُ لَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَأَمَرُوا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ، وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْفِعْلِ وَالْأَمْرِ (مُنْتَفٍ) وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَكْثَرِ عَوَامِّ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِالْأَدِلَّةِ الْكَلَامِيَّةِ (وَإِلَّا) لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ (لَنُقِلَ كَمَا) نُقِلَ عَنْهُمْ النَّظَرُ (فِي الْفُرُوعِ) فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ (الْجَوَابُ مَنْعُ انْتِفَاءِ التَّالِي) أَيْ عَدَمِ فِعْلِهِمْ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إلَى أَنَّهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ وَعَدَمُ أَمْرِهِمْ غَيْرَهُمْ بِهِ. (بَلْ عِلْمُهُمْ، وَ) عِلْمُ (عَامَّةِ الْعَوَامّ) بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ حَاصِلٌ لَهُمْ (عَنْ النَّظَرِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ) النَّظَرَ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (لِظُهُورِهِ) لَهُمْ بِوَاسِطَةِ مَا لَهُمْ مِنْ سَلَامَةِ الْفِطْرَةِ وَمُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ (وَنَيْلِهِ) لَهُمْ (بِأَدْنَى الْتِفَاتٍ إلَى الْحَوَادِثِ) لِصَفَاءِ قَرِيحَتِهِمْ وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِمْ وَكَمَالِ اسْتِعْدَادِهِمْ وَكَيْفَ لَا وَهُمْ مُعَايِنُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنْوَارَ مَنْبَعِ الْأَنْوَارِ، وَهَدْيَ الْمُرْسَلِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعِدُّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ لَدَرْكِ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ لِانْهِزَامِ عَسَاكِرِ الْأَوْهَامِ الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَضَلَالَاتِ الْخَيَالَاتِ وَالْأَهْوَاءِ، وَكَانُوا يَكْتَفُونَ مِنْ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ حُصُولِهِ لَهُ مِنْ الِانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ إلَى الْإِيمَانِ وَآثَارِ الْقَطْعِ بِهِ وَالْإِيقَانِ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ لَأَتَى بِهِ أَكْمَلَ مِمَّا أَجَابَ بِهِ الْأَعْرَابِيُّ لَلْأَصْمَعِيِّ عَنْ سُؤَالِهِ لَهُ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّك حَيْثُ قَالَ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَآثَارُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ. غَايَتُهُ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ ذَلِكَ بِالْعِبَارَاتِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُتَعَارَفِ لِلْمُتَكَلِّمِينَ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ) مِنْ النَّظَرِ الْوَاجِبِ (تَحْرِيرَهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَنْطِقِ) بَلْ مَا يُوَصِّلُ إلَى الْإِيمَانِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ كَانَ (وَمَنْ أَصْغَى إلَى عَوَامِّ الْأَسْوَاقِ امْتَلَأَ سَمْعُهُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْحَوَادِثِ) عَلَى مُحْدِثِهَا. (وَالْمُقَلَّدُ الْمَفْرُوضُ) فِي الْإِيمَانِ

стр. 993

(لَا يَكَادُ يُوجَدُ فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ ذِهْنُهُ قَطُّ مِنْ الْحَوَادِثِ إلَى مُوجِدِهَا، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَخْطِرْ لَهُ الْمُوجِدُ أَوْ خَطَرَ فَشَكَّ فِيهِ مَنْ يَقُولُ لِهَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ رَبٌّ أَوْجَدَهَا مُتَّصِفٌ بِالْعِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وَالْقُدْرَةِ إلَخْ) أَيْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إلَى آخِرِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ (فَيَعْتَقِدُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ) لِلسَّامِعِ مِنْ الْمَصْنُوعِ إلَى الصَّانِعِ (يُفِيدُ اللُّزُومَ بَيْنَ الْمُحْدَثِ) بِفَتْحِ الدَّالِ (وَالْمُوجِدِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَلَيْسَ مَعْنَى الِاسْتِدْلَالِ إلَّا هَذَا فَمَنْ لَمْ يَنْتَقِلْ فَاعِلُ يَسْمَعُ وَمَنْ يَقُولُ مَفْعُولُهُ لَكِنَّ إلْكِيَا بَعْدَ أَنْ حَكَى إجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ قَالَ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُمْ عَارِفُونَ بِالْأَدِلَّةِ وَقَصُرَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْ أَدَائِهَا أَوْ غَيْرُ عَارِفِينَ بِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي مِنْ الْأَعْرَابِ بِالتَّصْدِيقِ مَعَ الْعِلْمِ بِقُصُورِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَفِي مُسْلِمٍ «عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ فِي الْأَمَةِ السَّوْدَاءَ الَّتِي أَرَادَ عِتْقهَا وَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ائْتِنِي بِهَا فَجَاءَتْ فَقَالَ أَيْنَ اللَّهُ فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ فَقَالَ مَنْ أَنَا قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَاشٍ عَلَى الْأَوَّلِ (قَالُوا) أَيْ مُجَوَّزُو التَّقْلِيدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَنَافُو وُجُوبِ النَّظَرِ فِيهَا ثَانِيًا: (وُجُوبُ النَّظَرِ دَوْرٌ لِتَوَقُّفِهِ) أَيْ وُجُوبِهِ (عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ) الْمُوجِبِ لَهُ، وَتَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلَى النَّظَرِ (أُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ إيجَابَ النَّظَرِ مُتَوَقِّفٌ (عَلَى مَعْرِفَتِهِ) أَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ (بِوَجْهٍ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى النَّظَرِ مَا) أَيْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى (بِأَتَمِّ) أَيْ بِوَجْهٍ أَتَمَّ (أَيْ الِاتِّصَافُ بِمَا يَجِبُ لَهُ) مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ (كَالصِّفَاتِ الثَّمَانِيَةِ) الْحَيَاةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلَامُ وَالتَّكْوِينُ (وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ) مِنْ النَّقِيصَةِ وَالزَّوَالِ وَقَالَ (الْمَانِعُونَ) مِنْ النَّظَرِ: النَّظَرُ (مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ) لِاخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ وَالْأَنْظَارِ بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ فَإِنَّهُ طَرِيقٌ آمِنٌ فَوَجَبَ احْتِيَاطًا وَلِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْ مَظِنَّةِ الضَّلَالِ إجْمَاعًا (قُلْنَا) إنَّمَا يَكُونُ مَمْنُوعًا (إذَا فَعَلَ) النَّظَرَ (غَيْرَ الصَّحِيحِ الْمُكَلَّفِ بِهِ) وَنَحْنُ نَقُولُ يَلْزَمُهُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ الْمُكَلَّفُ بِهِ (وَأَيْضًا فَيَحْرُمُ) عَلَى هَذَا النَّظَرُ (عَلَى الْمُقَلَّدِ) بِفَتْحِ اللَّامِ (النَّاظِرِ) أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَظَرَهُ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِيهِمَا أَيْضًا. ثُمَّ تَقْلِيدُ الْمُقَلِّدِ إيَّاهُ حِينَئِذٍ أَوْلَى بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا فِيهِ مَعَ زِيَادَةِ احْتِمَالِ كَذِبِهِ، وَإِضْلَالِهِ (إذْ لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِهَاءِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُقَلَّدِ النَّاظِرِ. (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ (لَتَسَلْسَلَ) إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُقَلَّدٍ، وَالتَّسَلُّلُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ فَإِنْ قِيلَ يَنْتَهِي إلَى الْمُؤَيَّدِ بِالْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورُ فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالِانْتِهَاءُ إلَى الْمُؤَيَّدِ بِالْوَحْيِ، وَالْأَخْذُ عَنْهُ لَيْسَ تَقْلِيدًا بَلْ) الْمَأْخُوذُ عَنْهُ (عِلْمٌ نَظَرِيٌّ) لِتَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ لَهُ بِالْمُعْجِزَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَلَا يَصْلُحُ أَنَّ التَّقْلِيدَ وَاجِبٌ، وَأَنَّ النَّظَرَ حَرَامٌ. [مَسْأَلَة غَيْر الْمُجْتَهِدِ المطلق يَلْزَمهُ التَّقْلِيد وَإِنَّ كَانَ مجتهدا فِي بَعْض مَسَائِل الْفِقْه] (مَسْأَلَةٌ: غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ يَلْزَمُهُ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ (التَّقْلِيدُ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَوْ بَعْضِ الْعُلُومِ كَالْفَرَائِضِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّجَزِّي) لِلِاجْتِهَادِ (وَهُوَ الْحَقُّ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرِينَ. وَوَجْهُهُ (فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّقْلِيدِ (وَمُطْلَقًا) أَيْ وَيَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَفِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ نَفْيِ الْقَوْلِ بِالتَّجَزِّي (وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّمَا يَلْزَمُ التَّقْلِيدُ (فِي الْعَالِمِ بِشَرْطِ تَبْيِينِ صِحَّةِ مُسْتَنَدِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ لَهُ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُبَيِّنْهَا لَهُ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ تَقْلِيدُهُ (لَنَا عُمُومُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (فِيمَنْ لَا يَعْلَمُ) عَامِّيًّا صِرْفًا كَانَ أَوْ عَالِمًا بِبَعْضِ الْعُلُومِ غَيْرَ عَالِمٍ بِحُكْمِ مَسْأَلَةٍ لَزِمَهُ مَعْرِفَتُهُ (وَفِيمَا لَا يَعْلَمُ لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ (بِعِلَّةِ عَدَمِ الْعِلْمِ) فَكُلَّمَا تَحَقَّقَ عَدَمُ الْعِلْمِ تَحَقَّقَ وُجُوبُ السُّؤَالِ فَيَلْزَمُهُ الْعُمُومُ فِيمَا لَا يَعْلَمُ، وَهَذَا غَيْرُ عَالِمٍ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا السُّؤَالُ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْعَلِيَّةِ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ فِي السَّبَبِيَّةِ أَغْلَبُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبِّبِ سِوَاهُ (وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ) الْمُفْتِينَ (بِلَا إبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ) لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَشَاعَ وَذَاعَ (وَلَا نَكِيرَ) عَلَيْهِمْ فَكَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا عَلَى جَوَازِ اتِّبَاعِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ مُطْلَقًا. قَالَ

стр. 994

الْمُصَنِّفُ: (وَهَذَا) الْوَجْهُ (يَتَوَقَّفُ) عُمُومُهُ لِلْعَالِمِ (عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَهِّلِينَ) لِلِاجْتِهَادِ (كَذَلِكَ) أَيْ اتِّبَاعُ الْمُفْتِينَ بِلَا إبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ لَهُمْ (قَالُوا) أَيْ شَارِطُو تَبْيِينِ صِحَّةِ الْمُسْتَنَدِ: الْقَوْلُ بِلُزُومِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ صِحَّةِ الْمُسْتَنَدِ (يُؤَدِّي إلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْخَطَأِ) لِجَوَازِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ فِي الِاجْتِهَادِ (قُلْنَا وَكَذَا لَوْ أَبْدَى) الْمُفْتِي صِحَّةَ الْمُسْتَنَدِ لِجَوَازِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ بَلْ الظَّنَّ (وَكَذَا الْمُفْتِي نَفْسُهُ) يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ اجْتِهَادٍ مَعَ جَوَازِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ (فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ) عَنْ هَذَيْنِ فَهُوَ (جَوَابُنَا) إذَا لَمْ يُبْدِ صِحَّةَ الْمُسْتَنَدِ (وَالْحِلُّ الْوُجُوبُ لِاتِّبَاعِ الظَّنِّ أَوْ الْحُكْمِ) الْمَظْنُونِ إنَّمَا هُوَ (مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظْنُونٌ) وَمِنْ حَيْثُ هُوَ اتِّبَاعُ الظَّنِّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَطَأٌ يَحْرُمُ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ (لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ خَطَأٌ) وَهَذَا هُوَ الْمُمْتَنِعُ (نَعَمْ لَوْ سَأَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَفْتِي (عَنْ دَلِيلِهِ) اسْتِرْشَادًا لِتُذْعِنَ نَفْسُهُ لِلْقَبُولِ لَا تَعَنُّتًا (وَجَبَ إبْدَاؤُهُ فِي) الْقَوْلِ (الْمُخْتَارِ إلَّا إنْ) كَانَ دَلِيلُهُ (غَامِضًا) عَلَى الْمُسْتَفْتِي (مَعَ قُصُورِهِ) عَنْهُ فَإِنَّ إبْدَاءَهُ لَهُ حِينَئِذٍ تَعَبٌ فِيمَا لَا يُفِيدُ فَيَعْتَذِرُ بِخَفَائِهِ عَلَيْهِ. وَفِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ مَا مُلَخَّصُهُ: الْعِلْمُ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ وَيُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالْمُتَوَاتِرِ فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ لِأَحَدٍ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَتَعْيِينِ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشُقُّ عَلَى الْعَامِّيِّ مَعْرِفَتُهُ وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ أَعْمَالِهِ، وَمِنْهُ أَهْلِيَّةُ الْمُفْتِي وَنَوْعٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ، وَالنَّاسُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ الْعَامِّيُّ الصِّرْفُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ جَمِيعِهَا وَلَا يَنْفَعُهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ لَا يُؤَدِّي إلَى اجْتِهَادٍ وَعَنْ الْأُسْتَاذِ وَالْجُبَّائِيِّ يَجُوزُ فِي الِاجْتِهَادِيَّةِ دُونَ مَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ إلْحَاقًا لِقَطْعِيَّاتِ الْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ. الثَّانِي الْعَالِمُ الَّذِي حَصَّلَ بَعْضَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ لِعَجْزِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِطَرِيقِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ صَلَاحِيَّةَ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا أَطْلَقُوهُ مِنْ إلْحَاقِهِ هُنَا بِالْعَامِّيِّ فِيهِ نَظَرٌ لَا سِيَّمَا فِي أَتْبَاعِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَبَحِّرِينَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُنَصِّبُوا أَنْفُسَهُمْ نَصْبَةَ الْمُقَلِّدِينَ وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَا لَا إشْكَالَ فِي إلْحَاقِهِمْ بِالْمُجْتَهِدِينَ إذْ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا سِوَى حَالَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُلْتَزِمُونَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا أَمَّا كَوْنُهُمْ مُجْتَهِدِينَ فَلِأَنَّ الْأَوْصَافَ قَائِمَةٌ بِهِمْ وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُلْتَزِمِينَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا فَلِأَنَّ إحْدَاثَ مَذْهَبٍ زَائِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لِفُرُوعِهِ أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ مُبَايِنَةٌ لِسَائِرِ قَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَمُتَعَذِّرُ الْوُجُودِ لِاسْتِيعَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ سَائِرَ الْأَسَالِيبِ نَعَمْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ تَقْلِيدُ إمَامٍ فِي قَاعِدَةٍ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ صِحَّةُ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ إمَامَهُ لَكِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ لِكَمَالِ نَظَرِ مَنْ قَبْلَهُ. الثَّالِثُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا مُسْتَوْفًى. (تَتْمِيمَ) ثُمَّ فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَذَكَر بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَعْنِي الْحَنَابِلَةَ وَالْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ وَالْأَخْذُ بِرُخْصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟ . فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْهُرُهُمَا لَا كَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَيَتَخَيَّرُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ قَالَ: وَفِي لُزُومِ الْأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَتُوُقِّفَ فِي جَوَازِهِ، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ فِي زِيَادَةِ عِلْمٍ أَوْ تَقْوًى فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ، وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ مَا ظَنَّهُ أَقْوَى عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ فِيهِ اهـ. وَقَدْ سَمِعْت مُوَافَقَةَ ابْنِ الْمُنِيرِ لِهَذَا آنِفًا غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ وَسَتَقِفُ فِي هَذَا عَلَى مَزِيدٍ فِيهِ مُقْنِعٌ لِمَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. [مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ] (مَسْأَلَةٌ: الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا) لِلْإِفْتَاءِ (وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ مُعَظِّمِينَ) لَهُ (وَعَلَى امْتِنَاعِهِ) أَيْ الِاسْتِفْتَاءِ (إنْ ظَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الِاجْتِهَادِ أَوْ الْعَدَالَةِ فَضْلًا عَنْ ظَنِّ عَدَمِهِمَا جَمِيعًا (فَإِنْ جَهِلَ اجْتِهَادَهُ دُونَ عَدَالَتِهِ فَالْمُخْتَارُ مَنْعُ اسْتِفْتَائِهِ) بَلْ نَقَلَ فِي الْمَحْصُولِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا (لَنَا الِاجْتِهَادُ

стр. 995

شَرْطٌ) لِقَبُولِ فَتْوَاهُ (فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (عِنْدَ السَّائِلِ وَلَوْ) كَانَ ثُبُوتُهُ (ظَنَّا لَمْ يَثْبُتْ) كَمَا هُوَ الْفَرْضُ (وَأَيْضًا ثَبَتَ عَدَمُهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ بِالْجَهْلِ (إلْحَاقًا) لِهَذَا (بِالْأَصْلِ) أَيْ عَدَمِ الِاجْتِهَادِ (كَالرَّاوِي) الْمَجْهُولِ الْعَدَالَةِ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الْعَدَالَةِ (أَوْ بِالْغَالِبِ إذْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِبَعْضِ الْعُلُومِ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُجْتَهِدِينَ) فَضْلًا عَمَّنْ لَا مُشَارَكَةَ لَهُ وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْأَعَمِّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَالْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ إذَا تَضَافَرَا يَكَادُ تَضَافُرُهُمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الِامْتِنَاعِ: (لَوْ امْتَنَعَ) فِيمَنْ جُهِلَ اجْتِهَادُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ (امْتَنَعَ فِيمَنْ عُلِمَ اجْتِهَادُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ) بِدَلِيلِكُمْ بِعَيْنِهِ بِأَنْ يُقَالَ: الْعَدَالَةُ شَرْطٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَالْأَكْثَرُ الْفِسْقُ فَالظَّاهِرُ فِسْقُهُ (أُجِيبُ بِالْتِزَامِهِ) أَيْ الْتِزَامِ الِامْتِنَاعِ فِي هَذَا أَيْضًا (لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ، وَلَوْ سَلِمَ عَدَمُ امْتِنَاعِهِ وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ امْتِنَاعِهِ (الْحَقُّ، فَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا (أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْمُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ فَالْإِلْحَاقُ بِهِ) أَيْ بِالْغَالِبِ (أَرْجَحُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إلْحَاقِهِ (بِالْأَصْلِ) الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعَدَالَةِ (بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ غَالِبًا فِي أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ) وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ إذْ لَمْ يَقُلْ بِخُلُوِّهَا عَنْهُ بَلْ قِيلَ هُوَ أَعَزُّ مِنْ الْإِكْسِيرِ الْأَعْظَمِ وَالْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ثُمَّ إذَا بُحِثَ عَنْ حَالِهِ فَاشْتَرَطَ الْإسْفَرايِينِيّ تَوَاتُرَ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا وَرَدَّهُ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا وَتَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي الرَّوْضَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِيهِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ مُفْتٍ، وَجَزَمَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ عَنْ فِقْهِهِ وَأَمَانَتِهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الْإِخْبَارِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا الْمُلْتَبِسَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ إخْبَارُ آحَادِ الْعَامَّةِ لِكَثْرَةِ مَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مِنْ التَّلَبُّسِ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَاكْتَفَى فِي الْمَنْخُولِ بِقَوْلِهِ إنِّي مُفْتٍ وَالْمُخْتَارُ فِي الْغِيَاثِيِّ اعْتِمَادُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَظْهَرَ وَرَعُهُ، وَفِي وَجِيزِ ابْنِ بَرْهَانٍ قِيلَ يَقُولُ لَهُ لِتَجْتَهِدَ أَنْتَ فَأُقَلِّدُك فَإِنْ أَجَابَهُ قَلَّدَهُ وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ اهـ. وَقِيلَ لَا يُعْتَمَدُ وَشَرَطَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَالْقَاضِي امْتِحَانَهُ بِأَنْ يُلَفِّقَ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً وَيُرَاجِعُهُ فِيهَا فَإِنْ أَصَابَ فِيهَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَقَلَّدَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَلَمْ يَشْرُطْهُ آخَرُونَ قُلْت وَهُوَ أَشْبَهَ بَعْدَ فَرْضِ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَيْنَ لِلْعَامِّيِّ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ مُصِيبًا فِي جَوَابِهَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَوَابُهُ فِيهَا خَطَأً عِنْدَ مُجْتَهِدٍ لَا يَلْزَمُ فِيهِ نَفْيُ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا إذْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَتَوَارَدَ الْمُجْتَهِدَانِ عَلَى جَوَابٍ وَاحِدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ أَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا عُلِمَتْ عَدَالَتُهُ، وَلَمْ يَنْفِ مُعَاصِرُوهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ الْعَدَالَةُ فَيَكْتَفِي فِي الْإِخْبَارِ بِهَا قِيلَ بِعَدْلٍ وَقِيلَ بِعَدْلَيْنِ وَبِهَذَا جَزَمَ فِي الْمَنْخُولِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ] (مَسْأَلَةٌ: إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ تَخْرِيجًا) عَلَى أُصُولِهِ (لَا نَقْلَ عَيْنِهِ) أَيْ عَيْنِ مَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ (فَإِنَّهُ) أَيْ نَقْلَهُ (يُقْبَلُ بِشَرَائِطَ) قَبُولِ رِوَايَةِ (الرَّاوِي) مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا اتِّفَاقًا، وَهَذَا اعْتِرَاضٌ بَيْنَ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَجَوَابِهَا، وَهُوَ (إنْ كَانَ) غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ (مُطَّلِعًا عَلَى مَبَانِيهِ) أَيْ مَآخِذِ أَحْكَامِ الْمُجْتَهِدِ (أَهْلًا) لِلنَّظَرِ فِيهَا قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيعِ عَلَى قَوَاعِدِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَلَكَةُ الِاقْتِدَارِ عَلَى اسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمُتَجَدِّدَةِ الَّتِي لَا نَقْلَ فِيهَا عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي مَهَّدَهَا صَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ (جَازَ، وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (لَا) يَجُوزُ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلْهِنْدِيِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِنَا مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ قُلْنَا، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ مَنْ حَفِظَ الْأَقَاوِيلَ وَلَمْ يَعْرِفْ الْحُجَجَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ. (وَقِيلَ) جَازَ (بِشَرْطِ عَدَمِ مُجْتَهِدٍ وَاسْتُغْرِبَ) نَقْلُهُ، وَالْمُسْتَغْرِبُ لَهُ الْعَلَّامَةُ (وَقِيلَ يَجُوزُ) إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى الْمَأْخَذِ أَمْ لَا عَدِمَ الْمُجْتَهِدَ أَمْ لَا، وَهَذَا مُخْتَارُ صَاحِبِ الْبَدِيعِ قَالَ شَارِحُهُ

стр. 996

وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ (خَلِيقٌ بِالنَّفْيِ) أَيْ بِنَفْيِ الصِّحَّةِ (وَسَيَظْهَرُ) نَفْيُهَا، وَقَالَ (أَبُو الْحُسَيْنِ: لَا) يَجُوزُ إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ (مُطْلَقًا) بِالْمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ كَالرُّويَانِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَمَعْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ (لَنَا وُقُوعُهُ) أَيْ إفْتَاءُ الْمُتَبَحِّرِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ (بِلَا نَكِيرٍ) فَإِنَّ الْمُتَبَحِّرِينَ مِنْ مُقَلِّدِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ مَا زَالُوا عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ يُفْتُونَ بِمَذَاهِبِ أَصْحَابِهَا مَعَ عَدَمِ بُلُوغِهِمْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَلَمْ يُنْكَرْ إفْتَاؤُهُمْ. (وَيُنْكَرُ) الْإِفْتَاءُ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُتَبَحِّرِ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ فُتْيَا الْمُتَبَحِّرِ وَعَدَمِ جَوَازِ فُتْيَا غَيْرِهِ (فَإِنْ قِيلَ إذَا فُرِضَ عَدَمُ الْمُجْتَهِدِينَ) فِي حَالِ الِاتِّفَاقِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ (فَعَدَمُهُ) أَيْ الْإِنْكَارِ وَوُجُودُ الِاتِّفَاقِ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَكِلَاهُمَا (مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ حُجَّةً فَالْوَجْهُ كَوْنُهُ) أَيْ جَوَازُهُ (لِلضَّرُورَةِ إذَنْ) أَيْ لِفَقْدِ الْمُجْتَهِدِينَ (قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ) كَوْنُهُ لِلضَّرُورَةِ (لَوْ مُنِعَ الِاجْتِهَادُ فِي مَسْأَلَةٍ) أَيْ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ إذْ الْمَفْرُوضُ أَنَّ الْمُفْتِيَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي أُصُولِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَمِثْلُهُ لَهُ قُدْرَةُ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ (مَمْنُوعٌ) فَالْمُتَّفِقُونَ حِينَئِذٍ عَلَى جَوَازِ هَذَا الْإِفْتَاءِ مُجْتَهِدُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَهِدِينَ مُطْلَقًا (فَكِلَاهُمَا) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ بِالِاتِّفَاقِ بِلَا نَكِيرٍ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالضَّرُورَةِ (حَقٌّ) . فَأَمَّا إذَا لَمْ يُفْرَضْ فَقْدُ الْمُجْتَهِدِ فَمُسْتَنَدُ الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِفْتَاءِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ إنَّمَا يَنْهَضُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُقُوعِهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ إذَا تَمَّ لَا بِالضَّرُورَةِ لِانْدِفَاعِهَا بِالْمُجْتَهِدِ الْمَوْجُودِ (وَبِهَذَا) الْجَوَابِ (بِدَفْعِ دَفْعِهِ) أَيْ دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ الْمَذْكُورِ (لِدَلِيلِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ) أَيْ تَقْلِيدُهُ الْقَوْلُ (الْمُخْتَارُ وَهُوَ) أَيْ دَلِيلُ تَقْلِيدِهِ (أَنَّهُ) أَيْ تَقْلِيدَهُ (إجْمَاعٌ) لِوُقُوعِهِ فِي مَرِّ الْأَعْصَارِ بِلَا إنْكَارٍ (فَلَا يُعَارِضُهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (قَوْلُهُمْ) أَيْ مَانِعِي تَقْلِيدِهِ كَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ (لَا قَوْلَ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (وَإِلَّا) لَوْ كَانَ لَهُ قَوْلٌ بَاقٍ (لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ كَ) مَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ (الْحَيِّ) فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَارِضُ الْإِجْمَاعَ الْمَذْكُورَ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُعَارِضٌ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُجْمِعِينَ، وَالدَّفْعُ أَنْ يُقَالَ لَا عِبْرَةَ بِالِاتِّفَاقِ وَبِعَدَمِ إنْكَارِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّفِقِينَ عَلَيْهِ لَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ فَالْوَجْهُ كَوْنُهُ لِلضَّرُورَةِ. وَدَفْعُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ مُنِعَ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَالتَّقْرِيبُ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ (الْمُجَوِّزِ) مُطْلَقًا قَالَ الْمُفْتِي (نَاقِلٌ) فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي رِوَايَةِ الْعِلْمِ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ (أُجِيبُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي النَّقْلِ بَلْ فِي التَّخْرِيجِ، وَإِذَنْ سَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ لِظُهُورِ أَنَّ مُرَادَهُ) أَيْ قَائِلِهِ، وَهُوَ النَّقْلُ (اتِّفَاقٌ فَهِيَ) أَيْ الْأَقْوَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (ثَلَاثَةٌ) جَوَازُهُ لِلْمُتَبَحِّرِ جَوَازُهُ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ وَقَدْ عُرِفَ وَجْهُهُمَا، لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَالَ (أَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ جَازَ) الْإِفْتَاءُ لِلْمُتَبَحِّرِ (لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ) بِجَامِعِ عَدَمِ بُلُوغِهِمَا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَمَا أَبْعَدَهُ، وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُمَا فِي الْوُضُوحِ (كَالشَّمْسِ) ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ جَوَّزَهُ لِلْعَالِمِ دُونَ الْعَامِّيِّ وَكَيْفَ لَا وَالْعَارِفُ بِالْمَآخِذِ بَعِيدٌ مِنْ الْخَطَأِ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَآخِذِ أَحْكَامِ إمَامِهِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ مِنْهُ الْخَطَأُ بَلْ يَكْثُرُ مِنْهُ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْمَأْخَذِ فَأَنَّى يَسْتَوِيَانِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] . قُلْت وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال لَهُ بِأَنَّهُمَا فِي النَّقْلِ سَوَاءٌ كَمَا فِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ فَيُفِيدُ سُقُوطَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ فِي النَّقْلِ فَالْأَقْوَالُ فِيهَا قَوْلَانِ حِينَئِذٍ الْمُخْتَارُ وَالْمُسْتَغْرَبُ. هَذَا وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ أَنْ حَكَى أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُفْتِي إلَّا الْمُجْتَهِدُ قَالَ وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا لَيْسَ بِفَتْوَى بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي؛ لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي، وَطَرِيقُ نَقْلِهِ كَذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ إلَيْهِ أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي نَحْوَ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ وَالْمَشْهُورِ، هَكَذَا

стр. 997

ذَكَرَ الرَّازِيّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَ بَعْضُ نُسَخِ النَّوَادِرِ فِي زَمَانِنَا لَا يَحِلُّ عَزْوُ مَا فِيهَا إلَى مُحَمَّدٍ وَلَا إلَى أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَشْتَهِرْ فِي عَصْرِنَا فِي دِيَارِنَا وَلَمْ تُتَدَاوَلْ نَعَمْ إذَا وُجِدَ النَّقْلُ عَنْ النَّوَادِرِ مَثَلًا فِي كِتَابٍ مَشْهُورٍ مَعْرُوفٍ كَالْهِدَايَةِ وَالْمَبْسُوطِ كَانَ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ فَلَوْ كَانَ حَافِظًا لِلْأَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُجَّةَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِلتَّرْجِيحِ لَا يَقْطَعُ بِقَوْلٍ مِنْهَا يُفْتِي بِهِ بَلْ يَحْكِيهَا لِلْمُسْتَفْتِي فَيَخْتَارُ الْمُسْتَفْتِي مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ الْأَصْوَبُ ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ كُلِّهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَحْكِيَ قَوْلًا مِنْهَا فَإِنَّ الْمُقَلِّدَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ شَاءَ فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدَهَا فَقَلَّدَهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ نَعَمْ لَوْ حَكَى الْكُلَّ فَالْأَخْذُ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ أَصْوَبُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْعَامِّيُّ لَا عِبْرَةَ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ مِنْ صَوَابِ الْحُكْمِ وَخَطَئِهِ اهـ. فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ وَاسْتِرْسَالِ الْخَلْقِ فِي أَهْوِيَتِهِمْ فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلِّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفُتْيَا هَذَا مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يَرْجِعْنَ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ إلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ أَزْوَاجُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ أَرْسَلَ الْمِقْدَادَ فِي قِصَّةِ الْمَذْيِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ فَإِنَّ مُرَاجَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ ذَاكَ مُمْكِنَةٌ، وَمُرَاجَعَةَ الْمُقَلِّدِ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ مُتَعَذِّرَةٌ. وَقَدْ أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ مَعَ عَدَمِ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ مَرَاتِبُ. إحْدَاهَا أَنْ يَصِلَ إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُقَيَّدِ فَيَسْتَقِلُّ بِتَقْرِيرِ مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَيَتَّخِذُ نُصُوصَهُ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا نَحْوَ مَا يَفْعَلُهُ بِنُصُوصِ الشَّارِعِ وَهَذِهِ صِفَةُ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَاَلَّذِي أَظُنُّهُ قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ فُتْيَا هَؤُلَاءِ وَأَنْتَ تَرَى عُلَمَاءَ الْمَذَاهِبِ مِمَّنْ وَصَلَ إلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ هَلْ مَنَعَهُمْ أَحَدٌ الْفَتْوَى أَوْ مَنَعُوا هُمْ أَنْفُسَهُمْ عَنْهَا. الثَّانِيَةُ: مَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ حَافِظٌ لِلْمَذْهَبِ قَائِمٌ بِتَقْرِيرٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْتَضَ فِي التَّخْرِيجِ وَالِاسْتِنْبَاطِ كَارْتِيَاضِ أُولَئِكَ، وَقَدْ كَانُوا يُفْتُونَ وَيُخَرِّجُونَ كَأُولَئِكَ اهـ. وَقَالَ شَافِعِيٌّ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ: فِي إفْتَاءِ صَاحِبِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ أَقْوَالٌ، أَصَحُّهَا يَجُوزُ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ، وَالثَّالِثُ يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ الثَّالِثَةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمِقْدَارَ وَلَكِنَّهُ حَافِظٌ لِوَاضِحَاتِ الْمَسَائِلِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُ ضَعْفًا فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّتِهَا فَعَلَى هَذَا الْإِمْسَاكُ فِيمَا يَغْمُضُ فَهْمُهُ فِيمَا لَا نَقْلَ عِنْدَهُ فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي حَكَيْنَا فِيهِ الْخِلَافَ فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعِ لَهُ عَلَى الْمَأْخَذِ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ عَوَامَّ اهـ. قُلْت: وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ لَهُ الْإِفْتَاءَ فِيمَا لَا يَغْمُضُ فَهْمُهُ قَالَ مُتَأَخِّرٌ شَافِعِيٌّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا رَاجِحًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ اهـ. وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِيهِ. ثَانِيهَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا الْجَوَازُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ إنْ كَانَ السَّائِلُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلَى عَالِمٍ يَهْدِيهِ السَّبِيلَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ اسْتِفْتَاءُ مِثْلِ هَذَا، وَلَا يَحِلُّ لِهَذَا أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى مَعَ وُجُودِ هَذَا الْعَالِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ أَوْ نَاحِيَتِهِ غَيْرُهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ رُجُوعَهُ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْعَمَلِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ يَبْقَى مُرْتَبِكًا فِي حِيرَتِهِ مُتَرَدِّدًا فِي عَمَاهُ وَجَهَالَتِهِ بَلْ هَذَا هُوَ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ تَقْوَاهُ الْمَأْمُورِ بِهَا وَهُوَ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا الْعَامِّيُّ إذَا عَرَفَ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ تَقْلِيدَهُ؟ . فَفِيهِ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، أَحَدُهَا: لَا مُطْلَقًا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِشُرُوطِهِ وَمَا يُعَارِضُهُ وَلَعَلَّهُ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ دَلِيلًا، وَهَذَا فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ الْأَصَحُّ. ثَانِيهَا: نَعَمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ كَمَا لِلْعَالِمِ، وَتَمَيَّزَ الْعَالِمُ عَنْهُ بِقُوَّةٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ وَدَفْعِ الْمُعَارِضِ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُمَا، وَإِرْشَادُ غَيْرِهِ إلَيْهِ. رَابِعُهَا: إنْ كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ السُّبْكِيُّ وَأَمَّا الْعَامِّيُّ الَّذِي عَرَفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَدْرِ دَلِيلَهَا وَلَا وَجْهَ تَعْلِيلِهَا كَمَنْ حَفِظَ مُخْتَصَرًا

стр. 998

مِنْ مُخْتَصَرَاتِ الْفِقْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ، وَرُجُوعُ الْعَامِّيِّ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهُ أَوْلَى مِنْ الِارْتِبَاكِ فِي الْحِيرَةِ، وَكُلُّ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ غَيْرِهِ. أَمَّا النَّاقِلُ فَلَا يُمْنَعُ فَإِذَا ذَكَرَ الْعَامِّيُّ أَنَّ فُلَانًا الْمُفْتِي أَفْتَانِي بِكَذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نَقْلِ هَذَا الْقَدْرِ اهـ. لَكِنْ لَيْسَ لِلْمَذْكُورِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى مَا فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مُفْتٍ لِعَامِّيٍّ مِثْلِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ] (مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ) فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَصَاحِبِ الرَّوْضَةِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ (وَأَحْمَدُ) فِي رِوَايَةٍ (وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ) كَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالِ وَالْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ (عَلَى الْمَنْعِ) وَقِيلَ يَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَقِدُهُ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا ثُمَّ الْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقُطْرِ الْوَاحِدِ لَا إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ أَفْضَلِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ نَائِيًا عَنْ إقْلِيمِهِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي بَحْرِهِ (لِلْأَوَّلِ) أَيْ مُجِيزِي تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ (الْقَطْعُ) فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ (بِاسْتِفْتَاءِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَفْضُولٍ) مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ (بِلَا نَكِيرٍ عَلَى الْمُسْتَفْتِي) فَكَانَ إجْمَاعًا، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الْآمِدِيُّ: لَوْلَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْجَوَازِ لَكَانَ الْأَوْلَى مَذْهَبَ الْخَصْمِ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْكُلَّ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى تَمَامِ الْمَطْلُوبِ (مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِهِ) أَيْ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ (كَانَ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ لِلْكُلِّ فَإِنَّهُ) أَيْ هَذَا (مِنْ صُوَرِهَا) أَيْ مَسْأَلَةُ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَثُبُوتُ هَذَا لَيْسَ بِالسَّهْلِ. (وَاسْتُدِلَّ) لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَوْ كُلِّفَ هَذَا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ (بِتَعَذُّرِ التَّرْجِيحِ لِلْعَامِّيِّ) ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ، وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ إنَّمَا يَعْرِفُ ذَا الْفَضْلِ مِنْ النَّاسِ ذَوُوهُ (أُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ التَّرْجِيحَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ مِنْ الْعَامِّيِّ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ (بِالتَّسَامُعِ) مِنْ النَّاسِ وَبِرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ وَعَدَمِ رُجُوعِهِ إلَيْهِمْ وَكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ وَتَقْدِيمِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ لَهُ. وَقَالَ (الْمَانِعُونَ) مِنْ جَوَازِهِ: (أَقْوَالُهُمْ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَلِّدِ (كَالْأَدِلَّةِ) الْمُتَعَارِضَةِ (لِلْمُجْتَهِدِ) فَلَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهَا تَحَكُّمًا كَمَا لَا يُصَارُ إلَى بَعْضِ الْأَدِلَّةِ تَحَكُّمًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ (فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ) وَمَا التَّرْجِيحُ إلَّا بِكَوْنِ قَائِلِهِ أَفْضَلَ اتِّفَاقًا (أُجِيبُ) بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ (لَا يُقَاوِمُ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الْإِجْمَاعِ لِتَقْدِيمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ. (وَعَلِمْت مَا فِيهِ) مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَمَامِ الْمَطْلُوبِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ لِلْكُلِّ (وَتَعَسُّرِهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ (عَلَى الْعَامِّيِّ) بِخِلَافِهِ لِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ) أَيْ التَّرْجِيحَ (إذَا كَانَ بِالتَّسَامُعِ لَا عُسْرَ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِّيِّ فِيهِ (وَكَوْنُ الِاجْتِهَادِ الْمُنَاطِ) لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ (لَا يُفِيدُ) وَهُوَ أَنْ لَا يُوجَدَ أَفْضَلُ مِنْهُ (لَنَا مَنْعُهُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْمَفْضُولِ الْكُلَّ) فَيَتَرَجَّحُ الْمَنْعُ عَلَى الْجَوَازِ. هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَمَارَاتِهِ لَا الْأَفْضَلُ فِي مُجَرَّدِ ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى أَمَارَةٍ عَلَى ذَلِكَ، نَعَمْ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ لَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَحَدَهُمْ أَعْلَمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ الْأَعْلَمِ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمْ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ فَهَذَا يُفِيدُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَعَيُّنِ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ اعْتِقَادًا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِأَمَارَةٍ لَكِنْ لَعَلَّ هَذَا مِنْهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ أَمَارَةٌ لِأَفْضَلِيَّةِ أَحَدِهِمْ عَلَى الْبَاقِينَ، وَإِلَّا فَلَوْ قَامَتْ أَمَارَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ وَكَانَ مُعْتَقِدًا فِي غَيْرِهِ الْأَفْضَلِيَّةَ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ عَلَيْهَا فَتَقْدِيمُ ذَا عَلَى ذَاكَ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ بَلْ الْمُتَّجَهُ الْعَكْسُ فَلَا جَرَمَ أَنْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَا لَوْ اسْتَفْتَى أَحَدَهُمْ وَاسْتَبَانَ أَنَّهُ الْأَعْلَمُ وَالْأَوْثَقُ لَزِمَهُ بِنَاءً عَلَى تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ اهـ. وَقِيلَ: الْحَقُّ أَنْ تَرَجُّحَ الْمَفْضُولِ بِدِيَانَةٍ وَوَرَعٍ وَتَحَرٍّ لِلصَّوَابِ وَعَدَمِ ذَلِكَ الْفَاضِلِ فَاسْتِفْتَاءُ الْمَفْضُولِ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَاسْتِفْتَاءُ الْأَعْلَمِ أَوْلَى، وَلَوْ اسْتَوَيَا عِلْمًا وَتَفَاوَتَا وَرَعًا فَقِيلَ وَجَبَ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَوْرَعِ قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْوَرَعِ تَأْثِيرًا فِي الِاحْتِيَاطِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِلْمِ وَالْآخَرُ فِي الْوَرَعِ فَالْأَرْجَحُ عَلَى مَا ذَكَرَ الرَّازِيّ وَنَصَّ السُّبْكِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ؛ لِأَنَّ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ تَأْثِيرًا فِي

стр. 999

الِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ الظَّنُّ الْحَاصِلُ بِقَوْلِهِ أَكْثَرَ بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْوَرَعِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَوْرَعِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ التَّسَاوِيَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُرَجَّحًا فَيَتَخَيَّرُ وَلَوْ تَسَاوَيَا عِلْمًا وَوَرَعًا فَفِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ قُدِّمَ الْأَسَنُّ؛ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ إلَى الْإِصَابَةِ بِطُولِ الْمُمَارَسَةِ اهـ. قُلْت وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ التَّقْدِيمَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ التَّخْيِيرَ فِي اسْتِوَائِهِمْ، وَفِي الْمَحْصُولِ، وَإِنْ ظَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا مُطْلَقًا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِتَعَارُضِ أَمَارَتَيْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِوُقُوعِهِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ الْمُقَلِّدُ فِيمَا قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ] (مَسْأَلَةٌ: لَا يَرْجِعُ الْمُقَلِّدُ فِيمَا قَلَّدَ) الْمُجْتَهِدَ (فِيهِ أَيْ عَمِلَ بِهِ اتِّفَاقًا) ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَا فَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا مَا يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَيْضًا وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ. لَكِنْ وَجْهُ مَا قَالَاهُ أَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ مُكَلَّفٍ بِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ غَيْرُهُ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَظْهَرُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ حَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْ أَمَارَةٍ إلَى أَمَارَةٍ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: التَّقْلِيدُ بَعْدَ الْعَمَلِ إنْ كَانَ مِنْ الْوُجُوبِ إلَى الْإِبَاحَةِ لِيَتْرُكَ كَالْحَنَفِيِّ يُقَلِّدُ فِي الْوِتْرِ أَوْ مِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ لِيَتْرُكَ كَالشَّافِعِيِّ يُقَلِّدُ فِي أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ، وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ لَا يُنَافِي الْإِبَاحَةَ، وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ خَارِجٌ عَنْ الْعَمَلِ، وَحَاصِلٌ قَبْلَهُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا مَانِعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ الْإِبَاحَةَ يُقَلِّدُ فِي الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ، فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ أَبْعَدُ وَلَيْسَ فِي الْعَامِّيِّ إلَّا هَذِهِ الْأَقْسَامُ نَعَمْ الْمُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إمَامٍ إذَا أَفْتَى بِكَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ حَرَامًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْضُ تَشَهِّي كَذَا اهـ. قُلْت: وَالتَّوْجِيهُ الْمَذْكُورُ سَاقِطٌ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَمْ يَلْتَزِمْ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَمَا يُفْصِحُ بِهِ لَفْظُ الْآمِدِيِّ ثُمَّ ذَكَرَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا عَلَى أَنَّ الِالْتِزَامَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَتَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: ثُمَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُخَصَّصًا بِحَالَةِ الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ إذْ لَا يُمْنَعُ فَقِيهٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. قُلْت: وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا فِي الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَاحْتِيجَ إلَى الْعَمَلِ: يَجِبُ التَّحَرِّي فِيهِمَا فَإِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ الصَّوَابَ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِذَا عَمِلَ بِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بَعْدَهُ بِالْآخَرِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ خَطَأُ الْأَوَّلِ وَصَوَابُ الْآخَرِ فَحِينَئِذٍ يَعْمَلُ بِالثَّانِي أَمَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ خَطَأُ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَحَرَّى وَوَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ أَحَدُهُمَا وَعَمِلَ بِهِ وَصَحَّ الْعَمَلُ حُكِمَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ وَأَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ ظَاهِرٌ أَوْ بِبُطْلَانِ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ مَعَهُ ظَاهِرًا مِمَّا لَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ سِوَى مَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى الْعَمَلِ بِالْآخَرِ فَعَلَى قِيَاسِ هَذَا إذَا تَعَارَضَ قَوْلَا مُجْتَهِدَيْنِ يَجِبُ التَّحَرِّي فِيهِمَا فَإِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ الصَّوَابَ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِذَا عَمِلَ بِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْآخَرِ إلَّا إذَا ظَهَرَ خَطَأُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَلِّدِ كَتَعَارُضِ الْأَقْيِسَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَسَتَسْمَعُ عَنْهُمْ أَيْضًا مَا يَشُدُّهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (وَهَلْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَنْ قَلَّدَهُ أَوَّلًا فِي شَيْءٍ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؟ . كَأَنْ يَعْمَلَ أَوَّلًا فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَثَانِيًا فِي أُخْرَى بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ (الْمُخْتَارُ) كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (نَعَمْ لِلْقَطْعِ) بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ (بِأَنَّهُمْ) أَيْ الْمُسْتَفْتِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا (كَانُوا يَسْتَفْتُونَ مَرَّةً وَاحِدًا وَمَرَّةً غَيْرَهُ غَيْرَ مُلْتَزِمِينَ مُفْتِيًا وَاحِدًا) وَشَاعَ وَتَكَرَّرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا. (فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ الشَّافِعِيِّ) فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ (فَقِيلَ يَلْزَمُ) ؛ لِأَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ يَصِيرُ مُلْزَمًا بِهِ كَمَا لَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ. (وَقِيلَ لَا) يَلْزَمُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ غَيْرُ مُلْزِمٍ إذْ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَّةِ فَيُقَلِّدَهُ فِي دِينِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْتِي وَيَذَرَ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلَا مُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ فَلَا يَحْكُمُ وَلَا

стр. 1000

يُفْتِي إلَّا بِقَوْلِهِ اهـ. وَقَدْ انْطَوَتْ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ عَلَى عَدَمِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ بَلْ لَا يَصِحُّ لِلْعَامِّيِّ مَذْهَبٌ وَلَوْ تَمَذْهَبَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ نَوْعُ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٌ وَبَصَرٌ بِالْمَذَاهِبِ عَلَى حَسَبِهِ أَوْ لِمَنْ قَرَأَ كِتَابًا فِي فُرُوعِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَعَرَفَ فَتَاوَى إمَامِهِ وَأَقْوَالَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِذَلِكَ أَلْبَتَّةَ بَلْ قَالَ أَنَا حَنَفِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنَا فَقِيهٌ أَوْ نَحْوِيٌّ أَوْ كَاتِبٌ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَائِلَهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِذَلِكَ الْإِمَامِ سَالِكٌ طَرِيقَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَأَمَّا مَعَ جَهْلِهِ وَبُعْدِهِ جِدًّا عَنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ وَعِلْمِهِ بِطَرِيقِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهُ الِانْتِسَابُ إلَيْهِ إلَّا بِالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ وَالْقَوْلِ الْفَارِغِ مِنْ الْمَعْنَى كَذَا ذَكَرَهُ فَاضِلٌ مُتَأَخِّرٌ قُلْت وَلَوْ شَاحَحَهُ مُشَاحِحٌ فِي أَنَّ قَائِلَ أَنَا حَنَفِيٌّ مَثَلًا لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي جَمِيعِ هَذَا الْمَذْكُورِ بَلْ مُتَّبِعُهُ فِي الْمُوَافَقَةِ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا فَسَيَظْهَرُ جَوَابُهُ مِمَّا يَذْكُرُهُ قَرِيبًا ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيِّ: وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْهُورِ كُتُبِهِمْ جَوَازُ الِانْتِقَالِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ وَالْعَمَلِ فِيهَا بِخِلَافِ مَذْهَبِ إمَامِهِ الَّذِي يُقَلِّدُ مَذْهَبَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّتَبُّعِ لِلرُّخَصِ وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْأَعْمَى الَّذِي اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أَوَانِي مَاءٍ وَثِيَابٍ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا إذَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا بَلْ يُقَلِّدُ بَصِيرًا يَجْتَهِدُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي الْأَوَانِي وَاحِدًا وَفِي الثِّيَابِ آخَرَ وَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ (وَقِيلَ كَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ إنْ عَمِلَ بِحُكْمٍ تَقْلِيدًا) لِمُجْتَهِدٍ (لَا يَرْجِعُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ (وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا عَمِلَ بِهِ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ (لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ الْأَعْدَلُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ) أَيْ اتِّبَاعُهُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ (شَرْعًا) بَلْ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ اقْتَضَى الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ وَتَقْلِيدَهُ فِيهِ فِيمَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَالسُّؤَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ طَلَبِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَحِينَئِذٍ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ وَجَبَ عَمَلُهُ بِهِ وَالْتِزَامُهُ لَمْ يَثْبُت مِنْ السَّمْعِ اعْتِبَارُهُ مُلْزِمًا كَمَنْ الْتَزَمَ كَذَا لِفُلَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّذْرِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمَ بِلَفْظِهِ كَمَا فِي النَّذْرِ أَوْ بِقَلْبِهِ وَعَزْمِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ مَثَلًا قَلَّدْت فُلَانًا فِيمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ تَعْلِيقُ التَّقْلِيدِ أَوْ الْوَعْدُ بِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ (وَيَتَخَرَّجُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ كَمِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ (جَوَازُ اتِّبَاعِهِ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ) أَيْ أَخْذِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَهْوَنُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الْمَسَائِلِ (وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ إذْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْلُكَ الْأَخَفَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ لَهُ إلَيْهِ سَبِيلٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِآخِرِ فِيهِ) . وَقَالَ أَيْضًا: وَالْغَالِبُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ إلْزَامَاتٌ مِنْهُمْ لِكَفِّ النَّاسِ عَنْ تَتَبُّعِ الرُّخْصِ، وَإِلَّا أَخَذَ الْعَامِّيُّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ قَوْلُهُ أَخَفُّ عَلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَا يَمْنَعُ هَذَا مِنْ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ يَتَّبِعُ مَا هُوَ أَخَفُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَوْلِ مُجْتَهِدٍ مُسَوَّغٌ لَهُ الِاجْتِهَادُ مَا عَلِمْت مِنْ الشَّرْعِ ذَمُّهُ عَلَيْهِ (وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ مَا خُفِّفَ عَلَيْهِمْ) كَمَا قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ التَّرْجِيحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظٍ عَنْهُمْ وَفِي لَفْظٍ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ أَيْ أُمَّتِهِ، وَذَكَرْنَا ثَمَّةَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً دَالَّةً عَلَى ذَلِكَ قُلْت لَكِنْ مَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ إجْمَاعًا إنْ صَحَّ احْتَاجَ إلَى جَوَابٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ إذْ فِي تَفْسِيقِ الْمُتَتَبِّعِ لِلرُّخَصِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَحَمَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الرِّوَايَةَ الْمُفَسِّقَةَ عَلَى غَيْرِ مُتَأَوِّلٍ وَلَا مُقَلِّدٍ، وَذَكَر بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إنْ قَوِيَ دَلِيلٌ أَوْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يَفْسُقُ، وَفِي رَوْضَةِ النَّوَوِيِّ وَأَصْلُهَا عَنْ حِكَايَةِ الْحَنَّاطِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَفْسُقُ بِهِ ثُمَّ لَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ مَا يَجْتَمِعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْ بِمَجْمُوعِهِ مُجْتَهِدٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَيَّدَهُ) أَيْ جَوَازَ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ (مُتَأَخِّرٌ) وَهُوَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ (بِأَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ) أَيْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ (مَا يَمْنَعَانِهِ) أَيْ يَجْتَمِعُ عَلَى بُطْلَانِهِ كِلَاهُمَا (فَمَنْ قَلَّدَ الشَّافِعِيَّ فِي عَدَمِ) فَرْضِيَّةِ (الدَّلْكِ) لِلْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ (وَمَالِكًا فِي عَدَمِ نَقْضِ اللَّمْسِ بِلَا شَهْوَةٍ) لِلْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَلَمَسَ بِلَا شَهْوَةٍ (وَصَلَّى إنْ كَانَ الْوُضُوءُ بِدَلْكٍ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ

стр. 1001

(وَإِلَّا) إنْ كَانَ بِلَا دَلْكٍ (بَطَلَتْ عِنْدَهُمَا) أَيْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ وَالِانْتِقَالُ إلَيْهَا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى صُورَةٍ تُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ وَأَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ بِوُصُولِ أَخْبَارِهِ إلَيْهِ وَلَا يُقَلِّدُ أُمِّيًّا فِي عَمَايَةٍ وَأَلَّا يَتَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ، وَتَعَقَّبَ الْقَرَافِيُّ هَذَا بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالرُّخَصِ مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ أَرْبَعَةٌ مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ فَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ فَإِنَّ مَا لَا نُقِرُّهُ مَعَ تَأَكُّدِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ بِالرُّخَصِ مَا فِيهِ سُهُولَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَيْفَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي الْمِيَاهِ وَالْأَرْوَاثِ وَتَرْكِ الْأَلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ مُخَالِفًا لِتَقْوَى اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَتَعَقُّبُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِضَائِرٍ فَإِنَّ مَالِكًا مَثَلًا لَمْ يَقُلْ إنَّ مَنْ قَلَّدَ الشَّافِعِيَّ فِي عَدَمِ الصَّدَاقِ أَنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ أَنْكِحَةُ الشَّافِعِيَّةِ عِنْدَهُ بَاطِلَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ الشَّافِعِيُّ إنَّ مِنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي عَدَمِ الشُّهُودِ أَنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ أَنْكِحَةُ الْمَالِكِيَّةِ بِلَا شُهُودٍ عِنْدَهُ بَاطِلَةٌ. قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا التَّوْجِيهِ نَظَرٌ غَيْرُ خَافٍ وَوَافَقَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الرُّويَانِيَّ عَلَى اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ فِي صُورَةٍ يَقَعُ الْإِجْمَاعُ عَلَى بُطْلَانِهَا، وَأَبْدَلَ الشَّرْطَ الثَّالِثَ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَا قَلَّدَ فِيهِ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ الْحُكْمُ لَوْ وَقَعَ وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذَا وَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَأْخَذَانِ مُتَقَارِبَيْنِ جَازَ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي انْشِرَاحُ صَدْرِهِ لِلتَّقْلِيدِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمُ اعْتِقَادِهِ لِكَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا بِالدِّينِ مُتَسَاهِلًا فِيهِ وَدَلِيلُ هَذَا الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﷺ «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ» فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ فَفِعْلُهُ إثْمٌ اهـ. قُلْت: أَمَّا عَدَمُ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا بِالدِّينِ مُتَسَاهِلًا فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَأَمَّا انْشِرَاحُ صَدْرِهِ لِلتَّقْلِيدِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا أَنَّ الْحَدِيثَ كَذَلِكَ أَيْضًا وَهُوَ بِلَفْظِ «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِك وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبِلَفْظِ «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُشِيرًا إلَيْهِ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِثْمَ مَا أَثَّرَ فِي الصَّدْرِ حَرَجًا وَضِيقًا وَقَلَقًا وَاضْطِرَابًا فَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ الصَّدْرُ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَنْكَرٌ بِحَيْثُ يُنْكِرُونَهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ وَهَذَا أَعْلَى مَرَاتِبِ مَعْرِفَةِ الْإِثْمِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَهُوَ مَا اسْتَنْكَرَهُ النَّاسُ فَاعِلُهُ وَغَيْرُ فَاعِلِهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ وَمُشِيرًا إلَيْهِ بِاللَّفْظِ الثَّانِي يَعْنِي مَا حَاكَ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ إثْمٌ، وَإِنْ أَفْتَاهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْمٍ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَنْكَرًا عِنْدَ فَاعِلِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَقَدْ جَعَلَهُ أَيْضًا إثْمًا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ مِمَّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْإِيمَانِ وَكَانَ الْمُفْتِي لَهُ يُفْتِي بِمُجَرَّدِ ظَنٍّ أَوْ مَيْلٍ إلَى هَوًى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. فَأَمَّا مَا كَانَ مَعَ الْمُفْتَى بِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ صَدْرُهُ وَهَذَا كَالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُ كَثِيرٍ مِنْ الْجُهَّالِ فَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْيَانَا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِمَا لَا يَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُ بَعْضِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ فِعْلِهِ فَيَغْضَبُ مِنْ ذَلِكَ» كَمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ فَكَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ مِنْهُمْ وَكَمَا أَمَرَهُمْ بِنَحْرِ هَدْيِهِمْ وَالتَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَكَرِهُوهُ وَكَرِهُوا مُقَاضَاتَهُ لِقُرَيْشٍ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنْ عَامِهِ وَعَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ يَرُدُّهُ إلَيْهِمْ. وَفِي الْجُمْلَةِ فَمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ إلَّا طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَلَقَّى ذَلِكَ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَالرِّضَا فَإِنَّ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَجِبُ الرِّضَا وَالْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا عَمَّنْ يُقْتَدَى بِقَوْلِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ فَإِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ

стр. 1002

الْمُطْمَئِنِّ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ الْمُنْشَرِحِ صَدْرُهُ بِنُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْيَقِينِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ لِشُبْهَةٍ مَوْجُودَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِي فِيهِ بِالرُّخْصَةِ إلَّا مَنْ يُخْبِرُ عَنْ رَأْيِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَبِدِينِهِ بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى فَهُنَا يَرْجِعُ الْمُؤْمِنُ إلَى مَا حَاكَ فِي صَدْرِهِ، وَإِنْ أَفْتَاهُ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُون وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا اهـ. بَقِيَ هَلْ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ صِحَّةِ جَوَابِ الْمُفْتَى وَحَقِّيَّتِهِ فِي نَفْسِ الْمُسْتَفْتِي يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ؟ . فَذَهَبَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى أَنَّ أَوْلَى الْأَوْجُهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ لِغَيْرِهِ قُلْت وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مُوَافِقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ الْعِيَاضِيِّ الْعِبْرَةُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْتَفْتِي فَكُلُّ مَا اعْتَقَدَهُ مِنْ مَذْهَبٍ حَلَّ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ دِيَانَةً، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ خِلَافُهُ اهـ. وَمَا فِي رِعَايَةِ الْحَنَابِلَةِ وَلَا يَكْفِيهِ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَفِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ الْأَشْهَرُ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ وَقِيلَ وَبِظَنِّهِ حَقًّا وَقِيلَ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ إنْ ظَنَّهُ حَقًّا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ لَزِمَهُ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ اهـ. يَعْنِي وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ وَلَا سُكُونِ نَفْسِهِ إلَى صِحَّتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَذَكَرَ أَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ وَشَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لَا فِيمَا إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ وَلَا فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ كَمَا أَسْلَفْنَا ذَلِكَ عَنْهُ فِي ذَيْلِ مَسْأَلَةِ إفْتَاءِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى قَالَ لَوْ اسْتَفْتَى فَقِيهَيْنِ أَعْنِي مُجْتَهِدَيْنِ فَاخْتَلَفَا عَلَيْهِ الْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْهُمَا، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِقَوْلِ الَّذِي لَا يَمِيلُ إلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّ مَيْلَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ، وَالْوَاجِبُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ وَقَدْ فَعَلَ أَصَابَ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ أَوْ أَخْطَأَ اهـ. لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى تَعَارُضِ الْأَقْيِسَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ يَقْتَضِي وُجُوبَ التَّحَرِّي عَلَى الْمُسْتَفْتِي وَالْعَمَلَ بِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ الصَّوَابُ فَيَحْتَاجُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْجَوَازِ بِدُونِهِ إلَى جَوَابٍ ثُمَّ فِي غَيْرِ مَا كِتَابٌ مِنْ الْكُتُبِ الْمَذْهَبِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إنْ أَمْضَى قَوْلَ الْمُفْتِي لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا حَتَّى قَالُوا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ فَقِيهًا فَاسْتَفْتَى فَقِيهًا فَأَفْتَاهُ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَفْتَاهُ فَقِيهٌ آخَرُ بِخِلَافِهِ فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ وَأَمْضَاهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا أَمْضَاهُ فِيهِ وَيَرْجِعُ إلَى مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُ مَا أَمْضَاهُ مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مُتَعَبِّدٌ بِالتَّقْلِيدِ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُتَعَبِّدٌ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ كَمَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ نَقْضُ مَا أَمْضَاهُ فَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلَّدِ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ الْإِمْضَاءِ بِمَنْزِلَةِ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ وَاتِّصَالُ الْقَضَاءِ يَمْنَعُ النَّقْضَ فَكَذَا اتِّصَالُ الْإِمْضَاءِ هَذَا وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَلَائِيُّ أَنَّهُ قَدْ يُرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالِانْتِقَالِ فِي أَحَدِ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إذَا كَانَ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ يَقْتَضِي تَشْدِيدًا عَلَيْهِ أَوْ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ كَمَا إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَكَانَ مَذْهَبُ إمَامِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِنْثِ بِذَلِكَ فَأَقَامَ مَعَ زَوْجَتِهِ عَامِلًا بِهِ ثُمَّ تَخَرَّجَ مِنْهُ لِقَوْلِ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْتِزَامِ الْحِنْثِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الْقَصْرَ فِي سَفَرٍ جَاوَزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ وَالْإِتْمَامَ فِيمَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَفْضَلُ احْتِيَاطًا لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ إذَا رَأَى لِلْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ دَلِيلًا صَحِيحًا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَجِدْ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ جَوَابًا قَوِيًّا عَنْهُ وَلَا مُعَارِضًا رَاجِحًا عَلَيْهِ إذْ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا شَرَعَهُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُحَافَظَةً عَلَى مَذْهَبٍ الْتَزَمَ تَقْلِيدَهُ اهـ. قُلْت وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْقُدُورِيِّ وَعَلَيْهِ مَشَى طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ حَمْدَانَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. [إجْمَاعُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَوَامّ مِنْ تَقْلِيدِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ] (تَكْمِلَةُ نَقْلِ الْإِمَامِ) فِي الْبُرْهَانِ (إجْمَاعُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَوَامّ مِنْ تَقْلِيدِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ بَلْ مَنْ بَعْدَهُمْ) أَيْ بَلْ قَالَ: بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّبِعُوا مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ (الَّذِينَ سَبَرُوا وَوَضَعُوا وَدَوَّنُوا) ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْضَحُوا طُرُقَ النَّظَرِ وَهَذَّبُوا الْمَسَائِلَ وَبَيَّنُوهَا وَجَمَعُوهَا بِخِلَافِ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَهْذِيبِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُقَرِّرُوا لِأَنْفُسِهِمْ أُصُولًا تَفِي بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا، وَإِلَّا فَهُمْ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ قَدْرًا، وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنِ سِيرِينَ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَحْسَنَ فِيهَا الْجَوَابَ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ مَا مَعْنَاهُ مَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ لِتُحْسِنَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ أَرَدْنَا فِقْهَهُمْ لَمَا

стр. 1003

أَدْرَكَتْهُ عُقُولُنَا. (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَلِّدُوا الْأَئِمَّةَ الْمَذْكُورِينَ لِهَذَا الْوَجْهِ (مَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) وَهُوَ ابْنُ الصَّلَاحِ (مَنَعَ تَقْلِيدَ غَيْرِ) الْأَئِمَّةِ (الْأَرْبَعَةِ) أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵏ (لِانْضِبَاطِ مَذَاهِبِهِمْ وَتَقْيِيدِ) مُطْلَقِ (مَسَائِلِهِمْ وَتَخْصِيصِ عُمُومِهَا) وَتَحْرِيرِ شُرُوطِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَلَمْ يُدْرَ مِثْلُهُ) أَيْ هَذَا الشَّيْءَ (فِي غَيْرِهِمْ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (الْآنَ لِانْقِرَاضِ أَتْبَاعِهِمْ) . وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ امْتَنَعَ تَقْلِيدُ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ؛ لِتَعَذُّرِ نَقْلِ حَقِيقَةِ مَذْهَبِهِمْ؛ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ حَقَّ الثُّبُوتِ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ إنْ تَحَقَّقَ ثُبُوتُ مَذْهَبٍ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَازَ تَقْلِيدُهُ وِفَاقًا، وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ أَيْضًا إذَا صَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَذْهَبٌ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْضَحَ مِنْ دَلِيلِهِ هَذَا وَقَدْ تَعَقَّبْ بَعْضُهُمْ أَصْلَ الْوَجْهِ لِهَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْرِ هَؤُلَاءِ كَمَا ذَكَرَ وُجُوبُ تَقْلِيدِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ جَمَعَ وَسَبَرَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ وَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِمْ بَلْ الظَّاهِرُ فِي تَعْلِيلِهِ فِي الْعَوَامّ أَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ لَكَانَ فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْطِيلِ مَعَايِشِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى، وَأَيْضًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ يَتَطَرَّقُ إلَى مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ احْتِمَالَاتٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْعَامِّيُّ مَعَهَا مِنْ التَّقْلِيدِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْإِسْنَادُ إلَى الصَّحَابِيِّ لَا عَلَى شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَوْلِ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ. وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةُ الْعَامِّيِّ لَيْسَتْ الْوَاقِعَةَ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا الصَّحَابِيُّ وَهُوَ ظَانٌّ أَنَّهَا هِيَ؛ لِأَنَّ تَنْزِيلَ الْوَقَائِعِ عَلَى الْوَقَائِعِ مِنْ أَدَقِّ وُجُوهِ الْفِقْهِ وَأَكْثَرِهَا غَلَطًا وَبِالْجُمْلَةِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَتَأَهَّلُ لِتَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ قَرِيبٌ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْعَمَلِ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ إمَّا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِقَوْلِ الشَّارِعِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ فِي عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ يَكَادُ يَكُونُ حُجَّةً فَامْتِنَاعُ تَقْلِيدِهِ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ لَا لِنُزُولِهِ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَذْكُورُ (صَحِيحٌ) بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ مَذْهَبٌ مُدَوَّنٌ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ بِحَيْثُ يَأْخُذُ بِأَقْوَالِهِ كُلِّهَا وَيَدْعُ أَقْوَالَ غَيْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذَا. وَمِنْ هُنَا قَالَ الْقَرَافِيُّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِغَيْرِ حَجْرٍ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ أَنَّ مَنْ اسْتَفْتَى أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ وَقَلَّدَهُمَا فَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَغَيْرَهُمَا وَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَمَنْ ادَّعَى دَفْعَ هَذَيْنِ الْإِجْمَاعَيْنِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ. هَذَا وَقَدْ تَكَلَّمَ أَتْبَاعُ الْمَذَاهِبِ فِي تَفْضِيلِ أَئِمَّتِهِمْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَأَحَقُّ مَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَتْ أُمُّ الْكَمَلَةِ عَنْ بَنِيهَا: ثَكِلْتُهُمْ إنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَيَّهُمْ أَفْضَلَ هُمْ كَالْحَلْقَةِ الْمُفْرَغَةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا فَمَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا تَجَرَّدَ النَّظَرُ إلَى خَصَائِصِهِ إلَّا وَيَفْنَى الزَّمَانُ لِنَاشِرِهَا دُونَ اسْتِيعَابِهَا، وَهَذَا سَبَبُ هُجُومِ الْمُفَضِّلِينَ عَلَى التَّعْيِينِ فَإِنَّهُ لِغَلَبَةِ ذَلِكَ عَلَى الْمُفَضِّلِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَضْلَةٌ لِتَفْضِيلِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِلَى ضِيقِ الْأَذْهَانِ عَنْ اسْتِيعَابِ خَصَائِصِ الْمُفَضَّلِينَ جَاءَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ كُلَّ آيَةٍ إذَا جُرِّدَ النَّظَرُ إلَيْهَا قَالَ النَّاظِرُ هِيَ أَكْبَرُ الْآيَاتِ، وَإِلَّا فَمَا يُتَصَوَّرُ فِي آيَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْأُخْرَى بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِلَّا لَتَنَاقَضَ الْأَفْضَلِيَّةُ وَالْمَفْضُولِيَّة. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ انْخَرَقَتْ بِهِمْ الْعَادَةُ عَلَى مَعْنَى الْكَرَامَةِ عِنَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ إذَا قِيسَتْ أَحْوَالُهُمْ بِأَحْوَالِ أَقْرَانِهِمْ ثُمَّ اشْتِهَارُ مَذَاهِبِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَاجْتِمَاعُ الْقُلُوبِ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا دُونَ مَا سِوَاهَا إلَّا قَلِيلًا عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ مِمَّا يَشْهَدُ بِصَلَاحِ طَوِيَّتِهِمْ وَجَمِيلِ سَرِيرَتِهِمْ وَمُضَاعَفَةِ مَثُوبَتِهِمْ وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِمْ - تَغَمَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَأَعْلَى مَقَامَهُمْ فِي بُحْبُوحَةِ جَنَّتِهِ وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ فِي زُمْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ وَصَحَابَتِهِ وَأَدْخَلَنَا وَصُحْبَتَهُمْ دَارَ كَرَامَتِهِ. [خَاتِمَة] وَقَدْ خَتَمَ الْمُصَنِّفُ الْكِتَابَ بِقَوْلِهِ صَحِيحٌ تَفَاؤُلًا بِصِحَّتِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَى وَلَهُ الْحَمْدُ سُبْحَانَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي أَنْ يُؤْتِيَ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا وَيُزْكِيَهَا إنَّهُ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا إنَّهُ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا وَأَنْ يَقِيَهَا شُرُورَهَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِهَا وَوَخِيمَ هَوَاهَا وَأَنْ يُحْسِنَ لَنَا فِي الدَّارَيْنِ الْعَوَاقِبَ وَيَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا فِيهِمَا بِجَمِيلِ

стр. 1004

الْمَوَاهِبِ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْمُلْتَمَسُ مِنْ فَضْلِ ذَوِي الْأَلْبَابِ الْوَاقِفِينَ عَلَى مَا عَانَاهُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مِنْ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فِي شَرْحِ مَقَاصِدِهِ وَتَوْضِيحِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ أَنْ لَا يَنْسَوْهُ مِنْ دُعَائِهِمْ الْمُسْتَجَابِ فِي وَقْتِهِمْ الْمُسْتَطَابِ بِمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ وَحُسْنِ الْمَآبِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَا عَانَيْتُهُ فِيهِ بِمَعُونَةِ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُسَاعَدَةِ التَّوْفِيقِ إلَى سُلُوكِ سَوَاءِ الطَّرِيقِ مِنْ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ فِي غَوَامِضَ يَحَارُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَفْكَارِ وَخَفَايَا يَقْصُرُ عَنْ كَشْفِ أَسْرَارِهَا ثَوَاقِبُ الْأَنْظَارِ مَعَ إيضَاحٍ لِمُبْهَمَاتِهِ وَتَبْيِينٍ لِمُشْتَبِهَاتِهِ وَتَنْقِيحٍ لِزَبَدِ مَعْقُولَاتِهِ وَتَصْحِيحٍ لِأَنْوَاعِ مَنْقُولَاتِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى مَقْبُولَةً لَدَى شَرِيفِ جَنَابِهِ وَجُنَّةً فِي الدَّارَيْنِ مِنْ سَخَطِهِ وَعَذَابِهِ وَذَرِيعَةً إلَى رِضَاهُ وَالْخُلُودِ فِي دَارِ ثَوَابِهِ إنَّهُ سُبْحَانَهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَالْكَرْمِ الْعَمِيمِ لَا إلَه غَيْرُهُ وَلَا يُرْجَى إلَّا كَرَمُهُ وَخَيْرُهُ وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِمَشَايِخِنَا وَلِأَوْلَادِنَا وَلِأَصْحَابِنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَسَلَّمَ آمِينَ. (صُورَةُ خَطِّ الْمُصَنِّفِ فِي أَصْلِ أَصْلِ أَصْلِهِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ مَا مِثَالُهُ) وَقَدْ نُجِزَ نَقْلُ هَذَا السِّفْرِ الْمُبَارَكِ مِنْ السَّوَادِ إلَى الْبَيَاضِ عَلَى يَدَيْ مُؤَلِّفِهِ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ذِي الْكَرَمِ الْجَزِيلِ وَالْوَعْدِ الْوَفِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُشْتَهِرِ بِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيِّ الْحَنَفِيِّ عَامَلَهُمْ اللَّهُ بِلُطْفِهِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَغَفَرَ لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ آمِينَ وَكَانَ نِجَازُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ خَامِسُ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ أَحْسَنَ اللَّهُ تَقَضِّيهَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ بِالْمَدْرَسَةِ الْحَلَاوِيَّةِ النُّورِيَّةِ رَحِمَ اللَّهُ وَاقِفَهَا بِحَلَبِ الْمَحْرُوسَةِ لَا زَالَتْ رَايَاتُ الْأَعَادِي لَهَا مَنْكُوسَةً وَلَا بَرِحَتْ رِبَاعُهَا بِالْفَضَائِلِ وَالْبَرَكَاتِ مَأْنُوسَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (يَقُولُ الْمُتَوَسِّلُ بِجَاهِ الْمُصْطَفَى الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُودُ مُصْطَفَى خَادِمُ التَّصْحِيحِ بِدَارِ الطِّبَاعَةِ أَدَامَ اللَّهُ لَهُ سُلُوكَ سَبِيلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ثَبَّتَ فُرُوعَ دَوْحِ دِينِهِ الْمُبَرَّإِ مِنْ وَصْمَةِ الْعِوَجِ بِثَوَابِتِ الْأُصُولِ وَمَحَاسِنِ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ وَمَنَحَنَا النَّظَرَ فِي غَوَامِضِ آيَاتِهِ تَفْصِيلًا، وَإِجْمَالًا فَشَهِدْنَا وَحْدَانِيَّتَهُ ذَاتًا وَصِفَاتٍ وَأَفْعَالًا وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْأَنَامِ الْمُفَضَّلِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ بَيْنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مَنْ تَأَسَّسَتْ قَوَانِينُ نُبُوَّتِهِ عَلَى أَوْضَحِ الدَّلَالَاتِ وَوُضِعَتْ دَعَائِمُ مِلَّتِهِ عَلَى أَبْهَرِ الْمُعْجِزَاتِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَمُلَ بِهِمْ الدِّينُ وَدَامَ لَهُمْ إلَى يَوْمِ الْجَمْعِ الْعِزُّ وَالتَّمْكِينُ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ تَمَّ طَبْعُ هَذَا الْكِتَابِ النَّامِي فِي التَّحْقِيقَاتِ الْجَامِعِ لِمَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ مِنْ رَقَائِقِ التَّدْقِيقَاتِ الَّذِي عَنَتْ لَهُ وُجُوهُ الْأَسْفَارِ وَجَابَتْ فِي تَحْصِيلِهِ الْجَهَابِذَةُ الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ الْمُوَضِّحُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَحْرِيرِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِي الْفَضَائِلِ مُشَارِكٌ وَلَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا مُزَاحِمٌ عَلَمِ الْأَعْلَامِ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ الصَّائِدِ لِرَاغِبِيهِ شَوَارِدَهُ الْمُقَيِّدِ لِطَالِبِيهِ أَوَابِدَهُ الْمُدْنِي لِلْأَذْهَانِ مِنْ مَبَاحِثِهِ كُلَّ غَرِيبٍ الْمُنْتَخِبِ لِلْحُذَّاقِ مِنْ نَفَائِسِهِ كُلَّ عَجِيبٍ الْفَائِقِ بِلَطِيفِ إشَارَتِهِ الشَّائِقِ بِرَقِيقِ عِبَارَتِهِ حَتَّى أُعْجِبَ بِهِ النَّاقِدُ الْبَصِيرُ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ لِعَلَمِ الْعُلَمَاءِ وَوَاسِطَةِ عَقْدِ الْفُضَلَاءِ حُجَّةِ الْمُحَقِّقِينَ وَخَاتِمَةِ الْمُدَقِّقِينَ الْإِمَامِ الْخَطِيرِ وَالْعَلَّامَةِ النِّحْرِيرِ مَنْ هُوَ لِعُلَمَاءِ زَمَانِهِ كَالتَّاجِ الْمِفْضَالِ الشَّهِيرِ بِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ. وَقَدْ

стр. 1005

وُضِعَ بِهَامِشِ هَذَا الْكِتَابِ الْآخِذِ بِعُقُولِ ذَوِي الْأَلْبَابِ شَرْحُ الْإِمَامِ الَّذِي لَا يُبَارَى فِي بَرَاعَتِهِ وَلَا يُجَارَى فِي فَصِيحِ عِبَارَتِهِ الْحَائِزِ قَصَبَ السَّبَقِ فِي مِضْمَارِ الْفَضْلِ الْأُخْرَوِيِّ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ جَمَالِ الدِّينِ الْإِسْنَوِيِّ الْمُسَمِّي هَذَا الشَّرْحَ بِنِهَايَةِ السُّولِ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الْوُصُولِ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ لِلْفَاضِلِ الْمُشْتَهِرِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ بِأَعْلَى الْأَوْصَافِ وَأَجْلَى الْمَنَاقِبِ مَنْ هُوَ لِرُتَبِ الْفَضَائِلِ حَاوِي الْعَلَّامَةِ الْمَعْرُوفِ بِالْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ أَسْكَنَ اللَّهُ الْجَمِيعَ فَرَادِيسَ الْجَنَّةِ وَأَجْزَلَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الْمِنَّةَ عَلَى ذِمَّةِ الْمُلْتَزَمَيْنِ الْمُكْرَمَيْنِ الْكُرْدِيَّيْنِ الْمَاجِدَيْنِ الْأَمْجَدَيْنِ حَضْرَةَ شُكْرِ اللَّهِ أَفَنْدِي كَانَ اللَّهُ لَهُ مُعِينًا فِيمَا يُعِيدُ وَيُبْدِي وَحَضْرَةَ الْفَاضِلِ الشَّابِّ الذَّكِيِّ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ فَرَجِ اللَّهِ زَكِيِّ جَمَعَنَا اللَّهُ جَمِيعًا فِي الْفِرْدَوْسِ بِلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ وَالْأَصْحَابِ. فِي عَهْدِ الْحَضْرَةِ الْخِدِيوِيَّةِ وَظِلِّ الطَّلْعَةِ الْبَهِيَّةِ الْمَلْحُوظِ مِنْ مَوْلَاهُ بِعَيْنِ عِنَايَتِهِ الْمُؤَيَّدِ بِبَاهِرِ هَيْبَتِهِ وَسَطْوَتِهِ الْمَحْفُوظِ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي الْخِدَيْوِي الْأَعْظَمِ عَبَّاسِ حِلْمِي بَاشًّا الثَّانِي أَدَامَ اللَّهُ لَنَا أَيَّامَهُ وَوَالَى عَلَيْنَا إنْعَامَهُ وَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِوَلِيِّ الْعَهْدِ وَجَعَلَهُ قَرِينَ الْمَجْدِ وَالسَّعْدِ وَكَانَ هَذَا الطَّبْعُ الْجَمِيلُ وَالْوَضْعُ الْبَاهِرُ الْجَلِيلُ بِالْمَطْبَعَةِ الْعَامِرَةِ بِبُولَاقِ مِصْرَ الْقَاهِرَةِ بِنَظَرِ مَنْ عَلَيْهِ مَكَارِمُ أَخْلَاقِهِ تُثْنَى سَعَادَةِ وَكِيلِ الْمَطْبَعَةِ مُحَمَّدٍ بِك حُسْنِي وَقَدْ بَدَرَ مِنْ هَذَا الطَّبْعِ بَدْرُهُ وَانْبَلَجَ صُبْحُهُ وَفَجْرُهُ فِي شَهْرِ جُمَادَى الثَّانِيَةِ فِي الْعَامِ الثَّامِنِ عَشَرَ مِنْ الْقَرْنِ الرَّابِعِ عَشَرَ مِنْ هِجْرَةِ سَيِّدِ الْبَشَرِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ مَا لَاحَ بَدْرُ التَّمَامِ وَفَاحَ مِسْكُ الْخِتَامِ.